المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين



جلال علي الجهاني
05-05-2006, 16:41
أكل الربا
الحمد لله الذي لا يستحق الحمد المطلق إلا هو، المتفرد بالخلق والإيجاد، والمنفرد بالصفات الكمال والجلال، الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. من يطع الله ورسوله فقد هدى ورشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئاً.
أما بعد، فأوصيكم إخواني وأخواتي وأوصي نفسي بتقوى الله تعالى وطاعته، فقد قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله، وان تكفروا فان لله ما في السماوات وما في الارض وكان الله غنيا حميدا).

(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة، أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم)

اللهم إنا نتوب إليك و نستغفرك ونرجع إليك، ونقطع العهد على أنفسنا أمامك بأن لا نعود إلى ما نهيتنا عنه، ونسألك التوفيق في رد الظلامات والحقوق إلى أصحابها، قبل أن نسلم أرواحنا فلا يبقى لنا قدرة على العمل والكسب. فحقق ربنا لنا وعدك بقبول توبتنا وإصلاح شأننا، فإنه لا غنى لنا عنك أبداً، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك يا رب العالمين.

يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (البقرة 278-279) { يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا } واتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربا . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } بقلوبكم فإن دليله امتثال ما أمرتم به . روي : أنه كان لثقيف مال على بعض قريش، فطالبوهم عند المحل بالمال والربا . فنزلت .
{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } أي فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به، وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عياش «فآذنوا» أي فاعلموا بها غيركم، من الأذن وهو الاستماع فإنه من طرق العلم، وتنكير حرب للتعظيم وذلك يقتضي أن يقاتل المربي بعد الاستتابة حتى يفيء إلى أمر الله، كالباغي ولا يقتضي كفره . روي : أنها لما نزلت قالت ثقيف لا يدي لنا بحرب الله ورسوله . { وَإِن تُبتُمْ } من الارتباء واعتقاد حله . { فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ } بأخذ الزيادة . { وَلاَ تُظْلَمُونَ } بالمطل والنقصان، ويفهم منه أنها إن لم يتوبوا فليس لهم رأس مالهم وهو سديد على ما قلناه، إذ المصر على التحليل مرتد وماله فيء :

يا أيها الذين امنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفه واتقوا الله لعلكم تفلحون130 وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } لا تزيدوا زيادات مكررة، ولعل التخصيص بحسب الواقع . إذ كان الرجل منهم يربي إلى أجل ثم يزيد فيه زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء الطفيف مال المديون . وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «مضعفة» . { واتقوا الله } فيما نهيتم عنه . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } راجين الفلاح .
{ واتقوا النار التي أُعِدَّتْ للكافرين } بالتحرز عن متابعتهم وتعاطي أفعالهم، وفيه تنبيه على أن النار بالذات معدة للكافرين وبالعرض للعصاة . { وَأَطِيعُواْ الله والرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أتبع الوعيد بالوعد ترهيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة، ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل عزة التوصل إلى ما جعل خبراً له .
أيها المؤمنون والمؤمنات...
الآيات التي نتاولها اليوم من أوامر الله تعالى للمؤمنين، لها علاقة وطيدة بحياة الإنسان في عالم الاقتصاد اليوم.
وذلك أن هاتين الآيتين صرحتا بنهي خاص، عن نوع من المعاملات شائع في دنيا الناس اليوم.فقد خص القرآن هذا النهي دون غير من المعاملات الكثيرة المحرمة، التي جاءت السنة الشريفة وبينتها للناس.
الربا نوعان: ربا النسيئة، وربا الفضل
ربا النسيئة : فهو زيادة الدين في نظير الأجل، وهو ربا الجاهلية الذي كانوا يتعاملون به، فكان الرجل إذا أقرض آخر على أجل محدد، فإذا جاء الأجل ولم يستطع الأداء قال له : تدفع أو ترابي فيزيده في نظير زيادة الأجل.
ربا الفضل هو الزيادة في بيع بعض الأعيان: عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الذهب بالذهب. والفضة بالفضة. والبر بالبر. والشعير بالشعير. والتمر بالتمر. والملح بالملح. مثلا بمثل. سواء بسواء. يدا بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد ".‏[ أخرجه مسلم (1587) ك المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا ]
يدخل في ذلك: الفوائد المصرفية، والقروض البنكية (الشراء عن طريق البنوك)، كل المعاملات التي فيها فوائد، ويدخل فيه شراء الذهب بالتقسيط، وبيع العملات دون تقابض.
الخطبة الثانية:
1) أكل الربا يعرض صاحبه لحرب الله ورسوله، فيصير عدوا لله ورسوله قال الله تعالى " ‏فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " .
قيل المعنى :إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ولرسوله، أي أعداء. ‏
فهي الحرب بكل صورها النفسية والجسدية، وما الناس فيه الآن من قلق واكتئاب وغم وحزن إلا من نتاج هذه الحرب المعلنة لكل من خالف أمر الله وأكل بالربا أو ساعد عليها، فليعد سلاحه إن استطاع، وليعلم أن عقاب الله آت لا محالة إن آجلا أو عاجلا، وما عهدك بمن جعله الله عدوا له وأعلن الحرب عليه رب سلم سلم .
2) آكل الربا وكل من أعان عليه ملعون .
قال صلى الله عليه وسلم " آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهداه، إذا لمسوا ذلك، والواشمة، والموشومة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد يوم القيامة " واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى .
3) أكل الربا من الموبقات
قال الله تعالى : " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "
4) ظهور الربا سبب لإهلاك القرى ونزول مقت الله
قال صلى الله عليه وسلم: " إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله " أخرجه الطبراني في الكبير الحاكم في المستدرك عن ابن عباس.
5) مآل الربا إلى قلة وخسران .
عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة " رواه ابن ماجه والإمام أحمد.
الدعاء:
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَاجْمَعِ اللَّهُمَّ أُمَّتَنَا عَلَى الْخَيْرِ، وَسَدِّدْ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ خُطَاهُمْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ : الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا ذَنْبًا إِلاَّ غَفَرْتَهُ، وَلاَ دَيْنًا إِلاَّ قَضَيْتَهُ، وَلاَ مَرِيضًا إِلاَّ شَفَيْتَهُ وَعَافَيْتَهُ، وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا إِلاَّ قَضَيْتَهَا وَيَسَّرْتَهَا لَنَا يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ، وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَلاَتَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْ جَمِيعَ أَعْمَالِنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ .
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبداً ما أحييتنا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
اللهم إنا نسألك زيادة في الدين، وبركة في العمر، وصحة في الجسد، وسعة في الرزق، وتوبة قبل الموت، وشهادة عند الموت، ومغفرة بعد الموت، وعفوا عند الحساب، وأمانا من العذاب، ونصيبا من الجنة، وارزقنا النظر إلى وجهك الكريم، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين واشفي مرضانا ومرضى المسليمين، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.