المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرأي الثالث في قضيّة المجاز



جمال حسني الشرباتي
08-07-2006, 20:02
الحلقة الآولى

---------------
قال الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخراز

---------------------------------------
نعلم أنه على مر عصور الإسلام تكالب الأعداء للنيل من حقائق الدين، ولهذا العصر نصيبه الوافر من كيدهم ومكرهم، والضحية دائما هو قداسة الوحي وعصمته.

وهي الشوكة التي غص بها المغرضون.. ومن أشدهم العلمانيون..

وقد صارت الحداثة بوجهها النقدي والفكري متكأ لهم للنيل من الوحيين،

وأهم خطوة في المشروع الحداثي تحطيم الثابت والمقدس، أيا كان؛ ولم تسلم الذات الإلهية والقرآن الكريم من هذا الكيد، فضلا عن الرسل ، والقيم ، واللغة ، وغيرها.

وإمعانا في التبرير لفتل دلالات النصوص وصرف أعناقها فقد تواطئوا على اعتبار القرآن الكريم نصا حداثيا مفتوحا لكافة التأويلات والقراءات، وكذا الحديث الشريف، كسواهما من النصوص التي لاعصمة لها..

وتوالى مسلسل التلاعب بالنصوص، وإساءة الظن بها، وانتهاك حرمتها، بل صار انتهاك النص وتفجيره ، سمة الحرية والعقلانية.

ووقف وإلى جانب هؤلاء العلمانين والحداثيين فئام من أهل العلم الشرعي يبررون ويسوغون كل طارئ ومستورد، ويمهرونه بخاتم الشرع، بعد أن يتأولوا له دليلا لم يستقصوا دلالته، أو لم يجمعوا نظائره أولم يعرفوا ناسخه من منسوخه، وعامه من خاصه، ومتقدمه من متأخره.. إلى غير ذلك من وجوه القصور وأسبابه .

ومن القوم مبتدعة يسعون لتبرير بدعهم، ويلبسون لباس الشريعة وهم منه عراة، فيفسرون النصوص ويؤلونها على آرائهم، ويكرهون الدلالة على مطية الاحتمالات النافرة..

ومالم يسلس لهم من النصوص قياده وصعب عليهم مراسه وصفوه بالمتشابه وأخرجوه من جملة المحكم والقطعي، وتوسلوا إلى خداع الرعاع بحلو المنطق ورشيق العبارة، وأقسموا بالله إنهم لمنكم}.

فتفسيرات هؤلاء الصنف وتفاسيرهم يصدق أن توصف بالمذهبية والحزبية {وكل حزب بما لديهم فرحون}

قال البلقيني عن تفسير الزمخشري: استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش، من قوله في تفسير: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}: وأي فوز أعظم من دخول الجنة. أشار به إلى عدم الرؤية ... وذكر قول الرافضة في: {أن تذبحوا بقرة} وغيره، ثم قال: وعلى هذا وأمثاله يحمل خبر: ((إن في أمتى قوما يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله}.

واستمرأ القوم ماهم عليه حتى أتوا بغرائب الاحتمالات وعجائب

التأويلات، ومنها ما هو أشبه بالألغاز بل التوهمات والتخيلات، وما ذلك

بمستقيم في عقل عاقل لولا إهمال شأن القرينة والدليل على

الاحتمال والتفسير، فالحاجة في عصرنا ماسة إلى تأصيل العلم

الشرعي، والرجوع به إلى منابعه الأول، على وفق الحديث الصحيح:

((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي))

--------------------
أظنّه يستحق المتابعة ---فالرجاء المتابعة --وإشعاري بها بتعقيب بسيط

موسى أحمد الزغاري
09-07-2006, 01:39
جهدا مباركا أخي جمال ، لعلي أعود وأُثري البحث في إثبات الأمثلة لبعض من ذكرت أعلاه .

جمال حسني الشرباتي
09-07-2006, 03:15
الحلقة الثانية
------------------
شروط التأويل المقبول المتفق عليها بين أهل المجاز ونفاة المجاز

بقلم د. محمد بن عبد الرحمن الخراز

--------------------
أولاً : أن الأصل في الكلام هو (الدلالة المتبادرة)، حسبما أمكن فلا يعدل عنها مالم تتعذر، فمع إمكان الأصل يكون التأويل باطلا، مردودا.

وثانياً : إذا امتنع الأصل الأول وتعذر فلا حرج في الحمل على المعنى المرجوح

وثالثا : يجب على المتأول بيان "القرينة" التي صرف بها اللفظ والكلام عن المعنى الراجح؛ وأن تكون مقبولة لغة وشرعا وعقلا وعرفا..

فإذا لم توجد القرينة، أو كانت غير مقبولة تعيّن حينئذ الأخذ بالأصل المتبادر، ووجب حمل اللفظ أو الكلام عليه دونما تأويل.

ويَشترط المجازيون - مع القرينة- وجود ”علاقة” بين المعنى المجازي أو الكنائي وبين المعنى الحقيقي،

والعلاقة إنما احتاجها المجازيون للربط بين المعنيين؛ الحقيقي الظاهر والمجازي الباطن، باعتبار أن أحدهما أصل والآخر فرع عنه.

وأما غير المجازيين فلا حاجة بهم إليها؛ لأنه ليس في اعتبارهم معنى منتقل منه ومعنى منتقل إليه، فعندهم أن الكلام حقيقة فيما دل عليه؛ سواء أكان المعنى الظاهر أم غير الظاهر.

فقول القائل: رأيت بحرا ينفق الدراهم ، أو سلمت على البحر، هو كلام محتاج للتأويل، بأن يقصد بالبحر الرجل الكريم، والقرينة العقلية هي التي تمنع من إرادة المعنى الأصلي للبحر.

ولمزيد من التوضيح وتقرير المسألة سأسوق –كما وعدت بذلك- بعضا من أقوال الفريقين في تقرير الشروط المتفق عليها.

من أقوال مثبتي المجاز في تقرير هذه الشروط الثلاثة:

1/إسماعيل القونوي (الماتريدي) ؛ وهو بلاغي ومفسر، وله حاشية ضخمة على تفسير البيضاوي (الأشعري).

ومعلوم أن جل تفسير البيضاوي -لاسيما ما فيه من البلاغة والمعاني- مستمد من تفسير الزمخشري (المعتزلي)- ومع ذلك كله فإن كلا من القونوي والبيضاوي والزمخشري قد قرروا القواعد والضوابط الثلاثة السابقة.

وسأذكر جملة من عبارات القونوي الدالة على أنه يرى أن القول بالمجاز ليس إلا فرع القول بالحقيقة ؛ وبذا فلا يقدم الفرع على الأصل إلا حال امتناع الأصل، أو كون الفرع مصحوبا بما يُغلِّبه على أصله.

فمن ذلك قوله: (مهما أمكن الحقيقة لا يصار إلى المجاز ) ،

وقوله في عقب إحدى المناقشات : (لكونه مجازاً لا يصار إليه ما لم يتعذر الحقيقة ).
وفي عقب أخرى قال : ( وهو أوضح مما اختاره المصنف إذ مهما أمكن الحقيقة لا يصار إلى المجاز ، والمصنف رجحه على الحقيقة ، ولا يظهر وجهه ).

وعن أحد الأقوال المؤخرة عند البيضاوي قال : ( وأخره لأنه ارتكاب للمجاز قبل مساس الحاجة) .ورد القول بالمجاز المرسل في موضع ( لأنه خلاف الظاهر مع أن الحمل على الحقيقة ممكن).
وعبّّر مرة بقوله إنّ ( المجاز لا يقاوم الحقيقي ) ، والكناية داخلة مع المجاز في هذا الحكم حيث ( ما أمكن الحقيقة لا يصار إلى الكناية ولا إلى المجاز ) .

2/ الإمام الأصفهاني، وهو علماء الأصول، وقد قرر تلك الأصول الثلاثة في شرحه المسألة الخامسة من مسائل المجاز والحقيقة عند البيضاوي، وقال:

( الأصل في الكلام الحقيقةُ. والمجازُ خلاف الأصل ، لاحتياج المجاز إلى أمور ثلاثة: الوضع الأول، والمناسبة بين الموضوع الأصلي والمدلول المجازي ، ونقل اللفظ من المعنى الأول إلى المعنى المجازي)؛ هذا كلامه.

وقد أراد بما دعاه:(الوضع الأول) المعنى الحقيقي الذي وضعت له الكلمة أو الكلام؛ مثل لفظ (أسد) الموضوع وضعا أوَّليا للحيوان المفترس المعروف.

وأما اشتراطه (المناسبة بين الموضوع الأصلي والمدلول المجازي) فمعناه أنه لابد لأجل أن يصح الانتقال من المعنى الأصلي إلى المجازي من (علاقة) جامعة ومناسبة واضحة بين المعنيين.

وأما الشرط الثالث عند الأصفهاني فهو (القرينة) التي بها يكون المتكلم قاصدا للمجاز، ومريدا له، فهي التي تصرف الذهن من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي أو الكنائي.

ثم إن الإصفهاني قرر الحجة وبينها في سبب رجحان الحقيقة ابتداءً على المجاز والكناية؛

فالسبب هو: أن الحقيقة محتاجة إلى الأمر الأول -يعني به الوضعَ الأول وهو الحقيقي- ومعلوم أن المحتاج إلى شيء واحد أغلب وجوداً مما يتوقف على ثلاثة- وهي الوضع الأول، والمناسبة والنقل-

ولإخلال المجاز بالفهم حيث لا قرينة ، أو لم يُنتبه للقرينة ، أو تَعددت مجازاتُ الكلام . ... إلخ

---------------------

يتبع

وأرجو تسجيل المتابعة

والشكر موصول للأخ موسى

جمال حسني الشرباتي
09-07-2006, 11:40
الحلقة الثالثة

------------------
من كلام منكري المجاز في بيان الشروط الثلاثة للتأويل المقبول:

بقلم د. محمد بن عبد الرحمن الخراز

------------------------------
منهم -وهو أعلاهم كعبا في الموقف من المجاز- الإمام ابن القيم رحمه الله، وذلك أنه حين تكلم عن مذهب (الظاهرية) قال:

(كيف يُنكر على أهل الظاهر المتمسكين>

بظواهر كتاب ربهم، وسنة نبيهم، حيث لايقوم دليل يخالف الظاهر) ؛ فالظاهر أصل أول وغير الظاهر أصل ثان؛ يصار إليه بعد امتناع الأصل الأول .

وهذا متفق مع ما سبق تفصيله من شروط التأويل المقبول عند المجازيين وغيرهم، وذلك على النحو التالي:

أولا: قد يكون لكلامٍ معنى متبادرا، ومعنى آخر غير متبادر.

ثانيا: الأصل الحمل على المعنى المتبادر من اللفظ أو الكلام.

ثالثا: إذا قام دليل (قرينة) يستدعي مخالفة الأصل، عُمل به.

-----------------

أرجو المتابعة --وتسجيل المتابعة

جمال حسني الشرباتي
10-07-2006, 09:25
على أيّة حال

ملخص قوله هو عدم التوسع في القرائن الصارفة للفظ من الحقيقة إلى المجاز---قال في النهاية
----------------------

(وأما (المقبول من التأويل) فما ظهرت فيه العلاقة –بعد القرينة- كقوله تعالى: { وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها } الآية ، فالمراد: أهل أم القرى ، قال القونوي : ( وإنما اختير المجاز أو تقدير المضاف للتنبيه على أن الإنذار بحيث يكون تأثيره سارياً إلى الجماد).

وفي قول الله تعالى : { ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم } الآية وقع (الأفواه) مجازاً عن (الكلام) ( لكون الأفواه محل الكلام ؛ لأن البغض أمر قلبي ، فظهوره بالكلام الدال عليه، ومحل الكلام الأفواه واللسان. والتعبير بالأفواه للمبالغة؛ كأنهم يتكلمون بملء الفم)....

ففي هذين الشاهدين مجاز مرسل علاقة ذكر المحل وإرادة ما فيه، أو من فيه.

وأما الاستعارة، فقد علمنا أن علاقتها (المشابهة) بين المنقول منه والمنقول إليه، ولا علاقة لها أخرى غيرها؛ ومن الأمثلة الوضحة المقبولة لهذه العلاقة ما في قوله تعالى: { والشعراء يتبعهم الغاوون . ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون } ، فقد كان يمكن أن يعبّر بدل (الوادي) بـ(الطريق أو المسلك) ، لكنه اختير الوادي ، لما يكتنفه - عادةً - من الخفاء والغموض كما هو حال المعاني الشعرية التي تستخرج بالفكر والروية ؛ ذكر ذلك العلوي في الطراز، وهذه هي علاقة المجاز هنا، وذكر القونوي نحوه ، وزاد و (الوادي) هو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة ، وقد يستعمل في الماء الجاري فيه، مجازاً.

والمراد هنا : فنون القول وطرقه ، وجه الاستعارة : مظانّ الهلاك ، فكما أن الوادي مظن الهلاك الحسي ، كذلك الأقوال الكاسدة مظنة الهلاك المعنوي ، والجامع مطلق مظنة الهلاك ) .

و ( { يهيمون } أي :

يخوضون في كل لغوٍ ، وأصل الهيام أن يذهب الرجل على وجهه.


---------------------------


انتهى