المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : متون التوحيد



نزار بن علي
24-05-2006, 18:34
بسم الله الرحمن الرحيم
اقترح على الاخوة الأفاضل جمع ما تيسر من متون التوحيد على طريقة علماء أهل السنة المعتبرين في هذا الشأن الجليل، على أن نفردها بتأليف مستقل مع ترجمة لأصحابها وبيان فضلهم على الأمة الاسلامية، فهم العلماء العاملون، والأئمة الخاشعون، والمرابطون المجاهدون، والزهاد العابدون، نسأل الله تعالى التوفيق



عقيدة ابن الحاجب
(تـ646هـ)


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ شَرْعًا أَنْ يَكُونَ عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَفِي تَصْدِيقِ رُسُلِهِ، فَيُؤْمِنَ بِأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلاَ قَسِيمَ لَهُ فِي فِعْلِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلُهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَأَنَّ كُلَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَعَنْهُ صِدْقٌ. وَأَنَّ الإِيمَانَ هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ التَّابِعُ لِلْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، خِلاَفًا لِمَنْ قَالَ هُوَ المَعْرِفَةُ فقط.
وَلاَ يَكْفِي التَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ التَّابِعِ لِلْمَعْرِفَةِ عَنْ مُسْتَنَدٍ جُمْلِيٍّ بِثُبُوتِ الصَّانِعِ وَوُجُودِهِ، وَوُجُوبِ وُجُودِهِ، وَثُبُوتِ قِدَمِهِ، وَعَدَمِ تَرْكِيبِهِ، وَعَدَمِ تَجْزِئَتِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِي المُتَحَيِّزِ، وَعَدَمِ اتِّحَادِهِ بِغَيْرِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِيهِ، وَاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ فِي جِهةٍ، وَاسْتِحَالَةِ قِيَامِ الحَوَادِثِ بِهِ، وَاسْتِحَالَةِ الآلاَمِ وَاللَّذَّاتِ عَلَيْهِ.
وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ المَقْدُورَاتِ بِقُدْرَةٍ قَدِيمَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، عَالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُومَاتِ بِعِلْمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ، مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الكَائِنَاتِ بِإِرَادَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِصِفَتَيْنِ زَائِدَتَيْنِ عَلَى العِلْمِ عَلَى الأَصَحِّ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلاَمٍ نَفْسِيٍّ قَدِيمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ وَاحِدٍ مُتَعَلِّقٍ بِالأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالخَبَرِ وَالاسْتِخْبَارِ وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ وَالنِّدَاءِ عَلَى الأَصَحِّ، بَاقٍ بِبَقَاءٍ يَقٌومُ بِهِ عِنْدَ الأَشْعَرِيِّ، وَبِذَاتِهِ عِنْدَ القَاضِي وَهُوَ الأَصَحُّ. وَلاَ تُعْرَفُ حَقِيقَةُ ذَاتِهِ عَلَى الأَصَحِّ، خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ. وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ صَحِيحَةٌ وَاقِعَةٌ.
وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالوَجْهِ وَاليَدَيْنِ وَالاِسْتِوَاءِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِصِفَةٍ تُوجِبُ الاسْتِغْنَاءَ عَنِ المَكَانِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِصِفَةِ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالقِدَمِ غَيْرِ البَقَاءِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالعَالِمِيَّةِ وَالقَادِرِيَّةِ وَالمُرِيدِيَّةِ والحَيِّيَّةِ عِنْدَ مُثْبِتِي الأَحْوَالِ. وَبِعُلُومٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالرَّحْمَةِ وَالرِّضَا وَالكَرَمِ غَيْرِ الإِرَادَةِ عَلَى رَأْيٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ دَلِيلَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لاَ إِثْبَاتًا وَلاَ نَفْيًا.
وَأَنَّهُ وَاحِدٌ بِصِفَاتِهِ. وَأَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ فِي مَقْدُورِهِ عَلَى الأَصَحِّ. وَأَنَّ العَقْلَ لاَ يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ كَوْنِ الفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ مُتَعَلَّقَ المُؤَاخَذَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلاَ تَحْسِينَ وَلاَ تَقْبِيحَ عَقْلاً. وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَلاَ يَفْعَلُ شَيْئاً لِغَرَضٍ. وَأَنَّ الأَعْمَالَ لَيْسَتْ عِلَّةً لِاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ.
وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتمُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، دَلَّتْ المُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ وَصِدْقِ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مَقْرُونٌ بِالتَّحَدِّي مَعَ عَدَمِ المُعَارَضَةِ. وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبَائِرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَفِي تَبْلِيغِ الوَحْيِ وَالفَتَاوَى، وَمِنَ الصَّغَائِرِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُطْلَقاً خِلاَفاً لِمَنْ جَوَّزَهَا عَلَيْهِمْ سَهْوًا، بِخِلاَفِ مَا قَبْلَهَا فِي السَّهْوِ لاَ مُطْلَقًا عَلَى الأَصَحِّ. وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ المَلاَئِكَةِ عَلَى الأَصَحِّ.
وَأَنَّ المَعَادَ البَدَنِيَّ حَقٌّ، بِمَعْنَى جَمْعِ الأَجْزَاءِ بَعْدَ تَفْرِيقِهَا، أَوْ بِمَعْنَى إِعَادَتِهَا بَعْدَ إِعْدَامِهَا. وَأَنَّ أَرْوَاحَ أَهْلِ السَّعَادَةِ بَاقِيَةٌ مُنَعَّمَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَرْوَاحَ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ بَاقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَنَّهَا حَادِثَةٌ، وَأَنَّهُ لاَ تَنَاسُخَ فِيهَا.
وَأَنَّ سَائِرَ السَّمْعِيَّاتِ مِنْ ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى، وَعَذَابِهِ، وَالصِّرَاطِ، وَالمِيزَانِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، وَوَزْنِ الأَعْمَالِ، وَنُطْقِ الجَوَارِحِ، وَالحَوْضِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَأَحْوَالِ الجَنَّةِ وَدَوَامِ نَعِيمِهَا، وَأَحْوَالِ النَّارِ وَدَوَامِ عَذَابِهَا حَقٌّ. وأَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ مُمْكِنَتَانِ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ حَقٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ بِخَبَرِ الصَّادِقِ.
وَأَنَّ وَعِيدَ أَهْلِ الكَبَائِرِ مُنْقَطِعٌ. وَأَنَّ وَعِيدَ الكَفَرَةِ دَائِمٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَانِدٍ. وَأَنَّ الإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ فِي كُلِّ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُمْ بِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَأَنَّهُ لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ. وَيُقَالُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ. وَأَنَّ الكُفْرَ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْكَارِ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرُّسُلِ بِهِ عَلَى الأَصَحِّ، فَلاَ يُكَفَّرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ. وَأَنَّ نَصْبَ الإِمَامِ وَاجِبٌ عَلَى الخَلْقِ، لاَ عَلَى الخَالِقِ. وَلاَ يَجِبُ القِيَامُ بِدَفْعِ شُبَهِ أَهْلِ الضَّلاَلِ إِلاَّ عَلَى مَنْ تَمَكَّنَ فِي النَّظَرِ وفِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ تَمَكُّناً يَقْوَى بِهِ عَلَى دَفْعِهَا، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.


[CENTER ]العقيدة النوريّة في اعتقاد الأئمة الأشعرية



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيم
وصلى الله على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
قال الشيخ الإمام العالم العلامة الورع الزاهد الولي الصالح
سيدي أبو الحسن علي النوري (تـ 1118هـ) غفر الله له ونفعنا به آمين:


الحَمْدُ ِللهِ الذِي دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ مَخْلُوقَاتُهُ، وَتَقَدَّسَتْ عَنِ النَّقْصِ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنْ نَطَقَتْ بِصِدْقِهِ مُعْجِزَاتُهُ، وَعَلَى آلِهَ وَأَصْحَابِهِ نَصَرَةُ الدِّينِ وَحُمَاتُهُ.
وَبَعْدُ؛ فَأَقْسَامُ الحُكْمِ العَقْلِيِّ ثَلاَثَةٌ: وَاجِبٌ، وَمُسْتَحِيلٌ، وَجَائِزٌ.
- فَالوَاجِبُ: مَا لاَ يُمْكِنُ فِي العَقْلِ نَفْيُهُ.
- وَالمُسْتَحِيلُ: مَا لاَ يُمْكِنُ فِي العَقْلِ ثُبُوتُهُ.
- وَالجَائِزُ: مَا يَصُحُّ فِي العَقْلِ نَفْيُهُ وَثُبُوتُهُ.
وَيَجِِبُ ِللهِ جَلَّ وَعَزَّ كُلُّ كَمَالٍ لاَئِقٍ بِهِ. وَيَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَةُ مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِهِ، وَهْوَ عِشْرُونَ صِفَةً وَهْيَ:
الوُجُودُ.
وَبُرْهَانُ ثُبَوتِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّ العَالَمَ – وَهُوَ كُلُّ مَا سِوَى اللهِ تَعَالَى – حَادِثٌ؛ لِمُلاَزَمَتِهِ مَا شُوهِدَ حُدُوثُهُ كَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ.
وَأَيْضًا، فَإِنِّكَ تَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ وُجِدْتَ، وَكُلُّ حَادِثٍ لاَ بُدَّ لُهُ مِنْ مُحْدِثٍ مَوْجُودٍ؛ ِلاسْتِحَالَةِ الانْتِقَالِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ بِلاَ فَاعِلٍ. فَالعَالَمُ إِذًا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ مَوْجُودٍ، وَهْوَ اللهُ تَعَالَى.
وَالقِدَمُ: أَيْ لاَ أَوَّلِيَّةَ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى عَنْهُ القِدَمُ لَثَبَتَ لَهُ الحُدُوثُ، فيَفْتَقِرُ إِلَى مُحدِثٍ، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ فَيُؤَدِّي إِلَى فَرَاغِ مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ، أَوْ الدَّوْرُ فَيُؤَدِّي إِلَى تَقَدُّمِ الشَّيءِ عَلَى نَفْسِهَ. وَكِلاَهُمَا مُسْتَحِيلٌ.
وَالبَقَاءُ: أَيْ لاَ آخِرِيَّةَ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَهُ البَقَاءُ لَكَانَ قَابِلاً لِلْوُجُودِ وَالعَدَمِ، فَيَحْتَاجُ فِي تَرْجِيحِ وُجُودِهِ إِلَى مُخَصِّصٍ، فَيَكُونُ حَادِثًا. وَقَدْ سَبَقَ بُرْهَانُ وُجُوبِ قِدَمِهِ.
وَالمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ: أَيْ نَفْيُ الجِِرْمِيَّةِ وَالعَرَضِيَّةِ وَلَوَازِمِهِمَا، كَالمَقَادِيرِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالجِهَاتِ وَالقُرْبِ وَالبُعْدِ بِالمَسَافَةِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهَا لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ مَاثَلَ الحَوَادِثَ لَكَانَ حَادِثًا، وَقَدْ مَرَّ بُرْهَانُ وُجُوبِ قِدَمِهِ.
وَالقِيَامُ بِالنَّفْسِ. أَيْ: ذَاتٌ مَوْصُوفَةٌ بِالصِّفَاتِ العَلِيَّةِ، غَنِيّةٌ عَنِ الفَاعِلِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَاتًا لَكَانَ صِفَةً، فَيَسْتَحِيلُ اتِّصَافُهُ بِصِفَاتِ المَعَانِي وَالمَعْنَوِيَّةِ، وَقَدْ قَامَ البُرْهَانُ عَلَى وُجُوبِ اتَّصَافِهِ تَعَالَى بِهِمَا. وَلَوْ احْتَاجَ لِلْفَاعِلِ لَكَانَ حَادِثًا، وَتَقَدَّمَ بُرْهَانُ نَفْيِهِ.
وَالوَحْدَاِنيَّةُ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالأَفْعَالِ: أَيْ لَيْسَتْ ذَاتُهُ مُرَكَّبَةً؛ وَإِلاَّ لَكَانَ جِسْمًا. وَلاَ تَقْبَلُ صِغَرًا وَلاَ كِبَرًا؛ َلأَنَّهُمَا مِنْ عَوارِضِ الأَجْرَامِ. وَلاَ ذَاتَ كَذَاتِهِ، وَلاَ صِفَةً كَصِفَاتِهِ، وَلاَ تَأْثِيرَ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ البَتَّةَ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهَا لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعُهُ ثَانٍ لَمْ تُوجَدِ الحَوَادِثُ؛ لِلُزُومِ عَجْزِهِمَا عِنْدَ الاتِّفَاقِ، وَأَحْرَى عِنْدَ الاخْتِلاَفِ.
وَالحَيَاةُ وَهْيَ لاَ تَعَلُّقَ لَهَا.
وَالعِلْمُ المُنْكَشِفُ لَهُ تَعَالَى بِهِ كُلُّ وَاجِبٍ وَمُسْتَحِيلٍ وَجَائِزٍ.
وَالإِرَادَةُ التِّي يُخَصِّصُ تَعَالَى بِهَا المُمْكِنَ بِمَا شَاءَ.
وَالقُدْرَةُ التِّي يُثْبِتُ تَعَالَى بِهَا أَوْ يُعْدِمُ مَا أَرَادَ مِنْ المَمْكِنَاتِ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِ اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِهِذِهِ الصِّفَاتِ أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى شَيْءٌ مِنْهَا لَمْ تُوجَدِ الحَوَادِثُ.
وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ المُنْكَشِفُ لَهُ تَعَالَى بِهِمَا جَمِيعُ المَوْجُودَاتِ.
وَالكَلاَمُ المُنَزَّهُ عَنِ الحَرْفِ، وَالصَّوْتِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ، وَالسُّكُوتِ؛ لاِسْتِلْزَامِ جَمِيعِ ذَلِكَ الحُدُوثَ. وَيَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ مَعْلُومَاتِهِ.
وَدَلِيلُ وُجُوبِ اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِهَا: الكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالإِجْمَاعُ.
وَكَوْنُهُ تَعَالَى حَيَّا، وَعَالِمًا، وَمُرِيدًا، وَقَادِرًا، وَسَمِيعًا، وَبَصِيرًا وَمُتَكَلِّمًا.
وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى كُلُّ مَا يُنَافِي صِفَاتِ الجَلاَلِ وَالكَمَالِ. وَذَلِكَ المُنَافِي كَالعَدَمِ، وَالحُدُوثِ، وَالفَنَاءِ، وَالمُمَاثَلَةِ لِلْحَوَادَثِ، وَالافْتِقَارِ لِلذَّاتِ أَوْ الفَاعِلِ، وَالتَّعَدُّدِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، أَوْ وُجُودِ الشَّرِيكِ فِي الأَفْعَالِ، وَالمَوْتِ، وَالجَهْلِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَوُقُوعِ مُمْكِنٍ بِدُونِ إِرَادَتِهِ تَعَالَى، وَالعَجْزِ، وَالصَّمَمِ، وَالعَمَى، وَالْبَكَمِ. وَأَضْدَادُ الصِّفَاتِ المَعْنَوِيِّةِ مَعْلُومَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى: الفِعْلُ وَالتَّرْكُ لِكُلِّ مَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِجَوَازِهِ وَإِمْكَانِهِ.
وَبُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمَا كَانَ فَاعِلاً بِالاخْتِيَارِ.
وَمِنَ الجَائِزَاتِ بِعْثَةُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
وَيَجِبُ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: الصِّدْقُ.
وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ ضِدُّهُ، وَهْوَ الكَذِبُ.
وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَصْدُقُوا لَلِزَمَ كَذِبُ مُصَدِّقِهِمْ بِالْمُعْجِزَةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ التَّصْدِيقِ بِالْكَلاَمِ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللهِ مُحَالٌ؛ ِلأَنَّ خَبَرَهُ مُوَافِقٌ لِعِلْمِهِ، وَعِلْمُهُ لاَ يَنْتَقِضُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وَالعِصْمَةُ مِنْ كُلِّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَلَوْ خِلاَفَ الأَوْلَى، أَوْ فِعْلِ المُبَاحِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ. وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ضِدُّهَا، وَهْوَ فِعْلُ المَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا لَهُمْ: الإِجْمَاعُ.
وَأَيْضًا لَوْ وَقَعَ مِنْهُمْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ َلأُمِرَ أُمَمُهُمْ بِفِعْلِهِ؛ ِلأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِمْ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى الجَمْعِ بَيْنَ الأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ.
وَتَبْلِيغُ كُلِّ مَا أَمَرَهُمُ اللهُ بِتَبْلِيغِهِ.
وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَنْ يَتْرُكُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا؛ أَمَّا عَمْدًا فِلِمَا تَقَدَّمَ فِي دَلِيلِ وُجُوبِ العِصْمَةِ، وَأَمَّا نِسْيَانًا فَللإِجْمَاعِ.
وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَا هُوَ مِنَ الأَعْرَاضِ البَشَرِيَّةِ التِي لاَ تُنَافِي عَظِيمَ شَرَفِهِمْ وَعُلُوَّ قَدْرِهِمْ، كَالجُوعِ وَنَحْوِهِ.
وَبُرْهَانُ جَوَازِ ذَلِكَ مُشَاهَدَتُهُ فِيهِمْ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الكَرِيمِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

نزار بن علي
24-05-2006, 18:54
العقيدة البرهانية والفصول الإيمانية

تأليف الشيخ أبي عمرو عثمان بن عبد الله بن عيسى القيسي القرشي
الشهير بالسلالجي ( تـ574هـ)

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتِمِ النَّبِيِّينَ وَإِمَامِ المُرْسَلِينَ.
اعْلَمْ، أَرْشَدَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ، أَنَّ العَالَمَ: عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ سِوَى اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِ ذَاتِهِ.
ثُمَّ العَالَمُ عَلَى قِسْمَيْنِ: جَوَاهِرٌ وَأَعْرَاضٌ.
فَالجَوْهَرُ: هُوَ المُتَحَيِّزُ.
وَالعَرَض: هُوَ المَعْنَى القَائِمُ بِالجَوْهَرِ.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الجَوَاهِرِ: تَنَاهِي الأَجْسَامِ فِي انْقِسَامِهَا إِلَى حَدٍّ يَسْتَحِيلُ انْقِسَامُهُ. فَذَلِكَ هُوَ الجَوْهَرُ؛ لِأَنَّ القِسْمَةَ هِيَ الافْتِرَاقُ، وَالشَّيْءُ الوَاحِدُ لاَ يُفَارِقُ نَفْسَهُ، فَكُلُّ مَا تَأَلَّفَ مَعَهُ فَهُوَ عَلَى حُكْمِهِ.
وَبِهِ تَفْضُلُ الأَجْسَامُ بَعْضَهَا بَعْضًا فِي الكِبَرِ وَالصِّغَرِ، كَالذَّرَّةِ وَالفِيلِ؛ لِأَنَّ مَا لاَ يَتَنَاهَى لاَ يَفْضُلُ مَا لاَ يَتَنَاهَى.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ مَا لاَ يَتَنَاهَى يَسْتَحِيلُ دُخُولُهُ فِي الوُجُودِ.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الأَعْرَاضِ: تَنَاوُبُ الأَحْكَامِ الجَائِزَةِ الطَّارِئَةِ وَتَعَاقُبِهَا عَلَى الجَوَاهِرِ مَحَالِّهَا؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَهَا لَاسْتَحَالَ تَبَدُّلُهَا عَنْهَا، وَلَتَسَاوَت الجَوَاهِرُ كُلُّهَا فِيهَا، فَاخْتِصَاصُ كُلّ جَوْهَرٍ بِحُكْمٍ يَجُوزُ عَلَى مُمَاثِلِهِ دَلِيلٌ عَلَى مَعْنىً يُخَصِّصُهُ بِهِ وَيَتَعَيَّنُ قِيَامُهُ بِهِ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَقُمْ بِهِ لَمَا كَانَ بِإِيجَابِ الحُكْمِ لَهُ أَوْلَى مِنْ إِيجَابِهِ لِغَيْرِهِ.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الأَعْرَاضِ: طَرَيَانُهَا عَلَى مَحَالِّهَا. وَانْتِفَاؤُهَا بَعْدَ وُجُودِهَا دَلِيلٌ عَلَى حُدُوثِهَا؛ إِذْ لَوْ ثَبَتَ قِدَمُهَا لَاسْتَحَالَ عَدَمُهَا.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الجَوَاهِرِ: أَنَّ الجَوَاهِرَ لاَ تَعْرَى عَنِ الاجْتِمَاعِ وَالاِفْتِرَاقِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَالاجْتِمَاعُ وَالافْتِرَاقُ وَالحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ حَوَادِثٌ، وَمَا لاَ يَعْرَى عَنِ الحَوَادِثِ لاَ يَسْبِقُهَا، وَمَا لاَ يَسْبِقُهَا كَانَ حَادِثًا مِثْلَهَا.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الصَّانِعِ: أَنَّ العَالَمَ جَائِزٌ وُجُودُهُ وَجَائِزٌ عَدَمُهُ، فَلَيْسَ وُجُودُهُ بِأَوْلَى مِنْ عَدَمِهِ، وَلاَ عَدَمُهُ بِأَوْلَى مِنْ وُجُودِهِ، فَلَمَّا اخْتُصَّ بِالوُجُودِ الجَائِزِ بَدَلاً عَنِ العَدَمِ المُجَوَّزِ افْتَقَرَ إِلَى مُقْتَضٍٍ، وُهُوَ الفَاعِلُ المُخْتَارُ.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى قِدَمِ الصَّانِعِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَادِثًا لَافْتَقَرَ إِلَى مُحْدِثٍ، وَكَذِلَكَ القَوْلُ فِي مُحْدِِثِهِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى التَّسَلْسُلِ، وَالتَّسَلْسُلُ يُؤَدِّي إِلَى نَفْيِنَا، وَنَفْيُنَا مَعَ وُجُودِنَا مُحَالٌ، وَمَا أَفْضَى إِلَى المُحَالِ كَانَ مُحَالاً، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ: وُجُوبُ اتِّصَافِهِ بِأَنَّهُ حَيٌّ، عَالِمٌ، قَادِرٌ، مُرِيدٌ. وَالصِّفَةُ لا تَتَّصِفُ بِالأَحْكَامِ الَّتِي تُوجِبُهَا المَعَانِي، فَلَمَّا وَجَبَ اتِّصَافُهُ تَعَالَى بِهَا حَتْمًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مُخَالِفٌ لِلْحَوَادِثِ، هُوَ أَنَّ المِثْلَيْنِ: كُلُّ مَوْجُودَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي جِمِيعِ صِفَاتِ النَّفْسِ، وَالرَّبُّ تَعَالَى مُقَدَّسٌ عَنْ جَمِيعِ سِمَاتِ الجَوَاهِرِ وَالأَعْرَاضِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لَهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الجَوْهَرَ حَقِيقَتُهُ: المُتَحيِّزُ، وَالمُتَحيِّزُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الاخْتِصَاصُ بِبَعْضِ الجِهَاتِ وَالمُحَاذِيَاتِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ، وَالمَوْصُوفُ بِالقِدَمِ لاَ يَتَّصِفُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الجَوْهَرَ هُوَ القَابِلُ لِلأَعْرَاضِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ، وَالمَوْصُوفُ بِالقِدَمِ لاَ يَتَّصِفُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الجَوْهَرَ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّأْلِيفُ وَالتَّرْكِيبُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ، وَالمَوْصُوفُ بِالقِدَمِ لاَ يَتَّصِفُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ.
وَأَمَّا العَرَضُ، فَحَقِيقَتُهُ: مَا يَقُومُ بِالجَوْهَرِ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى افْتِقَارِهِ إِلَى مَحَلٍّ. وَالرَّبُّ تَعَالَى مُتَعَالٍ عَنِ الافْتِقَارِ عَلَى الإِطْلاَقِ.
وَالعَرَضُ لاَ يَبْقَى زَمَنَيْنِ، وَالرَّبُّ تَعَالَى قَدِيمٌ، وَمَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ.
وَالعَرَضُ لاَ يَتَّصِفُ بِالأَحْكَامِ التِّي تُوجِبُهَا المَعَانِي، وَالرَّبُّ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِهَا حَتْمًا. فَتَقَرَّرَ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَاهُ تَقَدُّسُ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ سِمَاتِ الحَوَادِثِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُ مُخَالِفًا لَهَا.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ قَادِرٌ: اسْتِحَالَةُ صُدُورِ الفِعْلِ الرَّصِينِ، المُحْكَمِ المُتْقَنِ المَتِينِ، مِنْ غَيْرِ عَالِمٍ قَادِرٍ.
وَثُبُوتُ لَطَائِفِ الصُّنْعِ، وَمَا تَتَّصِفُ بِهِ السَّمَوَاتُ وَالأَرَضُونَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الانْتِظَامِ وَالإِتْقَانِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ قَادِرٌ.
ثُمَّ اخْتِصَاصُ الأَفْعَالِ بِأَوْقَاتِهَا وَخَصَائِصِ صِفَاتِهَا بَدَلاً مِنْ نَقَائِضِهَا الجَائِزَةِ عَلَيْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مُرِيدٌ.
وَثُبُوتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى حَيٌّ؛ لاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ المَشْرُوطِ مَعَ انْتِفَاءِ شَرْطِهِ.
ثُمَّ الحَيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا أَوْ مُؤَفًّا، وَكَذِلِكَ القَوْلُ فِي الكَلاَمِ وَالإدْرَاكِ؛ إِذْ كُلُّ قَابِلٍ لِنَقِيضَيْنِ لاَ وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَعْرَى عَنْهُمَا، فَلِمَا اسْتَحَالَتِ النَّقَائِصُ عَلَى البَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَطْعًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا مُدْرِكًا.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الصِّفَاتِ الأَزَلِيَّةِ: العِلَّةُ وَالحَقِيقَةُ. فَمَهْمَا ثَبَتَ حُكْمٌ مُعَلَّلٌ بِعِلَّةٍ وَجَبَ طَرْدُهُ شَاهِدًا وَغَائِبًا، وَلَوْ جَازَ ثُبُوتُهُ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ لِوُجُوبِهِ لَجَازَ ثُبُوتُ العِلَّةِ مِنْ غَيْرِ حُكْمِهَا لِوُجُوبِهَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّاهِدِ أَنَّ كَوْن العَالِمِ عَالِمًا مُعَلَّلٌّ بِالعِلْمِ.
وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِي الحَقِيقَةِ، فَمَهْمَا تَثْبُتُ حَقِيقَةٌ فِي مُحَقَّقٍ وَجَبَ طَرْدُهَا شَاهِدًا وَغَائِبًا، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّاهِدِ أَنَّ حَقِيقَةَ العَالِمِ مَنْ قَامَ بِهِ العِلْمُ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَقُمْ بِهِ لَمَا كَانَ بإِيجَابِ الحُكْمِ لَهُ أَوْلَى مِنْ إِيجَابِهِ لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي جُمْلَةِ الصِّفَاتِ.
فَثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ البَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَيٌّ بِحَيَاةٍ قَدِيمَةٍ، عَالِمٌ بِعِلْمٍ قَدِيمٍ، قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ قَدِيمَةٍ، مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ، سَمِيعٌ بِسَمْعٍ قَدِيمٍ، بَصِيرٌ بِبَصَرٍ قَدِيمٍ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلاَمٍ قَدِيمٍ، مُدْرِكٌ بِإِدْرَاكٍ قَدِيمٍ؛ إِذْ المَوْصُوفُ بِالقِدَمِ لاَ يَتَّصِفُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا إِلَهَيْنِ، وَقَدَّرْنَا مِنْ أَحَدِهِمَا إِرَادَةَ تَحْرِيكَ جِسْمٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَمِنَ الثَّانِي إِرَادَةَ تَسْكِينَهُ فِي تِلْكَ الحَالَةِ بِعَيْنِهَا، لَمْ يَخْلُ:
ـ إِمَّا أَنْ تَنْفَذَ إِرَادَتُهُمَا جَمِيعًا.
ـ أَوْ لاَ تَنْفَذَ إِرَادَتُهُمَا.
ـ أَوْ تَنْفَذَ إِرَادَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي.
مُحَالٌ أَنْ تَنْفَذَ إِرَادَتُهُمَا؛ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ.
وَمُحَالٌ أَنْ لاَ تَنْفَذَ إِرَادَتُهُمَا؛ لِاسْتِحَالَةِ عُرُوِّ المَحَلِّ عَنِ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ.
وَمُحَالٌ أَنْ تَنْفَذَ إِرَادَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي؛ إِذْ فِي ذَلِكَ تَعْجِيزُ مَنْ لَمْ تَنْفَذْ إِرَادَتُهُ، وَالعَجْزُ يُنَافِي الإِلَهِيَّةَ؛ لِأَنَّ العَجْزَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَرَضًا، وَقِيَامُ الأَعْرَاضِ بِالقَدِيمِ مُحَالٌ، وَمَا أَفْضَى إِلَى المُحَالِ كَانَ مُحَالاً.
وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِي الاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ اتِّفَاقُهُمَا مَشْرُوطٌ بِجَوَازِ عَدَمِهِمَا، وَمَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ.
فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الفِعْلَ يُنَافِي الإثْنَيْنِيَّةَ عَلَى وَصْفِ الإِلَهِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا (، ) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا ( ، )لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحَالَةِ تَنَاهِي المَقْدُورَاتِ: جَوَازُ وُقُوعِ أَمْثَالِ مَا وَقَعَ، وَالجَائِزُ لاَ يَقَعُ بِنَفْسِهِ، وَفِي قَصْرِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ اسْتِحَالَةُ وُقُوعِهِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى جَمْعِ الاسْتِحَالَةِ وَالإِمْكَانِ فِيمَا عُلِمَ فِيهِ الإِمْكَانُ.
وَكَذِلِكَ القَوْلُ فِي المَعْلُومَاتِ وَالمُرَادَاتِ وَمُتَعلَّقَاتُ الكَلاَمِ.
فَصْلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى تَجْوِيزِ رُؤْيَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: أَنَّ الإِدْرَاكَ شَاهِدًا يَتَعَلَّقُ بِالمُخْتَلِفَاتِ، وَالمُخْتَلِفَاتُ لاَ يُؤُولُ اخْتِلاَفُهَا إِلَى وُجُودِهَا، وَإِنَّمَا يَؤُولُ اخْتِلاَفُهَا إِلَى أَحْوَالِهَا، وَالإِدْرَاكُ لاَ يَتَعَلَّقُ بِالأَحْوَالِ؛ إِذْ كُلُّ مَا يُرَى وَيُمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ فِي حُكْمِ الإِدْرَاكِ فَهُوَ ذَاتٌ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَالأَحْوَالُ لَيْسَتْ بِذَوَاتٍ، فَإِذَا رِيءَ مَوْجُودٌ لَزِمَ تَجْوِيزُ رُؤْيَةَ كُلّ مَوْجُودٍ.
فَصْلٌ
وَمِنَ الجَائِزَاتِ: خَلْقُ الأَعْمَالِ. فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَالَى فِعْلٌ، وَلاَ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ تَعَالَى ثَوَابٌ. فَالثَّوَابُ مِنْهُ فَضْلٌ، وَالعِقَابُ مِنْهُ عَدْلٌ، يَخُصُّ مَنْ يَشَاءُ بِمَا يَشَاءُ؛ ) لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسَئَلُونَ(.
فَصْلٌ
وَمِنَ الجَائِزَاتِ: انْبِعَاثُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ، وَتَأْيِيدُهُمْ بِالمُعْجِزَاتِ.
وَلَهَا شَرَائِط: مِنْهَا أَنْ تَكُونَ فِعْلاً لِلَّهِ، خَارِقَةً لِلْعَادَةِ، وَأَنْ يَقَعَ التَّحَدِّي بِهَا، وَأَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِلدَّعْوَى، وَأَنْ يَعْجَزَ المُتَحَدُّونَ بِهَا عَنِ المُعَارَضَةِ وَالإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا.
وَمِنْ أَحْكَامِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ: وُجُوبُ العِصْمَةِ عَمَّا يُنَاقِضُ مَدْلُولَ المُعْجِزَةِ عَقْلاً، وَعَمَّا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الكَبَائِرِ إِجْمَاعًا.
وَقَدْ تَحَدَّى سَيِّدُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضُرُوبٍ مِنَ المُعْجِزَاتِ، مِنْهَا: القُرْآنِ العَظِيمِ، وَانْشِقَاقُ القَمَرِ، وَنُطْقِ العَجْمَاءِ، وَتَكْثِيرِ القَلِيلِ، وَنَبْعِ المَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَإِنْبَاؤُهُ عَنِ الغُيُوبِ الَّتِي لاَ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا إِلاَّ بِالْوَحْيِ، فَظَهَرَتْ خَارِقَةً لِلْعَادَةِ، مُوَافِقَةً لِدَعْوَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَامْتَنَعَتْ المُعَارَضَةُ مِنَ الخَلاَئِقِ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً.
فَوَجَبَ الإِيمَانُ بِمَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، وَسُؤَالِ مُنْكرٍ وَنَكِيرٍ، وَالصِّرَاطِ، وَالمِيزَانِ، وَالحَوْضِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَأَنْبَاءِ الآخِرَةِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً.
وَأَنَّ جُمْلَةَ أَحْكَامِ التَّكَالِيفِ، وَقَضَايَا التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَقَضَايَا التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ مُتَلَقَّاةٌ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لاَ مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِيهَا.
وَأَنَّ أُصُولَ الأَحْكَامِ: الكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ.
وَأَنَّ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ أَوْ عُلَمَاءُ الأُمَّةِ فَهُوَ حَقٌّ، لاَ يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ بِحَالٍ، وَمُشَاقَّتُهُمْ فِسْقٌ وَضَلاَلٌ.
وَمِمَّا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ: وُجُوبُ التَّوْبَةِ عِنْدَ مُقَارَفَةِ الذَّنْبِ. وَهِيَ عَلَى الفَوْرِ، لاَ تَجُوزُ الفُسْحَةُ فِيهَا بِحَالٍ.
وَحَقِيقَتُهَا: النَّدَمُ لِأَجْلَ مَا فَاتَ مِنْ رِعَايَةِ حُقُوقِ اللهِ.
فَإِذَا تَوَفَّرَتْ عَلَيْهَا شَرَائِطُهَا، فَقَدْ وَعَدَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِقَبُولِهَا.
وَمَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا، وَقَدْ قَارَفَ كَبِيرَةً وَلَمْ يُوَفَّقْ إِلَى التَّوْبَةِ عَنْهَا، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، أَوْ شَفَّعَ فِيهِ شَفِيعًا، أَوْ عَاقَبَهُ مُدَّةً وَأَدْخَلَهُ الجَّنَةَ.
وَأَنَّ الإِيمَانَ: هُوَ التَّصْدِيقُ. فَمَنْ صَدَّقَ اللهَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ.
فَصْلٌ
وَمِنَ الجَائِزَاتِ: عَقْدُ الإِمَامَةِ.
وَلَهَا شَرَائِطٌ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ قُرَشِيًّا، وَأَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُفْتِيًا، وَأَنْ يَكُونَ ذَا كِفَايَةٍ وَنَجْدَةٍ عِنْدَ نُزُولِ الدَّوَاهِي وَالمُلِمَّاتِ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا؛ إِذْ لاَ مَعْصُومَ إِلاَّ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَثْبُتَ نَصًّا، بَلْ تَثْبُتُ نَصًّا أَوْ اجْتِهَادًا.
فَهَذَا مِمَّا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
فَصْلٌ
وَأَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلََّمَ: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَر، ثُمَّ تَعَارَضَتِ الظُّنُونُ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ؛ فَهُمُ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَالأَئِمَّةُ المَهْدِيُّونَ.
فَهَذِهِ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي سَبِيلِ الإِيجَازِ، وَمَا لاَ يَسَعُ أَحَدٌ تَرْكُهُ مِنَ العُقَلاَءِ إِلاَّ بَعْدَ إِحَاطَةِ العِلْمِ بِهَا، تَلَقَّاهَا الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ.
وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا، وَالقِيَامِ بِرِعَايَةِ حُقُوقِهَا، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتِمِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرِينَ الطَيِّبِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

جلال علي الجهاني
31-05-2006, 15:14
متن
العقائد العَضُدِيَّة
تصنيف الإمام الحجة المتكلم الأصولي
عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإيجي الشيرازي
(706-756هـ)


بسم الله الرحمن الرحيمقال النبي صلى الله عليه وسلم "ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل ومن هم؟ قال الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي.
وهذه عقائد الفرقة الناجية، وهم الأشاعرة.
أجمع السلف من المحدثين وأئمة المسلمين وأهل السنة والجماعة:
على أن العالم حادث، كان ذلك بقدرة الله بعد أن لم يكن.
وعلى أن العالم قابلٌ للفناء، وعلى أن النظر في معرفة الله واجب شرعاً، وبه تحصل المعرفة، ولا حاجة إلى المعلم.
وعلى أن للعالم صانعاً قديماً لم يزل ولا يزال واجباً وجودة لذاته ولا خالق سواه.
متصفٌ بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع سمات النقص.
فهو عالم بجميع المعلومات قادرٌ على جميع الممكنات، مريداً لجميع الكائنات، متكلم حي سميع بصير.
وهو منزَّهٌ عن جميع صفات النقص فلا شبيه له، ولا ندَّ له ولا مثل له، لا شريك له ولا ظهير له، ولا يحلُّ في غيره ولا يقوم بذاته حادثٌ ولا يتحد بغيره.
ليس بجوهر ولا عرض ولا جسمٍ ولا في حيز وجِهَةٍ، ولا يشار إليه بهنا ولا هناك، ولا يصح عليه الحركة ولا الانتقال، ولا الجهل ولا الكذب، وهو تعالى مرئيٌّ للمؤمنين يوم القيامة من غير موازاة ومقابلة وجهة.
ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالكفر والمعاصي بخلقه وإرادته، ولا يرضاهُ.
غنيٌّ ولا يحتاج إلى شيء، ولا حاكم عليه ولا يجب عليه شيء كاللطف والأصلح والعوض على الآلام ولا الثواب عليه في الطاعة والعقاب على المعصية، بل إن أثاب فبفضله وإن عاقب فبعدله.
ولا قبيح منه ولا ينسب فيما يفعل أو يحكم إلى جور أو ظلم، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا غرض لفعله، راعى الحكمةَ فيما خلق وأمرَ تفضلاً ورحمة، ولا حاكم سواه، فليس للعقل حكمٌ في حسن الأشياء وقبحها وكون الفعل سبباً للثواب والعقاب، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع. وليس للفعل صفة حقيقية أو اعتبارية باعتبارها حسن أو قبح، ولو عكس لكان الأمر بالعكس.
وهو غير متبعض ولا متجزئ ولا حدَّ له ولا نهاية له.
صفاته واحدةٌ بالذات غير متناهية بحسب التعلُّق، فما وجد من مقدوراته قليل من كثير، وله الزيادة والنقصان في مخلوقاته.
ولله تعالى ملائكة ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فمنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، لكل واحد منهم مقامٌ معلوم، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
والقرآن كلام الله غير مخلوق وهو المكتوب في المصاحف المقروء بالألسن المحفوظ في الصدور؛ والمكتوب غير الكتابة والمقروء غير القراءة والمحفوظ غير الحفظ.
وأسماء الله تعالى توقيفية.
والمعاد حقٌ، تحشر الأجساد وتعاد فيها الأرواح، وكذا المجازاة والمحاسبة، والصراط حق، والميزان حق.
وخلق الجنة والنار، ويخلد أهل الجنة في الجنة، والكافر في النار، ولا يخلد المسلم صاحب الكبيرة في النار بل يخرج آخراً إلى الجنة.
والعفو عن الصغائر والكبائر بلا توبة جائز.
والشفاعة حقٌّ لمن أذِن له الرحمن، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، وهو مُشَفَّعٌ فيهم لا يُرَدُّ مطلوبه.
وعذاب القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق.
وبعثة الرسل بالمعجزات من لَدُنْ آدم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حق.
ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ولا نبي بعده.
والأنبياء عليهم السلام معصومون، وهم أفضل من الملائكة العلوية، وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة.
وأهل بيعة الرضوان وأهل بدر من أهل الجنة.
وكرامات الأولياء حق، ويكرم الله بها من يشاء ويختص برحمته من يريد.
والإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثبتت إمامته بالإجماع، ثم عمر الفاروق رضي الله عنه، ثم عثمان ذو النورين رضي الله عنه، ثم علي المرتضى كرم الله وجهه، والأفضلية بهذا الترتيب، ومعنى الأفضلية أنه أكثر ثواباً عند الله تبارك وتعالى، لا أنه أعلم وأشرفُ نسباً، وما أشبه ذلك.
والكفر عدمُ الإيمان.
ولا نكفر أحداً منْ أهل القبلة إلا بما فيه نفيُ الصانع القادر المختار العليم، أو شرك، أو إنكار النبوة، أو إنكار ما علم مجيء محمد صلى الله عليه وسلم به ضرورةً، أو إنكار مجمع عليه قطعاً، واستحلال المحرمات، وأما غير ذلك فالقائل به مبتدعٌ وليس بكافر، ومنه التجسيم.
والتوبة واجبة، وهي مقبولة لطفاً ورحمتاً وإحساناً من الله والأمر بالمعروف تبع لما يؤمر به، فإن كان ما يؤمر به واجباً فواجب، وإن كان مندوباً فمندوب، وشرطه أنْ لا يؤدي إلى الفتنة، وأنْ يظن قبوله.
ولا يجوز التجسس.
ثبتك الله على هذه العقائد الصحيحة ورزقك العمل بما يجب ويرضى.
انتهى والحمد الله ربِّ العالمين.

جلال علي الجهاني
08-07-2006, 14:20
عقيدة الشيخ الإمام العالم
أبي جعفر أحمد بن يوسف بن علي
الفهري اللبلي
(623 - 691 هـ)
مأخوذة من فتاوى البرزلي (6/631-362)


رواها الإمام البرزلي، عن شيخه محمد البطرني، عن الشيخ الفقيه الراوية الشريف أبي عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد الحسني عن مؤلفها.


اعلموا وفقنا الله وإياكم لتوحيده، وأعاننا على لزوم تمجيده، أنه يجب على كل عاقل بالغ أن يعلم:
أن لا إله إلا الله سبحانه وتعالى.

وأنه واحد لا شريك له، قديم لا أول له، دائم لا آخر له، ليس له ضد ولا نظير، ولا معين ولا وزير، لا تماثله الموجودات ولا يماثلها، ولا تحويه الأزمان والجهات، ولا يحل فيها فلا يحتاج إلى مكان، ولا يفتقر إلى زمان.

هو الله سبحانه [لم يزل] من التنزيه والتحميد والتقديس والتعظيم، على ما كان موصوفاً بصفاته العلية، ونعوته الجليلة الأبدية.

فهو سبحانه حي عالم بجميع المعلومات، قادر على جميع الممكنات، مريد لجميع الكائنات، سميع لجميع المسموعات، مبصر لجميع المرئيات، مدرك لجميع المدركات، متكلم بكلام قديم أزلي ليس بحروف ولا أصوات، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يتكون موجود إلا بمشيئته وقدرته، فلا يقع في ملكه إلا ما أراد، ولا يجري في خلقه إلا ما قدَّر، لا يشذ عن قدرته مقدور، ولا تغرب عن علمه خفيات الأمور.

لا تحصى مقدوراته، ولا تتناهى مراداته ولا معلوماته.

أنشأ الموجودات كلها، وخلق أفعالهم بأسرها، وقدر أقواتهم وآجالهم بجملتها، فلا تزيد ولا تنقص، ولا يتقدم ولا يتأخر شيء عن شيء منها، فهي جارية على ما وقتها وقدرها في سابق علمه، ووفق إرادته، منزه عن صفات الخلق، مبرأ من سمات الحدوث والنقص، فلا تشبه صفاته العلية صفاتهم، كما لا تشبه ذاته المقدسة ذواتهم، فلا يتجدد عليه علم بمعلوم، ولا تحدث له إرادة لم تكن، وهو لا يعتريه عجز ولا قصور، ولا يأخذه سهو ولا فتور، ولا يغفل سبحانه لحظة، ولا عن أمر من الأمور، لا يفعل بآلة، ولا يستعين بجارحة، فلا يسمع بأذن، ولا يبصر بحدقة وجفن، ولا يبطش بيد، ولا يوصف بكون ولا يعلم بقلب، ولا يدبر بفكر، ولا يتكلم بلسان، ولا هو عرض ولا جوهر ولا جثمان، هو الله سبحانه العظيم الشأن، فله الصفات العلى والأسماء الحسنى.

أرسل الرسل بالبينات وأيدهم وقواهم بالمعجزات، وجعل آخرهم وخاتمهم خير أهل الأرض والسموات، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الأمي العربي القرشي المكي المدني صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم.

أرسله بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، إلى جميع الخلق كافة، أسودهم وأحمرهم، عربهم وعجمهم، إنسهم وجنهم، فبلَّغ الرسالة وأدى صلى الله عليه وسلم الأمانة، ونصب الأدلة على صدقه، والبراهين الساطعة على صحة قوله، فكل ما أخبر به عن الله تعالى فهو حق، وجميع ما قاله فهو لا محالة صدق.

فمما أخبر به صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، وأنه يبعثهم وجميع الخلق بعد الموت، ويحشرهم للحساب والثواب والعقاب، وأن الجنة والنار والحوض والميزان والصراط والشفاعة وسؤال الملكين منكر ونكير الميتَ في قبره عن معبوده ونبيه ودينه، كل هذا حق صحيح ثابت جاءت به الآثار، وورد به الصحيح من الأخبار.

هذا اعتقاد أهل السنة والجماعة وعلماء الأمة، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وعلى جميع النبيين والمرسلين والملائكة والمقربين عدد معلوماتك يا رب العالمين.

نزار بن علي
08-07-2006, 17:01
عقيدة الإيمان
تأليف: الشيخ أبي عبد الله محمد الهذلي نسبا القيرواني بلداً رحمه الله تعالى



أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ رَبِّنَا، فَنَعْتَقِدُ يَقِيناً وَنُؤْمِنُ جَزْماً عَنْ نَظَرٍ صَحِيحٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَاحِدٌ أَحَدٌ، قَدِيمٌ، بَاقٍ، لاَ مِثْلَ لَهُ، دَلَّنَا عَلَيْهِ تَعَالَى بِخَلْقِهِ، نُوَحِّدُهُ تَعَالَى وَنُقَدِّسُهُ بِمَا وَحَّدَ وَقَدَّسَ بِهِ تَعَالَى نَفْسَهُ، وَنُؤْمِنُ بِهِ تَعَالَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الكَمَالِ وَالجَمَالِ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَكُلُّ مَا يَخْطُرُ بِبَالِنَا مِمَّا يَمْتَنِعُ عَلَى رَبِّنَا فَهُوَ بَاطِلٌ هَالِكٌ، وَاللهُ تَعَالَى بِخَلاَفِ ذَلِكَ. وَكَذَا نُؤْمِنُ بِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَبِمَا جَاؤُوا بِهِ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، والحمد لله رب العالمين.




عقيدة سلطان العلماء
كتاب عقيدة الشيخ الإمام، والحبر الهمام، العالم العلامة، والحافظ الرحلة الفهامة، شيخ مشائخ الإسلام: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، قدس الله تعالى روحه، ونوّر ضريحه آمين، ونفعنا ببركاته والمسلمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله أجمعين.

اعلم أن حقوق الله تعالى على القلوب منقسمة إلى المقاصد والوسائل؛
أما المقاصد، فكمعرفة ذات الله عز وجل وصفاته.
وأما الوسائل، فكمعرفة أحكامه، فإنها ليست مقصودة لعينها، وإنما هي مقصودة للعمل بها.
وكذلك الأحوال قسمان؛
فالمقاصد: ما قُصد لنفسه كالمهابة الإجلال.
والوسائل: ما هو وسيلة إلى غيره، كالخوف والرجاء؛ فالخوف وازع عن المخالفات لما رتب عليها من العقوبات، والرجاء حاثّ على تكثير الطاعات لما رتب عليها من المثوبات.
والحقوق المتعلقة بالقلب أنواع:
النوع الأول: معرفة ذات الله تعالى وما يجب لها من الأزلية الأبدية والأحدية، وانتفاء الجوهرية والعرضية والجسمية، والاستغناء عن الموجِب والموجِد، والتوحّد بذلك عن سائر الذوات.
النوع الثاني: معرفة حياته تعالى بالأزلية والأبدية، والاستغناء عن الموجِب والموجِد، والتوحّد بذلك عن غيرها من الحياة.
النوع الثالث: معرفة علمه تعالى بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجِب والموجِد، والتعلق بكل واجب وجائز ومستحيل، والتوحّد بذلك عن سائر العلوم.
النوع الرابع: معرفة إرادته تعالى بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجب والموجد، والتعلق بما تتعلق به القدرة، والتوحد بذلك عن سائر الإرادات.
النوع الخامس: معرفة قدرته تعالى – على الممكنات – بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجب والموجد، والتوحد بذلك عن سائر القُدَر.
النوع السادس: معرفة سمعه تعالى بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجب والموجد، والتعلق بكل مسموع قديم أو حادث، والتوحد بذلك من بين سائر الأسماع.
النوع السابع: معرفة بصره تعالى بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجب والموجد، والتعلق بكل موجود قديم أو حادث، والتوحد بذلك عن سائر الأبصار.
النوع الثامن: معرفة كلام الله تعالى بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجب والموجد ، والتعلق بجميع ما يتعلق به العلم، والتوحد بذلك عن سائر أنواع الكلام.
فهذه الصفات كلها ثبوتية قائمة بذات الله سبحانه وتعالى واجبة له.
النوع التاسع: معرفة ما يجب سَلبُه عن ذاته تعالى من كل عيب ونقص، ومن كل صفة لا كمال فيها ولا نقصان.
النوع العاشر: معرفة تفرّده تعالى بالإلهية والاختراع.
النوع الحادي عشر: معرفة صفاته الفعلية الصادرة عن قدرته، الخارجة عن ذاته، وهي منقسمة إلى الجواهر والأعراض.
والأعراض أنواع: كالخفض والرفع، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، والإغناء والإقناء، والإماتة والإحياء، والإعادة والإفناء.
النوع الثاني عشر: معرفة ما له أن يفعله وأن لا يفعله؛ كإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والتكليف، والجزاء بالثواب والعقاب.
النوع الثالث عشر: معرفة حسن أفعاله كلها، خيرها وشرها، نفعها وضرها، قليلها وكثيرها، وأنه لا حق لأحد عليه، ولا ملجأ منه إلا إليه، له حق، وليس عليه حق، ومهما قال فالحسَن الجميل؛ وكذلك لو عذب أهل السماوات والأرض وأقصاهم لكان عادلا في ذلك كله، ولو أثابهم وأدناهم لكان مُنعِمًا مُفْضِلاً بذلك.
النوع الرابع عشر: اعتقاد جميع ما ذكرنا في حق العامة، وهو قائم مقام العلم في حق الخاصة؛ لما في تعرف ذلك من المشقة الظاهرة للعامة، فإن الله تعالى كلف الخاصة أن يعرفوه بالأزلية والأبدية والتفرد بالإلهية، وأنه حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم صادق في أخباره، وكلف العامة أن يعتقدوا ذلك لعسر وقوفهم على أدلة معرفته، فاجتزأ منهم باعتقاد ذلك.
النوع الخامس عشر: الحقوق المتعلقة بالقلوب، تصديق القلب بجميع ما ذكرناه من الاعتقادات والعرفان.
النوع السادس عشر: النظر في تعرف ذلك واعتقاده، وهو واجب وجوب الوسائل.
والحمد لله رب العالمين.
وعلى هذه العقيدة شرح مبارك اسمه افهام الافهام في شرح عقيدة شيخ الاسلام وضعه الشيخ ولي الدين الملوي العثماني الشافعي، يسر الله تحقيقه

نزار بن علي
21-07-2006, 20:38
عقيدة صغرى صغرى الصغرى
قال الشيخ الإمام السنوسي:
[COLOR="Black"]اعلم أن مولانا جل وعز واجب الوجود، والقدم، والبقاء، مخالف لخلقه، قائم بنفسه، غني عن المحل والمخصص، واحد في ذاته وصفاته وأفعاله.
وتجب له القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر والكلام.
وكونه قادرا، ومريدا، وعالما، وحيا، وسميعا، وبصيرا ومتكلما.
ويستحيل عليه جل وعز العدم، والحدوث، وطرو العدم، والمماثلة للحوادث، والافتقار إلى المحل والمخصص، والشريك. وكذا يستحيل عليه جل وعز العجز، والكراهة، والجهل، والموت، والصمم، والعمى والبكم.
ويجوز في حقه تعالى فعل كل ممكن أو تركه.
والدليل على وجوده تعالى حدوث العالم.
ولو لم يكن قديما لكان حادثا.
ولو لم يكن باقيا لكان فانيا.
ولو لم يكن مخالفا لخلقه لكان مثلهم.
ولو لم يكن قائما بنفسه لاحتاج إلى المحل والمخصص.
ولو افتقر إلى محل لكان صفة.
ولو احتاج إلى مخصص لكان حادثا.
ولو لم يكن واحدا لكان مقهورا، وهو القاهر فوق عباده.
ولو لم تجب له تعالى القدرة والإرادة والعلم والحياة لما كان شيء من خلقه.
ولو لم يتصف بالسمع والبصر والكلام لكان ناقصا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ولو لم يكن فعل الممكنات وتركها جائزا لانقلبت الحقائق، وقلب الحقائق مستحيل.
وأما الرسل عليهم الصلاة والسلام، فيجب في حقهم الصدق، والأمانة، والتبليغ .
ويستحيل عليهم الكذب، والخيانة والكتمان.
ويجوز في حقهم عليهم الصلاة والسلام ما يجوز في حق سائر البشر - لكن مما لا يؤدي إلى النقص في مراتبهم العلية - كالمرض ونحوه.
والدليل على صدقهم: المعجزات.
ولو لم يكونوا أمناء لكانوا خائنين.
ولو لم يبلغوا لكانوا كاتمين.
وذلك محال.
ودليل جواز الأعراض عليهم: مشاهدة وقوعها بهم لأهل زمانهم، ونقلت إينا بالتواتر.
وبالله التوفيق، لا رب غيره ولا معبود سواه.
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين.
كملت بحمد الله، وصلى الله على سيدنا محمد.[/COLO

محمد ال عمر التمر
14-11-2006, 22:54
هذا باب الإيمان من كتاب التبصرة لأبي محمد الجويني رحمه الله تعالى:

اعلم أن المؤمن إذا اعتقد ما يجب اعتقاده في أصل إيمانه فمن الخذلان أن يستسلم بعد ذلك لوسواس الشيطان فيعطيه زمام قلبه ليتصرف فيه كيف شاء، والشرائط التي إذا اعتقدها كان ما وراءها من الوسوسة أن يعتقد حدث العالم، وقدم محدثه وأنه ليس كمثله شيء من المخلوقات وتحقيقه أنه لا يُتصوّر في الوهم وما دونه يقبل هذه الصفة والنهاية منفية عنه، وليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وانتفت عنه الكيفية والكمية، والأينية واللمّية وأنه حي قادر عالم مريد بصير متكلم له حياة وقدرة وعلم وإرادة وسمع وبصر وكلام لم يزل ولا يزال بهذه الصفات لا يشبه شيء منها شيئا من المخلوقات وليست هي هو ولا هو غيره ولا تجاوزه ولا تخالفه ولا توافقه ولا تحلّه بل هي صفات له تقوم به وإن قدرته تعمّ المقدورات وعلمه يعمّ المعلومات، وإرادته تعم الإرادات، لا يكون إلا ما يريد ولا يريد ما لا يكون. ثم الاعتقاد بأنه لا إله إلا هو وأنه شيء واحد وهو معنى الأحد الصمد لا يجوز عليه شيء مما يجوز على المحدثات، ولا يصح عليه العدم، وأنه قائم بنفسه مستغن عن مكان يقلّه وعن جسم يحلّه÷ ليس له تحت فيكون تحته ما يسنده ولا فوق فيكون فوقه ما يمسكه، ولا جانب يعضده أو يزاحمه.
ثم الاعتقاد بجواز الرؤية مع نفي الأوصاف المحدثة عنه.
ثم الاعتقاد باستحالة الولد والزوجة والشريك
ثم الاعتقاد بأنه قادر على إماتة كل حي سواه ويجوز منه إفناء كل شيء غيره وإعادة الأجسام وأمثالها من غير نهاية إن شاء إذا شاء ما شاء.
ثم الاعتقاد بأنه قادر على كل شيء يُتوهّم حدوثه على الانفراد ومن جملة ذلك القدرة على بعثة الرسل وتنزيل الكتب، وبيان الحجج ونشر الخلق والثواب العقاب، لا اعتراض عليه في فعله ولا حجز عليه في مقدوره ولا يستحق عليه شيء ولا يلزمه فعل.
وأن أدلة صدق الرسل المعجزات، ولا يجوز إظهارها على الكذابين.
ثم الاعتقاد بأن لا واجب على الخلق قبل مجيء الرسل ومن فعل شيئا قبله لم يقطع له بثواب ولا عقاب.
ثم الاعتقاد بأنه بعث الرسل وأنزل الكتب وأمر ونهى ووعد وأوعد وأمر الرسل حق وخبرهم صدق ولا تجوز مخالفتهم.
ثم الاعتقاد بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول رب العزة معجزته القرآن، ودينه الإسلام وأخبرنا بالحشر والنشر وعذاب القبر وثواب أهل الطاعة وعذاب أهل المعصية وأن من مات على الإيمان عاقبته الجنة.
ثم الاعتقاد بأن الإجماع حق وأن العبادات الخمس أصول الإسلام: الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج.
ثم الاعتقاد بأن ما أشكل عليه من أمر دينه لزم الرجوع إلى أعلم من عنده وأورعهم في يفعله إذا بلغ درجة الإجتهاد والعمل بما يفتيه به.
ثم اٌلإقرار بجميع ذلك نطقا مع الإمكان، ومعنى قولنا الإمكان، أنه ربما يكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فلا يضر ذلك إيمانه شيئا.قال تعالى {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}
فإن استمرت العقيدة على هذه الشرائط واستقرت عليها بحيث لا يتشكك بالتشكك، ولا يرتاب بجدال أهل الإلحاد، فقد سبق إليه الإيمان بحذافيره. فإن اعترض له الشيطان في توسوسه في الصانع فليستعذ بالله منه، وفي مأثور الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يقول للإنسان: هذا ربكم خلق الأشياء فمن خلق الله عز وجل، وربما يتلو آية أو يقرع سمعك خبرا فيستولي على خاطرك عدوك كمثل آيات الصفات والاستواء على العرش واليد والنفس والعين وحديث النزول وما أشبه ذلك فمتى أشكل عليك لفظ شرعي في صفات الذات فاصرف ذلك اللفظ إلى صفات الفعل مثاله قوله تعالى: { وهو معكم أينما كنتم} وقوله { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وقوله { وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} يحتمل والله أعلم من حيث العلم لا من حيث الذات ومن أثبت له مكانا مخصوصا أو جعل العرش له قرارا قيل له: كيف يكون العرش له قرارا من حيث المكان وهو على العرش يعلم ما على الأرض {أينما كنتم} و {أقرب إليكم من حبل الوريد} فإن استعمل بأن يحمل قوله { وهو معكم أينما كنتم} على صفات الفعل فكذلك يلزمه أن يحمل الاستواء والنزول على صفات الفعل. وإن اختيار الإعراض عن تأويل قوله تعالى: {وهو معكم} فليُعرض عن تأويل الاستواء على العرش وحديث النزول ونظائرهما فإن من السلف الصالحين من اختار في هذه الظواهر ترك الكلام عليه مع الإيمان بها وذلك طريقة حسنة قال الله تعالى { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما اللذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به } فمن رأى ترك التأويل وقف على قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } ومن استخار التـاويل أدرج، والوقف أحسن لآن قوله تعالى { والراسخون في العلم } كلام تعقبه خبره وهو قوله { يقولون آمنا به } فإن قيل: إذا كان في القرآن ما لا نفهمه فلا نأمن أن يكون في ضمن ما لم نفهمه حكم عطّلناه أو معنى يُضاد ما اعتقدناه فيما فهمناه، قلنا: أما المضادّة فغير موهومة، لأن ذلك تناقض في خطاب القديم سبحانه وتعالى، وأما تعطيل الحكم فمستحيل أيضا لأن الله تعالى أرسل رسوله وكلّفه أن يبي للناس ما نزّل إليهم فيستيقن أنه ما غادر بيانا نفتقر إلى ذكره صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.

نزار بن علي
11-06-2007, 11:08
أخي جلال..
هل متن العقائد العضدية محقق على نسخة خطية أو مستل من شرح الدواني لها؟
جزاك الله خيرا...

جلال علي الجهاني
11-06-2007, 12:40
هي مستلة من شرح الدواني

محمد حسين ملاسعيد
13-08-2007, 20:27
عقيدة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عـربي
نذكر هنا عقيدة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي كما وردت في الفتوحات المكيّة واختصرناها هنا:
لقد صرّح الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي عن عقيدته في بداية كتاب الفتوحات المكية وهي أيضاً رسالة "عقيدة أهل الإسلام"، حتى لا يرميه الجهّال بالإلحاد أو الكفر حين لن يفهموا أكثر ما يسطره من العلوم النفيسة الرفيعة التي لا تنالها العقول الضعيفة والقلوب السقيمة، وكأنه قد تنبّأ بما سيحدث في هذا الشأن فخفّف من وطأته. ولكن الشيخ الأكبر أيضاً قال إن العقيدة عنده لها أربعة مراتب:
أولاها هي عقيدة العوام من أهل الإسلام، أهل التقليد وأهل النظر، وهي التي سنذكرها أدناه، وهي العقيدة العامة التي يجب على كلّ المسلمين إتّباعها وخلاصتها أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكنه يضيف بعض التفصيل العام لتنزيه الله تعالى عما تصفه به بعض الفِرق مثل المجسّمة والمشبّهة وغيرهم.
والمرتبة الثانية من العقيدة يسميها الشيخ عقيدة الناشئة الشادية، وهي التي تتضمن مآخذ الأدلة في الفلسفة الإسلامية والتي يحتاج إليها من يناقش العلماء والفلاسفة، وقد ذكرها الشيخ محيي الدين أيضاً في بداية الفتوحات المكية بلفظ مسجوع وعبارة موجزة، وسماها أيضاً "رسالة المعلوم من عقائد أهل الرسوم".
والمرتبة الثالثة في العقيدة هي عقيدة خواص أهل الله، من أهل طريق الله، من المحققين أهل الكشف والوجود، وقد ذكرها الشيخ الأكبر أيضاً في كتاب سماه "المعرفة".
وأما المرتبة الرابعة فهي عقيدة الخلاصة الذين هم خلاصة خواص أهل الله تعالى، فما أفردها الشيخ الأكبر على التعيين ولم يصرّح بها، لما فيها من الغموض، ولكن جاء بها مبدّدة في أبواب الفتوحات المكية مستوفاةً مبيّنةً، لكنها كما يقول متفرقة؛ فمن رزقه الله الفهم فيها يعرف أمرها ويميزها من غيرها، فإنها، كما يقول الشيخ الأكبر، العلم الحق والقول الصدق، وليس وراءها مرمى، ويستوي فيها البصير والأعمى، تلحق الأباعد بالأداني، وتلحم الأسافل بالأعالي، فالأمر كلّه دوري، ونهاية الدائرة متصلة ببدايتها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المراتب الأربعة من العقيدة ما هي مراتب متباينة ومتناقضة وإنما هي مراتب متوافقة ومتكاملة، ولكن لا يمكن أن نطلب من جميع الناس أن يكونوا فلاسفة متكلمين، كما لا نتوقع من جميع المتكلمين أن يكونوا محققين وذائقين، والذوق له مراتب ومشارب أعلاها وأصفاها مرتبة الأبرار المقربين الذين يشربون من الرحيق المختوم، ختامه مسك ومزاجه من تسنيم، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ونحن هنا سنذكر نصّ العقيدة العامة كما وردت في كتاب الفتوحات المكية، رغم طولها، حيث أنها أصلٌ ينفي كلّ ادّعاءٍ ينتقصُ من منزلة الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي. ولقد قسم الشيخ رضي الله عنه هذه الشهادة إلى قسمين الأول أن لا إله إلا الله والثاني أنّ محمداً رسول الله، فيقول بعد تقديم عن ضرورة الشهادة:
"فيا إخوتي ويا أحبائي رضي الله عنكم، أشهدكم عبد ضعيف مسكين فقير إلى الله تعالى في كل لحظة وطرفة، وهو مؤلف هذا الكتاب ومنشئه، أشهدكم على نفسه بعد أن أشهدَ الله تعالى وملائكته ومن حضره من المؤمنين وسمعه أنه يشهد قولا وعقدا أنّ:
1-الله تعالى إله واحد لا ثاني له في ألوهيته، منزه عن الصاحبة والولد، مالك لا شريك له، ملك لا وزير له، صانع لا مدبر معه، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده، بل كل موجود سواه مفتقر إليه تعالى في وجوده، فالعالم كله موجود به، وهو وحده متصف بالوجود لنفسه، لا افتتاح لوجوده، ولا نهاية لبقائه، بل وجود مطلق غير مقيد، قائم بنفسه، ليس بجوهر متحيّز فيُقدّر له المكان، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء، مقدس عن الجهات والأقطار، مرئي بالقلوب والأبصار، إذا شاء استوى على عرشه كما قاله وعلى المعنى الذي أراده، كما أنّ العرش وما سواه به استوى، وله الآخرة والأولى، ليس له مثل معقول، ولا دلّت عليه العقول، لا يحدّه زمان ولا يُقلّه مكان، بل كان ولا مكان وهو على ما عليه كان، خلق المتمكّن والمكان، وأنشأ الزمان، وقال أنا الواحد الحيّ، لا يؤوده حفظ المخلوقات، ولا ترجع إليه صفة لم يكن عليها من صنعة المصنوعات، تعالى أن تحلّه الحوادث أو يحلّها، أو تكون بعده أو يكون قبلها، بل يقال كان ولا شيء معه، فإن القبل والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه، فهو القيّوم الذي لا ينام، والقهّار الذي لا يُرام، ليس كمثله شيء، خلق العرش وجعله حدّ الاستواء، وأنشأ الكرسي وأوسعه الأرض والسماوات العلى، اخترع اللوح والقلم الأعلى، وأجراه كاتبا بعلمه في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء، أبدع العالم كله على غير مثال سبق، وخلق الخلْق وأخلق (أي أبلى) الذي خلق، أنزل الأرواح في الأشباح أمناء، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلفاء، وسخّر لنا ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، فلا تتحرك ذرة إلا إليه وعنه، خلق الكل من غير حاجة إليه، ولا موجب أوجب ذلك عليه، لكنّ علمه سبق بأن يخلق ما خلق، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، يعلم السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، كيف لا يعلم شيئا هو خلقه، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، علم الأشياء منها قبل وجودها، ثم أوجدها على حد ما علمها، فلم يزل عالما بالأشياء، لم يتجدد له علم عند تجدد الإنشاء، بعلمه أتقن الأشياء وأحكمها، وبه حكّم عليها من شاء وحكمها، علم الكليات على الإطلاق، كما علم الجزئيات بإجماع من أهل النظر الصحيح واتفاق، فهو عالم الغيب والشهادة، فتعالى الله عما يشركون، فعّال لما يريد، فهو المريد الكائنات في عالم الأرض والسموات، لم تتعلق قدرته بشيء حتى أراده، كما أنه لم يُرده حتى علمه، إذ يستحيل في العقل أن يريد ما لا يعلم أو يفعل المختار المتمكن من ترك ذلك الفعل ما لا يريد، كما يستحيل أن توجد نسب هذه الحقائق في غير حي، كما يستحيل أن تقوم الصفات بغير ذات موصوفة بها، فما في الوجود طاعة ولا عصيان، ولا ربح ولا خسران، ولا عبد ولا حُر، ولا برد ولا حَر، ولا حياة ولا موت، ولا حصول ولا فوت، ولا نهار ولا ليل، ولا اعتدال ولا ميل، ولا برّ ولا بحر، ولا شفع ولا وتر، ولا جوهر ولا عرض، ولا صحة ولا مرض، ولا فرح ولا ترح، ولا روح ولا شبح، ولا ظلام ولا ضياء، ولا أرض ولا سماء، ولا تركيب ولا تحليل، ولا كثير ولا قليل، ولا غداة ولا أصيل، ولا بياض ولا سواد، ولا رقاد ولا سهاد، ولا ظاهر ولا باطن، ولا متحرك ولا ساكن، ولا يابس ولا رطب، ولا قشر ولا لب، ولا شيء من هذه النسب المتضادات منها والمختلفات والمتماثلات إلا وهو مراد للحق تعالى، وكيف لا يكون مرادا له وهو أوجده، فكيف يوجد المختار ما لا يريد، لا رادّ لأمره ولا معقّب لحكمه، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، ويضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، ما شاء كان وما لم يشأ أن يكون لم يكن، لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئا لم يُرد الله تعالى أن يريده ما أرادوه، أو يفعلوا شيئا لم يُرد الله تعالى إيجاده وأرادوه عندما أراد منهم أن يريدوه ما فعلوه، ولا استطاعوا ذلك ولا أقدرهم عليه، فالكفر والإيمان والطاعة والعصيان من مشيئته وحكمه وإرادته،[1] ولم يزل سبحانه موصوفا بهذه الإرادة أزلاً والعالم معدوم غير موجود، وإن كان ثابتا في العلم في عينه، ثم أوجد العالم من غير تفكر ولا تدبر عن جهل أو عدم علم فيعطيه التفكر والتدبر علم ما جهل، جلّ وعلا عن ذلك، بل أوجده عن العلم السابق وتعيين الإرادة المنزهة الأزلية القاضية على العالم بما أوجدته عليه من زمان ومكان وأكوان وألوان، فلا مُريد في الوجود على الحقيقة سواه، إذ هو القائل سبحانه: وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله، وإنه سبحانه كما علم فأحكم وأراد فخصّص وقدّر فأوجد؛ كذلك سمع ورأى ما تحرك أو سكن أو نطق في الورى من العالم الأسفل والأعلى، لا يحجب سمعه البعد فهو القريب، ولا يحجب بصره القرب فهو البعيد، يسمع كلام النفس في النفس، وصوت المماسة الخفية عند اللمس، ويرى السواد في الظلماء والماء في الماء، لا يحجبه الامتزاج ولا الظلمات ولا النور، وهو السميع البصير، تكلم سبحانه لا عن صمت متقدم ولا سكوت متوهم بكلام قديم أزلي كسائر صفاته من علمه وإرادته وقدرته، كلم به موسى عليه السلام، سماه التنزيل والزبور والتوراة والإنجيل، من غير حروف ولا أصوات، ولا نغم ولا لغات، بل هو خالق الأصوات والحروف واللغات، فكلامه سبحانه من غير لهاة ولا لسان، كما أن سمعه من غير أصمخة ولا آذان، كما أن بصره من غير حدقة ولا أجفان، كما أن إرادته في غير قلب ولا جنان، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر في برهان، كما أن حياته من غير بخار تجويف قلب حدث عن امتزاج الأركان، كما أن ذاته لا تقبل الزيادة والنقصان، فسبحانه سبحانه من بعيد دان، عظيم السلطان، عميم الإحسان، جسيم الامتنان، كل ما سواه فهو عن جوده فائض، وفضله وعدله الباسط له والقابض، أكمل صنع العالم وأبدعه حين أوجده واخترعه، لا شريك له في ملكه، ولا مدبر معه في ملكه، إن أنعم فنعّم فذلك فضله، وإن أبلى فعذّب فذلك عدله، لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف، ولا يتوجه عليه لسواه حكم فيتصف بالجزع لذلك والخوف، كل ما سواه تحت سلطان قهره ومتصرفٌ عن إرادته وأمره، فهو الملهم نفوس المكلفين التقوى والفجور، وهو المتجاوز عن سيّئات من شاء والآخذ بها من شاء هنا وفي يوم النشور، لا يحكم عدله في فضله، ولا فضله في عدله، أخرج العالم قبضتين، وأوجد لهم منزلتين فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي، ولم يعترض عليه معترض هناك إذ لا موجود كان ثَمّ سواه، فالكل تحت تصريف أسمائه، فقبضة تحت أسماء بلائه، وقبضة تحت أسماء آلائه، ولو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيداً لكان، أو شقياً لما كان من ذلك في شأن، لكنه سبحانه لم يرد؛ فكان كما أراد، فمنهم الشقي والسعيد، هنا وفي يوم المعاد، فلا سبيل إلى تبديل ما حكم عليه القديم، وقد قال تعالى في الصلاة: هي خمس وهي خمسون، ما يبدل القول لديّ وما أنا بظلام للعبيد، لتصرفي في ملكي وإنفاذ مشيئتي في ملكي، وذلك لحقيقة عميت عنها الأبصار والبصائر، ولم تعثر عليها الأفكار ولا الضمائر، إلا بوهب إلهي وجود رحماني لمن اعتنى الله به من عباده، وسبق له ذلك بحضرة إشهاده، فعلم حين أُعلم أن الألوهية أعطت هذا التقسيم، وأنه من رقائق القديم، فسبحان من لا فاعل سواه ولا موجود لنفسه إلا إياه، والله خلقكم وما تعملون، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، فللّه الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين.
2-الشهادة الثانية: وكما أشهدت الله وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بتوحيده، فكذلك أشهده سبحانه وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بالإيمان بمن اصطفاه واختاره واجتباه من وجوده؛ ذلك سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، الذي أرسله إلى جميع الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلّغ صلّى الله عليه وسلّم ما أنزل من ربه إليه وأدّى أمانته، ونصح أمته، ووقف في حجة وداعه على كل من حضر من أتباعه، فخطب وذكّر، وخوّف وحذّر، وبشّر وأنذر، ووعد وأوعد، وأمطر وأرعد، وما خصّ بذلك التذكير أحدا من أحد، عن إذن الواحد الصمد، ثم قال: ألا هل بلغت؟ فقالوا: بلّغت يا رسول الله، فقال صلّى الله عليه وسلّم: اللهمّ اشهد، وإني مؤمن بكل ما جاء به صلّى الله عليه وسلّم مما علمت وما لم أعلم، فمما جاء به فقرّر أن الموت عن أجل مسمّى عند الله إذا جاء لا يؤخر، فأنا مؤمن بهذا إيمانا لا ريب فيه ولا شك، كما آمنت وأقررت أن سؤال فتّاني القبر حق، وعذاب القبر حق، وبعث الأجساد من القبور حق، والعرض على الله تعالى حق، والحوض حق، والميزان حق، وتطاير الصحف حق، والصراط حق، والجنة حق، والنار حق، وفريقا في الجنة وفريقا في النار حق، وكرب ذلك اليوم حق، على طائفة وطائفة أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر، وشفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين وإخراج أرحم الراحمين بعد الشفاعة من النار من شاء حق، وجماعة من أهل الكبائر المؤمنين يدخلون جهنم ثم يخرجون منها بالشفاعة والامتنان حق، والتأبيد للمؤمنين والموحدين في النعيم المقيم في الجنان حق، والتأبيد لأهل النار في النار حق، وكل ما جاءت به الكتب والرسل من عند الله عُلم أو جُهل حق.

فهذه شهادتي على نفسي أمانة عند كل من وصلت إليه أن يؤديها إذا سئلها حيثما كان، نفعنا الله وإياكم بهذا الإيمان، وثبتنا عليه عند الانتقال من هذه الدار إلى الدار الحيوان، وأحلنا منها دار الكرامة والرضوان، وحال بيننا وبين دار سرابيلها من القطران، وجعلنا من العصابة التي أخذت الكتب بالأيمان، وممن انقلب من الحوض وهو ريّان، وثقل له الميزان، وثبتت له على الصراط القدمان، إنه المنعم المحسان، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق."[2]


--------------------------------------------------------------------------------

[1] لا يلزم من الرضى بالقدر الرضى بالمقدور، فالكفر مقدور والله لا يرضى لعباده الكفر ولكنه سبحانه قدّر على بعض عباده أن يكفروا.

[2] مقدمة الفتوحات المكية وكتاب عقيدة أهل الإسلام لابن العربي.

وائل سالم الحسني
13-08-2007, 21:47
بوركت ، والى المزيد ان شاء الله

جلال علي الجهاني
15-05-2008, 15:59
عقيدة الإمام الدردير
رحمه الله تعالى




بسم الله الرحمن الرحيم


يجبُ على المكلَّف معرفةُ ما يجبُ لله تعالى ولأنبيائه وملائكته الكرام.
فيجب لله تعالى عشرون صفة، وهي: الوجود، والقدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية، والحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، وكونه تعالى حياً وعليماً ومريداً وقادراً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً.
فهذه عشرون صفة، الأولى نفسية، والخمسة بعدها سلبية، والسبعة بعدها صفات معان، والتي بعدها معنوية.
فهو سبحانه وتعالى واجبُ الوجود، قديمٌ، باقٍ، مخالف لجميع الخلق، فليس بجسم ولا عرض ولا يتصف بالمكان ولا بالزمان ولا باليمين ولا بالشمال ولا بالخلف ولا بالأمام.
القائمُ بنفسه.
واحد في ذاته وصفاته وأفعاله.
حي عليم بكل شيء ما كان وما يكون وما لم يكن.
مريد لكل شيء جرى أو برز من العوالم، وما لم يكن منهما.
قادر على كل شيء من الممكنات وإعدامها، لا يشاركه في ذلك مشارك.
سميع لكل موجود ومبصر، متكلم بكلام أزلي منزه عن الصوت والحرف.
ويجب للأنبياء عليهم الصلاة والسلام العصمة، فلا يقع منهم مخالفة لله في أمره ونهيه، وكذلك الملائكة.
ويجب للرسل عليهم الصلاة والسلام تبليغ ما أمروا بتبليغه للخلق من الأحكام وغيرها، كاليوم الآخر وما فيه من الحساب والعقاب، إما في القبر أو في النار، والصراط والميزان والجنة والنار، والعرش وبالكرسي وبالكتب السماوية والرسل وما وقع لهم مع أممهم، وبالحور العين وبالولدان وبالأولياء وبإسرائه صلى الله عليه وسلم وبالمعراج وبأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وبشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبعلامات الساعة.
وتجديد التوبة من الذنوب والرضا بالقضاء والقدر.

مهند يحيى إسماعيل
01-09-2008, 11:02
عقيدة السيد أحمد الرفاعي الكبير
"بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله المبدئ المعيد) الفعال لما يريد، ذي العرش المجيد، والبطش الشديد، الهادي صفوة العبيد، إلى المنهج الرشيد، والمسلك السديد، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد، بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك والترديد، السائق لهم إلى اتباع رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم واقتفاء صحبه الأكرمين بالتأييد والتسديد، المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد، المُعَرِّفِ إياهم في ذاته (أنه واحدٌ لا شريك له) فردٌ لا مِثل له، صمدٌ لا ضِدَّ له منفردٌ لا نِدَّ له. وأنه قديمٌ لا أول له أزليٌّ لا بدايةَ له مستمرُ الوجودِ لا آخر له أبديٌّ لا نهايةَ له، قيومٌ لا انقطاع له، دائمٌ لا انصرامَ له، لم يزل ولا يزال موصوفاً بنُعوتِ الجلال لا يُقضى عليه بالانقضاء وتَصَرُّمُ الآمادِ وانقراض الآجال، بل هو الأولُ والآخر والظاهر والباطن. وأنه ليس بجسمٍ مصوَّرٍ ولا جوهرٌ محدودٌ مُقَدَّر. وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام. وأنه ليس بجوهرٍ ولا تحله الجواهر ولا بعَرَضٍ ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجوداً ولا يماثله موجود، وليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء. وإنه لا يحِدُّهُ المقدار ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات ولا تكنفه السموات. وأنه مستوٍ على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواءاً مُنَزَّهاً عن المماسَّة والاستقرار والتمكُّنِ والحُلول والانتقال، لا يحملُهُ العرشُ بل العرش وحَمَلَتُهُ محمولون بلطف قُدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقيةً لا تزيده قُرباً إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى وهو مع ذلك قريبٌ من كل موجود وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد فهو على كل شيء شهيد، إذ لا يماثل قربُهُ قُرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام. وأنه لا يحِلُّ في شيء ولا يحِلُّ فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدَّس عن أن يحِدَّه زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان. وأنه بائنٌ بصفاته عن خَلقه ليس في ذاته سواه ولا في سواه ذاته. وأنه مقدسٌ عن التغيُّر والانتقال لا تحلُّهُ الحوادث ولا تعتريه العوارض بل لا يزال في نُعوتِ جلاله مُنَزَهاً عن الزوال وفي صفات كماله مُستغنياً عن زيادةِ الاستكمال وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول مرأى الذات بالأبصار، نعمةً منه ولطفاً بالأبرار في دار القرار وإتماما للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم. وأنه حيٌّ قادرٌ جبارٌ قاهرٌ لا يعتريه قصورٌ ولا عجزٌ ولا تأخذه سِنةٌ ولا نوم ولا يعارضه فناء ولا موت. وأنه ذو الملك والملكوت والعزة والجبروت له السلطان والقهر والخلق والأمر والسموات مطويات بيمينه والخلائق مقهورون في قبضته. وأنه المتفرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع خلق الخلق وأعمالهم وقَدَّر أرزاقَهم وآجالهم لا يشذُّ عنه مقدور ولا يعزب عن علمه تصاريف الأمور، لا تُحصي مقدوراته ولا تتناهى معلوماته. وأنه عالَمٌ بجميع المعلومات، محيطٌ بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويدرك حركة الذر في جو الهواء ويعلم السِرَّ وأخفى ويطَّلِع على هواجس الضمائر وخفيات السرائر، بعلمٍ قديمٍ أزليٍ لم يزل موصوفاً به في أزل الآزال لا بعلمٍ مُتجددٍ حاصلٍ في ذاته بالحلولِ والانتقال. وأنه مريدٌ للكائناتِ مُدَبِّرٌ للحادثات فلا يجري في المُلك والملكوت قليلٌ ولا كثير، صغيرٌ أو كبير، خيرٌ أو شر، نفعٌ أو ضُرّ، إيمانٌ أو كفر، عِرفانٌ أو نكر، فوزٌ أو خًُسر، زيادةٌ أو نقصان، طاعةٌ أو عصيان إلا بقضائه وقدره وحُكمه ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر، بل هو المبدئ المعيد الفعّال لما يريد، لا رادَّ لحُكمه ولا معقِّبَ لقضائه ولا مهرب لعبدٍ عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته ولا قوة له على طاعته إلا بمحبته وإرادته، لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالَم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك وأن إرادته قائمةٌ بذاته في جملة صفاته لم يزل كذلك موصوفاً بها مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدَّرها فوُجِدت في أوقاتها كما أراده في أزله من غير تقدم ولا تأخر بل وقعت على وفق عِلمِهِ وإرادته من غير تبدُّلٍ ولا تغيُّر، دبر الأمور لا بترتيب أفكار وتربص زمان، فلذلك لم يشغله شان عن شان. وأنه سميعٌ بصير يسمع ويرى لا يعزب عن سمعه مسموع، وأنه خفيٌّ ولا يغيب عن رؤيته مرأى وإن دقّ، لا يحجب سمعه بُعد، ولا يدفع رؤيته ظلام يرى من غير حدقةٍ وأجفان ويسمع من غير أصمخةٍ وآذان، كما يعلم بغير قلب ويبطش بغير جارحة ويخلق بغير آلة إذ لا تشبه صفاته صفات الخَلق كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق. وأنه متكلمٌ آمرٌ ناهٍ واعدٌ متوعدٌ بكلامٍ أزليٍّ قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء واصطكاك أجرام ولا بحرف يتقطع بإطباق شِفةٍ أو تحريك لسان، وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كُتُبُهُ المُنَزَّلة على رسله وأن القرآن مقروءٌ بالألسنة مكتوبٌ في المصاحف محفوظٌ في القلوب. وأنه مع ذلك قديمٌ قائمٌ بذات الله لا يقبل الانفصال والفراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق، وأن موسى عليه السلام سمع كلام الله بغير صوتٍ ولا حرف كما يرى الأبرار ذات الله من غير جوهرٍ ولا عَرَض، وإذا كانت له هذه الصفات كان حيّاً عالِماً قادراً مُريداً سميعاً بصيراً مُتكلماً بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام لا بمجرد الذات. وأنه لا موجودٌ سواه إلا هو حادثٌ بفعله وفائضٌ من عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها وأعدلها. وأنه حكيمٌ في أفعاله عادلٌ في أقضيته ولا يُقاس عدله بعدل العباد، إذ العبد يُتصوَّرُ منه الظُلم بتصرفه في مُلك غيره ولا يُتصوَّرُ الظُلم من الله، فإنه لا يُصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظُلما، فكل ما سواه من إنسٍ وجن وشيطان ومَلَك وسماء وأرض وحيوان ونبات وجوهر وعرض ومدرك ومحسوس حادث اختراعه بقدرته بعد العدم اختراعاً وإنشاؤه إنشاءاً بعد أن لم يكن شيئا، إذ كان في الأزل موجوداً وحده ولم يكن معه غيره فأحدث الخَلق بعده إظهارا لقدرته وتحقيقاً لما سبق من إرادته ولما حقَّ في الأزل من كلمته لا لافتقاره إليه وحاجته. وأنه متفضلٌ بالخَلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب، ومتطوِّلٌ بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان، إذ كان قادراً على أن يصب على عباده أنواع العذاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب، ولو فعل ذلك لكان منه عدلاً ولم يكن قُبحاً ولا ظُلما. وأنه يُثيبُ عباده على الطاعات بحكم الكَرَم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم إذ لا يجب عليه فعل ولا يُتصوَّرُ منه ظلم ولا يجب لأحد عليه حق وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه لا بمجرد العقل ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلَّغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاؤوا به. وأنه بعث النبي الأمي القرشي محمداً صلى الله عليه وسلم برسالته إلى كافة العرب والعجم والجن والإنس فنسخ بشرعه الشرائع إلا ما قرره وفضَّله على سائر الأنبياء وجعله سيد البشر، ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد وهي قول (لا إله إلا الله) ما لم تقترن بها شهادة الرسول وهي قول (محمدٌ رسول الله) وألزم الخَلق بتصديقه في جميع ما أخبر عنه من أمر الدنيا والآخرة. وأنه لا يقبل إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر عنه بعد الموت وأوله سؤال منكر ونكير وهما شخصان مهيبان يُقعِدان العبد في قبره سوياً ذا روح وجسد فيسألانه عن التوحيد والرسالة ويقولان مَن ربك وما دينك ومَن نبيك وهما فتّانا القبر وسؤالهما أول فتنة بعد الموت، وأن يؤمن من بعذاب القبر وأنه حق وحكمة وعدل على الجسم والروح كما يشاء، وأن يؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان وصفته في العظم أنه مثل طباق السموات والأرض توزن فيه الأعمال بقدرة الله وتتضح يومئذ مثاقيل الذرّ والخردل تحقيقاً لتمام العدل وتُطرَح صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة النور فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عنده بفضل الله وتُطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله، وأن يؤمن بأن الصراط حق وهو جسر ممدود على متن جهنم أحدَّ من السيف وأدق من الشعر تزِلُّ عنه أقدام الكافرين بحكم الله فيهوي بهم إلى النار ويثبت عليه أقدام المؤمنين فيُساقون إلى دار القرار، وأن يؤمن بالحوض المورود حوض محمد صلى الله عليه وسلم يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط، مَن شرب منه شُربةً لم يظمأ بعدها أبدا، عرضُهُ مسيرة شهر أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، حوله أباريقٌ عددها عدد نجوم السماء فيه ميزابان يصبان من الكوثر، ويؤمن بالحساب وتفاوت الخلق فيه إلى متناقَشٍ في الحساب وإلى مسامَحٍ فيه وإلى مَن يدخل الجنة بغير حساب وهم المقربون، فيسأل مَن يشاء مِن الأنبياء عن تبليغ الرسالة ومَن شاء من الكفار عن تكذيب المرسَلين ويسأل المبتدعة عن السنة ويسأل المسلمين عن الأعمال ويؤمن بإخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحِّد بفضل الله تعالى، ويؤمن بشفاعة الأنبياء ثم الأولياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر المؤمنين كلٌّ على حسب جاهه ومنزلته ومن بقي من المؤمنين ولم يكن له شفيع أُخرِج بفضل الله فلا يخلد في النار مؤمن بل يخرج منها مَن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، وأن يعتقد فضل الصحابة وترتيبهم وأن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم وأن يُحسِنَ الظن بجميع الصحابة ويُثني عليهم كما أثنى الله تعالى ورسوله عليهم أجمعين، فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار فمن اعتقد جميع ذلك مُوقِناً به كان من أهل الحق وعصابة السُنة وفارق رهط الضلال وحزب البدعة فنسأل الله تعالى كمال اليقين والثبات في الدين لنا ولكافة المسلمين إنه أرحم الراحمين، انتهى.

نزار بن علي
10-05-2011, 16:10
عقيدة الإمام المجتهد تقي الدين بن دقيق العيد
^http://www.4shared.com/document/N49gDlRU/___.html

أشرف سهيل
11-05-2011, 05:50
عقيدة الشعراني رحمه الله تعالى :


اعلم يا أخي أنَّ القوم أجمعوا على أنَّ الله تعالى إله واحد لا ثاني له ، منزه عن الصاحبة والولد ، مالك لا شريك له ، صانع لا مدبر معه ، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده ، بل كل موجود مفتقر إليه في وجوده ، فالعالم كله موجود به ، وهو تعالى موجود بذاته ، لا افتتاح لوجوده ، ولا نهاية لبقائه ، بل وجوده مطلق مستمر ، قائم بنفسه ، ليس بجوهر فيقدر له المكان ، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء ، مقدس عن الجهة والأقطار ، مرئي بالقلوب والأبصار .

استوى تعالى على عرشيه كما قاله ، وعلى المعنى الذي أراده ، كما أن العرش وما حواه به استوى ، له الآخرة والأولى ، ليس له مثل معقول ، ولا دلت عليه العقول ، لا يحده زمان ، ولا يقله مكان ، والآن على ما عليه كان ، خلق المتمكن والمكان ، وأنشأ الزمان ، وقال : " أنا الواحد الحي الذي لا يؤوده حفظ المخلوقات ، ولا يرجع إليه صفة لم يكن عليها من صفة المصنوعات " .

تعالى أن تحله الحوادث أو يحلها ، أو تكون قبله أو يكون قبلها ، بل يقال : " كان ولا شيء معه " ، لأن القبل والبعد من صنع الزمان الذي أبدعه ، فلا نطلق عليه تعالى ما لم يطلقه على نفسه ، فإنه أطلق على نفسه : " الأول " و " الآخر " ، لا القبل والبعد .

فهو القيوم الذي لا ينام ، والقهار الذي لا يرام ، { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }

خلق العرش وجعله حد الاستواء ، وأنشأ الكرسي وأوسعه الأرض والسماء ، اخترع اللوح والقلم الأعلى ، وأجراه كتابا في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء .

أبدع العالم كله على غير مثال سبق ، وخلق الخلق ، وأخلق ما خلق .

أنزل الأرواح في الأشباح أمنا ، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلفا ، وسخر لها ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، فلا تتحرك ذرة إلا عنه .

خلق الكل من غير حاجة إليه ، ولا موجب أوجب ذلك عليه ، لكن علمه بذلك سبق فلا بد أن يخلق ما خلق .

فـ { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير } ، أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا ، يعلم السر وأخفى ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، كيف لا يعلم شيئا خلقه { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } علم الأشياء قبل وجودها ، ثم أوجدها على حد ما علمها ، فلم يزل عالما بالأشياء ، لم يتجدد له علم عند تجدد الأشياء بعلمه .

أتقن الأشياء وأحكمها ، يعلم الكليات والجزئيات على الإطلاق ، فهو عالم الغيب والشهادة ، فتعالى عما يشركون .

فعال لما يريد ، فهو المريد للكائنات في عالم الأرض والسماوات ، لم تتعلق قدرته تعالى بإيجاد شيء حتى أراده ، كما أنه لم يرده سبحانه حتى علمه ، إذ يستحيل أن يريد سبحانه وتعالى ما لم يعلم ، أو يفعل المختار المتمكن من ذلك الفعل ما لا يريده ، كما يستحيل أن توجد هذه الحقائق من غير حي ، كما يستحيل أن تقوم هذه الصفات بغير ذات موصوفة بها .

فما في الوجود طاعة ولا عصيان ، ولا ربح ولا خسران ، ولا عبد ولا حر ، ولا برد ولا حر ، ولا حياة ولا موت ، ولا حصول ولا فوت ، ولا نهار ولا ليل ، ولا اعتدال ولا ميل ، ولا بر ولا بحر ، ولا شفع ولا وتر ، ولا جوهر ولا عرض ، ولا صحة ولا مرض ، ولا فرح ولا ترح ، ولا روح ولا شبح ، ولا ظلمة ولا ضياء ، ولا أرض ولا سماء ، ولا تركيب ولا تحليل ، ولا كثير ولا قليل ، ولا غداة ولا أصيل ، ولا بياض ولا سواد ، ولا سهاد ولا رقاد ، ولا ظاهر ولا باطن ، ولا متحرك ولا ساكن ، ولا يابس ولا رطب ، ولا قشر ولا لب ، ولا شيء من جميع المتضادات والختلفات والمتماثلات ، إلا وهو مراد للحق تعالى ، وكيف لا يكون مرادا له وهو أوجده ، فكيف يوجِد المختارُ ما لا يريد ، لا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه ، يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، ويضل من يشاء ، ويهدي من يشاء ، ما شـاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن .

لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئا لم يرد الله تعالى لهم أن يريدوه ما أرادوه ، أو أن يفعلوا شيئا لم يرد الله إيجاده وأرادوه ما فعلوه ولا استطاعوا ، ولا أقدرهم عليه .

فالكفر ، والإيمان ، والطاعة ، والعصيان من مشيئته وحكمته وإرادته ، ولم يزل سبحانه وتعالى موصوفا بهذه الإرادة أزلا والعالم معدوم ، ثم أوجد العالم من غير تفكر ولا تدبر ، بل أوجده عن العلم السابق ، وتعيين الإرادة المنزهة الأزلية القاضية على العالم بما أوجدته عليه من زمان ومكان وأكوان وألوان ، فلا مريد في الوجود على الحقيقة سواه ، إذ هو القائل سبحانه { وما تشاءون إلا أن يشاء الله }

وأنه تعالى كما علم ما حكم ، وأراد فخص ، وقدر فأوجد ، كذلك سمع ورأى ما تحرك وسكن ، أو نطق في الورى ، من العالم الأسفل والأعلى ، لا يحجب سمعه البعد فهو القريب ، ولا يحجب بصره القرب فهو البعيد .

يسمع كلام النفس في النفس ، وصوت المماسة الخفية عند اللمس ، يرى السواد في الظلماء ، والماء في الماء ، ولا يحجبه الامتزاج ، ولا الظلمات ولا النور ، وهو السميع البصير .

تكلم سبحانه ، لا عن صمع متقدم ، ولا سكوت متوهم ، بكلام قديم أزلي كسائر صفاته من علمه وإرادته وقدرته ، كلم به موسى عليه الصلاة والسلام ، سماه التنزيل والزبور والتوراة والإنجيل والفرقان ، من غير تشبيه ولا تكييف ، إذ كلامه تعالى من غير لهاة ولا لسان ، كما أن سمعه من غير أضمخة ولا آذان ، كما أن بصره من غير أعين ولا أجفان ، كما أن إرادته من غير قلب ولا جنان ، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر في برهان ، كما أن حياته من غير بخار تجويف القلب حدث عن امتزاج الأركان ، كما أنَّ ذاته لا تقبل الزيادة ، ولا النقصان .


فسبحانه سبحانه من بعيد دان ، عظيم السلطان ، عميم الإحسان ، جسيم الامتنان ، كل ما سواه فهو عن وجوده فائض ، وفضله وعدله الباسط والقابض ، أكمل صنع العالم وأبدعه حين أوجده واخترعه ، لا شريك له في ملكه ، ولا مدبر معه فيه ، إن أنعم فنَعَّم فذلك فضله ، وإن أبلى فعذَّب فذلك عدله ، لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف ، ولا يتوجه عليه لسواه حكمٌ فيتصف بالجزع لذلك والخوف ، كل ما سواه فهو تحت سلطان قهره ، ومتصرف عن إرادته وأمره ، فهو الملهم نفوس المكلفين للتقوى والفجور * ، فهو المتجاوز عن سيئات من شاء هنا وفي يوم النشور ، لا يحكم عدله في فضله ، ولا فضله في عدله ؛ لقدم صفاته كلها ، وتنزهها عن الحدوث .

أخرج العالم قبضتين ، وأوجد لهم منزلتين
فقال : هؤلاء للجنة ولا أبالى ، وهؤلاء للنار ولا أبالي ، ولم يعترض عليه معترض هناك إذ لا موجود كان ثَمَّ سواه ، فالكل تحت تصريف أسمائه ، فقبضةٌ تحت أسماء بلائه ، وقبضةٌ تحت أسماء آلائه .

لو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيدا لكان ، أو شقيا لما كان في ذلك من شان ، لكنه سبحانه لم يرد ذلك ، فكان كما أراد ، فمنهم الشقي والسعيد ، هنا وفي يوم المعاد ، فلا سبيل إلى تبدل ما حكم عليه القديم وقد قال تعالى في حديث فرض الصلاة : (( هي خمس ، وهي خمسون ، { ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد } )) ؛ لتصرفي في ملكي ، وإنقاذ مشيئتي في ملكي .

وذلك لحقيقة عميت عنها البصائر ، ولم تعبر عليها الأفكار ولا الضمائر إلا بوهب إلهي ، وجود رحماني ، لمن اعتني اللهُ به من عباده ، وسبق له ذلك في حضرة إشهاده ، فعلم حين أعلم أنَّ الألوهية أعطت هذا التقسيم ، وأنها من دقائق القديم ، فسبحان من لا فاعل سواه ، ولا موجود بذاته إلا إياه { والله خلقكم وما تعملون } { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } { قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين }

وكما شهدنا لله تعالى بالوحدانية وما يستحقه من الصفات العلية ، كذلك نشهد ليسدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة إلى جميع الناس كافة ، بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم بلغ جميع ما أنزله إليه من ربه ، وأدى أمانته ، ونصح أمته .

وقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم وقف في حجة الوداع على كل من حضره من الأتباع ، فخطب وذكَّر ، وخوَّف وأنذر ، ووعد وأوعد ، وأمطر وأرعد ، وما خصَّ بذلك التذكير أحدا دون أحد عن إذن الواحد الصمد
ثم قال : (( " ألا هل بلغت " ؟
فقالوا جميعا : " قد بلغت يا رسول الله "
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " اللهم فاشهد " ))

ونؤمن بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مما علمنا ومما لم نعلم .

فمما علمنا وتحققنا مما جاء به وقرر ، أنَّ الموت عن أجل مسمى عند الله إذا جاء لا يؤخر ، فنحن مؤمنون بهذا إيمانا لا ريب فيه ولا شك ، كما آمنا وأقررنا وصدَّقنا أنَّ سؤال منكر ونكير في القبر حق ، وأنَّ عذاب القبر حق ، والبعث من القبور حق ، والعرض على الله تعالى حق ، والحوض حق ، والميزان حق ، وتطاير الصحف حق ، والصراط حق ، والجنة والنار حق ، وفريقا في الجنة وفريقا في السعير حق ، وأنَّ كرب ذلك اليوم على طائفة حق ، وطائفة أخرى { لا يحزنهم الفزع الأكبر } حق ، وأنَّ شفاعة الأنبياء والملائكة وصالحي المؤمنين حق ، وشفاعة أرحم الراحمين حق ، فتشفع أسماء الحنان والرحمة ، عند أسماء الجبروت والنقمة .

وكذلك نؤمن بأنَّ إيمان أهل النار كفرعون وغيره غير مقبول ولا نافع ، وأنَّ جماعة من أهل الكبائر من الموحدين يدخلون جهنم ثم يخرجون بالشفاعة حق ، وأنَّ كل ما جاءت به الكتب والرسل من عند الله تعالى عُلم أو جُهل حق ، وكذلك نؤمن بأنَّ التأبيد للمؤمنين في النعيم المقيم حق ، والتأبيد للكافرين والمنافقين والمشركين والمجرمين حق .

فهذه عقيدة القوم رضي الله عنهم أجمعين ، وعقيدة عليها حيينا وعلينا نموت كما هو رجاؤنا في الله عز وجل ، فنسأل الله من فضله أن ينفعنا بهذا الإيمان ، ويثبتنا عليه عند الانتقال إلى الدار الحيوان ، ويحلنا دار الكرامة والرضوان ، ويحول بيننا وبين دار سرابيل أهلها قطران ، ويجعلنا من العصابة التي تأخذ كتبها بالأيمان ، وممن ينقلب من الحوض وهو ريان ، ويرجح له الميزان ، ويثبت منه على الصراط القدمان ، إنَّه المنعم المحسان ، آمين اللهم آمين .

فأمعن يا أخي النظر في هذه العقيدة فإنها عظيمة ، وإن حفظتها عن ظهر قلب كان أولى ، والله يتولى هداك . اهـ


* أي لتعمل بالتقوى وتجتنب الفجور

عبدالعزيز عبد الرحمن علي
11-05-2011, 12:52
عقيدة السلف (1)

تأليف : الإمام أبي إسحاق الشيرازي الشافعي رحمه الله ( 467 هـ )



اعلم أن ما تصور في الأوهام فإنه سبحانه وتعالى بخلاف ذلك , وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصر , من عزم على معرفة تدبر فإن أخلد إلى موجود أحاط به فكره فهو مُشبَّه , إن اطمأن إلى البقاء المحض فهو مُعطَّل , وإن قطع بموجود واعترف بأن العجز عن إدراك حقيقته وحقيقة صفاته فهو مُوحَّد .

هذا معنى قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - : العجز عن درك الإدراك إدارك .


فإن قيل : إذاً صار أمركم حَيرْة ودهشة .

قلنا : العقول حائرة عن إدراك الحقيقة , ناطقة بالموجود المنزّه عن صفات الأجسام


وهذا أنفع وأنجع من كتب مجلدات كثيرة
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً .



__________________________________________________ ______

(1- توجد هذه القطعة في مكتبة برلين تحت رقم 1964
أنظر : كتاب الأشارة إلى مذهب أهل الحق ص 303 - دراسة وتحقيق الدكتور محمد الزبيدي
وهناك كتاب آخر للإمام الشيرازي بهذا الأسم ( عقيدة السلف ) غير هذه العقيدة

حماد محمد الشنقيطي
15-12-2011, 02:34
اقتطفتها من جمع الجوامع للحافظ السيوطي رحمه الله:
الحديث الأول:
عَنْ جَعْفَرَ بنِ مُحَمَّدٍ: عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قِيلَ لِعَلِي بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّ هٰهُنَا رَجُلاً يَتَكَلَّمُ فِي المَشِيئَةِ؛ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، خَلَقَكَ اللَّهُ لِمَا شَاءَ؟ أَوْ لِمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ لِمَا شَاءَ، قَالَ: فَيُمْرِضُكَ إِذَا شَاءَ؟ أَوْ إِذَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ إِذَا شَاءَ؛ قَالَ: فَيُمِيتُكَ إِذَا شَاءَ؟ أَوْ إِذَا شِئْتَ؟ قَالَ: إِذَا شَاءَ؛ قَالَ: فَيُدْخِلُكَ حَيْثُ شَاءَ؟ أَوْ حَيْثُ شِئْتَ؟ قَالَ: حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: وَ اللَّهِ لَوْ قُلْتَ غَيْرَ هٰذَا لَضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ تَلاَ عَلِيٌّ: ﴿وَ مَا تَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَ أَهْلُ المَغْفِرَةِ﴾؛ (ابن أَبي حاتم، و الأَصبَهَانِي، و اللاَّلكائِي، و الْخلعي فِي الْخَلعيَّات).
الحديث الثاني:
عَنِ الْحَارِثِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلٰى عَلِيَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: طَرِيقٌ مُظْلِمٌ، لاَ تَسْلُكْهُ؛ قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: بَحْرٌ عَمِيقٌ، لاَ تَلِجْهُ، قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: سِرُّ اللَّهِ، قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ، فَلاَ تُفْشِهِ؛ قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: يَا أَيُّهَا السَّائِلُ، إِنَّ اللَّهَ خَالِقُكَ كَمَا شَاءَ؟ أَوْ كَمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ كَمَا شَاءَ؛ قَالَ: فَيَسْتَعْمِلُكَ كَمَا شَاءَ؟ أَوْ كَمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ كَمَا شَاءَ؛ قَالَ: فَيَبْعَثُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا شَاءَ؟ أَوْ كَمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ كَمَا شَاءَ؛ قَالَ: أَيُّهَا السَّائِلُ، أَلَسْتَ تَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّكَ الْعَافِيَةَ؟ قَالَ: بَلٰى؛ قَالَ: فَمِنْ أَي شَيْءٍ تَسْأَلُهُ الْعَافِيَةَ؟ أَمِنَ الْبَلاَءِ الَّذِي ابْتَلاَكَ بِهِ؟ أَمْ مِنَ الْبَلاَءِ الَّذِي ابْتَلاَكَ بِهِ غَيْرُهُ؟ قَالَ: مِنَ الْبَلاَءِ الَّذِي ابْتَلاَنِي بِهِ؛ قَالَ: يَا أَيُّهَا السَّائِلُ، تَقُولُ: "لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِمَنْ"؟ قَالَ: "إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِي الْعَظِيمِ"؛ قَالَ: فَتَعْلَمُ مَا فِي تَفْسِيرِهَا؟ قَالَ: تُعَلمُنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ قَالَ: إِنَّ تَفْسِيرَهَا: لاَ يَقْدِرُ عَلٰى طَاعَةِ اللَّهِ، وَ لاَ يَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فِي الأَمْرَيْنِ جَمِيعَاً إِلاَّ بِاللَّهِ؛ أَيُّهَا السَّائِلُ، أَلَكَ مَعَ اللَّهِ مَشِيئَةٌ؟ أَوْ فَوْقَ اللَّهِ مَشِيئَةٌ؟ أَوْ دُونَ اللَّهِ مَشِيئَةٌ؟ فَإِنْ قُلْتَ: لَكَ دُونَ اللَّهِ مَشِيئَةٌ، فَقَدِ اكْتَفَيْتَ بِهَا عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ؛ وَ إِنْ زَعَمْتَ أَنَّ لَكَ فَوْقَ اللَّهِ مَشِيئَةً، فَقَدِ ادَّعَيْتَ مَعَ اللَّهِ شِرْكَاً فِي مَشِيئَتِهِ؛ أَيُّهَا السَّائِلُ، إِنَّ اللَّهَ يَشُجُّ وَ يُدَاوِي، فَمِنْهُ الدَّوَاءُ، وَ مِنْهُ الدَّاءُ؛ أَعَقَلْتَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ عَلِيٌّ: الآنَ أَسْلَمَ أَخُوكُمْ، فَقُومُوا فَصَافِحُوهُ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لَوْ أَنَّ عِنْدِي رَجُلاً مِنَ الْقَدَرِيَّةِ لأَخَذْتُ بِرَقَبَتِهِ، ثُمَّ لاَ أَزَالُ أَجَأُهَا حَتَّىٰ أَقْطَعَهَا، فَإِنَّهُمْ يهودُ هٰذِهِ الأُمَّةِ، وَ نَصَارَاهَا، وَ مَجُوسُهَا»؛ (كر).
الحديث الثالث:
عَنْ عَلِيَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَتَاهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ لَهُ: مَتَىٰ كَانَ رَبُّنَا؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ عَلِيَ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يَكُنْ فَكَانَ، هُوَ كَمَا كَانَ، وَ لاَ كَيْنُونَةَ كَانَ، بِلاَ كَيْفٍ كَانَ، لَيْسَ قَبْلٌ وَ لاَ غَايَةٌ، انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ دُونَهُ، فَهُوَ غَايَةُ كُل غَايَةٍ، فَأَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ؛ (كر).
الحديث الرابع:
عَنِ الأَصْبَغِ بنِ نَبَاتَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسَاً عِنْدَ عَلي بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَأَتَاهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَتىٰ كَانَ اللَّهُ؟ فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَلَهَزْنَاهُ، حَتَّىٰ كِدْنَا نَأْتِي عَلٰى نَفْسِهِ؛ فَقَالَ عَليٌّ: خَلُّوا عَنْهُ؛ ثُمَّ قَالَ: اسْمَعْ يَا أَخَا الْيَهُودِ مَا أَقُولُ لَكَ بِأُذُنِكَ، وَ احْفَظْهُ بِقَلْبِكَ؛ فَإِنَّمَا أُحَدثُكَ عَنْ كِتَابِكَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ بْنُ عِمْرَانَ، فَإِنْ كُنْتَ قَدْ قَرَأْتَ كِتَابَكَ وَ حَفِظْتَهُ فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ كَمَا أَقُولُ؛ إِنَّمَا يَقُولُ "مَتىٰ كَانَ" لِمَنْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَزَلْ كَيْف يَكُونُ، كَانَ بِلاَ كَيْنُونَةٍ، كَائِنٌ لَمْ يَزَلْ قَبْلَ الْقَبْلِ، وَ بَعْدَ الْبَعْدِ، لاَ يَزَالُ بِلاَ كَيْفٍ، وَ لاَ غَايَةٍ، وَ لاَ مُنْتَهَىٰ إِلَيْهِ غَايَةٌ؛ انْقَطَعَتْ دُونَهُ الْغَايَاتُ، فَهُوَ غَايَةُ كُل غَايَةٍ؛ فَبَكَىٰ الْيَهُودِيُّ، وَ قَالَ: وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّهَا لَفِي التَّوْرَاةِ هٰكَذَا، حَرْفَاً، حَرْفَاً، وَ إِني أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ؛ (الأَصبهاني في الْحُجَّةِ).
الحديث الخامس:
عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ: عَنِ النُّعْمَانِ بنِ سَعْدٍ: أَنَّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْيَهُودِ دَخَلُوا عَلٰى عَلِيَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالُوا لَهُ: صِفْ لَنَا رَبَّكَ هٰذَا الَّذِي في السَّمَاءِ؛ كَيْفَ هُوَ؟ وَ كَيْفَ كَانَ؟ وَ مَتَىٰ كَانَ؟ وَ عَلٰى أَي شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَعْشَرَ الْيَهُودِ اسْمَعُوا مِني، وَ لاَ تُبَالُوا أَنْ لاَ تَسْأَلُوا أَحَدَاً غَيْرِي؛ إِنَّ رَبي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هُوَ الأَوَّلُ، لَمْ يَبْدُ مِنْ مَاءٍ، وَ لاَ مُمَازَجٍ مَعَ مَاءٍ، لاَ حَالٌ وَهْمَاً، وَ لاَ شَبَحٌ يُتَقَصَّا، وَ لاَ مَحْجُوبٌ فَيَجْرِي، وَ لاَ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَيُقَالُ حَادِثٌ؛ بَلْ جَلَّ أَنْ يُكَيَّفَ بِتَكَيُّفِ الأَشْيَاءِ، كَيْفَ كَانَ، بَلْ لَمْ يَزَلْ، وَ لاَ يَزُولُ لاِخْتِلاَفِ الأَزْمَانِ، وَ لاَ لِسَبَبٍ كَانَ بَعْدَ صَارَ، وَ كَيْفَ يُوصَفُ بِالأَشْبَاحِ، وَ كَيْفَ يُنْعَتُ بِالأَلْسُنِ الْفِصَاحِ، مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الأَشْيَاءِ فَيُقَالِ كَائِنٌ، وَ لَمْ يَبِنْ مِنْهَا فَيُقَالُ بَائِنٌ، بَلْ هُوَ بِلاَ كَيْفِيَّةٍ، وَ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَ أَبْعَدُ فِي النسْبَةِ مِنْ كُل بَعِيدٍ، لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ، وَ لاَ كُرُورُ لَفْظَةٍ، وَ لاَ ازْدِلاَفُ رَبْوَةٍ، وَ لاَ انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ فِي غَسَقِ لَيْلٍ دَاجٍ وَ لاَ إِدْلاَجٍ، وَ لاَ يَتَغَشَّىٰ عَلَيْهِ الْقَمَرُ المُنِيرُ، وَ لاَ انْبِسَاطُ الشَّمْسِ ذَاتَ النُّورِ بِضَوْئِهِمَا فِي الْكُرُورِ، وَ لاَ إِقْبَالُ لَيْلٍ مُقْبِلٍ، وَ لاَ إِدْبَارُ نَهَارٍ، إِلاَّ وَ هُوَ مُحِيطٌ بما يُرِيدُ مِنْ تَكْوِينِهِ، فَهُوَ الْعَالِمُ بِكُل مَكَانٍ، وَ كُل حِينٍ وَ أَوَانٍ، وَ كُل نِهَايَةٍ وَ مُدَّةٍ، وَ الأَمَدُ إِلٰى الْخَلْقِ مَضْرُوبٌ، وَ الْحَدُّ إِلٰى غَيْرِهِ مَنْصُوبٌ، لَمْ يَخْلُقِ الأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَوَّلِيَّةٍ، وَ لاَ بِأَوَائِلَ كَانَتْ قَبْلَهُ بَدِيَّةً، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ خَلْقَهُ، فَصَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ، تَوَحَّدَ فِي عُلُوهِ فَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ، وَ لاَ لَهُ لِطَاعَةِ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ انْتِفَاعٌ، أَجَابَتْهُ لِلدَّاعِينَ سَرِيعَةٌ، وَ المَلاَئِكَةُ فِي السَّمٰوَاتِ وَ الأَرَضِينَ لَهُ مُطِيعَةٌ، عِلْمُهُ بِالأَمْوَاتِ الْبَائِدِينَ كَعِلْمِهِ بِالأَحْيَاءِ المُنْقَلِبِينَ، وَ عِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمٰوَاتِ الْعُلٰى كَعِلْمِهِ بما فِي الأَرَضِينَ السُّفْلَىٰ، وَ عِلْمُهُ بِكُل شَيْءٍ، لاَ تُحَيرُهُ الأَصْوَاتُ، وَ لاَ تُشْغِلُهُ اللُّغَاتُ، سَمِيعٌ لِلأَصْوَاتِ المُخْتَلِفَة، فَلاَ جَوَارِحَ مَعَهُ مُؤْتَلِفَةً، مُدَبرٌ بَصِيرٌ عَالِمٌ بِالأُمُورِ، وَ هُوَ حَيٌّ قَيُّومٌ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالٰى، كَلَّمَ مُوسَىٰ تَكْلِيمَاً بِلاَ جَوَارِحَ، وَ لاَ أَدَوَاتٍ، وَ لاَ شَفَةٍ، وَ لاَ لَهَوَاتٍ؛ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالٰى عَنْ تَكْيِيفِ؛ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلهَنَا مَحْدُودٌ، فَقَدْ جَهِلَ الْخَالِقَ المَعْبُودَ، وَ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ الأَمَاكِنَ بِهِ تُحِيطُ، لَزِمَتْهُ الْحَيْرَةُ وَ التَّخْلِيطُ، بَلْ هُوَ المُحِيطُ بِكُل مَكَانٍ؛ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقَاً أَيُّهَا المُتَكَلفُ لِوَصْفِ الرَّحْمٰنِ بِخِلاَفِ التَّنْزِيلِ، فَصِفْ لَنَا جِبْرَائِيلَ، وَ مِيكَائِيلَ، وَ إِسْرَافِيلَ؛ هَيْهَاتَ، أَتَعْجِزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِكَ، وَ تَصِف الْخَالِقَ المَعْبُودَ، وَ أَنْتَ لاَ تُدْرِكُ صِفَةَ رَب الْهَيْئَةِ، وَ الأَدَوَاتِ؛ فَكَيْفَ مَنْ لَمْ تَأْخُذْهُ سِنَةً وَ لاَ نَوْمٌ، لَهُ مَا فِي السَّمٰوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؛ (حل، وقال غريب من حديثِ النعمان، كذا رواهُ ابنُ إسحاقَ مُرْسَلاً).
الحديث السادس:
عَنِ النَّزَّالِ بنِ سَبْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِعَليَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ هٰهُنَا قَوْمَاً يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالٰى لاَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ، حَتَّىٰ يَكُونَ؛ فَقَالَ: ثَكِلَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ، مِنْ أَيْنَ قَالُوا هٰذَا؟ قِيلَ: يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلَكَ، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَ أَثْنَىٰ عَلَيْهِ، وَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، وَ اعْمَلُوا بِهِ، وَ عَلمُوهُ، وَ مَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلْيَسْأَلْنِي؛ بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمَاً يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ حَتَّىٰ يَكُونَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ﴾؛ وَ إِنَّمَا قَوْلُهُ تَعَالٰى: ﴿حَتَّىٰ نَعْلَمَ﴾، يَقُولُ: حَتَّىٰ نَرَىٰ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، وَ الصَّبْرُ؛ إِنْ جَاهَدَ، وَ صَبَرَ عَلٰى مَا نَابَهُ، وَ أَتَاهُ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، وَ الصَّبْرُ، إِنْ جَاهَدَ، وَ صَبَرَ عَلٰى مَا نَابَهُ؛ وَ أَتَاهُ مِمَّا قَضَيْتُ عَلَيْهِ؛ (ابنُ عبدِ البَر فِي الْعِلْمِ).
الحديث السابع:
عَنْ عُثْمَانَ بنِ عبدِ اللَّهِ الْقُرَشِي: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: عَن مُخلَّدِ الضبي: عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخْعِي: عَنْ عَلْقَمَةَ: عَنْ أَبِي ذَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ أَوَّلُ يَوْمَ فِي الْبَيْعَةِ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، اجْتَمَعَ المُهَاجِرُونَ وَ الأَنْصَارُ فِي المَسْجِدِ، وَ جَاءَ عَليُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: إِنَّ أَحَقَّ مَا ابْتَدَأَ بِهِ المُبْتَدِئُونَ، وَ نَطَقَ بِهِ النَّاطِقُونَ، وَ تَفَوَّهَ بِهِ الْقَائِلُونَ: حَمْدُ اللَّهِ، وَ ثَنَاءٌ عَلَيْهِ بما هُوَ أَهْلُهُ، وَ الصَّلاَةُ عَلٰى النَّبِي مُحَمَّدٍ؛ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ المُتَفَردِ بِدَوَامِ الْبَقَاءِ، المُتَوَحدِ بِالمُلْكِ الَّذِي لَهُ الْفَخْرُ وَ المَجْدُ وَ السَّنَاءُ، خَضَعَتِ الآلِهَةُ لِجَلاَلِهِ -يَعْنِي الأَصْنَامَ-، وَ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ، وَ وَجِلَتِ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ، وَ لاَ عِدْلَ لَهُ، وَ لاَ نِدَّ لَهُ، وَ لاَ يَشْبَهُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَ نَشْهَدُ لَهُ بِمَا شَهِدَ لِنَفْسِهِ، وَ أُولُو الْعِلْمِ مِنْ خَلْقِهِ: أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ؛ لَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ، وَ لاَ حَدُّ تُضْرَبُ لَهُ فِيهِ الأَمْثَالُ، المُدِرُّ صَوْبَ الْغَمَامِ بِبَنَانِ النطَاقِ، وَ مُهْطِلُ الرَّبَابَ بِوَابِلِ الطَّل، فَرَشَ الفَيَافِي وَ الآكَامَ بِتَشْقِيقِ الدمَنِ، وَ أَنِيقِ الزَّهْرِ، وَ أَنْوَاعِ المُتَحَسنِ مِنَ النَّبَاتِ؛ وَ شَقَّ الْعُيُونَ مِنْ جُيُوبِ المَطَرِ، إِذْ شَبِعَتِ الدلاَءُ حَيَاةً لِلطَّيْرِ، و الْهَوَام، وَ الْوَحْشِ، وَ سَائِرِ الأَنَامِ، وَ الأَنْعَامِ، فَسُبْحَانَ مَنْ يُدَانُ لِدِينِهِ، وَ لاَ يُدَانُ لِغَيْرِ دِينِهِ دِينٌ، وَ سُبْحَانَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ صِفَةُ وَ نَعْتُ نَفَرٍ مَوجُودٍ، وَ لاَ حَدٌّ مَحْدُودٍ؛ وَ نَشْهَدُ أَنَّ سَيدَنَا مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ المُرْتَضَىٰ، وَ نَبِيُّهُ المُصْطَفَىٰ، وَ رَسُولُهُ الْمُجْتَبِىٰ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْنَا كَافَّةً، وَ النَّاسُ أَهْلُ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَ خُضُوعِ الضَّلاَلَةِ، يَسْفِكُونَ دِمَاءَهُمْ، وَ يَقْتُلُونَ أَوْلاَدَهُمْ، وَ يَحِيفُونَ سَبِيلَهُمْ، عَيْشُهُمُ الظُّلُمْ، وَ أَمْنُهُمُ الْخَوْفُ، وَ عِزُّهُمُ الذُّلُّ؛ فَجَاءَ رَحْمَةً، حَتَّىٰ اسْتَنْقَذَنَا اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ مِنَ الضَّلاَلَةِ، وَ هَدَانَا بِمُحَمَّدٍ مِنَ الْجَهْلِ، وَ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ أَضْيَقُ الأُمَمِ مَعَاشَاً، وَ أَخَسُّهُمْ رِيَاشَاً، جُلُّ طَعَامِنَا الْهَبِيدُ -يَعْنِي شَحْمَ الْحَنْظَلِ-، وَ جُلُّ لِبَاسِنَا الْوَبَرُ وَ الْجُلُودُ، مَعَ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَ النيرَانِ، وَ هَدَانَا اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ بَعْدَ أَنْ أَمْكَنَهُ اللَّهُ شُعْلَةَ النُّورِ، فَأَضَاءَ بِمُحَمَّدٍ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا، فَقَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَا أَجَلَّ رَزِيَّتَهُ، وَ أَعْظَمَ مُصِيبَتَهُ، فَالمُؤْمِنُونَ فِيهِمْ سَوَاءٌ، مُصِيبَتُهُمْ فِيهِ وَاحِدَةٌ..... الخ الحديث (كر).
الحديث الثامن:
عَنْ أَبِي إِسحاق: عَنْ عاصم بن ضمرةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَا تَقُولُ الْحَرُورِيَّةُ؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: "لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ"؛ قَالَ: الْحُكْمُ لِلَّهِ، وَ فِي الأرْضِ حُكَّامٌ، وَ لٰكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: "لاَ إِمَارَةَ"، وَ لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَارَةٍ يَعْمَلُ فِيهَا المُؤْمِنُ، وَ يَسْتَمِعُ فِيهَا الْفَاجِرُ، وَ الْكَافِرُ، وَ يُبَلغُ اللَّهُ فِيهَا الأجَلَ؛ (عب، ق).
الحديث التاسع:
عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الْحَرُورِيَّةَ، قَالُوا: مَنْ هٰؤُلاَءِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ أَكُفَّارٌ هُمْ؟ قَالَ: مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا، قِيلَ: فَمُنَافِقُونَ؟ قَالَ: إِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً، وَ هٰؤُلاء يَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرَاً، قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ فَعَمُوا فِيهَا وَ صَمُّوا؛ (عب).
الحديث العاشر:
عَنْ أَبِي البختري قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ المَسْجِدَ، فَقَالَ: لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ؛ ثُمَّ قَالَ آخَرُ: لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾؛ فَمَا تَدْرُونَ مَا يَقُولُ هٰؤُلاَءِ؛ يَقُولُونَ: "لاَ إِمَارَةَ"، أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ يُصْلِحُكُمْ إِلاَّ أَمِيرٌ بَرٌّ، أَوْ فَاجِرٌ؛ قَالُوا: هٰذَا الْبَرُّ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا بَالُ الْفَاجِرِ؟ فَقَالَ: يَعْمَلُ المُؤْمِنُ، وَ يَمْلأُ لِلْفَاجِرِ، وَ يُبَلغُ اللَّهُ الأجَلَ، وَ تَأْمَنُ سُبُلُكُمْ، وَ تَقُومُ أَسْوَاقُكُمْ، وَ يُجْبِىٰ فَيْئُكُمْ، وَ يُجَاهَدُ عَدُوُّكُمْ، وَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ مِنْكُمْ؛ (ش).
الحديث الحادي عشر:
عَنْ عَلِيَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ذِمَّتِي رَهِينَةٌ، وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ، لِمَنْ صَرَّحْتُ لَهُ الْعِبَرَ، أَنْ لاَ يَهِيجَ عَلٰى التَّقْوٰى زَرْعُ قَوْمٍ، وَ لاَ يَظْمَأَ عَلٰى الْهُدٰى سِنْخُ أَصْلٍ، أَلاَ وَ إِنَّ أَبْغَضَ خَلْقِ اللَّهِ إِلٰى اللَّهِ رَجُلٌ قَمَشَ عِلْمَاً، غَارًّا فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ، عَمِيًّا بما فِي غَيْبِ الْهُدْنَةِ، سَمَّاهُ أَشْبَاهُهُ مِنَ النَّاسِ عَالِمَاً، وَ لَمْ يَعِشْ فِي الْعِلْمِ يَوْمَاً سَالِمَاً، بَكَّرَ فَاسْتَكْبَرَ، فَمَا قَلَّ مِنْهُ فَهُوَ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ، حَتَّى إِذَا مَا ارْتَوٰى مِنْ مَاءٍ آجِنٍ، وَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ؛ قَعَدَ لِلنَّاسِ مُفْتِيَاً، لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلٰى غَيْرِهِ، إِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدٰى المُبْهَمَاتِ هَيَّأَ حَشْواً مِنْ رَأْيِهِ، فَهُوَ مِنْ قَطْعِ المُشْتَبِهَاتِ فِي مِثْلِ غَزْلِ الْعَنْكَبُوتِ، لاَ يَعْلَمُ إِذَا أَخْطَأَ، لأنَّهُ لاَ يَعْلَمُ أَخْطَأَ أَمْ أَصَابَ، خَبَّاطَ عَشَوَاتٍ، رَكَّابَ جَهَالاَتٍ، لاَ يَعْتَذِرُ مِمَّا لاَ يَعْلَمُ فَيَسْلَمُ، لاَ يَعَضُّ فِي الْعِلمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ، ذَرَأَ الروَايَةَ ذَرْوَ الريحِ الْهَشِيمِ، تَبْكِي مِنْهُ الدمَاءُ، وَتَصْرُخُ مِنْهُ المَوَارِيثُ، وَ يُسْتَحِلُّ بِقَضَائِهِ الْحَرَامُ، لاَ مِلْءَ وَ اللَّهِ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَ لاَ أَهْلٌ لِمَا فَرَّطَ بِهِ؛ (المعافٰى بن زكريَّا، ووكيع، كر).

حماد محمد الشنقيطي
15-12-2011, 03:02
فصل: في وجوب الاستدلال:
و قد نبه الله تبارك و تعالى عباده المكلفين على<1/14> الاستدلال بمخلوقاته على ما هو عليه من صفات ذاته و أفعاله في غير ما آية من كتابه، و ضرب لهم في ذلك الأمثال، و تلا عليهم فيه القصص و الأخبار، ليتدبروها و يهتدوا بها، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:185]، و قال: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق:8]، و قال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَ إِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَ إِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾[الغاشية:17-20]، و قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾[آل عمران:190]، و قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ بَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَ السَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَ الأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[البقرة:164]، ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ﴾[الواقعة:58-59] الآية، إلى آخرها.
و قال: ﴿وَ فِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَ فِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾[الذاريات:20-21]، و قال: ﴿وَ فِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَ جَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَ غَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[الرعد:4]، و قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ<1/14> فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الروم:48-50]، و قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾[الحج:73]، و قال: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[الروم:28].
و قال عز و جل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَ يُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَ أُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:258].
فصل:
و ليس رجوع إبراهيم صلى الله عليه و سلم عما استدل به أولا، من أن "الله يحيى و يميت"، إلى أنه "يأتي بالمشس من المشرق" انتقالاً من دليل إلى دليل؛ لأن الانتقال من دليل إلى دليل عجز عن قطع الخصم بالدليل، الذي استفتح الكلام به، و لا يصح ذلك؛ بل إنما قطع الكافر بالدليل، الذي استدل به أولاً، و لم يخرج عنه إلى غيره.
لأنه إنما حكم بالربوبية لمن يقدر على خلق الأفعال و اختراعها، فقال: "إن الله يحيى و يميت"، أي<1/16> يفعل الموت و الحياة، فلما ادعى الكافر القدرة على ما يصح أن يراد بالإحياء و الإماتة، من فعل ما أجرى الله العادة بخلق الموت و الحياة عنده في الجسد المفعول به ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾[المائدة:32].
و كان القتل أيضاً قد يعبر عنه بالإماتة عند العرب، بيّن له إبراهيم صلى الله عليه و سلم أن علته ليست الأفعال التي حمل عليها كلامه جهلاً منه بمراده، أو تمويهاً؛ لأن الإحياء و الإماتة إذا أطلقت أظهرُ في اختراع الموت و الحياة، منها فيما حمله عليه الكافر؛ فكيف إذا اقترنت بها قرينة تدل على أنه لم يُرد بها إلا ذلك، و هي ما استفتحا الكلام فيه من الربوبية التي تقتضي ذلك.
و أتاه صلى الله عليه و سلم بألفاظ لا يمكنه فيها تمويه و لا يسعه فيها عمل، و لم يخرج عما ابتدأ به الكلام معه من الحكم بالربوبية لمن يقدر على اختراع الأفعال، و خلقها، لأن الصفة في ذلك واحدة لا تتزايد، و لا تختلف، فقال له: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، أي إذا كان ما ادعيت حقا من أن الإحياء و الإماتة أنت فاعلها و تقع بحسب إرادتك، لأن من يقدر على فعل شيء يقدر على فعل مثله.
فلما رأى الكافر ما ألزمه عليه الصلاة و السلام به، و لم يقدر على دفعه، و لا أمكنه فيه تمويهٌ، و لا عملٌ، بُهِت كما قال تعالى.
فلم يخرج إبراهيم صلى الله عليه و سلم من دليل إلى دليل، بل إنما قطعه، و أبهته بالدليل الذي استفتح به كلامه، و الحمد لله.
و قال تبارك و تعالى: ﴿وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ...﴾، إلى قوله: ﴿وَ مَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[الأنعام:75-79]، فاستدل إبراهيم عليه الصلاة و السلام بما عاين من حركة الكواكب، و الشمس، و القمر، على أنها محدثة؛ لأن الحركة و السكون من علامات المحدثات، ثم علم أن كل مُحدَث فلا بد له من مُحدِث، و هو الله رب العالمين.
و هذا وجه الاستدلال، و حقيقته قصَّهُ الله تبارك و تعالى علينا تنبيهاً لنا، و إرشاداً إلى ما يجب علينا، و هذا في القرآن كثير<1/17>، لا يحصى كثرة.
و لم يستدل إبراهيم صلى الله عليه و سلم بما عاينه في الكواكب، و الشمس، و القمر لنفسه، إذ لم يكن جاهلاً بربه، و لا شاكاًّ في قدمه، و إنما أراد أن يُري قومه وجه الاستدلال بذلك، و يعيرهم بالذهول على هذا الدليل الواضح، و يوقفهم على باطل ما هم عليه، و كان من أحج الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين، و ذلك بين من كتاب الله تعالى.
ألا ترى إلى ما حكى الله عز و جل من قوله، بعد أن أراهم أنهم على غير شيء: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ حَنِيفاً وَ مَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ..﴾، إلى قوله: ﴿وَ تِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ...﴾[الأنعام:79-83]، و قوله في أول الآية: ﴿وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾[الأنعام:75].
و قد قيل: إن ذلك كان في صباه، و في أول ما عقل؛ و الأول أصح، و أبينُ، و الله سبحانه و تعالى أعلم.
فصل: في وحدانية الله عز و جل، و أسمائه، و ما هو عليه من صفات ذاته، و أفعاله:
فالله تبارك و تعالى إله واحدٌ، قديمٌ، بصفاته العلى، و أسمائه الحسنى، لا أول لوجوده، و باق أبداً إلى غير غاية، و لا انتهاء، تعالى عن مشابهة المخلوقات، و ارتفع عن مماثلة المحدثات، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، وردت بذلك كله النصوص عن الرسول عليه الصلاة و السلام، و دلت عليه دلائل العقول.
فمن أدلة العقول، على أنه واحد، أنهما لو كانا اثنين فأكثر، لجاز أن يختلفا، و إذا اختلفا، لم يخل ذلك من ثلاثة أقسام لا رابع لها.
أحدها: أن يتم مرادهما جميعا؛ و الثاني: أن لا يتم مرادهما جميعاً؛ و الثالث: أن يتم مراد أحدهما، و لا يتم مراد الآخر.
فيستحيل منها وجهان، و هو أن يتم مرادهما جميعا، و أن لا يتم مراد<1/18> واحدٍ منهما، لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم، و أراد الآخر إماتته فتمت إرادتهما جميعاً، لكان الجسم حيا ميتاً في حال واحد، و لو لم تتم إرادة واحد منهما، لكان الجسم لا حياًّ و لا ميتا في حال واحد، و هذا من المستحيل في العقل، فلم يبق إلا أن يتم مراد أحدهما، و لا يتم مراد الآخر؛ فالذي تتم إرادته هو الله القادر، و الذي لم تتم إرادته ليس بإله، لأنه عاجز مغلوب.
و هذا الدليل يسمونه دليل التمانع، و قد نبه الله تعالى عليه في كتابه بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾[الأنبياء:22]، و بقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾[المؤمنون:91].
و من أدلة العقول على أنه "قديم"، أنه لو كان مُحدثاً، لوجب أن يكون له محدث، إذ لو جاز وجود محدث دون مُحدِث، لجاز وجود كتابة دون كاتب، و بناء دون بانٍ، و هذا من المستحيل في العقل.
و كذلك القول في مُحدِثه، و محدِث محدِثه، حتى يستند ذلك إلى محدث أولٍ، لا محدِثَ له، و هو الله رب العالمين.
فصل:
و من أسمائه، التي دلت دلائل العقول على استحقاقه لها، كونه حيا، عالماً، قادراً، مريدا.
فمن أدلة العقول: على أنه عالم، مريد، كونه خالقاً لجميع المخلوقات، مُخرجاً لها من العدم إلى الوجود.
فلو لم يكن قادراً، لما تأتى له الفعل، لأن الفعل لا يتأتى إلا لقادر؛ و قد نبه الله تعالى عليه بقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:81].
و لو لم يكن عالماً، لما ميز ما يوجِدُه، و يخلقه، مما لا يوجده و لا يخلقه، و لاشتبهت عليه صفات المخلوقات، على اختلاف أجناسها تعالى الله عن ذلك علواًّ كبيراً؛ و قد نبه الله تعالى<1/19> على هذا الدليل بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:14].
و لو لم يكن مريداً، لما صح تقدم المتقدم من الحوادث، و المخلوقات على المتأخر، و لا المتأخر بأولى بالتأخر من المتقدم، و لما صح اختصاص كل جنس منها بصفته دون صفة صاحبه، لاحتماله صفة صاحبه.
فعلمنا بهذا أن المتقدم إنما تقدم على المتأخر، و أن المتأخر إنما تأخر عن المتقدم، و أن كل جنس من الأجناس إنما اختص بصفته دون صفة صاحبه بقصد الفاعل إلى ذلك، و إرادته له؛ و قد نبه الله تبارك و تعالى أيضاً على هذا الدليل، بقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل:40].
فصل:
و إذا علمنا أنه عالمٌ، قادرٌ، مريدٌ؛ علمنا أنه حيٌّ، لاستحالة وجود العلم، و القدرة، و الإرادة من الموات؛ و قد نبه الله تبارك و تعالى على هذا، و أعلم به، بقوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[غافر:65]، ﴿اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاَ نَوْمٌ﴾[البقرة:255]، و قوله: ﴿ الم * اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾[آل عمران:3].
يريد عز و جل من الكتب المنزلة على من قبله من الأنبياء، و مثل هذا في القرآن كثير.
و إذا علمنا أنه حي، عالم، قادر، مريد؛ علمنا أنه سميع بصير، متكلم، مدرِك لجميع المُدرَكات من المشمومات، و المذوقات، و الملموسات، لاستحالة خلوه منها، إذ لو خلا منها، لكان موصوفاً بضدها، و أضدادُها نقائص، يستحيل وجودها به<1/20> تعالى.
إذ لو جازت عليه صفات النقص، و صفات الكمال، لما اختص بإحداهما دون صاحبتها، إلا بمصص يخصصه بها، و ذلك باطل.
و إذا علمنا أنه حي، مريد، عالم، قادر، سميع، بصير، متكلم، مدرك لجميع المدركات، علمنا أن له علما، و حياة، و قدرة، و إرادة، و سمعاً، و بصرا، و كلاماً، و إدراكاً يدرك به جميع الملموسات، و إدراكاً يدرك به جميع المذوقات، و إدراكاً يدرك به جميع المشمومات، لاستحالة وجود حي بلا حياة، و عالم بلا علم، و قادر بلا قدرة، و مريد بلا إرادة، و سميع بلا سمع، و بصير بلا بصر، و متكلم بلا كلام، و مدرك بلا إدراك.
فصل:
فهذه عشر من صفات ذاته تعالى، لا تفارقه، و لا تغايره، تدرك من جهة العقل، و من جهة السمع، و لا اختلاف فيها بين أحد من أهل السنة.
و أما ما وصف به نفسه تعالى في كتابه من أن له وجهاً، و يدين، و عينين، فلا مجال للعقل في ذلك، و إنما يُعلم من جهة السمع، فيجب اعتقاد ذلك و الإيمان به من غير تكييف و لا تحديد، إذ ليس بذي جسم، و لا جارحة، و لا صورة؛ هذا قول المحققين من المتكلمين.
و قد توقف كثير من الشيوخ عن إثبات هذه الصفات الخمس، و قالوا: لا يجوز أن يثبت في صفات الله تعالى ما لا يعلم، بضرورة العقل، و لا بدليله، و تأولوها على غير ظاهرها، فقالوا: المراد بالوجه الذات، كما يقال وجه الطريق، و وجه الأمر، أي ذاته، و نفسه.
و المراد بـ "العينين": إدراك المرئيات، و المراد بـ "اليدين": النعمتان.
و قوله تعالى: ﴿بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، أي ليديّ، لأن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض.
و الصواب قول المحققين، الذين أثبتوها صفات لذاته تعالى، فعلى هذا تأتي صفات ذاته تعالى خمس عشرة صفة<1/21>.
و اختلفوا فيما وصف به نفسه من الاستواء على العرش؟
فمنهم من قال: إنها صفة فعل، بمعنى أنه فعل في العرش فعلاً، سمى به نفسه مستوياًّ على العرش.
و منهم من قال: إنها صفة ذات من العلو، و إن قوله "استوى"، بمعنى علا، كما يقال: استوى على الفرس، بمعنى علا عليه.
و أما من قال: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء، فقد أخطأ؛ لأن الاستيلاء لا يكن إلا بعد المغالبة و المقاهرة، و الله يتعالى عن أن يغالبه أحد.
و حمل الاستواء على العلو، و الارتفاع أولى ما قيل؛ كما يقال: "استوت الشمس في كبد السماء"، أي علت.
و لا يمتنع أن يكون صفة ذات، و إن لم يصح وصفه تعالى بها، إلا بعد وجود العرش، كما لا يوصف بأنه غير، لما غايره، إلا بعد وجود سواه.
و اختلفوا أيضاً في "القدم"، و "البقاء"؛ فمنهم من أثبتهما صفتين، و منهم من نفى أن يكونا صفتين؛ و قال: إنه قديم لنفسه، و باق لنفسه، لا لمعنى موجود به.
و الذي عليه الأكثر، و المحققون: إثبات البقاء، و نفي القدم.
فصل:
و أما صفات أفعاله تعالى فكثيرة؛ منها: التفضل، و الإنعام، و الإحسان، و الخلق، و الإماتة، و الإحياء، و ما أشبه ذلك.
فصل:
و كذلك أسماؤه تعالى كثيرة.
3. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن لله تسعة و تسعين اسماً مائةً إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة».
و هي تنقسم على أربعة أقسام:
قسم<1/22> منها: راجعٌ إلى نفسه و ذاته، كشيء، و موجود، و غير لما غايره، و خلاف لما خالفه، و قديم، و باق على مذهب من قال من أهل السنة إنه قديم لنفسه، و باق لنفسه، و ما أشبه ذلك.
و قسم منها: راجع إلى صفة ذاته، كـ "حي"، و "عالم"، و "قدير"، و "سميع"، و "بصير"، و ما أشبه ذلك.
و قسم منها: راجع إلى نفي النقائص عنه تعالى، كـ "غني"، و "قدوس"، و "سلام"، و "كبير"، و "عظيم"، و "وكيل"، و "جليل".
لأن معنى "غني": لا يحتاج إلى أحد؛ و "القدوس": الطاهر من العيوب؛ و "السلام": السالم من العيوب؛ و "الكبير"، و "العظيم": الذي لا يقع عليه مقدار لعظمته، و كبره؛ و "الجليل": الذي جل عن أن تجري عليه النقائص؛ و "الوكيل": إنما تسمى الرب به، لما كانت المنافع في أفعاله لغيره، إذ لا تلحقه المنافع و المضار، فهو على هذا التأويل راجعٌ إلى نفي نقيصة؛ و يحتمل أن يكون "الوكيل"، بمعنى الرقيب، و الشهيد؛ فيرجع ذلك إلى معنى العالم.
و قسم منها: راجع إلى صفة فعله، كـ "خالق"، و "رازق"، و "محيي"، و "مميت"، و ما أشبه ذلك.
فصل:
و لا يجوز أن يسمى الله تعالى إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله صلى الله عليه و سلم، و أجمعت الأمة عليه؛ هذا قول أبي الحسن الأشعري.
و ذهب القاضي أبو بكر ابن الباقلاني، إلى أنه يجوز أن يسمى الله تعالى بكل ما يرجع إلى ما يجوز في صفته، مثل: "سيد"، و "جليل"، و "جميل"، و "حنان"، و ما أشبه ذلك؛ ما لم يكن ذلك الجائز في صفته مما أجمعت الأمة على أن تسميته به لا تجوز، مثل: "عاقل"، و "فقيه"، و "سخي"، و ما أشبه ذلك.
و إلى القول الأول ذهب مالك رحمه الله تعالى؛ فقد سئل في رواية أشهب: عنه، من العتبية: عن الرجل يدعو بـ "يا سيدي"، فكرهه، و قال: أحب إلي أن يدعو بما في القرآن، و بما دعت به الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم.
و كره الدعاء بـ "يا حنان".
فصل:
فأما ما لا يجوز في صفته تعالى، فلا يجوز باتفاق أن يسمى الله تعالى به، و إن كان الله عز و جل قد وصف نفسه بالفعل المشتق منه ذلك الاسم، نحو قوله: ﴿اللّهُ<1/23> يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾[البقرة:15]، و قوله: ﴿سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ﴾[التوبة:79]؛ فلا يقال: "يا مستهزئ"، و لا "يا ساخر"؛ لأن من يستحيل في صفته تعالى، فلا يجوز أن يجري عليه منه إلا قدر ما أطلقه السمع عليه مع الاعتقاد بأنه على ما يجب كونُه تعالى عليه من صفاته الجائزة عليه.
و اختلف في "وقور"، و "صبور"؟
فذهب القاضي أبو بكر إلى أنه: لا يجوز أن يسمى الله تعالى بهما؛ لأن "الوقور": الذي يترك العجلة بدفع ما يضره؛ و "الصبور": الذي يصبر على ما يصيبه من الأذى؛ و ذلك ما لا يجوز في صفته تعالى.
و من أجاز ذلك على أحد المذهبين، فإنما يرجع معناهما إلى الحلم.

...... يتبع

حماد محمد الشنقيطي
15-12-2011, 03:04
.... تابع:
فصل:
و لا يجوز عليه تعالى ما يجوز على الجواهر، و الأجسام من الحركة، و السكون، و الزوال، و الانتقال، و التغير، و المنافع، و المضار؛ و لا تحويه الأمكنة، و لا تحيط به الأزمنة.
فصل:
فإذا علمنا الله تبارك و تعالى على ما هو عليه من صفات ذاته، و أفعاله، و ما يجوز عليه مما لا يجوز، عرفنا صحة نبوة الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، بما أظهره الله تعالى على أيديهم من المعجزات، لأن المعجزة لا تكون إلا من الله تعالى.
فإذا أظهرها على يدي من يدعي الرسالة عليه، فهي بمنزلة قوله تعالى صدق رسولي.
و لا يصح عليه تعالى أن يصدق إلا صادقاً، لأنه لو صدق كاذبا لكان كاذبا، و الكذب مستحيل عليه تعالى، لأنها صفة نقص، و صفات النقص لا تجوز عليه تعالى، و لا تليق به سبحانه و تعالى، على ما قلناه و بيناه.
فصل:
و إذا علمنا صحة نبوة الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، علمنا صدقهم فيما<1/24> جاءوا به عن الله تبارك من الشرائع، و غيرها؛ و أنه أوجب على عباده أن يؤمنوا به، و يوحدوه، و يعبدوه، و لا يشركوا به شيئاً؛ لأنه قال في كتابه الذي أنزله على رسوله: ﴿وَ مَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً﴾[الفتح:13]، و قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ * وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾[الانشقاق:20-25]؛ و قال تعالى: ﴿آمِنُواْ بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ﴾[النساء:136]؛ و الأمر على الوجوب.
و من قال من أصحابنا: إن الأمر ليس على الوجوب، فقد وافقنا على أن الأمر بالإيمان على الوجوب، لما اقترن به من الإجماع؛ و قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:21]، و قال تعالى: ﴿وَ اعْبُدُواْ اللّهَ وَ لاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾[النساء:36]، و قال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[العنكبوت:17]، و قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الحج:77]، و هذا في القرآن كثير.
و أما قوله تعالى: ﴿وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات:56]، فإنها آية عامة، و ليست على عمومها؛ و المراد بها السعداء من الجن، و الإنس؛ لأنهم هم الذين خلقهم الله تعالى لعبادته، و أما الأشقياء منهم، فإنهم خلقهم لما يسرهم له، و استعملهم به من الكفر و الضلال؛ قال الله تبارك و تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَ مَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي<1/25> السَّمَاء﴾[الأنعام:125]، و قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾[المدّثر:31].
4. و قال النبي صلى الله عليه و سلم: «كل ميسر لما خلق له».
5. و جاء في الحديث: أن رجلاً من مزينة أتى النبي عليه الصلاة و السلام، فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس فيه، و يكدحون؛ أشيء قضي عليهم، و مضى؟ أو فيما يستقبلون؟ فقال: «بل شيء قُضي عليهم، و مضى»؛ قال: فلم نعمل إذاً؟ قال: «من خلقه الله لواحدة من المنزلتين، فهو يستعمل لها»؛ و تصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَ نَفْسٍ وَ مَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا﴾[الشمس:7-8].
و قد قيل: إن معنى الآية، و ما خلقت الجن و الإنس، إلا لآمرهم بعبادتي.
و قيل: معناها ليذعنوا لي بالعبودية، و يعترفوا لي بالربوبية، لأن معنى العبادة التذلل للمعبود.
فكل الخلق على هذا التأويل متذلل لأمر الله، مذعن لقضائه، لأنه جار عليه، لا قدرة له على الامتناع منه إذا نزل به؛ و إن خالف الكافر أمر الله تعالى، فيما أمره به من الإيمان، و الطاعة، فالتذلل لقضاء الله الجاري عليه موجود منه.
فصل:
و حكم الله تعالى أن لا يعذب الخلق على ترك ما أمرهم به، و إتيان ما نهاهم عنه، إلا بعد إقامة الحجة عليهم ببعثة الرسل إليهم، قال تعالى: ﴿وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾[الإسراء:15]، و قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى﴾[الملك:8-9]، و قال عز و جل: ﴿وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ﴾[النحل:36]؛ فبعث الله عز و جل في كل أمة رسولاً بما أوجب عليهم من الإيمان به، و الانقياد لعبادته، و التزام طاعته، و اجتناب معصيته.
فكان من آخر المرسلين<1/26> بشيراً، و نذيراً، و داعياً إلى الله بإذنه و سراجاً منيراً، نبينا محمد صلى الله عليه و سلم سيد المرسلين، و أمين رب العالمين، و أكرم البشر، و أفضل الأنبياء و الرسل، بعثه الله إلى الخلق كافة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾[الأعراف:158] بالمعجزات التي دلت على نبوته، و أوجبت العلم بصحة رسالته.
فدعا إلى الإسلام و الإيمان، و نهى عن عبادة غير الرحمن، و بين مجمل التنزيل، و دل على طرق العلم و وجوه التأويل، لأن الله تعالى فصل كتابه، فجعل منه نصا جليا، و متشابها خفيا، ابتلاء و اختبارا، ليرفع الله الذين آمنوا و الذين أوتوا العلم درجات، بتدبرهم آياته، و اعتبارهم بها، و استنباطهم منها الأحكام التي فرض الله عليهم امتثالها، و تعبدهم بها، لأنه تعالى رد إليهم الأمر في ذلك بعد الرسول عليه الصلاة و السلام، فقال تعالى: ﴿وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[النساء:83]؛ فجعل المستنبط من الكتاب علماً، و المصير إليه عند عدم النص و الإجماع فرضاً.

حماد محمد الشنقيطي
15-12-2011, 03:12
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ، الإمام، الحافظ، القاضي، أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، رضي الله عنه:
الحمد لله الذي لا ينبغي الحمد إلا له، و أسأله أن يخص بأزكى صلواته، و أنمى بركاته محمدا صلى الله عليه و سلم، نبينا، و آله؛ و أن يُخلص لوجهه أقوال الكل منا، و أعماله.
و بعد،
أيها الراغب في الخير، الحريص على تدريب المتعلمين لوجوه البر، فإنك سألتني في جمع فصول سهلة المأخذ، قريبة المرام، مفسرة حدود قواعد الإسلام.
فاعلم وفقنا الله و إياك، أن مباني الإسلام خمس، كما قاله نبينا عليه الصلاة و السلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، و أن محمدا عبده و رسوله، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان، و حج البيت».
القاعدة الأولى، و هي: الشهادتان:
شرح القاعدة الأولى، و هي الشهادتان؛ و لا بد فيها من اعتقاد بالقلب، و نطق باللسان.
و تفاصيلها أربعون عقيدة: عشر يعتقد وجوبها، و عشر يعتقد استحالتها، و عشر يتحقق وجودها، و عشر متيقن ورودها.
فالعشر الواجبات:
أن يعتقد أن الله واحد، أحد، غير منقسم في ذاته.
و أنه ليس معه ثان في إلهيته.
و أنه حي، قيوم، لا تأخذه سنة و لا نوم.
و أنه إله كل شيء، و خالقه.
و أنه على كل شيء قدير.
و أنه عالم بما ظهر، و ما بطن: ﴿... لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات و لا في الأرض...﴾[سبأ:3].
و أنه مدبر لكل شيء، كائن من خير، أو شر؛ ما شاء كان، و ما لم يشأ لم يكن.
و أنه سميع، بصير، متكلم؛ بغير جارحة، و لا آلة؛ بل سمعه، و بصره، و كلامه صفات له، لا تشبه صفاته الصفات، كما لا تشبه ذاته الذوات، ﴿... ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير﴾[الشورى:11].
و العشر المستحيلات:
أن يعتقد أنه تعالى يستحيل عليه الحدوث، و العدم، بل هو تعالى بصفاته، و اسمائه، قديمٌ، باق، دائم الوجود، ﴿... قائم على كل نفس بما كسبت ....﴾[الرعد:33]؛ ليس له أول، و لا آخر، بل ﴿هو الأول و الآخر...﴾[الحديد:3]، و أنه لا إله سواه، ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا...﴾[الأنبياء:22].
و أنه مستغن عن جميع خلقه، غير محتاج إلى ظهير في ملكه.
و أنه لا يشغله شأن عن شأن في قضائه و أمره.
و أنه لا يحويه مكان في سماواته و لا أرضه، بل هو كما كان قبل خلق المكان.
و أنه ليس بجوهر، و لا جسم، و لا على صورة، و لا شكل، و لا له شبيه، و لا مثيل؛ بل هو الأحد، الصمد، الذي لم يلد، و لم يولد، و لم يكن له كفوا أحد.
و أنه لا تحله الحوادث، و لا التغييرات، و لا تلحقه النقائص، و لا الآفات.
و أنه لا يليق به الظلم، بل قضاؤه كله حكمة و عدل.
و أنه ليس شيء من أفعال خليقته بغير قضائه، و خلقه، و إرادته، بل ﴿تمت كلمت ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته...﴾[الأنعام:115]، ﴿... يضل من يشاء و يهدي من يشاء ...﴾[فاطر:8]، ﴿لا يسأل عما يفعل و هم يسألون﴾[الأنبياء:23].
و العشر المتحقق وجودها:
أن يعتقد أن الله تعالى أرسل لعباده أنبياءه، و رسله.
و أنه أنزل عليهم آياته، و كتبه.
و أنه ختم الرسالة بمحمد نبينا صلى الله عليه و سلم.
و أنه أنزل عليه القرآن هدى للناس، و بينات من الهدى و الفرقان.
و أنه كلام ربنا ليس بمخلوق.
و أنه عليه الصلاة و السلام، فيما أخبر به، صادق.
و أن شريعته ناسخة لجميع الشرائع.
و أن الجنة حق، و النار حق، و أنهما موجودتان، لأهل الشقاء و السعادة معدتان.
و أن الملائكة حق، منهم حفظة يكتبون أعمال العباد، و منهم رسل الله إلى أنبيائه، و ﴿...ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون﴾[التحريم:6].
و العشر المتيقن ورودها:
أن تعتقد أن الدنيا فانية، و ﴿كل من عليها فان﴾[الرحمن:26].
و أن الخلق يفتنون في قبورهم، و ينعمون، و يعذبون.
و أن الله تعالى يحشرهم يوم القيامة، كما بدأهم يعودون.
و أن الحساب حق، و الميزان حق.
و أن الصراط حق.
و أن الحوض حق.
و أن الأبرار في الجنة، في نعيم؛ و الكفار في النار، في جحيم.
و أن المؤمنين يرون الله عز و جل بأبصارهم في الآخرة.
و أن الله تعالى يعذب بالنار من يشاء من أهل الكبائر من المؤمنين، و يغفر لمن يشاء، و يخرجهم من النار إلى الجنة بفضل رحمته، و شفاعة الأنبياء و الصالحين من عباده، حتى لا يبقى في جهنم إلا الكافرون ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ...﴾[النساء:116].

حماد محمد الشنقيطي
15-12-2011, 03:38
قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ عَسَاكِرٍ فِي "تَبْيِينِ كَذِبِ الْمُفْتَرِي": (من ص 310 – إلى ص 317).
وَ مِمَّا وَقَعَ إِلَى الْإِمَامِ، الْعَالِمِ، الْحَافِظِ، الثِّقَةِ، بَهَاءِ الدِّينِ، نَاصِرِ السُّنَّةِ، مُحَدِّثِ الشَّامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْقَاسِمِ، بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْحَافِظِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللهِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ الْفَوَائِدِ، الَّتِي تَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ، مُحْضَرٌ بِخَطِّ بَعْضِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ، فِيهِ خُطُوطُ الْأَئِمَّةِ، بِتَصْحِيحِ مَقَالِهِ، وَ مُوَافَقَتِهِ فِي إِعْتِقَادِهِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
فَأَوْقَفَنَا عَلَيْهِ شَيْخُنُا أَبُو مُحَمَّدِ الْقَاسِمُ، وَ أَسْمَعَنَاهُ، وَ أَمَرَنَا بِكِتَابَتِهِ، فَاكْتَتَبْنَاهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَ أَثْبَتْنَاهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ اللَّائِقَةِ بِهِ؛ وَ هُوَ:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَشْهَدُ مَنْ ثَبَتَ اِسْمُهُ وَ نَسَبُهُ، وَ صَحَّ نَهَجُهُ وَ مَذْهَبُهُ، وَ اخْتَبَرَ دِينَهُ وَ أَمَانَتَهُ، مِنَ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَ الْأَمَاثِلِ الْعُلَمَاءِ، وَ أَهْلِ الْقُرْآَنِ، وَ الْمُعَدَّلِينَ الْأَعْيَانِ، وَ كَتَبُوا خُطُوطَهُمُ الْمَعْرُوفَةَ، بِعِبَارَاتِهِمُ الْمَأْلُوفَةِ، مُسَارِعِينَ إِلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَ تَوَخَّوْا فِي ذَلِكَ مَا تَحْظُرُهُ الدِّيَانَةُ، مَخَافَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: )وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ([البقرة:140].
إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْحَشَوِيَّةِ، وَ الْأَوْبَاشِ الرِّعَاعِ، الْمُتَوَسِّمِينَ بِالْحَنْبَلِيَّةِ، أَظْهَرُوا بِبَغْدَادَ مِنَ الْبِدَعِ الْفَظِيعَةِ، وَ الْمَخَازِي الشَّنِيعَةِ، مَا لَمْ يَتَسَمَّحْ بِهِ مُلْحِدٌ، فَضْلاً عَنْ مُوَحِّدٍ، وَ لَا تَجَوَّزَ بِهِ قَادِحٌ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ وَ لَا مُعَطِّلٌ، وَ نَسَبُوا كُلَّ مَنْ يُنَزِّهُ الْبَارِي تَعَالَى وَ جَلَّ عَنِ النَّقَائِصِ وَ الْآَفَاتِ، وَ يَنْفِي عَنْهُ الْحُدُوثَ وَ التَّشْبِيهَاتِ، وَ يُقَدِّسُهُ عَنِ الْحُلُولِ وَ الزَّوَالِ، وَ يُعَظِّمُهُ عَنِ التَّغَيُّرِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَ عَنْ حُلُولِهِ فِي الْحَوَادِثِ، وَ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ فِيهِ؛ إِلَى الْكُفْرِ وَ الطُّغْيَانِ، وَ مُنَافَاةِ أَهْلِ الْحَقِّ وَ الْإِيمَانِ، وَ تَنَاهَوْا فِي قَذْفِ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ، وَ ثَلْبِ أَهْلِ الْحَقِّ وَ عِصَابَةِ الدِّينِ، وَ لَعْنِهِمْ فِي الْجَوَامِعِ وَ الْمَشَاهِدِ، وَ الْمَحَافِلِ وَ الْمَسَاجِدِ، وَ الْأَسْوَاقِ وَ الطُّرُقَاتِ، وَ الْخُلْوَةِ وَ الْجَمَاعَاتِ، ثُمَّ غَرَّهُمُ الطَّمَعُ وَ الْإِهْمَالُ، وَ مَدَّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمُ الْغَيُّ وَ الضَّلَالُ، إِلَى الطَّعْنِ فِيمَنْ يَعْتَضِدُ بِهِ أَئِمَّةُ الْهُدَى، وَ هُوَ لِلشَّرِيعَةِ الْعُرْوَةَ الْوُثْقَى، وَ جَعَلُوا أَفْعَالَهُ الدِّينِيَّةَ مَعَاصِي دَنِيَّةً، وَ تَرَقَّوْا مِنْ ذَلِكَ إِلَى الْقَدْحِ فِي الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَ أَصْحَابِهِ.
وَ اتَّفَقَ عَوْدُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ أَبِي نَصْرٍ اِبْنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ زَيْنِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ حَرَسَهَا اللهُ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَ قَدَّسَ الْبَرِيَّ عَنِ الْحَوَادِثِ وَ التَّحْدِيدِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ الصُّدُورِ الْأَفَاضِلِ، السَّادَةِ الْأَمَاثِلِ، وَ تَمَادَتِ الْحَشَوِيَّةُ فِي ضَلَالَتِهَا، وَ الْإِصْرَارِ عَلَى جَهَالَتِهَا، وَ أَبَوْا إِلَّا التَّصْرِيحَ بِأَنَّ الْمَعْبُودَ ذُو قَدَمٍ، وَ أَضْرَاسٍ، وَ لَهَوَاتٍ، وَ أَنَامِلَ، وَ إِنَّهُ يَنْزِلُ بِذَاتِهِ، وَ يَتَرَدَّدُ عَلَى حِمَارٍ فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ، بِشَعْرٍ قَطَطٍ، وَ عَلَيْهِ تَاجٌ يَلْمَعُ، وَ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ ذَهَبٍ، وَ حُفِظَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَ عَلَّلُوهُ وَ دَوَّنُوهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَ إِلَى الْعَوَامِّ أَلْقَوْهُ، وَ أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَا تَأْوِيلَ لَهَا، وَ أَنَّهَا تَجْرِي عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَ تُعْتَقَدُ كَمَا وَرَدَ لَفْظُهَا، وَ إِنَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ كَالرَّعْدِ، كَصَهِيلِ الْخَيْلِ، وَ يَنْقُمُونَ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ لِقَوْلِهِمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ، مَنْعُوتٌ بِالْعِلْمِ، وَ الْقُدْرَةِ، وَ السَّمْعِ، وَ الْبَصَرِ، وَ الْحَيَاةِ، وَ الْإِرَادَةِ، وَ الْكَلَامِ؛ وَ هَذِهِ الصِّفَاتُ قَدِيمَةٌ، وَ إِنَّهُ يَتَعَالَى عَنْ قُبُولِ الْحَوَادِثِ، وَ لَا يَجُوزُ تَشْبِيهُ ذَاتِهِ بِذَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَ لَا تَشْبِيهِ كَلَامِهِ بِكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ.
وَ مِنَ الْمَشْهُورِ الْمَعْلُومِ، أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْفُقَهَاءَ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ فِي الْفُرُوعِ، كَانُوا يُصَرِّحُونَ بِهَذَا الْإِعْتِقَادَ، وَ يُدَرِّسُونَهُ ظَاهِراً مَكْشُوفاً لِأَصْحَابِهِمْ، وَ مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ، وَ لَمْ يَتَجَاسَرْ أَحَدٌٌ عَلَى إِنْكَارِهِ، وَ لَا تَجَوَّزَ مُتَجَوِّزٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، دُونَ الْقَدْحِ وَ الطَّعْنِ فِيهِمْ، وَ أَنَّ هَذِهِ عَقِيدَةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، يَدِينُونَ اللهَ تَعَالَى بِهَا، وَ يُلْقُونَهُ بِاعْتِقَادِهَا، وَ يَبْرَؤُنِ إِلَيْهِ مِنْ سِوَاهَا، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَ لَا إِنْحِرَافٍ عَنْهَا.
وَ مَا لِهَذِهِ الْعِصَابَةِ مُسْتَنَدٌ، وَ لَا لِلْحَقِّ مُغِيثٌ، يُعْتَمَدُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَ رَأْفَةُ الْمَجْلِسِ السَّامِي الْأَجَلِيِّ، الْعَالَمِيِّ، الْعَادِلِيِّ، الْقِوَامِيِّ، النِّظَامِيِّ، الرَّضَوِيِّ، أَمْتَعَهُ اللهُ بِحَيَاةٍ يَأْمَنُ خُطُوبَهَا، بَاسِمَةً فَلَا يَعْرِفُ قُطُوبَهَا، فَإِنْ لَمْ يَنْصُرْ مَا أَظْهَرَهُ، وَ يُشَيِّدْ مَا أَسَّسَهُ وَ عَمَّرَهُ، بِأَمْرٍ جَزْمٍ، وَ عَزْمٍ حَتْمٍ، يَزْجُرْ أَهْلَ الْغِوَايَةِ عَنْ غَيِّهِمْ، وَ يَرْدَعْ ذَوِي الْاِعْنَادِ عَنْ بَغْيِهِمْ، وَ يَأْمُرْ بِالْمُبَالَغَةِ فِي تَأْدِيبِهِمْ، رَجَعَ الدِّينُ بَعْدَ تَبَسُّمِهِ قَطُوباً، وَ عَادَ الْإِسْلَامُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً.
وَ عُيُونُهُمْ مُمْتَدَّةٌ إِلَى الْجَوَابِ بِنَيْلِ الْمَأْمُولِ وَ الْمُرَادِ، وَ قُلُوبُهُمْ مُتَشَوِّفَةٌٌ إِلَى النُّصْرَةِ وَ الْإِمْدَادِ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ فِي الْحَادِثِ الَّذِي طَرَقَهُمْ، وَ يَصْرِفْ مُعْظَمَ هِمَمِهِ الْعَالِيَةِ إِلَى الْكَارِثِ الَّذِي أَزْعَجَهُمْ وَ أَقْلَقَهُمْ، وَ يَكْشِفْ عَنِ الشَّرِيعَةِ هَذِهِ الْغُمَّةَ، وَ يَحْسِمْ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَانَ عَنْ هَذِهِ الظَّلَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَسْؤُولاٌٌ.
إِذْ قُدْ أُدِّيَتْ إِلَيْهِ النَّصَائِحُ وَ الْأَمَانَاتُ، مِنْ أَهْلِ الْمَعَارِفِ وَ الدِّيَانَاتِ، وَ بَرِئُوا مِنْ عُهْدَةِ مَا سَمِعُوهُ، بِمَا أَدَّوْهُ إِلَى سَمْعِهِ الْعَالِي وَ بَلَّغُوهُ، وَ الْحُجَّةُ للهِ تَعَالَى مُتَوَجِّهَةٌ نَحْوَهُ، بِمَا مَكَّنَهُ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَ غَرْبِهَا، وَ بَسَطَ قُدْرَتَهُ فِي عُجْمِهَا وَ عُرْبِهَا، وَ جَعَلَ إِلَيْهِ الْقَبْضَ وَ الْإِبْرَامَ، وَ اصْطَفَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنَامِ، فَمَا تُرَدُّ نَوَاهِيهِ وَ أَوَامِرُهُ، وَ لَا تُعْصَى مَرَاسِمُهُ وَ زَوَاجِرُهُ.
وَ اللهُ تَعَالَى بِكَرَمِهِ يُوَفِّقُهُ وَ يُسَدِّدُهُ، وَ يُؤَيِّدُ مَقَاصِدَهُ وَ يُرْشِدُهُ، وَ يَقِفُ فِكْرَتَهُ وَ خَوَاطِرَهُ، عَلَى نَصْرَةِ مِلَّتِهِ، وَ تَقْوِيَةِ دِينِهِ وَ شَرِيعَتِهِ، بِمَنِّهِ وَ رَأْفَتِهِ، وَ فَضْلِهِ وَ رَحْمَتِهِ.
صُورَةُ الْخُطُوطِ:
الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْمُحْضَرِ مِنْ حَالِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِي؛ أَكْثَرَ اللهُ فِي أَئِمَّةِ الدِّينِ مِثْلَهُ، مَنْ عَقَدَ الْمَجَالِسَ، وَ ذَكَرَ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ، بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ تَوْحِيدِهِ وَ صِفَاتِهِ، وَ نَفْي التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَ قَمْعِ الْمُبْتَدِعَةِ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ وَ الْقَدَرِيَّةِ، وَ غَيْرِهِمْ، وَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَ الْجَمَاعَةِ، وَ بِهِ أَدِينُ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ إِيَّاهُ اَعْتَقِدُ، وَ هُوَ الَّذِي أَدْرَكْتُ أَئِمَّةَ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِ، وَ اهْتَدَى بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ، وَ صَارُوا كُلُّهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَحَمَلَهُمُ الْحَسَدُ وَ الْغَيْظُ، عَلَى سَبِّهِ وَ سَبِّ الشَّافِعِيِّ، وَ أَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ وَ نُصَّارِ مَذْهَبِهِ، وَ هَذَا أَمْرٌ لَا يَجُوزُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، وَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَوْلَى أَعَزَّ اللهُ نَصْرَهُ، التَّنْكِيلَ بِهَذَا النَّفَرِ الْيَسِيرِ، الَّذِينَ تَوَلَّوْا كِبْرَ هَذَا الْأَمْرِ، وَ طَعَنُوا فِي الشَّافِعِيِّ وَ أَصْحَابِهِ، لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَقْدَرَهُ، وَ هُوَ الَّذِي بَدَأَ فِي هَذَا الْبَلَدِ بِإِعْزَازِ هَذَا الْمَذْهَبِ، بِمَا بَنَى فِيهِ مِنَ الْمَدْرَسَةِ، الَّتِي مَاتَ كُلُّ مُبْتَدِعٍ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ وَ الْقَدَرِيَّةِ غَيْظاً مِنْهَا، وَ بِمَا يَرْتَفِعُ فِيهَا مِنَ الْأَصْوَاتِ بِالدُّعَاءِ لِأَيَّامِهِ، اِسْتَجَابَ اللهُ فِيهِ صَالِحَ الْأَدْعِيَةِ، وَ مَتَى أَهْمَلَ نَصْرَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ.
وَ كَتَبَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَيْرُوزْأَبَادِي

الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْمُحْضَرِ، مِنْ حَالِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ، أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِيِّ، جَمَّلَ اللهُ الْإِسْلَامَ بِهِ، وَ كَثَّرَ فِي أَئِمَّةِ الدِّينِ مِثْلَهُ، مَنْ عَقَدَ الْمَجَالِسَ، وَ ذَكَرَ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، مِنَ التَّنْزِيهِ، وَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَ قَمْعِ الْمُبْتَدِعَةِ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ وَ الْقَدَرِيَّةِ وَ غَيْرِهِمْ، وَ لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَ الْجَمَاعَةِ، وَ بِهِ نَدِينُ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ أَصْحَابِنَا، وَ اهْتَدَى بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ وَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى، فَصَارُوا أَكْثَرَهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَحَمَلَهُمُ الْحَسَدُ وَ الْغَيْظُ عَلَى سَبِّهِ، وَ سَبِّ الشَّافِعِيِّ t، وَ نُصَّارِ مَذْهَبِهِ، حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ، وَ هَذَا الْأَمْرُ لَا يَحِلُّ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، وَ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ قِوَامُ الدِّينِ، وَ النَّظَرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، أَنْ يَنْظُرَ فِي هَذَا، وَ يُزِيلَ هَذَا الْمُنْكَرَ، فَإِنَّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ، وَ يَتَوَقَّفُ فِيهِ يَأْثَمُ، وَ لَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ مَنْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَمْرَ عِبَادِهِ إِلَيْهِ، إِلَّا الْمَوْلَى أَعَزَّ اللهُ أَنْصَارَهُ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ عَلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَ التَّنْكِيلُ بِهِمْ، لِأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَقْدَرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَ هُوَ الْمَسْؤُلُ عَنْهُ غَداً إِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ، وَ صَارَ قَصْدُ الْمُبْتَدِعَةِ أَكْثَرُهُ مُعَادَاُة الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الْمَدْرَسَةِ الْمَيْمُونَةِ، فَإِنَّهُمْ يَمُوتُونَ غَيْظاً مِنْهُمْ، لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ مُذَاكَرَةِ عِلْمِ الشَّافِعِيِّ وَ إِحْيَاءِ مَذْهَبِهِ.
وَ كَتَبَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ

الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْمُحْضَرِ، مِنْ حَالِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ، أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِيِّ، أَدَامَ اللهُ حِرَاسَتَهُ، مِنْ عَقْدِ الْمَجَالِسِ لِلْوَعْظِ وَ التَّذْكِيرِ، فِي الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ الْمَعْمُورَةِ وَ الرِّبَاطِ، وَ أَطْنَبَ فِي تَوْحِيدِ اللهِ ، وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، بِمَا يَسْتَوْجِبُهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَ تَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقَائِصِ، وَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَ اسْتَوْفَى فِي الْإِعْتِقَادِ مَا هُوَ مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ، بِأَوْضَحِ الْحِجَجِ، وَ أَقْوَى الْبَرَاهِينِ، فَوَقَعَ فِي النُّفُوسِ كَلَامُهُ، وَ مَالَ إِلَيْهِ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ مِنَ الْعَامَّةِ، وَ رَجَعَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَنْ إِعْتِقَادِ التَّجْسِيمِ وَ التَّشْبِيهِ، وَ اعْتَرَفَتْ بِأَنَّهَا الْآَنَ بَانَ لَهَا الْحَقُّ، فَحَسَدَهُ الْمُبْتَدِعَةُ الْمُجَسِّمَةُ وَ غَيْرُهُمْ، فَحَمَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى بَسْطِ اللِّسَانِ فِيهِ، غَيْظاً مِنْهُ، وَ سَبِّ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، وَ أَئِمَّةُ أَصْحَابِهِ، وَ مَنْ يَنْصُرُهُمْ، وَ تَظَاهَرُوا مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ مَعَهُ، وَ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ جَعَلَ اللهُ إِلَيْهِ أَمْرَ الرَّعِيَّةِ، أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَحْسِمُ مَادَّةَ الْفَسَادِ، لِأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ فَرَطُ غَيْظِهِمْ مِنْ اِجْتِمَاعِ شَمْلِ الْعِصَابَةِ الشَّافِعِيَّةِ، فِي الْاِشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، بِعِمَارَةِ الْمَدْرَسَةِ الْمَيْمُونَةِ، وَ تَوَفُّرِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ لِأَيَّامِ مَنْ بِهِ عِزُّهُمْ، وَ لَا عُذْرَ لِلتَّفْرِيطِ فِي ذَلِكَ.
وَ كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّاشِيُّ

الْأَمْرُ عَلَى مَا شُرِحَ فِي صَدْرِ هَذَا الْمُحْضَرِ.
وَ كَتَبَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَلَّامَةَ الْكَرْخِيُّ

الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ.
وَ كَتَبَ سَعْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَاطِبُ

الْأَمْرُ عَلَى الْمَشْرُوحِ فِي هَذَا الصَّدْرِ مِنْ حَالِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِيِّ، أَكْثَرَ اللهُ فِي أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلَهُ، مِنْ عَقْدِ الْمَجَالِسِ، وَ نَشْرِ الْعِلْمِ، وَ وَصَفَ اللهَ تَعَالَى بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، مِنْ تَوْحِيدَهِ، وَ صِفَاتِهِ، وَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَ قَمْعِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ، وَ الْقَدَرِيَّةِ، وَ غَيْرِهِمْ، وَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ عُدُولاً عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَ السُّنَّةِ، وَ الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَ الْمَنْهَجِ الْمُسْتَقِيمِ، الَّذِي بِهِ يُدَانُ اللهُ تَعَالَى، وَ يُعْبَدُ، وَ يُعْمَلُ بِهِ، وَ يُعْتَقَدُ، فَاهْتَدَى بِهَدْيِهِ خَلْقٌ مِنَ الْمُخَالِفِينَ، وَ صَارَ إِِلَى قَوْلِهِ وَ مُعْتَقَدِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، إِلَّا مَنْ شَقِيَ بِهِ مِنَ الْحَاسِدِينَ، فَأَخْلَدُوا إِلَى ذَمِّهِ، وَ سَبِّهِ، وَ سَبِّ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيِّينَ، وَ قَدَحُوا فِي الشَّافِعِيِّ وَ أَصْحَابِهِ، وَ صَرَّحُوا بِالطَّعْنِ فِيهِمْ فِي الْأَسْوَاقِ، وَ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ، وَ هَذِهِ غُمَّةٌ، وَ رَدُّهُ لَا يُرْجَى لِكَشْفِهَا بَعْدَ اللهِ تَعَالَى إِلَّا الْمَجْلِسُ السَّامِي، الْأَجَلِيِّ، النِّظَامِيِّ، الْقِوَامِيِّ، الْعَادِلِيِّ، الرَّضَوِيِّ، أَمْتَعَ اللهُ الدُّنْيَا وَ الدِّينَ بِبِقَائِهِ، وَ حَرَسَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَ الْمُسْلِمِينَ ظَلِيلَ ظِلِّهِ وَ نَعْمَائِهِ، وَ يَفْعَلُ اللهُ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ، وَ طَوْلِهِ وَ مَشِيئَتِهِ.
وَ كَتَبَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ

حَضَرْتُ الْمَدْرَسَةَ النِّظَامِيَّةَ الْمَنْصُورَةَ الْمَعْمُورَةَ، أَدَامَ اللهُ سُلْطَانَ إِعْزَازِهَا، وَ الرِّبَاطَ الْمُقَدَّسَ لِلصُّوفِيَّةِ، أَجَابَ اللهُ صَالِحَ أَدْعِيَّتِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ، مَجَالِسَ هَذَا الشَّيْخِ الْأَجَلِّ، الْإِمَامِ نَاصِرِ الدِّينِ مُحْيِي الْإِسْلَامِ، أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ زَيْنِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ، أَحْسَنَ اللهُ عَنِ الشَّرِيعَةِ جَزَاءَهُ، فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ قَطُّ إِلَّا مَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ عِلْمُهُ، وَ تَصْحِيحِ الْعَقِيدَةِ بِهِ، مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ، وَ تَنْزِيهِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى، وَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَ إِقْمَاعِ الْأَبَاطِيلِ، وَ الْأَضَالِيلِ، وَ إِظْهَارِ الْحَقِّ وَ الصِّدْقِ، حَتَّى أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ -بِبَرَكَةِ التَّوْحِيدِ وَ التَّنْزِيهِ- مِنْ أَنْوَاعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَشَرَاتٌ، وَ رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ وَ عِلْمِ الصِّدْقِ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ مِئَاتٌ، وَ تَبِعَهُ خَلْقٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ، بِحَيْثُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، أَوْ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ، أَنْ يَشُقُّوا غُبَارَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَخَامَرَهُمُ الْحَسَدُ، وَ عَدَاوَةُ الْجَهْلِ، وَ حَمْلِهِمْ عَلَى الطَّعْنِ فِيهِ عُدْوَاناً وَ بُهْتَاناً، ثُمَّ تَمَادَى بِهِمُ الْجَهْلُ إِلَى اللَّعْنِ الظَّاهِرِ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ، وَ سَائِرَ أَصْحَابِهِ، عُجْماً وَ عُرْباً.
وَ قَائِلُو ذَلِكَ شِرْذِمَةٌ مِنْ نَاشِئَةِ أَغْبِيَاءِ الْمُجَسِّمَةِ، وَ طَائِفَةٌ مِنْ أَرْذَالِ الْحَشَوِيَّةِ، اِسْتَغْنَوْا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْإِسْمِ، وَ مِنَ الْعِلْمِ بِالرَّسْمِ، وَ تَبِعَهُمْ سُوقَةٌ لَا نَسَبَ لَهُمْ وَ لَا حَسَبَ، وَ تَظَاهَرَتْ هَذِهِ اللَّعْنَةُ مِنْهُمْ فِي الْأَسْوَاقِ، وَ لَمْ يَسْتَحْسِنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ -كَثَّرَهُمُ اللهُ- دَفْعَ السَّفَاهَةِ بِالسَّفَاهَةِ، وَ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ.
وَ يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، مَنِ الَّذِي قَدْ اِنْتَشَرَ فِي الْمَشَارِقِ وَ الْمَغَارِبِ عِلْمُهُ وَ عَدْلُهُ، وَ أَمْرُهُ وَ نَهْيُهُ، الَّذِي لِطَاعَتِهِ نَبَاتُ صُدُورِ الْأَوْلِيَاءِ وَ الْأَعْدَاءِ، رَغْبَةُ وَ رَهْبَةُ نُصْرَتِهِ، وَ مَدِّ ضَبْعَيْهِ، وَ الشَّدِّ عَلَى يَدَيْهِ، وَ تَقْدِيمِ كَلِمَتِهِ الْعُلْيَا، وَ تَدْحِيضِ كَلِمَةِ أَعْدَائِهِ السُّفْلَى، فَالصَّبْرُ فِي الصَّدْمَةِ الْأُولَى، وَ هَذِهِ الصَّدْمَةُ الَّتِي كَانَتْ قُلُوبُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ -كَثَّرَهُمُ اللهُ- وَ غِرَةٌ وَغِلَةٌ، شَغَلَهُ بِهَا مُنْذُ سِنِينَ، فَانْقَشَعَ ذَلِكَ، وَ انْكَشَفَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُؤَيَّدَةِ، الْمَنْصُورَةِ، الْمُؤَبَّدَةِ، النِّظَامِيَّةِ، الْقِوَامِيَّةِ، الْعَالِمَيَّةِ، الْعَادِلِيَّةِ، نَصَرَهَا اللهُ وَ أَعْلَاهَا، وَ قَدْ وَقَفَ تَمَامَهُ عَلَى الْأَمْرِ الْمَاضِي الْمَنْصُورِ مِنْهُ، فَإِنَّ فِي شُعْبَةٍ مِنْ شُعَبِ عِنَايَتِهِ وَ نَصْرَتِهِ وَ كَلِمَتِهِ لِلدِّينِ، الَّذِي مَدَّ أَطْرَارَهُ كِفَايَةً وَ بَلَاغاً، وَ عَلَى الْغَارِسِ تَعَهُّدَ غِرَاسِهِ فَضْلاً وَ تَعَصُّباً فِي كُلِّ وَقْتٍ.
وَ كَتَبَ عَزِيزِي بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي التَّارِيخِ.
حَامِداً للهِ، وَ مُصَلِّياً عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، وَ عَلَى آَلِهِ وَ صَحْبِهِ وَ سَلَّمَ وَ شَرَّفَ وَ كَرَّمَ.

حماد محمد الشنقيطي
15-12-2011, 03:53
قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: حَقَائِقُ الْأَشْيـَاءِ ثَابِتَةٌ، وَ الْعِلْمُ بِهَا مُتَحَقِّقٌ؛ خِلَافاً لِلسُّوفَسطَائِيَّةِ.
وَ أَسْـبَابُ الْعِـلْـمِ لِلْخَلْقِ ثَلَاثَةٌ: الْحَوَاسُّ السَّلِيمَةُ، وَ الْخَبَرُ الصَّادِقُ، وَ الْعَقْلُ.
فَالْحَوَاسُّ خَمْسٌ: السَّمْعُ، وَ الْبَصَرُ، وَ الشَّمُّ، وَ اللَّمْسُّ، وَ بِكُلِّ حَاسَّةٍ مِنْهَا يُوقَفُ عَلَى مَا وُضِعَتْ هِيَ لَهُ.
وَ الْخَبَرُ الصَّادِقُ عَلَى نَوْعَينِ:
أَحَدُهُمَا: الخَـبَرُ المُتَواتِرُ، وَ هُوَ: الْخَبَرُ الثَّابِتُ عَلَى أَلْسِنَةِ قَوْمٍ لَا يُتَصَوَّرُ تَـوَاطُؤُهُمْ عَـلَى الْكَذِبِ؛ وَ هُوَ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، كَالْعِلْمِ بِالْمُلُوكِ الْخَالِيَةِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَ الْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ.
وَ النَّوْعُ الثَّانِي: خَبَرُ الرَّسُولِ الْمُؤَيَّدِ بِالْمُعْجِزَةِ؛ وَ هُوَ يُوجِبُ الْعِلْمَ الْاِسْتِدْلَالِيَّ، وَ الْعِلْمُ الثَّابِتُ بِهِ يُضَاهِي الْعِلْمَ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ فِي التَّيَقُّنِ وَ الثَّبَاتِ.
وَ أَمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ سَبَبٌ لِلْعِلْمِ أَيْضاً.
وَ مَا ثَبَتَ مِنْهُ بِالْبَدِيهَةِ فَهُوَ ضَرُورِيٌّ، كَالْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَعْظَمَ مِنْ جُزْئِهِ.
وَ مَا ثَبَتَ بِالْاِسْتِدْلَالِ فَهُوَ اِكْتِسَابِيٌّ.
وَ الْإِلْهَامُ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعْرِفَةِ بِصِحَّةِ الشَّيْءِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ.
وَ الْعَالَمُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مُحْدَثٌ؛ إِذْ هُوَ أَعْيَانٌ وَ أَعْرَاضٌ.
فَالْأَعْيَانُ: مَا لَهُ قِيَامٌ بِذَاتِهِ؛ وَ هُوَ: إِمَّا مُرَكَّبٌ، أَوْ غَيْرُ مُرَكَّبٍ؛ كَالْجَوْهَرِ، وَ هُوَ: الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ.
وَ الْعَرَضُ: مَا لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ، وَ يَحْدُثُ فِي الْأَجْسَامِ وَ الْجَوَاهِرِ، كَالْأَلْوَانِ، وَ الْأَكْوَانِ، وَ الطُّعُومِ، وَ الرَّوَائِحِ.
وَ الْمُحْدِثُ لِلْعَالَمِ هُوَ اللهُ تَعَالَى، الْوَاحِدُ، الْقَدِيمُ، الْحَيُّ، الْقَادِرُ، الْعَلِيمُ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الشَّائِيُّ، الْمُرِيدُ؛ لَيْسَ بِعَرَضٍ، وَ لَا جِسْمٍ، وَ لَا جَوْهَرٍ، وَ لَا مُصَوَّرٍ، وَ لَا مَحْدُودٍ، وَ لَا مَعْدُودٍ، وَ لَا مُتَبَعِّضٍ، وَ لَا مُتَجَزِّئٍ، وَ لَا مُتَنَاهٍ، وَ لَا يُوصَفُ بِالْمَاهِيَّةِ، وَ لَا بِالْكَيْفِيَّةِ، وَ لَا يَتَمَكَّنُ فِي مَكَانٍ، وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ، وَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وَ لَا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وَ قُدْرَتِهِ شَيْءٌ.
وَ لَهُ صِفَاتٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَ هِيَ لَا هُوَ، وَ لَا غَيْرُهُ؛ وَ هِيَ: الْعِلْمُ، وَ الْقُدْرَةُ، وَ الْحَيَاةُ، وَ الْقُوَّةُ، وَ السَّمْعُ، وَ الْبَصَرُ، وَ الْإِرَادَةُ، وَ الْمَشِيئَةُ، وَ الْفِعْلُ، وَ التَّخْلِيقُ، وَ التَّرْزِيقُ، وَ الْكَلَامُ.
وَ هُوَ مُتْكَلِّمٌ بِكَلَامٍ هُوَ صِفَةٌ لَهُ أَزَلِيَّةٌ، لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْحُرُوفِ وَ الْأَصْوَاتِ؛ وَ هُوَ صِفَةٌ مُنَافِيَةٌ لِلسُّكُوتِ وَ الْآَفَّةِ؛ وَ اللهُ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِهَا، آَمِرٌ، نَاهٍ، مُخْبِرٌ.
وَ الْقُرْآَنُ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى غَيْرَ مَخْلُوقٍ، وَ هُوَ مَكْتُوبٌ فِي مَصَاحِفِنَا، مَحْفُوظٌ فِي قُلُوبِنَا، مَقْرُوءٌ بِأَلْسِنَتِنَا، مَسْمُوعٌ بِآَذَانِنَا، غَيْرَ حَالٍّ فِيهَا.
وَ التَّكْوِينُ: صِفَةٌ للهِ تَعَالَى أَزَلِيَّةٌ، وَ هُوَ تَكْوِينُهُ تَعَالَى لِلْعَالَمِ، وَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ؛ لَا فِي الْأَزَلِ، بَلْ لِوَقْتِ وُجُودِهِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَ إِرَادَتِهِ.
وَ هُوَ غَيْرُ الْمُكَونِ عِنْدَنَا.
وَ الْإِرَادَةُ: صِفَةٌ للهِ تَعَالَى أَزَلِيَّةٌ، قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ.
وَ رُؤْيَةُ اللهِ تَعَالَى: جَائِزَةٌ فِي الْعَقْلِ، وَاجِبَةٌ بِالنَّقْلِ؛ وَرَدَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ بِإِيجَابِ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ اللهَ تَعَالَى فِي دَارِ الْآَخِرَةِ؛ فَيُرَى لَا فِي مَكَانٍ، وَ لَا عَلَى جِهَةٍ مِنْ مُقَابَلَةٍ، وَ لَا اِتِّصَالِ شُعَاعٍ، وَ لَا ثُبُوتِ مَسَافَةٍ بَيْنَ الرَّائِي وَ بَيْنَ اللهِ تَعَالَى.
وَ اللهُ تَعَالَى خَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ كُلِّهَا: مِنَ الْكُفْرِ، وَ الْإِيمَانِ، وَ الطَّاعَةِ، وَ الْعِصْيَانِ؛ وَ هِيَ كُلُّهَا بِإِرَادَتِهِ، وَ مَشِيئَتِهِ، وَ حُكْمِهِ، وَ قَضَائِهِ، وَ تَقْدِيرِهِ.
وَ لِلْعِبَادِ أَفْعَالٌ اِخْتِيَارِيَّةٌ يُثَابُونَ بِهَا، وَ يُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا.
وَ الْحُسْنُ مِنْهَا بِرِضَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَ الْقَبِيحُ مِنْهَا لَيْسَ بِرِضَاهُ.
وَ الْاِسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ، وَ هِيَ حَقِيقَةُ الْقُدْرَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْفِعْلُ.
وَ يَقَعُ هَذَا الْاِسْمُ عَلَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ، وَ الْآَلَاتِ، وَ الْجَوَارِحِ، وَ صِحَّةُ التَّكْلِيفِ تَعْتَمِدُ هَذِهِ الْاِسْتِطَاعَةَ.
وَ لَا يُكَلَّفُ الْعَبْدُ لِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ.
وَ مَا يُوجَدُ مِنَ الْأَلَمِ فِي الْمَضْرُوبِ عُقَيْبَ ضَرْبِ إِنْسَانٍ، وَ الْاِنْكِسَارُ فِي الزُّجَاجِ عُقَيْبَ كَسْرِ إِنْسَانٍ، وَ مَا أَشْبَهَهُ؛ كُلُّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ للهِ تَعَالَى، لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِي تَخْلِيقِهِ.
وَ الْمَقْتُولُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ، وَ الْأَجَلُ وَاحِدٌ.
وَ الْحَرَامُ رِزْقٌ، وَ كُلٌّ يَسْتَوْفِي رِزْقَ نَفْسِهِ؛ حَلَالاً كَانَ، أَوْ حَرَاماً؛ وَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِنْسَانٌ رِزْقَهُ، أَوْ يَأْكُلُ رِزْقَ غَيْرِهِ.
وَ اللهُ تَعَالَى يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.
وَ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْعَبْدِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
وَ عَذَابُ الْقَبْرِ لِلْكَافِرِينَ، وَ لِبَعْضِ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَ تَنْعِيمُ أَهْلِ الطَّاعَةِ فِي الْقَبْرِ بِمَا يَعْلَمُهُ اللهُ تَعَالَى، وَ يُرِيدُهُ؛ وَ سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَ نَكِيرٍ ثَابِتٌ بِالدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ.
وَ الْبَعْثُ حَقٌّ، وَ الْوَزْنُ حَقٌّ، وَ الْكِتَابُ حَقٌّ، وَ السُّؤَالُ حَقٌّ، وَ الْحَوْضُ حَقٌّ، وَ الصِّرَاطُ حَقٌّ، وَ الْجَنَّةُ حَقٌّ؛ وَ النَّارُ حَقٌّ، وَ هُمَا مَخْلُوقَتَانِ، مَوْجُودَتَانِ، بَاقِيَتَانِ، لَا تَفْنَيَانِ، وَ لَا يَفْنَى أَهْلُهُمَا.
وَ الْكَبِيرَةُ لَا تُخْرِجُ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ لَا تُدْخِلُهُ فِي الْكُفْرِ.
وَ اللهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنَ الصَّغَائِرِ وَ الْكَبَائِرِ.
وَ يَجُوزُ الْعِقَابُ عَلَى الصَّغِيرَةِ، وَ الْعَفْوُ عَنِ الْكَبِيرَةِ -إِذَا لَمْ تَكُنْ عَنْ اِسْتِحْلَالٍ، وَ الْاِسْتِحْلَالُ كُفْرٌ-.
وَ الشَّفَاعَةُ ثَابِتَةٌ لِلرُّسُلِ وَ الْأَخْيَارِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ.
وَ الْإِيمَانُ: هُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى، وَ الْإِقْرَارِ بِهِ.
فَأَمَّا الْأَعْمَالُ فَهِيَ تَتَزَايَدُ فِي نَفْسِهَا، وَ الْإِيمَانُ لَا يَزِيدُ وَ لَا يَنْقُصُ.
وَ الْإِيمَانُ وَ الْإِسْلَامُ وَاحِدٌ.
وَ إِذَا وُجِدَ مِنَ الْعَبْدِ التَّصْدِيقُ وَ الْإِقْرَارُ صَحَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: "أَنَا مُؤْمِنٌ حَقاًّ"، وَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: "أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ".
وَ السَّعِيدُ قَدْ يَشْقَى، وَ الشَّقِيُّ قَدْ يَسْعَدُ، وَ التَّغْيِيرُ يَكُونُ عَلَى السَّعَادَةِ وَ الشَّقَاوَةِ دُونَ الْإِسْعَادِ وَ الْإِشْقَاءِ؛ وَ هُمَا مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَ لَا تَغَيُّرَ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَ لَا عَلَى صِفَاتِهِ.
وَ فِي إِرْسَالِ الرُّسُلِ حِكْمَةٌ، وَ قَدْ أَرْسَلَ اللهُ رُسُلاً مِنَ الْبَشَرِ إِلَى الْبَشَرِ مُبَشِّرِينَ، وَ مُنْذِرِينَ، وَ مُبَيِّنِينَ لِلنَّاسِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَ الدِّينِ.
وَ أَيَّدَهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ النَّاقِضَاتِ لِلْعَادَاتِ.
وَ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ آَدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَ آَخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، وَ قَدْ رُوِيَ بَيَانُ عِدَّتِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُقْتَصَرَ عَلَى عَدَدٍ فِي التَّسْمِيَةِ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾[غافر:78]، وَ لَا يُؤْمَنُ فِي ذِكْرِ الْعَدَدِ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، أَوْ يُخْرِجَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِيهِمْ، وَ كُلُّهُمْ كَانُوا مُخْبِرِينَ مُبَلِّغِينَ عَنِ اللهِ تَعَالَى، صَادِقِينَ، نَاصِحِينَ.
وَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ.
وَ الْمَلَائِكَةُ عِبَادُ اللهِ تَعَالَى الْعَامِلُونَ بِأَمْرِهِ، لَا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ وَ لَا أُنُوثَةٍ.
وَ للهِ كُتُبٌ أَنْـزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ، وَ بَيَّنَ فِيهَا أَمْرَهُ، وَ نَهْيَهُ، وَ وَعْدَهُ، وَ وَعِيدَهُ.
وَ الْمِعْرَاجُ لِرَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ فِي الْيَقَظَةِ بِشَخْصِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْعُلَى حَقٌّ.
وَ كَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ حَقٌّ، فَتَظْهَرُ الْكَرَامَةُ عَلَى طَرِيقِ نَقْضِ الْعَادَةِ لِلْوَلِيِّ مِنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي الْمُدَّةِ الْقَلِيلَةِ، وَ ظُهُورِ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ اللِّبَاسِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَ الْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ وَ فِي الْهَوَاءِ، وَ كَلَامِ الْجَمَادِ الْعَجْمَاءِ، وَ انْدِفَاعِ الْمُتَوَجَّهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَ كِفَايَةِ الْمُهِمِّ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ.
وَ يَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ الَّذِي ظَهَرَتْ هَذِهِ الْكَرَامَةُ لِوَاحِدٍ مِنْ أُمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِهَا أَنَّهُ وَلِيٌّ، وَ لَنْ يَكُونَ وَلِياًّ إِلَّا وَ أَنْ يَكُونَ مُحِقاًّ فِي دِيَانَتِهِ، وَ دِيَانَتُهُ الْإِقْرَارُ بِرِسَالِةِ رَسُولِهِ.
وَ أَفْضَلُ الْبَشَرِ بَعْدَ نَبِيِّنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ثُمَّ عُمَرُ الْفَارُوقُ، ثُمَّ عُثْْمَانُ ذِي النُّورَيْنِ، ثُمَّ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى، وَ خِلَافَتُهُمْ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ؛ وَ الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ بَعْدَهَا مُلْكٌ وَ أَمَارَةٌ.
وَ الْمُسْلِمُونَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إِمَامٍ، يَقُومُ بِتَنْفِيذِ أَحْكَامِهِمْ، وَ إِقَامَةِ حُدُودِهِمْ، وَ سَدِّ ثُغُورِهِمْ، وَ تَجْهِيزِ جُيُوشِهِمْ، وَ أَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ، وَ قَهْرِ الْمُتَغَلِّبَةِ وَ الْمُتَلَصِّصَةِ وَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَ إِقَامَةِ الْجُمَعِ وَ الْأَعْيَادِ، وَ قَطْعِ الْمُنَازَعَاتِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَ قُبُولِ الشَّهَادَاتِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْحُقُوقِ، وَ تَزْوِيجِ الصِّغَارِ وَ الصَّغَائِرِ الَّذِينَ لَا أَوْلِيَاءَ لَهُمْ، وَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ.
ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ ظَاهِراً، لَا مُخْتَفِياً، وَ لَا مُنْتَظَراً، وَ يَكُونُ مِنْ قُرَيْشٍ؛ وَ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَ لَا يْخَتَصُّ بِبَنِي هَاشِمٍ.
وَ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْصُوماً، وَ لَا أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ الْمُطْلَقَةِ الْكَامِلَةِ، سَائِساً، قَادِراً عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ، وَ حِفْظِ حُدُودِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَ إِنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ.
وَ لَا يَنْعَزِلُ الْإِمَامُ بِالْفِسْقِ وَ الْجُورِ.
وَ تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَ فَاجِرٍ، وَ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ بَرٍّ وَ فَاجِرٍ.
وَ يَكُفَّ عَنْ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ إِلَّا بِخَيْرٍ.
وَ نَشْهَدُ لِلْعَشَرِةِ الْمُبَشَّرَةِ الَّذِينَ بَشَّرَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ.
وَ نَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَ الْحَضَرِ، وَ لَا نُحَرِّمُ نَبِيذَ التَّمْرِ.
وَ لَا يَبْلُغُ الْوَلِيُّ دَرَجَةَ الْأَنْبِيَاءِ، وَ لَا يَصِلُ الْعَبْدُ إِلَى حَيْثُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ.
وَ النُّصُوصُ عَلَى ظَوَاهِرِهَا، فَالْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى مَعَانٍ يَدَّعِيهَا أَهْلُ الْبَاطِنِ إِلْحَادٌ، وَ رَدُّ النُّصُوصِ كُفْرٌ.
وَ اسْتِحْلَالُ الْمَعْصِيَةِ كُفْرٌ، وَ الْاِسْتِهَانَةُ بِهَا كُفْرٌ، وَ الْاِسْتِهْزَاءُ عَلَى الشَّرِيعَةِ كُفْرٌ.
وَ الْيَأْسُ مِنَ اللهِ تَعَالَى كُفْرٌ، وَ الْأَمْنُ مِنَ اللهِ تَعَالَى كُفْرٌ.
وَ تَصْدِيقُ الْكَاهِنِ بِمَا يُخْبِرُهُ عَنِ الْغَيْبِ كُفْرٌ.
وَ الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَ فِي دُعَاءِ الْأَحْيَاءِ لِلْأَمْوَاتِ، وَ تَصَدُّقِهِمْ عَنْهُمْ نَفْعٌ لَهُمْ.
وَ اللهُ تَعَالَى يُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَ يَقْضِي الْحَاجَاتِ.
وَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةِ وَ السَّلَامُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَ دَابَّةِ الْأَرْضِ، وَ يَأْجُوجٍ وَ مَأْجُوجٍ، وَ نُـزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْسَّمَاءِ، وَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ فَهُوَ حَقٌّ.
وَ الْمُجْتَهِدُ قَدْ يُخْطِئُ وَ يُصِيبُ.
وَ رُسُلُ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ رُسُلِ الْمَلَائِكَةِ، وَ رُسُلُ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْبَشَرِ، وَ عَامَّةُ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْمَلَائِكَةِ.
تَمَّتِ الْعَقَائِدُ النَّسْفِيَّةُ؛ وَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

حماد محمد الشنقيطي
15-12-2011, 04:00
مَسْأَلَةٌ:
اُخْتُلِفَ فِي التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ؛ وَ قِيلَ: النَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ؛ وَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ: لَا يَصِحُّ إيمَانُ الْمُقَلِّدِ؛ وَ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ؛ وَ التَّحْقِيقُ: إنْ كَانَ أَخْذَ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، مَعَ احْتِمَالِ شَكٍّ، أَوْ وَهْمٍ، فَلَا يَكْفِي؛ وَ إِنْ كَانَ جَزْمًا، فَيَكْفِي، خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ.
فَلْيَجْزِمْ عَقْدَهُ: بِأَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ، وَ لَهُ صَانِعٌ، وَ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ.
وَ الْوَاحِدُ: الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ، وَ لَا يُشَبَّهُ بِوَجْهٍ.
وَ اَللَّهُ تَعَالَى: قَدِيمٌ، لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ، حَقِيقَتُهُ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْحَقَائِقِ؛ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لَيْسَتْ مَعْلُومَةً الْآنَ، وَ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُمْكِنُ عِلْمُهَا فِي الْآخِرَةِ؟
لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَ لَا جَوْهَرٍ، وَ لَا عَرَضٍ.
وَ لَمْ يَزَلْ وَحْدَهُ، وَ لَا مَكَانَ، وَ لَا زَمَانَ، وَ لَا قُطْرَ، وَ لَا أَوَانَ.
ثُمَّ أَحْدَثَ هَذَا الْعَالَمَ، مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ، وَ لَوْ شَاءَ مَا اخْتَرَعَهُ؛ لَمْ يَحْدُثْ بِابْتِدَاعِهِ فِي ذَاتِهِ حَادِثٌ.
الْقَدَرُ خَيْرُهُ وَ شَرُّهُ، مِنْهُ.
عِلْمُهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَعْلُومٍ، جُزْئِيَّاتٍ، وَ كُلِّيَّاتٍ ؛ وَ قُدْرَتُهُ لِكُلِّ مَقْدُورٍ.
مَا عُلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ، إرَادَةً، وَ مَا لَا، فَلَا.
بَقَاؤُهُ غَيْرَ مُسْتَفْتَحٍ، وَ لَا مُتَنَاهٍ.
لَمْ يَزَلْ بِأَسْمَائِهِ، وَ صِفَاتِ ذَاتِهِ؛ مَا دَلَّ عَلَيْهَا فِعْلُهُ: مِنْ قُدْرَةٍ، وَ عِلْمٍ، وَ حَيَاةٍ، وَ إِرَادَةٍ؛ أَوْ التَّنْزِيهُ عَنْ النَّقْصِ: مِنْ سَمْعٍ، وَ بَصَرٍ، وَ كَلَامٍ، وَ بَقَاءٍ؛ وَ مَا صَحَّ فِي الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ، مِنْ الصِّفَاتِ، نَعْتَقِدُ ظَاهِرَ الْمَعْنَى، وَ نُنَزِّهُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْمُشْكِلِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا: أَنُؤَوِّلُ؟ أَمْ نُفَوِّضُ مُنَزِّهِينَ؟ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ: عَلَى أَنَّ جَهْلَنَا بِتَفْصِيلِهِ، لَا يَقْدَحُ.
الْقُرْآنُ كَلَامُهُ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، لَا الْمَجَازِ؛ مَكْتُوبٌ فِي مَصَاحِفِنَا، مَحْفُوظٌ فِي صُدُورِنَا، مَقْرُوءٌ بِأَلْسِنَتِنَا.
يُثِيبُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَ يُعَاقِبُ، إلَّا أَنْ يَغْفِرَ -غَيْرَ الشِّرْكِ- عَلَى الْمَعْصِيَةِ؛ وَ لَهُ إثَابَةُ الْعَاصِي، وَ تَعْذِيبُ الْمُطِيعِ، وَ إِيلَامُ الدَّوَابِّ، وَ الْأَطْفَالِ؛ وَ يَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ بِالظُّلْمِ.
يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَ اخْتُلِفَ: هَلْ تَجُوزُ الرُّؤْيَةُ فِي الدُّنْيَا؟ وَ فِي الْمَنَامِ؟
السَّعِيدُ مَنْ كَتَبَهُ فِي الْأَزَلِ سَعِيدًا، وَ الشَّقِيُّ عَكْسُهُ؛ ثُمَّ لَا يَتَبَدَّلَانِ؛ وَ مَنْ عَلِمَ مَوْتَهُ مُؤْمِنًا، فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ؛ وَ أَبُو بَكْرٍ مَا زَالَ بِعَيْنِ الرِّضَا.
وَ الرِّضَا، وَ الْمَحَبَّةُ غَيْرُ الْمَشِيئَةِ، وَ الْإِرَادَةِ؛ فَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، ﴿وَ لَوْ شَاءَ رَبُّك مَا فَعَلُوهُ﴾.
هُوَ الرَّزَّاقُ، وَ الرِّزْقُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَ لَوْ حَرَامًا.
بِيَدِهِ الْهِدَايَةُ وَ الْإِضْلَالُ؛ خَلْقُ الضَّلَالِ، وَ الِاهْتِدَاءِ، وَ هُوَ الْإِيمَانُ.
وَ التَّوْفِيقُ: خَلْقُ الْقُدْرَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى الطَّاعَةِ؛ وَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: خَلْقُ الطَّاعَةِ؛ وَ الْخِذْلَانُ ضِدُّهُ.
وَ اللُّطْفُ: مَا يَقَعُ عِنْدَهُ صَلَاحُ الْعَبْدِ أَخَرَةً.
وَ الْخَتْمُ، وَ الطَّبْعُ، وَ الْأَكِنَّةُ: خَلْقُ الضَّلَالِ فِي الْقَلْبِ.
وَ الْمَاهِيَّاتِ مَجْعُولَةً.
وَ ثَالِثُهَا إنْ كَانَتْ مُرَكَّبَةً.
أَرْسَلَ الرَّبُّ تَعَالَى رُسُلَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، وَ خُصَّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ الْمَبْعُوثُ إلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، الْمُفَضَّلُ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ، وَ بَعْدَهُ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ.
وَ الْمُعْجِزَةُ: أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، مَقْرُونٌ بِالتَّحَدِّي، مَعَ عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ.
وَ التَّحَدِّي: الدَّعْوَى.
وَ الْإِيمَانُ: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ؛ وَ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا مَعَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ الْقَادِرِ؛ وَ هَلْ التَّلَفُّظُ شَرْطٌ؟ أَوْ شَطْرٌ فِيهِ تَرَدُّدٌ؟
وَ الْإِسْلَامُ: إعْمَالُ الْجَوَارِحِ؛ وَ لَا تُعْتَبَرُ إلَّا مَعَ الْإِيمَانِ.
وَ الْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك.
وَ الْفِسْقُ لَا يُزِيلُ الْإِيمَانَ.
وَ الْمَيِّتُ مُؤْمِنًا، فَاسِقًا، تَحْتَ الْمَشِيئَةِ؛ إمَّا أَنْ يُعَاقَبَ، ثُمَّ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَ إِمَّا أَنْ يُسَامَحَ بِمُجَرَّدِ فَضْلِ اللَّهِ، أَوْ مَعَ الشَّفَاعَةِ.
وَ أَوَّلُ شَافِعٍ، وَ أَوْلَاهُ، حَبِيبُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ.
وَ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إلَّا بِأَجَلِهِ.
وَ النَّفْسُ بَاقِيَةٌ بَعْدَ قَتْلِ الْبَدَنِ.
وَ فِي فَنَائِهَا عِنْدَ الْقِيَامَةِ تَرَدُّدٌ؛ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: وَ الْأَظْهَرُ لَا تَفْنَى أَبَدًا.
وَ فِي عَجْبِ الذَّنَبِ قَوْلَانِ؛ قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَ الصَّحِيحُ يَبْلَى، وَ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ.
وَ حَقِيقَةُ الرُّوحِ، لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، فَنُمْسِكُ عَنْهَا.
وَ كَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ حَقٌّ؛ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَ لَا يَنْتَهُونَ إلَى نَحْوِ وَلَدٍ دُونَ وَالِدٍ.
وَ لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
وَ لَا نُجَوِّزُ الْخُرُوجَ عَلَى السُّلْطَانِ.
وَ نَعْتَقِدُ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ، وَ سُؤَالَ الْمَلَكَيْنِ، وَ الصِّرَاطَ، وَ الْمِيزَانَ، حَقٌّ.
وَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ نَصْبُ إمَامٍ، وَ لَوْ مَفْضُولًا.
وَ لَا يَجِبُ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ.
وَ الْمَعَادُ الْجُسْمَانِيُّ بَعْدَ الْإِعْدَامِ حَقٌّ.
وَ نَعْتَقِدُ أَنَّ خَيْرَ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتُهُ، فَعُمَرُ، فَعُثْمَانُ، فَعَلِيٌّ أُمَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ أَجْمَعِينَ.
وَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ مِنْ كُلِّ مَا قُذِفَتْ بِهِ.
وَ نُمْسِكُ عَمَّا جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَ نَرَى الْكُلَّ مَأْجُورِينَ.
وَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ، وَ مَالِكًا، وَ أَبَا حَنِيفَةَ، وَ السُّفْيَانَيْنِ، وَ أَحْمَدَ، وَ الْأَوْزَاعِيَّ، وَ إِسْحَاقَ، وَ دَاوُد، وَ سَائِرَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ.
وَ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ، إمَامٌ فِي السُّنَّةِ مُقَدَّمٌ.
وَ أَنَّ طَرِيقَ الشَّيْخِ الْجُنَيْدِ وَ صَحْبِهِ طَرِيقٌ مُقَوَّمٌ.
وَ مِمَّا لَا يَضُرُّ جَهْلُهُ، وَ تَنْفَعُ مَعْرِفَتُهُ: الْأَصَحُّ إنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ عَيْنُهُ، وَ قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: غَيْرُهُ؛ فَعَلَى الْأَصَحِّ: الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَ لَا ذَاتٍ، وَ لَا ثَابِتٍ؛ وَ كَذَا عَلَى الْآخَرِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ.
وَ أَنَّ الِاسْمَ الْمُسَمَّى.
وَ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ.
وَ أَنَّ الْمَرْءَ يَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ وَ الْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، لَا شَكًّا فِي الْحَالِ.
وَ أَنَّ مَلَاذَّ الْكَافِرِ اسْتِدْرَاجٌ.
وَ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ بِأَنَّهُ الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ.
وَ أَنَّ الْجَوْهَرَ هُوَ الْفَرْدُ، وَ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، ثَابِتٌ.
وَ أَنَّهُ لَا حَالَّ -أَيْ لَا وَاسِطَةَ- بَيْنَ الْمَوْجُودِ وَ الْمَعْدُومِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي، إمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
وَ أَنَّ النَّسَبَ، وَ الْإِضَافَاتِ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، لَا وُجُودِيَّةٌ.
وَ أَنَّ الْعَرَضَ لَا يَقُومُ بِالْعَرَضِ؛ وَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ؛ وَ لَا يَحِلُّ مَحَلَّيْنِ.
وَ أَنَّ الْمِثْلَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ، كَالضِّدَّيْنِ، بِخِلَافِ الْخِلَافَيْنِ؛ أَمَّا النَّقِيضَانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ.
وَ أَنَّ أَحَدَ طَرَفَيْ الْمُمْكِنِ لَيْسَ أَوْلَى بِهِ.
وَ أَنَّ الْبَاقِيَ مُحْتَاجٌ إلَى السَّبَبِ، وَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ عِلَّةَ احْتِيَاجِ الْأَثَرِ إلَى الْمُؤَثِّرِ الْإِمْكَانُ، أَوْ الْحُدُوثُ، أَوْ هُمَا جُزْءَا عِلَّةٍ، أَوْ الْإِمْكَانُ بِشَرْطِ الْحُدُوثِ، وَ هِيَ أَقْوَالٌ.
وَ الْمَكَانُ: قِيلَ لِلسَّطْحِ الظَّاهِرِ مِنْ الْمَحْوِيِّ فِيهِ، وَ قِيلَ: بُعْدٌ مَوْجُودٌ يَنْفُذُ فِيهِ الْجِسْمُ، وَ قِيلَ: بُعْدٌ مَفْرُوضٌ، وَ هُوَ الْخَلَاءُ؛ وَ الْمُرَادُ مِنْهُ كَوْنُ الْجِسْمَيْنِ لَا يَتَمَاسَّانِ، وَ لَا بَيْنَهُمَا مَا يُمَاسُّهُمَا.
وَ الزَّمَانُ: قِيلَ: جَوْهَرٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَ لَا جُسْمَانِيٍّ؛ وَ قِيلَ: فَلَكُ مَعْدِلِ النَّهَارِ؛ وَ قِيلَ: عَرَضٌ، فَقِيلَ حَرَكَةُ مَعْدِلِ النَّهَارِ؛ وَ قِيلَ: مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ؛ وَ الْمُخْتَارُ: مُقَارَنَةُ مُتَجَدِّدٍ مَوْهُومٍ، لِمُتَجَدِّدٍ مَعْلُومٍ، إزَالَةً لِلْإِيهَامِ.
وَ يَمْتَنِعُ تَدَاخُلُ الْأَجْسَامِ.
وَ خُلُوُّ الْجَوْهَرِ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْرَاضِ، وَ الْجَوْهَرُ غَيْرُ مُرَكَّبٍ مِنْ الْأَعْرَاضِ، وَ الْأَبْعَادُ مُتَنَاهِيَةٌ.
وَ الْمَعْلُولُ: قَالَ الْأَكْثَرُ يُقَارِنُ عِلَّتَهُ زَمَانًا، وَ الْمُخْتَارُ وِفَاقًا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ، يَعْقُبُهَا مُطْلَقًا؛ وَ ثَالِثُهَا: إنْ كَانَتْ وَضْعِيَّةً لَا عَقْلِيَّةً.
أَمَّا التَّرْتِيبُ رُتْبَةً فَوِفَاقٌ.
وَ اللَّذَّةُ حَصَرَهَا الْإِمَامُ، وَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ فِي الْمَعَارِفِ.
وَ قَالَ ابْنُ زَكَرِيَّا: هِيَ الْخَلَاصُ مِنْ الْأَلَمِ.
وَ قِيلَ: إدْرَاكُ الْمُلَائِمِ، وَ يُقَابِلُهَا الْأَلَمُ.
وَ مَا تَصَوَّرَهُ الْعَقْلُ: إمَّا وَاجِبٌ، أَوْ مُمْتَنِعٌ، أَوْ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ ذَاتَهُ إمَّا أَنْ تَقْتَضِيَ وُجُودَهُ فِي الْخَارِج، أَوْ عَدَمَهُ، أَوْ لَا تَقْتَضِيَ شَيْئًا.
خَاتِمَةٌ: فِيمَا يُذْكَرُ مِنْ مَبَادِئِ التَّصَوُّفِ الْمُصَفِّي لِلْقُلُوبِ:
أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ الْمَعْرِفَةُ؛ وَ قَالَ الْأُسْتَاذُ: النَّظَرُ الْمُؤَدِّي إلَيْهَا؛ وَ الْقَاضِي: أَوَّلُ النَّظَرِ؛ وَ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْقَصْدُ إلَى النَّظَرِ.
وَ ذُو النَّفْسِ الْأَبِيَّةِ يَرْبَأُ بِهَا عَنْ سَفْسَافِ الْأُمُورِ، وَ يَجْنَحُ إلَى مَعَالِيهَا.
وَ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ، تَصَوَّرَ تَبْعِيدَهُ وَ تَقْرِيبَهُ، فَخَافَ وَ رَجَا، فَأَصْغَى إلَى الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ، فَارْتَكَبَ وَ اجْتَنَبَ، فَأَحَبَّهُ مَوْلَاهُ، فَكَانَ سَمْعَهُ، وَ بَصَرَهُ، وَ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا.
وَ دَنِيءُ الْهِمَّةِ لَا يُبَالِي، فَيَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَ، وَ يَدْخُلُ تَحْتَ رِبْقَةِ الْمَارِقِينَ؛ فَدُونَكَ صَلَاحًا، أَوْ فَسَادًا، وَ رِضًا، أَوْ سَخَطًا؛ وَ قُرْبًا أَوْ بُعْدًا؛ وَ سَعَادَةً أَوْ شَقَاوَةً؛ وَ نَعِيمًا أَوْ جَحِيمًا.
وَ إِذَا خَطَرَ لَكَ أَمْرٌ، فَزِنْهُ بِالشَّرْعِ؛ فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا فَبَادِرْ، فَإِنَّهُ مِنْ الرَّحْمَنِ؛ فَإِنْ خَشِيتَ وُقُوعَهُ، لَا إيقَاعَهُ عَلَى صِفَةٍ مَنْهِيَّةٍ، فَلَا عَلَيْكَ؛ وَ احْتِيَاجُ اسْتِغْفَارِنَا إلَى اسْتِغْفَارٍ، لَا يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِغْفَارِ.
وَ مِنْ ثَمَّ قَالَ السُّهْرَوَرْدِيّ: اعْمَلْ وَ إِنْ خِفْتَ الْعُجْبَ مُسْتَغْفِرًا، وَ إِنْ كَانَ مَنْهِيًّا، فَإِيَّاكَ فَإِنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِنْ مِلْتَ فَاسْتَغْفِرْ.
وَ حَدِيثُ النَّفْسِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم، أَوْ يَعْمَلُ، وَ الْهَمُّ، مَغْفُورَانِ؛ وَ إِنْ لَمْ تُطِعْكَ الْأَمَّارَةُ، فَجَاهِدْهَا؛ فَإِنْ فَعَلْتَ فَتُبْ، فَإِنْ لَمْ تُقْلِعْ لِاسْتِلْذَاذٍ، أَوْ كَسَلٍ، فَتَذَكَّرْ هَادِمَ اللَّذَّاتِ وَ فَجْأَةَ الْفَوَاتِ؛ أَوْ لِقُنُوطٍ، فَخَفْ مَقْتَ رَبِّكَ، وَ اذْكُرْ سَعَةَ رَحْمَتِهِ.
وَ اعْرِضْ التَّوْبَةَ وَ مَحَاسِنَهَا؛ وَ هِيَ النَّدَمُ، وَ تَتَحَقَّقُ بِالْإِقْلَاعِ، وَ عَزْمٍ أَنْ لَا يَعُودَ، وَ تَدَارُكِ مُمْكِنَ التَّدَارُكِ؛ وَ تَصِحُّ وَ لَوْ بَعْدَ نَقْضِهَا عَنْ ذَنْبٍ، وَ لَوْ صَغِيرًا، مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى آخَرَ، وَ لَوْ كَبِيرًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَ إِنْ شَكَكْت أَمَأْمُورٌ؟ أَمْ مَنْهِيٌّ؟ فَأَمْسِكْ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْمُتَوَضِّئِ، يَشُكُّ أَيَغْسِلُ ثَالِثَةً؟ أَمْ رَابِعَةً؟ لَا يَغْسِلُ.
وَ كُلٌّ وَاقِعٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَ إِرَادَتُهُ، هُوَ خَالِقُ كَسْبِ الْعَبْدِ، قَدَّرَ لَهُ قُدْرَةً، هِيَ اسْتِطَاعَتُهُ، تَصْلُحُ لِلْكَسْبِ، لَا لِلْإِبْدَاعِ؛ فَاَللَّهُ خَالِقٌ غَيْرُ مُكْتَسِبٍ، وَ الْعَبْدُ مُكْتَسِبٌ غَيْرُ خَالِقٍ.
وَ مِنْ ثَمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ.
وَ أَنَّ الْعَجْزَ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ، تُقَابِلُ الْقُدْرَةَ، تَقَابُلَ الضِّدَّيْنِ، لَا الْعَدَمِ وَ الْمَلَكَةِ.
وَ رَجَّحَ قَوْمٌ التَّوَكُّلَ، وَ آخَرُونَ الِاكْتِسَابَ، وَ ثَالِثٌ الِاخْتِلَافَ.
وَ مِنْ ثَمَّ قِيلَ: "إرَادَةُ التَّجْرِيدِ مَعَ دَاعِيَةِ الْأَسْبَابِ شَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ، وَ سُلُوكُ الْأَسْبَابِ مَعَ دَاعِيَةِ التَّجْرِيدِ، انْحِطَاطٌ عَنْ الذِّرْوَةِ الْعَلِيَّةِ".
وَ قَدْ يَأْتِي الشَّيْطَانُ بِاطِّرَاحِ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي صُورَةِ الْأَسْبَابِ، أَوْ بِالْكَسَلِ وَ التَّمَاهُنِ فِي صُورَةِ التَّوَكُّلِ؛ وَ الْمُوَفَّقُ يَبْحَثُ عَنْ هَذَيْنِ.
وَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَا يُرِيدُ، وَ لَا يَنْفَعُنَا عِلْمُنَا بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى.

حماد محمد الشنقيطي
15-12-2011, 04:02
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ السَّنُوسِيُّ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَ إِمَامِ الْمُرْسَلِينَ.
اِعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَجِبُ فِي حَقِّ مَوْلَانَا جَلَّ وَ عَزَّ، وَ مَا يَسْتَحِيلُ، وَ مَا يَجُوزُ؛ وَ كَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ.
[الْوَاجِبُ، وَ الْمُسْتَحِيلُ، وَ الْجَائِزُ]:
وَ حَقِيقَةُ "الْوَاجِبُ": مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ عَدَمُهُ؛ إِمَّا بِلَا تَأَمُّلٍ، وَ يُسَمَّى "الضَّرُورِيَّ"، كَكَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفِ الْإِثْنَيْنِ مَثَلاً؛ وَ إِمَّا بَعْدَ التَّأَمُّلِ، وَ يُسَمَّى "النَّظَرِيَّ"، كَكَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفُ سُدُسِ الْإِثْنَيْ عَشَرَ مَثَلاً.
وَ "الْمُسْتَحِيلُ": مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ ثُبُوتُهُ؛ إِمَّا بِلَا تَأَمُّلٍ أَيْضاً، كَكَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفُ الْأَرْبَعَةِ؛ وَ إِمَّا بَعْدَ التَّأَمُّلِ، كَكَوْنِ الْوَاحِدِ سُدُسُ الْإِثْنَيْ عَشَرَ مَثَلاً.
وَ "الْجَائِزُ": مَا يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ ثُبُوتُهُ، وَ نَفْيُهُ؛ إِمَّا بِلَا تَأَمُّلٍ، كَكَوْنِ الْجِسْمِ أَبْيَضَ مَثَلاً؛ وَ إِمَّا بَعْدَ التَّأَمُّلِ، كَتَمَنِّي الْإِنْسَانِ الْمَوْتَ مَثَلاً.
[مَا يَجِبُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]:
فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ لِمَوْلَانَا جَلَّ وَ عَزَّ: الْوُجُودُ، لِتَوَقُّفِ وُجُودِ الْحَوَادِثِ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى، وَ دَلِيلُ حُدُوثِهَا لُزُومُهَا لِمَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْمُخَصِّصِ.
وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْقِدَمُ، وَ الْبَقَاءُ؛ وَ إِلَّا لَكَانَ مُحْتَاجاً إِلَى الْفَاعِلِ، فَيَكُونُ حَادِثاً؛ فَيَجِبُ لَهُ مِنَ الْعَجْزِ مَا وَجَبَ لِسَائِرِ الْحَوَادِثِ؛ بَلْ يَكُونُ حِينَئِذٍ وُجُودُهُ مُسْتَحِيلاً؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى تَقْدِيرِ حُدُوثِهِ مِنَ الدَّوْرِ، أَوِ التَّسَلْسُلِ الْمُسْتَحِيلَيْنِ.
وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: أَنْ يَكُونَ مُخَالِفاً فِي ذَاتِهِ، وَ صِفَاتِهِ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْحَوَادِثِ؛ وَ إِلَّا كَانَ حَادِثاً مِثْلَهَا.
وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: أَنْ يَكُونَ قَائِماً بِنَفْسِهِ؛ أَيْ ذَاتاً مَوْصُوفاً بِالصِّفَاتِ، غَنِياًّ عَنِ الْمَحَلِّ وَ الْفَاعِلِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ فِي مَحَلٍّ، لَكَانَ صِفَةً؛ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَتَّصِفَ بِالصِّفَاتِ الْوُجُودِيَّةِ، وَ لَا لَوَازِمِهَا؛ إِذْ لَوْ قَبِلَتِ الصِّفَةُ صِفَةً وُجُودِيَّةً لَزِمَ أَنْ لَا تَعْرَى عَنْهَا صِفَةٌ كَالذَّاتِ؛ وَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ، وَ دُخُولَ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فِي الْوُجُودِ؛ وَ لَوْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى الْفَاعِلِ، لَكَانَ حَادِثاً؛ وَ هُوَ مُحَالٌ.
وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْوَحْدَانِيَّةَ؛ أَيْ لَا مِثْلَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَ لَا صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ؛ وَ لَا مُؤَثِّرَ مَعَهُ فِي فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مَعَهُ مِثْلٌ، أَوْ مُؤَثِّرٌ، لَمَا كَانَ وَاجِبَ الْوُجُودِ، لِاحْتِيَاجِهِ حِينَئِذٍ إِلَى مَنْ يُخَصِّصُهُ بِمَا يَمْتَازُ بِهِ عَمَّا يُمَاثِلُهُ عُمُوماً أَوْ خُصُوصاً؛ وَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْحُدُوثَ وَ الْعَجْزَ عَنْ كُلِّ مُمْكِنٍ.
وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْقُدْرَةُ، وَ الْإِرَادَةُ الْمُتَعَلِّقَتَانِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ؛ إِذِ الْعَجْزُ عَنْ بَعْضِهَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِهَا؛ وَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ اِسْتِحَالَةَ وُجُودِهَا، لِتَوَقُّفِ كُلِّ حَادِثٍ فِي وُجُودِهِ وَ إِعْدَامِهِ عَلَى اِقْتِدَارِ فَاعِلِهِ؛ وَ فِي تَخْصِيصِهِ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَ فِي كَوْنِهِ مُرَاداً عَلَى عِلْمِهِ.
وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِكُلِّ وَاجِبٍ، وَ جَائِزٍ، وَ مُسْتَحِيلٍ؛ لِأَنَّ الْاِخْتِصَاصَ بِالْبَعْضِ يَسْتَلْزِمُ الْحُدُوثَ، لِافْتِقَارِ الصِّفَةِ حِينَئِذٍ إِلَى الْفَاعِلِ، وَ حُدُوثُهَا يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ مَوْصُوفِهَا، لِاسْتِحَالَةِ تَعَرِّيهِ عَنْهَا، وَ عَنْ أَضْدَادِهَا.
وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: السَّمْعُ، وَ الْبَصَرُ الْمُتَعَلِّقَانِ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ؛ وَ الْكَلَامُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْحَرْفِ، وَ الصَّوْتِ، وَ التَّقْدِيمِ وَ التَّأْخِيرِ، وَ الْكُلِّ وَ الْبَعْضِ، وَ التَّجْدِيدِ وَ السُّكُوتِ -الْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْعِلْمُ-، وَ دَلِيلُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الشَّرْعُ.
وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْحَيَاةُ؛ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الصِّفَاتِ السَّابِقَةِ بِدُونِهَا.
[مَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]:
وَ أَمَّا الْمُسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى: فَكُلُّ مَا يُنَافِي هَذِهِ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَاتِ.
[مَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]:
وَ أَمَّا الْجَائِزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى: فَفِعْلُ كُلِّ مُمْكِنٍ، أَوْ تَرْكُهُ؛ صَلَاحاً كَانَ، أَوْ ضِدَّهُ، لِمَا عَرَفْتَ قَبْلُ مِنْ وُجُوبِ عُمُومِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَ إِرَادَتِهِ لِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، وَ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جَوَازُ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى الرُّؤْيَةَ لِذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ؛ وَ السَّمْعِ لِكَلَامِهِ الْقَدِيمِ، وَ الثَّوَابِ فِي دَارِ النَّعِيمِ، وَ الْبَعْثِ لِرُسُلِهِ الْأَكْرَمِينَ؛ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
[مَا يَجِبُ فِي حَقِّ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللهِ وَ سَلَامُهُ عَلَيْهِمْ]:
وَ أَمَّا الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ، فَيَجِبُ لَهُمْ: الصِّدْقُ؛ أَيْ مُطَابَقَةَ كُلَّ مَا أَخْبَرُوا مِنْ أَحْكَامٍ، وَ ثَوَابٍ، وَ عِقَابٍ، وَ غَيْرِهِمَا؛ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ صَدَّقَهُمْ بِمَا تَنَزَّلَ مِنَ الْمُعْجِزَةِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللهُ بِهَا مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "صَدَقَ عَبْدِي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي".
وَ تَجِبُ لَهُمُ: الْأَمَانَةُ؛ أَيْ حِفْظِ ظَوَاهِرِهِمْ، وَ بَوَاطِنِهِمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّ أَتْبَاعَهُمْ أُمِرُوا بِالْاِقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِمْ، وَ أَفْعَالِهِمْ؛ وَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عِصْمَتَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ.
وَ يَجِبُ لَهُمْ أَيْضاً: أَنَّهُمْ بَلَّغُوا كُلَّ مَا أَمَرَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ بِتَبْلِيغِهِ، وَ لَمْ يَتْرُكُوا شَيْئاً مِنْهُ لَا نِسْيَاناً، وَ لَا عَمْداً؛ أَمَّا عَمْداً فَلِمَا سَبَقَ فِي الْأَمَانَةِ، وَ أَمَّا نِسْيَاناً فَلِلْإِجْمَاعِ.
فَالْوَاجِبُ الْأَوَّلُ: يَزِيدُ عَلَى الْأَمَانَةِ بِمَنْعِ الْكَذِبِ سَهْواً.
وَ يَزِيدُ عَلَى التَّبْلِيغِ، بِمَنْعِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ عَمْداً أَوْ نِسْيَاناً.
وَ تَزِيدُ الْأَمَانَةُ عَلَى الصِّدْقِ، بِمَنْعِ وُقُوعِ الْمُخَالَفَةِ فِي غَيْرِ كَذِبِ اللِّسَانِ.
وَ تَزِيدُ عَلَى التَّبْلِيغِ بِمَنْعِ الْمُخَالَفَةِ فِي غَيْرِ التَّبْلِيغِ.
وَ يَزِيدُ التَّبْلِيغُ عَلَى الصِّدْقِ بِمَنْعِ تَرْكِ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ عَمْداً أَوْ نِسْيَاناً، مَعَ لُزُومِ الصِّدْقِ فِيمَا بَلَّغُوا مِنْ ذَلِكَ.
وَ يَزِيدُ عَلَى الْأَمَانَةِ بِمَنْعِ تَرْكِ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ نِسْيَاناً.
وَ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ بَعْدَ هَذَا مَا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْوَاجِبَاتُ الثَّلَاثَةُ، وَ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ اِثْنَانِ مِنْهَا دُونَ الثَّالِثِ؛ وَ مَا يَزِيدُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَجْمُوعِ الْبَاقِينَ.
[مَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ]:
وَ أَمَّا الْمُسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ: فَأَضْدَادُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
[مَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهُمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ]:
وَ أَمَّا الْجَائِزُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ: فَالْأَعْرَاضُ الْبَشَرِيَّةُ الَّتِي لَا تُنَافِي عُلُوَّ رُتْبَتِهِمْ -كَالْمَرَضِ، وَ نَحْوِهِ- بِدَلِيلِ مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ فِيهِمْ؛ وَ فِي اِتِّصَافِهِمْ بِهَا فَوَائِدَ لَا تَخْفَى.
وَ بِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ مَا أَوْهَمَ فِي حَقِّهِمْ، أَوْ حَقِّ الْمَلَائِكَةِ نَقْصاً مِنَ الْكِتَابِ، أَوِ السُّنَّةِ؛ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ.
وَ أَفْضَلُهُمْ سَيِّدُنَا وَ مَوْلَانَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، وَ عَلَى آَلِهِ عَدَدَ مَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ، وَ غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ؛ وَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ أَجْمَعِينَ، وَ سَلَامٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْمُرْسَلِينَ؛ وَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

حماد محمد الشنقيطي
15-12-2011, 04:06
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ السَّنُوسِيُّ:
أعْلَمْ أّنَّ الْحُكْمَ العَقْليَّ يَنْحَصِرُ فِي ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الْوُجُوبِ، وَالاِسْتِحَالَةِ، وَالجَوَازِ.
فَالْوَاجِبُ: مَالا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ عَدَمُهُ.
وَالمُسْتَحِيلُ: مَالاَ يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ.
وَالجَائِزُ: مَا يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ وَجَودَهَ وَعَدَمُهُ.
وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ شَرْعًا أّنْ يَعْرِفَ مَا يَجِبُ فِي حَقِّ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ، وَمَا يَسْتَحِلُ، وَمَا يَجُوزُ.
وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مِثْلَ ذلِكَ فِي حَقِّ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وّالسَّلاَمُ.
فِمَمَّا يَجِبُ لِمَوْلاِنَا جَلَّ وَعَزَّ عِشْرُونَ صِفَةً، وَهِيَ: الْوَجُودُ، وَالْقِدَمُ، وَالبَقَاءُ، وَمُخَالَفَتُهَ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ.
وَقِيَامُةُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ: أَيْ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى مَحَلَّ، وَلاَ مُخصِّصٍ.
وَالْوَحْدَانِيَّةُ: أَيْ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلاَ فِي صِفَاتِهِ، وَلاَ فِي أَفْعَالِهِ.
فَهذِهِ سِتُّ صِفَاتٍ: اْلأُولَى نَفْسِيَّةٌ، وَهِيَ: الْوَجُودُ؛ وَالخَمْسَةُ بَعْدَهَا سَلْبيَّةٌ.
ثُمَّ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى سَبْعُ صِفَاتٍ، تُسَمَّى "صفَاتِ المَعَانِي"، وَهِيَ:
الْقًدْرَةُ، وَاْلإِرادَةُ: المُتَعَلِّقَانِ بِجَمِيعِ المُمْكِنَات.
وَالْعِلْمُ: المُتَعَلِّقُ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ، وَالجَائِزَاتِ، وَالمُسْتَحِيلاَتُ.
وَالحَيَاةُ، وَهِيَ: لاَ تتَعَلَّقُ بِشْيءِ.
وَالسَّمْعُ، وَالبصَرُ: المُتَعَلِّقَان بِجَمِيعِ المَوْجُدَات.
وَالْكَلامُ: الذَّي لَيْسَ بِحَرْفٍ، وَلاَ صَوْتٍ، وَيَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ مِنَ المُتَعَلَّقَاتِ.
ثُمَّ سَبْعُ صِفَاتٍ، تُسَمَّى "صِفَاتٍ مَعْنَوِيَّةً"، وَهِيَ: مُلاَزِمَةٌ لِلسَّبْعْ اْلأُولَى، وَهِيَ كَوْنهُ تعالى: قادراً، وَمُريداً، وَعَالِمًا، وَحَيَّا، وَسَمِيعًا، وَبَصِيراً، وَمُتَكَلِّمًا.
وَمِمَّا يسْتَحِيلُ فِي حَقَّهِ تَعَالى عِشْرُونَ صِفَةً، وَهِيَ أَضْدَادُ الْعِشْرِينَ اْلأُولَى، وَهِيَ: الْعَدَمُ، وَالحُدُوثُ، وَطُرُؤُ الْعَدَمِ.
وَالمُمَاثَلَةُ لِلْحَوَادِثِ: بِأَنْ يَكُونَ جِرْمًا؛ أَيْ تَأخُذَ ذَاتُهُ الْعَلِيةُ قَدْراً مِنَ الْفَرَاغِ، أَوْ يَكُونَ عَرَضًا يَقُومُ بِالْجِرْم، أَوْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ للْجْرمِ، أَوْلهُ هُوَ جِهَةٌ، أَوْ يَتَقَيَّد بِمَكَانٍ، أَوْ زَمَانٍ، أَوْ تَتَّصِفَ ذَاتُهُ الْعِلِيةُ بِالحَوَادِثِ، أَوْ يَتَّصِفَ بِالصِّغَرِ، أَوْ الْكِبَرِ، أَوْ يَتَصَّفَ بَاْلأَغْرَاض فِي اْلأَفْعَالِ، أَوْ اْلأَحْكامِ.
وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى: أَنْ لاَ يَكُونَ قائِمًا بِنَفْسِهِ، بِأَنْ يَكُونَ صِفَةً يَقُومُ بِمَحلٍ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَصَّصٍ.
وَكَذَا يَسْتَحيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى: أَنْ لاَ يَكُوُنَ وَاحِداً بِأَنْ يَكُونَ مُرَكبًا فِي ذَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ لَهُ مُمَاثِلٌ فِي ذَاتِهِ، أَوْ صِفَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْوُجُودِ مُؤَثَّرٌ فِي فِعْلٍ مِنَ اْلأَفْعَالِ.
وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى: الْعَجْزُ عَنْ مَمْكِنٍ مَّا، وَإِيجَادُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِوُجُودِهِ؛ أَيْ عَدَمِ إِرَادَتِهِ لَهُ تَعَالَى أَوْ مَعَ الذُهُولِ، أَوْ الْغَفْلَةِ، أّوْ بِالتَّعْلِيلِ، أَوْ بِالطَّبْعِ.
وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى: الجَهْلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بَمعْلُومٍ مَّا، وَالمَوْتُ، وَالصَّمَمُ، وَالْعَمى وَالْبَكَمُ.
وَأَضْدَادُ الصِّفَاتٍ المَعْنَوِيَّةِ وَاضِحَةٌ مِنْ هَذِهِ.
وَأَمَّا الجَائِزُ فِي حقِّهِ تَعَالَى: فَفِعْلُ كَلِّ مَمْكِنٍ أَوْ تَرْكُهُ.
أَمَّا بُرْهَانُ وَجَودِهِ تَعَالَى: فَحُدوثُ الْعَالَمِ؛ لأَنَّهُ لَوْ لًمْ يَكُنْ لَهُ مُحْدِثٌ بَلْ حَدَثَ بِنَفْسِهِ، لَزمَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ اْلأَمْرَيْنِ المُتَسَاويَيْنِ مُسَاوِيًا لِصَاحِبِهِ، رَاجِحًا عَلَيْهِ بِلاَ سَبَبٍ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَدّلِيلٌ حُدُوثِ الْعَالَمِ: مُلاَزَمَتُهُ لِلأَعْرَاضِ الحَادِثَةِ مِنْ: حَرَكَةٍ، أوَسُكُونٍ، أوَغَيْرِهِمَا، وَمُلاَزِمُ الحَادِثِ حَادِثٌ.
وَدَلِيلُ حُدُوثِ اْلأَعرَاضِ: مُشَاهَدَةُ تَغَيُّرِهَا مِنْ عَدَمٍ إِلَى وَجَودٍ، وَمِنْ وُجُودٍ إِلَى عَدَمٍ.
وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ الْقِدَمِ لَهُ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ يَكُنْ قَديمًا، لَكَانَ حَادِثًا فَيَفْقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، أوِ التَّسَلْسُلُ.
وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ الْبَقَاءِ لَهُ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَهُ الْعَدَمُ، لاَنْتَفَى عَنْهُ القْدَمُ لِكَوْنِ وُجُودِهِ حِينَئِذٍ جَائِزًا لاَ وَاجِبًا، وَالجَائِزُ لاَ يَكُونُ وُجُودُهُ إِلاَّ حَادِثًا، كَيْفَ! وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا وُجُوبُ قِدَمِهِ تَعَالَى وَبَقَائِه.
وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ مُخَالَفَتِهِ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ: فَلأَنَّهُ لَوْ مَائَلَ شَيْئًا مِنْهَا، لَكانَ حَادِثًا مِثْلَهَا، وَذلِكَ مُحَالٌ لِما عَرَفْتَ قَبْلُ مِنْ وُجُوبِ قِدَمِهِ تَعَالَى وَبَقَائِهِ.
وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوب قِيَامِهِ تَعَالَى بِنَفْسِهِ: فَلأَنَّهُ تَعَالَى لَوِ احْتَاجَ إِلَى مَحَلٍ لَكَانَ صفَةً، وَالصِّفَةُ لاَ تَتَّصِفُ بِصِفَاتِ المَعَانِي، وَلاَ المَعْنويَّةِ، وَمَوْلاِنَا جَلَّ وَعَزَّ يَجِب اتِّصَافُهُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِصِفَةٍ؛ وَلَو احْتَاجَ إِلَى مُخَصِّصٍ لَكانَ حَادِثًا، كَيْفَ! وَقَدْ قامَ الْبُرْهَانُ عَلَى وُجُوبِ قِدَمِهِ تَعَالَى وَبقَائِهِ.
وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدًا لَزِمَ أَنْ لاَ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ لِلَزَومِ عَجْزِهِ حِينَئِذٍ.
وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ اتِّصَافِهِ تَعالَى بِالْقُدْرَةِ وَاْلإِرَادَةِ وَالْعِلْم وَالحَيَاةِ: فَلأَنَّهُ لَوِ انْتَفى شَيْءٌ مِنْهَا لَمَا وَجِدَ شَيْءٌ مِنَ الحَوَادِثِ.
وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ السَّمْعِ لَهُ تَعَالَى، وَالْبَصَرِ، وَالْكَلاَمِ: فَالْكِتَابُ، والسُّنة، وَالإِجْمَاعُ؛ وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يتَّصِفَ بِهَا لَزِمَ أَنْ يَتَّصِفَ بِأَضْدَادِهَا، وَهِيَ نَقَائِصُ، وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
وَأَمَّا بُرْهَانُ كَوْنِ فِعْل المُمْكِنَاتِ، أَوْ تَرْكِهَا جَائِزًا فِي حَقِّهِ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالَى شَيْءٌ مِنْهَا عَقْلاً، أَوِ اسْتَحالَ عَقْلاَ لاَ نْقَلَبَ المَمْكِنُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحِيلاً، وّذلِكَ لاَ يُعْقَلُ.
وَأَمَّا الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ وَالسَّلاَمُ: فَيَجِبُ فِي حَقِّهِمُ: الصُّدْقُ، وَاْلأَمَانَةُ، وَتَبْلِيغُ مَا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ.
وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَليْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَضْدَادُ هذه الصِّفَاتِ، وَهِيَ: الْكَذِبُ، وَالْخِيَانَةُ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا نُهُوا نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ كَرَاهَةٍ، أَوْ كِتمْانُ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ.
وَيَجُوزُ فِي حَقَّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَا هُوَ مِنَ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ، التَّي لاَ تُؤَدِّي إِلَى نَقْصٍ فِي مَرَاتِبِهِمِ الْعَلِيَّةِ؛ كالْمَرَضِ، وَنَحْوِهِ.
أَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ صِدْقِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: فَلأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَصْدُقُوا، لَلَزِمَ الَكَذِبُ فِي خَيَرِهِ تَعَالَى؛ لِتَصْدِيقِهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالْمُعْجزَةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "صَدَقَ عَبِدْي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي".
وَأمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ اْلأَمَانَةِ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وّالسَّلاَمُ: فَلأَنَّهُمْ لَوْ خَانُوا بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ، أَوْ مَكْرُوهٍ، لاَ نْقَلَبَ المُحَرَّمُ، أَوِ المَكْروهُ طَاعَةً فِي حَقِّهِمْ، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالاِقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي أَقْوالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَلاَ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى بِفِعْلِ مُحَرَّمِ وَلاَ مَكْرُوه.
وَهذَا بِعَيْنِهِ هُوَ بُرْهَانُ وُجُوبِ الثَّالِثِ.
وَأَمَّا دَلِيلُ جَوَازِ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهِمْ: فَمْشَاهَدَةُ وُقُوعِهَاَ بِهِمْ؛ إِمَّا لِتَعْظِيمِ أُجُورِهِمْ، أَوْ لِلتَّشْرِيعِ، أَوْ لِلتَّسَلِّي عَنِ الدُّنْيَا، أَوْ لِلتَّنْبِيهِ لِخِسَّةِ قَدْرِهَا عِنْدَ الله تَعَالَى، وَعَدَمِ رِضَاهُ بِهَا دَارً جَزَاءٍ لأَنْبِيَائِهِ وَأَوْليَائِهِ بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِهِمْ فِيهَا عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
وَيَجْمَعُ مَعَانِيَ هذِهِ العَقَائِدِ كُلهَا قَوْلُ: "لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ".
إِذ مَعْنَى اْلأُلُوهِيَّةِ: اسْتِغْنَاءُ اْلإِلهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَافْتِقَارُ كُلِّ مَا عَدَاهُ إِلَيْهِ.
فَمَعْنى لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ: لاَ مُسْتَغْنَي عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَمُفْتَقِرًا إِلَيْهِ كُلُّ مَا عَدَاهُ إِلاَّ اللهُ تَعَالَى.
أَمَّا اسْتِغْنَاؤُهُ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَهُوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْوُجُودَ، وَالْقِدَمَ، وَالْبَقَاءَ، وَالمُخَالَفَةَ لِلْحَوَادِثِ، وَالْقِيَامَ بِالنَّفْسِ، وَالتَّنَزُّهَ عَن النَّقَائِصِ.
وَيَدْخُلُ فِي ذلِكَ وُجُوبُ السَّمْعِ لَهُ تَعَالَى، وَالْبَصَرِ، وَالْكَلاَمِ؛ إِذْ لَوْ لَمْ تَجِبْ لَهُ هذِهِ الصِّفَاتُ لكَانَ مُحُتَاجًا إِلَى المُحْدِثِ، أَوِ المَحَلِّ، أَوْ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ النَّقَائِصَ.
وَيُؤُخذُ مِنْهُ: تَنَزُّهُهُ تَعَالَى عَنِ اْلأَغْرَاضِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْكامِهِ، وَإِلاَّ لَزِمَ افْتِقَارُهُ إِلَى مَا يُحَصِّلُ غَرَضَهُ، كَيْفَ! وَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
وَيُؤُخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَالَى فعْلُ شَيْءٍ مَنْ المُمْكنَاتِ عقلا وَلاَ تَرْكُهُ؛ إِذْ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالَى شَيْءٌ مِنْهَا عَقْلاً كالثَّوَابِ مَثَلاً، لَكانَ جَلَّ وَعَزَّ مُفْتِقَرًا إِلَى ذلِكَ الشَّيْءِ لِيَتَكَمَّلَ بِهِ غَرَضُهُ، إِذْ لاَ يَجِبُ فِي حَقِّهَ تَعَالَى إلاَّ مَا هُوَ كَمَالٌ لَهُ، كَيْفَ وَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ الْغَنِيُّ كُلَّ مَا سِوَاهُ.
وَأَمَّا افْتِقَارُ كُلِّ مَا عَدَاهُ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَزَّ؛ فَهُوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالَى الحَيَاةَ، وَعُمُومَ الْقُدْرَةِ، وَاْلإِرَادَةِ، وَالْعِلْمِ؛ إِذْ لَو انِتَفى شَيْءٌ مِنْهَا، لَمَا أَمْكَنَ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الحَوَادِثِ، فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، كَيْفَ! وَهُوَ الذَّي يَفتْقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ.
وَيُوجِبُ لَهُ تَعَالَى أَيْضًا: الْوَحْدَانِيةَ، إِذْ لَوْ كانَ مَعَهُ ثَانٍ فِي اْلأُلُوهِيَّةِ، لما افْتقَرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ لِلُزُومِ عَجْزِهِمَا حِينَئِذٍ، كًيْفَ! وَهُوَ الذَّي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كَلُّ مَا سِوَاهُ.
وَيُؤْخّذُ منْهُ أَيْضًا: حُدُوثُ الْعَالَمِ بِأَسْرهِ، إِذْ كانَ شَيْءٌ مِنْهُ قَديمًا لَكَانَ ذلِكَ الشَّيْءُ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ تَعَالَى، كَيْفَ! وَهُوَ الذَّيِ يَجِبُ أَنْ يَفتْقِرُ إِلِيْهِ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
وَيُؤُخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِشَيْءِ مِنَ الْكَائِنَاتِ فِي أَثَر مَّا، وَإلّا لَزِمَ أَنْ يَسْتَغْنَي ذلِكَ اْلأَثَرُ عَنْ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ، كَيْفَ! وَهُوَ الذَّي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ عُمُومًا.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، هذَا إِنْ قَدَّرْتَ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْكائِنَاتِ يُؤَثّرُ بِطَبْعِهِ، وَأَمَّا إِنْ قَدَّرْتَهُ مُؤَثِّرًا بِقَوَّةٍ جَعَلَهَا اللهُ فِيهِ كم يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَلَةِ فَذلِكَ محَالٌ أَيْضًا، لأَنَّهُ يَصِيرُ حيِنَئِذٍ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ مُفْتَقِرًا فِي إِيجَادِ بَعْضِ اْلأَفْعَالِ إِلَى وَاسِطَةٍ، وَذلِكَ بَاطِلٌ لِمَا عَرَفْتَ مِنْ وُجُوبِ اسْتِغْنَائِهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
فَقَدْ بَانَ لَكَ تَضَمُّنُ قَوْلِ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ لِلأَقْسَامِ الثَّلاَثَةِ التَّيِ يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهَا فِي حَقِّ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ، وَهِيَ: مَا يًجِبُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، وَمَا يَسْتَحِيلُ، وَمَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ": فَيَدْخُلُ اْلإِيمَانُ بِاْلأَنْبِيَاءِ، وَالمَلاَئِكَةِ، وَالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، وَاْليَوْمِ الآخِرِ؛ لأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ جَاءَ بِتَصْدِيقِ جَمِيعِ ذلِكَ كُلِّهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: وُجُوبُ صِدْقِ الرّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
وَاسْتِحَالَةُ الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُونُوا رُسُلاَ أْمَنَاءَ لِمَوْلاَنَا الْعَالِمِ بِالخَفِيَّاتِ جَلَّ وَعَزَّ.
وَاسْتِحَالَةُ فِعْلِ المَنْهِيَّاتِ كلِّهَا لأَنَّهُمْ أُرْسِلُوا لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ بِأَقْوَالِهِمْ، وَأفْعَالِهِمْ وَسُكُوتِهِمْ، فَيَلْزَمُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي جَمِيعِهَا مُخَالَفَةٌ لأَمْرِ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ الذَّي اخْتَارَهُمْ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ وَأَمِنَهُمْ عَلَى سِرِّ وَحِيْهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: جَوَازُ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيةِ عَلَيْهِمْ، إِذْ ذَاكَ لاَ يَقْدَحُ فِي رِسَالَتهمْ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى بَلْ ذَاكَ مِمَّا يَزِيدُ فِيهَا.
فَقْد بَانَ لَكَ تَضَمُّنُ كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهَا لِجَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ مِنْ عَقَائِدِ اْلإِيمَانِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَفِي حَقِّ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
وَ لَعَلَّهَا لاِخْتِصَارِهَا مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا ذكَرْنَاهُ جَعَلَهَا الشَّرْعُ تَرْجمَةً عَلَى مَا فِي الْقلْبِ مِنَ اْلإِسْلامِ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ اْلإِيمَان إِلاَّ بِهَا.
فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِهَا، مُسْتَحْضِرًا لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَقَائِدِ اْلإِيمَانِ، حَتَّى تَمْتَزِجَ مَعَ مَعْنَاهَا بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ؛ فَإِنَّهُ يَرَى لَهَا مَنِ اْلأَسْرَارِ وَالْعَجَائِبِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مَالاَ يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ؛ وَباللهِ التَّوْفِيقُ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، وَلاَ معْبُودَ سِوَاهُ.
نَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجعَلَنَا وَأحِبَّتَنَا عِنْدَ المَوْتِ، نَاطِقِينَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَة، عَالِمِينَ بِهَا.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدنَا مُحَمَّدِ،كُلَّمَا ذَكًرًهً الذَّاكرُونَ، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ.
وَرَضِىَ اللهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِين لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ.
وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينِ.

حماد محمد الشنقيطي
15-12-2011, 04:09
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِ، وَ الشُّكْرُ لَهُ، وَ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ عَلَى خَيْرِ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ؛ هَذِهِ نُقَايَةٌ مِنْ عِدَّةِ عُلُومٍ يَحْتَاجُ الطَّالِبُ إِلَيْهَا، وَ يَتَوَقَّفُ كُلُّ عِلْمٍ دِينِيٍّ عَلَيْهَا؛ وَ اللهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهَا؛ وَ يُوصِلَ أَسْبَابَ الْخَيْرِ بِسَبَبِهَا.
أُصُولُ الدِّينِ:
عِلْمٌ يُبْحَثُ فِيهِ عَمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ.
الْعَالَمُ: حَادِثٌ؛ وَ صَانِعُهُ اللهُ؛ الْوَاحِدُ؛ قَدِيمٌ، لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ، وَ لَا انْتِهَاءَ؛ ذَاتُهُ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الذَّوَاتِ؛ وَ صِفَاتُهُ -الْحَيَاةُ، وَ الْإِرَادَةُ، وَ الْعِلْمُ، وَ الْقُدْرَةُ، وَ السَّمْعُ، وَ الْبَصَرُ، وَ الْكَلَامُ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ، الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْقُرْآَنِ، الْمَكْتُوبِ فِي الْمَصَاحِفِ، الْمَحْفُوظِ فِي الصُّدُورِ، الْمَقْرُوءِ بِالْأَلْسِنَةِ- قَدِيمَةٌ.
مُنَزَّهٌ تَعَالَى عَنْ: الْجِسْمِ، وَ اللَّوْنِ، وَ الطَّعْمِ، وَ الْعَرَضِ، وَ الْحُلُولِ، وَ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ مِنَ الْمُشْكِلِ نُؤْمِنُ بِظَاهِرِهِ، وَ نُنَزِّهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ؛ ثُمَّ نُفَوِّضُ مَعْنَاهُ إِلَيْهِ تَعَالَى؛ أَوْ نُؤَوِّلُ.
وَ الْقَدَرُ -خَيْرُهُ وَ شَرُّهُ- مِنْهُ، مَا شَاءَهُ كَانَ، وَ مَا لَا، فَلَا؛ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، بَلْ غَيْرَهُ -إِنْ شَاءَ-؛ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
أَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، وَ خَتَمَ بِهِمْ مُحَمَّداً r.
وَ الْمُعْجِزَةُ: أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، عَلَى وِفْقِ التَّحَدِّي؛ وَ يَكُونُ كَرَامَةً لِلْوَلِيِّ –إِلَّا نَحْوَ وَلَدٍ دُونَ وَالِدٍ-.
وَ نَعْتَقِدُ أَنَّ: عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ؛ وَ سُؤَالَ الْمَلَكَيْنِ حَقٌّ؛ وَ الْحَشْرَ وَ الْمَعَادَ حَقٌّ؛ وَ الْحَوْضَ حَقٌّ؛ وَ الصِّرَاطَ حَقٌّ؛ وَ الْمِيزَانَ حَقٌّ؛ وَ الشَّفَاعَةَ حَقٌّ؛ وَ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ تَعَالَى حَقٌّ؛ وَ الْمِعْرَاجَ بِجَسَدِ الْمُصْطَفَى حَقٌّ؛ وَ نُزُولَ عِيسَى قُرْبَ السَّاعَةِ، وَ قَتْلَهُ الدَّجَّالَ حَقٌّ؛ وَ رَفْعَ الْقُرْآَنِ حَقٌّ.
وَ أَنَّ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ مَخْلُوقَتَانِ الْيَوْمَ؛ وَ أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ؛ وَ نَقِفُ عَنِ النَّارِ؛ وَ أَنَّ الرُّوحَ بَاقِيَّةٌ؛ وَ أَنَّ الْمَوْتَ بِالْأَجَلِ.
وَ أَنَّ الْفِسْقَ لَا يُزِيلُ الْإِيمَانَ، وَ لَا الْبِدْعَةَ؛ إِلَّا التَّجْسِيمُ، وَ إِنْكَارُ عِلْمِ اللهِ الْجُزْئِيَّاتِ؛ وَ لَا نَقْطَعُ بِعَذَابِ مَنْ لَمْ يَتُبْ، وَ لَا يُخَلَّدُ.
وَ أَنَّ أَفْضَلَ الْخَلْقَ: حَبِيبُ اللهِ الْمُصْطَفَى، فَخَلِيلُهُ إِبْرَاهِيمُ، فَمُوسَى، وَ عِيسَى، وَ نُوحٌ، وَ هُمْ أُولُو الْعَزْمِ؛ فَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ.
فَالْمَلَائِكَةُ، وَ أَفْضَلُهُمْ جِبْرِيلُ.
فَأَبُو بَكْرٍ، فَعُمَرَ، فَعُثْمَانَ، فَعَلِيٌّ، فَبَاقِي الْعَشَرَةِ، فَأَهْلُ بَدْرٍ، فَالْبَيْعَةُ، فَالْحُدَيْبِيَةُ، فَسَائِرُ الصَّحَابَةِ، فَبَاقِي الْأُمَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَوْصَافِهِمْ.
وَ أَنَّ أَفْضَلَ النِّسَاءِ: مَرْيَمُ، وَ فَاطِمَةُ، وَ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ: خَدِيجَةُ، وَ عَائِشَةُ.
وَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ، وَ أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ، وَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ، وَ مَالِكاً، وَ أَبَا حَنِيفَةَ، وَ أَحْمَدَ، وَ سَائِرَ الْأَئِمَّةِ عَلَى هُدىً.
وَ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا الْحَسَنَ الْأَشْعَرِيَّ إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ مُقَدَّمٌ؛ وَ أَنَّ طَرِيقَ الْجُنَيْدِ، وَ صَحْبِهِ طَرِيقٌ مُقَوَّمٌ.

حماد محمد الشنقيطي
15-12-2011, 06:19
بسم الله الرحمن الرحيم
و صلى الله على نبيه الكريم
1 عَقِيدَةُ الْأَسْلَافَ، حَسْبُ الْمُتَّبِعْ لَمْ يَأْتِ أَهْدَى الْيَوْمَ مِنْهَا مُبْتَدِعْ
2 مِمَّا مَضَتْ لَهُ قُرُونٌ أَكْثَرُ مِنْ عَشْرَةٍ، بَيْنَ الْهُدَاةِ يُؤْثَرُ
3 يُسْتَبْعَدُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِالْخَطَا، بِلْ بَدَلٌ مِنْهُ يَكُونُ غَلَطَا
4 [وَ الْأَشْعَرِيُّ الْحُجَّةُ الْمُعَظَّمُ، إِمَامُنَا فِي السُّنَّةِ الْمُقَدَّمُ]
5 كَمَا السُّيُوطِيُّ قَالَهُ فِي كَوْكَبِهْ لَا يَنْبَغِي عُدُولُنَا عَنْ مَذْهَبِهْ
6 إِلَى ابْنُ تَيْمِيَةَ، أَوْ مَنْ شَابَهَا؛ مِمَّنْ يَرَى اتِّبَاعَ مَا تَشَابَهَا
7 حَسْواً مِنَ الْجِهَةِ، وَ التَّجْسِيمِ، عِنْدَ ارْتِغَا مَا نُصَّ فِي الْقَدِيمِ
8 مَعْنَى "اتِّبَاعَ المُشْتَبَهِ"، انْظُرِ أَوْجُهَهُ فِي الْقُرْطُبِيِّ الُمْفُسِّرِ
9 وَ انْظُرْ لِقِصَّةِ صُبَيْغٍ وَ عُمَرْ، وَ مَا فِي الْاسْتِوَاءِ مَالِكٌ ذَكَرْ
القرطبي ج 4، ص 11.
10 وَ لَا يُحَدِّثُ بِالَّذِي تَنْبُو الْفُهُومْ عَنْهُ1، وَ جَنِّبْ مَا تَشَابَهَ الْعُمُومْ2
1. ففي الخبر: "حدثوا الناس بما يعرفون"، أي يفهمونه؛ "أتحبون أن يكذب الله و رسوله".
2. قال في طلعة الأنوار، في آداب المحدث:
و جنب العموم ما تشابها * غرائب الحديث، بعض عابها
11 فَضْلاً عَنْ أَنْ يَجْعَلَهُ عَقِيدَةْ، تَقْضِي عَلَى الْعَقَائِدِ السَّدِيدَةْ
12 فِي فِتْنَةٍ يُوقِعُ مَنْ يَقُولُ، مَا لَمْ يَكُنْ تَبْلُغُهُ الْعُقُولُ
أخرج مسلم ج 1، ص 9: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة".
13 فَالْمُتَشَابِهُ أَتَى بِهِ فِي الشَّرْعِ مُفَرَّقاً، وَ لَمْ يَرِدْ بِالْجَمْعِ
14 وَ مَعْهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بَدَتْ، قَرِينَةٌ، إِلَى الْمُرَادِ أَرْشَدَتْ
15 فَقَدْ أَضَلَّ جَامِعٌ لَهُ جَمَعْ، ضَلَالاً -إِذْ ذَاكَ- مُبِيناً، وَ ابْتَدَعْ
16 ذَكَرَ ذَا فِي "الطَّبَقَاتِ" السُّبْكِي؛ فَانْظُرْ كَلَامَهُ الْبَدِيعَ السَّبْكِ
و ها أنا ذا أذكر ما أشار إليه الناظم، ناقلاً من طبقات الشافعية الكبرى -مختصراً-، للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي رحمه الله تعالى، و رحمه والده الإمام تقي الدين، و ملأ قبورهما نوراً، و حبوراً.
طبقات السبكي، (طبعة الحلو: ج:6، ص:143)؛ في ترجمة محمد بن عبد الملك الكَرَجِي؛ حيث قال في (ص:142): [ثم قال ابن السمعاني: "و له قصيدة بائية في السنة، شرح فيها اعتقاده، و اعتقاد السلف؛ تزيد على مائتي بيت، قرأتها عليه في داره بالكرج".
قلت: ثبتَ لنا بهذا الكلام، إن ثبتَ، أن ابن السمعاني قاله، أن لهذا الرجل قصيدةً في الاعتقاد، على مذهب السلف، موافقة للسنة، و ابن السمعاني كان أشعري العقيدة؛ فلا نعترف بأن القصيدة على السنة، و اعتقاد السلف، إلا إذا وافقت ما نعتقد أنه كذلك، و هو رأي الأشعري.
إذا عرفت هذا، فاعلم أناوقفنا على قصيدة تعزى إلى هذا الشيخ، و تلقب بـ "عروس القصائد في شموس العقائد"، نال فيا من أهل السنة، و باح بالتجسيم، فلا حيا الله معتقدها، و لا حيى قائلها كائنا من كانَ، و تكلم فيها في الأشعري أقبح كلام، و افترى عليه أي افتراء]؛ ثم حكى نقل الذهبي له بعض هذه القصيدة.
ثم قال: [و كان يتمنى فيما أعرفه منه أن يحكي الأبيات الأخر، ذات الطامات الكبر، التي سأذكرها لك، و لكن يخشى صولة الشافعية، و سيف السنة المحمدية.
و أقول أولاً: إني ارتبت في أمر هذه القصيدة، و صحة نسبتها إلى هذا الرجل، و غلب على ظني أنها مكذوبة عليه، كلها، أو بعضها، و الذي يرجح أنها مكذوبة عليه كلها، أن ابن الصلاح ترجم هذا الرجل، و حكى كلام ابن السمعاني، إلا فيما يتعلق بهذه القصيدة، فلم يذكره، فيجوز أن يكون ذلك قد دُسَّ في كتاب ابن السمعاني، ليصحح به نسبة القصيدة إلى الكرجي، و قد جرى كثير مثل ذلك.
و يؤيد هذا أيضا: أن ابن السمعاني ساق كثيرا من شعره، و لم يذكر من هذه القصيدة بيتاً واحداً، و لو كان قد قرأها عليه، لكان يوشك أن يذكر و لو بعضها.
و يحتمل أن يكون له بعضها، و لكن زيدت الأبيات المقضتية للتجسيم، و للكلام في الأشاعرة.
و يؤيد ذلك: أن القصيدة المشار إليها تزيد على المائتين و أربعين، و ابن السمعاني قال: "تزيد على المائتين"؛ و ظاهر هذه العبارة أنها تزيد بدون عقد، و أنها لو كانت مائتين و أزيد من أربعين، لقال: "تزيد على المائتين و أربعين".
و يؤيده أيضا: أن ابياتها غير متناسبة، فإن بعضها شعر مقبول، و أظنه شعره، و بعضها، و هو المشتمل على القبائح، في غاية الردائة، لا يرضى به من يُحسن الشعر....]؛ ثم حكى بعضها.
إلى أن قال: [و هذا أسهل ما فيها، و ليس فيها ما ينكر معناه إلا قوله: "بذاته"، و هي عبارة سبقه إليها ابن أبي زيد المالكي في "الرسالة"..].
ثم قال: [.... ثم ساق أبياتاً في اليدين، و الكيف، و الصوت، و الضحك، و وضع القدم، و الأصابع، و الصورة، و الغيرة، و الحياء، و أنحاء ذلك.
و ليس فيه كبير أمر، إلا أن جمعَها دليلٌ منه على محاولة التجسيم، فإنها لم ترد في الشريعة مجموعةً، بل مفرَّقةً، و في كل مكان قرينةٌ ترشِد إلى المراد، فإذا جمعها جامعٌ أضلّ ضلالاً مبيناً....].
17 وَ لْتَصْرِفَنَّ عَنْ "مُوهِمِ الْمُحَالِ"، مَا مِنْ "صِفَاتِ السَّمْعِ"، ذُو إِشْكَالِ
18 فَالظَّاهِرُ الْمُحَالِ، لَمْ يَكُ اخْتَلَفْ، فِي الصَّرْفِ عَنْهُ، سَلَفٌ، وَ لَا خَلَفْ
19 وَ بَعْدَ ذَاكَ الصَّرْفِ تَفْوِيضٌ سَمَا، كَمَا سَمِيُّ الدِّينِ، الْأَسْمَى نَظَمَا
الأخ الدين بن محمد علي اليعقوبي الموسوي.
20 فَقَدْ أَبَانَ ذَاكَ فِيمَا يَاتِي، مُضَمَّناً فِي سِتَّةِ الْأَبْيَاتِ
21 [عَقِيدَةُ السَّلَفِ، يَا نِعْمَ السَّلَفْ: فَرَقْمُ وَاحِدٍ، لَدَى مَنْ قَدْ سَلَفْ
22 وَ بَعْدَهَا عَقِيدَةُ الْأَشَاعِرَةْ، تَكْفِيكَ، إِنْ تَجِئْ بِهَا فِي الْآَخِرَةْ
23 لَكِنَّ مَا أَوْجَبَهُ الْجَلِيلُ لِنَفْسِهِ، إِنْكَارُهُ تَعْطِيلُ
24 وَ لَيْسَ فِي التَّعْطِيلِ خُلْقٌ يَا فَتَى، أَثْبِتْ لِرَبِّكَ الَّذِي قَدْ أَثْبَتَا
25 مِنِ اسْتِوَاءٍ، وُ عُلُوٍّ، وَ يَدَا؛ عَلَى مُرَادِهِ، فَذَا هُوَ الْهُدَى
26 وَ لْتَصْرِفِ الْقَلْبَ عَنِ التَّعْطِيلِ، وَ اصْرِفْهُ عَنْ تَشْبِيهٍ، أَوْ تَأْوِيلِ]
27 نَعَمْ، وَ أَيْضاً قَدْ رَأَى تَأْوِيلَهْ بِاللَّائِقِ الْبَعْضُ؛ وَ فِي الْوَسِيلَةْ
28 [وَ كُلُّ تَأْوِيلٍ بِمَعْنىً قَدْ صَدَقْ، فَاقْبَلْ؛ فَمَا دَلَ عَلَى الْحَقِّ، فَحَقْ]
29 بَلْ بَعْضُهُمْ –بِلَا خِلَافٍ- أَوْجَبَهْ، إِذَا تَعَيَّنَ دِفَاعاً لِلشُّبَهْ
انظر روح المعاني؛ ج 16، ص 156.
30 وَ عَمَّتِ الْبَلْوَى بِذَا، إِذْ قَلَّ مَنْ تَعَقَّلَ التَّفْوِيضَ، مِنْ بَنِي الزَّمَنْ
31 فَلَيْسَ مِنْ أَوَّلَ بِالْمَلُومِ، خَوْفاً عَلَى عَقَائِدِ الْعُمُومِ
32 لَكِنْ لَدَى التَّأْوِيلِ لَيْسَ يَجْزِمُ إِلَّا لِقَاطِعٍ؛ فَذَاكَ أَحْزَمُ
33 هَذَا، وَ قَدْ وَفَى بِذَا الْمُرَامِ قَوْلُ السّيُوطِيِّ، الْحَافِظِ، الْإِمَامِ
34 [وَ مَا أَتَى بِهِ الْهَدْيُ وَ السُّنَنُ، مِنَ الصِّفَاتِ، الْمُشْكِلَاتِ، نُؤْمِنُ
35 بِهَا، كَمَا جَاءَتْ، مُنَزِّهِينَا، مُفَوِّضِينَ، أَوْ مُأَوِّلِينَا
36 وَ الْجَهْلُ بِالتَّفْصِيلِ، لَيْسَ يَقْدَحُ؛ بِالْاِتِّفَاقِ؛ وَ السُّكُوتُ أَصْلَحُ]
37 يَا أَيُّهَا الْمُنْصِفُ، ذَا النَّهْجُ الْأَسَدْ عِنْدِي، وَ أَبْوَابُ الْجِدَالِ لَا تُسَدْ
38 فَاقْبَلْهُ، عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ جُذَيْلَهْ؛ لَكِنْ تَطَفُّلٌ عَلَى سُخَيْلَةْ

أشرف سهيل
15-12-2011, 07:09
عقيدة الإمام الفقيه المحدث ابن الملقن الشافعي

قال رحمه الله تعالى في أول كتابه التذكرة في الفقه :

( كتاب التوحيد )

[ الإلهيات ]

وأول الواجبات معرفة الرب جل جلاله

واعتقاد وجوب وجوده

وفردانيته

وقدمه

وعدم شبهه ومثله

وأنه لم يزل بأسمائه وصفات ذاته ، وعلمه بالأمر كليه وجزئيه


[ النبوات ]

وأنه تعالى أرسل رسله مبشرين ومنذرين لتنقطع الحجة ، وتتضح المحجة


[ السمعيات ]

والإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره

وبالغيب ، وهو كل ما غاب عنا وأخبر به الصادق من أحوال البرزخ والحشر والجزاء والعقاب والجنة والنار


[ الإيمان والكفر ]

ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا يخلد


[ ما شجر بين الصحابة ]

ونمسك عما شجر بين الصحابة، ونؤول ما صح عنهم بإحسان ، بوأنا وإياهم الجنان اهـ

حماد محمد الشنقيطي
21-12-2011, 13:49
دقائق الحقائق الإيمانية: للحافظ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي (-806هـ):
مخطوط من جامعة الملك سعود، تحت رقم (3324/ مجموع به 8 رسائل).
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، ذي الفضل الرشيد، و العرش المجيد، و الوعد و الوعيد.
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد، و آله، و صحبه، أولي الفصاحة و البلاغة، و التجويد.
أما بعد، فهذه الرسالة في أصول الدين، لا بد لكل مكلف من معرفتها، أو معرفة مثلها.
فاعلم، أن أول الدين معرفة الله تعالى، لأن من لم يكن له معرفة الله تعالى، استحال منه التوحيد، و الإيمان، و الإسلام، و غيرهما من أنواع الخيرات.
فإن قيل: ما معنى الدين؟
فقل: له معنيان:
أحدهما: الطاعة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾[آل عمران:19]، أي الطاعة المقبولة، المرضية عند الله الإسلام.
الثاني: الجزاء، لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[الفاتحة:4]؛ أي يوم الجزاء، و قول العرب: "كما تدين تدان"، كما تطيع تجازى.
فإن قيل: ما الدين الواجب شرعاً؟
فقل: الدين لله.
فإن قيل: ما صفة الدين؟
فقل: اجتماع أربعة معانٍ؛ و هي: "المعرفة"، و "التوحيد"، و "الإيمان"، و "الإسلام".
فإن قيل: ما معنى "المعرفة"؟
فقل: العلم بوحدانية الله تعالى، و صفاته.
فإن قيل: ما معنى "العلم"؟
فقل: "اعتقاد معلوم"، مع "الجزم"، و "الثبات"، و "المطابقة"؛ لا مع الشك، و الظن، و الوهم.
لأنه إن لم يكن جازماً، و استوى طرفاه، فهو "الشك"؛ فإن لم يستويا، فالراجح هو "الظن"، و المرجوح هو "الوهم"؛ و إن لم يكن ثابتاً، فهو "التقليد".
و "التقليد": متابعة الغير في قول، أو فعل بلا دليل.
و معنى "الدليل" في اللغة: الشيء المرشد إلى المطلوب؛ و في الاصطلاح: كتاب، و سنة، و إجماع، و قياس.
و إن لم يكن مطلقاً، فهو "الجهل".
و "الجهل": تصوير الشيء على خلاف ما هو فيه.
فإن قيل: ما المعرفة الواجبة في الشرع؟
فقل: معرفة الله تعالى، و رسله، و صدقهم.
فإن قيل: ما صفة المعرفة؟
فقل: العلم بكونه تعالى إلهاً، موجوداً، لا بداية لوجوده، و لا نهاية له، موصوفاً بصفات الكمال، منزه عن النقص، و الزوال.
فإن قيل: ما معنى التوحيد؟
فقل: العلم بوحدة ذات الشيء.
فإن قيل: ما التوحيد الواجب شرعاً؟
فقل: توحيد ذات الله تعالى، و صفاته، و أفعاله.
فإن قيل: ما صفة التوحيد؟
فقل: الإقرار، و التصديق بوحدانية ذات الله تعالى، و بالألوهية بلا شريك، و لا ضد، و لا ند، و لا شبيه، و لا كفؤ.
فإن قيل: ما الإيمان الواجب شرعاً؟
فقل: إيمان بالله تعالى، و بما قال الله؛ و بالرسول، و بما قال الرسول.
فإن قيل: ما صفة الإيمان؟
فقل: إيمان بالله، و ملائكته، و كتبه، و رسله، و اليوم الآخر، و القدر خيره و شره من الله تعالى.
فإن قيل لك: كيف تؤمن بالله؟
فقل: آمنت بالله تعالى، إلهٌ، حقٌّ، ثابتٌ، موجودٌ، قديمٌ، باقٍ، صمدٌ، فردٌ، حيٌّ، عالمٌ، قادرٌ، مريدٌ، سميعٌ، بصيرٌ، متكلمٌ؛ مكوِّنٌ أي: خالقٌ، رازق، موجدٌ، صانع، محيي، مميتٌ، مبدئٌ، معيدٌ، هادٍ، مضلٌّ، ......، معذبٌ، مقدر، قدير، آمر، ناه، حاكم، مجاز، لطيف، قاهر.
و له صفات قديمة بذاته أزليا، أبديا بلا انفصال، و لا تغير، و هي لا هو و لا غيره، و كذا كل صفة مع صفة أخرى كالحياة مع العلم، و العلم مع القدرة، و هي الحياة، و العلم، و القدرة، و الإرادة، و السمع، و البصر، و الكلام.
و التكوين: أي أعني التخليق، و الترزيق، و الإيجاد، و الصنع، و الإحياء، و الإماتة، و الإبداء، و الإعادة، و الهداية، و الضلالة، و التقدير، و التدبير، و الأمر، و النهي، و الحكم، و المجارات، و النعيم، و المعاقبة، و اللطف، و القهر؛ و هو الله موصوف بهذه الصفات الكريمة، العظيمة، التي عرف بها المؤمن.
مسلوبٌ عن ضد هذه الصفات، بأن يسلب الكمال نقصان المعنى، و سلبه النقصان كمال المعنى، و الله تعالى موصوفٌ بصفات الكمال، منزه عن النقص و الزوال.
فمن نفى ما أثبت لله، فقد أثبت ما هو منفي عنه، و من أثبت ما نفى الله تعالى فقد نفى ما هو ثابت لله تعالى، و من نفى ما أثبت، أو أثبت ما نفى له تعالى، فهو كافرٌ نعوذ بالله من الكفر.
فإن قيل لك: و كيف تؤمن بالملائكة؟
فقل: آمنت بأن الملائكة عباد الله تعالى، يسمون ملائكة، مطهرون من المعاصي، مقربون إلى الله تعالى، مطيعون ما أمرهم الله به، لا يعصونه أبداً، و هم أجسام لطيفة مقدسة، خلقوا من نورٍ، لا يأكلون، و لا يشربون، و لا ينامون، ليسوا بذكورة، و لا بأنوثة، و ليس لهم شهوة، و لا نفس، و لا أب، و لا أم.
و أنهم على صورة متنوعة، و على أمور مختلفة، منهم يقومون، و منهم يركعون، و منهم يقعدون، و منهم يسجدون، و منهم يسبحون، و يهللون، و يحمدون، و يكبرون، و يستغفرون، و منهم يكتبون، و منهم يحفظون، و غير ذلك أراد الله بهم.
و الإيمان بهم واجبٌ، و إن لم يعلم أسماؤهم، و أعدادهم، و أصنافهم، و حب الملائكة شرط الإيمان، و بغضهم كفر، نعوذ بالله منه.
فإن قيل لك: و كيف نؤمن بالكتاب؟
فقل: آمنت بأن الكتاب كلام الله، أنزلها على بعض أنبيائه، و هي منزلة، غير مخلوقة؛ قديمة، غير محدثة.
فإن قيل لك: كيف المُنَزَّلة غير مخلوقة، قديمة؛ لأنها من أمارات الحدوث؟
فقل: المنزلة هنا بمعنى المقروء؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً﴾[يوسف:2]، أي قرآناه؛ و كذلك أيضاً جعل في تأويل وصف، و قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾[الزخرف:3]، أي وصفناه، لأن الكتاب كلام الله تعالى، و كلامه صفته، و الصفات قائمة بالذات، و ذات الله تعالى قديمة، و كذا صفاته قطعاً بلا خلاف.
و فيها أمره، و نهيه، و حكمه، و وعده، و وعيده، و تبيين الحلال، و الحرام، و الطاعة، و المعصية، و أخبار الجزاء كالثواب، و العقاب.
و الكتاب كلام الله تعالى مقروء بألسنتنا، مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في قلوبنا؛ و هو مغاير لهذه الحروف، و الألفاظ، و الكتابة؛ و تسمى هذه الحروف، و الألفاظ، و الكتابة كلام الله تعالى مجازاً، لكونها دالة على كلام الله الحقيقي؛ كقول الشاعر:
إن الكلام لفي الفؤاد، و إنما جعل الفؤاد على اللسان دليلا
و هو مائة و أربعة كتب.
أنزل الله تعالى منها على آدم عشرة كتب، و خمسين كتاباً على شيث، و ثلاثين كتاباً على إدريس، و عشرة كتب على إبراهيم، و كتاباً واحداً على سيدنا موسى قبل التوراة، و بعده أنزل التوراة عليه، و واحد على عيسى و هو الإنجيل، و واحد على داود و هو الزبور، و واحد على سيدنا محمد  و هو الفرقان.
و كلها منسوخة إلا الفرقان، فإنه لا ينسخ إلى يوم القيامة؛ فمن أنكرها، أو شك فيها، أو .....، أو بعض منها، فقد كفر، نعوذ بالله من الكفر.
فإن قيل لك: و كيف تؤمن بالرسل؟
فقل: آمنت بأن الرسل، و الأنبياء حق، الأول منهم آدم، و آخرهم، و أفضلهم محمد عليهم الصلاة و السلام.
و كلهم كانوا مخبرين، ناصحين، آمرين، ناهين، صادقين، مصدِّقين، مبلغين رسالات الله تعالى إلى الخلق، مبينين لهم الأحكام، و الشرائع، مخبريهم بالغيب كذات الله تعالى، و صفاته، و أفعاله، و القيامة، و البعث، و عذاب القبر، و السؤال، و الحساب، و الميزان، و الصراط، و الحوض، و الشفاعة، و الجنة، و نعيمها، و النار و عذابها حق.
و أن الأنبياء معصومون من الزلل، و الكبائر، و أنهم على دين واحد، و هو دين الإسلام؛ و إن كانوا مختلفين بالشرائع، و هم أفضل الخلق، مكرمون بوحي الله، و نهيه، و نزل الملائكة عليهم، مؤيدون بالمعجزات الباهرات، الناقضات للعادات، كأحياء الموتى، و تكليمهم الجمادات، و النباتات، و الحيوانات، و تسليمها، و غير ذلك مما يعجز الخلق الإتيان به.
و الله فضل بعضهم على بعض، كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:253]؛ فأفضلهم على الإطلاق حبيب الله المصطفى ، فخليله إبراهيم، فموسى، فعيسى، و نوح؛ و هم "أولوا العزم"، أي ذووا الثبات، و الصبر على الشدائد؛ أفضل من غيرهم، فسائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام تفاوت درجاتهم، فالمرسل منهم أفضل من غير المرسل، و صاحب الشريعة أفضل من غير صاحب الشريعة.
فالأنبياء في رواية مائة و ألف و أربعة و عشرون ألف؛ فالمرسلون منهم ثلثمائة و ثلاثة عشر مرسلاً.
و صاحبوا الكتاب ثمانية: آدم، و شيث، و إدريس، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و داود، و محمدا صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين.
و صاحب الشريعة ستة: آدم، و نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمد صلى الله عليهم أجمعين.
و ليس عددهم شرط الإيمان، بل الإيمان بكلهم واجبٌ، و محبتهم شرط الإيمان، و بغضهم من الأول إلى الآخر، أو واحدٌ منهم كفرٌ.
و من أنكر صدق أحدٍ من الأنبياء، أو شك في صدقهم، أو في شيء مما يخبروا به؛ فقد كفر، نعوذ بالله من الكفر.
فإن قيل لك: و كيف تؤمن باليوم الآخر؟
فقل: آمنت بأن اليومَ الآخر حقٌّ، لا ريب فيه؛ يسمى بـ "اليوم الآخر"، كما قال النبي : «إذا مات أحدكم، قامت قيامته»؛ لأنه آخر الدنيا، و يدخل في قولنا "اليوم الآخر": الموت، و السؤال، و عذاب القبر، و نعيم فيها.
و القيامة إلى .... الله العوالم، و أمات أهلها من الإنس، و الجن، و الملائكة، و غيرهم، إلا ما أراد الله البقاء له؛ و هو العرش، و الكرسي، و اللوح، و القلم، و الأرواح، و الجنة، و النار، و أهلها؛ ثم بعد ذلك أعادها.
و أخرج من في القبور، أي بعثهم، و أحياهم، ثم يحشرهم، و يحاسبهم، و يسألهم، و يعطي كتابهم، منهم بيمينه، و منهم بشماله، و منهم وراء ظهره؛ ثم يحكم بينهم بالعدل، و يرون أعمالهم من الخير و الشر، و يجزي كل نفس بما عملت، فمنهم من يدخل الجنة بفضله و رحمته، و منهم من يدخل النار بعدله من المؤمنين، و لا يخلدون فيها، بل يدخل الجنة بعد أن يعذّب على قدر جرمه، لن المؤمنين في الجنة يخلدون أبداً، و الكافرين في النار يخلدون أبداً.
فإن قيل لك: لم سمي ذلك اليوم القيامة؟
فقل: إن الله تعالى يقوّم الخلق فيها فزّعاً من أهوال يوم القيامة العظيمة.
فإن قيل لك: و كيف ذلك؟
فقل: إذا أراد الله قبض أرواح جميع الخلق، أمر أن ينفخ في الصور، فصعق من في السماوات و من في الأرض إلا من شاء الله، يعني جبريل، و ميكائيل، و إسرافيل، و عزرائيل ملك الموت؛ و أن هؤلاء يموتون بعد الخلائق.
«فيقول الله تعالى لملك الموت: من بقي؟ و هو أعلم، فيقول: وجهك الكريم، و بقي جبريل، و ميكائيل، و إسرافيل، و عزرائيل عبدك الضعيف؛ فيقول: يا ملك الموت اقبض روح ميكائيل، فإذا ميكائيل صريع لا روح فيه؛ ثم يقول: من بقي؟ فيقول: وجهك الكريم، و جبريل، و إسرافيل، و عزرائيل عبدك الضعيف؛ فيقول الله : يا ملك الموت اقبض روح جبريل، فيقبضه، فإذا هو صريع لا روح فيه؛ ثم يقول: اقبض روح إسرافيل، فإذا إسرافيل صريع لا روح فيه؛ ثم يقول: من بقي؟ و هو أعلم؛ فيقول: ما بقي إلا وجهك الكريم، و عبدك الضعيف؛ فيقول الله تبارك و تعالى: يا ملك الموت، مت بإذني، فإذا هو صريع لا روح فيه؛ فتبقى السماوات و الأرض خالية من أهلها، و الأرض خالية ليس فيها أحد ينطق و ....؛ فيقول الله : ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾[غافر:16]! فلا يجيبه أحد، ثم ينادي ثانيا، فلا يجيبه أحدٌ، ثم ينادي ثالثاً، فلا يجيبه أحد؛ فيرد الجبار على نفسه : ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾[غافر:16]؛ فيبقى الذي لا شريك له في ملكه».
و إذا أراد الله أن يبعثهم من القبور، فأول ما يحيى منهم إسرافيل، و يأمر بنفخ الصور، فينفخ فيه أولاً، فيبعثهم في قبورهم؛ ثم ينفخ فيه ثانية، فيخرج الأجساد من أجداثهم، ثم ينفخ فيه ثالثاً، فينطلقون إلى المحشر، و الموقف، ثم يقفون هناك مائة عام، ثم يحاسبهم، و يحكم بينهم بالعدل، و إلى غير ذلك، مما هو مذكور في الأحاديث، و كتب التفسير، و الله أعلم.
ستقوم القيامة يوم عاشوراء، بين طلوع الشمس، و ارتفاعها.
و من شك في القيامة، أو قال: لا أخاف القيامة، أو شيئاً من أهوالها، فقد كفر؛ اللهم اهدنا للإيمان، و أعذنا من الكفر و العصيان.
فإن قيل لك: و كيف تؤمن بالقدر؟
فقل: آمنت بالخير و الشر، و الإيمان و الكفر، و الطاعة و المعصية، و الصحة و المرض، و الغنى و الفقر، و الحياة و الموت، و غيرهما؛ مما يجري في العالم، كلها بتقدير الله تعالى، و إرادته، و مشيئته، و حكمه لأنه لا خالق إلا هو، فالخير أي الإيمان و الطاعة بتقدير الله تعالى، و مشيئته و حكمه، و هدايته إلى رضائه و أمره.
و الشر، أي الكفر، و المعصية أيضاً بتقدير الله تعالى، و إرادته، و مشيئته، و حكمه، لكن دون هدايته، و رضائه، و أمره، بل بإضلاله، و سخطه، و نهيه؛ و إن كان بتخليقه.
و إن سئلَ: ما معنى قوله تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء:79]؟
قلنا: معناه لا يضيف الشر و المعصية إلى الله تعالى عند الإنفراد، رعاية للأدب، بل يضاف إليه عند الجملة، كما يقال: يا خالق الخلق، و لا يقال: يا خالق الخنازير، و الحياة، و العقارب؛ و قيل: إن هذه الآية منسوخة بآية أخرى، و هو قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾[النساء:78].
فمن قال بأن الله لا يرضى على الخير، أو لا يسخط بالشر؛ أو قال: بأن الخير، و الشر لله تعالى؛ و أن الخير و الشر من الله تعالى؛ فكلهما بإرادته، و رضائه؛ فقد كفر.
هذه مسئلة مختلفة بيننا و بين القدرية، و الجبرية.
فالقدرية قال: الخير من الله، و الشر من النفس، و الاختيار للعبد فيه.
و نحن نقول: الخير و الشر من الله، و لكن للعبد أفعال اختيارية، و لأجل هذا يثابون بها، و يعاقبون عليها؛ و بيانها في المطولات؛ هدانا الله إلى سبيل الرشاد.......... يتبع ......

حماد محمد الشنقيطي
21-12-2011, 13:50
..... تابع
فإن قيل لك: ما معنى الإسلام؟
فقل: الانقياد لأمر أحد، و التجانب عن نهيه.
فإن قيل: ما الإسلام الواجب شرعاً؟
فقل: الانقياد لأمر الله، و الاجتناب عن نهيه.
فإن قيل لك: ما صفة الإسلام؟
فقل: شهادة أن لا إله إلا الله، و أن محمداً رسول الله؛ و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان، و حج البيت، لمن استطاع إليه سبيلا.
فإن قيل لك: ما معنى الشهادة؟
فقل: الشهادة في اللغة: البينة، و العلم.
و في الشرع: خبر قاطع عن معاينة، و علم بدليل قاطع؛ لأن الشاهد إذا شهد شيئاً، وجب أن يقع علمه عليه، لقوله : «إذا علمت مثل الشمس، فاشهده».
فإن قيل لك: ما معنى الصلاة؟
فقل: الصلاة في اللغة: الدعاء.
و شرعاً: أقوال، و أفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم غالباً.
فإن قيل لك: ما معنى الزكاة؟
فقل: الزكاة في اللغة: النماء، و التطهير.
و في الشرع: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن على وجه مخصوص، يصرف لطائفة مخصوصة؛ و هي ركن من أركان الإسلام.
فإن قيل لك: ما معنى الصوم؟
فقل: في اللغة: الإمساك.
و في الشرع: الإمساك عن مفطر، بنية مخصوصة، على وجه مخصوص.
فإن قيل لك: ما معنى الحج؟
فقل: الحج في اللغة: القصد.
و في الشرع: قصد الكعبة، للأفعال المذكورة في كتب الفقه.
فإن قيل لك: ما معنى الاستطاعة هناك؟
فقل: الاستطاعة أنواع مختلفة فيه؛ في مذهب الشافعي : و جود الزاد، و الراحلة، و أمن الطريق؛ فإن كان له قوة حج بنفسه؛ و إن لم يكن له قوة يعطي المال إلى من يحج عنه.
و مذهب أبي حنيفة : الاستطاعة: وجود الزاد، و الراحلة، و القوة؛ و لا يجوز أن يحج أحد على أحد حي، و إن كان ضعيفاً.
و مذهب مالك : الاستطاعة: القوة فقط.
فهذه الخمسة أركان الإسلام.
فإن قيل لك: الإيمان و الإسلام، هما واحدٌ؟ أم لا؟
فقل: هما واحدٌ من طريق الحكم؛ لأن كل مؤمن مسلم، و كل مسلم مؤمن؛ و لا فرق بينهما إلا في معناه.
لأن معنى الإسلام: الانقياد لأوامر الله و رسوله، و قبوله؛ و هو عام لما في القلب، و اللسان، و الجسد؛ لأن كل ما يفعله أحد بأمر أحد، فهو انقياد، سواء كان مصدقاً به، أو لا.
و معنى الإيمان: تصديق قوله تعالى، و رسوله؛ و هو خاص لما في القلب، و الإقرار شرط للإثبات، ظاهراً، فأوجبه الشرع، حتى لم يحكم بالإيمان بدونه؛ و إن صدق باطناً.
فإن قيل لك: ما محل المعرفة، و محل التوحيد؟
فقل: محل المعرفة الفؤاد، لقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾[النجم:11]؛ و محل التوحيد السر.
فإن قيل لك: محل الإيمان، و الإسلام، واحد؟ أم لا؟
فقل: محل الإيمان القلب، لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾[المجادلة:22]، ﴿[وَ لَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ] وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾[الحجرات:7].
و محل الإسلام: الصدر؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر:22].
فإن قيل لك: ما الفرق بين المعرفة، و التوحيد، و الإسلام، و الإيمان؟
فقل: هذه المعاني واحدة من جهة الحكم؛ لأن كل عارف، لا بد أن يكون موحداً، مؤمناً؛ و إذا انتفى واحدٌ منها انتفى الكل؛ و إذا اجتمعت كلها، صح الكل.
و من جهة المعنى متغايرة معنىً، و كل واحدٍ منهما قد ذكر في اللغة، و شرعاً.
و لم يصح العلم بذات الله، و صفاته إلا بالعلم بوحدة ذات الله، و صفاته، و أفعاله؛ و لم يصح العلم بوحدة ذاته إلا بتصديق قوله؛ و لم يصح تصديق قوله إلا بانقياد أمره، و اجتناب نهيه.
فكان الكل كشخص واحد، له عصا كالرأس، و اليدان، و الرجلان، و غيرها؛ اتخذت كلها لشخصٍ واحدٍ، و اختلفت بصفاتها.
فإن قيل لك: ما معنى جوابك: "مقرونة بالحمد له"، و السؤال عن إسلامك؟
فقل: لإن الإسلام نعمة من أكبر نعماء الله تعالى، فالحمد شكرا عليها، فإن نِعَمَه علينا إذا سمعنا ذكرها، فنحمد الله تعالى شكراً عليها.
فإن قيل لك: متى كنت مسلماً؟
فقل: يوم الميثاق.
فإن قيل لك: ما معنى الميثاق؟
فقل: أخذ العهد من كل أحد، على شيء من أمر، و نهي.
فإن قيل لك: ما يوم الميثاق؟
فقل: هو يوم خلق الله فيه أرواح عباده، و أحضرهم، و سألهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف:172].
و كانوا طائفة واحدة، فلما أمرهم بالسجود له، صاروا طائفتين، طائفة سجدوا تحقيقاً، لقولهم: "بلى"، و طائفة لم يسجدوا جحوداً، لقولهم: "بلى"؛ فلما رفع الساجدون من السجود، صاروا طائفة لم يسجدوا، و علموا أن هذه الطائفة كفروا بالله.
فصارت الطائفة الأولى طائفتين، طائفة سجدوا سجدة ثانية، شكراً على إيمانهم، و نجاتهم من الكفر؛ و طائفة لم يسجدوا ثانية، ارتداداً عن الإيمان، و ندماً من السجدة التي سجدوها.
ثم الطائفة الذين لم يسجدوا أوّلا صاروا طائفتين أيضاً؛ طائفة سجدوا في السجدة الثانية، توبة من الكفر، و ندماً من ترك السجدة الأولى؛ و طائفة لم يسجدوا في الأولى، و لا في الثانية، إصراراً على الكفر.
فهم حينئذٍ أربع طوائف: الأولى: أسلموا حياة، و موتاً؛ و الثانية: أسلموا حياة، و كفراً، و موتاً؛ و الثالثة: كفروا حياة، و أسلموا موتاً؛ و الرابعة: كفروا حياةً، و موتاً.
فإن قيل لك: ما أركان الإيمان؟
فقل: الإقرار باللسان، و التصديق بالقلب.
فإن قيل لك: ما أكمله؟
فقل: الإقرار باللسان، و التصديق بالجنان، و العمل بالأركان، و الاتباع بالبرهان.
فإن قيل لك: ما حكم من ترك هذه الأشياء؟
فقل: من ترك الإقرار، فهو كافر؛ و من ترك التصديق، فهو منافق؛ و من ترك العمل، فهو فاسق -إن كان فرضاً-؛ و من ترك الاتباع، فهو مبتدع، لقوله : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو خداج».
فإن قيل لك: ما معنى الكافر؟
فقل: الكافر في اللغة: الساتر في الشرع، الساتر لنعمة الله تعالى، و لرحمته، و عفوه؛ فذلك حرمت عليه الجنة.
فإن قيل لك: ما معنى المنافق؟
فقل: المنافق في اللغة: الكاذب.
و في الشرع: مظهر الإسلام، و مبطن الكفر؛ و هو أشد عذاباً من الكافر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾[النساء:145].
فإن قيل لك: ما معنى الفاسق؟
فقل: الفاسق، و العاصي واحد؛ و هو تارك الواجب، مع التصديق، و الإقرار بوجوبه؛ أو فاعل الحرام، مع التصديق و الإقرار بحرمته.
فإن قيل لك: ما معنى المبتدع؟
فقل: في اللغة: محدث الأمور.
و مخالف للصحابة اعتقاداً، و أفعالاً في أمور الدينية.
فإن قيل لك: ما حكم الكافر؟
فقل: حكم الكافر، و المنافق واحدٌ؛ و هو الخلود المؤَيَّدْ في النار.
فإن قيل: ما حكم الفاسق؟
فقل: إن لم يكن له شفاعة من ذوي الشفاعة، أو عفو من الله تعالى؛ يعذب بالعدل على قدر ذنبه، فيغفر له، و يدخل الجنة.
فإن قيل لك: ما حكم المبتدع؟
فقل: اختلف العلماء في حكم أهل البدعة.
فقال بعضهم: المبتدعون ليسوا بكافرين؛ و قال بعضهم: جميع المبتدعين كفار؛ و قال بعضهم: إذا ظهر منهم كفر، حكم بكفرهم، و إلا فلا.
و الأصح: أن المبتدعون مؤمنون، إلا التجسيم؛ و إنكار الجزئيات؛ و لكن المبتدع أشر من الفاسق؛ لأن الفاسق يري التوبة، و المبتدع لا يرى التوبة.
فإن قيل لك: أمؤمن أنت حقاًّ؟
فقل: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى.
فإن قيل لك: ما ثواب الإيمان، و ما ثواب العمل؟
فقل: ثواب الإيمان لقاء الله تعالى، و رؤيته، و ثواب العمل بالجنة، و نعيمها.
فإن قيل لك: الاستثناء شك، و الشك في الإيمان كفر؟
فقل: إن قصد به الشك في الإيمان يكون كفرا، و إن قصد به الشك في العاقبة.
و التبرك بذكر الله، و التأكيد، و الأدب، فلا يكون كفراً، بل واجب.
و لا ينبغي أن يقول: "أنا مؤمن حقا"، عند الشافعي ، خلافاً للحنفي.
فإن قيل لك: في أي دين أنت؟
فقل: في دين الإسلام، و هو دين الأنبياء، و الملائكة صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين.
فإن قيل: في أي ملة أنت؟
فقل: ملة إبراهيم عليه السلام.
فإن قيل لك: في أية أمة أنت؟
فقل: من أمة محمد .
فإن قيل لك: في أي مذهب أنت؟
فقل في مذهب أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي رحمة الله عليه.
فإن قيل لك: كم عدد المذاهب؟
فقل: أربعة؛ الأول: مذهب أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي رحمة الله عليه؛ و الثاني: مذهب مالك؛ و الثالث: مذهب الحنفي؛ و الرابع: مذهب الحنبلي رضوان الله عليهم أجمعين.
فإن قيل لك: هم في مذهب من؟
فقل: مذهب أبي الحسن الأشعري، و هو المسمى بأهل السنة و الجماعة.
فإن قيل لك: ما شرط الإيمان؟
فقل: الحب لله، و الأنبياء، و الأولياء؛ و البغض لأعداء الله، و الخوف من عذاب الله، و الرجى إلى رحمة الله، و التعظيم لأوامر الله، و نواهيه.
فإن قيل لك: ما علامة الإسلام؟
فقل: على أربع خصال: الصبر لحكم الله، و الرضا بالقدر، و الإخلاص، و التوكل، و الإسلام للمولى.
و قال بعض العلماء: علامة الإسلام عشرون خصلة: السكينة، و الوقار، و الحياء، و الحلم، و الصبر، و الشكر، و الرأفة، و الرحمة، و الاحتمال، و التواضع، و المروة، و الخلق الحسن، و كظم الغيظ، و العفر عن الناس، و ترك الخصومة، و ترك المنازعة، و صدق الحديث، و وفاء العهد، و الأمانة، و الشفقة، و النصيحة، و ترك ما لا يعنيه.
فإن قيل لك: ما الفرق بين الإيمان، و العمل؟
فقل: اثنا عشر شيئاً:
1. الإيمان متبوع، و العمل تابع.
2. و الإيمان دائمٌ، و العمل موقوتٌ.
3. و الإيمان فرض على المسلمين و الكافرين، و العمل فرض على المسلمين خاصة.
4. و الإيمان يقبل بغير العمل، و العمل لا يقبل إلا بالإيمان.
5. و الإيمان لا يوزن، و العمل يوزن.
6. و أحكام المسلمين متعلقة بالإيمان، لا بالعمل.
7. و الجنة تجب مع الإيمان، لا بالعمل.
8. و يعطى ثواب العمل إلى الخصماء، و لا يعطى ثواب الإيمان.
9. و تجوز الوصية بالعمل، لا بالإيمان.
10. و ترك الإيمان كفر، وترك العمل ليس بكفر.
11. و الأنبياء متفقون بالإيمان، و مختلفون بالشرائع.
12. و الأنبياء معصومون بالإيمان قبل الوحي، و بعده، لا بالعمل، لأنه قد يصدر عنهم الصغائر سهواً، و أما الكبائر فلا يصدر عنهم لا عمداً، و لا سهواً.
فإن قيل لك: الإيمان يزيد، و ينقص؟ أم لا؟
فقل: إن أريد بالإيمان أصله، و هو الإقرار، و التصديق بكلية الدين لا يزيد و لا ينقص؛ لأن النقصان في أصل الدين كفر، و إن أريد به كماله، فيزيد و ينقص؛ لأن الأصل يزيد كمالاً و حسنا بالفروع، و الورق، و الثمر؛ هذا مذهب الشافعي رحمة الله عليه.
فإن قيل: الإيمان مخلوقٌ؟ أم غير مخلوق؟
فقل: الإيمان جهتان؛ فعل الله، و فعل العبد؛ ففعل الله أمره، و هدايته، و توفيقه، و هو غير مخلوق؛ و فعل العبد إقراره، و تصديقه، و قبوله، و هو مخلوق؛ قال الله تعالى: ﴿وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ﴾[الصافات:96].
فإن قيل لك: الإيمان فريضة؟ أم سنة؟
فقل: إن أريد بالإيمان قول لا إله إلا الله محمد رسول الله باللسان، فالإيمان فريضة على الكافرين؛ كالوضوء لمن لا وضوء له، و سنة، و فضيلة على المؤمنين، كالوضوء.
و إن أريد بالإيمان تصديق لا إله إلا الله محمد رسول الله بالقلب، فالإيمان فريضة على المؤمنين و الكافرين، لأن من لم يكن له تصديق، يكون منافق و كافر.
فإن قيل لك: ما معنى كل واحد منهما؟
فقل: معنى الفرض ما يثاب على فعله، و يعاقب على تركه؛ و السنة ما يثاب على فعلها، و لا يعاقب على تركها.
و معنى الحلال، الحلال: ما يثاب على فعله، و تركه، و لا يعاقب على فعله و تركه؛ و معنى الحرام ما يثاب على تركه، و يعاقب على فعله.
فإن قيل: ما معنى الحكم في اللغة؟
فقل: إسناد شيء إلى شيء آخر، و قيل: إثبات أمرٍ و نهي؛ و في الشرع هذه الأشياء مذكورة.
فإن قيل لك: إيمان المقلد، هل يكون معتبراً؟ أم لا؟
فقل: نعم، إن كان التقليد صحيحاً، فيكون معتبراً عند المتأخرين؛ و لكنه عاص، بترك الاستدلال هذا عند المتأخرين؛ و أما عند المتقدمين، فلا يكون معتبراً، لأنه بعد معرفة أدلة قواعد الدين؛ فالتقليد الصحيح مثل إن سأل أحدٌ أحداً: ممّ قلت: لا إله إلا الله محمد رسول الله ؟ قال: مما علمت أن الأنبياء و العلماء كلهم صادقون، فوجب أن يكون قولهم صدقاً؛ و هم يقولون، فقلت ما قالوا تقليداً لهم، و لكني لا أعلم بدليل صدق ما قالوا؛ فهذا التقليد تقليد صحيح، و المتقلد به يكون مؤمناً.
و التقليد الفاسد، مثل أن يسأل أحدٌ أحداً: مما قلت لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ قال: مما علمت أنا لأنبياء، و العلماء كلهم يقولونه؛ فقلت مثل ما قالوا؛ إن كانوا صادقين فقد أصبت، و إلا فلا.
و هذا التقليد تقليد فاسد، و المتقلد به لا يكون مؤمناً، لأنه شاك في صدق من وجب صدقه؛ و هم الأنبياء و العلماء، و من بعدهم، و الشك في صدق الأنبياء قبيح، و حرام؛ لأنه كفر.
فإن قيل: إيمانُ عبدٍ حال بأس، و هو حال مشاهد، لا عذاب الآخرة، يكون مقبولاً؟ أم لا؟
فقل: لا، لأن الإيمان المقبول هو الإيمان بالغيب، لا الإيمان بالمشاهدة، لأن الإيمان بالمشاهدة هو الإيمان بالإكراه، لا بالاختيار، فعمل المكره غير معتبر، و لا مقبول، و لا يثاب عليه.
كمن أكره الكافر على قول "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، فقال: في حال إكراهه فقط، لم يحكم بكونه مؤمناً بما قال في تلك الحالة، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾[غافر:84-85]؛ و قال تعالى: ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾[الأنعام:158].
فإن قيل لك: إيمان الباس، و هو حال مشاهدة عذاب الآخرة عند قرب الموت؛ هل يكون مسموعاً؟ أم لا؟
فقل: لا يكون مسموعاً لأحد من العباد، كما ذكر من قبل؛ حتى لو من مجوسيا، أو ذميا، و سمع كلامه منه في تلك الحالة، لا يكون ذلك إيمان اختيار، بل يكون إيمان ياس؛ و قيل: لا يكون ذلك إيمان بل قد يكون.
فإن قيل لك: ما مثل الإيمان؟
فقل: هو مثل شجرة طيبة، لها أصل، و فرع؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَ فَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾[إبراهيم:24-25].
فأصله: ما إذا تركه العبد يكون كافراً، و هو الإقرار، و التصديق، بكلية الدين، و اعتقاد ما يجب اعتقاده.
و فرعه: ما إذا تركه العبد لا يكون كافراً، بل يكون عاصٍ في ترك البعض، كترك الواجبات من الأعمال؛ و ترك الفضيلة في ترك البعض، كترك المسنونات من الأعمال.
فاعلم أن إحسان الدين، و كماله، واجبٌ علينا.
فإن قيل لك: ما معنى الإحسان؟
فقل: تحسين صفة الشيء، بعد تحصيله.
فإن قيل لك: ما صفة الإحسان؟
فقل: عبادة العبد لربه كما يراه، و هو أصعب؛ لأنه غاية القصور، و نهاية منازل الدين؛ لأنه عبادة العبد لربه، كما يراه هو، عبارة عن المبالغة في العبادة، و تكميل العبادات درجات كثيرة، و لا تعدد له، و لا يليق ذكره للمبتدي.
ثم اعلم أن هذه الطريق إلى الله  هذه الثلاثة المذكورة -أعني: الإسلام، و الإيمان، و الإحسان-؛ و من زعم أن الطريق إلى الله تعالى غير هذه الثلاثة، فقد أخطأ، أعاذنا الله تعالى من الكفر، و النفاق، و من الغلط، و الخبط؛ لقوله تعالى: ﴿وَ مَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[آل عمران:85].
و قد سميت هذا الكتاب بـ: "دقائق الحقائق الإيمانية".
و سبحان الله العظيم، و بحمده، عدد خلقه، و رضا نفسه، و مداد كلماته، و الحمد لله رب العالمين حمداً كثيرا، طيباً، مباركاً، على كل حال.
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[البقرة:127]، ﴿وَ تُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[البقرة:128].
و صلى الله على سيدنا محمد، و آله، و صحبه، و سلم.

حماد محمد الشنقيطي
25-11-2012, 15:37
عقيدة الإمام النووي رضي الله تعالى عنه من كتابه الصغير في حجمه، الجليل في معناه و مقصده "المقاصد"؛ فجزاه الله عنا كل خير:
بمشيئة الله، بعد أن أكتب النص كاملاً، سأضعه في ملف و أرفعه على مكتبة المنتدى المبارك....؛ و ما نقلته هنا هو قسم العقيدة فقط "المقصد الأول"، و تبقى المقاصد الستة الأخرى.....
و هذه هي:
[بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتين، و لا عدوان إلا على الظالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، و إمام المتقين، و على آله و صحبه أجمعين، و التابعين، و سائر الصالحين.
و بعد؛
فهذه مقاصد نافعةٌ، و أنوارٌ لامعةٌ، أسأل الله تعالى أن يجعلها خالصة من أجله، و أن يثيبني عليها من فضله، إنه ولي من التجأ إليه، و الآخذ بيد من عول عليه.
و رتبتها على سبعة مقاصد.
المقصد الأول: في بيان عقائد الإسلام، و أصول الأحكام:
أول واجبٍ على المكلفِ معرفة الله تعالى.
و هي:
• موجودٌ، ليس بمعدومٍ.
• قديمٌ، ليس بحادثٍ.
• باقٍ، لا يطرأ عليه العدمُ.
• مخالفٌ للحوادثِ، لا شيءَ يُماثلُه.
• قائمٌ بنفسه، لا يحتاجُ إلى محلٍّ، و لا مخصِّصٍ.
• واحدٌ، لا مُشارِكَ له في ذاته، و لا صفاتِهِ، و لا في أفعالهِ.
• له القدرةُ.
• و الإرادةُ.
• و العلمُ.
• و الحياةُ.
• و السمعُ.
• و البصرُ.
• و الكلامُ.
• فهوَ القادرُ.
• و المريدُ.
• و العالمُ.
• و الحيُّ.
• و السميعُ.
• و البصيرُ.
• و المتكلِّمُ.
أرسل الله بفضلِه الرسُلَ، و تولاهم بعصمتهِ إيَّاهم عما لا يليقُ بهم؛ فهم معصومونَ من الصغائرِ، و الكبائرِ؛ قبل النبوةِ، و بعدها.
منزَّهونَ عن كل منفِّرٍ طبعاً، كالجذامِ، و العمى، يأكلونَ، و يشربونَ، و ينكِحونَ.
و هم أفضلُ الخلقِ على الإطلاق، و تفصيلٍ في الملائكةِ.
و أعلى الكلِّ، من ختم الله به النبوةَ، و نسخ شرعُهُ الشرائعَ، نبيُّنا محمدٌ صلى الله عليه و سلم.
و أصحابهُ، خيرُ القرونِ، و أفضلُهم: أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ، ثم علي، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
و نؤمنُ بجميع ما أخبرنا بهِ، على لسان محمدٍ صلى الله عليه و سلم:
• كالملائكةِ.
• و الكتب السماويةِ.
• و السؤالِ.
• و البعثِ.
• و الحشرِ.
• و هولِ الموقفِ.
• و أخذِ الصُّحُفِ
• و الوزنِ، و الميزانِ.
• و الصراطِ.
• و الشفاعةِ.
• و الجنةِ.
• و النارِ.
و كل ما عُلِم من الدينِ بالضرورةِ، فالإيمانُ به واجبٌ، و الجاحدُ به كافرٌ.
و أركانُ الإسلام، خمسةُ أشياءَ:
• الشهادتان، و لا صحَّة له دونهما.
• و الصلاةُ.
• و الزكاةُ.
• و الحجُّ.
• و صومُ رمضانَ.
و شروطُهُ:
• البلوغُ.
• و العقلُ، إلا في التبعية.
• و بلوغ الدعوةِ.
• و الاختيارُ، إلا في الحربي، و المرتدِّ.
• و الإتيان بالشهادتين، و ترتيبهُما، و موالاتُهما، و لفظُ "أشهدُ" فيهما، و معرفة المرادِ منهما، و الإقرارُ بما أنكره معهما، و التنجيزُ.
و حقيقةُ الإيمانِ:
• التصديقُ بالله.
• و ملائكتهِ.
• و كتبهِ.
• و رسلهِ.
• و اليومِ الآخرِ.
• و بالقضاءِ خيرهِ، و شرهِ.
و أمورُ الدينِ ثلاثةٌ:
• اتباعُ الأوامرِ.
• و اجتنابُ النواهي.
• و التسليمُ للقضاء، و القدرِ.
و أحكامُ الشرعِ، خمسةٌ: واجبٌ، و مندوبٌ، و حرامٌ، و مكروهٌ، و مباحٌ:
• فالواجبُ: ما يُثابُ على فعلهِ، و يُعاقبُ على تركه.
• و المندوبُ: ما يُثابُ على فعلهِ، و لا يُعاقبُ على تركه.
• و الحرامُ: ما يُثابُ على تركهِ، و يُعاقبُ على فعله.
• و المكروهُ: ما يُثابُ على تركهِ، و لا يُعاقبُ على فعله.
• و المباحُ: ما لا يُثابُ على فعلهِ، و لا يُعاقبُ على تركه.
و قول: "أشهدُ أن لا إله إلا الله، و أشهدُ أن محمداً رسول الله"، واجبٌ في العمُرِ مرةً، و الإكثارُ منه محبوبٌ.
و معناهما: الإقرارُ لله تعالى بالوحدانية، و لسيدنا محمد صلى الله عليه و سلم بالرسالة.
و أفضلُ العباداتِ، بعد الإيمانِ: الصلاةُ.
و أفضلُ الأذكارِ بعد القرآن: لا إله إلا الله.
و معناها: لا معبودَ بحقٍّ، في الوجودِ، إلا الله.
و أفضلُ الثناء على الله تعالى: "سبحانكَ، لا نُحصي ثناءً عيلكَ، أنت كما أثنيتَ على نفسكَ".
و أفضلُ المحامدِ: "الحمدُ للهِ، حمداً يُوافي نعَمَه، و يُكافِئُ مَزيدَه".
و أفضلُ صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم: "اللهم صلِّ على محمدٍ و على آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم، و بارك على محمد و على آلِ محمدٍ، كما باركت على إبراهيمَ و على آل إبراهيمَ في العالمين إنك حميدٌ مجيدٌ"؛ و تُسمَّى الصلاةَ الكاملةَ، و الصلاةَ الإبراهيمية.
و تجبُ الصلاةُ عليه -زادهُ الله شرفاً لديه- في التشهدِ الأخير من كل صلاةٍ.
و قيلَ: في العمُر مرةً.
و قيلَ: كلَّ ما ذكِرَ.
و قيلَ: في كل مجلسٍ.
و قيل: غيرُ ذلك.
و الفرضُ، و الواجبُ، و المتحتِّمُ، و اللازِمُ؛ بمعنىً.
ثم إنَّه ينقسمُ إلى فرضِ عينٍ، و إلى فرضِ كفايةٍ.
فأما فرضُ العين: فهو اللازمُ على كلِّ مكلَّفٍ بعينهِ، و إذا قام به البعضُ، لا يسقطُ عن الباقي؛ كالصلاةِ، و الزكاةِ، و الصوم.
و أما فرضُ الكفايةِ: فهو الذي إذا قام به البعضُ، سقط عن الباقي؛ و ذلك كردِّ السلام، و صلاة الجنازةِ، و حفظِ القرآن عن ظهر قلبٍ، و الأمرِ بالمعروفِ، و النهيِ عن المنكر، بشرطهِ؛ و القيامِ بالحِرَفِ النافعةِ، المحتاجِ إليها.
و السنةُ، و المندوبُ، و المستحبُّ، و الفضيلةُ، و المرغَّبُ فيه؛ بمعنىً.
و ذلك، عبارةٌ عن أقوالهِ صلى الله عليه و سلم، و أفعاله، إلا ما خُصَّ به، و ما أقرَّ عليه، و رضِيَ به؛ و ما همَّ بهِ، و لم يفعلهُ؛ كصومِ يومِ تاسوعاءَ.
و أصول الدين أربعةٌ: الكتاب، و السنةُ، و الإجماعُ، و القياس المعتبران.
و ماخالفَ هذه الأربعةِ، فهو بدعةٌ، و مرتكبهُ مبتدعٌ، يتعين اجتنابهُ، و زجرهُ.
و من المطلوب اعتقادُ من علِمَ، و عمِلَ؛ و لازَم أدب الشريعةِ، و صحب الصالحين.
و أما من كانَ مسلوباً عقلهُ، أو مغلوباً عليه؛ و ذلك كالمجاذيبِ، فنُسلِّم لهم -أي حالهم-، و نُفوِّضُ إلى الله شأنَهم، مع وجوبِ إنكار ما يقعُ منهم مُخالِفاً لظاهر الأمر، حِفظاً لقوانين الشرعِ.....]؛ إلخ.

أنفال سعد سليمان
25-11-2012, 16:11
أيش هذا الجمال ..... جزاكم الله خيرًا!

قرأتُ المقاصد منذ فترة طويلة و الآن كأني أقرؤه لأول مرة .....

واصل الله يبارك فيك و يجعله في ميزان حسناتك.

حماد محمد الشنقيطي
25-11-2012, 18:07
لقطة العجلان، و بلة الظمآن: للشيخ بدر الدين محمد بن بهادر الشافعي (745-794هـ):
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، فاتحة كل كتاب، و خاتمة كل باب.
و الصلاة و السلام على خير من نطق بالصواب، و على آله، و صحبه، أولي الحكم، و فصل الخطاب؛ أما بعد:
فهذه أوراق يقرب منها المتناول، و يقصر عنها المتطاول، و توقف في الزمن القصير موليها، مع الاشتغال بما فيها، و تربوا على المطولات بالغرائب العجائب، فلا تساويها، ينشى لها الراكب العجلان حاجته، و يصبح الحاسد الغضبان يطريها.
جمعتها لسؤال بعض الإخوان، لتستعمل عند المناظرة، و تعين على الدخول في فنون المعقول لدى المحاورة، في زمان قصير؛ فلذا عذرها التقصير، و الله أسأل الأمانة فيما قصدت، و الإنابة فيما جمعت.

فصل:
مدارك العلوم ثلاثة: حس، و خبر، و نظر.
فالحواس خمس: ظاهرة، و هي سمع، و بصر، و ذوق، و شم، و لمس.
و خمس باطنة: الحس المشترك، و المصورة، و المتخيلة، و الوهمية، و الحافظة.
و الأول أفضل من الثاني، خلافاً للحنفية.
و قيل: بالتسوية بينهما.
قال الرازي: و أنكر الحكماء الحسيات، لعدم الوثوق بها.
قال الطوسي: غُلّط عليهم، و إنما مذهبهم أن حكم العقل في المحسوس، ينقسم إلى يقيني، و ظني.
و هل الإدراك للحواس، أو للنفس بواسطة الحس؟ فيه خلافٌ.
و آخر قولي الأشعري: أن الإدراكات ليست من قبيل العلوم.
و اختاره القاضي، و إمام الحرمين.
قال أئمتنا: و لا يفتقر الإدراك إلى بنية مخصوصة، و لا لاتصال الأشعة، خلافاً للمعتزلة؛ و هي أصل مسئلة الرؤية.
و الخبر: ما صح أن يقال في جوابه: صدق، أو كذب.
أو صدقه مطابقته للواقع، و كذبه، عدمها؛ و لا واسطة بينهما، على الأصح فيهما.
ثم مدلوله: الحكم بالنسبة، لا وقوعها، و إلا لم يكن كذباً.
و ينقسم إلى ثلاثة: متواترٌ معنى، أو لفظاً؛ و هو أن يرويه جماعة، يستحيل تواطئهم على الكذب.
و شروطه أربعة: اثنان في السامع، و هو أن لا يكون عالماً به ضرورةً، لاستحالة تحصيل الحاصل.
و قال الشريف المرتضى: و أن لا يكون معتقداً النقيض، الخبر.
و اثنان في المخبر: و هو أن يكون مستندهم الإحساس، و أن يبلغ عددهم ما يمتنع التواطئ على الكذب؛ و هو يفيد القطع.
و غلط من نقل عن السُّمنية إنكاره.
قال العلامة مظفر الدين المقترح: ليس مذهبهم أن التواتر لا يفيد العلم، و إنما مذهبهم حصر المعلومات في الحواس؛ فهو اصطلاح.
قال القاضي، و غيره: و العلم الواقع عنه ضروري.
و قال أبو بكر الدقاق: أنه مكتسب.
و فسره إمام الحرمين: بتوقفه على مقدمات عند السامع، لا على الاحتياج إلى النظر عقيبه.
و إلى مستفيض، و هو عند الأصوليين: الشائع بين الناس عن أصل.
و عند المحدثين: ما زادت نقلته على ثلاثة.
و الأشبه بكلام الشافعي في الشهادة بها أن يسمعه من عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب.
و قال الشيخان: إن أقله اثنان.
و جعله الماوردي أقوى الأخبار.
قال الأستاذ أبو إسحاق: و هو يفيد العلم النظري.
و إلى آحاد، و هو ما يحتملهما.
و احتماله للمتواتر لغوي، سواء نقله واحدٌ، أم جمع.
و يجب العمل به في الفتوى، و الشهادة؛ في الأمور الدينية، و الدنيوية في الأصح، و لا يفيد العلم على الأصح فيهما، و ظاهره مطلقاً.
و الأصح أنه يفيده بقرينة، و بهذا علم أن قوله على الأصح فيهما منتقد.
و خالفت الظاهرية، و غيرهم في الثاني.
و خالف أبو علي الجبائي، و أبو الحسين ابن اللبان.
و من ثم اختار أبو عمرو بن الصلاح كغيره، تخصيص القطع بأحاديث الصحيحين، بقرينة تلقي الأمة لها، و هذا يفيد علماً نظرياًّ.
و النظر عرفاً: و هو التأمل بالفكر في حال المنظور فيه.
و شرطه العقل.
و ينظر في الدليل.
و ينظر في الوجه الذي منه يدل الدليل.
و يحصل العلم عقبه بالعادة عند الأشعري؛ و بالتولد عن المعتزلة؛ و بالوجوب عند الحكماء؛ و اختاره الإمامان.
و هي من فروع خلق الأفعال، و هو أول واجب؛ فنسبة هذا القول لإمام الحرمين وَهَمٌ؛ و المنسوبُ إلى الإمام: إنما هو القصد إلى النظر.
و خالفه العز بن عبد السلام، و قال: الأصح أنه لا يجب على المكلف، إلا عند الشك.
و قيل: أول النظر.
و قيل: المعرفة؛ و هذا أرجح الأقوال.
و محل العقل القلب، خلافاً للحنفية، و الأطبا.
و لو أطلق العقل، كان أولى.
و لو قال من الإدراكات، كان أولى.
و في تفاوت العقول، قولان؛ أحدهما: نعم، و الثاني: لا.
و في الحقيقة: لا خلافَ.
و في اقتناصه بالحد، خلاف المشهور.
و ليس له الحكم في أفعال الله بالتحسين، و التقبيح، بشيء في معرفة الثواب، و العقاب؛ فهما شرعيان، خلافاً للمعتزلة.
قال إمام الحرمين: الحقائق، و الأحكام العقلية، و كلما يتوقف عليه، مَدركها العقل.
و تعيين أحد الجائزين، و تفاصل أحوال الجنة، و النار، مَدركه السمع.
و ما يتأخر عن ثبوت الكلام، و خلق الأعمال، مدركه بهما.

يتبع بمشيئة الله تعالى.....

حماد محمد الشنقيطي
25-11-2012, 18:15
.... تابع:


فصل:

مدارك الحق أربعة: الكتاب، و السنة، و إجماع الأمة، و القياس.
و زاد آخرون: ما ينيف على العشرين، و هي: إجماع أهل المدينة، و إجماع أهل البصرين، و إجماع أهل الحرمين، و إجماع الخلفاء الأربعة، و إجماع الشيخين، و إجماع العشرة، و إجماع الأمم السالفة عن الأستاذ، و قول الصحابي.
و في تخصيص العموم به، وجهان.
و الاستصحاب، بأقسامه، و هي: استصحاب العام الأصلي، و استصحاب العموم، أو النص، و استصحاب ما دل الشرع على ثبوته، و الأخذ بأقل ما قيل، و المصالح المرسلة، و سد الذرائع، و الاستحسان؛ و العوائد، عند الحنفية.
و الاستقراء، و يسمى عند الفقهاء بالأعم الأغلب.
و الاستدلال؛ و العصمة، و في عدها من مدارك الحق نظر، لرجوعها إلى السنة.
و البراءة الأصلية، دليل على الحكم الشرعي عند كثيرين.
و الاقتران، هل يقتضي التسوية، أو لا؛ الراجح عند الجدليين، و المزني، و أبي يوسف الأول؛ و عند الجمهور الثاني.
و الاستدلال على انتفاء الشيء، بانتفاء دليله عند الأستاذ.
و مفهوم اللقب، عند الدقاق، و القاضي أبي حامد.
و كان ابن فورك يقول: إنه الأقيس.
و حكم العقل، و الهاتف، و الإلهام، و شرع من قبلنا.
و أقوى الأدلة: الكتاب، و السنة المتواترة؛ و لم يخالف أحد في حجيتهما.
و بعض الحنفية الإجماع.
فأما الكتاب، فدلالته إما فعل، و إما قول؛ و هو أربعة: نص، و ظاهر، و عمومٌ، و مفهومٌ.
و الظن: ما احتمل أمرين، هو في أحدهما أظهر؛ إما بوضع اللغة، أو الشرع.
و العموم: لفظ يعم شيئين فصاعداً، و هل يشترط فيه الاستغراق، و إن لم تجتمع في الوجود، و الإجماع لها فيه قولان؛ و المفهوم ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق.
و كلٌّ -إلا اللقبُ- حجةٌ.
و أنكر أبو حنيفة الجميع.
و أما السنة: فدلالتها ثلاثة: قول، و فعل، و إقرار.
فالقول: إما مبتدا؛ و ينقسم كما سبق إلى نص، و ظاهر، و عموم، و مفهوم.
و إما خارج على سبب، و هو إما أن يستقل بأن يفيد بدونه، و إما أن لا يستقل.
و أما الفعل فضربان: ما أتى على غير وجه القربة، أو على وجهها.
فإما أن يكون فعله امتثالاً لأمرٍ، أو بياناً لمجملٍ، فيعتبر؛ أو بياناً به، فيجب؛ او يندب، أو يباح.
أو مبتدأ، فقيل: يقتضي الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، أو الوقف.
و أما الإقرار منه صلى الله عليه و سلم، فكهُما.
و يشترط أن لا يكون العقل المذكور، معتقداً لكافر؛ و أن لا يكون فعل ملك يخاف؛ فكل من الشرطين ضعيف.
و أما الإجماع، فإما أن يثبت بقول جميعهم؛ أو بقول بعضهم؛ و الأول حجةٌ، اتفاقاً؛ و الثاني حجةٌ على الصحيح.
و في تسميته إجماعاً، خلافٌ لفظيٌّ.
و أما القياس، فهو مساواة فرعٍ لأصلٍ، في علة الحكم، عند المثبت؛ وافق ما في نفس الأمر، أو لا.
و أركانه أربعة: الأصل، و الفرع، و العلة، و حكم الأصل.
فالأصل: محلُّ الحكمِ، المشبهُ به.
و قال المتكلمون: دليله.
و قال أبو الحسن الكِياء: حكمه.
و الفرع: المشبه.
و قيل: حكمه.
و العلة: المعنى، المقتضي للحكم.
و المناسبة بين الحكم و محله: شرطٌ في العلة العقلية، و هي: ما يفيد وجود المعلول.
لا في الشرعية، و هي: ما يفيد العلم بوجود المعلوم.
و تنقسم إلى: قاصرة، و إلى متعدية.
و المعلول: هو الحكمُ، لا الذاتُ، خلافاً لأبي علي الطبري.
و ينقسم إلى: جليٍّ، و هو ما قطع فيه بنفي الفارق؛ و غير الجلي، ما يحتمل الفارق.
فمنه ما كانت العلة فيه مستنبطة من النص.
و قياس الشبه، و هو مشابهة وصف للمناسب.
و قياس غلبة الأشباه في الحكم، و الصفة، أو في أحدهما.
و قياس الدلالة، و هو ما لم تذكر فيه علة صريحاً.
و قياس العكس: و هو التعليق على نقيض الحكم].

يتبع بمشيئة الله......

حماد محمد الشنقيطي
25-11-2012, 18:20
..... تابع:

[
فصل:

قيل: أربعة لا يقام عليها دليلٌ، و لا يطلب؛ و هي: الحدود، و العوائد، و الإجماع، و الاعتقادات في النفس.


فصل:

الدليل: ما يتوقف عليه العلم، أو الظن بثبوت الحكم؛ و هو أما عقلي، أو نقلي، أو مركبٌ منهما.
فالأول العقلي، و الثاني النقلي، و الثالث هو المسمى بالنقلي.
و شرط الدليل العقلي الاطراد، خلافاً لبعض الفقهاء.
و كل منهما: إما مفيد للقطع بالحكم، و هو البرهان.
و ينقسم إلى: برهان علة، و إلى برهان دلالة.
أو الظن، و هو الأمارة؛ و تنقسم إلى: ظنية، أو اعتقادية.
و الدليل اللفظي: يفيد اليقين بقرائن، وفاقاً لأكثر الفقهاء، و المعتزلة.
و اليقين: علم بعد شك، لتوقفه على أحد الاحتمالات العشرة؛ و هي: عدم الاشتراك، و المجاز، و الإضمار، و النقل، و التخصيص، و التقديم، و التأخير، و الناسخ، و عدم العارض العقلي، و نقل اللغة، و نقل النحو، و نقل التصريف؛ و هو ظنيٌّ.
و قال الحنفية: لليقين مراتب: علم، و هو ما حصل عن نظرٍ و استدلال؛ و عين، و هو ما حصل عن مشاهدة و عيان؛ و حق: و هو ما حصل عن العيان.
و لا بد في كل دليل من مقدمتين؛ و هما كالشاهدين عند الحاكم، إلا أنه يستحيل أن يكون أقل منهما، أو أكثر؛ بخلاف حكم الحاكم.
و المقدمتان: إما عقليتان، أو سمعيتان، أو مركب منهما؛ و يجب أن يكون لهما شهادة على النتيجة، بالدلالة عليها.
قال الشيخ أبو علي بن سينا: و حضورهما في الذهن، لا يكفي لحصول النتيجة، بل لا بد معه من العلم باندراج الصغرى تحت الكبرى، و الارتباط بين المقدمتين.
و ضعفه الإمام الرازي.
و ما يتوقف عليه الحكم، إن كان داخلاً فيه مادياًّ، أو صورياًّ؛ و إن كان خارجاً عنه؛ فإن كان مؤثراً في وجودهِ، فهو العلة؛ و إلا فالشرط.
و إذا استدل بدليل، فإن كان أحدهما داخلاً في الآخر:
فإما أن يستدل بالكلي على الجزئي، فهو القياس المنطقي؛ و هو قول مؤلف من أقوال، متى سلمت عنها، لزم لذاتها قول آخر.
و ينقسم إلى: اقتراني، و هو الذي لا تذكر معه النتيجة، و لا نقيضها بالفعل.
و إلى استثنائي، و هو ما تكون النتيجة، أو نقيضها مذكوراً فيه بالفعل؛ و هذا خاص بالشرطية.
و أما أن يستدل بالجزئي على الكلي، فهو الاستقراء التام، منه مفيد للقطع، و الناقص مفيد للظن.
و إن لم يدخل أحدهما في الآخر، فهو التمثيل عند المتكلمين، و القياسي عند الفقهاء].

يتبع بمشيئة الله تعالى .......

حماد محمد الشنقيطي
25-11-2012, 18:39
..... تابع:
[
فصل:

المفضي إلى الاستحالة أربعة:
أحدها: الدور، و هو توقف وجود كل واحد من الشيئين على الأخرى.
و طريق الانفصال عنه، يحصل باختلاف الجهة بين الشيئين، أو بكونه مَعِياًّ.
الثاني: التسلسل، و هو توقف وجود الشيء على أشياء مترتبة، غير متناهية.
الثالث: الجمع بين النقيضين.
الرابع: الترجيح من غير مرجح، فهو مستحيل ضرورة؛ و قيل: ليس بمستحيل.


فصل:

كل موجودٍ، لا بد له من أسباب أربعة:
المادة، و هي: ما يكون الشيء موجوداً به بالقوة.
و الصورة، و هي: ما يكون الشيء موجوداً به بالفعل.
و الفاعلية، و هي: ما يؤثر في وجود الشيء.
و الغاية، و هي: ما يصير الفاعل لأجله فاعلاً.


فصل:

كل معلولين، لا بد بينهما من نسب أربع: المساواة، و المباينة، أو العموم و الخصوص المطلقين، أو من وجه.
لأنه إن صدق كل منهما على ما صدق عليه الآخر، فهما المتساويان.
و إلا، فإن لم يصدق واحدٌ منهما على شيء مما صدق عليه الآخر، فهما المتباينان.
و إلا بالعكس، فبينهما عمومٌ و خصوصٌ مطلقٌ، على ما صدق عليه الآخر، من غير عكس؛ فبيهما عمومٌ و خصوصٌ من وجه.



فصل:

المعلومات أربعة أقسام:
نقيضان: و هما اللذان لا يجتمعان، و لا يرتفعان.
و ضدان: و هما اللذان لا يجتمعان، و يمكن ارتفاعهما.
و خلافان: و هما اللذان لا يجتمعان، و يرتفعان.
و مثلان: و هما اللذان يجتمعان، و يمكن ارتفاعهما.
و المنافاة بين النقيضين بالذات.
و هل منافاة الضد لضده للذات، أو للصارف، أو الوسط؛ قولان.
و التقابل بين ما عدى المثلين، على أربعة أنواع: التضاد، و التقابل بالنفي، و الإثبات، و التقابل بالملكة، و العدم؛ و بالتضايف].


يتبع بمشيئة الله تعالى......

حماد محمد الشنقيطي
25-11-2012, 18:43
.... تابع:

[
فصل:

قال إمام الحرمين، و الغزالي: العلم نظري، لا يعرَّف بالحقيقي، لعسره؛ بل بالقسمة.
و قال الإمام الرازي: هو ضروريٌّ، فيستحيل أن يكون غيره، كاشفاً لهُ؛ و منه قوله.
ثم قال: هو حكم الذهن الجازم، المطابق لموجب.
و المختار: قول أبي بكر الباقلاني: أنه معرفة المعلوم على ما هُوَ بهِ.
و اضطرب كلام أبي علي بن سينا في كونه عدمياًّ، أو وجودياًّ.
و الأوجه: أنه وجوديٌّ.
و ينقسم إلى: قديم، و هو علم الله تعالى؛ و إلى حادث، و هو علم العباد.
و ينقسم الحادث، إلى: ضروري، و نظري.
و الضروري يقع بقدرة الله تعالى، و إلا لخرج عن كونه ضرورياًّ.
و النظري مقدورٌ للعباد، عند الأكثرين، بقدرة الله تعالى.
و جوز الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وقوعه.
و ينقسم الحادث إلى: تصور، و هو إدراك الماهية، من غير حكم.
و إلى تصديق، و هو إدراكها، مع الحكم عليها.
و التصديق عند الحكماء نفس الحكم؛ و التصورات الثلاث فيه شروطه.
و قال الرازي: التصورات الثلاثة أجزاؤه.
و في العلوم مذاهب أربعة:
أحدها: أن جميعها ضروريٌّ.
ثالثها: هو الأصح: أن بعضها ضروري، و بعضها كسبي.
رابعها: فصَّل في المطالب بين التصور، فجعله ضرورياًّ؛ و التصديق، فجوّز فيه الأمرين.
قال: و البديهيُّ، لا ينقلب كسبياًّ، و لا بالعكس.
و في تفاوت العلوم قولان، أصحهما: المنع.
و الموصل إلى التصورات، يسمى قولاً شارحاً؛ و هو قولٌ دالٌّ على ماهية الشيء.
و الرسم، و هو المفيد للتمييز.
و الموصل إلى التصديقات يسمى حجة، و دليلاً].

يتبع بمشيئة الله تعالى ........

حماد محمد الشنقيطي
25-11-2012, 19:59
..... تابع:

[
فصل: في التعريف:

معرف الشيء، ما تستلزم معرفته، معرفته.
و هو ثلاثة أقسام:
حقيقي، و هو ما يكون بجميع الذاتيات، أو ببعضها.
و رسمي، و هو ما يكون ببعض الذاتيات، مع العَرضيات؛ أو بالعرضيات فقط.
و لفظيٌّ، و هو تبديل لفظ بلفظٍ أشهرَ منه، مرادف.
فالحقيقي: تام، و ناقص.
فالتام: ذكر الجنس، و الفصل.
و الناقص: ذكر الفصل وحده.
إن جوز التعريف بالمفرد، و الأصح خلافه؛ و لذلك عدوا التعريف، من الأقوال المؤلفة.
و على الأصح، فلا يجوز التعريف إلا بمتعدد.
و الرسمي قسمان: و هو ذكر الجنس، و الخاصة؛ و ناقص، و هو الخاصة وحدها، كالضحك.
و المشهور عند المنطقيين، أن الرسم: هو المفيد للتمييز.
فإن أفاد التمييز عن كل ماعداه، فهو التام؛ أو أفاد عن بعضه، فهو الناقص.
و ما زعمه من أن هذا هو المشهور، وَهمٌ، بل المشهور الأول.
و هي خارجية عن حقيقة الشيء، بخلاف الفصل.
و شرطها: أن تكون عرضاً، لازماً، مساويا للمحدود.
و الطرد، دون العكس، كالعلة الشرعية.
و شرطها أن تكون مساويةً.
و اللفظي، كـ: "البر"، للقمح.
و الأكثرون: على أن الحد راجعٌ إلى نفس المحدود، و حقيقته.
و قال القاضي: بل راجعٌ إلى قول الحاد.
فيرجع كلامه إلى أن الحد راجعٌ إلى الحد المخصوص.
و شرطه: أن يوفي فيه بالجنس، فالفصل، و بالجنس القريب.
و أن لا يجعل المختص بنوعٍ، فصلاً لجنسه.
و أن لا يعرفه بنفسه.
و أن لا يجعل جزء المحدود جنساً له.
و أن يجتنب فيه الألفاظ الغريبة، و المشتركة، و المجازية.
و أن يكون جامعاً، مانعاً.
هكذا قال القرافي، و هو عكس قول الغزالي، و ابن الحاجب.
المطرد: هو المانع.
و المنعكس: هو الجامع.
و يختص الرسمي، بكون المعرف به ظاهراً.
و هو غير المحدود، على الأصح.
و لا يجوز أن يكون للشيء حدان ذاتيان.
و أما تعدد الرسم، و اللفظ، فغير ممتنع].

يتبع بمشيئة الله تعالى ......

حماد محمد الشنقيطي
25-11-2012, 20:16
..... تابع:

[
فصل: في التصديقات:

القضية: هي القول الذي يصح أن يقال لقائله: "صدق"، أو "كذب".
و المحكوم عليه فيها إما جزئي، و هي الشخصية.
أو غير جزئي، و هي إما أن تبين جزئية فيها بذكر السور، أو لا، و هي المهملة.
و هو في الجزئية الموجبة، بعض؛ و في السالبة ليس بعض؛ و في الكلية الموجبة، كل؛ و في السالبة لا شيء؛ صارت ثمانية.
و زاد بعضهم: الطبيعية، و هي التي لم يبين فيها كمية الأفراد.
و تنقسم إلى: حملية، و هي التي يكون طرفاها مفردين؛ موجبة كانت، أو سالبة.
و إلى شرطية، و هي التي لا يكون طرفاها مفردين.
فالحملية شخصية محصورة جزئية كلية، و مهملة، سمتها إما موجبة، أو سالبة.
فالحملية ثمانية أقسام.
و الشرطية، و هي التي يحكم فيها على التعليق بشرط قسمان: متصلة، و منفصلة.
فالمتصلة: هي التي حكم فيها بلزوم قضية؛ أو لا لزومها.
و هي قطعية، و هي التي حكم فيها بصدق قضية، أو لا صدقها، على تقدير صدق أخرى، لعلاقة بينهما.
و ظنية، و هي التي حكم فيها بما ذكر، لعلاقة ترجح ذلك.
و اتفاقية، و هي التي حكم فيها بما ذكر، لا لعلاقة.
و المنفصلة، و هي التي حكم لها بامتناع اجتماع قضيتين، أو أكثر في الصدق.
و هي ثلاثة أقسام:
مانعة الجمع، و هي التي حكم فيها صدقاً فقط.
و مانعة الخلو، و هي التي حكم فيها بالتنافي بين طرفيها كذباً فقط.
و مانعتهما: و هي التي حكم فيها بالتنافي بين طرفيها صدقاً، و كذباً؛ و هي المنفصلة الحقيقية.
و الجزء الأول من الحملية يسمى موضوعاً، و الثاني محمولاً.
و الجزء الأول من الشرطية يسمى مقدماً، و الثاني تالياً.
و موضوع المطلوب في الحملية، و مقدمه في الشرطية يسمى حداًّ أصغر، و محموله، و تاليه، يسمى حداًّ أكبر.
و المقدمة التي فيها الأصغر، تسمى الصغرى؛ و التي فيها الأكبر، تسمى الكبرى.
و اقتران الصغرى بالكبرى، تسمى قرينة، و ضرباً.
و هيئية التأليف يسمى شكلاً.
و الصغرى، هي التي فيها المحكوم عليه، و الكبرى هي التي فيها المحكوم به.
و لا بد في القضية من رابطةٍ، و ليس هو الفصل؛ و يجوزُ حذفه.
و الرابطةُ لفظٌ دالٌّ على النسبةِ، كلفظِ: "هو".
فإذن متعلق القضايا، أربع: الموضوع في الحملية، أو المقدم في الشرطية، و المحمول، أو التالي فيهما، و الرابطة بينهما، و الكيفية المخصوصة].

يتبع بمشيئة الله تعالى ......

حماد محمد الشنقيطي
25-11-2012, 20:27
.... تابع:

[
فصل: مواد البراهين:

و هو قياسٌ مؤلفٌ من مقدمات يقينية.
مواد الأقيسة ثلاثة عشر.
و هي إما يقينية، و هي ستة:
الأوليات: و هي ما يحكم فيه العقل، بمجرد تصور طرفيه.
و المشاهدات: و هي ما لا يحكم فيه العقل بمجرد ذلك، بل يحتاج إلى المشاهدة بالحس ظاهراً، فيسمى "حسيات"؛ و إن كان باطناً، فـ "وجدانيات".
و المتواترات: و هي ما يحكم فيه العقل بواسطة السماع، من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب.
و المجربات: و هي ما يحتاج العقل في الجزم فيه إلى تكرار المشاهدة.
و المقدمات النظرية القياس، و تسمى قضايا قياساتها معها، و هي ما يحكم فيه العقل بواسطة لا تغيبُ عنه؛ و الوسط ما يقرن بقولنا: "لأنه".
و الوهميات: و هي ما يحكم العقل فيه بحدس مفيد للعلم؛ و الحدس سرعة الانتقال من المبادئ إلى المطالب.
أو ظنية، و هي ستةٌ أيضاً:
المشهورات: و هي ما اعترف بها الجمهور؛ أما لمصلحة، أو حمية، أو أنفة.
و المقبولات: و هي مقدمات مقبولة من شخص، معتقد فيه.
و المسلمات: و هي مقدمات مسلمة عند الناس.
و المشتبهات: و هي مقدمات يحكم بها العقل حكماً راجحاً.
و المخيلات: و هي مقدمات تنبسط منها النفس، أو تنقبض.
و المشهورات.


فصل: الخطأ في البرهان:

يكون لخطأ ماديَّتهِ تارةً، و لخطأ صورته أخرى.
فالأول إما أن يكون من جهة اللفظ، لإلباس الكاذبة بالصادقة من الاشتراك اللفظي، و نحوه.
أو المعنى، كجعل العرضي، كالذاتي؛ و كجعل الذهني كالخارجي؛ و كجعل النتيجة إحدى المقدمتين.
و الثاني: أن يكون سبباً لخروجه، عن الأشكال الأربعة عن الأشكال الأربعة، أو بانتفاء شرط الإنتاج.



فصل:

و هل المنطق علمٌ؟ أو لا؟ فيه خلافٌ، و هو لفظيٌّ.
و كان أبو نصر يسميه رئيس العلوم، و أنكره أبو علي، و هو لفظيٌّ أيضاً.
و هل يمنع من الاشتغال به، فيه ثلاثة مذاهب.
أحدها: قال ابن الصلاح، و النووي: يحرم الاشتغال به.
و الثاني: يجوز.
و قال الغزالي: من لا يعرفه، لا يوثق بعلومه.
و الثالث: جوازه لمن وثق من نفسه بصحة ذهنه.
و غايته: عصمة الإنسان عن أن يصل فكره في العلوم؛ و هو كالنحو آلة لغيره.
و يبحث فيه عن الأقيسة النظرية، و هي خمسة:
برهاني، و هو: قياس، مؤلفٌ من مقدمات يقينية.
و إقناعي، و هو: قياسٌ، مؤلفٌ من مقدمات مقبولة، من شخص معتقد فيه؛ أو مظنونة.
و جدلي، و هو: قياسٌ، مؤلفٌ من مقدمات مشهورة.
و سَوْفسطائي، و هو: قياسٌ، مؤلفٌ من مقدمات كاذبة.
و شعري، و هو: قياسٌ، مؤلف من مقدمات، تنبسط منها النفس، و تنقبض].

يتبع بمشيئة الله تعالى .......

حماد محمد الشنقيطي
25-11-2012, 21:40
تابع....

[
فصل: المعلوم:

ينقسم إلى موجودٍ، و هو المتحقق في الخارج.
و معدومٍ، و هو ما لا يتحقق فيه؛ و لا واسطة بينهما على الأصح، خلافاً للقاضي أبي بكر، و إمام الحرمين منا؛ و أبي هاشمٍ من المعتزلة، حيث أثبتوها.
و الموجود إما واجبٌ لذاته، و هو ما يلزم المحال من فرض عدمه.
و الأصح أن وجوده عين ماهيته، و هذا قول الحكماء.
و قيل: زائدٌ عليها في الواجب، و الممكن.
و قيل: عينها فيهما، و هو الأصح عند متأخري المتكلمين.
و هو مشاركٌ لباقي الموجوداتِ في الإنِّيَّةِ، لا في معناه.
و إما ممكنٌ لذاته، و هو قسمان: جوهرٌ، و عرضٌ.
و أثبت أبو الوفا بينهما واسطة، و هي الجسم المؤلف؛ فالخلف لفظيٌّ.
و من ثم امتنع إطلاقه على الباري تعالى، و العَرَض ما استحال بقاؤه.
و أقسامه عند الحكماء تسعة، و هي:
كم، و هو ما يقبل القسمة لذاته، و هو قسمان منفصل، و متصلٌ، كالمقادير.
و كيف، و هو ما لا يقبل القسمة، و اللاقسمة لذاته.
و الإضافة، و هي النسبة العارضة للجسم بالقياس إلى نسبة أخرى.
و أين، و هو حصول الشيء في المكان، و هو إما حقيقيٌّ، أو غير حقيقيٍّ.
و متى، و هو حصول الشيء في الزمان، أو طرفه؛ و هو الآن؛ و هو إما حقيقيٌّ، و هو حصول الشيء في الزمان الذي ينطبق عليه.
و مُلك، و يسمى حد، و هو هيئة حاصلة للشيء بسبب ما يحيط به، أو ببعضه، و ينتقل بانتقاله.
و وضع، و هو هيئة حاصلة للشيء بسبب نسبتين.
و أن يفعل، و هو كون الشيء مؤثراً في غيره، كالقاطع.
و أن ينفعل، و هو كون الشيء متأثراً عن غيره.
و جمعها مع الجوهر بعضهم في قوله:
قمرٌ، غزير الحسن، الطف مصره * قد قام يكشف غمتي لما انثنى
و قال أكثر المتكلمين: الأعراض أحد و عشرون نوعاً؛ عشرةٌ تختص بالأحياء، و هي:
الحياة، و هي قوة تقتضي الحس، و الحركة.
و القدرة: و هي صفة وجودية، تؤثر في الشيء على وفق الإرادة.
و الشهوة: و هي توقان النفس إلى أمر مستلذ.
و النفرة: و هي بُعد النفس عن أمر مكروهٍ.
و الإرادة: و هي صفة بها يرجح الفاعل أحد مقدوريه.
و الكراهة، و هي نفرة تعقب اعتقاد الضر.
و الاعتقاد: و هو الحكم الجازم، القابل للتغير، و هو صحيحٌ إن طابق الواقع، و إلا ففاسد.
و الظن.
و النظر.
و الألم، و يقابله اللذة.
و أحد عشر، للأحياء، و غيرهم، و هي:
الكون، و هو أربعة: الحركة، و السكون، و الاجتماع، و الافتراق.
و التأليف.
و الاعتماد.
و الحرارة.
و البرودة.
و اليبوسة.
و الرطوبة.
و اللون.
و الصوت.
و الرائحة.
و الطعم.
و زاد بعضهم على الأحد عشر: البقاء، و الموت.
و الأوجه أنهما للأحياء فقط.
و الأكثرون على أنها مستحيلة البقاء.
و قالت المعتزلة: يحصل بحدوث ضد الجوهر.
و الأكثرون على أن الجوهر لا يخلو عن شيء من الأعراض، أو عن ضده.
و على أنه غير مركب من الأعراض، خلافاً للنظام.
و المعدوم، إما واجب العدم لذاته.
أو ممكنه، و هو ضده.
و الأكثرون على أنه معلوم، و هو الأصح.
و الممتنع لذاته ليس بشيء اتفاقاً؛ و كذلك الممكن المعدوم عند الأشاعرة].

يتبع بمشيئة الله تعالى

إنصاف بنت محمد الشامي
25-11-2012, 23:50
عقيدة الإمام النووي رضي الله تعالى عنه من كتابه الصغير في حجمه، الجليل في معناه و مقصده "المقاصد"؛ فجزاه الله عنا كل خير:
بمشيئة الله، بعد أن أكتب النص كاملاً، سأضعه في ملف و أرفعه على مكتبة المنتدى المبارك....؛ و ما نقلته هنا هو قسم العقيدة فقط "المقصد الأول"، و تبقى المقاصد الستة الأخرى ..... و هذه هي:
... ... ... ... ... .
حضرة الفاصل الموقّر ، السيّد حمّاد الهاشميّ المحترم كان اللهُ لنا و له في الدارَيْن وَ أحسن توفيقنا و توفيقه .. سلامٌ عليكم طبتُم .. وَ بعدُ :
فجزاكم الله خيراً على ما قصدتُم من نشر الخير ، وَ جزى اللهُ خيراً سادتي الموقّرين الكرام أهل هذا المنتدى المبارك حفظهم الله و فضيلة الشيخ نزار أيضاً الذي فتح هذا الباب هنا ...
وَ أرجو أن يتسع صدر السادة الفضلاء لما نتطفَّلُ به كما عوّدونا ، مشكورين :
فبعد التأمُّل في أسلوب كتابة المقاصد هذا ، أُراني جازِمةً بأنَّهُ ليس للإمام النوويّ رضي الله عنه وَ لا ينتمي إلى عصرِهِ إطلاقاً ، وَ ما أظنّ مثل ذلك يخفى على من تمرّس في درس كتب سيّدنا الشيخ رضي الله عنه وَ تدريسها ما يزيد على سبع وَ أربعين سنة ... بل الأشـبه أنَّهُ من صياغة بعض المدرّسين في شرق تركية أو بلاد الشام أواخر زمان الدولة العثمانيّة (رحمها الله تعالى) ، أو من ترتيب بعض مشايخ بيروت أيّام تسلّط الفرنسيّين . وَ اللهُ أعلم .