المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اليقينيات والظنيات وعلوم الطبيعيات



ناجح أسامة سلهب
14-06-2006, 22:22
بسم الله الرحمن الرحيم

قد أحببت والحق يقال مشاركة أهل العلم في خدمة كلام الله في القليل الذي أحسنه , إذ مما لا جدل فيه أن متدبر كتاب الله العزيز بحاجة إلى قاعدة فكرية وعقلية جيدة تسمح له بالتعامل مع النص بشكل يحفظه قدر الإمكان من الزلل ويمكنه قدر الإمكان في سبر أغوار النص و عليه كان هذا الجهد المتواضع في العقلانيات ونظرية المعرفة الذي أرجو أن يكون عملاً خالصا لوجه الكريم و أن يتلقى بالقبول عند أهل العلم وطلبته .

أخوكم ناجح سلهب باحث ومفكر في العقلانيات ونظرية المعرفة
بسم الله الرحمن الرحيم

اليقينيات والظنيات وعلوم الطبيعيات

لقد كثر في الآونة الأخيرة قيام كثير من الأفاضل -نسأل الله لهم السلامة والمعافاة- بإسقاط كثير من الفرضيات العلمية على آيات القرآن الكريم مدعين أن بيانهم وجه لما اتفقوا على تسميته بالإعجاز العلمي أو ما نتفق على تسميته جميعا بالتفسير العلمي ولذلك قد أخذت على عاتقي - وبالله التوفيق- بيان سوء مذهبهم ذاك .
وبداية وجب أن نتعرف على بنية العلوم والمعرفة الحسية لكي ننشأ تصورا يشمل ويوضح لنا واقع الحال

الواقع

و هو الأشياء والأحداث , فكل ما من شأنه أن يلتقطه الحس أو يلتقط أثره فهو واقع , فالبيئة المحيطة واقع وعناصرها واقع أيضاً و هلم جراً , و هنا يجب التنويه الى أن الواقع ينقسم الى قسمين الواقع المادي (الفيزيقي) من أشكال و كتل و أحجام و مساحات و واقع غير مادي (روحي) و هو ليس شيئاً ماديا و يدرك من أثره و تفاعله مع الواقع المادي مثل النفس الإنسانية و الأفكار و الروح (سر الحياة) , و مما ثبت عندي أن الواقع الفيزيقي و غير الفيزيقي غير منفصلان عن بعضهما البعض بتاتاً , و هنا يجب أن أنوه أن مدبر الكون ليس فيزيائيا ولا غير فيزيائي (روحي) إذ أن الخالق مدرك الوجود بصفات عظمته و غير مدرك الذات, فهو ليس كمثله شيء , و كي استبق الأمور فإن لا انفصال ما بين المادة و المعنى فهما متداخلتان متعلقتان تمام التعلق ببعضهما البعض.

ولقد ذكرنا الشيء فما هو الشيء , و الشيء : هو كل ما من شأنه أن يوجد في المكان والزمان ( و من الطريف أن المكان و الزمان هما شيئان أيضاً أو شيء واحد), أو أن الشيء هو مجموع صفاته كما يعرفه آخرون , أو أنه ذات و صفات , و عليه فإن الموضوع هو بحث الشيء من زاوية أو زوايا محددة , وعند دراستنا للأشياء فإن هناك مجالين للدراسة و هما خصائصه وميزاته أو المجال الكيفي (ما يتعلق بالنوع والأحوال) أو من حيث المقدار وهو المجال الكمي و كما ترى فإن التعريف يأتي لبيان صفات شيء ما , و لكي نعرف التعريف نقول أنه عرض صفات شيء ما في إطار معين , و كما استقرأ العلماء فإنهم أحصوا ثلاثة أنواع من التعاريف و هي : 1 التعريف الجامع المانع . 2 التعريف السلبي 3 . التعريف الإجرائي :

أما بالنسبة للتعريف الجامع المانع هذا فهو وصف لموضوع ما من مختلف زواياه محيطا بمجمل المعلومات الموجودة حوله و هنا أشير إلى أن الإحاطة تكون غير كاملة ( على أساس ما يجب أن يكون ) و إنما هو جلب أقصى ما يمكن من المعلومات المعروفة عن الموضوع ( ما هو كائن ) , كتعريفنا الإنسان بأنه : كائن حي ناطق مفكر يتواجد بجماعات , كما أن التعريف يعتمد على الأسلوب الإستقرائي حيث لا يمكن استغراق جميع عناصر الموضوع جملة واحدة داخل نطاق الطبيعيات وعليه يقال أن لكل قاعدة من شواذ(هذا طبعا من جهة الإنسان الناقص العاجز أمام قدرة جبار السماوات والأرض)
أما التعريف السلبي فهو تعريف موضوع ما بموضوع معاكس أو مناقض له لتمييزه عنه مثل تعريفنا الجماد : بأنه هو كل ما ليست له حياة .
أما التعريف الإجرائي فهو التعريف المحسوس بشكل واقعي( حصيلة الاحتكاك المباشر من التجربة العملية ) مثل تعريفنا الحديد بأنه معدن قاس لامع يستخدم في تكوين المعدات و الأجهزة المختلفة .
و الأحداث : هي سلوك الأشياء , فهي علاقة الزمن بالأشياء .

الإحساس

و هي الآليات الجسدية (أدوات نقل المعلومات عن طبيعة الأشياء) التي تمكنك من نقل الواقع إلى الدماغ , وهي الحواس الخمس و هي : السمع و البصر و الشم و اللمس و التذوق . و من المعروف أن العين هي العضو المسؤول عن حاسة البصر , و الأذن مسؤولة عن السمع , و الأنف عن الشم , و الجلد عن اللمس و اللسان عن التذوق و اللمس أيضاً و من المعلوم أن تفسير هذه المعلومات و ترجمتها إلى شعور إنما يقوم بها الدماغ , و على ذلك فإن كل بوابة من هذه البوابات مسؤولة عن نقل جزء من الواقع يطلق عليه المحتوى الحسي و هناك خمس محتويات يعرفها الإنسان و هي :
1- المحتوى السمعي :- الذي يحتوي الصوتيات ( السمعيات ) .
2- المحتوى البصري :- الذي يحتوي المرئيات (البصريات) .
3- المحتوى اللمسي :- الذي يحتوي الملموسات .
4- المحتوى التذوقي :- الذي يحتوي النكهات .
5- المحتوى الشمي :- الذي يحتوي الروائح .

ويجدر بي أن أشير إلى قضية في غاية الأهمية سأحاول تبسيطها قدر الإمكان , إن الواقع لا يحتوي على أجزاء منفصلة ضمن المحتوى الحسي الواحد حيث مثلاً أن الحرارة و البرودة هي التفسير العقلي و التعبير الشعوري عن المحتوى اللمسي أما الواقع ذات نفسه فهو تدرج متناسق للدرجات الحرارية ليس هناك من شيء مثل الحار أو البارد و هما ليستا حالتان مختلفتان إذ أنهما تخرجان من نفس المثير و هو متوسط الحركة الجزيئية للمادة كما أن الخشونة و النعومة هي التفسير العقلي و التعبير الشعوري عن التباينات في نسب الصعود و الهبوط في أجزاء السطح الملموس و هذا إن يوحي بشيء فهو يوحي بإختلاف عالم الإنسان الذاتي عن المحيط الطبيعي من حوله . و هنا ننتقل إلى نتيجة أخرى تقول أن بدون وجود إحساس لا وجود لعملية عقلية أبداً إذ لا وجود لما تفكر فيه , حتى أن بدون وجود السمع و البصر فإنه لا يحصل تفكير أبداً (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (171) سورة البقرة , و هنا ينشأ سؤال وهو إذا كان هناك محتوى غير المحتويات الحسية التي ألفناها فماذا بصددها ؟ .

حسناً :- أي أن السؤال حول واقع وراء حسي كلياً , وهنا يجب أن نميز ما بين الواقع الوراء حسي و الواقع خارج النطاق الحسي , و نبدأ بالواقع خارج النطاق الحسي : و هو ذلك المجال الذي يتبع أحد المحتويات الحسية و لكننا لا نستطيع التقاطه بسبب أنه خارج حدود أدواتنا الحسية الطبيعية , فمن المعروف أن حواسنا لها قدرات محدودة في التقاط المحتويات الحسية , فمثلا يستطيع الإنسان الرؤية حتى قدر معين ثم لا يستطيع الرؤية بعدها , وهذا لا يعني عدم وجود أجسام أصغر من ذلك أو أبعد من ذاك , وهنا يقوم الإنسان باختراع أداة تجعل هذه الأجسام بادية للعيان , و من المعروف أن أحد أساليب استقصاء المعرفة هي جعل مالا يقبل القياس بالطرق الاعتيادية و التقليدية قابلاً لها , حيث أننا نقوم فقط بزيادة المدى الحسي بوسائل مصطنعة , أو بمعنا آخر أن " ندخل الأشياء خارج النطاق الحسي الطبيعي إلى نطاق و مدى الحس المألوف ", و هذه الأشياء و ما شاكلتها مما يصح أن يجري التفكير فيه , إذ أنها تحقق الشرط الذي يقتضي أن تكون هذه الأمور من الأشياء التي بطبيعتها يمكن للإحساس التقاطها أو التقاط أثرها , أي أنها بمعناً آخر تتبع الواقع الحسي , و هنا نرجع إلى الواقع وراء الحسي : وهو الواقع المفترض الذي لا يتبع الواقع الحسي المألوف لنا , و هو بكل بساطة لا يمكن التفكير به أي لا يمكن إجراء العملية العقلية عليه, ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً (36) سورة الإسراء.
المعرفة
منذ بدأ التاريخ و الإنسان يقوم بتدوين أعماله الفكرية في مختلف المجالات , ومن هنالك بدأت الحصيلة الفكرية للإنسان بالنمو و أخذت شمس المعرفة بالسطوع , ولقد قام الإنسان عبر تاريخه الطويل من الاستفادة من معرفة من سبقوه و توظيفها في خدمته ,فالإنسان يقوم بتحصيل المعرفة كي يعمل و ينتفع بها فما فائدة معرفة بغير عمل نافع ( مع الأخذ بالاعتبار اختلاف مفهوم العمل النافع) , ولقد حاول الإنسان عبر العصور استجلاء حقيقة حياته (من كل ما يدور بين جنبيه إلى كل ما يدور حوليه) , و الحقيقة التجريبية هي انطباق الفكر على الواقع من غير مخالفة له , فلو قال أحدهم أن النار تحرق الخشب لسلمنا له في ذلك و اعتبرناه من الحقائق و ذلك لموافقته واقع الأمر حقاً فهو حقيقة , و لكنه لو قال أن النار لا تحرق الإنسان لاعتبرنا كلامه من الأباطيل أي من غير الحقائق فهي لا توافق واقع الأمر .

ونحن نعلم حينما نفكر في الواقع في شيئين يتعلقان بذات الشيء وهي أحكام وجود الشيء و أحكام مضمون الشيء , فمما يجدر و يجب التسليم به أن الحس السليم ( وهي الحالة الطبيعية للإحساس) يستقبل الواقع بشكل يقطع وجود الشيء من عدمه , فالحكم الذي يصدره العقل بالطريقة العقلية على الواقع الذي يمثل بديهيات الوجود الحسية من أحجام و مساحات وغيرها تحمل نتيجة قطعية(طبعا في الحالة الطبيعة للإنسان مع استقصاء الحالات المرضية) ولا مجال للبس فيها إذ أن الحس لا يخطأ هنا بوجود الواقع ( وهذه ما أسميها أحكام الوجود (حكم الوجود ) , أما الحكم الذي يصدره العقل بخصوص تفسير طبيعة الشيء , أو الحكم على مضمون الشيء أو كنهه بالطريقة العقلية (الحكم التفسيري) فهو يحمل نتيجة ظنية و ذلك لأن هذا الحكم جاء عن طريق المعلومات التحصيلية ( الاستقرائية) أو تحليلات الواقع المحسوس إذ أنها لا تحمل صفة الحكم الأكيد اليقيني المجزوم جزماً باتاً بصحته و ذلك من جراء تفسيرات الارتباط و التي من الممكن جداً أن يتسرب إليها الخطأ ( وهذا الحكم ما أسميه بالحكم التفسيري ) و هو رغم مرتبته الدلالية الظنية إلا أنه يعتبر في مقام الصواب اليقيني حتى يثبت خطأه , و لهذا كان الانتقال من السؤال الاستفساري (لماذا) عن كنه الأشياء و جوهرها إلى السؤال الاستفساري (كيف) عن السببية الوصفية التسلسلية (الناحية الوجودية من القضية) أكبر الأثر في تطور العلوم و هنا أتذكر قول أحد أساتذتي –حفظه الله- :"بأن الاختراعات هي مجرد توظيف مسخرات" .
و إن خير مثال على ذلك الأفكار التي تتعلق بوجود الشيء كالعقائد مثلاً فإنها أفكار قطعية يقينية , أما الأفكار التي تتعلق بتفسير الشيء كالأحكام الشرعية الإجتهادية فإنها أفكار ظنية أي غلب على الظن أن الأمر كذا حكمه كذا , فهي صواب يحتمل الخطأ , ولكنه يبقى صواباً حتى يتبين خطأه .

و خلال احتكاك الإنسان بالواقع فإنه بلور أسلوبا في البحث يساعده على سبر أغوار المادة و الطبيعة , والتعرف على خباياهما لتوظيف هذه المعرفة في خدمته , ويعرف هذا الأسلوب بالمنهج العلمي في البحث و يتجلى في ما يعرف بالطريقة العلمية , و كثمرة من ثماره نشأت الطريقة العلمية التجريبية و تتلخص هذه الطريقة باستقصاء المعلومات بعد وضع المادة في ظروف غير الظروف الطبيعة وعدم الاكتفاء بما تجود به الطبيعة وحدها , فهي كيف دائم لاستجلاء أمور المادة .
وعليه فقد انقسمت المعارف الإنسانية إلى قسمين :
1 العلوم التجريبية
2 العلوم غير التجريبية

العلوم التجريبية
وهي العلوم التي تعتمد على البحث التجريبي ( أي هي كل ما يقبل القياس و التجريب) , والبحث التجريبي يقوم على طرق تجريبية شتى أهمها إخضاع المادة لعوامل مختلفة و من ثم تسجيل الملاحظات لاستخلاص النتائج , و يندرج تحت هذه العلوم كل العلوم التي تقوم على دراسة المادة مثل علم الكيمياء و علم الفيزياء و علم الأحياء وغيرها ونسميها بالطبيعيات .

العلوم غير التجريبية
و هي العلوم التي تعتمد الطريقة العقلية الأم في البحث و تتعلق في كل ما سوى المادة الصرفة مثل : علم الرياضيات و علم الاجتماع و علم النفس و غيرها.

العلم و الواقع

لقد قلنا أن الواقع هو كل ما من شأنه أن يقع الإحساس عليه أو على أثره , و الواقع هو مسرح الأشياء و الأحداث .
و الأحداث : هي سلوك الأشياء أي هي اتخاذ الأشياء كيفيات معينة , و الحدث يقتضي مرور الزمن . و من أوجه الأحداث التغيرات التي تصيب الأشياء .
و الزمن : هو مرور الأحداث , ( فالحدث و الزمن هما وجهان لعملة واحدة ) .
والزمن هو دورة مكانية
و المكان هو ما تحتله الأشياء من الواقع , ( فالمكان والشيء هما وجهان لعملة واحدة أيضاً) .
و قلنا أن الشيء هو كل ما من شأنه أن يوجد في مكان و زمان .

و قد قلنا أن العلم هو استخلاص أحكام الواقع بالتفكير و هو يقسم الى نوعين :
علم تجريبي وعلم غير تجريبي .

ولما كان العلم وصفاُ للأحداث و كانت الأحداث تجري وفق كيف معين , وجد القانون و الذي هو كيف معين تقتضيه الأحداث و بمعنى آخر منظومة أو نسق يسير وفقا له حدث ما ,
أو هو( عدم اختلاف حدوث النتائج عند اجتماع نفس الاسباب على نفس الهيئات المصاحبة لها ن.س), وعادة ما يمكن تمثيله بصورة رياضية ( و الرياضيات هي لغة تستخدم الرموز و الأرقام مع العمليات العقلية بصورة قصوى من تجريد و تعميم لصياغة الأسباب و النتائج بصورة مضبوطة) .
و يقوم الأساس العلمي على مسلمات الطبيعة البشرية و مسلمات الطبيعة الكونية , و المسلمة هي فكرة يؤخذ بصحتها لكي تبنى عليها أمور أخرى .
مسلمات الطبيعة الكونية :
القدرية (الحتمية) : و هي أن لكل نتيجة من مسبب , فلكل حدث من محدث و هلم جرا و لولا هذه المسلمة لنقضت كل أسوار العلم لبنة من فوق لبنة .
الثبات : و هي أن الأشياء المبحوثة لها قدر من الثبات يجعلها تحتفظ بخصائصها و ميزاتها على مدى فترة زمنية محددة و في ظروف معينة , إذ بغير هذه الصفة لا يمكن جعل أي ظاهرة قابلة للدراسة العلمية .
الأنواع الطبيعية : هناك أشياء كثيرة في الطبيعة لها خصائص أساسية مشتركة بحيث يمكن تصنيف هذه الأشياء في فئات أو أنواع , و الباحث العلمي حين يؤمن هذه المسلمة فإنه يتجه صوب البحث عن الترابط الموجود بين الأشياء .
مسلمات الطبيعة البشرية :
مسلمة صحة الإدراك : و تستند هذه المسلمة إلى أن حواس الإنسان هي أدوات ملائمة صالحة للوصول إلى المعرفة الموثوقة على الرغم من أنها محدودة القدرة و قصيرة المدى .
مسلمة صحة التذكر : إن مسلمة التذكر تعني أن الإنسان يستطيع الوثوق بذاكرته لتخزين و استرجاع المعارف و لكن عليه أن يحتاط ضد النسيان .
مسلمة صحة التفكير و الاستدلال : و هو أن باستطاعة الإنسان الاعتماد على التفكير و الاستنتاج اللذان يقوم بهما , و لكن مع الحرص و التثبت إذ أن هذه الاستدلالات و النتائج عرضة للوقوع في الأخطاء .


و مما سبق قولنا فيه أن العلم وجد لغايات و أهداف عامة تخدم الإنسان و عليه فأهداف العلم هي :
1 الوصف و التفسير .
2 الضبط و التحكم .
3 التنبؤ , و هو مستند إلى الأسس الاستقرائية و الاحتمالية وخاصية الاطراد في العلوم , و للتوضيح فأن قضية ما هي سبب لأخرى وعندما نبحث المقدمات متوخين الوصول إلى ما ستؤول إليه من نتائج فعندا نقول أننا نقوم بعملية تنبؤ .

و لنبق قليلاً مع العلوم التجريبية و ننظر الى العناصر المكونة لهذا العلم وهي خمسة عناصر :-

1 الحقيقة العلمية
و هي مطابقة الوصف الكيفي (الشرح الحسي) لصورة جزء من الواقع مثل :
ا الهواء مزيج من غازات عدة .
ب لكل عنصر كثافة محددة .

2 المفهوم العلمي
و هي المصطلحات و الأفكار العلمية التي تنصب حول دراسة حقل(وهي أفكار لها دلالات محددة في مجال ما).
الكثافة : وهي نسبة ما في الحجم من مادة .
الضغط : و هي القوة الواقعة عموديا على وحدة المساحة .
الكتلة : هي مقدار ما في الشيء من مادة .
الحجم : وهو الحيز الذي يحتله الشيء .

3 القانون العلمي
وهو عدم اختلاف حدوث الظاهرة في نفس الظروف ,أي أن ظروفاً متماثلة ينشأ عنها نتائج متماثلة , مثل قوانين نيوتن في الحركة .
قانون نيوتن الثالث في الحركة : "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه " .

4 النظرية العلمية
وهي فرضيات عامة حول سلوك الطبيعة , فهي أعم و أشمل من الحقائق و المفاهيم و القوانين , و الفرضية أو الافتراض هو حل مقترح لمشكلة ما , مثل النظرية النسبية , ونظرية الانفجار الأعظم و نظريات أخرى كثيرة .
و ما يميّز القانون عن النظرية أن القانون التجريبي مبني على تجارب و مشاهدات محسوسة أما النظريات فلا , والنظرية العلمية لا تفيد علماغيرظن محتمل ولا تحمل أي شكل من أشكال الجزم.

5 النموذج العلمي
بدءا من تمثيل أشياء موجودة و ذلك لتقريب الفهم و اختبار الفرضيات وغيرها قام الإنسان بصنع نماذج لأشياء كثير للقلب مثلا وللرئتين و للقبة الفلكية و غيرها الكثير الكثير حتى بدأ الإنسان بالبحث في أشياء لا يعلم كيفها الحسي فكيفها الحسي مجهول و لولا إدراك أثرها لما علم الإنسان بوجودها , فقام الإنسان بإسقاط فكرة النموذج على هذه الظاهر لتقريب فهم هذه الأشياء و لمحاولة فهم سلوكها , فقام بافتراض نموذج للذرة و نموذج للموجة الكهرومغناطيسية و غيرها .

المنهج العلمي
و هو الإجراءات (الخطوات العملية) للبحث العلمي :
1 تحديد مسألة أو موضوع أو قضية للبحث .
2 استقصاء كافة المعلومات الممكنة حولها .
3 بحث العلاقات بين عناصر القضية .
4 طرح فرضية (حل محتمل) .
5 تصميم تجربة تثبت الفرض .
6 التجريب و تسجيل النتائج .

كما ويجدر بنا الإشارة إلى الاصطلاح :
الاصطلاح : وهو إسناد معناً جديد لكلمة أو عبارة عند فئة معينة كي تفيد دلالة جديدة في ذلك الوقت .
فمثلاً إن العلم في مفهوم المفكرين الماديين هي تلك الدراسات التي تكون الغاية منها البحث والاستقصاء في مجال ما كعلم الأحياء مثلاً , أما الدراسات التي تكون الغاية منها التطبيق العملي فهي الفن (العلوم التطبيقية) كالطب مثلاً .
و لنبحث قليلاً في التفكير العلمي : وهو التفكير و البحث ضمن الأطر و الخصائص العلمية نفسها , بحيث نستجلي أنه أسلوب محدد في استقصاء المعرفة و أهم ميزاته هي :
التراكمية : حيث أن انطلاق البحاثة العلمي من الواقع تجعل المعرفة العلمية بناء يسهم فيه عدد ضخم جدا من العلماء و الباحثين , بحيث أن أحدهم يكمل على من سبقه منهم , فيصحح أخطاءهم , و يكمل خطواتهم , أو قد يلغي معرفة سابقة , و قد يبطل نظرية عاشت فترة من الزمن . و هذه الميزة تقتضي ميزتين تتفرعان عنها و هما :
1 البناء العمودي للعلم : حيث ينطلق العالم من نهاية ما توصل إليه غيره , بحيث يكمل بناء الصرح العلمي .
2 نسبية الحقيقة العلمية على المستوى النظري الافتراضي : إذ أنها ترتبط بالبحث العلمي المتجدد و المتغير كل يوم , بحيث يضيف نقاط أخرى و أسئلة جديدة و زوايا لم تكن مطروقة , مما قد ينسف أبنية علمية بكاملها .
التنظيم : و حيث أن البحث العلمي هو نهج في استقصاء المعرفة فهو يستند إلى سبيل معينة في الخروج بالنتائج و الاستناد إلى الحقائق و النظريات و هذه الخطوات تبدأ بالملاحظة و وضع الفروض و اختبارها عن طريق التجريب ثم الخروج بالنتائج .
البحث عن الأسباب : بكل بساطة ممكنة فإن البحث العلمي يقوم على تفسير الظواهر و تحليلها عن طريق معرفة أسبابها و عوامل نشوئها و تطورها ...
و إن أهم ما يميز نفس السبب أو العلة العلمية كونها مباشرة غير بعيدة .
الشمولية و اليقين : إن أحد أهداف العلم هو الضبط و التحكم و العبارة التالية تلقي مزيداً من الضوء على هذا المعنى , إن هدف العلم هو الوصول إلى تعميمات و نتائج تتسم بالشمول و تنطبق على أكثر من فرد و أكثر من ظاهرة و أكثر من موقف , و اليقينية حسب المذهب العلمي هي استناد الحقيقة العلمية على مجموعة كافية من الأدلة الموضوعية المقنعة , و هنا يجب التنويه على أن اليقينية العلمية ليست ثابتة لا تتغير بل هي لها نفس ضعف البشر إذ أنها مبنية على الأحكام الفكرية التفسيرية , و عليها يبنى الجدل البحثيّ و بها يقول الفلاسفة أنه ليس هنا من حقيقة ثابتة .
الدقة و التجريد : فالباحث العلمي يسعى إلى تحديد مشكلته و إجراءاته بدقة , و يحاول استخدام كلمات دقيقة محددة , و لا يستخدم و هو قيد إجراء البحث لغة الجزم فيما يتعلق بالفروض أو النتائج الأولية و يحاول قدر الإمكان الابتعاد عن الأغاليط الفكرية كالتعميم و التجريد غير الحقيقيين , و يحاول قدر الإمكان استخدام اللغة الرياضية التي تستخدم القياس المنظم الدقيق و تتداول بلغة الأرقام و الرموز و العلاقات المحددة , فالتجريد هو وسيلة الباحث العلمي للسيطرة على الواقع و فهم قوانينه و حركاته و تغيراته بشكل أفضل .
كما أن الأسلوب العلمي يقتضي في الباحث أن يكون موضوعيا و يخلو من الذاتية , فالموضوعية تجعل الباحث يحصر اهتماماته في إطار معين للبحث بعيدا عن التشعب و التفرع اللذان يفقدان البحث معناه و يبعدانه عن إصابة هدفه , و عدم الذاتية تعني أن يتخلى الباحث عن الآراء المسبقة التي يحملها حول القضية المطروحة للبحث إذ أنها ليست مما ثبت فعليا وإنما هي فروض لها سمة العلمية و لكنها لم تحقق , و قد تكون الذاتية هي رغبة الباحث أن يكون شكل الحقائق يرتسم بطابع ما دون طابع آخر .

وبعد الترحال بين أركان العلم الطبيعي ومعالمه لا بد أنك قد توصلت إلى أن النظريات العلمية هي فرضيات تكتسي الثوب العلمي أي هي حل محتمل لظاهرة ما و ليست هي التفسير الحقيقي لواقع الحال وهذه النظريات من أمثال الإنفجار العظيم والكون المتمدد ونظرية النشوء والإرتقاء والنظرية النسبية هي ظن محض حتى أن علماء الغرب المبهورين بشغل سلفهم لها يكتشوف كل ساعة عورات وسوئات هذه النظريات , وإن عملية إلحاقها بالقرآن الكريم لهو من سوء الصنيع والعمل الفظيع فكيف نحمل يقين القرآن على خرص المتخرصين ورجم الراجمين.

وتدبر قول الله عز وجل :
" وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن
يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ "116 من سورة المائدة.
" إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى "23 من سورة النجم .
"وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ
عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ "36 من سورة يونس.
نسأل الله لنا جميعا السلامة والمعافاة ولله عاقبة الأمور.
" مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ "4 من سورة الأحزاب .

نائل سيد أحمد
15-06-2006, 09:16
ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، كل ميسر ِلمَ خلق له .

ناجح أسامة سلهب
15-06-2006, 21:34
حدثنا هشام بن عمار حدثنا إسمعيل بن عياش عن عمارة بن غزية عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري عن أبي حميد الساعدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجملوا في طلب الدنيا فإن كلا ميسر لما خلق له * ( صحيح ) _التعليق الرغيب 7/2 ، أحاديث البيوع ، الصحيحة 898 و 2607

جمال حسني الشرباتي
16-06-2006, 20:36
السلام عليكم

هل اطلعت على كتابات الجويني رحمه الله؟؟

أرشح لك كتابه الشامل لتعطينا رأيك به