المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحفة العلماء العاملين بشرح أسماء رب العالمين



نزار بن علي
24-05-2006, 17:12
تحفة العلماء العاملين بشرح أسماء رب العالمين
تأليف: الشيخ يوسف بن زكريا الأنصاري الخزرجي الشافعي

بسم الله الرحمان الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون
قال الفقير يوسف بن الفقير زكرياء الأنصاري الخزرجي الشافعي لطف الله به في الدارين وجعله في بركة خير الفريقين وغفر له ولوالديه ولمشائخه ولجميع المسلمين آمين آمين آمين.
الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد وأتمه على كل حال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المنقذ من الضلال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل.
وبعد، فقد سألني بعض الأعزة عليّ من الفضلاء المترددين إليّ أن أضع على أسماء الله الحسنى شرحا يحل ألفاظها ويجل حفاظها، فأجبته إلى ما سأل وقصد، مستعينا بالله الواحد الصمد، ضامّا إليه من النفائس والفوائد ما تقر به أعين أولي البصائر والعوائد، راجيا بذلك جزيل الأجر والثواب، من فيض مولانا الأكرم الوهاب. وسمّيته "تحفة العلماء العاملين بشرح أسماء ربّ العالمين". واللهَ أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، ووسيلةً للفوز بجنات النعيم.
وهي التسع والتسعون التي اشتمل عليها رواية أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لله عز وجل تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحدة، إنه وتر ويحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة. وهي:[COLOR="Red"] هو الله الذي لا اله إلا هو. الرحمن. الرحيم. الملك. القدوس. السلام. المؤمن. المهيمن. العزيز. الجبار. المتكبر. الخالق. البارئ. المصور. الغفار. القهار. الوهاب. الرزاق. الفتاح. العليم. القابض. الباسط. الخافض. الرافع. المعز. المذل. السميع. البصير. الحكم. العدل. اللطيف. الخبير. الحليم. العظيم. الغفور. الشكور. العلي. الكبير. الحفيظ. المقيت. الحسيب. الجليل. الكريم. الرقيب. المجيب. الواسع. الحكيم. الودود. المجيد. الباعث. الشهيد. الحق. الوكيل. القوي. المتين. الولي. الحميد. المحصي. المبدئ. المعيد. المحيي. المميت. الحي. القيوم. الواجد. الماجد. الواحد. الأحد. الصمد. القادر. المقتدر. المقدم. المؤخر. الأول. الآخر. الظاهر. الباطن. الوالي. المتعالي. البر. التواب. المنتقم. العفو. الرؤوف. مالك الملك. ذو الجلال والإكرام. المقسط. الجامع. الغني. المغني. المعطي. المانع. الضار. النافع. النور. الهادي. البديع. الباقي. الوارث. الرشيد. الصبور. »
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم إلى قوله: « يحب الوتر » ، وما بعده حديث حسن رواه الترمذي وغيره.
وبعضهم – وهو الشيخ الصالح محمد الشيباني رحمه الله ونفعنا به وببركاته – زاد على ذلك هذه العقيدة المباركة، وهي قوله: " الذي تقدس عن الأشباه ذاته، وتنزه عن مشابهة الأمثال صفاته، واحد لا من قلة، موجود لا من علّة، بالبرّ معروف، وبالإحسان موصوف، معروف بلا غاية، وموصوفة بلا نهاية، أوّل قديم بلا ابتداء، وآخر مقيم بلا انتهاء، لا ينسب إليه البنون، ولا يفنيه تداول الأوقات ولا توهنه السنون، كل المخلوقات تحت قهر عظمته، وأمره بالكاف والنون، بذكره أنس المخلصون، وبرؤيته تقرّ العيون، وبتوحيده ابتهج المسبّحون، هدى أهل طاعته إلى صراط مستقيم، وأباح أهل محبته جنات النعيم، وعلم عدد أنفاس مخلوقاته بعلمه القديم، ويرى حركات أرجل النمل في جنح الليل البهيم، يسبحه الطائر في وكره، ويمجده الوحش في قبره، محيط بعمل العبد سره وجهره، وكفيل للمؤمنين بتأييده ونصره، وتطمئن القلوب الوجلة بذكره وكشف ضره، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، أحاط بكل شيء علمًا، وغفر ذنوب المذنبين كرمًا وحلمًا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".
اللهم اكفنا السوء بما شئت وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، يا نعم المولى ونعم النصير، غفرانك ربنا وإليك المصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، جل وجهك وعز جارك، يفعل الله ما يشاء بقدرته ويحكم ما يريد بعزته، يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أغثنا يا رحمن يا رحيم لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم أغثنا يا غياث المستغيثين لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم انصرنا يا خير الناصرين لا إله إلا أنت، بجاه محمد صلى الله عليه وسلم ارحمنا يا أرحم الراحمين. رحمة الله عليكم وبركاته أهل البيت إنه حميد مجيد، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.
قوله: « تسعة وتسعون » ذِكره هذا العدد بهذا اللفظ لا يدل على الحصر. وتخصيصها بالذكر لكونها أشهر لفظا وأظهر معنا.
قوله: "اسمًا"، الاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمّى؛ لأنه يتألف من أصوات مقطعة غير قارة، ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدد تارة ويتحد أخرى، والمسمّى لا يكون كذلك. وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمّى، لكنه لم يشتهر بهذا المعنى. وقوله تعالى: ( سبح اسم ربك) و ( تبارك اسم ربك ) المراد به اللفظ؛ لأنه كما يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب.
أو الاسم فيه مقحم، كما في قول الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذرا
وإن أريد به الصفة – على ما هو رأي الأشعري – انقسم انقسام الصفات عنده إلى ما هو نفس المسمّى، وإلى ما هو غيره، وإلى ما ليس هو ولا غيره.
قوله: "مائة إلا واحدة" بدل من قوله: "تسعة وتسعون" بدل الكل من الكل.
وفائدة قوله: "مائة إلا واحدة" بعد قوله: "تسعة وتسعون" أن هذا العدد وإن لم يبلغ المائة في الظاهر فحكمه حكم المائة، وحكم المائة أنه عدد جامع لأصول الأعداد كلها، وأصولها ثلاثة: آحاد، وعشرات، ومئون. فبيّن أن نقصان واحد من مائة لا يرفع حكم المائة وحكم كمالها. ولهذا قال من قال: إن نقصان رطل أو رطلين لا يبطل حكم قوله صلى الله عليه وسلم « إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ».
وفائدته أيضا التوكيد، كقوله تعالى: ( فصيام ثلاثة أيّام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة ) وقوله تعالى: ( ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيرا لكم، إنما الله إله واحد ).
وفائدته أيضا أن يكون أبعد من الخطأ وأسلم من التصحيف؛ لأن تسعة وتسعين تشتبه في الكتابة بسبعة وسبعين وبتسعة وسبعين، وبسبعة وتسعين، فأزال هذا الاشتباه بقوله: "مائة إلا واحدة".
وفائدته أيضا المبالغة في المنع عن الزيادة بالقياس، وتأنيث واحدة على تأويل الكلمة أو التسمية أو الصفة.
قوله: "من أحصاها"، قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي رحمه الله: أي من حفظها. هكذا فسره البخاري والأكثرون. ويؤيده أنّ في رواية في الصحيح « من حفظها دخل الجنة ».
وقيل: معناها: من عرف معانيها وآمن بها.
وقيل: معناها: من أطاقها بحسن الرعاية لها، وتخلَّق بما يمكنه العمل بمعانيها.


[SIZE="6"]وقوله: "الله"،
هو أعظم الأسماء المذكورة؛ لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الهيئة كلها، بخلاف سائر الأسماء، فإن آحاده لا يدل إلا على آحاد المعاني من علم أو فعل أو قدرة أو غيرها؛ ولأنه أخص الأسماء، إذ لا يطلق على غيره لا حقيقةً ولا مجازًا، بخلاف سائر الأسماء فإنه قد يسمّى به غيره مجازًا كالقادر والعليم والرحيم.
و"الله"، علَمٌ على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد. و"الـ" لازمة له، لا لتعريف ولا غيره.
ولفظ "الله" ليس بمشتق كما نقل عن الشافعي والخليل وسيبويه وابن كيسان. والأكثرون على أنه مشتق، ونقل عن الخليل وسيبويه أيضا.
وأصله على القول بأنه مشتق "إله" كـ"إمام"، فلمّا أدخلت عليه حرف التعريف – وهي الألف واللام – حذفت همزته نقلا أو تخفيفا لكثرة وقوعها في الكلام، فاجتمعت لامان فأدغمت الأولى في الثانية كراهية اجتماع المثلين، وصار حرف التعريف فيه كأنه عوض من الهمزة المحذوفة التي هي فاء الكلمة.
وقيل: أصله غير ذلك.
وهو عربي عند الأكثر، قال الإمام الغزالي رحمه الله: "وزعم بعضهم أن أصل هذه اللفظة أعجمي، وهو بعيد؛ لجريانها على أوزان العربية ومطابقتها لمعاني الاشتقاق". انتهى.
وقد بسطت الكلام على ذلك في كتابي المسمّى بـ"تيسير الفتاح العليم بتفسير القرآن العظيم" يسّر الله لنا إكماله وإتمامه، وأدام علينا أفضاله وإنعامه بجاه الشفيع في أمّته يوم القيامة.
قوله: "الذي لا إله إلا هو"، قال العلامة البيضاوي: "نفى بكلمة "لا" الإلهية عمّا سواه".


قوله: "الرحمن الرحيم"،
هما صفتان بنيتا للمبالغ من رحم. و"الرحمن" أبلغ من "الرحيم"؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى كما في قطع وقطّع، ولقولهم: "رحمان الدنيا والآخرة، ورحيم الآخرة". وقيل: "رحيم الدنيا". و"الرحمن" أعمّ منه أيضا؛ لشموله المسلم والكافر، بخلاف "الرحيم"، فإنه خاص بالمسلم.
والرحمة لغة: رقة في القلب. وهي كيفية نفسانية تستحيل في حقه تعالى، فتحمل على غايتها، وهي الإنعام، فتكون صفة فعل، أو الإرادة فتكون صفة ذات.
وقال بعضهم: "الرحمن" لأهل الافتقار، و"الرحيم" لأهل الافتخار؛ إذا شهدوا جلاله طاشوا وافتقروا، وإذا شهدوا جماله عاشوا وافتخروا.
وقيل: "الرحمن" بما ستر في الدنيا، و"الرحيم" بما غفر في العقبى.
وقال عبد الله بن مبارك: "الرحمن": الذي إذا سُئل أعطى، و"الرحيم": الذي إذا لم يُسأل غضب.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: « من لم يسأل الله يغضب عليه ». والشاعر نظم هذا المعنى فقال:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنَيّ آدم حين يُسأل يَغضبُ
وقيل: الرحمن بالإنقاذ من النيران، والرحيم بإدخال الجنان.
وقيل: الرحمن بإزالة الكروب والعيوب، والرحيم بإنارة القلوب بالغيوب.
وقيل: الرحمن يكشف الكروب، والرحيم يغفر الذنوب.
وقيل: الرحمن بغفران السيئات، والرحيم بقبول الطاعات.
وقيل: الرحمن بتعليم القرآن. دليله: قوله تعالى ( الرحمن علّم القرآن )، والرحيم بتشريف التكليم والتسليم. دليله: قوله تعالى ( سلام قولا من رب رحيم ).
وقال بعضهم: قوله "الله" للسابقين، وقوله الرحمن للمقتصدين، وقوله الرحيم للظالمين. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد من هذه الأسماء الثلاثة أن يلاحظ من الله تعالى قدرته، ومن الرحمن نعمته، ومن الرحيم عصمته ومغفرته. وقيل غير ذلك.
فإن قلت: ما معنى كونه تعالى رحمانا ورحيما وأرحم الراحمين، ومن شأن من هو متصف بذلك أن لا يرى مبتلا أو معذبا أو مريضا وهو يقدر على إزالة ما به إلا ويبادر إليها، وهو تعالى لم يفعل ذلك لأن المشاهَد أن الدنيا طافحة بالأمراض ونحوها على عباده، ولم يزالوا مبتلين بالرزايا والمحن مع أنه قادر على إزالة كل بلية.
قلت: أجيب بأن عدم إزالته تعالى ذلك عمّن ذكر ليس لعدم شفقته ورحمته عليهم، بل فعله ذلك هو الشفقة والرحمة عليهم؛ كما أن الطفل الصغير قد ترق له أمّه فتمنعه عن الحجامة مثلا مع كونه محتاجا إليها، والأب العاقل يحمله عليها قهرا، والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام الأب إيّاه بالحجامة مثلا من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته عليه، وأن الأم عدوّ له في صورة صديق، وأن الألم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرّا بل خيرًا، والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة.
وليس في الوجود شرّ إلا في ضمنه خير، لو رفع ذلك الشرّ لبطل الخير الذي هو في ضمنه؛ فاليد المتآكلة مثلا قطعها شر في الظاهر، وفي ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن، ولو ترك قطع اليد لحصل بسببه هلاك البدن ولكان الشرّ أعظم، وقطع اليد لأجل سلامة البدن شر في ضمنه خير، ولكن المراد الأوّل السابق إلى نظر القاطع: السلامة التي هي خير محض، ثم لمّا كان السبيل إليه قطع اليد قُصد قطع اليد لأجله، وكانت السلامة مطلوبة لذاتها أوّلا والقطع مطلوبا لغيره ثانيا لا لذاته، فهما داخلان تحت الإرادة ولكن أحدهما مراد لذاته والآخر مراد لغيره، والمراد لذاته قبل المراد لغيره. ولأجله قال تعالى « سبقت رحمتي غضبي ». فغضبه إرادته للشرّ، والشر بإرادته، ورحمته إرادة للخير، والخير بإرادته، لكن أراد الخير للخير نفسه، وأراد الشر لا لذاته، بل لما في ضمنه من الخير. فالخير مقضي بالذات والشرّ مقضي بالعَرَض، وكل منهما بقَدر، وليس في ذلك ما ينافي الرحمة أصلا، فتأمل !


قوله: الملِك
(بكسر اللام): الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود.
وقيل: من ملَك نفوس العابدين فأقلقها، وملك قلوب العارفين فأحرقها.
وقيل: من إذا شاء ملّك وإذا شاء أهلك.
وقيل: من لا ينازعه معارض، ولا يمانعه مناقض؛ فهو بتقديره منفرد، وبتوحيده متوحد. ليس لأمره مردّ ولحكمه ردّ.
وقيل: من دار لحكمه الفلك، وسبّح بتقديسه الملك.
وقيل: الذي يحوز الشيء ويستولي عليه ويصرفه فيما يريده. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه ما قيل: من لاحظ الملك فنا عن المملكة، فالأعراض لا تشغله، والشواهد لا تقطعه، والعوائد لا تحجبه.
وأمّا الملَك (بفتح اللام) فهو مفرد الملائكة، وأصله ملاك من الألوك وهو الرسالة، كشمائل جمع شمال وإلحاق التأنيث الجمع.
وحكي عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى أنه قال: بينما أطوف بالبيت، إذ رأيت رجلا وقع في قلبي أنه من عباد الله المخلصين، فدنوت منه فقلت: هل تقول شيئا ينفعني الله به؟ فقال: هل تدرون ما قال ربكم؟ فقلت: لا. فقال، قال: أنا الحي الذي لا يموت، هلمّوا أطيعوني أجعلكم أحياء لا تموتون، أنا الملك الذي لا أزول، هلموا أطيعوني أجعلكم ملوكا لا تزولون، أنا الملك إذا أردت شيئا قلت له كن فيكون. قال: ثم نظرت فلم أجد أحدا، فظننت أنه الخضر عليه الصلاة والسلام.
وحكي أن بعض الأمراء قال لبعض الصالحين: سل حاجتك! قال: أوَلي تقول ولي عبدان هما سيداك!؟ قال: ومن هما؟ قال: الشهوة والغضب، غلبتُهما وغلباك، وملكتهما وملكاك.


قوله: القدوس
هو على فعّول (بالضم) من أبنية المبالغة. وقد تفتح القاف وليس بالكثير. ولم يجئ منها إلا قدّوس وسبّوح وذرّوح.
والقدّوس من القُدس (وهي بضم الدال وإسكانها): الطهارة والنزاهة، وهو من صيغ المبالغة. والطهارة في حقه: النزاهة عن سمات النقص وموجبات الحدوث.
وسمّيت "الأرض المقدسة" مقدسة لطهارتها عن أوضار الشرك. وسمّي جبريل "روح القدُس" (بضم الراء) لتنزّهه فيما يبلغه عن الله.
وقيل: القدوس: من تقدس عن الحاجات ذاته، وتنزه عن الآفات صفاته.
وقيل: من تقدس عن المعاصي، وأخذ الأشرار بالنواصي.
وقيل: الذي قدّس قلوب أوليائه عن السكون إلى المألوفات، وآنس أرواحهم بفنون المكاشفات. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه: التنزه عما يشينه في أمر دنياه وأخراه.


وقوله: السَّلام
(هو بفتح السين التحتية) وقيل: الذي سلمت ذاتُه عن الحدوث والعيب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر المحض. فيرجع معناه إلى التنزيه. ويباين القدوس باشتمال القدوس على مبالغة.
وتنزيهه في الملك عدمُ احتياجه إلى مُعين أو وزير أو ظهير أو مشير.
وقيل: معناه: المسلِّم على عباده، فيرجع إلى الكلام القديم؛ قال تعالى: ( سلام قولا من رب رحيم ).
وقيل: معناه: المسلِّم عباده من المعاطب والمهالك. فيرجع إلى القدرة وأسماء الأفعال. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه بالمعنى الأول: أن ينزه نفسه عن كل لهوٍ، ولسانه عن كل لغوٍ، وقلبه عن كل غيرٍ ويأتي ربه بقلب سليم. وبالمعنى الثاني: إفشاء السلام. وبالمعنى الثالث: دفع المضار.
وأمّا السِّلام (بالكسر) فهو الحجارة. وبالضم عروق ظاهر الف.


قوله: المؤمن
الإيمان لغة: مطلق التصديق؛ قال تعالى: ( وما أنت بمؤمن لنا ) أي: بمصدق لنا. قال سيدي ووالدي شيخ مشائخ الإسلام والمسلمين غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين: "وجمهور الأشاعرة على تغاير الإيمان والإسلام؛ لأن الإيمان إذعان القلب، والإسلام انقياد الظاهر. لكن الإيمان شرط للإسلام النافع حيث لا مانع. وقول كثير: الإيمان والإسلام واحد، أرادوا به الإتحاد في المَاصْدَق؛ إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا الإتحاد في المفهوم، لكن التصديق بالقلب أمر باطن يحتاج إلى علامة. فالمؤمن الذي يحكم بإسلامه: من صدًّق بقلبه ما جاء من عند الله تعالى ونطق بالشهادتين. ومن نطق بإحداهما فقط ليس من أهل القبلة فلا يُحكم بإسلامه. والكلام على ذلك طويل لكن هذا القدر كاف للمتأمل". انتهى.
ومعناه في حقه تعالى: تصديقه نفسه وكتبه ورسله. فيرجع معناه إلى الكلام القديم.
وقيل: إنه مأخوذ من الأمن، وهو المُؤَمِّن عباده من المخاوف. فيرجع إلى القدرة وصفات الأفعال. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه بالمعنى الأوّل: تحقيق اتصافه بحقائق الإيمان. وبالمعنى الثاني: أن يأمِّن غيرَه أذاه؛ قال صلى الله عليه وسلم: « المؤمن من سلم المسلمون من لسانه ويده ». وقال صلى الله عليه وسلم: « ليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه ».
وأحق العباد باسم المؤمن من دعا عباد الله إلى معرفة الله وطاعته، وزجرهم من الاشتغال بما يضاد ذلك. وهذا هو وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإليه الإشارة بقوله: ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ).
وحكي أن مناديا ينادي يوم القيامة: ألا من كان سمّي نبي من الأنبياء فليدخل الجنة ! ويبقى قوم فيقال لهم: ما أنتم؟ فيقولون: لم يكن اسمنا اسم نبي ولكنا مؤمنين. فيقول الله سبحانه وتعالى: أنا المؤمن وأنتم المؤمنون، فادخلوا الجنة برحمتي.

نزار بن علي
24-05-2006, 17:14
قوله: المهيمن
الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ، من قولهم هيمن الطير، إذا نشر جناحه على فرخه صيانة له. وسيأتي معنى الرقيب.
وقيل: معناه: الشاهد، أي العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة. فيرجع إلى العلم؛ قال تعالى: ( ومهيمنا عليه ) أي: شاهدا عليه. وقال الشاعر:
إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه أولو الألباب
وقيل: معناه: الذي يشهد على كل نفس بما كسبت. فيرجع إلى القول.
وقيل: الذي يشهد خواطرك، ويعلم سرائرك، ويبصر ظواهرك.
وقيل: الذي يعلم السر والنجوى، ويسمع الشكر والشكوى، ويرفع الضر والبلوى.
وقيل: القائم بأمور الخلق. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه بالمعنى الأوّل: ملاحظة أفعاله من حيث الشريعة وأسراره من حيث الحقيقة. قال تعالى: ( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ). وقال: ( ألم يعلم بأن الله يرى). وبالمعنى الثاني والثالث: أن يكون رقيبا على خواطره.


قوله: العزيز
أي الذي لا يدركه طالبه ولا يعجزه هاربه. فيرجع إلى القدرة. ومنه قولهم من عزّ بزّ.
وقيل: هو العديم المثل. فيرجع إلى التنزيه. وقيل غير ذلك.
والعزة في الأصل: القوة والشدة والغلبة. تقول عزَّ يعِزُّ (بالكسر) إذا صار عزيزًا. وعزَّ يعَزُّ (بالفتح) إذا اشتد.
وحظ العبد منه: أن يغلب نفسه وسلطانه بالاستقامة والاستعانة به تعالى.
وقال صلى الله عليه وسلم: « من تواضع لغني لغناه ذهبا ثلثا دينه ». وإنما كان كذلك لأن الإيمان متعلق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع له بلسانه وأعضائه فقد ذهب الثلثان، فلو انظم إليه القلب ذهب الكل.
وحكي أن رجلا أمر هارون الرشيد بمعروف، فغضب عليه هارون وكان له بغلة سيئة الخلق فقال: اربطوه معها حتى تقتله. ففعلوا ذلك فلم تضره. فقال اطرحوه في بيت وطينوا على الباب. ففعلوا ورأوه في البستان. فقال هارون اركبوه دابة وطوّفوا به في البلد وقولوا إن هارون أراد أن يذل عبدا أعزه الله فعجز عنه.


قوله: الجبار
صيغة مبالغة من الجبر. ومنه جبر العظم. قال العجاج: "قد جبر الإله الدين فجبر". وهو في الأصل إصلاح الشيء بضرب من القهر.
وقيل: معناه: حامل العباد على ما يشاء. فمرجع المعنيين إلى اسم الفاعل.
وقيل: الذي لا يرتقي إليه وَهمٌ ولا يشرف عليه فَهم.
وقيل: من لا يلحقه قهر.
وقيل: من أصلح الأشياء بلا علاج، وأمر بالطاعة بلا احتياج.
وقيل: معناه: الذي يقهر العباد على ما أراد من أمرٍ ونهيٍ. يقال: جبر الخلق وأجبرهم، وأجبر أكثر.
وقيل: العالي فوق خلقه. وفعال من أبنية المبالغة. ومنه قولهم: نخلة جبارة، وهي العظيمة التي تفوت يد المتناول. وقيل معناه غير ذلك.
وحظ العبد منه أن يقهر نفسه على امتثال أوامر الله وعلى اجتناب نواهيه.
وحكي عن بعضهم أنه كان يقول: يا جبار! عجبت لمن يعرفك كيف يرجو أحدًا غيرك.


قوله: المتكبر
أي المتعال العظيم. قال الشيخ شرف الدين التلمساني رحمه الله تعالى: "قال القاضي: هو مشعر بجميع الصفات النفسية والمعنوية وانتفاء النقائص. قال عليه السلام: « وقول الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منها قذفته في النار»" انتهى.
وقال مجاهد: "التكبر في الأرض: الملك؛ قال الله تعالى: ( وتكون لكم الكبرياء في الأرض ). فعلى هذا يرجع معناه إلى الملك.
فإن قلت: التفعل يفيد التكلف، والتكلف لا ينسب إليه تعالى.
قلت: قال الإمام الرازي رحمه الله تعالى: إن المتفعل هو الذي يحاول إظهار الشيء، فإن كان حقا كان صدقا، وإن كان عكسه بعكسه.
وقيل: هو الذي يرى غيره حقيرا بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر المالك إلى عبده. وهو على الإطلاق لا يتصور إلا لله تعالى، فإنه المتفرد بالعظمة والكبرياء بالنسبة إلى كل شيء من كل وجه، ولذلك لا يطلق على غيره إلا في معرض الذم.
وقيل: هو الذي انفرد بالكبرياء والملكوت، وتوحد بالعظمة والجبروت.
وقيل: هو الذي بيده الإحسان، ومنه الغفران.
وقيل: هو الذي ليس لملكه زوال، ولا له عن عظمته انتقال.
وقيل: المتعالي عن صفات الخلق. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه أن يتكبر عن الركون إلى الشهوات والسكون إلى الدنيا وزينتها؛ فإن البهائم تشاركه فيها، بل يتكبر عن كل ما يشغل سِرَّه عن الحقِّ، ويستحقر كل شيء سوى الوصول إلى جناب القدس من مستلذات الدنيا والآخرة.


قوله : الخالق البارئ المصور
هذه الأسماء الثلاثة مع الأسماء الإحدى عشر المذكورة قبلها في القرآن مجموعة في آخر سورة الحشر. وهذه الثلاثة قيل: إنها ألفاظ مترادفة، وهو وَهم؛ لأن الخالق من الخلق وأصله التقدير المستقيم؛ كقوله تعالى: ( فتبارك الله أحسن الخالقين ). ويستعمل بمعنى الإبداع وهو إيجاد الشيء من غير أصل كقوله تعالى: ( خلق السموات والأرض )، وبمعنى التكوين، كقوله تعالى: ( خلق الإنسان من نطفة).
ولأن البارئ مأخوذ من البرء، وأصله: خلوص الشيء من غيره، إما على سبيل التقصي منه، ومنه قولهم برئ فلان من مرضه، والمديون من دينه، واستبرأت المرأة رحمها، وإما على سبيل الإنشاء منه، ومنه: برأ الله النَّسَمة، وهو البارئ لها.
ولأن المصور: مبدع صور المخترعات ومزينها، والله تعالى خلق آدم من تراب – أي قدره تقديرا مخصوصا – ثم برأه – أي سوّاه – ثم صوره – أي بلغه الكمال – . فالنجار إذا قدّر خشبات الكرسي فقد خلقها، وإذا سوّى تلك الخشبات فقد برأها، وإذا شدّ بعضها ببعض وبلّغها المبلغ الذي يصلح معه أن يجلس عليها فقد صوّرها.
فالله تعالى خالق كل شيء بمعنى أنه مقدّره أو موجده من أصل أو غيره، وبارئه حسب ما اقتضت حكمته وسبقت به كلمته من غير تفاوت واختلال، وصوّره بصورة يترتب عليها خواصه ويتم بها كماله. وهذه الأسماء الثلاثة من أسماء الأفعال.
وقيل: الخالق: الذي بدأ الخلق بلا مشير، وأوجده بلا وزير.
وقيل: الذي ليس لذاته تأليف، ولا عليه في قوله تكليف.
وقيل: الذي أظهر الموجودات بقدرته، وقدّر كل واحد منها بمقدار معيّن بإرادته.
وقيل: الذي خلق الخلائق بلا سبب وعلة، وأنشأها من غير جلبِ نفعٍ ولا دفع مضرة.
وقيل: الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة.
وقيل: البارئ: من عرف أنه البارئ تبرأ عن حول نفسه وقوته وسطوته، ولا يمن على الحضرة بعبادته وطاعته.
وقيل: من عرف أنه البارئ تبرأ عن مساكنة الأغيار، وسقط عن سره ملاحظة الآثار.
وقيل: من عرف أنه البارئ تبرّأ عن المحضور، والتجأ إلى الملك الغفور.
وقيل: الذي خلق الخلق لا عن مثال.
وقيل: المصوِّر: الذي صوَّر قامتك وعدل خلقتك؛ قال تعالى: ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ).
وقيل: هو من زيّن الظواهر عموما، ونوّر السرائر خصوصا.
وقيل: هو الذي ميز العام من البهائم بتسوية الخَلق، وميز الخواص من العوام بتصفية الخُلق.
وقيل: هو الذي صوّر جميع الموجودات ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة وهيئة مفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها. وقيل معنى الثلاثة غير ذلك.
وحظ العبد منها: والتفكر في غرائب المصنوعات وتباين ألوانها وأشكالها، قال تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِمًا وَمِنَ النَّخْلِ وَمِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ). وقال تعالى: ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ).


قوله: الغفار
قال تعالى: ( وإني لغفار لمن تاب آمن وعمل صالحا ثم اهتدى ). وأصل الغفر لغة: الستر. والغفار من أبنية المبالغة، يقال غفر الله لك يغفر غفرا أو غفرانا أو مغفرة.
والمغفرة: إلباس الله العفوَ للمذنبين.
والغفار معناه: الذي أظهر الجميل وستر القبيح. والذنوب من جملة القبائح التي سترها بإرسال الستر عليها في الدنيا والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة.
وقيل: معناه: ستره على العصاة ذنوبهم. ويشكل بأن الله تعالى غفر لآدم، وقال في كتابه العزيز: (وعصى آدم ربه فغوى). وأجيب بحمله على الإنعام وترك المعاقبة. وقيل معناه غير ذلك.
والله تعالى كما وضع في الصورة الإنسانية المعاني السبع، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وجعلها مرآة للإنسان إذا نظر فيها عرف ربه، وضع فيها أضدادها من الموت والجهل والعجز والإباء والصمم والعمى والبكم. وإلى هذه المعاني أشار بقوله: ( أتجعل فيها من يفسد فيها )، فإذا أراد الله بعبد خيرًا ستر جهله بعلمه، ومرّت غفلته بحياة شهادته حتى تصير هذه الصفات المذمومة مستورة بتلك الصفات المحمودة.
وحظ العبد منه: أن يستر من أخيه ما يحب أن يُستَر منه، ولا يفشي منه إلا أحسن ما فيه، ويتجاوز عما يقبُح منه، ومقابلة الإساءة بالإحسان؛ قال تعالى: ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة ).
وروي أن عيسى عليه الصلاة والسلام مرّ مع الحواريين بكلب ميت قد عظم نتنه فقالوا: ما أنتن هذه الجيفة. فأنكر عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك تنبيها على أنه يجب أن لا يذكر من الشيء إلا ما هو أحسن أحواله.
وقال الشيخ العلامة بدر الدين الزركشي رحمه الله تعالى: "قال بعض السلف: من أحب أن يكثر ماله وولده ويبارك الله في رزقه فليقل: أستغفر الله إنه كان غفارا، في اليوم سبعين مرة، فإن الله سبحانه قال: ( استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ).


قوله: القهار
مبالغة في القهر. قال تعالى: ( وهو الواحد القهار ).
والقهر في اللغة: الغلبة وصرف الشيء عما طبع عليه على سبيل الإلجاء، فيرجع إلى القدرة على المنع. وقيل نفس المنع.
فمن قَهْرِه جمعُه بين الطبائع المتنافرة وإسكان الروح اللطيف النوراني في البدن الكثيف المظلم.
ومن قهره تسخير الأفلاك الدائرة، وجمع الخلائق في مشيئته، ومنع العقول عن الوصول إلى كنه حقيقته؛ (ولا يحيطون به علما ).
ومعناه: الذي يقصم ظهور الجبابرة من أعدائه فيقهرهم بالإماتة والإذلال والهلاك. فهو من أسماء الأفعال.
وقيل: هو الذي قهر قلوب الطالبين فآنسها بلطف مشاهدته.
وقيل: هو الذي يطلب منك الفناء عن رسومك والبراءة من قدرتك وعلوك.
وقيل: هو الذي حاطت عند صولته صولة المخلوقين، وبادت عند سطوته قوى الخلائق أجمعين.
وقيل: هو الغالب جميع الخلائق يقال: قهره يقهره قهرًا فهو قاهر وقهّار للمبالغة، وأقهرت الرجل إذا وجدته مقهورًا، أو صار أمره إلى القهر.
وحظ العبد منه: قهر النفس الأمار بالسوء، قال تعالى: (﴿ إن النفس لأمّارة بالسوء )، والإضرار بالقوى الشهوانية والغضبية، وتضييق مجاري الشيطان بالصوم، قال تعالى: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا إن الله لمع المحسنين ).


قوله: الوهاب
قال تعالى: ( إنك أنت الوهاب ).
ومعناه: كثير النِّعم، دائم العطاء. وهو مبالغة في الواهب والهبة، وهي العطية الخالية عن العوض والغرض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهّاباً. وهو من أبنية المبالغة، ولا تكون حقيقة إلا منه تعالى؛ إذ لا مالك في الحقيقة إلا هو.
وقيل: هو من يكون جزيل العطايا والنوال، كثير المنن والافضال، كثير اللطف والإقبال، يعطي من غير سؤال، ولا يقطع نواله من العبد بحال.
وقيل: هو الذي يعطيك بلا وسيلة، وينعم عليك بلا سبب وحيلة.
وقيل: الذي يعطي لا لعوض، ويهب لا لغرض. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه: التشبّه بأبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تركت لأهلك؟ فقال: الله ورسوله".
وشرط الإيثار بالكل قوة اليقين، وإلا فقد رد صلى الله عليه وسلم عن غير أبي بكر ما أتى به، وقال: "يأتي أحدكم بجميع ماله ويترك أهله عالة يتكففون الناس" وذلك لما علمه من ضعف يقينه وقوة يقين أبي بكر.
وحكي عن حاتم الأصم رحمه الله أنه كان ذات يوم صائما، فلمّا أمسى قدّم إليه الطعام، فجاءه سائل فدفع ذلك إليه، ففي الحال جاءه طبق عليه من كل لون من الأطعمة والحلاوي ، فأتاه سائل آخر فدفعه إليه، فجاءه إنسان بصرّة فيها دنانير كثيرة فصاح: الغوث والغوث من خَلَفٍ، وكان في جواره إنسان يسمى خَلَفًا فتسارع الناس إليه فقال: لم تؤذي الشيخ؟ فقال حاتم: إني لا أستغيث منه، وإنما عجزت عن شكر الله على ما تعجل لي من الخَلَف.
وحكى الشبلي رحمه الله تعالى سأل بعض أصحاب أبي علي الثقفي رحمه الله تعالى فقال: اسم من أسماء الله تعالى يجري على لسان أبي علي، فقال: الوهاب، فقال الشبلي: فلهذا أكثر ماله.
وقال بعض العارفين: مما جربت استجابته أن يقال: اللهم هب لي من رحمتك ما لا يمسكه أحد غيرك. ست مرات.


قوله: الرزاق

مبالغة في الرازق. والرزاق معناه: الذي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم، وخلق لهم أسباب التمتع بها.
والرزق على قسمين:
ظاهر: وهي الأقوات والأطعمة، وذلك للظواهر وهي الأبدان.
وباطن: وهي المعارف والمكاشفات، وذلك للقلوب والأسرار.
وهذا أشرف الرزقين، فإن ثمرتها حياة الأبد، وثمرة الرزق الظاهر قوت الجسد إلى مدة قريبة الأمد. والله تعالى هو المتولي بخلق الرزقين، والمتفضل بإيصالهما إلى العباد، ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، قال تعالى: ( إن الله هو الرزاق ). ولفظ (هو) يفيد الاختصاص وأنه لا رازق سواه. وقد احتج على وحدانيته بذلك فقال: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء).
وقيل: معناه من غذى نفوس الأبدان بتوفيقه، وجلى قلوب الأخيار بتصديقه.
وقيل: من رزق الأشباح فوائد لطفه، والأرواح عوائد كشفه.
وقيل: الذي يرزق من يشاء من عباده القناعة، ويصرف دواعيهم عن ظلمة المعصية إلى نور الطاعة. وقيل غير ذلك.
وحظ العبد منه أن يتيقن أنه لا رازق سواه، وأن يقطع مطامعه عن جميع عباده بالثقة بموعوده، ويكف استشرافه إلى جميع خلقه بالرضا بمقدوره.
قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: اسم الرزق لا يختص بالمأكول والمشروب، بل كل ما انتفع به الحيوان من مأكول ومشروب وملبوس وغيرها فهو رزقه، ومن أعظم الرزق التوفيق للطاعات. ولا يفترق الحال فيه بين الحلال والحرام، وقالت المعتزلة: شرط الرزق أن لا يكون حرامًا.
لنا: النص والمعقول:
أما النص، فقوله تعالى: ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها )، فلو لم يكن الحرام رزقا، من أكل طول عمره الحرام وجب أن يقال: إنه لم يأكل طول عمره من رزق الله، وذلك باطل بالإجماع.
وأما المعقول، وهو أن العبد لا يفعل إلا عند حصول الداعي في قلبه من الله، فيكون فعله مستندا إلى الله تعالى، فثبت أنه تعالى هو الذي أطعمه ذلك الحراك، ولا يريد بالرزق إلا هذا.
واحتجت المعتزلة بأن الإنفاق من الرزق موجب للمدح، والإنفاق من الحرام موجب للذم، فلا نزاع فيه.
وأجيب بأن حاصل كلامهم يرجع إلى أنّا لو حكمنا بكون الحرام رزقا لزم تخصيص العمومات الدالة على الأمر بالإنفاق من الرزق، وليس كذلك، بل هي من الآيات الباقية على العموم. ودليلنا مستند إلى الإجماع وإلى العقل، فكان قولنا أولى.
واعلم أنه تعالى يوصل الرزق إلى جميع مخلوقاته للآية المذكورة، ولقوله: ( وكأيّن من دابة لا تحمل رزقها ). وأن من أسباب سعة الرزق: الصلاة؛ لقوله تعالى: (وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى )، والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم. وأن من آداب العبودية أن يرجع العبد إلى ربه في طلب كل ما يريده، ألا ترى أن موسى عليه الصلاة والسلام لما طلب الرؤية من ربه، وهي أعظم المناجاة، قال: ( رب أرني أنظر إليك ) ولمّا جاع طلبَ الرغيف فقال: ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) فطلب النفيس والخسيس من مولاه.
وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: أُمِرَ الرزقُ بطلبك، وأُمِرْتَ بطلب الجنة، فطلبتَ ما أُمِرَ بطلبك، وتركت ما أُمرتَ بطلبه!!؟

ويلي هذا شرح اسمه تعالى: الفتاح. يسر الله تعالى إتمام الاعتناء به



[/SIZE][/COLOR]

حسين العراقي
24-05-2006, 20:31
بارك الله فيك ، ونأمل عدم التأخير

محمد امين محمد
19-08-2006, 20:51
بارك الله فيك وعليك وبك اللهم امين بحق جاه النبى الامين صلوات ربى وسلامه عليه

عثمان عمر عثمان
08-11-2006, 08:24
بسم الله الرحمن الرحيم

جزاكم الله خيرا

اي دار طبع هذا الكتاب

كتب شيخ الاسلام زكريا الانصاري اطيب من العسل

محمد امين محمد
10-01-2007, 20:26
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اذا سمح لى السادة فانا لدى سؤالان الأول شخصى والثانى اتمنى ان يعم نفعه على كل الاعضاء ان شاء الله الاول وهو الشخصى هل (العال ) اسم من اسماء الله الحسنى التى هى غير ال99 اسم ام لا وذلك شخصى لان جدى الاعلى اسمه عبد العال وهو اسم العائلة ................ الثانى نرجوا من السادة وضع رابط يضم اسماء الله التى هى ليست ضمن ال99 اسما المشهورة مثل ( الصانع ) و(الحنان (بتشديد النون الاولى )) وغيرهم للفائدة ومشكور على مجهوداتكم ..... محمد امين

عثمان عمر عثمان
28-04-2007, 07:48
هل من مزيد بارك الله فيكم

نزار بن علي
25-06-2007, 11:36
ٌإن شاء الله قريبا...

عثمان عمر عثمان
25-07-2007, 00:36
للرفع

والأستفادة ما زلنا ننتظركم

وبعد انتهائه اتمني ان تطبعه في احد المطابع