المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : افتنان العلماء في نشر العربية



سامي أحمد العمير
04-07-2006, 08:26
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه :

قبل البدء في الموضوع ..

كنت قد اشتريت قبل سنوات كتاباً لطيفاً بعنوان ( شجر الدر في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة ) لأبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي ، المتوفى سنة 351 هجرية . والكتاب طبعته دار المعارف في مصر ضمن سلسلتها : ذخائر العرب . وقد قدم له وحققه وعلق عليه الأستاذ محمد عبد الجواد أستاذ فقه اللغة بدار العلوم ( سابقاً ) ومعهد التربية للمعلمات بالزمالك ( سابقاً ). والطبعة التي بين يدي هي الطبعة الثالثة .

ثم رأيت أن أكتب هذه المقالة لتقديمها لقراء المنتدى مرتكزا كثيرا على مقدمة المحقق لهذا الكتاب بتصرف مني ببعض الألفاظ والأفكار مضيفا أو مغيرا .. مسهبا أو مختصرا . فكانت هذه المقالة :


افتنان العلماء في نشر العربية

اللغة العربية .. تلك اللغة العظيمة .. البهية الألفاظ والمعاني .. والمفردات والمركبات .. والظواهر والضمائر .. والأسماء والأفعال ، هذه اللغة التي أكرمها الله بجعلها لغة آخر كتبه ، المحفوظ من التحريف ، الحجة لبعض بني آدم والحجة على بعضٍ آخر .. لغة القرآن يتقرب بها معلموها ومتعلموها إلى الله تعالى . لذا .. تجد اهتمام العلماء بها عظيما ، والتواصي بتعلمها ظاهراً في كلامهم بيناً .

لم يقتصر الاهتمام بها على من خصص جل وقته أو كله – بعد حفظ القرآن وقدر من الأحاديث في العادة – لتعلمها وتعليمها ، وإنما درسها واهتم بها علماء آخرون كعلماء التفسير وأصول الفقه . بل إن الأخيرين خدموا اللغة خدمة فاقت خدمة المتخصصين فيها في بعض الجوانب التي لها صلة وثيقة جداً بالأحكام الشرعية .

و قد كانت الحركة العلمية في القرون الهجرية الأولى نشطة ودؤوبة ، وكان لعلماء العربية نصيب وافر منها كنظرائهم من علماء الفقه والتفسير والحديث والسير والتاريخ .

وكانت مشافهة من لديه العلم هي الطريقة السائدة التي تلقى بها الطلبةُ العلمَ عن شيوخهم ، فظهرت سلاسل العلم وأسانيده التي انتظم فيها العالم تلو العالم . وقد شافه طلبةُ العربية العلماءَ في المدن والأعرابَ في البوادي ، ونظروا في مفردات القرآن وغرائبه ( الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم ، كما أن الغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل.. وهذا تعريف الإمام أبي سليمان الخطابي حسبما نقله بعض الأساتذة الباحثين عن كتاب كشف الظنون ) وفي أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وفي أشعار الجاهلية وصدر الإسلام وخطابتهما وحكمهما وأمثالهما .. حتى تجمع لدى العلماء كمٌّ وفير وقدر عظيم من المفردات والتراكيب اللغوية .. جدير بالتسجيل والتدوين ونقلها إلى الجيل بل الأجيال القادمة .

فمنهم من جمع مفردات تدور حول موضوع واحد ، يصف فيه حيواناً كالخيل والوحش ، أو نباتاً كالنخل والزرع ، أو ظاهرة ً كالسحاب والمطر ، أو يتكلم في الجبال والمعدنيات أو اللباس والطعام ، أو جمع مفردات باب واحد وضم بعضها إلى بعض : كما في كتاب اللبأ واللبن لأبي زيد الأنصاري ( سعيد بن أوس الأنصاري البصري 119 – 225هجرية ) ، وكتاب النبات والشجر ، وكتاب الخيل ، وكتاب الشاء ، وكتاب الدارات للأصمعي ( أبي سعيد عبد الملك الباهلي 123 – 216 هجرية ) ، وكتاب الأنواء ، وكتاب النخل والزرع ، وكتاب البئر لابن الأعرابي ( أبي عبد الله محمد بن زياد الكوفي 152 – 232 هجرية ) ، وكتاب المطر والسحاب لابن دريد ( أبي بكر محمد بن دريد الأزدي 223 – 321 هجرية ) وغيرها .

لكن الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري ( شيخ سيبويه وغيره ، 100 – 174 هجرية ) كان قد اتجه إلى الحروف ، فنظم المفردات بالنسبة إلى حروفها لا إلى معانيها ، فصنف كتابه ( العين ) ، وسلك مسلكه آخرون اقتفوا الأثر نفسه ، فكان ظهور ( لسان العرب ) و ( القاموس المحيط ) وغيرهما من الكتب التي عمد أصحابها إلى الألفاظ فرتبوها حسب حروفها مبتدئين بأول حرف من الكلمة أو آخر حرف منها ،فيضبطونها ويشرحون معناها أو معانيها ، ويوضحون استعمالها . وهذه الكتب أسماها الدكتور محمد عبد الجواد في مقدمته لتحقيق كتاب شجر الدر في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة : ( معجمات الألفاظ ) .

ومما تميز به علماء الأمة في مختلف العلوم الشرعية واللغوية : استجابتهم للمتغيرات في الساحة الإسلامية عامة والعلمية خاصة .. استجابة لم يخرجوا بها عن ثوابت الدين وقواعده العامة . فتجدهم لما رأوا ضعفاً في الهمم عن حفظ الكتب المطولة عن ظهر قلب – وقد كان حفظ العلم من أسس تقويم ( ولا تقل : تقييم ) العالم والطالب – اتجهوا إلى تصنيف المختصرات واختصار المطولات ليكون لدى الطالب رؤوس المسائل ومفاتيحها يستذكرها بسرعة عند الحاجة .

ولما رأوا عزوفاً عن حفظ كتب العلم المكتوبة نثراً اتجهوا إلى نظم العلوم شعراً ليسهل على الطالب حفظها . وما زالت بعض البلدان تتوارث فيها الأجيال حفظ المنظومات العلمية القديمة والحديثة . ولعل أبرز هذه البلدان الآن هي بلاد شنقيط ( موريتانيا .. بلد المليون شاعر ) .

وكان لعلماء اللغة نصيب من هذه الاستجابة للمتغيرات بما لا يمس الثوابت ، فقد تفننوا في عرض اللغة العربية حسبما تدعو الحاجة إلى ذلك .ففي مواجهة ما استجد في الدولة الإسلامية من إنشاء دواوين للكتابة والرسائل .. ظهرت كتب تجمع الألفاظ الخاصة بالمعنى الواحد لسد حاجة الكتّاب إلى جمع هذه الألفاظ وجعلها في متناول اليد والفكر . فكأنها مجموعة من الكتب السابق ذكرها التي وضعها الأصمعي و أضرابه . وهكذا ظهرت المصنفات التي أسماها ابن سيده ( أبو الحسن علي بن إسماعيل المتوفى سنة 458 هجرية ، الأندلسي صاحب المحكم والمخصص ) أسماها " الكتب المبوبة " ، أو ما أسماها د . محمد عبد الجواد " معجمات المعاني " ، أمثال : تهذيب الألفاظ لابن السكيت ( أبي يوسف يعقوب بن السكيت ، صاحب كتاب إصلاح المنطق ، 186 – 244 هجرية ) ، وكتاب فقه اللغة للثعالبي ( أبي منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري 350 – 429 هجرية ) ، والمخصص لابن سيده .

وفي مواجهة الملل والسآمة التي تصيب بعض الطلبة توجه بعض العلماء إلى ابتكار طريقة جديدة في عرض المفردات العربية ، فألفوا بعض الكتب بطريقة تداخل الكلمات والمعاني ، وهو ما يعرف بالمُداخَل أو المتداخل أو المسلسل . ومنهم من اتجه إلى طريقة أخرى هي تأليف المقامات التي جمعت بين الجانب القصصي والجانب اللغوي ، بل اختلف المهتمون في الباعث الأول لمثل هذا التأليف : هل هو باعث أدبي قصصي ، أم باعث لغوي تزيا بزي الأدب والقصص ؟

انتهت المقدمة .

وأنتظر منكم التوجيه والتصحيح ، لوجود آراء و تعليلات هنا ظنية غير قطعية ، والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه ، ورحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أخوكم / سامي أحمد العمير

جمال حسني الشرباتي
04-07-2006, 09:58
السلام عليكم

يظهر أننا أمام ثروة فكرية فمرحبا بك يا أخ سامي


وعندي سؤال---في أي باب تصنّف كتاب معجم المقاييس في اللغة لأحمد بن فارس بن زكريا؟؟

حسين العراقي
06-07-2006, 14:22
لو يتحفنا الأخ سامي بطبع صفحات من الكتاب او تحميله إلينا لتعم الفائدة ، وليسهم في تطوير المنتدى .

موسى أحمد الزغاري
06-07-2006, 15:25
أستاذي جمال ، أستأذنك في الإجابة عن سؤالك .
المعجم هو : ديوان لمفردات اللغة مرتب على حروف المعجم .
ديوان لمفردات اللغة مرتب على حروف المعجم ، والجمع معاجم ومعجمات ، وحروف المعجم : حروف الهجاء .
والمعاجم نوعان : معاجم الألفاظ ومعاجم المعاني :
أ- فمعجم الألفاظ : كتاب لغوي يحتوي على كلمات منتقاة ترتب في العادة على نحوٍ معين مع شرح لمعانيها ومعلومات أخرى ذات علاقة بها ، ومن أمثلته :
_ معجم العين لمؤلفه : الخليل بن أحمد الفراهيدي
_ معجم الصحاح لمؤلفه : الجوهري
_ معجم أساس البلاغة لمؤلفه : الزمخشري
ب- أما معجم المعاني فيعرف بأنه كتاب مصنف على أساس الحقول المعجمية أو الموضوعات بحيث ترد الكلمات ذات الصلة بحقل معين ضمن ذلك الحقل . وتكون مصحوبة باستعمالات أو توضيحات . ومن أمثلته :
_ فقه اللغة لمؤلفه : الثعالبي
_ المخصص لمؤلفه : ابن سيده
وقد اختلف العلماء في ترتيب معاجم الألفاظ منذ القدم ، ويرى د.حسين نصّار في كتابه ( المعجم العربي نشأته وتطوره ) أن هناك أربع مدارسَ لمعاجم الألفاظ تنتظم الاتجاهات المختلفة في عملية التأليف المعجمي ، وهي :
أ- مدرسة الترتيب الصوتي والتقليبي ، ومن أمثلتها :
_ معجم العين للخليل بن أحمد
_ البارع لأبي علي القالي
ب- مدرسة الترتيب النحوي أو الترتيب بحسب الأبنية ، ومن أمثلتها :
_ الجمهرة لابن دريد
_ المجمل لابن فارس
جـ - مدرسة الترتيب الألفبائي بحسب الأواخر ، ومن أمثلتها :
_ الصحاح للجوهري
_ لسان العرب لابن منظور
_ القاموس المحيط لابن فيروز آبادي
د- مدرسة الترتيب الألفبائي بحسب الأوائل ، ومن أمثلتها :
_أساس البلاغة للزمخشري
_ المعجم الوسيط الذي أخرجه جمهرة من العلماء ( مجمع القاهرة ) من أمثال د. إبراهيم أنيس وزملائه .

=============================
أما عن كتاب معجم مقاييس اللغة لأبن فارس ، فهو من معاجم الألفاظ القيمة جدا .
وشكرا .

جمال حسني الشرباتي
06-07-2006, 20:35
لقد بحثت فيه عن مادة شخص فلم أجدها---ترى لماذا

سامي أحمد العمير
22-07-2006, 10:58
الأخ جمال ..

أهلاً بك .. سرني مرورك ، وقد أجابك عن سؤالك الأخ موسى ، فمعجم مقاييس اللغة مرتب على الألفاظ ( الحروف ) وليس المعاني .

الأخ حسين ..

سيأتي نموذج لكتاب شجر الدر إن شاء الله ، أما التحميل فأنا لا أجيد هذه الفنيات . شكراً لتفاعلك .

الأخ موسى ..

إضافة قيمة استفدت منها ، جزاك الله خيراً على التفاعل والفوائد .

منكم إن شاء الله نستفيد ، وترقبوا الجزء الأول بعد المقدمة الماضية ، إن شاء الله ترونها قريباً .

جمال حسني الشرباتي
22-07-2006, 13:57
الأخ سامي

لا تطل الغيبة

سامي أحمد العمير
23-07-2006, 12:07
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن والاه وتبعه بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد ..

فكنت قد ذكرت في المقدمة أن علماء العربية واجهوا ما أصاب الطلبة من سآمة وملل وفتور وضعف همة بأن افتنّوا في نشر اللغة العربية والتأليف فيها وتدريسها ( وتذكير الطلبة بأهمية العلم النافع ) .

ومن صور هذا الافتنان ما يُعرف بالمُداخَل أو المتداخل أو المسَلسَل . وهي طريقة عجيبة لطيفة في جمع مفردات اللغة العربية بتسلسل يرتكز على خيط دقيق كما قال د. محمد عبد الجواد محقق كتاب ( شجر الدر في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة ) من المعنى المشترك يجمع بينهما ، وذلك بأن تُذكر اللفظة ، ثم تفسر اللفظة بلفظة ثانية ، وتفسر الثانية بثالثة ، والثالثة برابعة ، وهكذا حتى ينتهي الفصل ، ثم يُستأنف الكلام بلفظة جديدة أو باللفظة الأولى وتفسر بأخرى ، وهكذا ، حتى تجتمع عدة فصول تطول وتقصر ، تبعاً للمادة ومعانيها المختلفة ، وقدرة المؤلف على حشد هذه المعاني وتسلسلها . وقد يستشهد المؤلف بالبيت أو شطره ، وبالبيتين أو المثلث أو المخمس من الأشطار ، على معنى من المعاني ، أو استعمال كلمة من الكلمات . وقد يلتزم ابتداء الباب بشعر يأخذ منه اللفظة التي تكون أساسه ، كما يختتمه بذلك . وقد يستفيد الطالب من وراء هذا أنه رياضة لغوية ، يحتال بها على تحصيل ثروة لغوية ، وحفظ واستذكار معاني مفردات اللغة بدون سأم ولا تعب . وبذلك يقف الطالب على معانٍ جديدة عليه ودقيقة للكلمات وخاصة ما كان منها قديما أو غريبا أو مهجورا وغير مستعمل .

وقد ذكر الدكتور محمد عبد الجواد ثلاثة كتب في هذا الفن لثلاثة مؤلفين من علماء اللغة العربية، وهم بالترتيب الزمني :

1- أبو عمر المطرِّز ( محمد بن عبدالواحد بن أبي هاشم الباوردي المتوفى في بغداد سنة 345 هجرية ، لقب بغلام ثعلب ( أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني إمام الكوفيين في النحو واللغة
200-291هجرية ) وذلك لصحبته إياه زمناً ، وسمي بالمطرز لأنه كان يشتغل بتطريز الثياب . وكان من أئمة اللغة وحفاظ الحديث ( لاحظ التنوع في تحصيل العلوم عند الأسبقين ) ، وأملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة .
وكتابه في هذا الفن اسمه ( المداخل ) بضم الميم وفتح الخاء .

2- أبو الطيب العسكري اللغوي : عبدالواحد بن علي ، ولد في عسكر مكرم ، ونشأ فيها ، ورحل إلى بغداد ، ثم قدم حلب وأقام بها إلى أن قتل في دخول الدمستق حلب سنة 351 هجرية . أخذ عن أبي عمر المطرز السابق ذكره ، وعن أبي بكر الصولي ( محمد بن يحيى بن عبدالله بن العباس بن محمد بن صول ، اشتهر بالرواية والحفظ ، كان جده صول وأهله ملوك جرجان ، ثم رأس أولاده بعده في الكتابة وتقلُّد الأعمال السلطانية. توفي سنة 336 هجرية ) .

وقد قرأ أبوالطيب على شيخه المطرز كتابي الفصيح وإصلاح المنطق حفظاً . ولأبي الطيب مؤلفات في اللغة غير هذا المؤلف .

3- أبو طاهر الإشتركوني : ( محمد بن يوسف بن عبدالله التميمي المازني السرقسطي الأندلسي ، توفي بمدينة قرطبة سنة 538 هجرية ) فهو توفي بعد صاحبيه بقرنين ، واسم كتابه ( المسلسل ) ، وهو واضح الدلالة على مضمونه أكثر من سابقيه حسب رأي الدكتور محمد عبدالجواد .

ذكر مثال من كل كتاب :

أولاً : كتاب ( المُداخَل ) لأبي عمر المطرز :

باب القطاج : أخبرنا ثعلب عن عمرو عن أبيه قال : القطاج : قلس السفينة ، والقلس : ما يخرج من حلق الصائم من الطعام والشراب ، والشراب : الخمر ، والخمر : الخير ، قال : والعرب تقول : ما عند فلان خل ولا خمر ، أي لا شر ولا خير . والخير: الخيل ، والخيل : الظن ، والظن : القسم . قال وأخبرنا ثعلب عن سلمة عن الفراء ، قال : من العرب من يقول : أظن إن زيدا لخارج ، بمعنى : والله إن زيدا لخارج . قال : وأنشدنا ثعلب عن سلمة عن الفراء :
أظن لا تنقضي عنا زيارتكم ………………… حتى تكون بوادينا البساتين

ثانيا : من كتب ( شجر الدر في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة ) لأبي الطيب اللغوي :


شجرة
الصحن : قدح النبيذ ، والنبيذ : الشيء المنبوذ ، والمنبوذ : اللقيط ، واللقيط :
النوى ، والنوى : الشحط ، والشحط : الذبح ، والذبح : الشَّق ، والشق : النصَب ، والنصَب : القوم المعيون من سير أو غيره ، والسير : السَّوق ، يقال : سِرت الناقة ، أسيرها سيراً ، إذا سقتها لتسير ، قال الراجز رؤبة بن العجاج :

قد سٍرتُ نِضوَى سفَر أنضاهما…………………… تجشُّم الأهوال في سُراهما
والسَّوق : خروج النفس … الخ

ثم عاد إلى الصحن ليفسره بمعنى آخر فقال : فرع
والصحن : إصلاح الشَّعب ، والشَّعب : الرَّفوُ ، والرفو : السكون : والسكون : جمع سَكَنٍ وهو النار … الخ

ثالثاً : من كتاب المسلسل لأبي طاهر التميمي الإشتركوني:
الباب التاسع : أنشد أبو زيد لسعد بن زيد مناة :

أجدَّ فراق الناقمِيه غُدوةً …………………………… أم البين يحلَولى لمن هو مولَعُ
لقد كنت أهوى الناقميه حَقبة ……………………….. فقد جعلت آسانُ بَينٍ تَقَطَّعُ

الآسان : المَشابِه ، وهي هنا القوى ، والقُوى جمع قوة ، والقوة طاقة من طاقات الحبل … الخ

موازنة بين المؤلفات الثلاث :

1- تختلف المؤلفات الثلاث في اختيار المفردات ، وكونها أكثر استعمالاً وحداثة ووضوحاً . فمُداخَل المطرِّز تميل إلى البداوة وتتعمق في الغرابة ، خلافاً لمفردات شجر الدر الأكثر استساغة في نظر المحدثين على الأقل ، وإن كانت شواهدها تضم غير قليل من الشواهد القديمة . أما مفردات المسلسل وشواهده فكثيرة تجمع بين الغريب والمستعمل . والمسلسل يلتزم ابتداء كل باب من أبوابه الخمسين بشعر ويختتمه كذلك ، غير الشواهد الكثيرة المنثورة في صلب الأبواب .

2- كتاب المداخل عبارة عن أبواب قصار رواها مؤلفه عن شيخه ثعلب الذي كان يرويها تارة عن ابن الأعرابي ( أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي أحفظ الكوفيين للغة . توفي 232 هجرية ) ، وتارة عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني ( اللغوي الكوفي ، توفي 231 هجرية ) عن أبيه ( أبي عمرو إسحاق بن مرار الشيباني الكوفي ، صاحب كتابي الجيم والنوادر ، 96 – 206 هجرية ) ، وتارة أخرى كان ثعلب يرويها عن سلمة ( أبي محمد سلمة بن عاصم النحوي : 162 – 240 هجرية ) عن الفرّاء ( أبي زكريا يحيى بن زياد : 144 – 207 هجرية ، أخذ عن الكسائي ) . ولم يبتدئ المطرز كتابه بمقدمة ، وإنما بدأ بذكر سند رواياته .

أما كتاب شجر الدر في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة لأبي الطيب فيتألف من مقدمة وست شجرات ، ذكر في مقدمته فقرتين :
الأولى تكلم فيها عن وجود السهل والصعب في مسائل العلم ، وأن طالب العلم ليس في غنى عن معرفة كليهما ، وأن العالم المتبحر في مسائل العلم يبذل ما سهل منها لطالبه ويسهل عليه صعبها ، وقد رجا الله أن يكون ممن يسهلون ما صعب من مسائل العلم للطلبة . وأما الفقرة الثانية فذكر فيها سبب تسمية الكتاب ومحتوياته . فسمى كل باب من الكتاب بالشجرة اشتقاقاً من مادة ( شجر ) ؛ لأن الاشتجار هو التداخل . وجعل أصل كل شجرة كلمة يبني عليها مئة كلمة ما عدا الشجرة التي ختم بها كتابه ففيها خمسمئة كلمة .
ولكل شجرة فروع ( أي أنه يبدأ بأصل الشجرة كالصحن مثلاً فيفسرها بكلمة ويتسلسل في ذلك ، ثم يعود إلى الصحن ثانية ويفسرها بكلمة أخرى ويتسلسل في ذلك ) ، ما عدا آخر شجرة فلا فروع لها . وضمّن كتابه مجموعة من الشواهد الشعرية .

وأما كتاب المسلسل فقد بدأ بمقدمة ذكر فيها أنه سمع عليه كتاب المداخل للمطرز ، فرآه غير مستوفٍ الفائدة التي ترجى من مثله ، وعلل ذلك بأن مؤلفه لعله ارتجله ارتجالاً فطارت به الركبان دون أن يعاود العمل فيه للاستقصاء ، فحرك ذلك صاحب المسلسل إلى أن يصل ما بدأه المطرز ويكمله ، فوضع خمسين باباً لكتابه ، افتتح كل باب بشعر واختتمه بشعر ، وأقر بفضل المطرز وسبقه عليه . واسم المسلسل أوضح في الدلالة على المضمون .

ولا بد لمن يتعرض للتأليف في المتداخل أن يحيط بها جميعاً ، ويتمكن من اللغة – ألفاظها ومعانيها ، حتى تطاوعه وتساير أساليبه وتفسيراته التي قد يظهر بعضها غريباً ، ذلك لأنه يغوص في بحر المعجمات فيصيد منها العجائب والغرائب مما لا يخطر على بال طالب اللغة .

انتهى الجزء الأول ، ويليه إن شاء الله الجزء الثاني في المقامات اللغوية .

وأنبه إلى أن ارتكازي في هذا الموضوع كما ذكرت لكم سابقاً هو على مقدمة الدكتور محمد عبد الجواد في تحقيقه لكتاب شجر الدر المذكور في هذا الموضوع ، وقد زاد ارتكازي عليه في هذا الجزء بسبب الجهد الذي بذله الدكتور في دراسته هذه والفارق العلمي بيني وبينه .
( أشكرك أخ جمال على المتابعة ) .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أخوكم / سامي أحمد العمير

سامي أحمد العمير
29-07-2006, 08:58
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ..

المقامات اللغوية

كنت أعددت مرجعين لكتابة هذا الجزء هما مقدمة محقق مقامات بديع الزمان الهمذاني الأستاذ محمد محيي الدين عبدالحميد ( طبعة دار الكتب العلمية ) ، ومقدمة المشرف على نشر وطباعة وتصحيح شرح الشريشي لمقامات الحريري الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي ، لكنني أحببت أن أتوثق من مسألة معينة فسألت زميلي في العمل الشيخ زهير الحموي – أمين سر هيئة الفتوى في وزارة الأوقاف الكويتية ومهتم باللغة العربية والتراث الإسلامي – سألته عن المسألة التي كنت أريد توثيقها وهي أن المقامات صنفت لتعليم العربية أكثر من كونها فناً أدبياً قصصياً ، فإذا به يخبرني بأن له بحثاً صغيراً في المقامات ضمن كتاب له لم ير النور بعد ، وزودني مشكوراً بصورة مما كتب فتحت لي مجالاً أوسع للكتابة عن فن المقامات اللغوية في هذا الجزء من الموضوع المعروض هنا فصار مرجعاً لي مع المرجعين السابقين ، ، فأشكر الشيخ زهيراً الحموي على تزويدي ببحثه عن المقامات . ( وأود أن أذكّر بأنني لن أعزو عزواً تفصيلياً مكتفياً بالإحالة الإجمالية إلى مراجعي ، فجزى الله خيراً كل من أفادني بكلمة ) .

وأقول مستعيناً بالله عز وجل :

المَقامات فرع من فروع علم إنشاء النثر ( والإنشاء علم يُبحث فيه عن المنثور ، من حيث إنه بليغ وفصيح ، ومشتمل على الآداب المعتبرة عندهم في العبارات المستحسنة واللائقة بالمقام ) .
أما المقامات فجمع مقامة ، وهي في اللغة المجلس ، والحديث يُجتمع له ويُجلس لاستماعه يسمى مقامة ومجلساً ؛ لأن المستمعين للمحدث ما بين قائم وجالس ، ولأن المحدث يقوم ببعضه تارة ويجلس ببعضه تارة أخرى .
قال الأعلم : " المقامة : المجلس يقوم فيه الخطيب يحض على فعل الخير " .
وفي الاصطلاح : عبارة عن كتابة حسنة التأليف ، أنيقة التصنيف ، تتضمن نكتة أدبية ، مدارها على رواية لطيفة ، تسند إلى بعض الرواة ، ووقائع شتى تعزى إلى أحد الأدباء ، المقصود منها غالباً جمع درر البيان ، وشوارد اللغة ، ونوادر الكلام .

و مما أُلِّف من المقامات :
1- مقامات بديع الزمان الهمذاني .
2- مقامات الحريري .
3- المقامات الزينية ، لابن الصيقل الجزري المتوفى سنة 701 هجرية .
4- المقامة السرقسطية اللزومية ، لمحمد بن يوسف التميمي السرقسطي المعروف بابن الاشتركوني المتوفى سنة 538 هجرية الوارد الحديث عنه وعن كتابه في الجزء السابق ، وهي خمسون مقامة ، أنشأها بقرطبة عند وقوفه على ما أنشأه الحريري بالبصرة .
5- مقامات الحسن بن صافي ( ملك النحاة ، وهو الحسن بن صافي بن عبدالله بن نزار ، 489 - 568 هجرية ، من كبار النحويين ) .
6- مقامات للإمام السيوطي ( جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي 849 - 911 هجرية ) تقرب من الثلاثين ، اعتنى بجمعها وشرحها الأستاذ سمير محمود الدروبي ونشرها بعنوان : " شرح مقامات جلال الدين السيوطي " في مجلدين ، مؤسسة الرسالة في بيروت 1409 - 1989 .

ولنأخذ كتابين منهما لعلهما الأشهر :
أولاً : مقامات بديع الزمان الهمذاني ، وهو أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني ( 358 - 398 هجرية )، تتلمذ على ابن فارس ( أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب الرازي ، له مؤلفات كثيرة ذكرها الأستاذ عبد السلام محمد هارون في مقدمته لتحقيق معجم مقاييس اللغة لابن فارس ، ولابن فارس كتب أخرى فلتراجع في تلك المقدمة ، وقد اختُلف في تاريخ وفاته و أصح الأقوال وأولاها بالصواب عند الأستاذ محقق معجم مقاييس اللغة هو في سنة 395 هجرية . ) وابن دريد ( 223- 321) ، والخوارزمي ( لم أعرف من هو بالتحديد ) .
والاتجاه العام على أن أول من صنف المقامات هو بديع الزمان الهمذاني ، لكن قيل إن أول من ابتدأها هو ابن دريد فعارضه البديع بأربعمائة مقامة لطيفة ( بلغ عدد المقامات التي أنشأها خمسين مقامة ، لكنه قال عن نفسه إنه ألف أربعمائة مقامة ) .

واختُلف في الهدف من المقامات .. هل هو قصصي ، أم هو لغوي تزيا بزي القصص ؟
يميل الدكتور شوقي ضيف إلى القول الثاني ، ومما يعزز هذا الرأي كثرة المفردات والتراكيب الجميلة الواردة فيها ، ولهذا ذكرتها كمثال من أمثلة افتنان العلماء في نشر العربية . وقد كانت بعض المقامات ( مقامات الحريري ) مدرسة يتعلم فيها الشباب الأدب والكتابة وأساليب البيان ، وكان عماد الأدباء أو قسم منهم في ثقافاتهم الأدبية هو قراءة مقامات الحريري بل حفظها والإفادة منها ، فهذا يؤكد أن المقامات هي حلقة في سلسلة دراسة اللغة العربية ، كيف لا وقد صنفها وشرحها أدباء ولغويون وصلوا الأجيال اللاحقة بالسابقة في تعلم اللغة العربية .

يتبع

والسلام عليكم .

أخوكم / سامي أحمد العمير

جمال حسني الشرباتي
29-07-2006, 20:07
السلام عليكم

أكرمك الله لقد أكرمتنا--

هل تستطيع تزويدنا بمقطع من مقامات الإمام السيوطي

سامي أحمد العمير
30-07-2006, 10:40
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي جمال ..

وجزاك الله خيراً .

ليس لدي كتاب مقامات السيوطي ، ولكني سوف أعرض شيئاً من مقامات الحريري وبديع الزمان إن شاء الله ..

تابع معي بارك الله فيك .