المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ



سليم اسحق الحشيم
06-06-2006, 23:47
السلام عليكم
لقد ورد في القرآن الكريم لفظ المحدث في آيتين وهما:
1. مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2)/الانبياء.
2. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5)/الشعراء.
قال الرازي في تفسيره :"إنما ذكر الله تعالى ذلك بياناً لكونهم معرضين، وذلك لأن الله تعالى يجدد لهم الذكر وقتاً فوقتاً ويظهر لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم ذلك إلا لعباً واستسخاراً".
وقال ايضًا :" لزم حدوث المركب من الحروف والأصوات وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة، وإنما النزاع في قدم كلام الله تعالى بمعنى آخر.وكذلك قوله: { مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على ذكر ما محدث كما أن قول القائل لا يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا يبغضونه، فإنه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً بل على أن في الرجال من هو فاضل وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث فيصير نظم الكلام هكذا القرآن ذكر وبعض الذكر محدث وهذا لا ينتج شيئاً كما أن قول القائل: الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس لا ينتج شيئاً فظهر أن الذي ظنوه قاطعاً لا يفيد ظناً ضعيفاً فضلاً عن القطع".
وقال الشوكاني:" " من " لابتداء الغاية. وقد استدلّ بوصف الذكر لكونه محدثاً على أن القرآن محدث، لأن الذكر هنا هو: القرآن. وأجيب بأنه: لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف، لأنه متجدد في النزول. فالمعنى محدث تنزيله، وإنما النزاع في الكلام النفسي".
واما إبن عطية فقد قال في تفسيره:"قالت فرقة المراد منا ينزل من القرآن ومعناه { محدث } نزوله وإتيانه إياهم لا هو في نفسه، وقالت فرقة المراد بـ " الذكر " أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الشريعة ووعظه وتذكيره فهو محدث على الحقيقة وجعله من ربه من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ولا يقول إلا ما هو من عند الله، وقالت فرقة " الذكر " الرسول نفسه واحتجت بقوله تعالى:" قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبينات "[الطلاق: 11] فهومحدث على الحقيقة ويكون، قوله { استمعوه } بمعنى استمعوا إليه، وقوله تعالى: { وهم يلعبون } جملة في موضع الحال أي أسماعهم في حال لعب غير نافع ولا واصل النفس".
وهذا المفسر إبن عاشور يقول في تفسيره:"والذكر: القرآن أطلق عليه اسم الذكر الذي هو مصدر لإفادة قوة وصفه بالتذكير.
والمحدَث: الجديد. أي الجديد نزوله متكرراً، وهو كناية عن عدم انتفاعهم بالذكر كلما جاءهم بحيث لا يزالون بحاجة إلى إعادة التذكير وإحداثه مع قطع معذرتهم لأنه لو كانوا سمعوا ذكراً واحداً فلم يعبأوا به لانتحلوا لأنفسهم عذراً كانوا ساعتئذ في غفلة، فلما تكرر حدثان إتيانه تبين لكل منصف أنهم معرضون عنه صداً.
ونظير هذا قوله تعالى:{ وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا عنه معرضين }في سورة [الشعراء: 5]، وليس المراد بمحدث ما قابل القديم في اصطلاح علم الكلام لعدم مناسبته لسياق النظم.
وكما ظهر لي ان التفسير الذي ذهب اليه إبن عاشور هو الصواب,فقد ورد في معجم المحيط في معنى المحدث: الجديد" مَا يأتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمعُوهُ وهُمْ يلْعَبُونَ" أي مُحدَثٌ تنزِيلُه أي جديد في تنزيله/ القُدَماءُ والمُحْدَثُون أي غيرُ المجدِّدين والمجِّددون في الأدب أو الفنّ وغيرهما.
واما في معجم الغني فقد جاء:"مُحْدَثٌ، ةٌ - ج: ـون، ـات. [ح د ث]. (مفع. مِنْ أَحْدَثَ). 1."أَمْرٌ مُحْدَثٌ" : مَا أُحْدِثَ وَلَمْ يَكُنْ مُتَدَاوَلاً فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. "شَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ". 2."كَاتِبٌ مُحْدَثٌ" : مُتَأَخِّرٌ، أَيْ حَدِيثُ العَهْدِ. "الكُتَّابُ القُدَمَاءُ وَالْمُحْدَثُونَ".
وهذا واضح وجلي في تنزيل الله سبحانه وتعالى القرآن آية آية وسورة سورة واحدة تلو الآخرى ,فكأنه يأتي في كل مرة بجديد.
هذا والله أعلم.