المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " ألا له الخلق والأمر "



سليم اسحق الحشيم
21-05-2006, 22:28
السلام عليكم
يقول اله تعالى :" إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)/الاعراف.
جاءت آيات هذه السورة متماسكة من حيث التسلسل في ذكرالقرآن والامر باتباعه والابتعاد عن نواهيه والشرك به ,وبيان عاقبة المكذبين ,وثم تطرق الآيات الى توحيد الله حتى وصل بيان خلقه للسموات والارض ...
ففي هذه الآية فإن الله عز وجل يخاطب المشركين مؤكدًا أنه هو الخالق للسموات والارض إذ يقول (إن)وهو حرف تأكيد وذلك لرد إنكار المشركين انفراد الله بالرّبوبيه.وهذا لخطاب وإن كان ابتداءًا للمشركين إلا أنه يصلح لكافة الناس بمن فيهم المسلمين...فهو هنا يزيد المسلمين بصيرة بعظم مجد الله وسعة ملكه، ويزيدهم ذكرى بدلائل قدرته.
وذكر ربكم للتنبيه على أن الذي فيه تحتارون وهو ربكم الحق هو الله عز وجل والذي خلق السموات والارض ,وقوله تعالى:"فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ "للدلالة على حكمة الله تعالى أن يكون خلق السّماوات والأرض مدّرجاً، وأن لا يكون دفعة، لأنّه جعل العوالم متولِّداً بعضُها من بعض، لتكون أتقن صنعاً ممّا لو خُلقت دَفعة، وليكون هذا الخلق مَظْهَراً لصفتي علمِ الله تعالى وقدرتِه، فالقدرة صالحة لخلقها دفعة، لكنّ العلم والحكمة اقتضيا هذا التّدرج، وكانت تلك المدّة أقل زمن يحصل فيه المراد من التّولّد بعظيم القدرة. ولعلّ تكرّر ذكر هذه الأيّام في آيات كثيرة لقصد التّنبيه إلى هذه النّكتة البديعة، من كونها مظهر سعة العلم وسعة القدرة.(إبن عاشور).
وقال الرازي:" وكلمة «ثم» للتراخي وهذا يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد تخليق السموات والأرض، فإن كان المراد من الاستواء الاستقرار، لزم أن يقال: إنه ما كان مستقراً على العرش، بل كان معوجاً مضطرباً، ثم استوى عليه بعد ذلك، وذلك يوجب وصفه بصفات سائر الأجسام من الاضطراب والحركة تارة، والسكون أخرى، وذلك لا يقوله عاقل".
وجملة { يغشى الليل النهار } في موضع الحال من اسم الجلالة، ذكر به شيء من عموم تدبيره تعالى وتصرّفه المضمّن في الاستواء على العرش، وتنبيه على المقصود من الاستواء، ولذلك جاء به في صورة الحال لا في صورة الخبر.
وقوله: " والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره "أي وخلق الشّمسَ والقمر والنّجوم، وهي من أعظم المخلوقات التي اشتملت عليها السّماوات.قال إبن عاشور :"والتّسخير حقيقته تذلِيل ذي عمل شاققٍ أو شاغلٍ بقهر وتخويف أو بتعليم وسياسة بدون عوض، فمنه تسخير العبيد والأسرى، ومنه تسخير الأفراس والرّواحل، ومنه تسخير البقر للحلب، والغنم للجزّ. ويستعمل مجازاً في تصريف الشّيء غير ذي الإرادة في عمل عجيب أو عظيم من شأنه أن يصعب استعماله فيه، بحيلة أو إلهام تصريفاً يصيّره من خصائصه وشؤونه، كتسخير الفُلك للمخر في البحر بالرّيح أو بالجذف، وتسخير السّحاب للأمطار، وتسخير النّهار للعمل، واللّيل للسّكون، وتسخير اللّيل للسّير في الصّيف، والشّمس للدّفء في الشّتاء، والظلّ للتبرد في الصّيف، وتسخير الشّجر للأكل من ثماره حيث خلق مجرّداً عن موانع تمنع من اجتنائه مثل الشّوك الشّديد، فالأسد غير مسخّر بهذا المعنى ولكنّه بحيث يسخر إذا شاء الإنسان الانتفاع بلحمه أو جلده بحيلة لصيده بزُبية أو نحوها، ولذلك قال الله تعالى:" وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه "[الجاثية: 13] باعتبار هذا المجاز على تفاوت في قوّة العلاقة. فقوله: " والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره " أطلق التّسخير فيه مجازاً على جعلها خاضعة للنّظام الذي خلقها الله عليه بدون تغيير، مع أنّ شأن عظمها أن لا يستطيعَ غيره تعالى وضعها على نظام محدود منضبط.وجملة: " ألا له الخلق والأمر ",هنا نلاحظ انه سبحانه وتعالى أسند لنفسه الخلق والامر ,وكرر الخلق هنا رغم انه صرح به في بداية الاية للتأكيد على أنه هو الخالق الواحد وأنه سبحانه وتعالى لم يخلق ويترك الخلق يدبر امر نفسه بنفسه بل انه هو (الله) عز وجل يدبر امر خلقه ولهذا جاء الامر معطوفًا على الخلق لإشتراكهما في الحكم من حيث الخلق والتدبير.ونلاحظ ايضًا التعريف في الخلق والأمر جاء لامرين :اولهما:لإستغراق الجنس اي أن لله الخلق كل الخلق والامر كل الامر ,وثانيهما للإقتصار أي قصر جنس الخلق وجنس الأمر على الكون في مِلك الله تعالى، فليس لغيره شيء من هدا الجنس، وهو قصر إضافي معناه: ليس لآلهتهم شيء من الخلق ولا من الأمر.(قول إبن عاشور).
وقال الرازي:"إذا ثبت هذا فنقول: أول الآية إشارة إلى ذكر ما يدل على الوجود والقدرة والعلم، وآخرها يدل أيضاً على هذا المطلوب، وإذ كان الأمر كذلك فقوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } وجب أن يكون أيضاً دليلاً على كمال القدرة والعلم، لأنه لو لم يدل عليه بل كان المراد كونه مستقراً على العرش كان ذلك كلاماً أجنبياً عما قبله وعما بعده، فإن كونه تعالى مستقراً على العرش لا يمكن جعله دليلاً على كماله في القدرة والحكمة وليس أيضاً من صفات المدح والثناء، لأنه تعالى قادر على أن يجلس جميع أعداد البق والبعوض على العرش وعلى ما فوق العرش، فثبت أن كونه جالساً على العرش ليس من دلائل إثبات الصفات والذات ولا من صفات المدح والثناء، فلو كان المراد من قوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } كونه جالساً على العرش لكان ذلك كلاماً أجنبياً عما قبله وعما بعده، وهذا يوجب نهاية الركاكة، فثبت أن المراد منه ليس ذلك، بل المراد منه كمال قدرته في تدابير الملك والملكوت حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ولما بعدها وهو المطلوب".