المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط



جلال علي الجهاني
29-04-2006, 09:49
العدل

الحمد لله الذي ابتدأ الوجود بإحسانه، وشمله بفضله وامتنانه، فخلق وصوَّر، وحكم ودبَّر، وقضى وقدر، وأرشد ويسر، ثم هدى وأضل، ووفق وخذل، وتفضل في ذلك وعدل، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. الوَاحِدٌ الذي لا شَرِيكَ لَهُ، وَلا شَيْءَ مِثْلُهُ، وَلا شَيْءَ يُعْجِزُهُ، وَلا إِلهَ غَيْرُهُ، قَدِيْمٌ بـِلا ابْتِدَاءٍ، دَائِمٌ بـِلا انْتِهَاءٍ، لا يَفْنَى وَلا يَبـِيدُ، وَلا يَكُونُ إِلا مَا يُرِيدُ، لا تَبْلُغُهُ الأَوْهامُ، وَلا تُدْرِكُهُ الأَفْهامُ، وَلا تُشْبـِهُهُ الأَنامُ.
حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنامُ، خَالِقٌ بـِلا حَاجَةٍ، رَازِقٌ لَهُمْ بـِلا مُؤْنَةٍ، مُمِيتٌ بـِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بـِلا مَشَقَّةٍ.
مَازالَ بـِصِفَاتِهِ قَدِيماً قَبْلَ خَلْقه، له الصفات الأزلية القائمة بذاته العلية، ويستحيل حلول الحوادث في ذاته، أو تشبيهه بمخلوقاته، وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسيرٌ، لا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ لـــَيْسَ كَمِثـــْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.

أحمده وأشهده وأستعينه وأستغفره، وأسأله العافية والتيسير، وأصلي على سيدنا محمد المختار، وعلى آله وأصحابه الأبرار، وأسلم عليه وعليهم كذلك، والحمد لله على ذلك.

أما بعد، فأوصيكم إخواني وأخواتي وأوصي نفسي بتقوى الله تعالى وطاعته، فقد قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله، وان تكفروا فان لله ما في السماوات وما في الارض وكان الله غنيا حميدا
(يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا) النساء (آية 135)
(يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) المائدة (آية 8)
(ياأيها الذين ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط) مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته. (شُهَدَاء للَّهِ) بالحق تقيمون شهاداتكم لوجه الله سبحانه وتعالى. (وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ) ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن تقروا عليها، لأن الشهادة بيان للحق سواء كان عليه أو على غيره. (أَوِ الوالدين والأقربين) ولو على والديكم وأقاربكم. (إَن يَكُن) أي المشهود عليه أو كل واحد منه ومن المشهود له. (غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً) فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة، أو لا تجوروا فيها ميلاً أو ترحماً. (فالله أولى بِهِمَا) بالغني والفقير وبالنظر لهما فلو لم تكن الشهادة عليهما أو لهما صلاحاً لما شرعها، وهو علة الجواب أقيمت مقامه والضمير في بهما راجع لما دل عليه المذكور، وهو جنساً الغني والفقير لا إليه وإلا لوحدَّ، ويشهد عليه أنه قرىء «فالله أولى بهم». (فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى أَن تَعْدِلُواْ) لأن تعدلوا عن الحق أو كراهة أن تعدلوا من العدل. (وَإِن تَلْوُواْ) ألسنتكم عن شهادة الحق، أو حكومة العدل. (أَوْ تُعْرِضُواْ) عن آدائها. (فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) فيجازيكم عليه.
(يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاءَ بالقسط وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ) عداه بعلى لتضمنه معنى الحمل، والمعنى لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفياً مما في قلوبكم. (اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى) أي العدل أقرب للتقوى، صرح لهم بالأمر بالعدل وبين أنه بمكان من التقوى بعدما نهاهم عن الجور وبين أنه مقتضى الهوى، وإذا كان هذا للعدل مع الكفار فما ظنك بالعدل مع المؤمنين. (واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فيجازيكم به، وتكرير هذا الحكم إما لاختلاف السبب كما قيل إن الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود، أو لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ.
قال الإمام الرازي رحمه الله: (واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها محصورة في نوعين : التعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله ، فقوله (كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ) إشارة إلى النوع الأول وهو التعظيم لأمر الله ، ومعنى القيام لله هو أن يقوم لله بالحق في كل ما يلزمه القيام به من إظهار العبودية وتعظيم الربوبية ، وقوله (شُهَدَاء بالقسط) إشارة إلى الشفقة على خلق الله).
الخطبة الثانية:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)، رواه مسلم.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) متفق عليه.
عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة) فقال له رجل: وإن شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال: (وإن قضيباً من أراك)، رواه مسلم.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري.
الدعاء:
اللهم إنا نسألك لسانا رطباً بذكرك، وقلباً منعماً بشكرك، وبدنا هيناً ليناً بطاعتك، وأعطنا مع ذلك: ما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ، كما اختبر به رسولك r حسب ما علمته بعلمك، إنك على كلِّ شيء قديرٌ.
اللهم إنَّا نسألك إيماناً دائماً، ونسألك قلباً خاشعاً، ونسألك علماً نافعاً، ونسألك يقيناً صادقاً، ونسألك ديناً قيماً، ونسألك العافية من كل بلية، ونسألك تمام العافية، ونسألك دوام العافية، ونسألك الشكر على العافية، ونسألك الغنى عن الناس.
اللهم إنَّا نسألك التوبةَ الكاملة، والمغفرة الشاملة، والمحبة الكاملة الجامعة، والـخُـلَّة الصافية، والمعرفة الواسعة، والأنوار الساطعة، والشفاعة القائمة والحجة البالغة والدرجة العالية، وفَكَّ وثاقنا من المعصية ورهاننا من النعمة بمواهب المنَّة.
اللهم أرضنا بقضائك، وصبرِّنا على طاعتك، وعن معصيتك وعن الشهوات الموجبات للنقص أو البعد عنك. وهب لنا حقيقة الإيمان بك، حتى لا نخاف غيرك ولا نرجو غيرك، ولا نُحب غيرك ولا نعبد شيئاً سوِاك، وأوزِعنا شكرَ نعمائك وغطِّنا برداء عافيتك، وانصرنا باليقين والتوكل عليك، وأسفر وجوهنا بنور صفاتك، وأضحكنا وبشِّرنا يوم القيامة بين أوليائك، واجعل يدك مبسوطةً علينا وعلى أهلينا وأولادنا ومن معنا برحمتك، ولاتكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ ولا أقلَّ من ذلك، يا نعم المجيب، يا نعم المجيب، يا نعم المجيب.
اللهم إنَّا نسألك التوبة ودوامها، ونعوذ بك من المعصية وأسبابها، وذكرنا بالخوف منك قبل هجوم خطراتها، واحملنا على النجاة منها ومن التفكُّر في طرائقها، وامح من قلوبنا حلاوة ما اجتنيناه منها، واستبدلها بالكراهة لها، والطعم لما هو بضدها، وأفضْ علينا من بحر كرمك وعفوك، حتى نخرج من الدنيا على السلامة من وبالها، واجعلنا عند الموت ناطقين بالشهادة عالمين بها، وارأف بنا رأفة الحبيب بحبيبه عند الشدائد ونزولها، وأرحنا من هموم الدنيا وغمومها بالروح والريحان إلى الجنة ونعيمها.
(ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)