المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناظرة بين العقل والدنيا



نزار بن علي
23-05-2006, 23:31
اعلم أن الدولة سماوية، والعقل ربّاني، ولا حظ للعقل بدون الدولة. وقد تصحب الدولة من لا عقل له، فإذا أقبلت الدولة أعطته محاسن غيره، وإذا أدبرت الدولة سلبته محاسن نفسه، فمن أقبلت عليه الدولة يصير خطأه صواباً، وكذبه صِدقاً، ويجني من الثمرة اليابسة تمراً. وإذا أدبرت فقد جاءت المحن والفاقة بحيث لا قوة ولا طاقة.
لمّا نزل الإيمان من السماء، استقبلته جميع الطاعات، فيقول كلٌّ منها: انزل في بيتي! فقال الإيمان: أنا أعرف بيتي! فنزل في دار السخاء. وكل سخي صاحب إيمان، أو فيه خصلة منه.
ولمّا نزل الكفر، استقبلته جميع المعاصي، فقالوا: انزل بنا! فقال: أنا أعرف بمكاني منكم! ثم نزل في بيت البخلاء. فلهذا قيل: البخل أخو الكفر.
وتناظر العقل والدولة؛
فقال العقل: معي الخطاب.
وقالت الدولة: العيش معي، في ناصيتي الحظ والبخت.
فقال العقل: بُني الإسلام على أساسي.
فقالت الدولة: بقاء الدين والدنيا في ناصيتي.
فقال العقل: وقع على منشوري: بك أخاطب وبك آمر.
فقالت الدولة: وأعطاني تشريفا بقوله: (وتلك الأيام نداولها بين الناس).
فقال العقل: أنا حجة الله.
فقالت الدولة: أنا عطاء الله.
فقال العقل: أنا صاحب الأنبياء.
فقالت الدولة: لا أخلو عن صحبتهم.
قال العقل: فمن عدمني فمثل البهيمة.
قالت الدولة: فمن عدمني فهو حي كميت.
فقال العقل: لقد ذكرني الله في القرآن بقوله: (فللّه الحجة البالغة)، (ألم نشرح لك صدرك)، (لمن كان له قلب) أي عقل.
فقالت الدولة: اسمي في القرآن: (دولة بين الأغنياء منكم)، وقوله تعالى: ( نداولها بين الناس)، (نرفع درجات من نشاء).
فقال العقل: الدولة اتفاقات حسنة.
فقالت الدولة: هذا من كلام الفلاسفة. أنا عطاء الله، وهدية الله.
قالت الدولة للعقل: أنت صاحب الحرمان؛ لأن عقل الرجل محسوب من جملة رزقه، وأنا صاحبة النعمة والكرامة. يا عقل! أنت صاحب الهموم والأحزان؛ فإنه ما ريء عاقلٌ مسرورا.
فقال العقل: يا دولة! عرفت شيئا وغابت عنك أشياء، لا تعيريني بأمارة خمسة أيام؛ فالدنيا لهوٌ ولعب، والولاية وراءها العدل.
فقالت الدولة: أنا أجعل الخسيس شريفاً، والفقير غنياً. وإذا حضرت وكشفت البَرْقََعَ فملوك العالم يتبعوني ويعطلون القوانين والرسوم.
فقال العقل: أنت تجالسين الكفار، فإن القرين بالقرين مقتدي.
فقالت الدولة: أتشركني في الفعل وتفردني باللائمة!؟
فطال بينهما القيل والقال، فتحاكما إلى سليمان النبي عليه السلام، فقال: وحق الله لأفصلنّ بينكما بحكم الله! لا يُحشَر أحدكما إلا مع الآخر. ربّ هب لي ملكاً، فإن العقل لا يطيب إلا مع الدولة، فمثالكما مثال الروح والنفس، لا يحسن أحدهما إلا مع الآخر. يا عقل! إذا لم تكن مع الرجل فآخرته خراب، ويا دولة! إذا لم تكوني مع الرجل فدنياه مكدّرة؛ (ومن كل شيء خلقنا زوجين)، إن ازدواجكما لحسن، وإن اجتماعكما غاية النظام والتمام، والفرد هو الله!
فلم يتطاوعا له وتباغضا، فحلفت الدولة لا تسكن الأرض ولا تحصل بكسب الآدمي فذهبت إلى السماء، فالدولة سماوية، فهذه مناظرتها ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة.
انتهى النقل من كتاب مفيد العلوم ومبيد الهموم للخوارزمي الشافعي المقدسي.

جلال علي الجهاني
23-05-2006, 23:54
نقل جميل، بارك الله فيك