المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طريق الوصل إلى الله



نزار بن علي
26-05-2006, 23:03
اعلم أنه حقيق على من أراد الوصول إلى الله سبحانه أن يتعرف كيف الوصول إليه، وأيّ الطرق أقرب في الدلالة عليه؛ ليعرج إلى حضرة ربه عروج أهل الكرامة، ويسلك من سبيل الهداية أعلى درجات الاستقامة.
ولعمري، لقد ذهب الطوائف من كل مذهب، وطلبوا الوصول إليه سبحانه من كل مطلب، ولم يظفر بمرامه منهم إلا القليل، وتشعبت آرائهم بكثرة القال والقيل. وجلّ جنابُ الحق أن يكون مشرعا لكل وارد، وأن يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد

وليس جناب القدس إلا لأهلِه وما كل إنسان بواديه يَسرحُ
فمنهم من أراد الوصول بالنظر والاستدلال، وزلت هاهنا أقدام كثير من الرجال، ووقع بينهم الخلاف وعدم الموافقة والإسعاف؛
إلى أن تنكس الفيلسوف بالوقوع في ورطة الجهل بصانعه بين أجناس العالم ونوعه.
وافتضح الطبيب، يعني بجموده مع عادته وطبعه.
وعمي المعتزلي بالنظر إلى الوجه القبيح، أي تحسينُه بالعقل في موارد الترجيح والتصحيح.
واستشعر الأشعريُّ ما شعر من الشعور، واستنار بما لاح له من بوارق النور.
وجمد المحدِّث مع ظواهر الألفاظ، وتشبعت نفسه بأن يقال له: أنت من الحفاظ.
وقاس الفقيه يومه على أمس، وتعارضت لديه النقول، فما فرق بها ـ لا فيها ـ بين الحقيقة واللبس.
واستنجد الأصولي الفهم لاستيضاح مشكلات الحقيقة ليتجلى صبح ليلها البهيم، فنادى لسان عجزه: إنّي نظرت نظرة في النجوم فإنّي سقيم.
واستسهل أمرها المنطقيُّ، وزعم بمقدمتي فكره تتولَّد نتيجتها ويتجلى حسنها الدسيم، فصكّت الفكرة وجهها وقالت: عجوز عقيم.
وقام النحوي وقعد، وبرق ورعد، وقال: بعلم اللسان تفهَم مقاصد القرآن! فنازعه البياني وقال: بشرط أن ينضمّ إلى ذلك أسرار البلاغة وعلم المعاني. فصاحت بالقوم فصاحة الأعراب وقالت: أما سمعتم ما كان ينشد سيبويه إمام الإعراب:

لسانٌ فصيح مُغرِب في كلامـه فيا ليتَه في موقف الحشر يسلـمُ
وما ينفع الإعرابُ إن لم يكن تقا وما ضرّ ذا تقوى لسان معـجَّمُ
واستوحش الزهّاد من هذا العالَم، فانقفلت قلوبهم عن شهود أنس العرفان في جميع المعالم.
وقالت فرقة النياحة في السياحة: فسيحوا فالجناب لكم فسيحُ، فأنسوا بالربوع الدوارس، وزعموا أنّها أعظم من الإقامة بالمدارس.
وشمّر العابد عن ساق الاجتهاد، وفارق المألوفَ والمعتاد، وظنّ بحركات الأبدان تدرك الحقائق والمعاني.
وخُيّل لأصحاب الأمتعة والأموال، أنهم إذا أنفقوا بعض موجودهم أو كلّه وصلوا رتبة الكمال.
وقال الصوفيُّ المرتاض: كل هذه الطرق مِراض، وإنّما تُدخل حضرة الملك القدوس من باب طهارة النفوس.

وكل يدّعون وصال ليلى وليلى لا تقر لهم بذاك

ولسان الحقيقة يهتف بكل الطوائف، ويرمز بالأسرار واللطائف، ويناغي (يغازل) مفتوق الرتق العارف ويقول: قد أودعت الأسرار منكم الأسرار، وأدرجت في مركب هياكلكم بسائط الأنوار، ومنحتكم من معاني الحقيقة والتحف الفائقة الأنيقة ما لم تسمح به كل الخواطر، ولا تسعه الصحف والدفاتر، ولا تلجلجت به ألسنة الأقلام في ثغور المحابر، فاخرج عنك وارجع إليك تمتد، وارفع الستر عنك بك تشهد، واقتل غلام النفس واخرق سفينة العوائد تظفر بكنز جذارك من غير شريك حاسد، وتطلع على ما فيك من العجائب، وتشهد منك ما لم تكن تشهده من الغرائب، فاقدر مقدار حقيقتك الإنسانية، وما يجلى فيك من الأوصاف الرحمانية، وافهم قول المعصوم عليه السلام: من عرف نفسه عرف ربه، ولك طعم هذا الحديث في فم ذوقك واستحلب لبّه يلح لك ما لا يحيط به التعبير، ولا يدخل في دائرة أفهام الجماهير. وعلى الجملة والتفصيل، ما أحسن ما في وصفك قيل.

أنت المخاطَب أيها الإنســان فاصغ إليّ يلح لك البرهان
أودعت ما لو قلته لك قلت لي هذا لعمرك كلـه هــذيان

قاله ابن زغدان، الملقب بأبي المواهب (ولد حوالي 820 بتونس- تـ882هـ بمصر) في شرحه على الحكم العطائية المسمى بـ"أسرار الحكم وأنوار الظلم"، والذي لم يكمله