المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اضطراب في تعريف صفتي السمع والبصر



هيثم عبدالحميد حمدان
05-02-2004, 03:45
لا يظهر اضطراب الفرق الكلامية قدرما يظهر عند تعاملهم مع نصوص القرآن والسنة. كيف لا وهم لا يعتقدون بوجود دليل نقلي خالص، فكلّ دليل نقلي لا بدّ له من مقدمات عقلية يُفهم بناء عليها!

ومن أمثلة ذلك الاضطراب: تعريفهم لصفتي السمع والبصر.

ففي بداية الأمر جعلوا السمع متعلقاً بالمسموعات والبصر بالمبصرات. لكنهم سرعان ما واجهوا إشكالية اقتضاء تعريفهم هذا للتشبيه والتجسيم! لأسباب يعرفونها.

فلجؤوا إلى اختراع ضحكة لم يُسبَقوا إليها، فقالوا: إن سمع الله وبصره متعلقان بكل ما تعلّق به علمه! وعلمه متعلّق بكل موجود! والسمع والبصر قدْرين زائدين من الكشف عن حقيقة الموجود على مجرّد العلم!

يعني: الله (سبحانه) سمع الألوان والروائح، ورأى الأوهام، وسمع ورأى الأحوال من بنوة وأبوة وغيرهما، وسمع ورأى صفاته السبع!

فهل هذا إثباتٌ لهاتين الصفتين على الحقيقة؟! وهل لأحدهم أن يحلف بالله أنه مطمئن لعقيدته هذه؟! ثم يرمون الأثريين بأنهم لا يفهمون عقيدتهم.

والغريب أنهم يعتبرون هذا الاختلاف اختلاف تنوّع، مع الفرق الشاسع بين القولين فيما يتعلق بمسألة عقدية مهمّة لا ينبغي أن يكون فيها خلاف، فإن القول الأول يقتضي أن الله لم يسمع نفسه، أما الثاني فلا يمنعه!

جلال علي الجهاني
05-02-2004, 06:56
أقل ما يقال في كلامك يا هيثم إنه جهل .. وجهل عظيم .. ذلك أن الاضطراب المدعى هو من سوء فهمك، وليس من النصوص، وما كان أهل مذهب من المذاهب في الإسلام أشد اضطراباً من المجسمة، الذين تسميهم أهل الأثر .. وهم أهل التجسيم حقاً وواقعاً.. فمن الذي يقول: بأن قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) مجمل ليس محكماً، من أجل التلاعب بنصوص الكتاب والسنة ؟

أين قال أهل السنة والجماعة: إن الله يرى الأوهام، أو يسمع ويرى الأحوال؟

ثم البنوة والأبوة ليست أحوالاً يا فالح، هذه إضافات من مقولة الكيف !!

ثم يا هيثم، إذا أحببت التعلم فللتعلم أدبه، وإن أردت المناظرة فلها آدابها، وأنت لم تلتزم بها هنا...

يذكر أئمة العلم قاعدة هامة في باب النظر، تقول: إذا كنت ناقلاً فالصحة أو مدعياً فالدليل ..

أنا لن أنقاشك في المدعى، بل أطالبك بالدليل النقلي، أين وجدت ماذكرت في كتب أهل السنة ؟

هيثم عبدالحميد حمدان
05-02-2004, 15:37
قال التفتازاني: "(والسمع): وهي صفة تتعلق بالمسموعات ... (والبصر) وهي صفة تتعلق بالمبصرات". اهـ.

لكن السنوسي قال: "والسمع الأزلي صفة ينكشف بها كل موجود على ما هو به انكشافاً يباين غيره ضرورة، والبصر مثله". اهـ.

قلت: ذات الله وصفاته السبع، والأبوة والبنوة والروائح: كلها موجودة يا أخ جلال. فيكون الله عندكم قد سمع ذاته وحياته وقدرته وعلمه وإرادته! وأبصر كلامه! بل وسمع بصره وأبصر سمعه! وسمع الروائح ورأى الأبوة والبنوة! ... ولوازم أخرى كثيرة تظهر التخبط والاضطراب.

جلال علي الجهاني
05-02-2004, 19:55
هل لك أن تشرح لنا كلام الإمام التفتازاني أولاً حتى نفهم ما تفهمه منه، وهذا نصه كاملاً:

(والسمع) وهي صفة تتعلق بالمسموعات.

(والبصر) وهي صفة تتعلق بالمبصرات، فتدرك إدراكاً تاماً لا على سبيل التخيل أو التوهم، ولا على طريق تأثير حاسة ووصول هواء، ولا يلزم من قدمها قدم المسموعات والمبصرات كما لا يلزم من قدم العلم والقدرة قدم المعلومات والمقدورات، لأنها صفات قديمة تحدث لها تعلقات بالحوادث. انتهى كلام الإمام السعد..

وأخص السؤال بطلب شرح معنى الكلمات التالية:

الصفة، والتعلق ..

ثم هذه النصوص التي ذكرتها يا هيثم ليست جواباً عن سؤالي؛ لأنك استخدمت ما يمكن تسميته في لغة الصحافة بالإثارة، وفي لغة أهل العلم بالـ...، فأين قال أهل السنة والجماعة: إن الله (سبحانه) سمع الألوان والروائح، ورأى الأوهام، وسمع ورأى الأحوال من بنوة وأبوة وغيرهما، وسمع ورأى صفاته السبع ..؟

فإن قلت: هذا ما أفهمه من كلام التفتازاني، فهو غلط محض، وإن كان من كلام الإمام السنوسي، فكلامه عن الانكشاف، أي صفة السمع صفة كاشفة، وليست هي هواء ولا طبلة وأذن، ومعرفتك لمعنى التعلق يحل هذا الوهم الذي حصل لك ..

فما تقول ؟

هيثم عبدالحميد حمدان
05-02-2004, 20:38
=====...======

الأخ جلال:

معنى الصفة والتعلق لا يهم في نظري. التفتازاني جعل البصر متعلقاً (بغض النظر عن معنى التعلق) بالمبصرات، وذكر أن المبصرات ليست قديمة، والسنوسي جعله متعلقاً بـ (كل) الموجودات، ومن الموجودات ما هو قديم، ومنه المقولة: (لقد أبصر الله ذاته في الأزل)، والحادث من الموجودات أعم من المبصرات. فالفرق كبير بين المبصرات والموجودات.

1) هل هذا اضطراب يا أخ جلال أم أنه اختلاف تنوع في نظرك؟
2) ألا يلزم من كون بصر الله متعلق بالموجودات أن يكون الله سبحانه أبصر حياته وقدرته وإرادته، وأبصر الروائح، بحكم أنها موجودة؟

أرجو الإجابة باختصار.

بلال النجار
05-02-2004, 22:45
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ هيثم والأخ جلال،

اسمحا لي بالتدخل.

نحن الأشعرية نقول سمع الله وبصره يتعلقان بكل موجود، وبعضنا يقيد تعلقهما بالمسموعات. وكلاهما قولان صحيحان مرضيان عندنا، لا يتنافيان. لأن من قال إن سمع الله تعالى يتعلق بالمسموع فمعنى كلامه إن سمعه يتعلق بكل ما من شأنه أن يسمع له سبحانه. أي بالمسموع له تعالى لا بالمسموع لنا. ومن قال إنه يتعلق بكلّ موجود فإنه زاد في التفصيل، فقال إن ما من شأنه تعالى أن يسمعه هو كل موجود. فحقق أن المسموع له تعالى هو الموجود. وسواء كان هذا الموجود قديماً أو حادثاً، فإن الله تعالى يبصره ويسمعه. فخرج بقولنا (الموجود): المعدوم الجائز والمعدوم المستحيل والحال.
وأما ادعاؤك بأن الأشعريّة يقولون إن السمع والبصر يتعلقان بكل ما تعلق به العلم من المتعلقات. فأنا لم أسمع ولم أقرأ أن أحداً من الأشعريّة يقول بذلك. فهات قول من قال بذلك منّا؟ إنك تخلط الحابل بالنابل، وتكشف عن جهلك المطبق بعقيدة الأشعريّة تكلمت. فالصفة التي تتعلق عندنا بما يتعلق به العلم من المتعلقات هي صفة الكلام لا صفة السمع أو البصر!!!!!

فهذا قولنا يا هيثم، فقل لنا أنت ما هو قول السلفية في مقابل هذا القول. وما الذي تعترضه بالضبط في قولنا. قل لنا بماذا يتعلق سمع الله وبصره عندكم؟ وعلى مذهبك يا هيثم، إذا حدّثت نفسك بأمر من الأمور فهل الله تعالى يسمع حديثك هذا لنفسك أو لا يسمعه؟ اسأل شيوخك الأثريين وأجبني.

ثم أنت تقول لجلال إن ثمّة فرقاً كبيراً بين الموجودات والمبصرات والمسموعات.
فهمنا معنا الموجودات. فما هو معنى المبصرات والمسموعات عندك؟
وهل لك أن توضح لنا هذا الفرق بينهما وبين الموجودات؟
وتقول إننا نعلق السمع والبصر بالحال، فما هو الحال الذي تتكلم عنه؟

إن مشكلتك يا هيثم أنك تتعالم، وتتشبع بما لا تملك، فتكون كلابس ثوبي زور كما قال صلى الله عليه وسلم. وربما لجهلك بالفنون تحسب ما تكتبه محققاً وذا قيمة، وربما لأنه يفرح بما تكتب بعض الجهلة أمثالك ويثنون عليه، ولكن اعلم أنه في ميزان العلم لا يساوي شيئاً. وحين يسألك جلال ما هو قصدك بالتعلق، فهو يريد الاتفاق معك على معنى المصطلح لكي يعرف كيف يناقشك، لأننا ناقشناك واكتشفنا أنك تستخدم مصطلحات لا تعرف معناها، فلا بد من الاتفاق معك على المصطلح قبل النقاش لأنه لغة الكلام بينكما، فإذا كنت تقصد شيئاً غير الذي يقصده هو بهذا المصطلح فسوف تتواد أحكامكما على محلين مختلفين، وهو أشبه بأن يتكلم المتباحثان بلغتين مختلفتين ولا يفهم كل منهما ما يقوله الآخر. ثم إن اعتراضك أصلاً على الأشعريّة ليس لأنهم يثبتون صفة السمع أو صفة البصر فهذا الأمر محلّ اتفاق بيننا وبين السلفيّة، ولكن الخلاف في التعلّق. فسؤاله متوجّه بالضبط على محلّ النزاع. ولذلك قال لك إذا فهمت معنى التعلّق انحلّ عندك الإشكال. وحقه أن يسألك ذلك أيضاً من جهة أخرى، وهي أنك استشهدت بنصين لإمامين من أئمة المذهب هما المولى سعد الدين والشيخ السنوسي وورد في عبارتيهما لفظ التعلق، وأنت تعترض على كلامهما. فلا بدّ من توضيح ما فهمته أنت منهما بما يخالف مذهب أهل السنة. هكذا يكون الكلام. إذا فحقه ما دام الكلام في السمع والبصر والمسموع والمبصر والموجود والتعلق والحال، والمعلوم، أن يستفهم منك ما الذي تقصده بذلك؟! لكي لا يكتشف بعد الأخذ والرد أنك تقصد أمراً آخر غير المعنى الذي يقصده أهل الفنّ.

وأنت تنسب إلى الأشعريّة أنهم يعلقون السمع والبصر بالمسموع والمبصر.
وتنسب لهم أنهم تراجعوا عن ذلك فعلّقوا السمع والبصر بالموجود.
ثم تنسب لهم أنهم علقوا السمع والبصر بما يتعلق به العلم من المتعلّقات.
فهل هذا كلام، يا هيثم؟؟؟!!!!!!

أولاً: كيف يتعارض عندك قولهم بأن الصفتين تتعلقان بالموجود مع قولهم بأنهما يتعلقان بالمبصر والمسموع؟
ثانياً: من أين عرفت أنهم عدلوا عن القول الأول إلى الثاني؟ ومن أين عرفت أن تعبيرهم بالموجود هو هروب من التجسيم والتشبيه يا جاهل؟
ثالثاً: ومن أين عرفت أنهم علقوا الصفتين بما يتعلق به العلم من المتعلقات.

هذه كلها ادعاءات وعليك أن تبينها وتدلل عليها، وإلا فأنت مجرّد مدّع عليهم لمجرد هواك، ولمجرد جهلك بمقالاتهم، تريد أن تبين أنهم مخطئون متخبطون وليس مهماً أين ومتى وكيف. كما هي الحال حين تكلمت في المستحيل والعادة. وكما رأيناك حين تكلمت في موضوع المعجزة.

فاتق الله سبحانه فيما تنسبه إلى العلماء. وافهم المسائل والأقوال قبل أن تعترض عليها. فالحكم على الشيء فرع عن تصوره. وقد صدق من قال:
وكم من عائب قولاً صحيحاً
وآفته من الفهم السقيم

والحمد لله رب العالمين

هيثم عبدالحميد حمدان
06-02-2004, 01:35
إنا لله وإنا إليه راجعون. خرج علينا مرة أخرى بكلامه البذيء وطعنه وسبه وجهله وسوء فهمه.

هات من كتب علماء الأشاعرة الذين قالوا إن السمع متعلق بالمسموعات والبصر بالمبصرات: أنهم قصدوا كل موجود.

قال الرازي: (إنه هو السميع) أي: لما تقوله، (العليم) أي: بما تنويه وتعمله، وهذا يدل على أن كونه سميعاً أمر مغاير لعلمه بالمسموعات وإلا لكان لفظ العليم مفيداً فائدته. اهـ. قلت: فلماذا لم يتطرق لعلاقة السمع بالنية كما تطرق لعلاقة العلم بالقول؟

وقال: (وهو السميع العليم) سميع إذا طلبتم الرزق، يسمع ويجيب، عليم إن سكتم، لا تخفى عليه حاجتكم ومقدار حاجتكم. اهـ. قلت: فلماذا لم يقل: سميع إن سكتم إذا كان الرازي يرى السمع متعلقاً بكل موجود؟

وقال: إذا حكمت بالعدل فهو سميع لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ذلك. اهـ. قلت: فلماذا لم يقل: يسمع إن أديت الأمانة؟

وأعرف أنك ستتعسّف في تفسير هذه النصوص كما فعلت مع نصوص البخاري الواضحة الجلية، لكن الله حسيبك.

بلال النجار
07-02-2004, 11:44
بسم الله الرحمن الرحيم

يا هيثم،

أما شتائمك فهي عائدة عليك. وأنت تكذب عليّ إذ تصفني بالجهل وسوء الفهم والطعن وبذاءة اللسان. وأما أنا فلا أكذب حين أصفك بأنك جاهل تتشبع بما لا تملك، وأنك صاحب هوى لا تريد تحقيق المسائل، بل تريد إثبات أن الأشعريّة مخطئون بأي وسيلة. وهو بعيد عن عينيك. وإلا فلو كنت تريد تحقيق المسائل لعرضت قول السلفية واحتججت له، وناقشتنا فيه، ولكنك لا تريد ذلك، لأنك لا تستطيعه، وتخشى أن نبين فساده، فتريد دائماً أن يبقى الحديث دائراً في أقوال الأشعريّة فقط، أنت في موقع المهاجم ونحن في موقع المدافع، وليتك تلتزم بآداب البحث، فتجيب عمّا نسألك عنه، إنك لا تفعل أكثر من الحيدة والقفز من نقطة إلى نقطة وتتكلم فيما لا تفهم فيه كما هو واضح جليّ لكل من يعرف هذه العلوم.

وأما ما نسبته للأشاعرة فيجب عليك أن تدلل عليه. عليك أن تأتينا بالنصوص التي يقولون فيها إن سمع الله تعالى وبصره يتعلّقان بما تعلّق به العلم من المتعلّقات، وأن سمع الله وبصره يتعلّقان بالأحوال وبالموهومات والمتخيّلات والاعتبارات غير الموجودة. وأنا أمهلك حتّى تأتي بها، فإن لم تأت بها فأنت تدّعي عليهم ما لا يقولون به، ونسبتك ذلك لهم كذب عليهم. وهذا هو أصل كلامك، ويجب أن لا تحيد عن الجواب عنه.

وأما ما شرحته أنا من تعلّقات صفتي السمع والبصر، فلم تفهمه أنت، ولا يظهر لي أن مثلك يمكنه أن يفهمه. فقد قلت لك إنه لا تنافي بين قولنا إن السمع والبصر يتعلّقان بالمسموع والمبصر، وبين قولنا إن السمع والبصر يتعلّقان بالموجود. لأن المقصود بالمسموع والمبصر: المسموع والمبصر له تعالى، وليس لنا.
وعليك إذا ادّعيت تنافي القولين أن تبيّن جهة تنافيهما.

وأما قول الإمام الرازي بأن كونه تعالى سميعاً أمر مغاير لعلمه بالمسموعات وإلا لكان لفظ العليم مفيداً فائدته، أي لكان لفظ العليم مفيداً لما أفاده لفظ السميع. فصحيح لا إشكال فيه، ولا قائل بأن لفظ السميع يفيد ما يفيده لفظ العليم. ولكن ما تطلب أنت إثباته من قول الإمام هو أن المسموع غير الموجود، لا أن العلم غير السمع. والعلم يتعلّق بكل موجود ومعدوم واجباً كان أو جائزاً أو مستحيلاً، ولكن السمع والبصر يتعلّقان بكل موجود فحسب. فأين قول الرازي رحمه الله بتغاير علمه تعالى للمسموع وسمعه تعالى للمسموع من قولك بتغاير الموجود والمسموع؟ ولعمري هل تفهم أنت جهة المغايرة التي يتحدّث عنها الإمام الرازي؟!

وأنت تقول: (فلماذا لم يتطرق لعلاقة السمع بالنية كما تطرق لعلاقة العلم بالقول؟)
أقول: الرازي هنا يقول الله يسمع القول والقول عنده نفسي أصالة يعبر عنه بالألفاظ كما هو المعلوم من مذهبه. ثم هو لم يقل عليم بما تقوله لأنه كما أنه تعالى سميع بما يقوله فهو أيضاً عليم به بلا خلاف. ولكنه قال عليم بما تنويه وتعمله. فأما أنه عليم بما يعمله وينويه فلا خلاف فيه، وأما أنه لم يقل إنه سميع لما ينويه، فلماذا يقوله، هل مقام تفسيره للآية يقتضي بيان تعلّق السمع بالمنويّ أو عدم تعلّقه به؟ ولو كان المقام بيان متعلّقات السمع والعلم لقال عليم بما تقوله، وهو لم يقل ذلك.
على أنه يمكن الجواب عنه بأن المنويّ لم يقع منه بعد، ولمّا لم يوجد فلا تعلّق للسمع به. ولكن العلم متعلق به.

ولم يقل الرازي سميع إن سكتم لأن الكلام لم يقع منكم لا الكلام النفسي ولا الكلام الصوتي ولو وقع منكم لسمعه الله تعالى. ولكنه لما لم يوجد منكم فلم يتعلق السمع به.

وأما قولك: (فلماذا لم يقل: يسمع إن أديت الأمانة؟)
لماذا عليه أن يقول ذلك، وهو لا يبحث تعلقات السمع والبصر؟
الأمر الذي لا تلتفت أنت إليه هو أن الرازي هنا يحاول توضيح مناسبة وجود السمع والبصر في الآية عند الحديث عن تأدية الأمانة، ولا يلزم من تعليقه السمع بالقول والبصر بالتأدية أن السمع لا يتعلّق بالتأدية بوصفها أمراً موجوداً.
فالسمع يتعلّق بالمسموع بلا خلاف. ولكن الكلام في المسموع ما هو أمر آخر. وهو ههنا لا يعرض له. لأنه لا خلاف في أن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله من المسموعات فيتعلق السمع به. وأما تأدية الأمانة فهي ههنا أمر مبصر بلا خلاف، وهو هنا يرى حين يؤدي الأمانة، فناسب أن يقول يبصرك حين تؤديها. وهل تأدية الأمانة أمر مسموع أو لا؟ هذا أمر آخر لا يبحثه ههنا.
ولعلك تقف على قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون). فإن الله تعالى يقرر أن خيانة الأمانة مما يمكن أن يعلم من الخائن، فينهى عن هذه الخيانة حال العلم بها. فهل هذا التقرير يقتضي أن خيانة الأمانة أمر لا يمكن أن يسمع أو يرى؟
إن من يقول إنه لا يمكن أن تسمع الخيانة أو لا يمكن أن ترى بناء على هذه الآية فهو مكابر. وأنت تسلك نفس هذه الطريق في مناقشتك لكلام الرازي، فتستلزم من عدم تعرضه لتعلق السمع بأمر مرئيّ عدم قوله بأن هذا المرئيّ يمكن أن يسمع. وهي طريق غير صحيحة.
فلم لا ترجع إلى كتبه في علم الكلام، وتدرس مناقشاته لتعلقات السمع والبصر، وتأتينا منها ما يثبت أنه يرى تنافياً بين القول بتعلق السمع بالموجود وتعلقه بالمسموع، الذي هو أصل مدّعاك؟!
وأخيراً إن ما فعلته أنا من محاولة تعليل عدم ذكره مما لا يلزمني ولا يلزم الإمام الرازي الجواب عنه، لأن عدم التعرض لذكر أمر لا يلزم منه نفي الأمر في نفسه كما لا يلزم منه أن من لم يتعرض له فهو ينفيه. ولا ترجع للكلام معنا إلا حين تثبت ما ادعيته على الأشعريّة وهو ما سألناك أن تأتي به. والله تعالى الموفق.

هيثم عبدالحميد حمدان
04-04-2004, 06:47
قال السنوسي (رحمه الله): "السمع والبصر صفتان ينكشف بهما الشيء ويتضح كالعلم، إلا أن الانكشاف بهما يزيد على الانكشاف بالعلم بمعنى أنه ليس عينه، وذلك معلوم بالشاهد ضرورة".

بلال النجار
04-04-2004, 14:59
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ هيثم،

ما هو المشكل عندك في هذا النصّ الذي تنقله من كلام الإمام السنوسي؟

هيثم عبدالحميد حمدان
05-04-2004, 18:56
كل ما في المسألة هو أنك زعمت أن "المسموعات" في كلام بعض علماء الأشاعرة، هي "الموجودات" في كلام الآخرين. ولم تأت بدليل من كلام أصحاب القول الأول على ذلك.
ثم يأتي السنوسي ويقرّر أن الانكشاف الزائد بالسمع على الانكشاف بالعلم: معلوم بالشاهد ضرورة. ولا أعرف انكشافاً عن طريق السمع في الشاهد يحصل لغير المسموعات.

فإن قيل: المسموعات لله ليست من جنس المسموعات للبشر وتشمل كل موجود لقوله تعالى: "ليس كمثله شيء".
أقول: هذا القول لا يبرئ صاحبه من نوع التشبيه الذي تنفيه الأشاعرة وإثبات القدر المشترك من كون السمع يحصل به قدر زائد من الكشف على العلم عند الله (سبحانه) كما عند البشر.

ملاحظة: أرجو التثبت من هذا النقل عن السنوسي حيث أنني نقلته عمّن نقل عنه، ونسيت أن أنبه على ذلك، وليست العقيدة السنوسية عندي.
والغريب أن بعض! تهذيبات العقيدة السنوسية حذفت عبارة "وذلك معلوم بالشاهد ضرورة" لسبب ما، بالرغم من أهميتها.

جمال حسني الشرباتي
06-04-2004, 11:27
السلام عليكم
لم اجد في متن السنوسية الا هذا النص حول السمع والبصر(وحقيقة كل من السمع والبصر صفة أزلية ينكشف بها لله كل موجود. وانكشاف السمع يباين انكشاف البصر.)
لذا قد يكون النص الذي نقله الاخ هيثم (قال السنوسي (رحمه الله): "السمع والبصر صفتان ينكشف بهما الشيء ويتضح كالعلم، إلا أن الانكشاف بهما يزيد على الانكشاف بالعلم بمعنى أنه ليس عينه، وذلك معلوم بالشاهد ضرورة".)
هو شرح من غيره والله اعلم

سعيد فودة
06-04-2004, 23:54
أسئلة أوجهها إلى هيثم حمدان

أرجو أن تقول لي ما الذي تفهمه من "المسموعات" ومن "المبصرات".أي ما هي المسموعات وما هي المبصرات؟
وكيف تقول إن علم الله تعالى يتعلق فقط بالموجودات، حسب ظاهر كلامك. فأنت قلتَ:
"فلجؤوا إلى اختراع ضحكة لم يُسبَقوا إليها، فقالوا: إن سمع الله وبصره متعلقان بكل ما تعلّق به علمه! وعلمه متعلّق بكل موجود!" اهـ
وهذه يفهم منها أن كل ما يتعلق به علمه هو الموجودات؟؟ بمعنى إنه علمه لا يتعلق بالمعدومات، فمن قال بهذا من الاشاعرة أيها الإنسان؟
وما تفهم من عبارة الموجودات، أي ما هي الموجودات، هل هي أجسام فقط أم ماذا؟

لأن جوابك يتوقف عليه استمراري في الكلام معك إن أحببتَ؟
ولا يمكن أن نخوض في هذه المسألة إلا بعد معرفة فهمك لنعرف جهة اعتراضك واستغرابك.
وماذا تفهم من قولهم: إن الإدراك بالسمع يزيد على الإدراك بالعلم، وكذلك البصر؟ بمعنى هل تعتقد أنهم يقصدون بالزيادة هنا أن ما يدركه الله تعالى ببصره لا يدركه بعلمه؟؟؟
وعندي أسئلة أخرى أوجهها إليك بعدما تجيب على هذه.

بلال النجار
07-04-2004, 11:27
بسم الله الرحمن الرحيم

مولانا الشيخ سعيد،

أشكرك على مشاركتك، وقد سألت مثل هذه الأسئلة في أثناء نقاشي مع هيثم، ولم يجب عنها، وها قد عاد لي بعد مدة من تركه الحوار ليواصل بهذه المقالة للإمام السنوسي، ومعك كلّ الحق فيما سألت لأنه يصعب فعلاً الكلام معه ما لم يبيّن ما الذي يفهمه هو من كلامنا، وجهة اعتراضه عليه. إلا أنني سأجيبه على القدر تضمنه جوابه عن سؤالي ههنا، والله تعالى الموفق.

الأخ هيثم،

أولاً: عبارة السنوسي التي نقلتها وهي:
قال السنوسي: (رحمه الله: "السمع والبصر صفتان ينكشف بهما الشيء ويتضح كالعلم، إلا أن الانكشاف بهما يزيد على الانكشاف بالعلم بمعنى أنه ليس عينه، وذلك معلوم بالشاهد ضرورة."
صحيحة تماماً وهي من شرحه على أم البراهين، وتمام العبارة بعد ما ذكرت، قوله:
(ومتعلّقها أخص من متعلّق العلم، فكلّ ما تعلّق به السمع والبصر تعلّق به العلم، ولا ينعكس إلا جزئيّاً، ونبّه بقوله بجميع الموجودات على أنّ سمعه وبصره ليس كسمعنا وبصرنا في التعلّق، إذ سمعنا إنما يتعلّق عادة ببعض الموجودات وهي الأصوات في جهة مخصوصة، وعلى وجه مخصوص من عدم البعد والسرّ جدّاً، وبصرنا إنما يتعلّق عادة ببعض الموجودات وهي الأجسام وألوانها وأكوانها في جهة مخصوصة، وعلى صفة مخصوصة، وأما سمع مولانا جلّ وعزّ وبصره فيتعلّقان بكلّ موجود، قديماً كان أو حادثاً، فيسمع جلّ وعزّ ويرى في أزله ذاته العليّة، وجميع صفاته الوجوديّة، ويسمع ويرى تبارك وتعالى فيما لا يزال ذوات الكائنات كلّها وجميع صفاتها الوجوديّة سواء كانت من قبيل الأصوات أو من غيرها، أجساماً كانت أو أكواناً أو ألواناً أو غيرها) اهـ كلامه رحمه الله.

ثانياً قولك: (كل ما في المسألة هو أنك زعمت أن "المسموعات" في كلام بعض علماء الأشاعرة، هي "الموجودات" في كلام الآخرين. ولم تأت بدليل من كلام أصحاب القول الأول على ذلك)
أقول: إن ما كنت أشير إليه في حوراتنا السابقة بحسب ذاكرتي هو أنه لا تنافي بين القولين وأنه يمكن إعادتهما لبعضهما، وإن ما فعله السنوسيّ رحمه الله تعالى هو أنّه حقّق المعنى المراد بالمسموعات والمبصرات، لا أنّه اخترع قولاً جديداً. إذ لا يسمع ولا يبصر إلا ما كان موجوداً وهذا متفق عليه عند الأشعريّة سواء المتقدمين والمتأخرين، ثمّ إن ما نسمعه نحن عادة هو نزر يسير جداً من الموجودات ألا وهو ترددات معيّنة من الأصوات، لا نسمع أدنى منها ولا أكبر منها، ولكن لسمع الله تعالى وبصره تعلّقاً عامّاً بجميع الموجودات، لكمال سمعه وبصره. ولو فكّرت في مفهوم السمع، وفي مفهوم المسموع، ولاحظت أن قصور سمع الإنسان إنما هو بسبب أن سمعه يكون عادة بآلة ضعيفة، لا تدرك إلا بعض الموجودات الحادثة ألا وهي الأصوات المخصوصة، لانحلّ الإشكال تماماً عندك.

قولك: (ثم يأتي السنوسي ويقرّر أن الانكشاف الزائد بالسمع على الانكشاف بالعلم: معلوم بالشاهد ضرورة. ولا أعرف انكشافاً عن طريق السمع في الشاهد يحصل لغير المسموعات)
أقول: حق عبارتك أن تكون: ويقرر أن الانكشاف بالسمع زائد على الانكشاف بالعلم.
وعلى أي حال، فمعنى الزيادة ههنا كما نصّ عليه الإمام السنوسيّ نفسه هو أن الانكشاف بالسمع مغاير للانكشاف بالعلم، دفعاً لمن ينفي صفتي السمع والبصر بحجة أنه لو أثبتناهما لكان المنكشف بهما هو عين المنكشف بالعلم، وهو تحصيل للحاصل، فمشى على ظاهر الشريعة التي أثبتت علماً وسمعاً وبصراً لا تدرك حقايقها، والظاهر المغايرة بينها، ثمّ فرّق بين الانكشاف الحاصل بكلّ واحد منها، دون أن يتجاوز هذا الحدّ قيد أنملة. وهو مبحث في غاية الدقّة، لا بدّ أن يتوخّى المرء فيه الحذر. والله تعالى أعلم بذاته وصفاته العليّة. ولكن ما نثبته لله تعالى ههنا هو غاية الكمال في العلم والسمع والبصر، ونفرّق بين الجميع مشياً على ظاهر الشريعة في التفرقة، ثمّ نتوقّف روماً للسلامة.

وأما قولك: (ولا أعرف انكشافاً عن طريق السمع في الشاهد يحصل لغير المسموعات)
فما الذي تقصده بالمسموعات؟ فهو محلّ النزاع، فأنا أقول المسموعات هي ما يصحّ أن تسمع، وهي الموجودات، فأنت ما الذي تعنيه بالمسموعات؟
إن كنت تقصد ما يسمعه الإنسان، لزمك أن الله تعالى لا يسمع الملائكة والجان، ودبيب النملة، والجزيئات الدقيقة غير المرئية ولا المسموعة لنا... والمعنى أنك بكلامك هذا لم تلزمني بشيء، لأنك ادّعيت أن السمع لا يتعلّق بغير المسموع، وأنا أوافقك على ذلك، ولكني أشرح المسموع بما يصح أن يسمع وهو الموجود، فإن كنت تخالفني في تحديده، فاشرحه لي، محرراً محلّ النزاع ثمّ يكون لنا كلام.

قولك: (فإن قيل: المسموعات لله ليست من جنس المسموعات للبشر وتشمل كل موجود لقوله تعالى: "ليس كمثله شيء" أقول: هذا القول لا يبرئ صاحبه من نوع التشبيه الذي تنفيه الأشاعرة وإثبات القدر المشترك من كون السمع يحصل به قدر زائد من الكشف على العلم عند الله (سبحانه) كما عند البشر)
أقول: أنا لم أورد هذا السؤال. وهو سؤال ركيك. لأن كونه تعالى ليس كمثله شيء لا مدخليّة له في نفي تعلّق سمع الله بنفس ما تعلّق به سمع البشر، ولا يلزم من تعلق صفة المخلوق بعين ما تعلّقت به صفة الخالق أي تشبيه. ألا ترى أن علم الله تعالى متعلق بما يتعلق به علمك من المتعلّقات، ولكن شتان بين العلمين، والانكشافين... والدليل المذكور أي قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) إنما يستفاد منه ههنا أن سمعه تعالى ليس كسمع البشر، لا من حيث الانكشاف الحاصل بالسمع، ولا من حيث عموم التعلّق.
ووسمنا بالتشبيه مجرّد دعوى بلا دليل. فنحن نثبت لله تعالى سمعاً كما أثبته لنفسه، ونقول هو صفته، وما دام صفة له فلا بدّ وأن يكون قديماً لأنه تعالى لا تقوم به الحوادث، ثمّ نقول لا بدّ أن يكون مخالفاً لسمع المخلوق لكونه تعالى واحداً في صفاته، لا يتّصف بما تتصف به المخلوقات ولا تتصف المخلوقات بما اتصف به سبحانه، ثمّ نقول إن سمعه تعالى يتعلّق بكلّ ما يصح أن يسمع، وهو عندنا الموجود فسمعه عام التعلّق بكلّ موجود، على خلاف البشر وغيرهم من المخلوقات التي لها سمع، فإن سمعها يتعلّق ببعض الموجودات على جهات مخصوصة فحسب، ثمّ ما دامت هذه الصفة قديمة فهي باقية، وكذا ننفي أن يكون سمعه تعالى بآلة أو جارحة، ونثبت أن سمعه تعالى واحد لكونه تعالى واحداً في صفاته. فأين شبّهنا الله تعالى بخلقه يا هيثم؟
والجهة التي تشير إليها وهي كون السمع والبصر والعلم أمور متغايرة في الشاهد فتكون متغايرة في الغائب فهو مشي مع ظاهر الشريعة، وإلا لما ذكرت الشريعة ثلاثة الأمور، وأنتم أنفسكم تثبتون هذه الصفات الثلاثة كصفات متغايرة، فيلزمكم الإجابة على نفس السؤال، هذا أولاً. ثمّ ثانياً عليك أن تلاحظ أننا لا نعني بالقدر الزائد غير المغايرة بين الانكشاف الحاصل بالعلم والانكشاف الحاصل بالسمع والبصر، وهذه المغايرة الواقعة في الشاهد حين نثبتها للغائب لا نسوي بين الغائب والشاهد، لوجهين:
الأوّل: لما بيّناه قبل من قواعد التنزيه حين وصفنا لك ما نثبته لله تعالى وما ننفيه عنه حين نقول إنه سميع وبصير.
الثاني: أن المغايرة ههنا أمر اعتباريّ، ونحن لا نشرح هذه المغايرة ولا نحدّدها فلا يلزمنا إثبات معنى وجوديّ يشترك فيه الخالق والمخلوق. بعبارة أخرى، إننا نكون مشبّهين لله تعالى لو أثبتنا أن المغايرة بين السمع والعلم في الشاهد هي عين المغايرة بين السمع والعلم في الغائب أو إذا قلنا إن المغايرتين في الشاهد والغائب مشتركتان في معنى وجوديّ واحد. ونحن لا نقول ذلك. بل نقول السمع مغاير للعلم في الشاهد، فالأصل أن يكون ما عبر عنه الشارع بالسمع غير ما عبر عنه بالعلم في الغائب. أما حقيقة هذه المغايرة التي في الغائب فلا ندخل بآرائنا متأولين فيها، لأن ذلك ليس بمقدور المرء أن يجزم فيه بعقله والله تعالى أعلم.

قولك: (ملاحظة: أرجو التثبت من هذا النقل عن السنوسي حيث أنني نقلته عمّن نقل عنه، ونسيت أن أنبه على ذلك، وليست العقيدة السنوسية عندي)
أقول: هذا النص في شرح السنوسي على أم البراهين المسماة بالصغرى. وهو صحيح.

قولك: (والغريب أن بعض! تهذيبات العقيدة السنوسية حذفت عبارة "وذلك معلوم بالشاهد ضرورة" لسبب ما، بالرغم من أهميتها)
أقول: إلى أيّ تهذيب تشير، ثمّ ما السبب الذي لأجله حذف المهذّب هذه العبارة برأيك؟
وهذا القدر من الكلام كاف شافٍ يشرح حقيقة مذهب الأشعريّة في صفة السمع. وأرجو أن يكون كلامي واضحاً لك. والله تعالى الموفق.

هيثم عبدالحميد حمدان
07-04-2004, 16:45
المعذرة على التأخر، وسأقوم بالرد قريباً إن شاء الله. ولكن لفت انتباهي أنكما فهمتما كلامي بطريقتين مختلفتين تماماً.

فالأخ بلال وصفني بالتعالم لأنه ظن أنني أنسب إلى الأشاعرة القول بأن علم الله وسمعه يتعلقان بالموجودات وغيرها. وهذا باطل، فأنا لم أنسب لهم هذا القول، ولا أدري من أين فهمه.

أما الأخ سعيد فودة فقد فهم كلامي على العكس تماماً. فزعم أنني أنسب إلى الأشاعرة القول بأن علم الله وسمعه يتعلقان بكل موجود فقط. وهو باطل أيضاً، فإنني أنسب إلى الاشاعرة وأهل الحديث القول بأن علم الله يتعلق بالموجود وغيره، أما سمعه فيتعلق عند الأشاعرة بالموجود فقط، ولذلك قلت: "وعلم الله يتعلق بكل موجود"، ولم أعن بذلك الحصر ولكن عنيت الجزء المشترك بين السمع والعلم وهو موضوع الكلام.

فلعل الأخ بلال يتريث قليلاً قبل أن يصفني بالتعالم والتشبع بما لم أعط.

الأمر الآخر هو أن الأخ بلال أخرج الحال من جملة الموجود، لكنه لم يعلّق على قول الأخ جلال: "الأبوة والبنوة ليست أحوالاً". فهل الأبوة والبنوة موجودة عندك يا أخ بلال أم لا؟ وهل يتعلق سمع الله بهما؟ ولا يهمني إن كانتا أحوالاً عندكم أم لا، فإنهما كذلك عند غيركم.

سعيد فودة
07-04-2004, 22:39
إنني عندما قلت لك إن عبارتك يفهم من ظاهرها أن العلم يتعلق بالموجودات فقط، اعتمدت على الظاهر من عبارتك، فأنت قلت
" فقالوا: إن سمع الله وبصره متعلقان بكل ما تعلّق به علمه! وعلمه متعلّق بكل موجود! والسمع والبصر قدْرين زائدين من الكشف عن حقيقة الموجود على مجرّد العلم!"
فتأمل في عبارتيك التاليتين أيها الإنسان
1 - إن سمعه وبصره متعلقان بكل ما تعلق به علمه.
2- علمه متعلق بكل موجود.
فالسمع والبصر متعلقان بكل ما يتعلق به علمه وهو الموجود(بناء على ظاهر عبارتك)، فهما متعلقان بالموجودات.
ألا يلزم من ذلك أن علمه لا يتعلق إلا بالموجود، لأنك حصرت بقولك (كل) متعلقات علمه تعالى بالموجودات.
هذا هو السبب الذي من أجله قلت لك إن عبارتك يفهم منها أنك تنسب إلى الأشاعرة أن علم الله لا يتعلق إلا بالموجودات.

وهذا مبني على ظاهر عبارتك.
ولا تقل لي إن عبارتك بهذا الترتيب لا يفهم منها ذلك بل ذلك ظاهر منها.
وعليك أن تعترف بذلك ولا تقل إنك أردت المعنى الفلاني، لأنا لا نملك قدرة على الكشف عن قصدك، ولذلك سألتك عدة أسئلة لعلنا نرى ماذا تفهم من هذا المصطلحات. لنحاول بعد ذلك السير معك في النقاش إن شئتَ.

فلا يصح لك وعبارتك تدل على ما ذكرت لك أن تستغرب مني كيف فهمت هذا المعنى الذي نسبته إليك منها؟
وإذا كان ذلك صحيحا، فعليك أن تعترف بذلك علنا، وتتراجع عنه أو تبينه وتعدل من عبارتك الأولى بنص جديد الآن.
وأما من قال إنك يلزمك القول بأن السمع والبصر متعلقان بالمعدومات أيضا، فهذا بناء على حسن الظن بك، أنك تعرف أن العلم يتعلق بالمعدومات أيضا.

فالخلل راجع إلى عبارتك وليس إلى من فهم منها هذا المعنى.

وأيضا أسألك سؤالا، وهو:
ماذا تقصد بالتعلق، وهو السؤال الذي سألك عنه جلال.

ونحن بانتظار أجوبتك على الأسئلة.

أحمد محمود علي
08-04-2004, 06:57
لا أدري بما أعتذر عن التدخل في النقاش، ولكني أرى أن ما أود أن أستفسر عنه له علاقة وثيقة بالموضوع، فليعذرني الجميع.

*قال الأستاذ بلال ...

تم نقل المشاركة حسب رغبتكم إلى رابط جديد وهو:
مناقشة حول تعلق صفتي السمع والبصر

http://www.aslein.net/showthread.php?s=&postid=3706#post3706

هيثم عبدالحميد حمدان
08-04-2004, 14:31
=======
=======
=======

بلال النجار
10-04-2004, 12:05
بسم الله الرحمن الرحيم

قال هيثم: (فالأخ بلال وصفني بالتعالم لأنه ظن أنني أنسب إلى الأشاعرة القول بأن علم الله وسمعه يتعلقان بالموجودات وغيرها. وهذا باطل، فأنا لم أنسب لهم هذا القول، ولا أدري من أين فهمه.)

أقول:
أولاً: يبدو أنك يا هيثم تنسى ما تكتب، فهلا رجعت إلى أول شيء قلته في بداية هذا النقاش، حيث قلت أنت عن الأشاعرة:

(ففي بداية الأمر جعلوا السمع متعلقاً بالمسموعات والبصر بالمبصرات. لكنهم سرعان ما واجهوا إشكالية اقتضاء تعريفهم هذا للتشبيه والتجسيم! لأسباب يعرفونها. فلجؤوا إلى اختراع ضحكة لم يُسبَقوا إليها، فقالوا: إن سمع الله وبصره متعلقان بكل ما تعلّق به علمه! وعلمه متعلّق بكل موجود! والسمع والبصر قدْرين زائدين من الكشف عن حقيقة الموجود على مجرّد العلم!
يعني: الله (سبحانه) سمع الألوان والروائح، ورأى الأوهام، وسمع ورأى الأحوال من بنوة وأبوة وغيرهما، وسمع ورأى صفاته السبع! )

فههنا أنت تدّعي أننا نجعل صفتي السمع والبصر متعلّقة بكلّ ما تعلّق به علم الله تعالى من المتعلّقات، ومن جملة ذلك تدخل الأوهام والأحوال... إلخ)

وقد أجبتك أنا والأخ جلال بما يلزم في حينه، لنفي هذه الشبهة، وطالبناك بإثبات دعواك هذه علينا، فانقطعت بعد عدة محاولات بائسة منك.

ثانياً: على أني في ردّي الأخير لم أتطرّق مطلقاً إلى أنك تنسب للأشاعرة أنهم يقولون صفة السمع والبصر بالموجودات وغيرها مما تعلّق به العلم من المتعلّقات. بل التزمت بجوابك عن أسئلتك الأخيرة المتعلّقة بكلام العلامة السنوسيّ. وكان ما نسبته لك من هذا القبيل في بداية الحوارات أول ما تدخّلت في النقاش بينك وبين جلال، وفي الحقيقة لم يكن الأمر مني أني نسبت هذا القول لك، بقدر ما كانت مشاركاتي ردّاً عليك لقولك بهذا القول صراحة كما نقلته لك من كلامك.

وأما أنك تتعالم وتتشبع بما لا تملك، فهذا حقّ أراه في طريقتك في الكتابة بما لا أشك فيه، وعند البحث معك أراك تنكص عن فهم كلامي، وحتّى عن فهم ما تكتبه أنت نفسك، وهو من العجب بمكان.
ولعلّ أكثر ما يضيع المرء فيه وقته بلا طائل ويتلف أعصابه هو حين يحاول أن يغير رأي إنسان معاند عن جهل. فالله تعالى المستعان، وهو حسبي ونعم الوكيل.

ثالثاً: قولك يا هيثم: (الأمر الآخر هو أن الأخ بلال أخرج الحال من جملة الموجود، لكنه لم يعلّق على قول الأخ جلال: "الأبوة والبنوة ليست أحوالاً". فهل الأبوة والبنوة موجودة عندك يا أخ بلال أم لا؟ وهل يتعلق سمع الله بهما؟ ولا يهمني إن كانتا أحوالاً عندكم أم لا، فإنهما كذلك عند غيركم.)

أقول: ما قاله الأخ جلال في حينها هو: (ثم البنوة والأبوة ليست أحوالاً يا فالح، هذه إضافات من مقولة الكيف)
وأنا لا أخالفه في أنها ليس أحوالاً ولكن أخالفه في أنها من مقولة الكيف، بل هي من مقولة الإضافة بناء على ما صرّح هو به من أنها إضافات، وأظنه سبق قلمه إلى الكيف. هذا على القول بأن الحال له ثبوت ما في نفسه لم يصل به إلى رتبة الوجود الخارجي، وأما على القول بأن الحال هي مطلق الاعتبار فلا شكّ أن الأبوة والبنوّة من الأحوال، لأنها من الأمور الاعتباريّة. وعليه فسؤالك: (هل الأبوة والبنوة موجودة عندك يا بلال؟ )
الجواب: لا، بل هي مجرّد اعتبارات لا وجود لها في الخارج.
وسؤالك: (وهل يتعلق سمع الله تعالى بهما؟)
الجواب: لا يتعلق سمع الله تعالى بهما.

رابعاً: وأما الأخ الحبيب محب الدين، فاعذرني عن تأخري في الجواب، فالأمر كما قال لك الشيخ سعيد هو أن كمبيوتري كان معطّلاً ولم يصلح إلا قبل دقائق معدودة من كتابتي هذه، وسآتيك بتفصيل الجواب حالاً إن شاء الله، بمجرّد طباعته. ولا داعي لكل هذا الاعتذار والأسف، فإشكالك مشهور مسؤول عنه، وجوابه سهل إن شاء الله. ولكنك نسبت إلى الإمام الغزالي ما لم يفعله في الاقتصاد كما سأبينه لك إن شاء الله، وأما أنه يصرّح في محلّ آخر بأن السمع والبصر يتعلقان بالموجود قبل وجوده، فهو غريب، وأرجو أن تبحث عنه وتجده وتعلمني بمحلّه. وأخيراً لو أنك أفردت سؤالك في موضوع خاص في مسائل الكلام لكان أولى، والله أعلم، حيث اعتدنا على بحث ما تستشكله. ولا إشكال إن شاء الله، قدر الله تعالى وما شاء فعل.

بلال النجار
10-04-2004, 16:01
تم نقل الجواب إلى:
http://www.al-razi.net/vb/showthread.php?s=&postid=3694#post3694

هيثم عبدالحميد حمدان
11-04-2004, 16:53
قلتَ عن الأبوة والبنوة يا بلال: "هي مجرّد اعتبارات لا وجود لها في الخارج". لكن جاء في: (حسن المحاججة في بيان أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه) عن الأبوة: "نحن نجزم بوجودها من دون تصور جهة لها". فكيف التوفيق بين القولين؟ أخشى أن تنقلب تهمة التعالم والجهل عليك يا أخ بلال.

بلال النجار
12-04-2004, 15:17
بسم الله الرحمن الرحيم

لا يا هيثم، لن تنقلب تهمة التعالم والجهل عليّ، ولا يلزمني الجهل ولا يلزم هذا الوصف شيخي العلامة المحقق أيضاً حاشاه. والخلاف الذي يظهر في كلامينا أسويه أنا وهو ولا شأن لك به، وليس له مدخليّة في نقاشي أنا معك. أنا أقول بأن الأبوة والبنوة من مقولة الإضافة وهي نسبة أخصّ من مطلق النسبة لا تعقل إلا بالدوّر المعيّ، وهي ههنا اعتبار ذهنيّ فحسب لا قيام له بذاته ولا بذات أحد المتضايفين ولا بذاتيهما معاً. والنسبة التي هي الأبوة هي عينها النسبة التي هي البنوّة، واختلاف الاسم باختلاف جهة النظر إليها، وليس ثمّة إلا والد وولد، والنسبة بينهما مجرّد اعتبار ذهنيّ هو الأبوة من جهة الأب إلى الابن وهو عينه البنوّة من جهة الابن إلى الأب. وليست الأبوة أو البنوّة شيئاً متحققاً في الأعيان يمكن أن يرى أو يسمع.

هذا قولي، وقول شيخي على تقدير أنه ينافي قولي، فليس بحجّة تحتج بها عليّ في مقام مناظرتي، لأن الأمر بيني وبينك، فأنا أستطيع الدفاع عن قولي، فأبطله إن كان بمقدورك ذلك. ثمّ الخلاف بيني وبينك ليس في أنه هل البنوّة موجودة أو غير بموجودة، الخلاف بيننا في متعلّقات السمع والبصر، فأنت تظهر أنك تقول بخلاف ما أقول به أنا ولا تبين عن جهة الخلاف فتنصر قولك أو تبطل قولي. وكذا الخلاف بيننا في أن المسموع والمبصر هل هو الموجود مطلقاً أم هو أخصّ منه أم أعمّ؟ وأنت أيضاً تظهر أنك تخالفني ولا تضع قولك في مقابل قولي فتنصر قولك أو تبطل قولي. وهذه هي طريقتك وعادتك التافهة فيما تسميه أنت حواراً وأسميه أنا مضيعة لوقتي.

وكلّ حوار دار بيننا فهو في الحقيقة ليس بحوار إذ هذه صفته غالباً، بل هو أقرب ما يكون إلى إجابات من طرفي على أسئلة لا تنتهي من طرفك. وفي النهاية تخالفني بلا دليل ولا تسلّم ما أقوله فينتهي النقاش بلا نتيجة ولا فائدة، ولم أحسّ يوماً بأن باعثك على النقاش هو البحث والنظر لتحقيق المسائل والدلائل والتزام الحق الذي يظهر.
وأراك تتخبط وتخوض دائماً فيما لا تحسن فهمه، وأخيراً تصطاد في الماء العكر على نحو عجيب، بأن تطلب أن أوفق بين قولي وقول شيخي. فما شأنك أنت بذلك، وما دخل هذا فيما نحن فيه من النقاش. وماذا يفيدك أن تحقق هذا الخلف أو ترفعه. إن هذا الأمر غريب عن بحثي ونقاشي معك.

فإذا أردت أن تجعل الخلاف بيني وبينك في الأبوة والبنوة هل تريان وتسمعان أو لا، فأنا أقول إنما عدميّتان ولا تريان ولاتسمعان. فأنت ماذا تقول؟ ثمّ تسألني وأسألك وينثر كلّ منا أدلّته ويرد أدلة خصمه حتى يظهر قول واحد منا. فإما أن تناقش بهذه الطريقة أو تأخذ غفوة لشهر أو يزيد كما هي عادتك حتّى تظفر بشيء تقوله ثمّ تعود به فرحاً تلقيه علينا كأنك جئت بالذيب من ذيله.
الله تعالى المستعان، وهو حسبي ونعم الوكيل.

هيثم عبدالحميد حمدان
12-04-2004, 16:53
قال الأخ سعيد فودة: "ما الذي تفهمه من المسموعات ومن المبصرات؟".
الجواب: الذي أفهمه من المسموعات أنها كل ما أسمعه بأذني وما هو من جنسه مهما خفي. والمبصرات هي كل ما أراه بعيني وما هو من جنسه مهما خفي.

قال الأخ سعيد فودة: "وكيف تقول إن علم الله تعالى يتعلق فقط بالموجودات ... الخ".
الجواب: قال (تعالى): "وهو بكل شيء عليم"، فعلم الله لا يتعلق بالموجودات فحسب، بل يتعلق بكل شيء كما نص عليه القرآن والسنة وأهل العلم بقولهم: "الله يعلم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون".

قال الأخ سعيد فودة: "وما تفهم من عبارة الموجودات، أي ما هي الموجودات، هل هي أجسام فقط أم ماذا؟".
الجواب: في الحقيقة ليس لدي تعريف للموجود، وما يهمنا الآن هو أن المسموعات والمبصرات بحسب ما ذكرته فوق: هي جزء من الموجودات وليست كل الموجودات.

قال الأخ سعيد فودة: "وماذا تفهم من قولهم: إن الإدراك بالسمع يزيد على الإدراك بالعلم، وكذلك البصر؟".
الجواب: فهمي لهذه العبارة يتضح بالمثال التالي: لو أنني قرأتُ كتاباً مفصلاً عن آلة الدف، فإنه سيحصل لدي نوع معين من الكشف عن حقيقة الدف. فإذا رأيت الدف أصبح عندي كشف زائد لحقيقة الدف ولكن من نوع مختلف عن الكشف الأول. فإذا استمعتُ للدف، صار لدي كشف من نوع آخر لحقيقة الدف. هذا ما أفهمه، وهو فهمي لقول السنوسي: "كما في الشاهد والبرهان".

قال الأخ سعيد فودة: "ماذا تقصد بالتعلق؟".
الجواب: عندما نقول: "إن سمع الله يتعلق بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، وعلمه بكل شيء" نعني ببساطة: إن الله يسمع المسموعات، ويبصر المبصرات، ويعلم كل شيء.

وسؤالي لك الآن بعد أن أجبت على أسئلتك: نجد أن الآيات والأحاديث التي يرد فيها ذكر سمع الله أنها دائماً تُعلق السمع بالمسموعات بحسب فهمي السابق. مثلاً قوله (تعالى): "لقد سمع الله قول التي تجادلك"، وقوله: "لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء".
ولا نجد تعلقاً للسمع بغير المسموعات بحسب فهمي السابق. فلا نجد مثلاً: أن الله يسمع الألوان! أو يسمع الروائح!
فمن أين لك من القرآن والسنة أن سمع الله يتعلق بكل موجود؟

سعيد فودة
14-04-2004, 10:04
الجواب:
أولا: أنت لم تجب مطلقا على السؤال بل اكتفيت بإعادة السؤال فأنا سألتك عن حقيقة المسموع والمبصَر، فأجبتني بقولك " الذي أفهمه من المسموعات أنها كل ما أسمعه بأذني وما هو من جنسه مهما خفي. والمبصرات هي كل ما أراه بعيني وما هو من جنسه مهما خفي. ".
كذا قلت فقيدت عبارتك بنفس المؤسل عنه، وما هو من جنسه، وإنما كان السؤال عن جنس هذا المسموع والمبصر. فأنت لم تجبني أصلا!!
ثم أضفت في الجواب الثالث :" ، وما يهمنا الآن هو أن المسموعات والمبصرات بحسب ما ذكرته فوق: هي جزء من الموجودات وليست كل الموجودات" ، وكلامك يعني أن ما نسمعه هو جزء من الموجود. وإنما أسألك عن هذا الجزء ما هو. بين لي وصفه، فهذا هو السؤال.

ثانيا: أنت الآن اعترفت بأن علم الله تعالى يتعلق بكل موجود ومعدوم، فعليك أن تتراجع عن عبارتك التي ذكرت لك سابقا أنها تخالف ما تذكره أنت الآن. أو تبين لي أن ما قلته لك سابقا غير صحيح.

ثالثا: أنا سألتك عن الموجودات هل هي كلها أجسام ؟ يعني هل يستحيل وجود موجود غير جسم، وأنت تقول "في الحقيقة ليس لدي تعريف للموجود، وما يهمنا الآن هو أن المسموعات والمبصرات بحسب ما ذكرته فوق: هي جزء من الموجودات وليست كل الموجودات"اهـ
أما قولك بأن ما يهمنا هو ما ذكرته، فما ذكرته لا يفيد وليس جوابا، بل يحتاج إلى بيان، فما هو ذلك الجزء الذي نراه وما هو ذلك الجزء الذي نسمعه من الموجودات.
وأنا أستغرب منك، فكيف تقول إنك لا تعرف هل كل الموجودات أجسام أو لا، يعني هل إذا سألك واحد هل الله تعالى جسم أم لا هل تقول له أنك لا تعرف هل هو جسم أو لا؟؟ ثم تأتي وتتكلم في هذه المسألة الدقيقة.
أنا يغلب على ظني أنك تعرف، أو يغلب على ظنك شيء في هذ المقام، فقله ولا تتردد؟ لكي نستطيع أن نكمل الكلام .أما بهذا النحو فلا.
ثم أنت تقول إن المسموعات والمبصرات جزء من الموجود، فأنت عندما ترى الله تعالى وعندما تسمع كلامه؟ هل تسمع وترى جزءا منه جل شأنه، وما هو هذا الجزء الي تراه وتسمعه؟؟؟؟؟

رابعا: وما تفهمه من قولهم بزيادة كشف السمع والبصر على العلم، ليس صحيحا، فإن ما تقوله يتضمن أن ما تستفيده من السمع والبصر لم تكن قد استفدته من العلم. لأنه ليس كل التفاصيل التي تراها وتسمعها كنت تعلمها.
وأيضا، إن هذا المعنى الذي تذكره للسمع والبصر إذا نسبناه لله تعالى يستلزم أن يكون الله تعالى يستفيد كمالا من وجود المخلوقات، ويستلزم أن تكون صفته الزائدة على العلم متوقفة في وجودها على وجود المخلوقات.
فهل تجيز أنت هذا الأمر. وإلا فعليك مراجعة كلامك.
وإجمالا، فليس هذا المعنى هو الذي يقصده العلماء من الزيادة المذكورة.

خامسا: أنت فسرت التعلق بقولك: عندما نقول: "إن سمع الله يتعلق بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، وعلمه بكل شيء" نعني ببساطة: إن الله يسمع المسموعات، ويبصر المبصرات، ويعلم كل شيء. "
وهذا كما يظهر لك عبارة عن كلام مكرر من السؤال أصلا. وأت تعرف الملطوب تعريفه بعين المجهول ومحل السؤال أصلا. فأنا قلت لك ما معنى تعلق سمع الله تعالى بالمسموعات، فقلت لي:معناه إنه يسمع المسموعات. وكلامنا عن نفس التعلق
ولتوضيح ذلك أكثر، إنك عندما ترى شيئا فإن بصرك يتعلق به بواسطة الشعاع والمقابلة ، وعندما تسمع أمرا، فإن سمعك يتعلق به بواسطة الصوت الذي هو هيئة حاصلة في الهواء أو الوسط المتموج. فإن انقطع هذان انقطع تعلق سمعك وبصرك بالمسموع والمبصَر.
فهل تعتقد أن سمع الله تعالى وبصره كذلك ؟؟
أرجو أن لا تكرر لي نفس عباراتي مرة أخرى وتقول لي إنك أجبت.

سادسا: أما سؤالك الأخير، فأقول لك: إننا عندما نتكلم وأكون أنا السائل وأنت المجيب، فلا يصح في آداب النظر أن تقلب المقام وتشرع في السؤال ما لم أسمح لك بذلك أو أنتهي من السؤال. وأنا لم أسمع منك جوابا بعد ولم أنته من الأسئلة حتى تشرع أنت بالسؤال.

والله الموفق.

بلال النجار
14-04-2004, 11:04
بسم الله الرحمن الرحيم

يبدو أنه لا حظّ لي اليوم، فالشيخ ناشط للجواب، وكلّما عملت جواباً وجدته سبقني للجواب. وعلى أيّ حال بارك الله في وقتك أيها الشيخ، وكنت كتبتك هذا الجواب ظنّاص مني أنه لا وقت لديك للإجابة. فليكن هذا الذي آتي به مجرّد تعليقات على كلام هيثم، وخارجة عن النظار الذي بينك وبينه. وأرجو أن ينتفع به من يقرؤه، والله تعالى وليّ التوفيق.

فأقول:
قولك يا هيثم: (الذي أفهمه من المسموعات أنها كل ما أسمعه بأذني وما هو من جنسه مهما خفي. والمبصرات هي كل ما أراه بعيني وما هو من جنسه مهما خفي)

أقول: إما أنه يجوز أن تسمع كلام الله تعالى أو لا يجوز أن تسمعه. فإن كنت تقول بأنك يجوز أن تسمعه فيلزمك على تعريفك هذا للمسموع بأن كلام الله تعالى من جنس ما تسمعه، وهو تشبيه لكلام الله تعالى بكلام خلقه لا محالة. وأما إذا قلت إنك لا يجوز أن تسمعه فكيف تجيب عن سماع سيدنا موسى لكلام الله تعالى؟
وكذا بالنسبة لتعريفك للمبصرات، فإما أنه يجوز أن ترى الله سبحانه وتعالى أو لا يجوز أن تراه، فإن قلت يجوز أن تراه على ما هو مذهب أهل السنّة فيلزمك على تعريفك للمبصرات أن يكون الله تعالى من جنس ما تراه، وهو عين تشبيه الله تعالى بمخلوقاته. وهو حقيقة مذهب ابن تيميّة. ولعمري كيف يكون (ليس كمثله شيء) وهو من جنس من تراه، وكلامه من جنس ما تسمعه. وأما إن قلت إنه لا يجوز أن يرى فكيف تجيب عن قولكم بأن الله تعالى يرى؟

قولك: (وهو بكل شيء عليم، فعلم الله لا يتعلق بالموجودات فحسب، بل يتعلق بكل شيء كما نص عليه القرآن والسنة وأهل العلم بقولهم: "الله يعلم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون)

أقول: هذا حقّ. ولا نخالفك فيه. على أن تلاحظ أن المستحيل في نفسه معلوم أيضاً لله تعالى.

قولك: (في الحقيقة ليس لدي تعريف للموجود، وما يهمنا الآن هو أن المسموعات والمبصرات بحسب ما ذكرته فوق: هي جزء من الموجودات وليست كل الموجودات)

أقول: إذا كانت المسموعات والمبصرات هي بعض الموجودات دون جميعها، فيلزمك أن تقول إن هنالك موجودات لا يبصرها الله تعالى، وهنالك موجودات لا يسمعها الله تعالى. فهل توافق على هذا الكلام. وهل تمثّل لنا بأمثلة على موجود لا يراه الله تعالى وموجود لا يسمعه الله تعالى؟


قولك: (فهمي لهذه العبارة يتضح بالمثال التالي: لو أنني قرأتُ كتاباً مفصلاً عن آلة الدف، فإنه سيحصل لدي نوع معين من الكشف عن حقيقة الدف. فإذا رأيت الدف أصبح عندي كشف زائد لحقيقة الدف ولكن من نوع مختلف عن الكشف الأول. فإذا استمعتُ للدف، صار لدي كشف من نوع آخر لحقيقة الدف. هذا ما أفهمه، وهو فهمي لقول السنوسي: "كما في الشاهد والبرهان".

أقول: فهل تقول أنت أو تفهم عبارة السنوسيّ على أن الله تعالى قبل أن يخلق الدفّ كان عالماً به منكشفاً له الدفّ انكشافاً ما، ثمّ لما خلقه تعلّقت به رؤيته فاكتسب انكشافاً لم يكن حاصلاً له منذ الأزل، ثم لمّا نقر على الدفّ استفاد الله تعالى كشفاً زائداً على ما كان حاصلاً له تعالى منذ الأزل؟ إن السنوسيّ لا يقول بذلك. واستدلاله بالشاهد هو لإثبات المغايرة فيه، والانتقال منه لإثبات المغايرة في الغائب على ما هو الظاهر في الشريعة، ومجرّد إثبات المغايرة مشياً مع ظاهر الشريعة بين العلم والسلم والبصر، وأن الانكشاف الحاصل بكلّ هو نوع من الإدراك مغاير للنوع الآخر، لا يستلزم إثبات نفس الكيفيّة التي في الشاهد للغائب، بل قواعد التنزيه عند أهل السنّة تفرض علينا أن ننفي هذه الكيفيّة التي نتصوّرها عنه في الشاهد. فتنبّه لذلك.

سؤالك: (نجد أن الآيات والأحاديث التي يرد فيها ذكر سمع الله أنها دائماً تُعلق السمع بالمسموعات بحسب فهمي السابق. مثلاً قوله (تعالى): "لقد سمع الله قول التي تجادلك"، وقوله: "لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء". ولا نجد تعلقاً للسمع بغير المسموعات بحسب فهمي السابق. فلا نجد مثلاً: أن الله يسمع الألوان! أو يسمع الروائح! فمن أين لك من القرآن والسنة أن سمع الله يتعلق بكل موجود؟)

الجواب: إن محلّ النزاع هو في أن المسموعات والمبصرات هل هي الموجودات أم هي أعمّ أم أخصّ منها، فسؤالك في محلّ النزاع. لأنا متفقون على أن السمع يتعلّق بالقول، لأن القول موجود. ولكن هل يتعلّق السمع بغيره من الموجودات أو لا هذا هو الخلاف. وليس بالضرورة أن يكون هنالك دليل في الكتاب أو السنّة ينصّ على أنّ السمع يتعلّق بالموجود لكي نحكم بصحّة هذه القضية كما هو معلوم، فالأدلة أعمّ من كونها من الكتاب والسنّة. أما الألوان فلا خلاف بيننا في أنها مرئيّة. فهي إذاً وجوديّة على نحو ما قد يطول البحث فيه، وعليه فتكون مسموعة لا من حيث ما هي مرئيّة بل من حيثيّة أخرى، أي أن الموجود يبصر من حيثيّة معيّنة ويسمع من حيثيّة أخرى غير الحيثيّة التي يبصر منها، فما نبصره نحن حقيقة هو الشعاع المنفصل عن ذي اللون وهذا الشعاع يراه الله تعالى بلا كيف وينكشف له انكشافاً تاماً على حقيقته التي هو عليها، ويرى حقيقة الشيء ذي الشعاع واللون بلا واسطة الشعاع كما لا يخفى، لأن بصره تعالى ليس بآلة تتطلب كيفيّة معيّنة إذ خالق الآلات والكيفيات منزّه عنها. وهذا بحث شريف ينبغي أن يلاحظه من يثبت الأحكام في حق المولى سبحانه وتعالى.

فهذه الفوتونات الضوئية هي في الحقيقة جسيمات مادية أو لنقل على الأقل لها طبيعة مادية لأنها طاقة والطاقة مادة، فمن حيث ما هي كذلك مثلاً فهي مسموعة لله تعالى. وكذا الكلام في الرائحة فهي عبارة عن جسيمات دقيقة تنفصل عن ذي الرائحة، فمن حيث ما هي جسيمات دقيقة مثلاً يراها الله تعالى، ومن حيث ما هي مسموعة يسمعها، ومن حيث ما لها رائحة يعلم الله تعالى رائحتها، فلا يقال من حيث ما هي ذات رائحة يسمعها الله أو يراها، ومن حيث ما هي مرئية يسمعها، ولا من حيث ما هي مسموعة يراها. وهكذا. وضبط حيثيات السمع والبصر في الموجود في حق الله تعالى أمر لا يقوى عليه البشر، لشدة جهلهم بحقائق العالم.

فالسمع والبصر يتعلّقان بنفس الموجود من حيثيّتين مختلفتين. حيثية السمع هي الحيثية التي يختص السمع بإدراكها وحيثية البصر هي الحيثية التي يختصّ البصر بإدراكها. وتحقيق الكلام في الألوان والروايح والأصوات قد يطول، فنكتفي بهذا القدر الذي يحصل به الجواب الآن، ولا نغفل أن ننبه على أن بصرنا وسمعنا ليس كسمع الله تعالى وبصره، فالانكشاف الذي يحصل لنا هو انكشاف قاصر لا يكشف لنا عن حقيقة الأشياء على ما هي عليه في الخارج، وهذا معلوم لكل مطّلع، فإنا إذا نظرنا بالمجهر إلى السطح الأملس رأيناه جبالاً وودياناً بحيث لا يمكن أن نصفها بالملاسة وهي تحت المجهر أي في المستوى المجهري، ولو نظرنا إلى رقاقة من المادة بالمجهر الإلكتروني لرأيناها شبكة كالغربال لا كما تبدو سطحاً محكم الإغلاق. وكم من أمواج لا نراها ولا نسمعها وهي تملأ الفضاء من حولنا. والملائكة يسيرون في الطرقات ويجالسوننا في المجالس ويروننا ويسمعوننا ولا نراهم ولا نسمعهم، وكذا الجان بنصّ القرآن الكريم. والله تعالى يرى جميع مخلوقاته ويسمعها ولا نعلم أن ثمّة أحداً رآه، ولا نعلم أنه سمعه أحد غير سيدنا موسى عليه السلام بلا كيف. فكيف مع كلّ هذا الجهل منا بحقائق العالم وكيفياته يمكنك القطع بأن الله تعالى لا يمكنه أن يرى بعض مخلوقاته، أو أنه لا يمكنه أن يسمع بعض مخلوقاته. بل أنت يا هيثم من أين لك العقيدة الجازمة بأن مسموعاته ومبصراته سبحانه وتعالى هي من جنس مبصراتك ومسموعاتك. أرني كيف تستدل على ذلك من الكتاب والسنة. والله تعالى يقول (ليس كمثله شيء)، وأكثر من ذلك فإن الله تعالى يسمع نفسه ويرى نفسه، فكيف يقال إن ما يصح أن يسمعه الله تعالى ويراها هو من جنس ما نسمعه نحن ونراه. إن هذا لقول عجاب. فتأمله لعلّه يتبيّن لك ما وقعت فيه من الغلظ. والله تعالى الموفّق.

هيثم عبدالحميد حمدان
14-04-2004, 15:33
لقد سألتني عن "فهمي" للمسموعات والمبصرات والموجودات. وأنا أعطيتك الجواب بحسب ذلك بما لا مزيد عندي عليه.

وأنا لم أقل أبداً إنني لا أعرف إن كان كل موجود جسماً، وإنما قلت: ليس لدي تعريف للموجود، بمعنى: إنني لا أحفظ حداً اصطلاحياً له. وإلا فقد أجبتك عن "فهمي" للموجود كما طلبت. فأرجو منك التريث وتأمل كلامي جيداً قبل أن تتعجب من خوضي في هذه المسائل الدقيقة.

أما قولك: "أنت عندما ترى الله تعالى وعندما تسمع كلامه؟ هل تسمع وترى جزءا منه جل شأنه، وما هو هذا الجزء الي تراه وتسمعه؟".
فأقول: الله سبحانه ليس كل موجود وكلامه ليس كل موجود. فعندما يرى الموحدون الله يوم القيامة فإنهم لا يرون كل موجود، وعندما يسمعون كلامه فإنهم لا يسمعون كل موجود.

أما مسألة: استفادة الله لكمال زائد من مخلوقاته، ومسألة: توقّف صفاته تعالى على مخلوقاته، فإنها من المسائل الجوهرية التي تفصل بيننا وبينكم، كما لا يخفى عليك. وليس من العدل إقحامها في هذا النقاش قبل أن تؤصل قولك في صفتي السمع والبصر وتدلل عليه من القرآن والسنة. فأنا إلى الآن لا أعرف دليلكم النقلي على القول بتعلق سمع الله وبصره بكل موجود.

وأما بالنسبة لتوضوحك لمفهوم الأشاعرة لزيادة الكشف، فأشكرك عليه.

وبالنسبة لكلامك عن الشعاع والمقابلة والهواء وغير ذلك، فإنك سألتني عن "قصدي" بالتعلق. وأنا أعطيتك إياه وليس منه الشعاع والمقابلة وغير ذلك، ولا مزيد لي على ما أجبتك به.

والذي أراه يا أخ سعيد -وهو ما أقترحه على الأخ بلال- أن تبدأ بذكر مفهومك لصفتي السمع والبصر مع الدليل من الكتاب والسنة، كما فعلتُ أنا. ثم تسألني وأسألك.
أما أن أنتظر إلى أن تسمح لي بالسؤال فمن خلال نقاشاتي السايقة مع الأخ بلال أظن ذلك سيكون صعباً.

هيثم عبدالحميد حمدان
14-04-2004, 16:31
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله. لعلي أبدأ بمناقشة الأهم من كلام الأخ بلال.

قولك: "وليس بالضرورة أن يكون هنالك دليل في الكتاب أو السنّة ينصّ على أنّ السمع يتعلّق بالموجود لكي نحكم بصحّة هذه القضية كما هو معلوم، فالأدلة أعمّ من كونها من الكتاب والسنّة".
أقول: هل أفهم من كلامك أنه ليس لديك دليل من القرآن والسنة على تعلق سمع الله وبصره بكل موجود؟

قولك: "من أين لك العقيدة الجازمة بأن مسموعاته ومبصراته سبحانه وتعالى هي من جنس مبصراتك ومسموعاتك. أرني كيف تستدل على ذلك من الكتاب والسنة".
أقول: دليلي هو أن الآيات والأحاديث التي فيها ذكر سمع الله وبصره علقتهما بجنس ما يتعلق به سمعي وبصري. وكلام أهل التفسير وشروح الأحاديث لا حصر له في قرن سمعه سبحانه وبصره بما هو من جنس مسموعاتي ومبصراتي. ومن قال إن هناك مسموعات ومبصرات من جنس آخر طولب بالدليل النقلي أولاً، وهو ما طالبتك به ولكن دون فائدة.

بالنسبة لكلامك عن جواز رؤية الله و سماع كلامه.
أقول: المهم في هذا المقام هو أننا نجيز رؤية الله على الحقيقة وسماع كلامه على الحقيقة. وسماع موسى عليه السلام لكلام الله كان من جنس سماعه لبقية ما يسمعه. ورؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ستكون من جنس رؤيتهم لما يرونه، ومن ذلك رؤية القمر ليلة البدر. وليس تشبيه الرؤية بالرؤية والسماع بالسماع محظوراً عندنا.

قلت يا أخ بلال: "يلزمك أن تقول إن هنالك موجودات لا يبصرها الله تعالى، وهنالك موجودات لا يسمعها الله تعالى. فهل توافق على هذا الكلام. وهل تمثّل لنا بأمثلة على موجود لا يراه الله تعالى وموجود لا يسمعه الله تعالى؟".
أقول: إن عدم تعلق بعض صفات الله بكل موجود أمر لا إشكال فيه عندنا. فإن غضب الله ورضاه ويديه ووجهه وأصابعه واستواءه على عرشه ونزوله إلى السماء الدنيا لا تتعلق بكل موجود. لذلك فإن مطالبتك لي بالمثال على موجود لا يتعلق به سمع الله أو بصره: طلب عجيب، فأنا مستعدّ لأن أعطيك أمثلة على ما يتعلق به سمع الله وبصره بحسب عقيدتي، وأترك لك محاولة البحث عن مثال على تعلق سمع الله وبصره بكل موجود، حيث أن تلك هي عقيدتك، على أن تستعين بالقرآن والسنة على إثبات الدليل. وهو ما طالبتك به من قبل ولم تجب. أما أن نقلب الأمر فتطالبني على ما هو خارج ما أعتقده بدلاً من أن تأتيي أنت بمثال على ما تعتقده، فليس بصائب.

وأما كلامك عن الفوتونات والروائح والمادة والطاقة ... الخ.
فأقول: لقد تأملتُ في كلامك يا أخ بلال وظهر لي أنك لم تخرج عن تعليق سمع الله بجنس ما يتعلق به سمع البشر. لقد تكلمتَ عن الأجسام المسبّبة للألوان والروائح، وسؤالي إنما كان عن الروائح والألوان نفسها. فإننا لا نختلف في أن الله يسمع الأصوات التي تصدرها الأجسام التي تسبب الروائح والألوان بسبب حركة أو اهتزاز أو ما شابه، وأن تلك الأصوات هي من جنس ما يسمعه البشر. لكن كلامنا عن الروائح والألوان نفسها. ومن زعم ألا فرق بين السبب والمسبّب طولب بالدليل. وبذلك نخرج من إطار ما له صوت إلى إطار ما لا صوت له مما ليس من جنس ما نسمعه، وهو ما حاولت فعله من قبل عندما سألتك عن البنوة والأبوة مستنداً في إثبات أنهما من الموجودات على بحث الأخ سعيد، ولكنك بادرت كالعادة باتهامي بتهم باطلة.
فهل يسمع الله الروائح والألوان نفسها؟ وسؤالي ليس عن الأجسام المسببة لها. وهل يسمع الله الأعراض كالحركة والسكون؟ ولا أقول: هل يسمع ما تسببه الحركة من صوت، والاهتزاز أثناء السكون من صوت. وهل يسمع الله ما ليس بجسم؟ وهل يسمع الأجسام من حيث هي أجسام لا من حيث ما تصدره من أصوات؟

أرجو أن تجيب مستدلاً بنصوص القرآن والسنة.

سعيد فودة
14-04-2004, 23:34
الجواب:
أولا: أنت أجبت بأن المسموعات والمبصرات جزء من الموجودات، وهذا يعني أن للموجودات على الأقل ثلاثة أجناس عندك،لأنك قلت إن المسموعات لها جنس و الأول المسموعات، والثاني المبصرات والثالث لنسمه باقي الموجودات.
أنت عندما تقول إن الله موجود، وله كلام يسمع وكلامه صفة له، وله صفة أخرى تُرى، هي المبصر من الله، وأجناس هذه الأمور مختلفة عن بعضها البعض، أليس كذلك؟ وإلا كان المسموع من الله نفس المبصر ونفس بقية وجود الله.
فصار لله تعالى ثلاثة أجزاء على الأقل عندك يا هيثم. وكل واحد له جنس يقع تحته.
وقد سألتك عن ما تسمعه وعن ما تراه. وأنت رفضت التفصيل خوفا من انكشاف مذهبك. وها أنا أفصل بدلا عنك. وأرجو أن تكون صادقا معي ومع نفسك في الجواب.
نحن نعرف أن ما نسمعه عادة هو الأصوات، وهي عبارة عن تموجات لوسط موجود(إما يكون هواء أو حديدا أو غيرها).
ونعرف أن ما نراه عادة هو الألوان وما يلائمها.
وأنت تقول إن المسموعات لها جنس غير جنس المبصرات.
فهل هذا هو ما تقصده من المسموعات والمبصرات أم غيره. إن كان هو فأعلن ذلك ههنا، وإلا فعليك البيان.

ثانيا: أما عن كلامك عن الموجود فقد قلتَ:" وأنا لم أقل أبداً إنني لا أعرف إن كان كل موجود جسماً، وإنما قلت: ليس لدي تعريف للموجود، بمعنى: إنني لا أحفظ حداً اصطلاحياً له. وإلا فقد أجبتك عن "فهمي" للموجود كما طلبت. فأرجو منك التريث وتأمل كلامي جيداً قبل أن تتعجب من خوضي في هذه المسائل الدقيقة." اهـ

وقد كان سؤالي :"وما تفهم من عبارة الموجودات، أي ما هي الموجودات، هل هي أجسام فقط أم ماذا؟"
وكلامك الذي قلتَه جوابا ليس له دخل به، فأنا بينت لك جهة السؤال، ولم أطلب منك نفس التعريف، بل خيرتك فقلت لك:" أي ما هي الموجودات، هل هي أجسام فقط أم ماذا؟" وهذا واضح في سؤالي.
فلا معنى لقولك إن المطلوب إنما هو تعريف الموجود بالحد، بل بالمثال، وبينت هذا القصد بذكر القسمين أعني الأجسام وغيرها.
فلا تقل لي أنك لم تفهم هذا السؤال.
وعلى كل حال فإن وقع هذا فيك، فأجب الآن.
وبناء على ذلك فقولك :" . فأرجو منك التريث وتأمل كلامي جيداً قبل أن تتعجب من خوضي في هذه المسائل الدقيقة"اهـ
لا معنى له.
وأيضا، فأنا إنما تعجبت من أمر آخر ليس متعلقا بالتعريف الاصطلاحي، ومدار الاستغراب منك بينته في قولي لك :" وأنا أستغرب منك، فكيف تقول إنك لا تعرف هل كل الموجودات أجسام أو لا، يعني هل إذا سألك واحد هل الله تعالى جسم أم لا هل تقول له أنك لا تعرف هل هو جسم أو لا؟؟ ثم تأتي وتتكلم في هذه المسألة الدقيقة."
فلا ريب أنك لم يظهر لك جهة استغرابي أيضا، فبادرت بادعاء أنني لم أتأمل كلامك، وليتك تتأمل قليلا قبل أن توجه هذا الكلام لي.
وعلى كال حال فأنا ما زلت أنتظر الجواب على هذا السؤال أيضا!!!

ثالثا: ثم بالله عليك أنا أطلب منك أن تعيد النظر في سؤالي وجوابك مرة أخرى وتبين لي وجه العلاقة بين السؤال والجواب.
وهاك السؤال والجواب!!! بنص كلامك

(((((( أما قولك: "أنت عندما ترى الله تعالى وعندما تسمع كلامه؟ هل تسمع وترى جزءا منه جل شأنه، وما هو هذا الجزء الي تراه وتسمعه؟".
فأقول: الله سبحانه ليس كل موجود وكلامه ليس كل موجود. فعندما يرى الموحدون الله يوم القيامة فإنهم لا يرون كل موجود، وعندما يسمعون كلامه فإنهم لا يسمعون كل موجود.)))))
فبالله عليك من أين فهمت أنني أنسب إليك أنك تقول بأن الله تعالى هو كل موجود، أو أن كلامه هو كل موجود، حتى تقول لي هذا الكلام.
بل ذهبتَ يا هيثم مُغَرِّباً، وذهبت أنا منك مُستغربا. ثم ها أنت تستغرب لاستغرابي من هذا الجواب الجليل. وتدعي أنك قد أجبت. فسبحان الله.
فأجب الآن بعد أن بينت لك محل السؤال، وعدم مطابقة ما سميته أنت جوابا.
تأمل قليلا قبل أن تجيب.

رابعا: أما قولك:" أما مسألة: استفادة الله لكمال زائد من مخلوقاته، ومسألة: توقّف صفاته تعالى على مخلوقاته، فإنها من المسائل الجوهرية التي تفصل بيننا وبينكم."اهـ
هل تعني أنك تقول بتوقف صفات الله تعالى الكمالية القائمة في ذاته على بعض مخلوقاته يا هيثم؟؟!!
إذا كنت تعتقد بذلك وتعتقد أنها العقيدة الصحيحة، فصرح بذلك ولا تلوح، وكن جريئا في الحق الذي تعتقده!!
وهل تعتقد أن الله تعالى يستفيد بعض كمالاته من مخلوقاته؟ وتعتبر ذلك من المسائل الجوهرية؟ أي الأصلية.
فإذا كنت تعتقد بذلك فأرجو أن تصرح بذلك.
وأما قولك بعدم ملاءمة ذكر هذه المسألة هنا، فلا أسلم لك ذلك. بل إنها متعلقة بها، كما لا يخفى عليك، ولا على أحد يقرأ هذا الكلام. وقد بينت لك وجه الانبناء سابقا فراجعه.

خامسا: وأما قولك " وبالنسبة لكلامك عن الشعاع والمقابلة والهواء وغير ذلك، فإنك سألتني عن "قصدي" بالتعلق. وأنا أعطيتك إياه وليس منه الشعاع والمقابلة وغير ذلك، ولا مزيد لي على ما أجبتك به."
فلي تعليق عليه، وسؤال أوجهه إليك بعد أن تبين لي ما تقصد بالمسموع والمبصر.

وختاما، فأنا على الخلاف منك أعتقد أن طريقتنا هذه في الكلام، أفضل كثيرا مما تقترحه، ونحن قد بدأنا بها، فلا يحسن بك قطعها قبل أن نتم جوانبها.
وأما طولها وقصرها، فإنما يتوقف على صراحتك ووضوحك في الأجوبة.
وتأكد أنك إن مشيت معي بهذا النمط فسوف تستنتج أنت بنفسك وجه قول الأشاعرة الذي ما زلت تسأل عن الدليل عليه، وكيف يمكنك أن تفهم الدليل وتعرف وجهه من دون أن تتقرر عندك بعض مقدماته، أو حتى دون أن تصرح بما تعتقده أنت في مقدمات هذا الدليل.
وأنا بانتظار جوابك الحقيقي الآن، ولا أريد منك أجوبة سياسية كالتي يتقنها السياسيون العرب، فنحن نتكلم في عقيدة لا في سياسة!!!!! ولا أنتظر منك أجوبة معوَّمة، ولا أجوبة محتملة لأكثر من معنى. فاحرص فإن ما نتكلم به يتعلق بذات الله تعالى وصفاته.

هيثم عبدالحميد حمدان
15-04-2004, 04:35
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله ... الأخ سعيد فودة:

* لا يخفاك أننا نقول إن الله يتكلم بحرف وصوت، وهذا الصوت هو المسموع، وليست صفة الكلام التي يتصف الله بها هي المسموعة كما ظننت، فموسى عليه السلام سمع صوت الله، ولم يسمع صفة الكلام التي يتصف بها. ثم إننا لا نعدّ صفات الله أجزاء له، بل هي صفات لموصوف، وليست أجزاء مركبة مع بعض. فصار كلامك وأسئلتك في الفقرتين "أولاً" و "ثالثاً" لا محل له.

* ما أقصده من المسموعات: كل ما أُحس به عن طريق استقبال أذني له، وكل ما هو من جنسه، والمبصرات: كل ما أحس به عن طريق استقبال عيني له، وكل ما هو من جنسه. وأنبه هنا إلى أن الكلام عن التموجات والذبذبات وغيرها هو خوض في كيفية السمع والبصر.

* من الموجودات ما ليس بجسم، كالحركة والسكون والآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والأرقام، وغير ذلك.

* أعطني تعريفك "للجسم" ثم أخبرك إن كان الله جسماً أم لا. فإن كان الجسم عندك هو الموجود في العالم المفتقر إلى أجزائه؛ قلت: الله ليس بجسم، وإن كان الجسم عندك هو ما يشار إليه ويوجد في جهة ويتصف بالاستواء والنزول؛ قلت: الله جسم. وبعبع الجسمية لا يخيفني يا أخ سعيد.

* جميع صفات الله الذاتية والفعلية صفات كمال، فخلْق الله للخلق واستجابته لدعائهم ورزقهم؛ كل ذلك كمال. ولا نقول إن كماله "يتوقف" على شيء من خلقه، ولا أنه "يستفيد" كمالاً منهم، بل صفاته وأفعاله كلها كمال.

أرجو أن أكون قد أجبت أسئلتك، ويشهد الله أنني أجبت بصراحة، وليست أجوبتي سياسية.

* أرجو منك إن لم يكن لديك دليل من القرآن والسنة على تعلق صفتي السمع والبصر بكل موجود أن تصرح بذلك.

* أرجو منك مناقشة دليلي في تعليق سمع الله بالمسموعات دون الموجودات، وهو أن جميع الآيات والأحاديث التي فيها ذكر سمع الله وبصره علقتهما بجنس ما يتعلق به سمعي وبصري. وكلام أهل التفسير وشروح الأحاديث لا حصر له في قرن سمعه سبحانه وبصره بما هو من جنس مسموعاتي ومبصراتي.

بلال النجار
15-04-2004, 14:22
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ هيثم،

أولاً: ما قولك في قوله تعالى مثلاً في سورة الملك: (إنه بكل شيء بصير) أليس هذا دليلاً عندك على أنه تعالى يبصر كلّ موجود؟

وثانياً: لا يسلّم أن الشريعة علّقت سمع الله وبصره بجنس ما يتعلّق به سمعك وبصرك فحسب. فإنك تسلّم معي أن الله تعالى يسمع نفسه ويرى نفسه، وجعل الله تعالى من جنس ما تراه أنت وتسمعه أنت كارثة. لأن ما تراه أنت وتسمعه ليس إلا الجسم والجسمانيّ، فيكون الله تعالى عندك جسماً أو جسمانياً، حاشاه سبحانه وتعالى. وعلى فرض تسليم أن ما هو مذكور في الشريعة من تعلّقات سمع الله وبصره هو من جنس ما تسمعه أنت وتبصره، فمن أين تعرف أن سمعه تعالى وبصره لا يتعلّقان بغير ذلك من الأمور. إن مجيء الشريعة بتعليق السمع والبصر ببعض الموجودات لا يلزم منه عدم تعلقها بغير ما ذكرته من الموجودات. فالسبيل إلى معرفة متعلّقات سمعه تعالى وبصره هو سبر المسموعات والمبصرات المذكورة في الشريعة لمعرفة حكم كلّي يجمعها يكون هو المصحح للرؤية والسمع، وهذا ما فعلناه، فما وجدنا غير الوجود يصلح لذلك. فعلى من ينفي تعلّق سمعه وبصره بكلّ موجود أن يأتي بمثال واحد لموجود يثبت فيه استحالة تعلّق السمع والبصر به، لنسلّم أن الوجود وحده لا يصلح مصححاً للرؤية والسمع.

وثالثاً: قولك بأن رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وسماع سيدنا موسى عليه السلام كلام الله تعالى هو من جنس ما ترى وما تسمع، فأولاً ليس الكلام في تشبيه الرؤية بالرؤية، بل الكلام في تشبيه المرئيّ بالمرئيّ، لأن كلامنا في متعلّق الرؤية والسمع الذي هو المرئيّ والمسموع، وليس كلامنا في نفس الرؤية والسمع، فنحن نقول الله تعالى مسموع ومبصَر أي أنه تعالى يجوز عليه أن يُسمع ويبصر، ولكن السؤال هل هو سبحانه كبقية المسموعات والمبصرات أو ليس كذلك. فأنا أقول إن قوله تعالى (ليس كمثله شيء) يجعلنا نحكم قطعاً بأن كلّ ما نتصوّره مخالف لله تعالى، وكذا الله تعالى مخالف لكلّ ما نتصوّره. وكلامك في هذا المحلّ حكم على الباري سبحانه بأنه سوف يرى ويسمع لأنه من جنس مسموعاتنا ومبصراتنا. وهذا هو الأمر المحظور. فكيف تشبه الله تعالى بخلقه على هذا النحو. ثمّ ثانياً: إن الرؤية التي نرى الله تعالى بها يوم القيامة ليست هي نفس هذه الرؤية أي بهذه الكيفية المعروفة عندنا الآن بالمقابلة واتصال الشعاع إلى غير ذلك، لأنك إذا قلت إننا سنرى الله تعالى كما نرى البدر وقصدت بذلك أنه سيكون في مقابلة منك وأنه سيسقط عليه شعاع يرتد إلى عينك فتبصره فماذا أبقيت من التشبيه. بل الحديث الشريف الصحيح الوارد في ذلك معناه تشبيه الرؤية بالرؤية بلا كيفية، أي في جهات معيّنة من الانكشاف والوضوح لكلّ راءٍ بحيث لا يضامُ أو لا يضامُّ الراؤون في رؤيته كما نصّ عليه الحديث. والكلام في سمعنا له كالكلام في البصر، لأنه لا يمكن أن يسمع بأن يتكيّف الهواء المحيط به وبنا بكيفية صوت يصدر عنه فيصل إلى صماخنا ويدخل آذاننا ونسمعه، فذلك على الله تعالى محال، لأنه تشبيه لله تعالى بمخلوقاته كما هو ظاهر جليّ لكلّ عاقل.

ورابعاً: أنا حين أقول لك ائتني بموجود لا يراه الله أو لا يسمعه، فأنا لا أطالبك بشيء غريب ولا عجيب، لأنك تدّعي أن هنالك موجودات لا يراها الله وهنالك موجودات لا يسمعها الله. ولا يمكنك أن تكون متأكداً من ذلك إلا إذا كان لديك مثال واحد على الأقل على ذلك. فائتني به. أما أنا فلا يمكنني أن آتي بمثال على موجود لا يراه الله تعالى أو لا يسمعه، لأني أدعي أن سمعه تعالى وبصره متعلّقان بكلّ موجود. وكذا لا يمكنني أن أعد لك جميع الموجودات عدّاً وأذكر لك أنه يتعلّق السمع والبصر بكلّ واحد منها. فأنا أطلق حكماً كليّاً وأنت عليك أن تبطله إن استطعت بإبطال صدق هذا الحكم على واحد من مصاديق موضوعه. فأقول لك كل موجود فإنه مسموع ومبصر، فتأتيني بموجود لا يصح أن يسمع لتنفي تعلق السمع بكل موجود، وتأتيني بموجود لا يصح أن يرى لتبطل تعلق البصر بكل موجود. فكيف تقول إنني أقلب الأمر، أو أسألك شيئاً غريباً.

وخامساً: إذا سلّم بأن التي ذكرتها صفات ذاتية لله تعالى ولا يسلّم ذلك، فأنا لم أدّع بأن كلّ صفة من صفات الله تعالى تتعلق بكلّ موجود لكي تجيبني بأن يد الله تعالى وأصابعه لا تتعلقان بكلّ موجود، على ما في كلامك من تخبط لأن مذهبك يجيز تعلّق يد الله وأصابعه واستواءه بكلّ موجود لو كنت تدري. ألستم تدّعون بأن الله تعالى يمس الموجودات ويمكنه أن يمس كلّ موجود، وأنه تعالى يمكنه أن يستقرّ على جناح بعوضة وعلى أي شيء من مخلوقاته فكيف تقول إن استواءه عندكم لا يتعلّق بكلّ موجود.
وعلى أيّ حال، افهم ما أقوله لك جيداً: أنا أتكلّم معك عن صفتي السمع والبصر اللتين نسلّم أنا وأنت بأنهما صفتان ذاتيتان لله تعالى، وليس عن كلّ صفة لله تعالى، لأن لكلّ صفة متعلّقاتها التي قد تختلف عن متعلّقات الصفات الأخرى، وبعض الصفات كالحياة ليس لها تعلّق بشيء بحسب ما نعلم ونعقل، فأنا أعلّق العلم مثلاً بكلّ موجود ومعدوم، واجباً كان أو مستحيلاً أو جائزاً، وأعلّق السمع والبصر بكلّ موجود، وأنت تعلّقه ببعض الموجودات دون البعض الآخر. فلذلك أسألك عن خصوصية تعلّق سمعه وبصره ببعض الموجودات دون بعض، ما هو مخصص ذلك؟!! وما هو الوصف الذي يصحح تعلق السمع والبصر ببعض الموجودات عندك دون بعض؟

وسادساً قولك: (فهل يسمع الله الروائح والألوان نفسها؟ وسؤالي ليس عن الأجسام المسببة لها. وهل يسمع الله الأعراض كالحركة والسكون؟ ولا أقول: هل يسمع ما تسببه الحركة من صوت، والاهتزاز أثناء السكون من صوت. وهل يسمع الله ما ليس بجسم؟ وهل يسمع الأجسام من حيث هي أجسام لا من حيث ما تصدره من أصوات؟)

أقول: الجواب في كلامي السابق واضح جداً، وهو أن كلّ موجود فإنه من حيث ما هو مسموع يتعلّق سمع الله تعالى به، ومن حيث ما هو مبصر يتعلّق بصر الله تعالى بها، فحيثية تعلّق البصر بالموجود غير حيثية تعلّق السمع بالموجود. وعلى ذلك قس، فالرائحة يبصرها الله تعالى ويسمعها من حيثيتين مختلفتين لكونها موجودة. وأما الحركة الانتقالية التي تتكلم عنها وكذا السكون فإذا كنت تحكم عليهما بأنهما صفتين موجودين تقومان بالجسم فعليك أن تحكم بأن الله تعالى يتعلّق سمعه وبصره بهما، وإذا اخترت أنهما ليسا بموجودين في الخارج، وليس من شأنهما أن يريا أو يسمعا، وإنما يدركان بالعقل، فعليك أن تحكم أن الله تعالى لا يراهما ولا يسمعهما، بل يتعلّق بهما علمه تعالى المحيط. وأما الأمور الموجودة التي نعقل مفهوم الحركة منها فهي مسموعة ومبصرة لله تعالى بلا توقّف.

واعلم أننا لا نرى نفس الحركة والسكون كما يوهم كلامك، فهما عرضان نسبيان لا يفهمان إلا بالنسبة إلى شيء آخر. لأن الحركة الانتقالية هي كون الشيء في المكان الثاني في الزمان الثاني بعد كونه في المكان الأول في الزمان الأول، والزمان أصلاً أمر نسبيّ لا يفهم إلا بالحركة. والكلام في ذلك يطول. لكن خلاصة ذلك هو أننا عند تصورنا للحركة نلاحظ جسماً تتغير طاقته فنعقل تغيراً حصل له بملاحظة مكانيه الأول والثاني في الزمان الأول والثاني، ونسمّي ذلك حركة. فلا نراها هي أي الحركة ولكننا نرى جسماً متحرّكاً، ولا نسمع الحركة نفسها، ولكن نسمع الأصوات التي تصدر من تضاغظ الهواء وتخلخله حول الجسم سواء عند حركته هو وارتطامه بالهواء أو عند ارتطامه بأجسام أخرى. فالحركة أمر معقول للإنسان غير مرئي له ولا مسموع، يعقله عن أمور أخرى موجودة في الخارج، وكذا السكون.

وأعيد التنبيه على أمر ذكرته فيما مضى وهو أننا نحن البشر نرى بواسطة الشعاع الذي يرتد عن الجسم المرئي، فالاتصال الذي يحصل لنا مع الجسم ليس اتصالاً مباشراً، بل حاستنا تتصل بالضوء المنعكس عن المرئي المتكيّف بكيفية معينة نتيجية لاتداده عنه هو بالذات دون ما عداه أو مختلطاً بما عداه، فليس ما نراه من المرئي بهذه الكيفية سوى شيئاً يسيراً من لوازمه، ولا يمكننا أن نقول إن رؤيتنا للشيء بهذه الكيفية كشفت لنا عن حقيقته أو عما هو عليه في نفس الأمر في الخارج، وكذا سمعنا للصوت الصادر عن الجسم يفهم بنفس الطريقة، ولكن سمع الله تعالى وبصره يتعلقان بنفس المسموع والمبصر بلا واسطة من شعاع أو هواء أو أي نوع من أنواع الاتصالات بالمرئي والمسموع، ومع ذلك ينكشف ذلك المتعلَّق لله تعالى انكشافاً تاماً على ما هو به.
هذا ما تيسّر، بانتظار جوابك، والله تعالى الموفّق

سعيد فودة
15-04-2004, 20:16
أنت تصر على عدم الاعتراف بخطأ عبارتك التي تتعلق ببيان تعلقات العلم، والتي سألتك أكثر من مرة أن ترد على ما ألزمتك به، وأنت تتجاهل ذلك، فما السبب الذي يدفعك إلى هذا التجاهل إلا عدم القدرة على الاعتراف بخطئك فيها؟ وما يصيرك إن فعلت ذلك، بل إن قدرا من الاحترام يكون لك عندي، وسوف يستمر كلامنا في باقي النقاط.

أما قولك:"لا يخفاك أننا نقول إن الله يتكلم بحرف وصوت، وهذا الصوت هو المسموع، وليست صفة الكلام التي يتصف الله بها هي المسموعة كما ظننت، فموسى عليه السلام سمع صوت الله، ولم يسمع صفة الكلام التي يتصف بها. ثم إننا لا نعدّ صفات الله أجزاء له، بل هي صفات لموصوف، وليست أجزاء مركبة مع بعض. فصار كلامك وأسئلتك في الفقرتين "أولاً" و "ثالثاً" لا محل له."اهـ
فعليه أسئلة

أولا: أما سؤالك عن الدليل على تعلقات السمع البصر بحسب قول الأشاعرة، فقد قلت لك إننا بهذا الحوار إن التزمت فيه الصراحة والوضوح، سوف تعرفه بأجلى صوره. فما عليك إلا الصبر، وقد بدأنا نصل. فلا تفهم من كلامي أنه ليس عندي دليل على ذلك، بل الحكمة تقتضي مني أن أمهد لذكر الدليل بإثبات المقدمات، وما لم تَسِر معي في هذا الحوار، فلا تأمل أن تفهم قولهم.
ثانيا: أنت قلتَ: "لا يخفاك أننا نقول إن الله يتكلم بحرف وصوت، وهذا الصوت هو المسموع"اهـ
نعم أنتم تقولون: الله يتكلم إذا شاء، وكلامه يكون بقدرته وإرادته. وكلامه بحرف وصوت. وكلامه صفة له . والصفة قائمة بالموصوف. وتقولون إن هذا الصوت والحرف الذي يوجده الله تعالى في ذاته، حادث قطعا، فالسؤال الآن كيف تعتقد أنك تسمع هذا الصوت والحرف الذي هو باعتقادك كلام الله الذي هو صفة له؟
وأنت قلت:" ما أقصده من المسموعات: كل ما أُحس به عن طريق استقبال أذني له، وكل ما هو من جنسه"اهـ
وأنت تسمع كلام الله تعالى الذي هو بحرف وصوت قائمين في ذاته حادثين بإحداثه وإرادته، بعد أن لم يكونا، فالله جعلهما صفة له بعد أن يكونا كذلك!! أليس كذلك!!!؟؟
وسماعك للكلام باعترافك لا يكون إلا بأن تحس الأذن به، أي إلا إذا لامس الأذن وارتطم بها.
فهذا الحرف والصوت الذي زعمت أنه صفة لله، أسألك عنه؟
-هل تسمعه وهو قائم بذات الله تعالى؟؟
- أم تسمعه بعد أن يفارق ذاته تعالى؟
أرجو أن تجيب مباشرة على هذا السؤال، وبصراحة وصدق.

ثالثا: أنت قلت إن كلام الله بحرف وصوت، فهل تقصد من ذلك، إن ما لا يكون يتحقق فيه صفتا الحرف والصوت لا يكون كلاما لله. أم ماذا؟
رابعا: أنت قلت:" وهذا الصوت هو المسموع، وليست صفة الكلام التي يتصف الله بها هي المسموعة كما ظننت"اهـ
وكلامك فيه تفريق بين الصفة القائمة بالله التي يتصف بها، وبين الصوت المسموع.
وأنت قلت سابقا إن الكلام يكون بصوت وحرف. وكلام الله تعالى عندكم صوت وحرف.
فهذا الصوت الذي نسمعه أليس هو عين الصوت القائم بذات الله؟؟
فإن كان عينه، فكيف أحست به أذنك، وأنت وأذنك خارج ذات الله ؟
وإن كان غيره فكيف تقول أنك سمعت نفس كلام الله القائم به.

خامسا: وإن كانت صفة الكلام عندكم هي الصوت والحرف. فكيف يستقيم تفريقك في هذا الكلام بين الصوت المسموع وبين الصفة القائمة بذات الله، حال قولك إنك تسمع كلام الله؟؟
أرجو أن تتأمل قبل أن تجيب، ولا تجب عن معنى تتوهمه في ذهنك لم أسألك عنه.

سادسا: أنت قلت:" فموسى عليه السلام سمع صوت الله، ولم يسمع صفة الكلام التي يتصف بها"اهـ
إذن أنت تفرق بيت صوت الله تعالى وبين صفة الله تعالى القائمة بذاته.
أرجو بيان وجه التفريق،
هل الصفة القائمة ليست حرفا وصوتا، ومع ذلك هي كلام.
وهل الصوت والحرف الذي تسمعه لم يفارق ذات الله ومع ذلك أحست به أذنك.
أم إن أذنك أحست به بعد أن فارق الذات، فكيف يكون ذلك صحيحا، وأنت تقول إن الكلام الذي هو حرف وصوت صفة، ونحن نعلم أن الصفة لا تفارق الموصوف؟؟؟ إلا إذا كنت تقول بغير ذلك. فبين ما تقول به.

سابعا: قولك "كلام الله بصوت وحرف".
هل تعني أن الكلام الذي هو صفة يتألف من صوت وحرف، يعني إذا نفينا الصوت والحرف ينتفي الكلام.
أم إن الكلام في ذاته ليس متألفا من صوت وحرف، بل هو أمر آخر، ولكنه ينتقل إلينا ونسمعه بصوت وحرف؟؟


ثامنا: أنت قلتَ:" ثم إننا لا نعدّ صفات الله أجزاء له، بل هي صفات لموصوف، وليست أجزاء مركبة مع بعض. فصار كلامك وأسئلتك في الفقرتين "أولاً" و "ثالثاً" لا محل له."اهـ
إذا كنت تقول إن كلام الله تعالى صوت وحرف، وذاته ليست بصوت وحرف قطعا واتفاقا. فالله تعالى بعضه صوت وحرف وهو كلامه وبعضه ليس بصوت وحرف وهو ذاته.
أليس هذا هو حاصل مذهبك إذا قلت بهذه المقدمات. وإلا فانفها؟
هذا من حيث إنك تسمع كلام الله تعالى، وأما من حيث إنك تعتقد أنك ترى الله تعالى، وأن ما تراه جنس آخر غير أصل الحرف والصوت، لو أضفنا ذلك، للزمك ثلاثة أجزاء لله تعالى عما تقول.
فكيف تدعي أنكم لا تقولون بأن الله تعالى مؤلف من أجزاء وأبعاض، وهي عندك مختلفة الأجناس؟


وأما قولك :" ما أقصده من المسموعات: كل ما أُحس به عن طريق استقبال أذني له، وكل ما هو من جنسه، والمبصرات: كل ما أحس به عن طريق استقبال عيني له، وكل ما هو من جنسه. وأنبه هنا إلى أن الكلام عن التموجات والذبذبات وغيرها هو خوض في كيفية السمع والبصر." اهـ
فعليه أسئلة
أولا: أولا عليَّ أن أنقح لك قولك، كما كان يفعل الإمام الرازي مع مخالفيه ممن كان ينتمي إلى من نسميهم مجسمة. فأقول:
المسموع عندك وبحسب قولك: هو ما تحس به عن طريق استقبال أذنك له، وكل ما هو من جنسه.
ولكن الأذن متألفة من عدة أجزاء، فالصيوان الخارجي للأذن يحس بالبرد والحرارة، وأنت لا تقول إنك تسمع الحرارة والبرودة. وتحس بأمور أخرى، ليست بأصوات.
وإن قصدت طبلة الأذن الداخلية فالمدرك بها والذي نسميه مسموعا إنما هو الصوت المرتطم بها. ولا أظنك قاصدا إلا هذا.
ونفس الشيء من التحليل والتقرير يقال على عبارتك :" والمبصرات: كل ما أحس به عن طريق استقبال عيني له، وكل ما هو من جنسه"اهـ
فيتحصل أن ما تريده بالمبصَر هو الأشعة الضوئية التي يمكن للعين أن تحللها إلى صور بحسب نظام خلقها.

فالحاصل من هذا عندك، انحصار المسموع بالصوت، وانحصار المرئي بالضوء. أليس كذلك؟
فأنت لا تحس بعينك وأذنك إلا بهذين الأمرين.
فإذا كان الأمر كذلك، فلم قلتَ بعد ذلك :" وأنبه هنا إلى أن الكلام عن التموجات والذبذبات وغيرها هو خوض في كيفية السمع والبصر"اهـ
يعني أنك تقول إنك لا تحس بالأصوات والحروف ، والأضواء ، التي هي المقصودة بالتموجات والذبذبات في كلامي، كما هو ظاهر.
فإذا نفيت كون المحسوس بأذنك هو الصوت، ونفيت كون المحسوس بعينك هو الضوء، فما الذي تراه وتسمعه حقيقة؟؟؟؟؟
ألا يكون هذا تناقضا مع قولك ابتداء إنك تسمع المسموعات، وتبصر المبصرات. وقد عرفنا أن المسموعات عندك هي الأصوات وما هو من جنسها ، والمبصرات هي الأضواء وما هو من جنسها.

وأما قولك، إن الكلام في التموجات وغيرها، هو خوض في كيفية السمع والبصر، أي سمع وبصر تقصد، هل تقصد سمعك أنت وبصرك، أم سمع الله تعالى وبصره، فإن قصدت الأول، فما المانع من الكلام فيه. وإن قصدت الثاني، فأين الدليل على أن هذه االأمور(أعني التموجات والذبذبات التي هي عين الأصوات والأضواء) هي مندرجة في كيفية سمع الله تعالى وبصره، ثم أليس كلامنا واختلافنا أصلا في هذه النقطة، أنت تقول إنها كيفيات لله تعالى، وأنا أقول لا ليست هي كذلك.
ثم من بربك الخائض بالكيفيات هل هو الذي يثبت هذه الكيفيات الحادثة الجسمانية لله تعالى، أم هو الذي ينفيه هذه الحوادث المخلوقة عن الله تعالى ويقول إن هذه الصفات لله ليست من جنس صفاتنا؟؟؟ فسبحان الله تعالى.
وجوابي الأخير على هذا الكلام هو قولك:" وبعبع الجسمية لا يخيفني"اهـ أي لا يخيفني أنني أنفي هذا البعبع كما سميته أنت، كما لا يخيفك أنت أن تثبه لله تعالى، وكذلك لا يخيفني أن أنفي عن الله تعالى لوازم الجسمية وأجزاءها، كما لا يخيفك أنت أن تثبت لوازم الجسمية وأجزاءها لله تعالى.
فاترك هذا الكلام. فليس له محل ههنا. وأكمل معي إن استطعت ؟؟؟؟؟

وأما قولك: " من الموجودات ما ليس بجسم، كالحركة والسكون والآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والأرقام، وغير ذلك"اهـ
فهذا الذي هو غير جسم، أين هو قائم هل هو قائم بنفسه، أم هو حال في أجسام. وهل يمكن لهذا الذي سميته موجودا غير جسم أن يقوم بغير جسم.


"وأما قولك: جميع صفات الله الذاتية والفعلية صفات كمال، فخلْق الله للخلق واستجابته لدعائهم ورزقهم؛ كل ذلك كمال. ولا نقول إن كماله "يتوقف" على شيء من خلقه، ولا أنه "يستفيد" كمالاً منهم، بل صفاته وأفعاله كلها كمال."اهـ

فعليه أسئلة وتوضيحات:
منها أن ما سميته كمالا وصفات كمال، ومثلت له بالخلق واستجابة الله تعالى لدعاء المخلوقات..وغير ذلك.
أقول لك، هذه كلها أفعال لله تعالى، والله تعالى موجود قبل أفعاله كلها، فإن كانت هذه كمالا لله تعالى، فإن ذات الله تعالى لا تحصل على كمالاتها إلا بفعلها بعض الأفعال التي هي غير نفس الذات؟؟ أليس هذا هو حاصل كلامك.
فهذا هو الافتقار الذي هو توقف كمال الذات على غير الذات.

وكيف بعد ذلك تنفي أنك تقول إن كمال الله تعالى يتوف على غيره، وأنت تعترف أن أفعال الله تعالى غير الله تعالى، قطعا، وأن دعاء الناء له، غير ذاته، وأنت تقول إن استجابة الله تعالى لدعاء العباد كمال لله تعالى، وهذا لا يحصل إلا بإيجاد العباد.
فهذا القول منك اعتراف صريح بأن كمال الله تعالى يتوقف على غيره؟؟ فلم تنفي ذلك.
وقولك:" بل صفاته وأفعاله كلها كمال."اهـ
على هذا سؤال: فقولك أفعال الله كمال، أهي كمال لله تعالى، أم هي كمال للمخلوقين.
إذا كانت كمالا لله تعالى ، وهي غيره، فأنت تقول إذن أن غير الله تعالى يكون كمالا لله تعالى. وإن كانت كمالا للمخلوقات، فإما أن تكون مع ذلك كمالا لله، فيعود الكلام، وإما أن لا تكون كمالا لله تعالى، فلا موضع لكلامك هنا.
ولكن الظاهر أنك لا تقصد إلا أنها كمال لله تعالى، وهذا يلزمك منه قطعا توقف كمال الله تعالى على غير الله ؟؟ وأنت تدعي أنك لا تقول بذلك.!!

وأنا بانتظار أجوبتك على هذه الأسئلة، وأنصحك إلى أن تتمعن فيها قليلا، قبل أن تجي، ولا يدفعك حماسك الملفت للنظر للمذهب التيمي التجسيمي، إلى المبادرة للجواب قبل التفكر.

وأنا أصدقك في قولك أنك تجيب بصراحة في أكثر من موضع، لا في جميع المواضع، ولكن الصراحة وحدها لا تكفي أيها الإنسان، بل العلم مع الصراحة هو النافع أما وحدها فلا.
وأنا سوف أعود إلى سؤالك عن الأسئلة التي لم تجبني عليها سابقا، في موعد قريب.

هيثم عبدالحميد حمدان
15-04-2004, 21:51
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله. أما بعد، فهذا ردّ على مشاركتك الأخيرة يا أخ بلال:

* قوله تعالى: "إنه بكل شيء بصير" معناه: أن الله بصير بكل ما من شأنه أن يبصر، والمعنى شبيه بقول المتكلمين في قوله تعالى: "إن الله على كل شيء قدير": إن الله قدير على كل ما من شأنه التعلق بقدرته، وهو الجائز عندهم دون المستحيل والواجب. وأما إذا كان "بصير" اسم تفضيل من البصيرة، فهو خارج بحثنا.

* بالنسبة لكون الله يُبصِر نفسه ويسمع كلامه، فأقول: لقد قلتُ من قبل يا أخ بلال إن المسموعات هي كل ما أُحسُّ به عن طريق استقبال الأذن له، وما هو من جنسه، والمبصرات: كل ما أُحسُّ به عن طريق استقبال العين له، وما هو من جنسه. وقد ذكر الشارع أن موسى عليه السلام سمع كلامه، وأن ذاته يبصرها الموحدون يوم القيامة وفي الجنة، وبهذا لا يخرج صوته سبحانه عن كونه من جنس المسموعات التي أحس بها عن طريق استقبال أذني لها، ولا تخرج ذاته العلية عن كونها من جنس ما أحس به عن طريق استقبال عيني له، مع الجزم بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، عز وجل في علاه.

* أما زعمك بسبر نصوص الشريعة، فأرجو أن تحيلني عليه، وإلى أن تفعل فإن كلامك يكون دعوى دون دليل لا أتجاوز في ردّها قولي: "لا قبول"، فلا تَلزمني محاولة إبطالها بأن آتي "بمثال واحد لموجود يثبت فيه استحالة السمع والبصر به".
وما قلته هنا يصلح ردّاً على ما جاء في الفقرة رابعاً أيضاً.

* الرد على الفقرة ثالثاً: أعرفُ يا أخ بلال أن كلامك إنما هو عن المرئي، ولذلك صدّرتُ جوابي السابق بقولي "المهم في هذا المقام". وأعود فأقول: المهم في هذا المقام هو أن الموحدين سينظرون بأعين رؤوسهم إلى جهة فيرون ربهم سبحانه وتعالى، كما ينظرون بأعين رؤوسهم إلى جهة ويرون البدر، هذا ما قصدته بقولي "جنس ما يرونه". أما ارتطام الشعاع وتموجات الهواء، فهذا خوض في كيفية صفة كون الله مرئياً، وهو المحظور عندنا. فلسنا نشبه الله بالقمر، ولكننا نشبه رؤية الله برؤية القمر، وبذلك يكون الله جل وعلا مبصراً لنا كما أن بقية المبصرات مبصرة لنا.

* ومخصص تعلق السمع والبصر ببعض الموجود هو وجوب الوقوف حيث وقفت نصوص الشريعة وعدم تجاوز ذلك إلا بالدليل. وقد علقت نصوص الشريعة السمع والبصر ببعض الموجود، ولم أجد نصاً يعلقهما بكل موجود، وعليه فإن سؤالك: "من أين تعرف أن سمعه تعالى وبصره لا يتعلقان بغير ذلك من الأمور" هو سؤال في غير محله، لأن القول بتعلق سمعه سبحانه وبصره بغير ما جاء في النصوص هو قولك أنت وليس قولي، وأنا واقف حيث وقفت النصوص، فلا ضير علي، وتبقى أنت مطالباً بإثبات ما كان خارجاً عنها.

* في كلامك في الفقرة خامساً اضطراب يا أخ بلال، لأنك تكلمت عن إمكانية التعلق، وكلامنا إنما هو عن التعلق الواجب، فعلى فرض قولنا إن الله يمكنه أن يمس كل مخلوق، فإن إمكانية التعلق هذه ليست ما نحن بصدده عند الحديث عن تعلق صفتي السمع والبصر، وهو واجب، اللهم إلا إن كنت ترى أن سمع الله وبصره يجوز تعلقهما بكل موجود لا أن ذلك واجب، وهو ما أستبعده.

* وأنت إلى الآن يا أخ بلال لم تذكر لي وجه قولكم بتعلق سمعه سبحانه وبصره بكل موجود. فلا أنت أتيتني بدليل نقلي ولا عقلي. فأرجو منك تزويدي بدليلك النقلي أولاً، أو التصريح بعدم وجود ذلك. ثم نخوض في أدلتك العقلية إن أحببت.

هيثم عبدالحميد حمدان
16-04-2004, 16:43
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله. أما بعد، فهذا ردّ على ما جاء في مشاركة الأخ سعيد فودة الأخيرة:

قولك: "كيف تعتقد أنك تسمع هذا الصوت والحرف الذي هو باعتقادك كلام الله الذي هو صفة له؟".
الجواب: أسمعه كما أسمع بقية المسموعات.

قولك: "فالله جعلهما (أي الحرف والصوت) صفة له بعد أن يكونا كذلك!! أليس كذلك؟".
الجواب: الكلام صفة لله سبحانه باعتبارين: الأول: الصفة الذاتية القديمة غير الحادثة وغير المتعلقة بالمشيئة، هذه ليست حرفاً وصوتاً، والثاني: صفة فعل الكلام وهو صفة فعلية تحدُثُ في الله متى شاء سبحانه ويَصدر الحرفُ والصوتُ عند قيامها.

قولك: "هل تسمعه (أي الحرف والصوت) وهو قائم بذات الله تعالى؟ أم تسمعه بعد أن يفارق ذاته تعالى؟".
الجواب: أسمع كلام الله الذي هو حرف وصوت بعد أن يصدرا من الله.

قولك: "هل تقصد من ذلك، إن ما لا يكون يتحقق فيه صفتا الحرف والصوت لا يكون كلاما لله. أم ماذا؟".
الجواب: لا شأن لي بما لا يكون كلاماً، والذي يهمني هو ما يكون كلاماً، وكلام الله هو بحرف وصوت.

قولك: "فهذا الصوت الذي نسمعه أليس هو عين الصوت القائم بذات الله؟ فإن كان عينه، فكيف أحست به أذنك، وأنت وأذنك خارج ذات الله؟ وإن كان غيره فكيف تقول أنك سمعت نفس كلام الله القائم به".
الجواب: بلى هو عينه، وأحس به بأذني كما أحس ببقية المسموعات.

قولك: "فكيف يستقيم تفريقك في هذا الكلام بين الصوت المسموع وبين الصفة القائمة بذات الله، حال قولك إنك تسمع كلام الله؟".
الجواب: يستقيم لي ذلك لأنني أعتقد أن صفة الكلام الذاتية القديمة ليست هي المسموعة، والمسموع هو كلام الله الذي هو حرف وصوت حادثين، والصادرين عند قيام فعل الكلام به سبحانه.

قولك: "هل الصفة القائمة ليست حرفاً وصوتاً، ومع ذلك هي كلام؟ وهل الصوت والحرف الذي تسمعه لم يفارق ذات الله ومع ذلك أحست به أذنك، أم إن أذنك أحست به بعد أن فارق الذات، فكيف يكون ذلك صحيحاً، وأنت تقول إن الكلام الذي هو حرف وصوت صفة، ونحن نعلم أن الصفة لا تفارق الموصوف؟ إلا إذا كنت تقول بغير ذلك. فبين ما تقول به".
الجواب: أرجو الرجوع إلى جواب السؤال الثاني من فوق.

قولك: "هل تعني أن الكلام الذي هو صفة يتألف من صوت وحرف، يعني إذا نفينا الصوت والحرف ينتفي الكلام؟ أم إن الكلام في ذاته ليس متألفاً من صوت وحرف، بل هو أمر آخر، ولكنه ينتقل إلينا ونسمعه بصوت وحرف؟".
الجواب: كلام الله الذي هو صفة فعلية له سبحانه يتألف من حرف وصوت، ولكن صفة الكلام الذاتية القديمة ليست متألفة من حرف وصوت، والذي نسمعه هو كلام الله وهو الحرف والصوت، يصدر منه سبحانه عند قيام فعل الكلام أو صفة الكلام الفعلية به عز وجل.

قولك: "إذا كنت تقول إن كلام الله تعالى صوت وحرف، وذاته ليست بصوت وحرف قطعاً واتفاقاً. فالله تعالى بعضه صوت وحرف وهو كلامه وبعضه ليس بصوت وحرف وهو ذاته. أليس هذا هو حاصل مذهبك إذا قلت بهذه المقدمات. وإلا فانفها؟".
الجواب: ليس هذا هو حاصل مذهبي. حاصل مذهبي باختصار هو: أن كلام الله الذي يصدر منه سبحانه عند قيام فعل الكلام به عز وجل يكون بحرف وصوت، وهذا الفعل هو صفة له سبحانه، وصفاته ليست أبعاضاً ولا أجزاءً، فليس الله مركباً من أجزاء منها الحرف والصوت، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. بل أفعاله صفات له، ليست هي عين ذاته ولا سوى ذاته ولا هي أجزاء له سبحانه.

قولك: "هذا من حيث إنك تسمع كلام الله تعالى، وأما من حيث إنك تعتقد أنك ترى الله تعالى، وأن ما تراه جنس آخر غير أصل الحرف والصوت، لو أضفنا ذلك، للزمك ثلاثة أجزاء لله تعالى عما تقول. فكيف تدعي أنكم لا تقولون بأن الله تعالى مؤلف من أجزاء وأبعاض، وهي عندك مختلفة الأجناس؟".
الجواب: الذي يُرى من الله لا يخرج عن كونه من صفاته، وصفاته ليست أجزاء له سبحانه، وليست هي نفس ذاته ولا غير ذاته، بل هي صفات لموصوف.

قولك: "فالحاصل من هذا عندك، انحصار المسموع بالصوت، وانحصار المرئي بالضوء. أليس كذلك؟".
الجواب: أما حصر المسموعات بالأصوات فأتصوّره، وأما حصر المرئيات بالضوء فغير صحيح، فإن يدي مرئية لي، وليست هي ضوءً.

قولك: "فإذا نفيت كون المحسوس بأذنك هو الصوت، ونفيت كون المحسوس بعينك هو الضوء، فما الذي تراه وتسمعه حقيقة؟ ألا يكون هذا تناقضاً مع قولك ابتداء إنك تسمع المسموعات، وتبصر المبصرات. وقد عرفنا أن المسموعات عندك هي الأصوات وما هو من جنسها، والمبصرات هي الأضواء وما هو من جنسها".
الجواب: لا أتصور محسوساً بأذني غير الصوت، لكنني لا أسلّم بأن المبصرات هي الأضواء، فإن يدي مبصَرة لي، وليست هي ضوءً.

قولك: "فهذا الذي هو غير جسم، أين هو قائم هل هو قائم بنفسه، أم هو حال في أجسام. وهل يمكن لهذا الذي سميته موجوداً غير جسم أن يقوم بغير جسم".
أقول: في الحقيقة يا أخ سعيد نحن لا نعبأ بهذه الأمور ولا ندرسها، لأنها ليست أموراً عقدية عندنا، ونعدّها دخيلة فلاسفة اليونان على الشريعة الإسلامية. فلا جواب لك عندي حولها.

قولك: "والله تعالى موجود قبل أفعاله كلها".
أقول: لا أسلم، فإن الله لم يزل فاعلاً. أما إن قصدتَ أن الله سبحانه موجود قبل أفعال معينة مثل فعل خلق السماوات مثلاً، فهو قول صحيح.

قولك: "فإن كانت هذه كمالاً لله تعالى، فإن ذات الله تعالى لا تحصل على كمالاتها إلا بفعلها بعض الأفعال التي هي غير نفس الذات؟".
الجواب: أفعال الله سبحانه هي صفات لموصوف عندنا، فلا يصح وصفها بأنها غير الذات، تماماً مثلما أن صفات الذات هي صفات لموصوف لا يصح أن يقال إنها غير الذات، وكلها كمال؛ الذاتية والفعلية.

قولك: "دعاء الناء له غير ذاته، وأنت تقول إن استجابة الله تعالى لدعاء العباد كمال لله تعالى، وهذا لا يحصل إلا بإيجاد العباد".
أقول: كل ذلك فعل، وكله صفة لموصوف هو الله سبحانه، وكله كمال، تماماً مثلما أن صفاته الذاتية صفات لموصوف وهي كمال.

قولك: "أفعال الله ... أهي كمال لله تعالى، أم هي كمال للمخلوقين؟". الجواب: هي كمال لله.

قولك: "إذا كانت كمالاً لله تعالى، وهي غيره، فأنت تقول إذن أن غير الله تعالى يكون كمالاً لله تعالى".
أقول: لا أسلم بأن أفعال الله هي غيره، بل هي صفات له سبحانه، وهي كمال له كما أن صفاته الذاتية كمال له.

قولك: "أما سؤالك عن الدليل على تعلقات السمع والبصر بحسب قول الأشاعرة ... الخ".
فأقول: أنبّه على أن سؤالي هو عن الدليل النقلي أولاً، وهو ما طلبته منذ زمن ولم تزودني به إلى الآن ولا الأخ بلال، ولا زلتُ أنتظر.

أما بالنسبة لعبارتي السابقة في متعلقات صفة العلم.
فأقول: لقد قلتَ من قبل يا أخ سعيد: "فعليك أن تعترف بذلك علناً، وتتراجع عنه أو تبينه وتعدل من عبارتك الأولى بنص جديد الآن". فأنت خيرتني بين أمرين إما الاعتراف والتراجع وإما التبيين بنص جديد، وأنا اخترتُ التبيين بنص جديد فقلت: "فعلم الله لا يتعلق بالموجودات فحسب، بل يتعلق بكل شيء كما نص عليه القرآن والسنة وأهل العلم". فماذا تريد بعد ذلك؟! علماً بأنني لا أرى أن في عبارتي الأصلية ما يدلّ على أنني أحصر تعلّق علم الله بالموجودات، وأنا لم أقصد ذلك، وها هو "الأستاذ" بلال لم يفهمها على ذلك، وعلى كل حال فقد بينتُ ما أعنيه في العبارة الجديدة، فأرجو منك عدم التعنيت، وأذكّرك بقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بشراركم: المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت".

ملاحظات:
* أرجو منك لو تكرمت الاختصار قدر الإمكان مستقبلاً، وعدم تكرار نفس السؤال إلا لضرورة.
* لازلتُ بانتظار أدلتك النقلية على مذهبك في السمع والبصر.

سعيد فودة
16-04-2004, 21:33
الجواب:

أولا: قولك"الكلام صفة لله سبحانه باعتبارين: الأول: الصفة الذاتية القديمة غير الحادثة وغير المتعلقة بالمشيئة، هذه ليست حرفاً وصوتاً، والثاني: صفة فعل الكلام وهو صفة فعلية تحدُثُ في الله متى شاء سبحانه ويَصدر الحرفُ والصوتُ عند قيامها"اهـ

هذا الكلام يعني:
أ-لله تعالى صفة اسمها الكلام وليست بصوت وحرف وغير متعلقة بالمشيئة، فأنت تقول إذن أنه يوجد لله صفة الكلام التي هي ليست بصوت وحرف. فلماذا تستنكر على الأشاعرة قولهم بصفة كلام ليست بصوت ولا حرف؟!
وينحصر الخلاف عندئذ معهم عندك في أنهم ينفون قيام الحرف والصوت في ذاته تعالى.

ب- قولك إن هناك صفة فعل تحدُثُ في الله متى شاء، ويصدر الحرف والصوت عند قيامها، يستلزم أن هناك ثلاثة أمور، الأول: صفة الذات التي قلت إنها ليست بحرف ولا صوت، والثاني صفة الفعل التي يصدر عنها الصوت والحرف. والثالث: نفس الحرف والصوت الصادر عن صفة الفعل.
وهذا خلاف أقوال جميع الناس حتى إنه خلاف قول ابن تيمية الذي تنتسب إليه.
ج- قولك يتضمن أن الكلام الذي هو صفة، قسمان الأول صفة ليست بحرف ولا صوت، والثاني حرف وصوت. أليس كذلك
د-إذا كنت تقول إن هناك صفة فعل يحدثها الله تعالى متى يشاء، وهي كمال له، الا يساوي هذا القول: أن الله تعالى يستكمل كمالاته بإرادته مى يشاء؟
ثانيا: قولك"أسمع كلام الله الذي هو حرف وصوت بعد أن يصدرا من الله"اهـ
يستلزم أن الحرف والصوت الذي هو صفة لله، يصدر من الله تعالى وينتقل حتى يصل إلى أذنك، فلم قلتَ للأزهري إنكم لا تقولون بحلول صفات الله في المخلوقات، وهذا هو عين الحلول؟؟؟؟

ثالثا:قولك "ليس هذا هو حاصل مذهبي. حاصل مذهبي باختصار هو: أن كلام الله الذي يصدر منه سبحانه عند قيام فعل الكلام به عز وجل يكون بحرف وصوت، وهذا الفعل هو صفة له سبحانه، وصفاته ليست أبعاضاً ولا أجزاءً، فليس الله مركباً من أجزاء منها الحرف والصوت، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. بل أفعاله صفات له، ليست هي عين ذاته ولا سوى ذاته ولا هي أجزاء له سبحانه"اهـ

إذا كان الحرف والصوت صفة لله تعالى فكيف ينفصلان عن ذاته، والصفة لا تنفصل عن الموصوف.
وإذا انفصلت عن الموصوف، فكيف لا تكون جزءا له، بل هي جزء منفصل عنه. وهذا هو عين التركيب الحقيقي.
فقولك إنها ليست أجزاء لا يسلم لك، لأن ما تقوله هو عين معنى الجزء.
بل أنت زدت وصرحتَ بأنه ينفصل عن الذات.
ونفيك للأبعاض والأجزاء حال قولك بهذا الأمر في غاية التناقض.
وكيف تجيز لنفسك بعد هذا كله، أن تستنكر قولي لك بأن الله تعالى متركب عندك من أبعاض وأجزاء بعضها أصوات وبعضها ذات، وبعضها أمور أخرى، وما كنت أقصد إلا الألوان التي تراها أنت بالضوء، ولو أكملت معي هذا النقاش فسوف أثبت لك أجزاء أخرى تثبتونها لله تعالى، وأنتم لا تدرون!!

رابعا: قولك"وأما حصر المرئيات بالضوء فغير صحيح، فإن يدي مرئية لي، وليست هي ضوءً."اهـ
المقصود من الضوء هنا ما ينعكس عنه الضوء إلى عينك ، فهذا هو ما نراه عادة.
وتنبه أن الضوء لا ينقل حقيقة الذات، بل يعطيك صورة عن لون الذات وشكلها. فلا ترى أنت بالضوء إلا شكل الذات ولونها وما إلى ذلك.
فإذا كنت تعتقد أنك ترى الله تعالى بضوء وشعاع، فيلزمك إثبات الشكل واللون، وإلا، فلو كان شفافا، لما رأيته.

خامسا: قولك إنك ترى يدك وليست هي بضوء، أقول : إنك في الحقيقة ترى الضوء المنعكس عن يدك، فهو الذي ينقل إليك صورةً ما عن يدك، أعني ينقل إليك شكل يدك الخارجي ولونها. هذا هو الذي تراه فعلا، أما حقيقة يدك فلا.
فهل ترى الله تعالى كذلك.

سادسا: قولك"في الحقيقة يا أخ سعيد نحن لا نعبأ بهذه الأمور ولا ندرسها، لأنها ليست أموراً عقدية عندنا، ونعدّها دخيلة فلاسفة اليونان على الشريعة الإسلامية. فلا جواب لك عندي حولها"اهـ
أقول: بل يلزمك الجواب، فأنت الذي قلت إن الحركة ليست جسما، فلذلك سألتك هل هذه الحركة تقوم بما ليس جسما.
وأنتم تقولون إن الله متحرك، فإما أن يكون جسما، فلا إشكال عندكم، لأن الأجسام تتحرك.
وإما أن لا يكون جسما، فيلزمك أن تكون الحركة قائمة بغير الجسم.
هذا جواب على مذهبك وطريقتك، وهو لازم لك، فلماذا تظهر نفسك مترفعا عن ما أسميته علوم اليونان، وأنت تسبح فيها وفي ما هو أكثر منها.
ابقَ واقعيا، ومتناسقا مع كلامك، لترى أين سأذهب بك، وإلى أين أفضي بك لتعرف بعد ذلك دليلنا على ما نقول.

سابعا: قولك:"لا أسلم، فإن الله لم يزل فاعلاً. أما إن قصدتَ أن الله سبحانه موجود قبل أفعال معينة مثل فعل خلق السماوات مثلاً، فهو قول صحيح."اهـ
أنت لم تسلم أن الله تعالى كان قبل جميع خلقه، بل لم يزل معه شيء من مخلوقاته. والرسول عليه السلام يقول:"كان الله قبل كل شيء" ويقول النبي عليه السلام :"كان الله ولم يكن شيء غيره" فمن أصدق حديثا، وأقوم قيلا.
ثامنا:"قولك: لا أسلم بأن أفعال الله هي غيره، بل هي صفات له سبحانه"اهـ
لقد قلتَ سابقا: إن الحرف والصوت صفة فعل لله ، وهو يصدر عن الله، ويصل إلى أذنك فتحسه نفسه، لا غيره. فإذا انتقل وخرج من ذات الله، فهل يبقى نفس الله تعالى أو يكون غيره؟؟ إن العاقل لا يشك في أن ما لم يكن موجودا ثم يوجد، ثم بعد وجوده، ينفصل عن الذات، فإنه يكون غير الذات.
فكيف تقول إن فعل الله ليس غيره.
فإن كان غيره، فكيف تقول إن الله تعالى لا يستكمل ذاته بغير ذاته؟؟
تاسعا: إن كان لله تعالى عندكم ذات، تقوم بها نوعان من الصفات الأول صفات ذات قديمة، والآخر صفات فعل حادثة، وصفات الفعل منها ما هو صوت وحرف ينتقل من الذات إلى غير الذات. وأنت تثبت وجود المخلوقات وهي العالم بما فيه. فما هي هذه الأفعال التي يتصف بها الله غير الصوت والحرف؟؟

عاشرا:أما جوابك فيما يتعلق بالعلم وتعلقاته، فهل تقصد بكل شيء أنه يعلم المعدومات والموجودات. إن كان كذلك فأكتفي به، ولم يكن من عارٍ عليك أن تصحح عبارتك من أول سؤال مباشرة.


أما الطول والقصر، فأنا لا أحب التطويل، ولكنه يلزم عندما لا تكون إجابتك واضحة، أو عندما يستحق الأمر ذلك فلا تضق ذرعا بهذا. فالأمر يستحق ذلك.

بلال النجار
17-04-2004, 13:51
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ هيثم،

قولك: (قوله تعالى: "إنه بكل شيء بصير" معناه: أن الله بصير بكل ما من شأنه أن يبصر، والمعنى شبيه بقول المتكلمين في قوله تعالى: "إن الله على كل شيء قدير": إن الله قدير على كل ما من شأنه التعلق بقدرته، وهو الجائز عندهم دون المستحيل والواجب. وأما إذا كان "بصير" اسم تفضيل من البصيرة، فهو خارج بحثنا)

أقول: ليس المتكلمون هم الذين قالوا الله على كلّ شيء قدير، بل الله هو الذي قال ذلك، والمتكلمون سلّموا به وأقاموا عليه أيضاً أدلة عقليّة. ثم لا قياس بين القدرة والسمع أو البصر، هذه صفة لها تعلّقاتها وهذه صفة أخرى. الدليل ظاهر في أنه عامّ لكلّ موجود، وأنت تقول لا بل هو مخصص بحيث يخرج من هذا النص بعض الموجودات، فأسألك ما هو الدليل المخصص لهذا العموم؟ فأجب عن نفس هذا السؤال.
فكلامك عن القدرة لا ينفعك مطلقاً ههنا، فما هو الدليل الذي خصصت به الشيء في حال البصر ليشمل بعض الموجودات دون بعض؟

قولك: (بالنسبة لكون الله يُبصِر نفسه ويسمع كلامه، فأقول: لقد قلتُ من قبل يا أخ بلال إن المسموعات هي كل ما أُحسُّ به عن طريق استقبال الأذن له، وما هو من جنسه، والمبصرات: كل ما أُحسُّ به عن طريق استقبال العين له، وما هو من جنسه. وقد ذكر الشارع أن موسى عليه السلام سمع كلامه، وأن ذاته يبصرها الموحدون يوم القيامة وفي الجنة، وبهذا لا يخرج صوته سبحانه عن كونه من جنس المسموعات التي أحس بها عن طريق استقبال أذني لها، ولا تخرج ذاته العلية عن كونها من جنس ما أحس به عن طريق استقبال عيني له، مع الجزم بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، عز وجل في علاه)

أقول: أنت تثبت لله تعالى كلامين بحسب ما جاء في نقاشك مع الشيخ سعيد، وتقول إن ما تسمعه من كلام الله هو الكلام الذي هو الصوت والحرف الحادثين، وليس الكلام القديم؟ فهل تقول إنه لا يمكنك سماع القديم؟ إذا كنت تقول بذلك فصرّح به، واذكر لماذا لا يمكنك أن تسمع القديم؟ ثمّ إذا كنت تقول بأنه لا يمكن سماع القديم، فكيف جاز عندك رؤية القديم؟ ما الفرق بين رؤية الله تعالى وسماع كلامه إذا كانت علّة السماع والرؤية عندك هي كون المسموع والمبصر عندك من جنس ما تسمعه وتراه أي من الحادثات؟

وحاصل كلامك أنه ما دام المؤمنون يرون الله تعالى فالله تعالى من جنس مرئياتهم، فالمصحح للرؤية عندك بحسب ما أفهم هو اشتراك جميع المرئيات في جنس واحد، فما هو هذا الجنس؟ إننا قلنا لك إن ما تراه بهذه الكيفية ليس سوى الضوء الذي هو من جنس مادة الكون ولا يمكنك بهذه الكيفية أن ترى أمراً آخر. فيلزمك أن تقول إن الله والكون مشتركان في كونهما ماديين. وهذا هو المصحح لرؤيتك للجميع. أليس هذا معنى كلامك؟
ونفس الكلام يكون على المسموع، فإذا كان هذا ما تدور عليه فهو ما وصفته أنا بأنه كارثة. لأنه محض تشبيه الله تعالى بخلقه. ذاتاً وصفات.

سلّمنا أن الله تعالى يُرى يوم القيامة، فما الدليل على أنه تعالى سوف يُرى بهذه الكيفية التي ترى بها أنت الآن بحيث تجعله من جنس ما ترى. وكذا الكلام في السمع، سلّمنا أن البشر يمكنهم أن يسمعوا كلام الله بدليل أن موسى عليه السلام سمع كلام الله، فما الدليل على أن سمعنا لكلامه تعالى هو بهذه الكيفية التي تسمع بها أنت الآن بحيث تجعل كلامه جل وعزّ من جنس ما تسمعه أنت من الحروف والأصوات؟

والدليل الشرعيّ يقرر خلاف ما تقول، لأن جعل ذاته جل وعز من جنس ما تراه الآن، وجعل رؤيته بنفس الكيفية التي ترى بها الأضواء، يتعارض مع قوله تعالى (ولم يكن له كفواً أحد) ومع قوله تعالى (ليس كمثله شيء) ومع قوله صلى الله عليه وسلم (ليس له شبه ولا عدل).

والدليل العقليّ يقرر أن ما يرى ويسمع بالكيفية التي نرى ونسمع بها الآن هو الأضواء والأصوات، ولا يكون ذلك إلا إلا جسماً، فهل تلتزم أنت أن الله تعالى جسم؟! لمجرد معرفتك من الشريعة بأن الله تعالى يُرى ويسمع؟ إنه لفرق هائل بين كون الشيئين مرئيين أو مسموعين، وكونهما متحدان في الجنس. أفلا ترى الفرق واضحاً يا هيثم؟ ألا ترى أنك تجعل الخالق والمخلوق مندرجين تحت جنس واحد وتستدل على ذلك بكونهما مرئيين ومسموعين؟ وما ذلك إلا لأنك تثبت أن رؤية الله تعالى وسماع كلامه إنما يتمّ بعين هذه الكيفية التي يتم لنا بها رؤية الأجسام وسماع الأصوات. وهذا هو الذي أدعوه أنا تشبيهاً لله تعالى بخلقه، ولا أجد له اسماً آخر.

قولك: (أما زعمك بسبر نصوص الشريعة، فأرجو أن تحيلني عليه، وإلى أن تفعل فإن كلامك يكون دعوى دون دليل لا أتجاوز في ردّها قولي: "لا قبول"، فلا تَلزمني محاولة إبطالها بأن آتي "بمثال واحد لموجود يثبت فيه استحالة السمع والبصر به)

أقول: مطالبتي لك بأن تأتي بموجود واحد لا يسمعه الله تعالى وموجود واحد لا يبصره الله تعالى مطالبة صحيحة بحسب قواعد البحث والمناظرة. وليس فيها أي إشكال، فإذا لم تأت بمثال تنقض فيه عموم تعلق سمعه وبصره بكل موجود، فقل بصراحة ليس عندي مثال ينقض عموم تعلق صفتي السمع والبصر بكل موجود، ولا تبقى تتكلم على هذا المحلّ بما لا ينفعك.
وأما سبر الأدلّة الشرعيّة، فأنا سائر فيها معك، فالدليل العقليّ دليل شرعي أيضاً، وأنا أمشي معك قليلاً قليلاً كما ترى، وقد أتيتك بعدة أدلة في أثناء كلامي تدل على عموم تعلّق بصره تعالى بكل موجود وقد أتيتك بقوله تعالى: (إنه بكل شيء بصير) فالتففت عليه. ولم تجب عنه جواباً علمياً صحيحاً. فحتّى ترد هذه الأدلة نأتيك بغيرها، فلم العجلة، فبالكاد بدأ الكلام يتجه.


قولك: (وما قلته هنا يصلح ردّاً على ما جاء في الفقرة رابعاً أيضاً)

أقول: كلامك هذا لا يصلح ردأ على ما جاء في الفقرة رابعاً البتة. فلماذا لا تريد أن تجيبني عن هذا السؤال الواضح يا هيثم؟ فلماذا لا تجيبني بمثال عن شيء موجود لا يتعلق سمع الله به، ومثال لا يتعلق بصره به.


قولك: (الرد على الفقرة ثالثاً: أعرفُ يا أخ بلال أن كلامك إنما هو عن المرئي، ولذلك صدّرتُ جوابي السابق بقولي "المهم في هذا المقام")

أقول: لم أكن أعرف أنك تعرف، ولست أفهم من قولك (المهم في هذا المقام) أنك تعرف ذلك، ولا يظهر لي أن في كلامك تفرقة واضحة بين الأمرين. وعلى أي حال، لست أنت من يحدد المهم وغير المهم في النقاش، أنا أسألك سؤالاً فتجيبني عنه أو تبيّن أن السؤال لا محلّ له في الكلام ولذا فمن حقّك أن تمتنع عن الإجابة عنه لهذا السبب فقط، وأما إذا لم تبيّن ذلك فليس من حقك أن تتجاهل كلامي بعبارة كهذه المهمّ في هذا المقام لتجيب عما تشاء وتدع ما تشاء.

قولك: (وأعود فأقول: المهم في هذا المقام هو أن الموحدين سينظرون بأعين رؤوسهم إلى جهة فيرون ربهم سبحانه وتعالى، كما ينظرون بأعين رؤوسهم إلى جهة ويرون البدر، هذا ما قصدته بقولي "جنس ما يرونه". أما ارتطام الشعاع وتموجات الهواء، فهذا خوض في كيفية صفة كون الله مرئياً، وهو المحظور عندنا. فلسنا نشبه الله بالقمر، ولكننا نشبه رؤية الله برؤية القمر، وبذلك يكون الله جل وعلا مبصراً لنا كما أن بقية المبصرات مبصرة لنا)

أقول: بل حضرتك تخوض في الكيفيات بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لأنك تدخل الكيفية الحالية في نفس مفهوم الرؤية حين تقول إن الله من جنس ما أرى، وأنه في جهة. فتثبت له الجهة ثم تتورع عن أن تثبت أن الضوء يسقط عليه وينعكس عنه!! إن هذا لعجيب. إنك تشبه الله بالبدر بكل ما في الكلمة من معنى حين تقول إنه تعالى يرى في جهة وبأعين رؤوسنا في إشارة واضحة من كلامك إلى أن ذلك سيحصل لنا بنفس الكيفية التي تحصل بها رؤيتنا للأجسام الآن، ثمّ بعد ذلك تقول إنك لا تشبه الله تعالى بخلقه ولا تخوض في كيفية الرؤية. ولعمري إن مذهبكم هو أنكم تثبتون الكيفية، وتدّعون بعد إثباتكم لها أنكم تجهلون هذه الكيفية. والآن أنت تزيد على ذلك بأنك تحدد حتى الكيفية، بأنها عين الكيفية التي تتم بها الرؤية والسمع الآن. فإن لم يكن هذا خوضاً في الكيفيات، ولم يكن هذا تشبيهاً فما هو الخوض في الكيفيات؟ وما هو التشبيه؟ هل يجب أن تقول لي إن الله هو البدر أو يشبه البدر في حجمه وشكله لكي يكون تشبيهاً؟ أم يكفي أن تصف الله تعالى بما تتصف به المخلوقات لكي يكون تشبيهاً؟ تعالى الله عمّا تقول يا هذا.
أتقول إنك سترى الله في جهة كما يرى البدر في جهة، وتدّعي بأن البحث في الكيفيات محظور عندك؟
وقل لي بربك ما معنى الكاف في قولك: (كما)، أليس معنى كلامك تشبيه لرؤية الله برؤية البدر في الجهة والمقابلة. أي كأنك تقول: رؤيتنا لله كرؤيتنا للبدر في كون الرؤية في الاثنين تتم بجهة ومقابلة. ثمّ تقول: إن هذا ليس تشبيهاً ولا بحثاً محظوراً في الكيفيات؟ سبحان الله يا هيثم! فما هي الكيفية عندك؟ لعلك تتكلم عن الكيفية بمعنى آخر غير المعنى الذي أفهمه أنا منها؟ إذا كنت تقول إن كلام الله حرف وصوت وتقول إنك لا تسمع إلا عن طريق ارتطام الهواء بأذنك كما هو دأبك في سماع المسموعات، ثمّ تقول إنك تسمع كلام الله تعالى كما تسمع بقية المسموعات، ألا يكون هذا تكييفاً منك لكلام الله تعالى. وكذا حين تقول إنك لا تبصر إلا بمقابلة وأن يكون المرئي في جهة، ولا تبصر إلا ما كان من جنس ما تبصره من المبصرات التي هي كما بينّا لك الأضواء المنعكسة أو الصادرة عن الأجسام أفلا يكون هذا تكييفاً منك لذات الله تعالى، وجعلها مقيدة بقيود المبصرات الأخرى الجسمانية؟ ثمّ ألا يكون هذا تكييفاً منك لصفتي السمع والبصر، وقياساً لسمع الله وبصره على سمعنا وبصرنا؟
أليس حاصل كلامك أنك تقول إن ما لا يمكنك أن تسمعه أنت بهذه الكيفية التي تسمع بها الآن فلا يمكن لله تعالى أن يسمعه، وما لا يمكن أن تبصره أنت بهذه الكيفية فلا يمكن لله تعالى أن يبصره؟ أفلا يكون هذا قياساً لصفتي الله تعالى الكاملتين على صفتيك أنت الناقصتين؟! ثمّ تدّعي بأنك لا تبحث في كيفيات الصفات، وتدّعي بأنك لا تقيس الله تعالى على خلقه، وأنك لا تشبهه تعالى بخلقه؟ سبحان الله!

قولك: (ومخصص تعلق السمع والبصر ببعض الموجود هو وجوب الوقوف حيث وقفت نصوص الشريعة وعدم تجاوز ذلك إلا بالدليل. وقد علقت نصوص الشريعة السمع والبصر ببعض الموجود، ولم أجد نصاً يعلقهما بكل موجود)

أقول: هذا الكلام ليس صحيحاً البتة، وقد أتيتك بآية من القرآن تقول (إنه بكل شيء بصير) فقد علّقت البصر بكل شيء. فلماذا تخرج من معنى الشيء بعض الموجودات. ما الدليل على خروجها؟ ثم أعيد هات شيئاً واحداً من الموجودات يخرج عن كونه مرئياً لله تعالى لنسلّم كلامك؟


قولك: (وعليه فإن سؤالك: "من أين تعرف أن سمعه تعالى وبصره لا يتعلقان بغير ذلك من الأمور" هو سؤال في غير محله، لأن القول بتعلق سمعه سبحانه وبصره بغير ما جاء في النصوص هو قولك أنت وليس قولي، وأنا واقف حيث وقفت النصوص، فلا ضير علي، وتبقى أنت مطالباً بإثبات ما كان خارجاً عنها)

أقول: أنا لم أسلّم أن الشريعة علّقت السمع والبصر ببعض الموجودات دون بعض. بل ادّعيت أن الشريعة علّقت هاتين الصفتين بكل موجود. وأتيتك بدليل على تعلّق البصر بكل موجود. ولكني كنت أتكلّم على سبيل التنزّل، وهو على فرض أن الشريعة ذكرت لنا أن الله تعالى يبصر كذا وكذا وكذا، فعندها لا يكون في مجرّد هذا الذكر انحصار المرئيات والمسموعات في هذه المذكورات. لأنه ليس مجرّد ذكرها دون ما عداها دليل على انحصارها في المذكورات، كما لا يخفى على عاقل. ألا ترى أن الشريعة نزّهت الله تعالى عن كلّ نقص وعيب، فهل يجب أن تذكر الشريعة كلّ عيب ونقص باسمه لكي ننزهه عنه أم يكفي الدليل الجمليّ الذي يثبت به حكم كليّ لنعرف تنزهه تعالى عن جميع النقائص والمعايب التي لم تذكرها الشريعة بالاسم؟ إنه لا يوجد عاقل يقول بالقول الأول. فكذا هي الحال في متعلّقات السمع والبصر، فحين يقول الله تعالى (إنه بكلّ شيء بصير) فنعرف أن سمعه يتعلّق بكلّ شيء، وهذا يدخل فيه كل موجود، فعليك إذا أردت أن تخرج منه بعض الموجودات وتكسر لفظ كلّ الجامع لكلّ شيء أن تأتي بدليل على أن بعض الموجودات لا يمكن أن تكون من متعلّقات البصر.


قولك: (في كلامك في الفقرة خامساً اضطراب يا أخ بلال، لأنك تكلمت عن إمكانية التعلق، وكلامنا إنما هو عن التعلق الواجب، فعلى فرض قولنا إن الله يمكنه أن يمس كل مخلوق، فإن إمكانية التعلق هذه ليست ما نحن بصدده عند الحديث عن تعلق صفتي السمع والبصر، وهو واجب، اللهم إلا إن كنت ترى أن سمع الله وبصره يجوز تعلقهما بكل موجود لا أن ذلك واجب، وهو ما أستبعده)

أقول: ليس في كلامي اضراب يا أستاذ هيثم، بل الاضطراب في فهمك، لأن تعبيري بالممكن هنا إنما عنيت به الإمكان العام الذي يتناول الواجب والممكن، لا الإمكان الخاص. وعلى مذهبكم يجب تعلّق اليد بكلّ موجود على الأقلّ، لأن اليد عندكم تخلق. فتصير اليد عندكم كالقدرة عندنا يجب تعلّقها بكلّ ممكن. أما أنا فأقول إن سمعه وبصره فيجب تعلّقهما بكلّ موجود. وهو واضح في كلّ كلامي، فأين الاضطراب الذي تتكلّم عنه.

قولك: (وأنت إلى الآن يا أخ بلال لم تذكر لي وجه قولكم بتعلق سمعه سبحانه وبصره بكل موجود. فلا أنت أتيتني بدليل نقلي ولا عقلي. فأرجو منك تزويدي بدليلك النقلي أولاً، أو التصريح بعدم وجود ذلك. ثم نخوض في أدلتك العقلية إن أحببت)

أقول: أما أنا فأحب، وأما أنت فالظاهر أنك لا تحب. وكيف تقول إنني لم آتيك بدليل عقليّ، وكلّ كلامي مبنيّ على الأدلّة، لا أقول بقول إلا وأنا أدلل عليه. ثمّ كيف تقول إنني لم آتيك حتى الآن بدليل نقليّ، وأنا أقول لك قول الله تعالى: (إنه بكل شيء بصير). ألا ترى أنك بهذا الكلام تجانب الواقع والصواب، يا أخ هيثم؟
بانتظار إجاباتك الصريحة الواضحة، والمبنية على تأمل ونظر، لا الخطابية التي لا قيمة لها في هذا المحلّ. أرجو أن تأخذ وقتك في فهم كلامي وكلام الشيخ سعيد، وفهم جهة الكلام وجهة السؤال والجواب، ثمّ الإجابة. وأن لا تجد في نفسك حرجاً من التسليم بغلط قولك إذا رأيته خاطئاً. فهو مما يرفعك لا مما يخفض مكانتك.

والله تعالى الموفق.

هيثم عبدالحميد حمدان
18-04-2004, 02:07
بسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله. أما بعد،

فسأركّز في جوابي على ما يتعلق بمناقشة الأخ بلال لدليلي النقلي ومناقشة دليله النقلي إن وجد.

قولك يا أخ بلال: "كيف تقول إنني لم آتيك حتى الآن بدليل نقليّ، وأنا أقول لك قول الله تعالى: (إنه بكل شيء بصير)؟"، و: "وقد أتيتك بقوله تعالى: (إنه بكل شيء بصير) فالتففت عليه".
أقول: أنت لم تصرّح بأن هذا دليلك النقلي، وصدّرتَ كلامك بقولك: "ما قولك في قوله تعالى مثلاً"، فأرجو منك أن تصرّح بأن هذه الآية هي دليلك النقلي، وهل هي دليلك النقلي الوحيد أم لا، فإن لم يكن الوحيد فأرجو أن تذكر أدلتك النقلية الأخرى. مع ملاحظة أن قوله تعالى "إنه بكل شيء بصير" يختص بالبصر دون السمع، فأرجو ألا تنسى أننا نتكلم عن السمع والبصر كليهما.

قولك: "كيف تقول إنني لم آتيك بدليل عقليّ، وكلّ كلامي مبنيّ على الأدلّة، لا أقول بقول إلا وأنا أدلل عليه".
أقول: أرجو أن تبدأ بذكر أدلتك النقلية، ثم عندما نبدأ بمناقشة الأدلة العقلية على تعلق سمعه سبحانه وبصره بكل موجود أرجو أن تصرّح بكون هذا دليلك حتى لا يحصل لبس.

قولك: "ليس المتكلمون هم الذين قالوا الله على كلّ شيء قدير، بل الله هو الذي قال ذلك، والمتكلمون سلّموا به وأقاموا عليه أيضاً أدلة عقليّة".
أقول: وأنا لم أزعم أن المتكلمين هم الذين قالوا "الله على كل شيء قدير".

قولك: "ثم لا قياس بين القدرة والسمع أو البصر، هذه صفة لها تعلّقاتها وهذه صفة أخرى".
أقول: كان ينبغي أن تكون متجرّداً وتتمّ عبارتك وتقول: "وهذه صفة أخرى لها تعلقاتها".

قولك: "الدليل ظاهر في أنه عامّ لكلّ موجود".
أقول: بل الدليل ظاهر في أنه عام لكل شيء، الموجود وغيره، لكننا متفقان على أن السمع لا يتعلق بغير الموجود. وأنت لجأت إلى دليل خارجي لتخصيص تعلق البصر بالموجودات، وكذلك فعلتُ أنا كما سيأتي.

قولك: "ما هو الدليل المخصص لهذا العموم؟".
أقول: الدليل المخصص لهذا العموم هو ظواهر الآيات والأحاديث الكثيرة المتوافرة التي علقت سمعه سبحانه بمسموعات وبصره بمبصرات، بالإضافة إلى ظاهر كلام علماء التفسير وشروح الأحاديث الذي لا يكاد ينحصر في تعليق السمع بمسموعات والبصر بمبصرات، دون أن أجد خلافاً لذلك. ثم التأمل في اللغة التي لم يأت في شيء منها ذكر المسموع والمبصر على أنه كل موجود.

قولك: "فكلامك عن القدرة لا ينفعك مطلقاً ههنا".
أقول: بل ينفعني من حيث أن قوله تعالى "إن الله على كل شيء قدير" خُصّص بمتعلقات القدرة، وكذلك "إنه بكل شيء بصير" ينبغي أن يخصص بمتعلقات البصر.

قولك: "أنت تثبت لله تعالى كلامين؟".
أقول: ليس كذلك، أنا لم أقل إن لله تعالى كلامين، بل هو نفس الصفة ولكن باعتبارين، فهي صفة ذاتية باعتبار أصلها، فعلية باعتبار آحادها.

قولك: "فهل تقول إنه لا يمكنك سماع القديم؟ ... لماذا لا يمكنك أن تسمع القديم؟ ثمّ إذا كنت تقول بأنه لا يمكن سماع القديم، فكيف جاز عندك رؤية القديم؟ ما الفرق بين رؤية الله تعالى وسماع كلامه إذا كانت علّة السماع والرؤية عندك هي كون المسموع والمبصر عندك من جنس ما تسمعه وتراه أي من الحادثات؟".
أقول: بما أنه ظهر خطؤك في اعتقاد قولي بأن لله كلامين، فأرجو إعادة التأمل في هذه الأسئلة واضعاً في اعتبارك أنه إن كان قصدك بالقديم: الأزلي، فالذي نعتقده هو أن "الله لم يزل متكلماً إذا شاء"، فالكلام الذي قاله الله في الأزل مسموع ورؤيته تعالى جائزة أيضاً.

قولك: "فما هو هذا الجنس؟"، و: "إنه لفرق هائل بين كون الشيئين مرئيين أو مسموعين، وكونهما متحدان في الجنس. أفلا ترى الفرق واضحاً يا هيثم؟"، و: "ألا ترى أنك تجعل الخالق والمخلوق مندرجين تحت جنس واحد وتستدل على ذلك بكونهما مرئيين ومسموعين؟"، و: "فيلزمك أن تقول إن الله والكون مشتركان في كونهما ماديين. وهذا هو المصحح لرؤيتك للجميع. أليس هذا معنى كلامك؟".
أقول: المقصود بالجنس هو جنس كون الله سبحانه والكون من المسموعات، فإن قصدت بقولك "جنس واحد": جنس كونهما مسموعين مبصرين فصحيح، أما إن قصدت أن لهما نفس الماهية فلا يصحّ، فالله ليس كمثله شيء سبحانه.

بالنسبة لكلامك حول وقوعي في التشبيه والتكييف ومطالبتك لي بتعرييفهما ... الخ.
أقول: حتى لو ثبت أنني واقع في التكييف فإنني لا أعرف كيف سيدلّ ذلك على تعلق سمع الله وبصره بكل موجود. لذلك فإنني أرجو حصر النقاش الآن في مناقشة دليلي النقلي وإتيانك أنت بدليلك النقلي.

قولك: "فهل تلتزم أنت أن الله تعالى جسم، لمجرد معرفتك من الشريعة بأن الله تعالى يُرى ويسمع؟".
أقول: إن كنت تسمي ما جاءت نصوص الشريعة في وصفه بأنه يسمع ويُرى: جسماً، فالله سبحانه جسم.

قولك: "مطالبتي لك بأن تأتي بموجود واحد لا يسمعه الله تعالى وموجود واحد لا يبصره الله تعالى مطالبة صحيحة بحسب قواعد البحث والمناظرة".
أقول: ومن آداب المناظرة عندي: "ثبت العرش ثم انقش"، بيّن السبر لي ثم طالبني بأن أًنفق وقتي في تحليله، أما أن ترمي بدعوى مجردة هكذا وتطلب مني إضاعة وقتي في إبطالها فغير مقبول.

قولك: "وأما سبر الأدلّة الشرعيّة، فأنا سائر فيها معك، فالدليل العقليّ دليل شرعي أيضاً".
أقول: حسناً يا أخ بلال، لكن أرجو أن تبدأ بالدليل النقلي لو سمحت، أو تصرح بعدم وجوده.

قولك: "الكاف في قولك: (كما)، أليس معنى كلامك تشبيه لرؤية الله برؤية البدر في الجهة والمقابلة".
أقول: بلى، معناها تشبيه رؤية الله برؤية البدر في الجهة والمقابلة.

قولك: "ألا ترى أن الشريعة نزّهت الله تعالى عن كلّ نقص وعيب، فهل يجب أن تذكر الشريعة كلّ عيب ونقص باسمه لكي ننزهه عنه أم يكفي الدليل الجمليّ الذي يثبت به حكم كليّ".
أقول: يكفي الدليل الجملي النقلي على أن سمع الله وبصره يتعلقان بكل موجود، فعجّل بالإتيان به إن كان عندك.

والآن يا أخ بلال لا نريد للنقاش أن يصل إلى طريق مسدود، فأرجو منك التأمل في النقطتين التاليتين:

* هل "إنه بكل شيء بصير" هو دليلك النقلي؟ وما رأيك في جوابي عنه إن كان كذلك؟ هل لديك أدلة نقلية أخرى؟
* ما رأيك في دليلي النقلي؟

والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

بلال النجار
18-04-2004, 12:55
بسم الله الرحمن الرحيم

قولك: (أنت لم تصرّح بأن هذا دليلك النقلي، وصدّرتَ كلامك بقولك: "ما قولك في قوله تعالى مثلاً"، فأرجو منك أن تصرّح بأن هذه الآية هي دليلك النقلي، وهل هي دليلك النقلي الوحيد أم لا، فإن لم يكن الوحيد فأرجو أن تذكر أدلتك النقلية الأخرى. مع ملاحظة أن قوله تعالى "إنه بكل شيء بصير" يختص بالبصر دون السمع، فأرجو ألا تنسى أننا نتكلم عن السمع والبصر كليهما)

أقول: أنا لم أنس ذلك، وليس هذا الدليل هو دليلي الوحيد، وليس من حقك الفصل بين الأدلة، ومناقشة النقليّ على حدة والعقلي على حدة، فكل هذه أدلّة. وقد ضربت الدليل على أنه مثل لأن عندي غيره. وليس من حقك المطالبة بجميع أدلتي دفعة، ولا طلب غير ما ذكرت حتى الآن من الأدلة حتى ترد هذا الدليل، وأنت لم ترده بعد.

قولك: (أرجو أن تبدأ بذكر أدلتك النقلية، ثم عندما نبدأ بمناقشة الأدلة العقلية على تعلق سمعه سبحانه وبصره بكل موجود أرجو أن تصرّح بكون هذا دليلك حتى لا يحصل لبس)

أقول: هذه الآية دليل معتبر في هذا المحل. وإذا كنت لا تعرف الدليل العقليّ إلا إذا قلت لك إن هذا دليلاً عقلياً على كذا وكذا. فلم لم تذكر هذا الشرط مسبقاً، ثمّ هل أنت فعلاً عاجز عن تمييز الأدلة في كلامي لكي تطلب هذا الطلب.

قولك: (كان ينبغي أن تكون متجرّداً وتتمّ عبارتك وتقول: "وهذه صفة أخرى لها تعلقاتها")

أقول: لم أفهم ما الذي تريده ههنا. نعم أنا أقول القدرة صفة لها متعلقاتها، والسمع والبصر صفتان لهما نفس المتعلق. وأنا أصرح بذلك، فما هو التجرد الذي تطلبه؟

قولك: (وأنت لجأت إلى دليل خارجي لتخصيص تعلق البصر بالموجودات، وكذلك فعلتُ أنا كما سيأتي)

أقول: نعم أنا خصصت قوله تعالى كل شيء بأدلة خارجية لتبقى متعلقات البصر وحدهما، واعتمدت الاتفاق بيننا على أن السمع والبصر لا يتعلقان بالمعدوم لاستثنائه. فبقي الموجود بقسميه القديم الحادث، فبأي شيء قصرت أنت الباقي على بعض الموجودات دون جميعها.

قولك: (الدليل المخصص لهذا العموم هو ظواهر الآيات والأحاديث الكثيرة المتوافرة التي علقت سمعه سبحانه بمسموعات وبصره بمبصرات، بالإضافة إلى ظاهر كلام علماء التفسير وشروح الأحاديث الذي لا يكاد ينحصر في تعليق السمع بمسموعات والبصر بمبصرات، دون أن أجد خلافاً لذلك. ثم التأمل في اللغة التي لم يأت في شيء منها ذكر المسموع والمبصر على أنه كل موجود)

أقول: أما ظواهر الآيات فكل ما ذكرته من المسموعات والمبصرات فهو من الموجودات، وكذا الأحاديث، وكذا كلام المفسرين وشراح الحديث. أما قولك (التي علقت سمعه سبحانه بمسموعات وبصره بمبصرات) فأنا أقول نعم علقت سمعه بمسموعات وبصره مبصرات وهذه المبصرات والمسموعات هي موجودات، لا يجمعها جميعاً غير ذلك. أما التأمل في اللغة فلا يفضي بي إلى إنكار أن يسمع الموجود. فلا يصلح كلّ ما ذكرت مخصصاً لنص الآية. المخصص يجب أن يكون قوياً بما يكفي ليقصر عموم هذا التعلق على بعض أفراده. ثمّ إن بعض المفسرين كالإمام الرازي ذكر أن هذه الآية دليل على تعلّق البصر بجميع الموجودات، وذكر أن هذا كلام الأصحاب على ما أذكر. فليس صحيحاً أنه لا يوجد مخالف، هذا على اعتبار أن ما ذكره المفسرون والشراح بحسب ادعائك ينافي تعلق السمع والبصر بكل موجود.
وخلاصة الكلام، أنه يجب أن تكون الآيات والأحاديث التي لم تذكرها بعد والتي تدّعي بأنها مخصصات لهذا العموم أدلة ظاهرة في منافاة عموم تعلق البصر بالموجودات لكي تصلح مخصصاً. فإذا كانت آيات ذكرت أن الله تعالى يرى كذا وكذا وكذا، وهذه الآية ذكرت أن الله تعالى يرى كل موجود. فعليك أولاً أن تذكر هذه الآيات والأحاديث أولاً. ثم تبين لي وجه منافاة هذه الآيات والأحاديث لكونه تعالى بصيراً بكل موجود لكي يصح لك التفكير في تخصيص هذا العموم. وأما إذا لم يكن ثمة منافاة أو تعارض ظاهر بين الأدلة فلي أن أقول إن تلك آيات خاصة تتعلق بمتعلق خاص كقوله تعالى (إنني معكما أسمع وأرى)، وهذه الآية أي قوله (بكل شيء بصير) عامة في جميع متعلّقات بصره تعالى.
ولقد استقريت الآيات التي ورد فيها ذكر البصير فوجدت مثلاً (والله بصير بما يعملون)، (والله بصير بالعباد)، (وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً، وبعض الآيات ذكرت أنه تعالى سميع بصير، وأنه خبير بصير، وقد وجدت أن معظم الآيات التي وردت في القرآن الكريم التي ذكر فيها البصير اقترنت بالأعمال، كقوله تعالى (بما تعملون بصيراً) و(بصير بما تعملون). ولم أجد هذه الظواهر التي تقول أنت إنها دليل على تعلق البصر ببعض الموجودات دون البعض الآخر، والتي تقصد بها دائماً كما هو ظاهر كلامك متعلقات بصرك أنت بهذه الكيفية أي المرئيات لنا الآن من الأضواء. فأجد أن العمل أعمّ من أن يكون مرئياً بواسطة الشعاع كما لا يخفى على عاقل، فهنالك أعمال للنفس، والله تعالى يقول إنه بصير بما نعمل. فيكون بصيراً بأعمال نفوسنا. فهل الأعمال القلبية عندك مرئية أو غير مرئية؟ وهل يبصرها الله تعالى أو لا يبصرها؟ وهل هي من المبصرات التي يتعلق بها البصر أو لا؟ إذا قلت إنها كذلك ثبت أن المبصَر أعمّ مما تدّعيه أنت، وإذا قلت لا فقد ناقضت آية أخرى تقول إن الله تعالى بصير بما نعمل.

قولك: (بل ينفعني من حيث أن قوله تعالى "إن الله على كل شيء قدير" خُصّص بمتعلقات القدرة، وكذلك "إنه بكل شيء بصير" ينبغي أن يخصص بمتعلقات البصر)

أقول: المخصص لقوله كلّ شيء في حال القدرة دليل عقليّ، وإجماع على استحالة تعلق القدرة بالواجب والمستحيل، فلا يبقى غير الممكن. فما الدليل على تخصيص البصر ببعض الموجودات دون البعض الآخر؟

قولك: (ليس كذلك، أنا لم أقل إن لله تعالى كلامين، بل هو نفس الصفة ولكن باعتبارين، فهي صفة ذاتية باعتبار أصلها، فعلية باعتبار آحادها)

أقول: بل أنت تثبت لله تعالى كلامين مختلفين في الحقيقة، ولست تثبت لله تعالى كلاماً واحداً وتنظر إليه باعتبارين. فأنت تقول: (الكلام صفة لله سبحانه باعتبارين: الأول: الصفة الذاتية القديمة غير الحادثة وغير المتعلقة بالمشيئة، هذه ليست حرفاً وصوتاً، والثاني: صفة فعل الكلام وهو صفة فعلية تحدُثُ في الله متى شاء سبحانه ويَصدر الحرفُ والصوتُ عند قيامها)
فحاصل هذا إثبات صفة ذاتية قديمة ليست بحرف وصوت، والثانية صفة فعلية تحدث متى شاء الله تعالى ويصدر عنها الحرف والصوت. ولا أدري ما معنى قولك عند قيامها. فعند قيامها في ذات الله أم خارج ذات الله تعالى.
وكما ترى أنت تثبت كلاماً قديماً وكلاماً آخر حادثاً. فكيف تقول إنك تثبت كلاماً واحداً باعتبارين؟!! فحقيقة القديم تنافي حقيقة الحادث فلا يكون هذان كلاماً واحداً بل كلامان. ثمّ لعمري كيف تثبت لله تعالى كلاماً قديماً ليس بحرف وصوت ثمّ تخالف الأشاعرة الذين يقولون بأن لله تعالى كلاماً قديماً ليس بحرف ولا صوت. أين كلّ هذه النقاشات التي خضتها معي وكلامك بأن الكلام لا يكون إلا حادثاً.... هل تنسى ما تكتب أم ما الذي يحصل معك. وإذا كنت تسلّم بأن لله تعالى كلاماً قديماً قائماً به ليس بحرف ولا صوت فهذا هو الذي نثبته لله تعالى ونسميه الكلام النفسيّ، فهل صرت تثبت الكلام النفسيّ لله تعالى، وتثبت معه أيضاً كلاماً حادثاً قائماً به؟! أم ما الذي تريد قوله بالضبط؟

قولك: (بما أنه ظهر خطؤك في اعتقاد قولي بأن لله كلامين، فأرجو إعادة التأمل في هذه الأسئلة واضعاً في اعتبارك أنه إن كان قصدك بالقديم: الأزلي، فالذي نعتقده هو أن "الله لم يزل متكلماً إذا شاء"، فالكلام الذي قاله الله في الأزل مسموع ورؤيته تعالى جائزة أيضاً)

أقول: أولاً أنت لم تظهر خطئي في فهم كلامك، بل حاصل كلامك هو إثبات كلامين للباري تعالى كما بينته لك. ثمّ أنت تقول بأنك لا تسمع إلا ما كان حرفاً وصوتاً، وأن الحرف والصوت حادثين، وأن الله تكلم أزلاً بالحرف والصوت، فكيف يصح في العقل أن يكون الحرف والصوت أزليين وفي نفس الوقت حادثين، يا هيثم؟!!
ثمّ أنت تقول إنك لا ترى إلا بهذه الكيفية التي ترى بها الآن ولا ترى إلا ما جاز رؤيته بهذه الكيفية. وأنا أقول لك إنه لا يجوز رؤية شيء بهذه الكيفية التي ترى بها الآن إلا أن يكون هذا المرئي جسماً، كما لا يجوز سماع شيء بهذه الكيفية التي نسمع بها الآن إلا أن يكون المسموع جسماً، وهذا ثابت عقلاً لكلّ إنسان عاقل، فإذا أصررتَ على أننا لا يمكن أن نرى إلا بهذه الكيفية ومع ذلك الله تعالى عندك يرى ويسمع فمعناه أنك تكيف ذات الله تعالى وصفاته.
ثم أنت تقول إن سمع الله تعالى وبصره لا يتعلقان إلا بما يتعلق به سمعك وبصرك، ولا يمكن أن يتعلق سمع الله تعالى وبصره إلا بما يمكن أن تسمعه بهذه الكيفية وتبصره بهذه الكيفية، فلذلك أنت تعلق سمعه تعالى وبصره ببعض الموجودات دون بعض وهي الأضواء والأصوات، فمن أين عرفت أن سمعه تعالى وبصره لا يتعلقان إلا بما يتعلق به سمعك وبصرك بهذه الكيفية؟ أليس هذا قياساً منك للخالق على المخلوق. وإثباتاً منك لكيفية يرى الله تعالى بها وكيفية يسمع الله تعالى بها هي في الحقيقة عين الكيفية التي تسمع بها أنت وتبصر بها أنت؟
ثمّ أنت تقول إنك ترى القديم بهذه الكيفية التي ترى الآن بها، لأنك تقول إنك لا يمكن أن ترى إلا بهذه الكيفية، وقد أثبتنا لك أنك لا يمكنك أن ترى بهذه الكيفية إلا ما كان جسماً، فهل تقول إن الله تعالى جسم؟!
إن هذا هو اللازم على قولك لا محالة. لأنك إما أن لا تحصر الرؤية في بعض الموجودات فحسب وهي تلك التي تراها أنت بهذه الكيفية، أو لا تحصرها، فإن حصرتها فيها لزمك أن الله تعالى جسم، وأنه يَرى بعين الكيفية التي ترى بها أنت.
وإما أن لا تحصرها بالمرئيات بهذه الكيفية، فيلزمك أن تجيز تعلق البصر بكل موجود، وهو قولنا. فهل تحصر مرئيات الله تعالى بالمرئيات لك بهذه الكيفية التي ترى بها أم لا؟ أي هل الموجودات التي لا يمكنك أن تراها الآن بهذه الكيفية التي ترى بها اليوم، يراها الله تعالى أو لا؟ ونفس الكلام يقال في صفة السمع؟

قولك: (المقصود بالجنس هو جنس كون الله سبحانه والكون من المسموعات، فإن قصدت بقولك "جنس واحد": جنس كونهما مسموعين مبصرين فصحيح، أما إن قصدت أن لهما نفس الماهية فلا يصحّ، فالله ليس كمثله شيء سبحانه)

أقول: سلمنا أن الله تعالى مسموع، وأن الكون مسموع، ولكنك تدّعي أنك لا يمكنك أن تسمع إلا ما كان من جنس مسموعاتك الآن وبهذه الكيفية، فإذا قلت إنك تسمع الله تعالى فيلزم على قولك إن ما تسمعه من الله تعالى يشبه الكون المخلوق. وكذلك الكلام في الرؤية، سلمنا أن الله تعالى مرئيّ والعالم مرئيّ، إلا أنّك تدّعي أنك لا يمكن أن ترى إلا ما كان من جنس مبصراتك الآن وبهذه الكيفية، فإذا قلت إن الله تعالى يرى، فيلزمك القول بأن الله تعالى يشبه الكون المخلوق. فليس صحيحاً أن الجنس الذي تدرج الخالق والمخلوق تحته في السمع هو كونهما مسموعين، ولا في الرؤية كونهما مرئيين، بل ثمّة وصف أخصّ من ذلك عند، وظاهر كلامك يدل على أن هذا الوصف هو الجسمية.

ثمّ أنت تقول إن ماهية الله وتعني بها حقيقته ليست كحقيقة الكون، بدليل قوله تعالى (ليس كمثله شيء)، حسناً وهذا قولي أنا أيضاً، فكيف تقول إنه تعالى لا يبصر إلا ما يمكن أن تبصره أنت بهذه الكيفية، ولا يسمع إلا ما يمكن أن تسمعه أنت بهذه الكيفية، وتقول إن له كلاماً حادثاً يصدر عنه، وأننا سنبصره تعالى في جهة ومقابلة، أليست هذه الأمور التي تثبتها للخالق تعالى تتنافى مع قولك إنه مخالف في حقيقته للعالم؟ إنك حين تثبت له الجهة والرؤية بالمقابلة فإنك تحكم عليه بالجسمية قطعاً، فكيف تقول إن حقيقته مخالفة لحقيقة العالم ومع ذلك فإننا سنراه بأعين رؤوسنا بهذه الكيفية في جهة ومقابلة؟ أليس هذا تناقضاً في كلامك؟

قولك: (حتى لو ثبت أنني واقع في التكييف فإنني لا أعرف كيف سيدلّ ذلك على تعلق سمع الله وبصره بكل موجود. لذلك فإنني أرجو حصر النقاش الآن في مناقشة دليلي النقلي وإتيانك أنت بدليلك النقلي)

أقول: أما الأدلة فها أنا سائر معك فيها وقد أتيتك بأدلة نقلية أخرى إذا كنت تلاحظ، وهي تعليق الله تعالى بصره بالأعمال التي هي أعمّ من أن تكون مرئية لك بهذه الكيفية. وأما قولك أنك لا تعرف كيف سيدل تكييفك لله تعالى على تعلق السمع بكل موجود. فلم ألزمك بأنك تكيف صفات الباري تعالى لأثبت لك بذلك أن سمعه وبصره يتعلقان بكل موجود، بل لأثبت لك بطلان قولك أنت، ببطلان لازمه وهو تكييف صفات الله تعالى وذاته، إلا كنت تقول إن تكييف ذاته وصفاته ليس بالأمر المنكر!!!!
فأنا قلت قولاً وهو أن سمع الله تعالى وبصره يتعلقان بكل موجود، وأنت عارضت هذا الكلام بقولك بل يتعلقّان ببعض الموجودات دون بعض لأن ما يتعلق به سمع الله تعالى وبصره هما عين ما كان من جنس مسموعاتك ومبصراتك أنت بهذه الكيفية المعهودة فيهما الآن، فألزمتك بناء عليه أنك تكيف الذات والصفات الإلهيّة إذا قلت بهذا القول، فإما أن تقول نعم هي متكيّفة، أو تقول لا ليست بمتكيّفة. فإذا قلت إنها ليست بمتكيّفة، فيكون ذلك اعترافاً منك ببطلان قولك لفساد لازمه، فيلزمك التسليم بقولي. وإذا قلت إنها متكّيفة فلماذا تنفي عن نفسك التشبيه والتجسيم، قل إنك مشبه ومجسم، وينتهي الكلام معك. لأنه عندئذ تكون قد أخرجت نفسك من أهل السنة والجماعة، لأن أهل السنة لا يكيفون ذات الباري ولا صفاته ولا يشبهون الله تعالى بخلقه.

قولك: (إن كنت تسمي ما جاءت نصوص الشريعة في وصفه بأنه يسمع ويُرى: جسماً، فالله سبحانه جسم)

أقول: الشريعة لم تقل بأن الله تعالى جسم، بل وصفت الله تعالى بأنه يسُمع ويَسمع، وأنه يُرى ويَرى، ولكنك أنت من يقول إنه لا يُرى ويُسمع إلا ما كان جسماً، هذا هو الظاهر من كلامك. وكذا فإنك تقول إن الله تعالى لا يسمع ولا يرى إلا الأجسام، وهذا هو الظاهر من كلامك. لأنك تحصر مسموعاتنا ومسموعات الله تعالى في الأجسام التي ترى بهذه الكيفية، وكذا تحصر مرئياتنا ومرئيات الله في المرئيات بهذه الكيفية. وهذا مساواة تامة بين متعلقات سمعه تعالى ومتعلقات سمعنا، وبين متعلقات بصره تعالى ومتعلقات بصرنا. وكلامك واضح في حصرك المرئي والمسموع في الجسم. فإذا كنت تقول إنه لا مرئي إلا الجسم، ولا مسموع إلا الجسم، فلم لا تقول ذلك بصراحة، ودون تطويل؟

قولك: (ومن آداب المناظرة عندي: "ثبت العرش ثم انقش"، بيّن السبر لي ثم طالبني بأن أًنفق وقتي في تحليله، أما أن ترمي بدعوى مجردة هكذا وتطلب مني إضاعة وقتي في إبطالها فغير مقبول)

أقول: السبر هو نوع استقراء، وها أنا سائر فيه، فأنا أتيتك بدليلين من القرآن يعلقان البصر بأعم مما تعلقه به، وهو الموجود. وأنت لا أنت تذكر الدليل الحقيقي الذي يتمّ به التخصيص، ولا تذكر مثالاً واحداً يبطل عموم تعلق السمع والبصر بجميع الموجودات. وهذان هما السبيلان الوحيدان لنقض كلامي، إما أن تذكر المخصص، وإما أن تأتي بمثال من مصاديق الموجود وتقول هذا الموجود لا يسمعه الله تعالى، وهذا الموجود لا يراه الله تعالى. وإلا فإنك ستبقى تدور في حلقة مفرغة. لأنني أثبت بدليل وأنت لم تبطل الدليل. فلماذا تبقى تكرر كلاماً لا قيمة له.

قولك: (حسناً يا أخ بلال، لكن أرجو أن تبدأ بالدليل النقلي لو سمحت، أو تصرح بعدم وجوده)

أقول: ما أتيتك به أدلة نقلية ظاهرة الدلالة على قولي. فلماذا تصر على أنني لم آت بالدليل.

قولك: (بلى، معناها تشبيه رؤية الله برؤية البدر في الجهة والمقابلة)

أقول: هذا إثبات منك بأن الله تعالى في جهة ومكان، ويرى باتصال شعاع يسقط عليه ويرتد عنه، لأن هذه هي فائدة المقابلة. وهذا يلزم منه أن الله تعالى عندك جسم تسقط عليه الأشعة وترتد عنه. فلماذا لا تريد التزام أن الله جسم عندك كما هو عند سيد مذهبك ابن تيمية.

قولك: (يكفي الدليل الجملي النقلي على أن سمع الله وبصره يتعلقان بكل موجود، فعجّل بالإتيان به إن كان عندك)

أقول: دليلي على البصر ما ذكرت. وأنت لم ترده، فيبقى لازماً لك أن تجيب عنه.

وأخيراً، أنا لا أسير بالنقاش إلى طريق مسدود، بل أراك أنت من يجيب بطريقة ستوصله إلى ذلك. فالتزم بآداب البحب والمناظرة لكي لا نصل إلى ذلك، وأبن عن أقوالك بصراحة، وإذا كنت لا تفهم سؤالاً معيناً أسألك إياه فاطلب مني أوضحه لك، أما أن تجيب بهذه الطريقة، فهذه ليست أجوبة. وأراك توارب في الجواب وتهرب منه بشكل واضح. إلا أن تكون جاهلاً بالجواب. فقل لي إنك لا تعرف الجواب، أو لا تستطيع أن تكمل المناقشة. أي أريد منك أن تذكر أسباباً معقولة تمنعك من الجواب بصراحة حين لا تجيب.

والله تعالى الموفق.

هيثم عبدالحميد حمدان
18-04-2004, 21:35
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله. أما بعد، فهذا ردّ على ما جاء في آخر مشاركة للأخ بلال:

قولك يا أخ بلال: "الشريعة لم تقل بأن الله تعالى جسم، بل وصفت الله تعالى بأنه يسُمع ويَسمع، وأنه يُرى ويَرى".
أقول: أحسنت بارك الله فيك، الشريعة لم تقل ذلك، وعلماء السلف لم ينطقوا بما يسمى مبدأ "الجسمية!"، ولم يذكره أحد من السلف الصالح، وأنا لم أقل إن الشريعة قالت ذلك. فالذي أراه هو ألا نتطرق إلى مفهوم الجسمية الدخيل على ديننا الحنيف أبداً، ونقتصر على ما جاء في النصوص.

قولك: "ولكنك أنت من يقول إنه لا يُرى ويُسمع إلا ما كان جسماً، هذا هو الظاهر من كلامك".
وأنا أقول: بل أنت من يقول إنه لا يسمع ولا يرى إلا ما كان يسمى "جسماً!"، بل وكل كلام عمّا يسمى "الجسمية!" فأنت من ينظّر له ويقحمه في النقاش.

قولك: "... ويرى باتصال شعاع يسقط عليه ويرتد عنه، لأن هذه هي فائدة المقابلة. وهذا يلزم منه أن الله تعالى عندك جسم تسقط عليه الأشعة وترتد عنه".
أقول: ها أنت بنفسك الآن تضع قوانين للأجسام وكيفية رؤيتها، ثم تسحبها على الله سبحانه وتلزمني بها، وأنا لا أريد التطرق إلا لما جاء في نصوص الشرع. فلندع هذه الأفكار التي ابتدعها فلاسفة اليونان ومن تأثر بهم، ولنلتزم بما جاء في القرآن والسنة وأقوال السلف.

قولك: "أما ظواهر الآيات فكل ما ذكرته من المسموعات والمبصرات فهو من الموجودات، وكذا الأحاديث، وكذا كلام المفسرين وشراح الحديث ... وهذه المبصرات والمسموعات هي موجودات، لا يجمعها جميعاً غير ذلك".
أقول: ها أنت تقر معي بأن المسموعات والمبصرات هي من الموجودات، يعني أنها ليست كلها، وأنت الآن تزعم أنه لا يجمعها جميعاً إلا كونها موجودات، وقد قلت من قبل أنه يجمعها كونها أجساماً، فهذا تناقض منك. ثم إن كونها يجمعها أنها موجودة لا يعني أنه يجوز لنا قياس بقية الموجودات عليها. فلا يصلح ما جئت به دليلاً على تعلق سمع الله وبصره بكل موجود. فهات غيره.

قولك: "أما التأمل في اللغة فلا يفضي بي إلى إنكار أن يسمع الموجود".
أقول: عدم إنكار سماع الموجود في اللغة لا يعني أن اللغة تجعل كل موجود مسموعاً، فهات الدليل اللغوي على أن كل موجود فهو مسموع، أو الدليل اللغوي على سماع شيء بعينه ليس من جنس ما نسمعه ونبصره.

قولك: "مثلاً (والله بصير بما يعملون)، (والله بصير بالعباد)، (وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً، وبعض الآيات ذكرت أنه تعالى سميع بصير، وأنه خبير بصير، وقد وجدت أن معظم الآيات التي وردت في القرآن الكريم التي ذكر فيها البصير اقترنت بالأعمال، كقوله تعالى (بما تعملون بصيراً) و(بصير بما تعملون). ولم أجد هذه الظواهر التي تقول أنت إنها دليل على تعلق البصر ببعض الموجودات دون البعض الآخر ... فهل الأعمال القلبية عندك مرئية أو غير مرئية؟ وهل يبصرها الله تعالى أو لا يبصرها؟ وهل هي من المبصرات التي يتعلق بها البصر أو لا؟ إذا قلت إنها كذلك ثبت أن المبصَر أعمّ مما تدّعيه أنت، وإذا قلت لا فقد ناقضت آية أخرى تقول إن الله تعالى بصير بما نعمل".
أقول: أولاً: هذه الآيات تتكلم عن البصيرة لا عن البصر. ثانياً: من أين لك أن هذه الآيات قصرت المتعلقات على الموجودات فحسب، هل الأعمال القلبية كلها موجودة في نظرك؟ أليست الأبوة والبنوة التي زعمت أنهما ليستا موجودتين داخلة في أمور العباد التي ذكرت الآيات أن الله بها بصير؟ ثالثاً: أراك تغطرش عن صفة السمع، ووصف الله نفسه بأنه (سميع) لا يفيدك في أنه يسمع كل موجود. رابعاً: كونك لم تجد الآيات تعلق السمع والبصر ببعض الموجود لا يعني أنها تتعلق بكل موجود. فلا يصلح ما جئب به دليلاً على تعلق سمع الله وبصره بكل موجود. فهات غيره.

قولك: " يجب أن تكون الآيات والأحاديث التي لم تذكرها بعد والتي تدّعي بأنها مخصصات لهذا العموم أدلة ظاهرة في منافاة عموم تعلق البصر بالموجودات لكي تصلح مخصصاً".
أقول: أنت لم تأت بعموم أصلاً لكي أخصصه، وقد أقررت بأن الآيات والأحاديث علقت السمع بالمسموعات والبصر بالمبصرات، وهي من الموجودات، وليست كلها، فليس هذا عموماً، فلا تطالبني بتخصيصه، وأطالبك أنك بإثبات العموم.

بالنسبة لكلامك حول صفة كلامه سبحانه وتعالى
فأرى أن نرجئ الكلام عنها إلى أن ننتهي من مناقشة صفتي السمع والبصر.

وبالنسبة لكلامك حول التكييف والتشبيه والتجسيم.
فأنا أتهمك يا أخ بلال بأنك تقع في "كارثة" التشبيه المحظور، لأنك تستعمل القياس بين الله وخلقه، القياس الشمولي والتمثيلي. أما الشمولي: فهو أنك تضع الله سبحانه وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها. فتقول: لا يُرى في جهة إلا ما كان جسماً، فمن زعم أن الله يُرى في جهة فقد قال إن الله جسم، فقد وضعت الله وغيره كعناصر متساوية تحت هذه القاعدة الكلية.
وأما قياس التمثيل: فهو أنك تجعل الله سبحانه والمقيس عليه مستويان، مثل أنك تقول: المرئيات في جهة هي أجسام، وظاهر النصوص أن الله يرى كالبدر، والبدر في جهة، فلا بد من صرف النص عن ظاهره.
فإن اتهمتنا بالتشبيه لأننا نجعل الله مسموعاً مبصراً كما أن غيره مسموع مبصر، قلنا: ظاهر النصوص يقول إنه سبحانه مسموع مبصر، ونحن لا نعرف مسموعاً مبصراً إلا ما نسمعه ونبصره، ولزوم الظاهر واجب إلا لصارف، ولا نعرف صارفاً، وما جئت به لا ينفع صارفاً لأنه مبني على التشبيه المحظور.

فالملخص الآن يا أخ بلال هو:
1) بانتظار دليلك النقلي العام في تعلق سمع الله وبصره بكل موجود، إن وجد.
2) بانتظار دليلك النقلي الخاص في أن سمع الله وبصره يتعلقان بموجود معين ليس هو من جنس المسموع المبصر عندنا.
3) بانتظار مناقشتك لدليلي النقلي.
4) أنت متهم بالتشبيه المذموم لأنك تستعمل القياسين التمثيلي والشمولي بين الله سبحانه وخلقه. فما ردّك؟

بلال النجار
19-04-2004, 11:21
بسم الله الرحمن الرحيم

يا هيثم،

إذا كنت تفهم الكلام الذي كتبته أنا وتقول كلامك الأخير هذا فأنت تكذب علي جهاراً نهاراً أمام عشرات القراء الذين يتابعوننا، وتحيد عن الجواب ولا يظهر أنك تريد الحق، بل تريد تلاعب في أمر ديني في غاية الأهميّة. وبيان ذلك ما يلي:

أما كذبك عليّ:

فأولاً: أنت تدّعي بأني أقول بأن الله لا يرى ولا يسمع إلا ما كان جسماً، وهو كذب عليّ، فأرني أين قلت أنا ذلك؟ بل هذا الكلام هو اللازم على كلامك أنت لا أنا كما هو ظاهر لكل عاقل.

وثانياً: أنت تدّعي بأنني أسحب قوانين الأجسام وكيفياتها على الله تعالى، وهذا كذب عليّ، فأرني أين قلت أنا ذلك؟ بل هذا الكلام هو اللازم على كلامك أنت لا أنا كما هو ظاهر لكلّ عاقل.

وثالثاً: أنت تدّعي أنني أقول بأن الجامع لما يرى ويسمع هو كونها أجساماً، وهذا كذب عليّ، فأرني أين قلت أنا ذلك؟ بل هذا هو اللازم على كلامك أنت لا أنا، كما هو ظاهر لكل عاقل.

ورابعاً: أنت تدّعي بأني اتهمتك بالتشبيه لأنك تجعل الله تعالى مسموعاً ومبصراً، وهذا كذب عليّ، فأرني أين اتهمتك بالتشبيه لمجرّد أنك تعتبر الله تعالى مسموعاً ومبصراً؟ بل أنا اتهمتك بالتشبيه لأنك تقول إن الله لا يرى ولا يسمع إلا ما نراه نحن بهذه الكيفية، ولا يُرى ولا يُسمع إلا إذا كان من جنس الأشياء التي نسمعها ونبصرها بهذه الكيفية. ولأنك تقول إن الله يرى في جهة ومقابلة. ولأنك تثبت لله تعالى كلاماً حادثاً من حرف وصوت.

وخامساً: أنت تتهمني بأني مشبه لأنني أقيس الله تعالى على خلقه، وهو مما تضحك منه الثكالى، لأنه كذب ظاهر عليّ، وما جئت به للاستدلال على ذلك مجرّد مهاترات لا تسأهل مني الرد عليها. وتركيبك الدليل لإلزامي يظهر شدّة جهلك أو شدّة تخويثك ومحاولة تلبيسك على الناس. وهذا مما لا يمر عليّ يا فالح، أم أنك نسيت نقاشاتنا السابقة؟

وأما مواربتك وحيدتك عن الجواب والمناظرة بالحق فيتضح ظاهراً بما يلي:

أولاً: أنك أنت من يقول بأنه لا يمكن أن يُرى شيء إلا أن يكون من جنس ما نرى نحن البشر بهذه الكيفية، وكلّ مرئيّ عندك فهو على هذه الصفة، فيلزمك قطعاً أن تجعل الله من جنس الحوادث. ثمّ أنت لا تريد التزام ذلك وهو لازمك.

ثانياً: أنك أنت من يقول إنه لا يمكن أن يسمع شيء إلا أن يكون من جنس ما نسمعه نحن البشر بهذه الكيفية، وكلّ مسموع فهذه صفته، فيلزمك قطعاً أن تجعل كلام الله من جنس الحوادث.

ثالثاً: أنت متهم باعتقاد تعدد صفة كلام الله تعالى، لأنك تثبت لله تعالى كلامين: واحد قديم والآخر حادث. الأول عندك ليس بحرف وصوت، والثاني بحرف وصوت. الأوّل غير مسموع، والثاني مسموع. وسألتك أين يقوم الكلام الحادث فلم تجب؟ فيكون في توحيدك لصفات الله تعالى شكّ، وتكون متّهماً بتشبيه كلام الله تعالى بكلام خلقه.

رابعاً: أنت تمتنع عن الإتيان بمثال على موجود لا يسمعه الله تعالى، ومثال على موجود لا يراه الله تعالى، مع أنك تمنع قضيتي: كلّ موجود فهو مبصر ومسموع. وأنت ما تزال مطالباً لنقض هذه القضية بهذين المثالين وإلا فأنت لم تنقضهما، ولا تستطيع ذلك، فتكون قضيتي ثابتة. وما زلت تكابر وتقول بأن الإتيان بمثال لنقضها لا يلزمك.

خامساً: أنت تمتنع من التسليم بأن قوله تعالى: (بكل شيء بصير) دليل يعمّ كلّ موجود، مع كلّ ما بيّنته لك من دلالته على ذلك. وتدّعي أن عندك نصوص أخرى تخصصه، ولم تأتني بنص واحد أو دليل عقليّ يخصصه. فيلزمك أنك تكابر في دليل من القرآن دون بينة. وأنك ترد قول الله تعالى عن هوى في نفسك.

سادساً: أنت تمتنع من التزام أن الله تعالى بصير بأعمال العباد القلبيّة، وهذه الأعمال القلبية كما بيّنت لك ليست من المبصرات عندك قطعاً، فيقوم هذا دليل معارضة لقولك إن بصر الله يتعلّق فقط بما يتعلق به بصرك من الموجودات، لأن هذه الأعمال القلبية ليست مما يتعلّق به بصرك بهذه الكيفية، ومع ذلك يتعلق بها بصر الله تعالى بنص الكتاب. وقولك بأن قوله تعالى (بصير) في هذا المحلّ بمعنى البصيرة فهو عدول عن الظاهر إلى معنى آخر، فما الدليل الصارف للبصير ههنا أن تكون بمعنى المتصف بصفة البصر؟ وإذا لم تأت بالدليل فقد انتقض قولك إن الله تعالى لا يرى أعمال قلوبنا لأنها ليست من متعلقات بصره. فانقض حصرك للمبصرات ببعض الموجودات التي هي عندك ما نبصره نحن بهذه الكيفية.

سابعاً: أنت تصرّح بأن الله يرى في جهة، وبمقابلة. فلماذا تشترط هذين الشرطين إن لم تكن تعتقد بأن الله تعالى جسم يسقط عليه الشعاع فيرتد عنه فيبصر؟ والحديث حين يشبه الرؤية بالرؤية فإنه يحدد وجه الشبه في أننا لا نضام في رؤيته. وأنت تتجاوز ذلك لأنه مركّب فيك عقليّة المجسّم المشبّه، ولأنك تعمل خيالك في هذه المحسوسات فقط دون عقلك حين تتكلم في الأمور الإلهيّة، مشياً مع أصول ابن تيمية، فلا يمكنك أن تتصور إلا أن ترى الله بهذه الكيفية التي ترى بها الأجسام، ولا يمكنك أن تسمعه إلا أن يكون له صوت يصدر عنه فيقرع طبلة أذنك، وهذا هو عين التشبيه الذي ترميني به وأنا منه براء، وهو لازمك على أقوالك هذه بما يمكنك الانفكاك عنه، بأسلوبك المتلاعب هذا في الكلام.
وهذا غيض من فيض في بيان طريقتك المتلاعبة في النقاش، وقد عدلت عن الرد التفصيليّ لأنه أبعث لك على المواربة، ولأن زيادة الكلام وتنقيصه معك واحدة، لأنك رجل لا يريد الحقّ. وليس أدلّ على ذلك من كلامك الكثير حول صفة كلام الله تعالى ونقدك الأشاعرة لقولهم بالكلام النفسيّ القديم الذي ليس بحرف ولا صوت، ثمّ إثباتك له في معرض حديثك مع الشيخ سعيد، مما يدلّ على أنك مضطرب العقل، غير متوازن العاطفة، أو أنّك إنسان موارب تنفي الشيء حين يتعارض مع عقيدتك، ثمّ تثبته لضروريات النقاش، ثمّ تنفيه مرّة أخرى إذا لزم الأمر. فكيف يكون الكلام ذا ثمرة مع شخص هذه أخلاقه. ثم أنت تعلم علم اليقين بأنني أنزّه الله تعالى، ولا أصفه بوصف يتّصف به البشر، ولا أصف البشر بوصف اتصف به الإله، ومع ذلك أنت تفتري عليّ وترميني بالتشبيه وتلزمني بما لا يلزمني وتكذب عليّ وأنا ما زلت حيّاً أقرأك وأتابعك، وكلامي وكلامك كلاهما مثبتان في المنتدى.
فسبحان الله في أمرك.

هيثم عبدالحميد حمدان
19-04-2004, 17:49
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد، فهذا ردّ على ما جاء في مشاركة الأخ بلال الأخيرة، مع ملاحظة ما يلي:

* سيقتصر ردّي على ما جاء في النقطتين خامساً وسادساً من القسم الثاني من كلامك لأنهما يتعلقان بموضوع المرحلة الحالية من الحوار وهي: مناقشة أدلتك وأدلتي النقلية. وأعلمك بأنني لم أقرأ القسم الأول من مشاركتك بتمعن سوى الكلمتين الأولى والثانية من كل نقطة، مع الشكر الجزيل على عدلك عن طريقة الرد التفصيلي وكثرة الكلام بما لا فائدة منه.

قولك يا أخ بلال: "أنت تمتنع من التسليم بأن قوله تعالى: (بكل شيء بصير) دليل يعمّ كلّ موجود".
أقول: أولاً: وأنت تمتنع من التسليم بأن قوله (تعالى): (بكل شيء بصير) دليل يعم كل شيء؛ الموجود وغيره. ثانياً: لم تأت بالدليل على أن المقصود هنا البصر دون البصيرة. ثالثاً: المخصّص عندي هو ظواهر النصوص الكثيرة وأقوال العلماء في تعليق السمع بالمسموعات والبصر بالمبصرات، وأننا لا نعرف مسموعاً مبصراً سوى ما نسمعه ونبصره، وأن اللغة العربية لم تأت بشيء من ذلك.

قولك: "أنت تمتنع من التزام أن الله تعالى بصير بأعمال العباد القلبيّة".
أقول: من أين فهمت هذا الامتناع؟ أرجو أن تحاول فهم كلامي والسؤال عما أشكل عليك، بدلاً من الكذب والافتراء علي. وعموماً فأنا ملتزم بأن الله بصير بأعمال العباد كلها؛ القلبية وغيرها.

قولك: "وهذه الأعمال القلبية كما بيّنت لك ليست من المبصرات عندك".
أقول: وأنت لم تقرر ما إذا كانت موجودة عندك لكي يصحّ لك الاستدلال بها، ومطالبتي لك بتقرير صحة استدلالك بالدليل أمر طبيعي ينبغي ألا يغضبك إلى هذه الدرجة.

قولك: "وقولك بأن قوله تعالى (بصير) في هذا المحلّ بمعنى البصيرة فهو عدول عن الظاهر إلى معنى آخر".
أقول: كلامك هذا ينمّ عن جهل فاضح، فإن حمل الآية على "البصيرة" ليس عدولاً عن ظاهر النص، ومن زعم ذلك طالبناه بالدليل. ثم ما لي أراك تصرّ على الحيدة عن مناقشة صفة السمع؟

قولك: "... انتقض قولك إن الله تعالى لا يرى أعمال قلوبنا".
أقول: أين قلت أنا: إن الله لا يرى أعمال القلوب؟ أرجو أن تحاول فهم كلامي والسؤال عما أشكل عليك، بدلاً من الكذب والافتراء علي، وعموماً فأنا أقرّ بأن الله سبحانه بصير بأعمال القلوب، أما رؤيته سبحانه لأعمال القلوب فأنت من يزعمها، فهات دليلك.

ملاحظات:
* لم تتطرق لدليلي النقلي على تعلق البصر بالمبصرات والسمع بالمسموعات، وهو: أن كل ما جاء في ظاهر آيات القرآن وأحاديث السنة وأقوال المفسرين إنما علق سمع الله بالمسموعات وبصره بالمبصرات، ولا نعرف مسموعاً ومبصراً سوى ما نسمعه ونبصره وما هو من جنسه، وأنا واقف حيث وقفوا.
* لم تأت بدليل نقلي صريح بتعلق سمع الله وبصره بكل موجود، أو بموجود ليس مسموعاً أو مبصراً.
* لم تأت بالدليل اللغوي على تعليق السمع والبصر بكل موجود، أو بموجود ليس مسموعاً أو مبصراً.
* لا زالت تهمة التشبيه راكبة لك، لأنك تستعمل القياسين التمثيلي والشمولي فيما يتعلق بالله ومخلوقاته. وهذا قول علمائنا فيكم وهو حق بلا شك، فليست المسألة شخصية بيني وبينك لكي تقول لي: "ثم أنت تعلم علم اليقين بأنني أنزّه الله تعالى".

والذي أراه يا أخ بلال هو أن تقوم بعرض أدلتك واحداً واحداً، نناقشه ثم ننتقل للذي يليه. فنحن متفقان على تعلق سمع الله بالمسموعات وبصره بالمبصرات، وأنت تقول بتعلقهما بقدر زائد على ذلك وهو بقية الموجودات، فنطالبك بالدليل على إثبات هذا القدر الزائد.

سعيد فودة
20-04-2004, 02:10
هيثم حمدان،

أولا: لقد سألتك عدة أسئلة منذ ثلاثة أيام، وألزمتك بعدة إلزامات، ولم تجب على أي واحد منها، وليس من حقك أن تتفلت من الجواب ما يحلو لك ثم تعود إلينا بعد وقت طويل، خاصة أنك متواجد على الانترنت ولا يحول بينك وبين الجواب حائل.
وأنت لم تعتذر مني ولم تطلب مهلة، فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
ثانيا: ما دامت هذه هي الحالة ، فإنك إذا لم تجب عن ما ألزمتك به، فسوف أعتبر هذا التزاما منك بما قلته لك.

ثالثا: كيف تدعي أن الكلام بينك وبين بلال محصور في السمع دون البصر، وأصل العنوان يدل على الكلام فيهما معا، وأصل النزاع فيهما واحد كما هو معلوم وإنكار ذلك تهافت كما لا يخفى على إلا متلاعب.

رابعا: كيف تنكر أن التشبيه هو نسبة ما هو من جنس صفات المخلوقات لله تعالى، وأنت تصرح بهذا، فكيف تدعي أن من ينفي نسبة ما هو من جنس وجود وحقيقة صفات المخلوقات عن الله تعالى يكون مشبها. أليس في هذا الادعاء سفسطة مبالغ فيها.

ثالثا: إني أراك يا هيثم تراوغ وتتفلت، فأنت في مناقشتك مع بلال، تُظهِرُ الأمر وكأن النقاش بينكما على أن الله هل يسمع المسموعات، ويبصر المبصرات أم لا، والحقيقة أن استعمال هذا اللفظ محل اتفاق بين المسلمين، ولا يحق لأحد مطلقا أن يدعي تفرد بالقول به.
ولكن المسألة هي في فهم هذه المسموعات، وهذا هو محل الخلاف.
فأنت تقول إن المسموعات إنما هو الصوت والحرف، كما صرحت بهذا في كلامك.
وبلال يقول إن المسموعات هو الموجودات، أو مطلق الكلام بمعنى ما يدل على إرادة المريد وأمره ونهيه. وهو المعنى الأعم للكلام.
وتمسكك بأن الله يسمع (المسموعات)وأن الله يبصر (المبصرات)لا يفيدك هنا. فلا أحد يخالفك في هذا المحل.

والتمسك بهذا لا يفيد لأن الاختلاف إنما هو في معناه ومصداقه ما هو.
فأرجو أن تلتزم بمحل النقاش.
وإذا بقي الأمر معك هكذا أي إذا ظللت تستعمل هذا الأسلوب فسوف أعتبرك مراوغا متلاعبا خاصة في أمر كهذا من العقائد الذي لا يليق به هذا النحو من الكلام.
فأطلب منك بصفتي مشرفا على هذا الموقع، ومسئولا عن مجريات النقاش الالتزام بآداب البحث، وأهمها عدم التحايل في استعمال الألفاظ وعدم التلاعب بها، والتوجه إلى محل الخلاف مباشرة.

وأنا لا أفضل أن أستخدم هذا الأسلوب مع أنه صحيح هنا، لأنني كنت أحب أن يتم الالتزام من نفس المتحاورين بدون تدخل. ولكن الحاجة استدعت هذا.

بلال النجار
20-04-2004, 11:40
بسم الله الرحمن الرحيم

أولاً: ليس من حقك أن تقصر ردك على خامساً وسادساً دون باقي النقاط، وكان الأدب والواجب عليك أن تقرأ كلّ كلامي وتجيب عنه، لأنك كذبت عليّ في أمر دينيّ، فيلزمك إما أن تثبت ذلك من أقوالي، أو تعتذر عن نسبة هذه الأقوال لي بلا وجه حق وأن تتعهّد بأن لا تكرر ذلك. فلك سوابق في الافتراء عليّ كما وقع في نقاشنا عن العادة، ولك سوابق في الافتراء على الأشاعرة، وإذا كنت لا تذكر ذكّرتك.
وإن لم تجب عن أسئلتي في القسم الأول من مشاركتي الخاص بكذبك عليّ في أقوال لم أقلها، فسأعتبر أنا وجميع القراء الذين يتابعون هذا النقاش أن ذلك اعتراف ضمنيّ منك بكذبك وتلاعبك وتقويلك لي ما لم أقل.

ثانياً: قولك: (أولاً: وأنت تمتنع من التسليم بأن قوله (تعالى): (بكل شيء بصير) دليل يعم كل شيء؛ الموجود وغيره)
أقول: راجع كلامي تجدني قلت لك ليكن قوله تعالى (بكل شيء بصير) أنه يبصر كلّ موجود ومعدوم، ولكنّا متّفقان على أن المعدوم لا يرى، فخرج قسم المعدوم. وبقي الموجود. ثمّ أنت بعد ذلك تدّعي أن الآية مخصوصة بدليل آخر، يخرج بعض الموجودات ويبقي بعضها، فعليك أن تذكر هذا الدليل وتبيّنه.

ثالثاً: قولك: (ثانياً: لم تأت بالدليل على أن المقصود هنا البصر دون البصيرة)
أقول: أنا متمسّك بظاهر الآية القائلة إن الله تعالى بصير، والظاهر من البصير المتّصف بصفة البصر مع المبالغة في اتصافه بهذه الصفة، فإذا كان جوابك أن البصير ههنا من البصيرة، أي أن المقصود ههنا أنه عليم لا بصير، فعليك أنت أن تأتي بالدليل الموجب للعدول عن هذا الظاهر، وليس أنا من عليّ أن يأتي بالدليل على امتناع كون المعنيّ ههنا هو العليم. فطلبك هذا قلب للمقام. وهو غلط منك. فيجب عليك أن تلتزم وتأتي بالدليل الصارف عن هذا الظاهر، وإلا فعليك التسليم بالمعنى الظاهر من الآية.

رابعاً: قولك: (ثالثاً: المخصّص عندي هو ظواهر النصوص الكثيرة وأقوال العلماء في تعليق السمع بالمسموعات والبصر بالمبصرات، وأننا لا نعرف مسموعاً مبصراً سوى ما نسمعه ونبصره، وأن اللغة العربية لم تأت بشيء من ذلك)
أقول: هذا الكلام ليس جواباً عن سؤالي، وهو مجرّد تلاعب بالألفاظ وحيدة عن الجواب. فعليك أن تذكر لي هذه النصوص التي تدّعي أن ظاهرها أن الله يبصر بعض الموجودات دون بعض؟ وتبيّن لي كيف يعارض ظاهرها الظاهر من قوله تعالى (إنه بكل شيء بصير) بما يوجب علينا البحث في التخصيص. وبدون ذلك فكأنك تقول أنا عندي الدليل على قولي وهو أقوال العلماء ونصوص الحديث والقرآن. ثمّ لا تأتي لا بأقوال العلماء ولا بنصوص الحديث ولا القرآن. فماذا استفدنا منك. ثمّ كلام العلماء إن لم يكونوا مجمعين على التخصيص فلا يصلح مخصّصاً. ولا أنصح لك أن تتمسّك به لأنه لن ينفعك.

خامساً: وأما قولك (بأننا لا نعرف مسموعاً ومبصراً غير ما نسمعه ونبصره)، فيلزمك أن غير ما نسمعه ونبصره الآن بهذه الكيفية فلا يسمعه الله تعالى ولا يبصره. فيجب عليك أن تصرّح بذلك وأن تلتزم بلوازمه الشنيعة التي تلزمك.

سادساً: وأما قولك العلماء يعلّقون السمع بالمسموعات والبصر بالمبصرات، فكفّ عن هذه المهاترات، ولا تتلاعب بالألفاظ، لأن هذا محلّ اتفاق. وإنما بحثنا في أن هذه المسموعات هل هي جميع الموجودات أم بعضها؟ وكذا هل المسموعات هي جميع الموجودات أم بعضها؟ وتمسّكك به حيدة عن الجواب وتهرّب من الالتزام بآداب البحث.

سابعاً: قولك: (من أين فهمت هذا الامتناع؟ أرجو أن تحاول فهم كلامي والسؤال عما أشكل عليك، بدلاً من الكذب والافتراء علي. وعموماً فأنا ملتزم بأن الله بصير بأعمال العباد كلها؛ القلبية وغيرها)
أقول: أنا لا أكذب عليك ولا أفتري يا هيثم، انظر نفسك كيف استنكرت عليّ في جوابك حين استدللت أنا بهذه الآيات التي تفيد تعلّق البصر بالأعمال القلبية. فظاهر كلامك كان المعارضة. وعلى أي حال دعنا من هذا، أنت الآن تسلّم بأن بصر الله تعالى يتعلّق بجميع الأعمال بما في ذلك الأعمال القلبيّة. فهل النوايا التي تقوم في قلوب العباد مرئيّة لله تعالى أم لا؟ إذا كانت مرئيّة فكيف تقول إن بصره تعالى لا يتعلّق إلا بما تبصره أنت بهذه الكيفية، مع أنك بهذه الكيفية التي تبصر بها لا يمكنك أن تبصر النوايا؟
وإذا قلت إن النوايا التي تقوم في القلوب لا يراها الله تعالى، فكيف وافقت على تعلّق بصره تعالى بأعمال القلوب مطلقاً والتي منها النوايا؟ أجب عن ذلك إجابة واضحة ولا تحد في هذا الموضع.

ثامناً: قولك: (وأنت لم تقرر ما إذا كانت موجودة عندك لكي يصحّ لك الاستدلال بها، ومطالبتي لك بتقرير صحة استدلالك بالدليل أمر)
أقول: اعلم أني أتيتك بقول الله تعالى الدال على أنه يبصر جميع أعمال العباد، وكان مفهوماً ضمناً أنني أستدلّ بهذه الآية على أنه تعالى يبصر النوايا وغيرها من أعمال القلوب، فكلّ عمل يكسبه العبد سواء كان عملاً ظاهراً أو باطناً فهو موجود، ويتعلّق بصر الله تعالى به، والدليل على ذلك ظاهر الآيات التي ذكرتها لك. ولكن الأصل على ما اخترته أنت من أنه لا يتعلق بصره تعالى بهذه الأعمال القلبية لأنها ليست مرئية عندك بهذه الكيفية. وههنا أنت تتناقض حين تقول إن بصر الله تعالى يتعلق بها.

تاسعاً: قولك: (كلامك هذا ينمّ عن جهل فاضح، فإن حمل الآية على "البصيرة" ليس عدولاً عن ظاهر النص، ومن زعم ذلك طالبناه بالدليل. ثم ما لي أراك تصرّ على الحيدة عن مناقشة صفة السمع؟)
أقول: أنا لا أتهرّب من الكلام في صفة السمع يا بني آدم، لقد كثر الكلام بيننا وتفرّع، والكلام في أيّ دليل جديد قبل حسم ما بدأناه سيزيد الأمور تعقيداً. فافهم. وبحثنا في تعلّقات السمع والبصر معاً، وأنت لم تحسم الخلاف في أي من الأدلّة التي استدللت بها أنا حتّى الآن على أقوالي، فاحسمها ثمّ نأتيك بجديد، وقبل ذلك لا تحلم.

وأما قولك إنني جاهل جهلاً فاضحاً لأنني أقول إن صرف البصير إلى معنى البصيرة عدول عن الظاهر، فهو من العجب العجاب. لأن نصّ الآية (بصير) وأنا أتمسّك بما أفهمه من البصير. وهو المتّصف بصفة البصر على المبالغة، وأنت تنكر هذا المعنى. فلماذا تنكره وتقول إنه لا يجوز؟

ثمّ سلّمنا أن البصير معناها المتّصف بالبصر والمتّصف بالبصيرة أي العلم، وأجزنا المعنيين ولم ننكرهما، فلماذا تنكر أنت معنى ظاهراً من معاني الآية وهو معنى البصير أيّ المتّصف بصفة البصر؟ أليس هذا عدولاً منك عن ظاهر الآية، وتقييداً لمعنى الآية بلا دليل؟

وحاصل الكلام هل يجوز أن يكون معنى البصير هو المتّصف بصفة البصر أو لا؟
إذا أجزت ذلك، فلماذا تنكر إفادة الآية لهذا المعنى وتتمسّك بمعنى البصيرة؟
أي ما هو الدليل الذي به استثنيت معنى محتملاً من معاني الآية؟

عاشراً: قولك: (فنحن متفقان على تعلق سمع الله بالمسموعات وبصره بالمبصرات، وأنت تقول بتعلقهما بقدر زائد على ذلك وهو بقية الموجودات، فنطالبك بالدليل على إثبات هذا القدر الزائد)
أقول: نعم نحن متّفقان على تعلّق سمع الله تعالى بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، ولكنني يا ناصح لا أقول بتعلّقهما بقدر زائد على ذلك. بل أشرح المبصرات والمسموعات بأنها جميع الموجودات. وأنت شرحت المسموعات بأنها بعض الموجودات وهي التي يمكنك أنت أن تسمعها بهذه الكيفية التي تسمع بها الآن. وشرحت المبصرات بأنها بعض الموجودات وهي التي يمكنك أن تبصرها أنت بهذه الكيفية الآن.

فيلزمك لزموماً ظاهراً للعيان ما يلي:
1- أن الله تعالى لا يبصر أعمال القلوب.
2- أن الله تعالى لا يبصر إلا ما تبصره أنت بهذه الكيفية تالتي بصر بها أنت أي أنه لا يبصر إلا الأجسام المادية.
3- أن الله تعالى لا يسمع إلا ما كان حرفاً وصوتاً.
4- وبما أنك تقول إن الله مرئيّ وتقول إنه لا يمكنك الرؤية إلا بهذه الكيفية، فيلزمك أن الله تعالى عندك جسم. لأن ما يرى بالكيفية التي تتكلّم عنها ليس إلا الاجسام، لا بل الأضواء المنعكسة عنها.
5- وبما أنك تقول إن كلام الله مسموع، وأنه لا يمكنك أن تسمع إلا بهذه الكيفية، فيلزمك أن كلام الله تعالى أصوات وحروف وأبعاض جسمانية لله تعالى، لأنك تقول إن كلامه صفته، ولأن ما يسمع بهذه الكيفية ليس إلا الأجسام.
6- ويلزمك من ذلك لزوماً لا انفكاك عنه أنك تكيف ذات الله تعالى وصفة كلامه. وأنك تقيس سمع الله تعالى على سمعك، وبصره على بصرك، وأنك تجعل تجعله مركّباً متبعّضاً، وأنك تقيس تقيس ذاته على العالم المخلوق الحادث، وصفاته على صفات العالم المخلوق الحادث.
7- وبناء على ما مضى وما بيّنته حتّى الآن في المشاركات السابقة وفي هذه المشاركة، فالتجسيم والتشبيه راكبان لك من رأسك إلى أساسك.
8- كما يلزمك بحسب آداب البحث أن تأتي بالدليل المخصص لقوله تعالى (إنه بكل شيء بصير) بحيث يخرج منها بعض الموجودات، وإلا فقد ثبت بهذه الآية أنه يبصر كلّ موجود. كما يلزمك أن تأتي بمثالين من الموجودات لا يتعلّق السمع بأحدهما، ولا يتعلّق البصر بالآخر. وإلا فعليك التصريح بأنه ليس ثمّة موجود لا يبصره الله تعالى، ولا موجود لا يسمعه الله تعالى، فينتقض كلامك، وتثبت قضيّتي.
9- وكذلك فقد ألزمتك بأنك تثبت لله تعالى كلامين، فيلزمك أنك تعتقد بتعدد صفة الكلام. وأنت تحيد عن الإجابة.
فإن لم تأت بما هو المطلوب منك، فأنت ما تزال تراوغ، ولا تريد الحقّ. ولجمهور القرّاء عقل ورويّة، ويمكنهم أن يشاركونا في الحكم على كلامك المتلاعب تلاعباً ظاهراً، والذي لا يظهر منه أنك تريد الالتزام.
والحمد لله ربّ العالمين.

هيثم عبدالحميد حمدان
20-04-2004, 15:53
الأخ سعيد فودة،

أولاً: من حقك عليّ أن أعتذر لك عن التأخر في الرد على مشاركتك الأخيرة، وعن عدم طلب مهلة في الرد، وكلما دخلتُ المنتدى شغلت بالرد على الأخ بلال. فأعتذر وأطلب منك الآن إعطائي مهلة للرد.

ثانياً: أين زعمتُ أنا أن النقاش بيني وبين بلال محصور في السمع دون البصر؟ بل العكس هو الصحيح، والذي قلتُهُ هو إن الأخ بلال يركّز في حديثه عن صفة البصر ويتجنب الكلام عن صفة السمع. فليس هناك تلاعب.

ثالثاً: قولك: "ولكن المسألة هي في فهم هذه المسموعات، وهذا هو محل الخلاف. فأنت تقول إن المسموعات إنما هو الصوت والحرف، كما صرحت بهذا في كلامك. وبلال يقول إن المسموعات هو الموجودات، أو مطلق الكلام بمعنى ما يدل على إرادة المريد وأمره ونهيه. وهو المعنى الأعم للكلام".
أقول: هذه مشكلة النقاش في نظري، وأظنها ستقوده إلى طريق مسدود كبقية نقاشاتي مع الأخ بلال. الأخ بلال لم يأت بالدليل النقلي الصحيح العام على تعلق السمع والبصر (وليس البصر فقط) بكل موجود. وهو لا يريد أن يناقش الدليل الذي جاء به وهو قوله (تعالى): "إنه بكل شيء بصير".

فالذي أراه يا أخ سعيد بحكم أنك المشرف هو أن تنظم الحوار، وأقترح أن يكون بحسب إحدى المسارات التالية:

المسار الأول: أن يأتي الأخ بلال بأدلته النقلية التي فيها عموم تعلق صفتي السمع والبصر (كلتيهما) بكل موجود، ثم أن يسمح بمناقشة صحة استدلاله من غير غضب، واحداً واحداً، ثم نتكلم في المخصّص إن احتجنا إلى ذلك. وإذا أراد الكلام عن صفة البصر ثم السمع فلا مانع عندي.
المسار الثاني: أن يأتي الأخ بلال بدليل نقلي في تعليق السمع والبصر بكل موجود، ثم نناقش الأدلة دليلاً دليلاً.
المسار الثالث: أن يأتي الأخ بلال بدليل نقلي على تعلق السمع والبصر بموجود معين ليس مما نسمعه ونبصره ولا هو من جنسه.

وتكون أنت الحكم بعد كل خطوة، وسأرضى بحكمك وإن كنت خصمي!

وسبب مطالبتي للأخ بلال بالإتيان بالأدلة بدلاً من أن أبدأ أنا هو أننا متفقان على دخول ما نسمعه ونبصره في تعريف المسموعات والمبصرات، ويبقى الكلام في الموجودات الباقية، والتي يزعم بلال دخولها في المسموعات والمبصرات.

فأرجو أن تبدي رأيك فيما ذكرتُ ثم نقرر هل نواصل النقاش أم لا. وأرى أن نبدأ النقاش من جديد، ولكن دون فتح رابط جديد لو سمحت.

ملاحظة: لم أقرأ كلام الأخ بلال الأخير، وسأنتظر ردّك قبل أن أفعل.

سعيد فودة
21-04-2004, 15:57
إلى هيثم حمدان،
أولا: اعتذارك مقبول وإن كان متأخرا، أما بالنسبة إلى طلبك المهلة، فأنا أعتقد أن ما مضى من الأيام مهلة كافية لك. فأنا بانتظار جوابك المباشر والصريح.
ثانيا: وبالنسبة لنقاشك مع بلال، فأنا أطلب منك أن تستعمل الكلمات التي تدل على دعواك، وهي أنه لا كلام إلا بصوت وحرف، وأن المسموعات هي الصوت والحرف، وعليك أن تبين ما هي المبصرات. ولا يصح لك أن تستعمل في معرض النقاش كلمة المسموعات والمبصرات لأن الخلاف ليس فيها بل في مدلولها. والإصرار على استعمالها حال احتياجها إلى بيان مغالطة.
ثالثا: أنا أرى أن الدليل الذي أتى به بلال وهو الآية ظاهر في العموم، ففيه لفظ كل الدال على العموم ، مضافا لكلمة شيء، وهذا يستلزم الدلالة على العموم في مفهوم الشيء، أي أن كل ما يسمى شيئا فهو بصير به. وهذا هو معنى العموم.
فلا وجه لقولك أنه لا دلالة للآية على العموم.
رابعا: ادعاؤك أن الآية يراد بها البصيرة خلاف الظاهر، بل الظاهر أن المراد البصر. واستعمالك لفظ البصيرة كمعنى له يحتاج لدليل، فإن أردت أنه خبير بالعباد فهذا لا يستلزم نفي البصر، بل يكون مفهوما من اللفظ باللزوم فكل بصير خبير. ولا تنافي حتى تقصر البصير عليه وحده.
خامسا: أنا لا أرى داعيا إلى إعادة ترتيب الموضوع وسير النقاش، ولا أطلب منك إلا الكف عن إلزام من تناقشه بما لا يلزمه كإلزامك بلالا بالتشبيه وهو أمر غريب ولا يقتضيه كلامه، وما أتيت به من إجراء قياس الشمول والتمثيل، واعتمادك على ابن تيمية في تقرير هذين الأمرين، لا يفيدك وهذه نصيحة أقدمها لك مجانا قبل أن تستمر في ما أنت مقدم عليه، ثم تتفاجأ بعد ذلك، فلا أعتقد أحدا يعرف ابن تيمية مثلي، وأعرف أنه في أشد حالات المغالطة في هذا الباب. فاحتياطا لنفسك تفكر في الكلام قبل أن تقوله.
سادسا: عليك أن تلتزم في استدلالك بالنقل بينما أنت تعارض من يستدل بالنقل، ولا تعارض النقل بالعقل وأنت تطلب الدليل النقلي.
سابعا: لا يحق لك أن تكون انتقائيا حال الجواب، أعني لا يجوز لك أن تختار مقاطع تجيب عليها، أو أن تتجاهل أمورا وتركز على أمور أخرى إلا مع بيان السبب، خاصة مع تذكيرك بذلك.


وسوف أتابع الأمر من الآن فصاعدا وأكتب تعليقا مباشرة على ما تقوله أنت أو بلال، سلبا أو إيجابا.
والله الموفق وهو المعين

هيثم عبدالحميد حمدان
22-04-2004, 15:29
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله، أما بعد،

حسناً يا أخ سعيد، هذه إجابة عن أسئلتك، وأرجو من الأخ بلال أن يمهلني قليلاً لأعود فأبيّن عدم صحة استدلاله بقوله (تعالى): "إنه بكل شيء بصير".

بالنسبة لكلامك في النقاط أ و ب و جـ.
الجواب: الله سبحانه يتصف بالكلام باعتبارين: الأول: باعتبار التكلم المتعلق بالمشيئة، بمعنى أن الله يتكلم إذا شاء وأنه قادر عليه متى شاء بفعل منه يصدر عنه حرف وصوت، وهذه صفة قديمة، فالله لازال إذا شاء أن يتكلم بفعل قائم به سبحانه فإنه يتكلم، والاعتبار الثاني: هو فعل الكلام الذي يقوم به سبحانه حال مشيئته للتكلم.
فلسنا نقسم صفة الكلام إلى صفتين مختلفتين، بل هي صفة لها اعتبارين. وأما الحرف والصوت فما داما قائمين في الله سبحانه فلا إشكال فيه. فأرجو منك مراجعة أسئلتك على ضوء كلامي هذا.

قولك: "د-إذا كنت تقول إن هناك صفة فعل يحدثها الله تعالى متى يشاء، وهي كمال له، ألا يساوي هذا القول: أن الله تعالى يستكمل كمالاته بإرادته متى يشاء؟".
أقول: كلا، لا يساويه، لأن فعلَ الله صفةٌ له، وقيام هذه الصفات فيه سبحانه ليس فيه "استكمال" لكمالاته، مثلما أنه ليس فيها زيادة أو "استكمال" لصفاته، فكما أن صفاته تامة فإن كماله الذي تقتضيه هذه الصفات التامة: تام، وللتوضيح أقول: إنّ فعلَ الله سبحانه يعدّ بمثابة "ممارسة" الله لكماله سبحانه وتعالى، وكلمة "ممارسة" استعملها هنا توسعاً لتوضيح المقصود لك هنا.

بالنسبة لكلامك في النقاط ثانياً وثالثاً وثامناً.
أقول: لا يستلزم مذهبي ما ذكرت. وها أنت ذا تتكلم وصوتك ينتقل إلى آذان الناس دون أن يعتقد أحد أن إحدى صفاتك تحل في آذان الناس، ولا أن الحرف والصوت اللذان يصدران منك هما أجزاء وأبعاض، ولا أنهما صفتان تنفصلان عنك حال كلامك، ولا أنك مركب من أجزاء منها الحرف والصوت.

قولك: "فإذا كنت تعتقد أنك ترى الله تعالى بضوء وشعاع، فيلزمك إثبات الشكل واللون، وإلا، فلو كان شفافاً، لما رأيته". وقولك: "فهل ترى الله تعالى كذلك".
أقول: يعزّ عليّ يا أخ سعيد أن أصف مسلماً بتشبيه الله بخلقه، لكنني قد أضطر إلى ذلك أحياناً، وأرجو منك ألا تغضب كما غضب بلال. لقد قِسْتَ الله بخلقه في هذا الكلام باستعمالك قياس التمثيل، فأنت تزعم أن المخلوقات إنما تُرى لأن لها شكلاً خارجياً وبانعكاس الضوء عنها، وأنها لا ترى إن كانت شفافة، ثم تقيس الله على ذلك، ثم تلزم المتمسك بظاهر النصوص بقياسك الله على خلقه. وهذا من التشبيه المحظور عندنا. وأرجو أن تفرّق يا أخ سعيد بين فهم النص وبين هذا القياس، فأنا عندما أقول: إنني لا أفهم مسموعاً سوى ما أسمعه بأذني، وأحمل عليه قول الله تعالى: "قد سمع الله قول التي تجادلك"، فإنني لستُ أقيس الله على خلقه، ولكنني أستعمل ما أعرفه من اللغة والعادة في فهم النص، أما أن آتي وأقول: إنني أسمع بهذه الكيفية فلا بدّ لله أن يسمع بنفس الكيفية، أو أقول: إن المسموعات تُسمع بسبب كذا فلا بدّ لله أن يكون كذلك لكي يكون مسموعاً، فإن هذا هو المحظور.

قولك: "هل هذه الحركة تقوم بما ليس جسماً".
أقول: بغضّ النظر عن الجواب فإنك ستعود إلى قياس الله على خلقه، ولكن هذه المرة باستعمال القياس الشمولي، فكأنك تريد أن تؤصل قاعدة: (الحركة لا بد وأن تقوم بجسم) ثم تُدرج الله سبحانه وسائر الخلائق كعناصر متساوية تحت تلك القاعدة وتنزلها عليه سبحانه، وهو عين التشبيه المحظور عندنا.

قولك: "أنت لم تسلم أن الله تعالى كان قبل جميع خلقه، بل لم يزل معه شيء من مخلوقاته".
أقول: لا إشكال في كون الله لم يزل معه شيء من خلقه ما دام هذا الخلق قد أحدثه الله بعد العدم.
والأمر الآخر هو أننا نقول إن أفعال الله صفات له، وإنه تعالى متصفٌ بهذه الصفات في الأزل، ولا أحد يقدر على أن يحرم الله من أن تقوم به هذه الصفات (الأفعال) في الأزل أو الأبد أو اليوم أو غداً أو البارحة، ومنه قول علمائنا: لم يزل الله خالقاً متكلماً إذا شاء.

قولك: "والرسول عليه السلام يقول:"كان الله قبل كل شيء" ويقول النبي عليه السلام :"كان الله ولم يكن شيء غيره" فمن أصدق حديثاً، وأقوم قيلاًً؟".
أقول: هذا الحديث لا يصلح نصاً في المسألة لأمور:
1) أنه لم يبلغ حدّ التواتر فلا يصح لكم الاستدلال به كدليل مستقل.
2) أنكم لا تؤمنون بوجود دليل نقلي خالص دون مقدمات عقلية، فلا داعي لاستعمال أسلوب ذر الرماد في العيون يا أخ سعيد وكلّنا يعلم أن هذا الدليل إنما تستأنسون به وليس هو دليلاً أصلياً في المسألة عندكم. فلنتكلم في الدليل الأصلي.
* وهناك أمور أخرى متعلقة بالردّ على الاستدلال بهذا الحديث لا حاجة لذكرها بعد ذكري لـ 1 و 2.

قولك: "فما هي هذه الأفعال التي يتصف بها الله غير الصوت والحرف؟".
أقول: لم أفهم السؤال جيداً، وهناك أفعال الخلق والرزق والرفع والخفض تقوم به سبحانه.

قولك: "أما جوابك فيما يتعلق بالعلم وتعلقاته، فهل تقصد بكل شيء أنه يعلم المعدومات والموجودات؟".
أقول: نعم، أقصد بذلك المعدومات والموجودات.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

سعيد فودة
22-04-2004, 18:38
لقد وقعت يا هيثم في أمور عظيمة لا أدري هل تفهمها أو لا
وسوف أشير لك إلى بعضها، وأبدأ بالتعليق على كلامك فقرة فقرة، وهاك ما يرد على الفقرة الأولى فقط من كلامك الأخير.

أولا: لقد تناقضتَ يا هيثم
فأنت قلت أولا: ": الكلام صفة لله سبحانه باعتبارين: الأول: الصفة الذاتية القديمة غير الحادثة وغير المتعلقة بالمشيئة، هذه ليست حرفاً وصوتاً"اهـ
ثم قلتَ الآن :" : الله سبحانه يتصف بالكلام باعتبارين: الأول: باعتبار التكلم المتعلق بالمشيئة، بمعنى أن الله يتكلم إذا شاء وأنه قادر عليه متى شاء بفعل منه يصدر عنه حرف وصوت، وهذه صفة قديمة، فالله لازال إذا شاء أن يتكلم بفعل قائم به سبحانه فإنه يتكلم"اهـ
في كلامك الأول تقول إن الكلام الذي هو صفة لا يتعلق باالمشيئة. وفي كلامك الثاني تقول إنه متعلق بالمشيئة والقدرة.
وهذا كلام ظاهر التناقض، فعليك أن تحل هذا التناقض.

ثانيا: إن الكلام بالأعتبار الأول وهو قولك (يتكلم إذا شاء وأنه قادر عليه متى شاء بفعل منه يصدر عنه حرف وصوت)، ليس صفة أخرى غير القدرة والإرادة، فكيف تقول إنها صفة اسمها الكلام. بل الصحيح أنها راجعة إلى القدرة. فالحاصل أن الله لا يتصف بصفة الكلام بل بفعل الكلام يا هيثم، أو لك أن تقول إن الله يتصف بالقدرة على الكلام، وإن سميت أنت الفعل (الذي هو الحرف والصوت هنا) صفة فهذا بناء على قيام الفعل بالفاعل وهو الأصل الذي لا نسلمه لكم.

ثالثا: يا هيثم، لا تقل لي (. فأرجو منك مراجعة أسئلتك على ضوء كلامي هذا) فأنت من يجب أن يراجع كلامه، وأنت من قال الكلام له اعتباران أحدهما قديم والآخر حادث، فكيف يكون شيء واحد باعتبار قديما وباعتبار حادثا. فالقدم والحدوث لا يلتقيان ولا يجتمعان. إلا بتلفيق ستكون مضطرا للإفصاح عنه قريبا.
وأسئلتي ما زالت موجهة إليك. وأنتظر الجواب.
وأنا أعرف أنك قد قمت بمراجعة كلام ابن تيمية بخصوص الصفة القديمة والأخرى الحادثة المتألفة من الصوت والحرف، (وبناء على ذلك غيرت من صيغتي كلامك أولا وثانيا. ولو أنك رجعت إلى ما ذكرته أنا في كتاب الكاشف الصغير لأغناك ذلك عن قراءة كلام ابن تيمية.
والحقيقة أن ابن تيمية يلزمه التناقض، ونفي وجود صفة الكلام لله تعالى لأنه أرجعها إلى القدرة والإرادة، ويلزمه أن يكون الفعل الحادث صفة فتكون صفة الله تعالى حادثة. أو يجب أن يقول إن الكلام الذي يتصف به الله تعالى ليس إلا الفعل، أما الجمع بينهما فلا يصلح هنا.
رابعا: أنت وصفت صفة الكلام بأنها قديمة، ووصفت فعل وإحداث الحرف والصوت القائمين بالله تعالى إنها حادثة، فكيف يكون هذان الامران أمرا واحدا، إلا بالتلفيق الذي أشرت لك إليه وأنتظرك أن تقوله.
وقلت إن الصفة القديمة لا تتوقف على المشيئة، والحرف والصوت يتوقف على المشيئة والقدرة. فكيف يكون هذان الأمران أمرا واحدا.
إذا كان الأمر كذلك فكيف تقول لي الآن:" فلسنا نقسم صفة الكلام إلى صفتين مختلفتين، بل هي صفة لها اعتبارين. وأما الحرف والصوت فما داما قائمين في الله سبحانه فلا إشكال فيه."اهـ
وهل قولك أن هذين الأمرين أمر واحد كافٍ فعلا ليصيرا أمرا واحدا، وقد اختلفا في الحدوث والقدم وأن أحداهما حرف وصوت والأخرى ليست بحرف ولا بصوت، فكيف يكون هذان الأمران أمرا واحدا؟؟ ؟
أرجو منك أن تعترف أن هذين أمرين، لأن الإصرار على مثل هذا النحو من الكلام مجرد مغالطة لا تنفعك لا دنيا ولا في الآخرة.
والتهافت بين على كلامك، لا يمكن أن يصرفه عنك صارف.

وأما قولك (ما داما قائمين بالله) اهـ ، هل تعني أن الحرف والصوت قائمان بالله دائما، أم إنهما يقومان في زمان معين ثم يزولان ويحدث بعدهما حرف وصوت آخران غيرهما. يعني قول الله تعالى (الحمد لله رب العالمين) هو حرف وصوت قائمان بذات الله تعالى ، فهل يبقيان موجودين عند قوله تعالى (الرحمن الرحيم) أم إن القول الأول يزون وينعدم ويحل بعده القول الثاني، وهكذا في كل حرف حرفٍ من الكلام الذي هو حرف وصوت.

بانتظار أجوبتك على هذه الأسئلة لإكمال النقاش.
وأنصحك مرة أخرى أن لا تردد عبارة لم تفهمها بعد من كلام ابن تيمية.

هيثم عبدالحميد حمدان
23-04-2004, 14:33
ليس هناك تناقض ولا أمور عظيمة في كلامي يا أخ سعيد.

قولك: "لك أن تقول إن الله يتصف بالقدرة على الكلام".
أقول: لن نختلف إن شاء الله ما دمتَ فهمتَ كلامي على أن المقصود هو أن الله قادر على القيام بفعل الكلام إذا شاء. وهذه القدرة على التكلم عند المشيئة ليست متعلقة بالمشيئة، هذا هو المقصود. فليس هناك تناقض لأحله.

أما قولك: "إن الكلام ... ليس صفة أخرى غير القدرة والإرادة ... بل الصحيح أنها راجعة إلى القدرة. فالحاصل أن الله لا يتصف بصفة الكلام".
فلا أتفق معك فيه. بل يوصف الله بالكلام حال قيامه بفعل الكلام وحال عدم قيامه بفعل الكلام، وبيان ذلك يتضح بالمثال، ولله المثل الأعلى.
لو قارنا بين الإنسان الأخرس والإنسان الصامت، لوجدنا أن الأول لا يوصف بأنه متكلم، أما الثاني فإنه يوصف بأنه متكلم، بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وإن كان لا يأتي بفعل الكلام على كل حال. فلا يصحّ أن يقال إنه لا يصحّ وصف الصامت بالكلام، وأن صفة كلامه راجعة لقدرته وإرادته.

وكذلك الله سبحانه، وله المثل الأعلى، فإنه يوصف بصفة (التكلم عند المشيئة) بالمعنى الذي هو ضدّ الخرس، وضد الخرس ليس متعلقاً بالمشيئة، فالله سبحانه لا يتصف بالخرس إذا شاء، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. كذلك فإنه سبحانه يوصف بالكلام بمعنى القيام بفعل الكلام والذي هو ضد الصمت، فهذان اعتباران لصفة الكلام.

وليس من صنيع السلف إرجاع صفة التكلم إلى (القدرة على الكلام)، ولا صفة الخلق إلى القدرة على الخلق، بل نقول "الله لم يزل متكلماً وخالقاً إذا شاء" أو "الله لازال متصفاً بالكلام والخلق"، بمعنى أن التكلم والخلق عند المشيئة هما صفتان له سبحانه.

فأرجو أن تعيد التأمل في كلامك وأن تعيد طرح أسئلتك لو سمحت بما يتناسب مع ما ذكر هنا، لأني لم أعد أعرف تماماً أي أسئلة تريدني أن أجيب عليها.

أما مراجعتي لكلام ابن تيمية.
فإنه لا شيء فيها أبداً، لكن فراستك لم تصب، فإنني ما راجعتُ كلامه إلا بعد قراءة قولك: "وهذا خلاف أقوال جميع الناس حتى إنه خلاف قول ابن تيمية الذي تنتسب إليه". وعموماً أرجو أن تحيلني على موضع كلام ابن تيمية حول هذه المسألة فلعله غير ما وقفتُ عليه. والذي يظهر لي وبكل صدق يا أخ سعيد هو أنك لم تحسن فهم كلام ابن تيمية، لذلك ترى في كلامه تناقضاً، وأنا لا أريد أن أقحمه في هذا الموضوع، فلعلنا نتناقش مستقبلاً في كلامه وأسلوبه في تقرير المسائل ودعوى التناقض عنده.

قولك: "هل تعني أن الحرف والصوت قائمان بالله دائماً، أم إنهما يقومان في زمان معين ثم يزولان ويحدث بعدهما حرف وصوت آخران غيرهما".
الجواب: يقومان ثم يزولان، وليس قوله تعالى "مالك يوم الدين" قائم به سبحانه دائماً، لكن ممكن أن يتكرر إذا شاء الله ذلك، بمعنى أن لله أن يقول "مالك يوم الدين" أكثر من مرة إذا شاء سبحانه وجل وتقدّس في علاه.

هذا هو جوابي، ولا أدري يا أخ سعيد متى ستسمح لي بالسؤال، والعودة إلى موضوع السمع والبصر.

سعيد فودة
23-04-2004, 18:23
هيثم حمدان،
لا تكن انتقائيا في أجوبتك، ولا تحِد عن السؤال.
أنا أطلب منك مرة أخرى أن تحل هذا التناقض الحاصل بين عبارتيك، أو أن تتراجع عن واحدة منهما، أما أن تقول لا تناقض أصلا بينهما فهذا لا أقبله مطلقا، وها أنا أعيد لك السؤال الأن مرة أخرى.

فأنت قلت أولا: ": الكلام صفة لله سبحانه باعتبارين: الأول: الصفة الذاتية القديمة غير الحادثة وغير المتعلقة بالمشيئة، هذه ليست حرفاً وصوتاً"اهـ
ثم قلتَ الآن :" : الله سبحانه يتصف بالكلام باعتبارين: الأول: باعتبار التكلم المتعلق بالمشيئة، بمعنى أن الله يتكلم إذا شاء وأنه قادر عليه متى شاء بفعل منه يصدر عنه حرف وصوت، وهذه صفة قديمة، فالله لازال إذا شاء أن يتكلم بفعل قائم به سبحانه فإنه يتكلم"اهـ

هذا بيانك للاعتبار الأول في وقتين مختلفين، وأما الاعتبار الثاني فهو الحرف والصوت. ولا كلام عليه ههنا.

في كلامك الأول تقول إن الكلام الذي هو صفة لا يتعلق باالمشيئة. وفي كلامك الثاني تقول إنه متعلق بالمشيئة والقدرة.
وهذا كلام ظاهر التناقض، فعليك أن تحل هذا التناقض.

وعليك أن توجه عبارتك التي تقول إن الكلام لا يتوقف على المشيئة وعبارتك الثانية التي تقول إن الكلام يتوقف على المشيئة.
فهذا تناقض واضح.
أما أن تكون قد قصدت ما ألمحت إليك به فهذا أمر آخر ولكن التناقض لا يزال قائما بين العبارتين.

ثم كيف تقول إن الله تعالى متصف بصفة الكلام، ثم تقول إن هذه الصفة هي القدرة على الكلام ، فكيف تقول إن الكلام صفة قديمة ثم تقول إنه عين القدرة، فإما أن تقول إن الكلام ليس صفة قديمة بل هو حادثة فقط، أو أن تقول إنه راجع إلى القدرة على الكلام وحينذاك يلزمك ما قلته لك من رجوع الكلام إلى القدرة.

ومجرد إدخالك في تعريف الكلام القديم مفهومَ القدرة والإرادة فهذا يعني أن الكلام فعل لا صفة معنى كالقدرة والعلم.

وإنكارك لذلك لا يفيد.


وأما ابن تيمية فلم يقل إن الكلام القديم لا يتوقف على المشيئة كما قلته أنت أيها الحاذق في إحدى عبارتيك. ثم رجعت وعدلته في الثانية. ولذلك قلت لك إنك خالفت ابن تيمية. وهذا حق لا يمكنك الخلاص ولا التفلت منه.

وأنا ألاحظ أنك تتحسن في فهم مذهب ابن تيمية يوما فيوما. وهذا جيد. ولكن هذا لا ينفي التناقض.

وأما قولك:"إن كلام الله (الحرف والصوت) يقومان بذاته، ثم يزولان"، ألا تقول إنهما حال قيامهما بالله يكونان صفة لله تعالى، فهل تقول إن صفة من صفات الله تزول عنه وتنعدم.
وإذا قصدت إنها لا تنعدم بل تنتقل من ذاته إلى غيره، فأين هي الآن؟

قولك:" وليس من صنيع السلف إرجاع صفة التكلم إلى (القدرة على الكلام)، ولا صفة الخلق إلى القدرة على الخلق، بل نقول "الله لم يزل متكلماً وخالقاً إذا شاء" أو "الله لازال متصفاً بالكلام والخلق"، بمعنى أن التكلم والخلق عند المشيئة هما صفتان له سبحانه"اهـ
كيف تقول إنك لا ترجع الكلام إلى القدرة والإرادة، وأنت قلت سابقا " صفة فعل الكلام وهو صفة فعلية تحدُثُ في الله متى شاء سبحانه ويَصدر الحرفُ والصوتُ عند قيامها" وتقول الآن "بل نقول "الله لم يزل متكلماً وخالقاً إذا شاء"
فهل يوجد فعل بلا قدرة، ولا إرادة. والكلام فعل عندك. وأنت توقفه صراحة على الإرادة فكيف تقول إنك لا توقفه عليها.
أم إنك تعني إن كون الله تعالى خالقا عندك، توقفه فقط على الإرادة دون القدرة.
ألا ترى تهافت عباراتك حالا بعد حال؟؟؟

وكيف تقول ذلك وأنت تقول الآن الله سبحانه يتصف بالكلام باعتبارين: الأول: باعتبار التكلم المتعلق بالمشيئة، بمعنى أن الله يتكلم إذا شاء وأنه قادر عليه متى شاء بفعل منه يصدر عنه حرف وصوت، وهذه صفة قديمة "اهـ
فها أنت علقت الكلام على القدرة، وتقول بكل جرأة :" :" وليس من صنيع السلف إرجاع صفة التكلم إلى (القدرة على الكلام)"اهـ
فتنفي أن الكلام متعلق بالقدرة.
فأنت تنفي وتثبت ما تنفيه عدة مرات. وهذا تناقض آخر تقع فيه.

وأما ابن تيمية فقد نصحتك أن تظل مبتعدا عنه لئلا تنقل ما لا تفهمه، ولكن بعدما رأيت ما تتفوه به، أرى لك أن تلتزم بعباراته لأنه أدرى منك بمذهبه.

وأنت لم تجب على ما وجهته إليك سابقا من لزوم التكثر في صفة الكلام عندك، والتنوع، فإحداهما حادثة والأخرى قديمة عندك.

ألا ترى نفسك الآن يا هيثم أكثر فهما لكلام ابن تيمية منك عندما بدأت هذا النقاش، ألا ترى أنني أكشف لك عما لم تكن تعلمه أو تفهمه.

هل تحسب نفسك أيها الفتى انك تناقشني، ألا ترى أنني إنما أعلمك عن طريق السؤال والجواب والبحث الذاتي، الذي أدفعك إليه دفعا موجَّها. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة.

سعيد فودة
23-04-2004, 21:20
أما يا هيثم ادعاؤك أنني لم أحسن فهمَ كلام ابن تيمية فسوف أفتح لك موضوعا جديدا تبين لي فيه كيف أنني لم أحسن فهم كلامه؟؟؟!
واعلم أن هذا الادعاء أسمعه لأول مرة منذ أن نشرت كتاب الكاشف الصغير، فلتكن أيها المعوار أول من يهدم هذا الكتاب وينعم بعد ذلك بإفضال المحبين لابن تيمية فهلا تجرب حظك ، وتنقض ما أوردته في الكاشف الصغير.
وإلا تكون دعوى منك ولست أهلا لها فينكشف للقوم عوارك وسوء منقلبك.

بلال النجار
24-04-2004, 10:22
بسم الله الرحمن الرحيم

هيثم حمدان،

أظنّ أن اليومين الذين تركت فيهما الكلام معك مهلة كافية لأن تبيّن عدم صحّة استدلالي بقوله تعالى (إنه بكل شيء بصير) على أنّ بصره تعالى يتعلّق بجميع الموجودات. ولا يحتاج منك الأمر أكثر من ذلك مطلقاً ما دمت عالماً بوجه فساد الاستدلال، مالكاً للدليل المخصص لعموم الآية. فائتني به حالاً، ولا أقبل بإمهالك أكثر من ذلك.

الله تعالى الموفق

هيثم عبدالحميد حمدان
24-04-2004, 18:55
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله. أما بعد،

لا يصلح يا أخ بلال استدلالك بقوله تعالى: "إنه بكل شيء بصير" على تعلق بصر الله سبحانه بكل موجود، والذي بينتَ وجه استدلالك به بقولك: "أنا خصصت قوله تعالى كل شيء بأدلة خارجية لتبقى متعلقات البصر وحدهما، واعتمدت الاتفاق بيننا على أن السمع والبصر لا يتعلقان بالمعدوم لاستثنائه. فبقي الموجود بقسميه القديم الحادث، فبأي شيء قصرت أنت الباقي على بعض الموجودات دون جميعها".

والسبب هو أن المفسرين لم يفهموا الآية كما فهمتها أنت:

قال الطبري: (إنه بكل شيء بصير) يقول: إن الله بكل شيء ذو بصر وخبرة لا يدخل تدبيره خلل ولا يرى في خلقه تفاوت.

وقال السمرقندي: (إنه بكل شيء بصير) يعني: عالماً بصلاح كل شيء.

وقال أبو السعود: (إنه بكل شيء بصير) يعلم كيفية إبداع المبدعات وتدبير المصنوعات.

وقال الزمخشري والبيضاوي والنسفي: (إنه بكل شيء بصير) يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبر العجائب.

وقال الشوكاني: (إنه بكلّ شيء بصير) لا يخفى عليه شيء كائناً ما كان.

وقال ابن عاشور: وجملة (إنه بكل شيء بصير) تعليل لمضمون (يمسكهن إلا الرحمن) أي أمسكهن الرحمن لعموم علمه وحكمته ولا يمسكهن غيره لقصور علمهم أو انتفائه.

وقال الآلوسي: (إنه بكل شيء بصير): دقيق العلم فيعلم سبحانه وتعالى كيفية إبداع المبدعات وتدبير المصنوعات.

وخالفهم الرازي كما ذكرتَ من قبل، فذكر أن لتفسير الآية وجهين، أحدهما: العلم الدقيق، والآخر: البصر، وهو ما رجّحه.

فليس الكلام في الآية عن صفة البصر التي هي إحدى الصفات السبع عندكم. وألفت انتباهك إلى أنك لم تأت بنص يعلّق صفة السمع بكل موجود.

هيثم عبدالحميد حمدان
24-04-2004, 23:16
لا أدري لماذا فتحتَ موضوعاً جديداً يا أخ سعيد حول ردي على كتابك. وأنا في الحقيقة لم أقرأ كتابك بعد. بل ولا أعرف كيفية الحصول عليه من هنا.

وأخشى أن تكون فهمتَ قولي: "أنك لم تحسن فهم كلام ابن تيمية ... الخ"، على أنه مبني على قراءتي لكتابك. وليس الأمر كذلك، فقد وصلتُ إلى هذا الحكم من خلال كلامك الذي كتبته في هذا الموضوع.

وعموماً، إن أردتَ أن ترسل لي نسخة مجانية! من الكتاب فلا مانع عندي من إعطاءك عنوان الأهل في الأردن.

بلال النجار
25-04-2004, 09:44
بسم الله الرحمن الرحيم

لم تجب بعد عن السؤال يا هيثم،

وهو: ما هو المخصص لهذه الآية لكي يكون بصره تعالى متعلقاً فقط ببعض الموجودت والتي هي الأمور المبصرة عندك بهذه الكيفيّة؟

ولا تلتفّ وتغالط، فأنا استدللت بعموم الآية. ثمّ أنت قلت إن هذه الآية مخصصة. ثمّ لمّا سألتك عند مخصصها، فقلت لي إن المخصص هو الآيات والأحاديث وأقوال المفسرين والعلماء، فلمّا طالبتك بالآيات والأحاديث وأقوال العلماء. لم تذكر من ذلك شيئاً، ثمّ صرت تقول إن البصير ههنا من البصيرة. فقلت لك: إن لم يكن العلماء مجمعين على قصر معنى البصير ههنا على العليم فلن ينفعك الاستدلال بكلام بعضهم دون بعض كدليل على التخصيص. وكما ترى المفسرون ذكروا المعنيين. ومع ذلك فقد أتيتني الآن بأقوالهم التي لا تصلح دون إجماعهم دليلاً مخصصاً لهذه الآية. وأنا وقفت على معظم هذه الأقوال قبل أن أستدلّ بهذه الآية. وأنا لم أنكر -إذا راجعت كلامي- أن المفسرين ذكروا المعنيين. وأنا أقول بالمعنين. فلماذا تقول أنت بمعنى البصيرة دون البصر؟ ولماذا تخالف ظاهر الآية يا أبا التمسك بالظاهر؟ وأين هي الآيات والأحاديث التي قلت إنها تخصص هذه الآية، هل اختفت ولم تعد موجودة؟ أم أنك تريد مهلة أخرى لتبحث عنها؟ أين هي ظواهر الآيات والأحاديث التي ادّعيت أنّها تعلّق بصر الله تعالى بالموجودات التي تبصرها أنت بهذه الكيفية؟ أريد أن تذكرها لي واحدة واحدة، وإلا فاعترف أنّك كنت تدّعي ما لا تملك، وليس عندك من ذلك شيء!

إنه من الواضح لكل من يتابع نقاشنا أنك يا هيثم لا تعرف آية ولا حديثاً يخصص هذه الآية، ولا تعرف إجماعاً للعلماء على أن معنى البصير ههنا هو العليم. هذه هي الحقيقة، وقد بادرتَ لرد استدلالي بالآية عن هواك. والسبب هو أنّ كلّ ما عارض اعتقادك ومذهبك فهو مردود حتى قبل التفكير فيه، ثمّ تبدأ بالبحث عن أدلة ترد بها، فإن لم تجد فلن تعدم وسيلة للتملّص والسفسطة والهروب من النقاش. هذه هي الحقيقة. ولا يهمّ مقدار خطر الموضوع المبحوث، ولا يهمّ أنّ الأمر دينيّ أو غيره، المهمّ التصدّي للخصوم، ومقارعتهم عن حق أو عن باطل، أما الاعتراف بالخطأ والوقوف عند الأدلة والاحتكام لها، والتأدب مع الله تعالى ورسوله، فهذا وإن ادعاه السلفية جميعاً بألسنتهم فلسان حالهم يخالفه، وعصبيتكم لمذهبكم وسادتكم تخالفه. فبأيّ حقّ ترد قول الله تعالى (إنه بكلّ شيء بصير) يا هيثم وتتهمني بالجهل لأني أستدل به، وأنت لا تملك الدليل القاطع على أن هذه الآية لا تفيد تعلّق بصره تعالى بكلّ موجود؟ أجبني عن هذا السؤال؟
والله تعالى حسبنا ونعم الوكيل.

بلال النجار
25-04-2004, 09:48
بسم الله الرحمن الرحيم

يكفي رداً على كلامك عن الكاشف الصغير يا هيثم ما كتبه الأخ سامح يوسف وهو ما أضمنه هنا بنصه:

قال سامح:

(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشيخ العلامة سعيد فودة حفظه الله
من ذا الذي يستطيع أن يرد شيئا مما جاء في الكاشف الصغير؟؟
كل من يدعي السلفية قرأ الكتاب أو سمع عنه وما استطاع أحد منهم أن ينقض حرفا مما جاء فيه
والأخ هيثم نفسه دار في ملتقاه منذ فترة حديث طويل حول الكاشف الصغير و مؤلفه حفظه الله فقال هيثم عن الشيخ سعيد فودة" هذا الرجل يعتبره الأشاعرة أستاذهم في هذا الزمان وهو متمكن جدا في علوم المنطق والكلام والمذهب الأشعري" إلي هنا صدق هيثم وشيخنا سعيد فوق ما قال هيثم بكثير
ثم قال هيثم " ولكن كلامه في هذا الكتاب فيه تحريف وسوء فهم لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية"
وهيثم قال هنا في موضوع اضطراب في تعريف صفتي السمع والبصر إنه لم يقرأ الكتاب وهناك في ملتقاه يقول إن الكتاب فيه تحريف وسوء فهم
فماذا يسمي هذا التناقض أيها المنصفون؟؟!
وعموما يا أخ هيثم اقرأ الكتاب أولا ثم إن وجدت فيه تحريفا أو سوء فهم لكلام ابن تيمية قتعال وأظهره لنا فالشيخ سعيد حفظه الله وكذلك كل تلاميذه صدورهم رحبة لمناقشة المخالف والصبر عليه وإقناعه بالحسني
وأسال الله عز وجل أن يحفظ شيخنا العلامة سعيد فودة وأن يبارك في عمره وأن ينفعنا بعلمه وأن يجعله نورا يهتدي به السائرون
وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم) اهـ كلامه

والله تعالى الموفق

هيثم عبدالحميد حمدان
25-04-2004, 15:11
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله. أما بعد،

لا بأس يا بلال في كوني تأخرتُ ثم جئتُ بوجه للردّ على دليلك. ونحن من المفترض أننا باغين للحق فلا يهم وقت الإتيان بالردود. وقد قلتُ من قبل: "وأما إذا كان "بصير" اسم تفضيل من البصيرة، فهو خارج بحثنا"، كما أنك لم تردّ على قولي السابق: "أنت لم تأت بعموم أصلاً لكي أخصصه".

وأنا صبرتُ عليك كثيراً لكي تأتيني بدليل نقلي، ثم لما فعلت جئت بهذا الاستدلال المتهافت دون أن تصرح بأن الآية دليلك، لترى أولاً ردّة فعلي. فلا ضرر عليك في أن تصبر عليّ أيضاً.

فدعك من هذا الأسلوب يا بلال وكن مريداً للحق، ومن كان كذلك فإنه لا يهمه أن يحرج مناقشه فقط، بل أن يصل معه إلى الحق.

وما دام بالإمكان اختصار طريق النقاش فلا إشكال. وها هم أهل العلم لم يفهموا الآية على فهمك، اللهم إلا الرازي، وكلامه لا يكفي في مقابل كلام بقية العلماء، ومنهم أشاعرة، وقد حملوا الآية على معنى العلم والخبرة والبصيرة وما شابه، دون صفة البصر والتي هي إحدى الصفات السبع عندكم. فظهر فساد استدلالك بهذا الدليل وأن عليك الآن الانتقال إلى الدليل التالي.

سعيد فودة
25-04-2004, 23:33
إلى هيثم:
بصفتي مشرفا على هذا الموقع، ومن واجبي أن أحفظه عن المهاترات، وقد رأيت كثيرا منها تصدر منك.
فأقول لك:
أنت تدعي أنه لا يوجد دليل عام أتاك به بلال، وظاهر النص الذي اتاك به (إنه بكل شيء بصير) هو العموم.
ويجب عليك أن تأتي بما يخصصه من النقل لا من جهة أخرى.
أما إنكارك بأنه عام، فهو غير مقبول، وأنا سوف أعتبر ذلك مبالغة منك في التلاعب، وقد سبق أن حذرتك منه.

وأنت قد أتيت بآراء العلماء وتريد أن تحتج بهم، فهل تحتج بهم في مواقع أخرى، أم في هذا الموقع بالتحديد.
وأيضا، أنت تقول إن المقصود بالبصير هنا العلم، فهل تعترف أن البصر إما أن يراد به العلم أو البصر الذي هو صفة زائدة على العلم؟ وأن الظاهر به هنا هو البصر إجراء للفظ على ظاهره.

وأنا أنتظر أن تجيب على هذه الأسئلة وتوجه كلامك إلى بلال، واعتبر هذه المداخلة ترتيبا لهذا النقاش الدائر بينكما.

وأنت تقول إن المسموعات بعض الموجودات، ولم توضح لنا ما هي هذه المسموعات، هل هي الأصوات فقط أم لا، وقلت إن المرئيات بعض الموجودات، ولم تبين ما هي هذه الموجودات التي يتعلق بها البصر، مع أن أساس كلامك لا يتم إلا بناء على هذا.

خاصة أنك تتهرب من كثير مما تقوله بعد بيان غلطك فيه، وأنت لم تعترف أبدا بأنك أخطأت مع ظهور تناقضك أكثر من مرة، وكثير من الأسئلة التي وجهت إليك لم تجب عليها، بل تختار منها ما تشاء، وهذا يبين انتقائيتك وتحكمك، وهذا يدل على فساد عدم التزامك بآداب النظر، وهي واجبة الاتباع.
وما لم تلتزم بذلك، فسوف أكون مضطرا لاتخاذ إجراءات أخرى.

هيثم عبدالحميد حمدان
26-04-2004, 05:27
هذا جواب على مشاركة الأخ سعيد قبل الأخيرة:

ليس هناك تعارض يا أخ سعيد.

فقد قلتُ: "الله سبحانه يتصف بالكلام باعتبارين: الأول: باعتبار التكلم المتعلق بالمشيئة"، أي: صفة (التكلم عند المشيئة)، ولذلك فسّرتُ كلامي بعدها مباشرة بقولي: "بمعنى أن الله يتكلم إذا شاء وأنه قادر عليه متى شاء بفعل منه يصدر عنه حرف وصوت، وهذه صفة قديمة، فالله لازال إذا شاء أن يتكلم بفعل قائم به سبحانه فإنه يتكلم".

فلا تناقض، وليس من الإنصاف يا أخ سعيد أن تلوّن بعض الكلام دون بعض لأن القارئ سيركّز على الجزء الملوّن ولا يقرأ تتمّة الكلام الموضح له.

قولك: "فكيف تقول إن الكلام صفة قديمة ثم تقول إنه عين القدرة ... الخ".
أقول: لم أقل إن الكلام هو عين القدرة، ولكنني قلتُ إنك إذا فهمت الصفة القديمة التي تكلمتُ عنها على أنها القدرة على التكلم: فلن نختلف في فهما.

ولذلك فإن جوابي على قولك: "فها أنت علقت الكلام على القدرة، وتقول بكل جرأة: "وليس من صنيع السلف إرجاع صفة التكلم إلى القدرة على الكلام"، فتنفي أن الكلام متعلق بالقدرة".
هو أن المقصود من عدم إرجاع صفة التكلم إلى القدرة أن ذلك قد يوهم أن التكلم ليس صفة مستقلة، مثل كون الخلق والرزق وغيرهما صفات مستقلة.

قولك: "ومجرد إدخالك في تعريف الكلام القديم مفهومَ القدرة والإرادة فهذا يعني أن الكلام فعل لا صفة معنى كالقدرة والعلم".
أقول: لا أظنك تخالفني في أن القدرة على الكلام صفة معنى يا أخ سعيد.

قولك: "وأما ابن تيمية فلم يقل إن الكلام القديم لا يتوقف على المشيئة".
أقول: بل قال ذلك، ونسبه إلى بعض السلف الصالح. وحيث أن موضوعنا ليس هو ابن تيمية أو غيره، فلا حاجة لنقل كلامه والخوض في مناقشته.

قولك: "ألا تقول إنهما (أي الحرف والصوت) حال قيامهما بالله يكونان صفة لله تعالى، فهل تقول إن صفة من صفات الله تزول عنه وتنعدم. وإذا قصدت إنها لا تنعدم بل تنتقل من ذاته إلى غيره، فأين هي الآن؟".
أقول: لا إشكال، ها هو الإنسان يتكلم بحرف وصوت، وصوته ينتقل إلى أذن غيره دون أن تزول صفة من صفاته أو تنعدم.

قولك: "كيف تقول إنك لا ترجع الكلام إلى القدرة والإرادة ... فهل يوجد فعل بلا قدرة، ولا إرادة. والكلام فعل عندك. وأنت توقفه صراحة على الإرادة فكيف تقول إنك لا توقفه عليها".
أقول: أنت يا أخ سعيد تقارن بين كلامي عن صفة الكلام بالاعتبار الأول بكلامي عنها بالاعتبار الثاني. لا يوجد فعل دون قدرة وإرادة، ولكن الاتصاف بجنس الفعل ونوعه (وإن شئت: القدرة عليه) ليس راجعاً إلى القدرة والإرادة.

قولك: "وأنت لم تجب على ما وجهته إليك سابقا من لزوم التكثر في صفة الكلام عندك، والتنوع، فإحداهما حادثة والأخرى قديمة عندك".
أقول: بل أجبتُك عدّة مرات، ويبدو أن صورة كلامي لم تتضح لك، وواضح يا أخ سعيد أنك تقرأ كلام مخالفك من خلال عقيدتك أنت، ولعلّ هذا هو سبب عدم ردّ أي سلفي على كتابك لأنه ظهر أنك لم تستوعب كلام ابن تيمية كما ينبغي، ولأنك فهمته من خلال عقيدتك أنت.

أما كلامك عن دفعي لفهم كلام ابن تيمية أكثر فإنني أشكرك عليه، فإنه لا يخفى عليك أن كل سلفي يسعى لفهم كلام ابن تيمية أكثر وأكثر.

هيثم عبدالحميد حمدان
26-04-2004, 06:17
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله. أما بعد،

قولك: "أنت تدعي أنه لا يوجد دليل عام أتاك به بلال، وظاهر النص الذي اتاك به (إنه بكل شيء بصير) هو العموم. ويجب عليك أن تأتي بما يخصصه من النقل لا من جهة أخرى".
أقول: ليس ظاهره عموم تعلق بصر الله سبحانه الذي هو من الصفات السبع بكل موجود. بل ظاهره عموم تعلق علم الله وخبرته وبصيرته بكل شيء، كما فهمه علماء التفسير.

قولك: "وأنت قد أتيت بآراء العلماء وتريد أن تحتج بهم، فهل تحتج بهم في مواقع أخرى، أم في هذا الموقع بالتحديد".
أقول: أولاً: لقد نقلتُ أقوال كل من وقفتُ عليه من المفسرين باختلاف عقائدهم: معتزلة وماتريدية وأشاعرة وأهل حديث. وثانياً: هاك كلام بعض مفسري الشيعة وغيرهم من موقع التفسير:
الطبرسي: (إنه بكل شيء بصير) أي بجميع الأشياء عليم.
القمي: إنه بكل شيء بصير: فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب.
البقاعي: بصير: بالغ البصر والعلم بظواهر الأشياء وبواطنها.
ابن عجيبة!: (إنه بكل شيء بصير) يعلم كيفية إبداع المبدعات، وتدبير المصنوعات.
الكاشاني!: (إنه بكل شيء بصير) يعلم [ما] ينبغي أن يخلقه.

وثالثاً أجيب عن سؤالك: نعم، أحتج بهم في مواقع أخرى على أن يكون الموقع مما تضافرت عليه أقوالهم بهذا الشكل، أما إن اختلفوا فألتزم تفاسير أصحاب العقيدة السليمة في نظري.

قولك: "وأيضاً، أنت تقول إن المقصود بالبصير هنا العلم، فهل تعترف أن البصر إما أن يراد به العلم أو البصر الذي هو صفة زائدة على العلم؟ وأن الظاهر به هنا هو البصر إجراء للفظ على ظاهره". و: "وأنت تقول إن المسموعات بعض الموجودات، ولم توضح لنا ما هي هذه المسموعات، هل هي الأصوات فقط أم لا، وقلت إن المرئيات بعض الموجودات، ولم تبين ما هي هذه الموجودات التي يتعلق بها البصر، مع أن أساس كلامك لا يتم إلا بناء على هذا".
أقول: دعنا نؤجل الكلام عن كل ما ليس له تعلق بالرد على دليل بلال الذي بين أيدينا.

فأرجو أن ننتقل إلى الكلام في الدليل الثاني، ولا داعي لإضاعة المزيد من الوقت في مسألة أوضحها أهل التفسير بما يكفي. وليكن معلوماً هنا أن محاولة تهميش دلالة تضافر أقوال أهل التفسير مرفوضة تماماً بالنسبة لي.

سعيد فودة
26-04-2004, 10:30
ليس عندك القدرة يا هيثم على الاعتراف بالحق وأنت معاند وبيان هذا ما يلي:

أنا يا هيثم لا أتكلم بنحو الألغاز،

لقد أخبرتك سابقا، أنك تكلمت في مقالين منفصلين عن اعتبارين لصفة الكلام، وقلتَ في المقال الأول إن الاعتبار الأول لا يتعلق بالإرادة، وقلت في المقال الثاني إنه يتعلق بالإرادة.
فهل يستحيل عليك أن تدرك وجود التناقض بينهما. أنا لا أرى في عدم اعترافك بالتناقض إلا الإصرار على الغلط ومجرد العناد.

وأما تفسيرك لكونه متعلقا بالإرادة بقولك:"بمعنى أن الله يتكلم إذا شاء وأنه قادر عليه متى شاء بفعل منه يصدر عنه حرف وصوت، وهذه صفة قديمة، فالله لازال إذا شاء أن يتكلم بفعل قائم به سبحانه فإنه يتكلم".

فهذا مع أنه يؤكد التناقض مع قولك في المشاركة الأولى بأن الكلام لا يتوقف على المشيئة، إلا إنه غلط محض أيضا، فهذا هو عين كون الكلام ليس صفة معنى بل هو متوقف على القدرة والإرادة في وجوده، وهذا معناه نفي صفة الكلام كصفة معنى. فالحاصل أن الكلام ما هو إلا صفة فعل عندكم وعلى مذهبكم.

وقد صرح بذلك ابن عثيمين في شرحه على الواسطية، فقال إن صفة الكلام من صفات الفعل اللازمة للذات،

ومن العيب عليك أيها الفتى أن أدلك أيضا على التحقيق في مذهبكم وأن أعلمك مذهبك وأنت تدعي أنك تناقشني.
وحق المناظر والمناقش أن يكون فاهما لمذهبه وأنت غير فاهم.

وأما قولك أيها المسكين :"أقول: لا أظنك تخالفني في أن القدرة على الكلام صفة معنى "

تريد أن هذا المعنى زائد على القدرة،

فاعلم أنني أخالفك في ذلك، وابن تيمية أيضا يخالفك في ذلك، بل كل عاقل يفهم ما يقول وما يقرأ يخالفك في ذلك، فأنت لو قلت إن الكلام بمعنى القدرة على الكلام صفة معنى، كلام باطل مطلقا لأن هذا المعنى عين صفة الفعل الذي هو تعلق من تعلقات صفة القدرة، وكيف يكون الفعل صفة معنى.
ولو كان الكلام صفة معنى لاستحال أن يكون معناه "القدرة على الكلام" لأن هذا ليس معنى زائدا على القدرة، لأنك تقول أيضا بالقدرة على الخلق والقدرة على الرزق والقدرة على التصوير...الخ، وهذا كله ليس بأمر زائد على القدرة،
وقولك إن الكلام صفة معنى يستلزم أنه زائد على القدرة، كما تقول العلم زائد على القدرة، فأنت لا تقول إن العلم هو القدرة على العلم، ولا تقول إن القدرة هي العلم بالأفعال. لأن هذا يستلزم إما نفي العلم أو نفي القدرة. فافهم.
والحاصل

أنت لا تفرق بين صفة المعنى وصفة الفعل يا هيثم، وهذا دليل آخر على أنك غير متأهل على الخوض في هذا المضمار.

وأما إن كنت قصدت بصفة المعنى الصفة التي هي القدرة، فهذا دليل على أنك تقول أن الكلام هو عين القدرة، وهو أمر قد نفيته أنت سابقا في كلامك.
وكلامك أيها المسكين مليء بالتناقضات والجهل وأنت لا تعلم، وتظن أنك عالم، وتلك مصيبة كما قلتُ لك.

وأما قولك:"ولذلك فإن جوابي على قولك: "فها أنت علقت الكلام على القدرة، وتقول بكل جرأة: "وليس من صنيع السلف إرجاع صفة التكلم إلى القدرة على الكلام"، فتنفي أن الكلام متعلق بالقدرة".
هو أن المقصود من عدم إرجاع صفة التكلم إلى القدرة أن ذلك قد يوهم أن التكلم ليس صفة مستقلة، مثل كون الخلق والرزق وغيرهما صفات مستقلة. "اهـ

فأنت هنا تعترف أنك لم توقف الكلام على القدرة لأنك إن فعلت ذلك لزم (وتعبيرك بيوهم هنا لا فائدة منه) عن ذلك كون الكلام ليس صفة مستقلة. وهذا في غاية التناقض، فأنت تحذر من القول بأن الكلام ليس صفة مستقلة، والكلام عندك لا يخرج عن اعتبارين، أو ثلاثة اعتبارات في الحقيقة
الأول: صفة قديمة ليست متوقفة على المشيئة، (هذا على القول القديم عندك) يعني ليست متوقفة على القدرة أيضا، لأن ما لا يتوقف على المشيئة لا يتوقف على القدرة. وهذا القول يعني أنها صفة مستقلة فعلا عن القدرة.
الثاني: صفة قديمة (على تعبيرك) وهي القدرة على التكلم عند الإرادة والقدرة، وهذا المعنى في الحقيقة ليس إلا تعلقا من تعلقات القدرة، أي ليس إلا مفهوم صفة الفعل. وهو ليس صفة مستقلة عن القدرة بل متوقفة عليها. فهو ليس صفة مستقلة. وهذا يناقض قولك السابق.
والثالث: هو عين الفعل الحاصل بالقدرة(أي الصوت والحرف الحادثين والقائمين بالذات) وهو عين الفعل الحادث. وهذا قطعا غير مفهوم القدرة لأنه حادث، ومتوقف على القدرة، والمتوقف على الشيء ليس نفس الشيء.
هذه هي المعاني الثلاثة التي تقول بها أنت في معنى الكلام.
والمعنى الأول يناقض الثاني، ويناقض كلام ابن تيمية مرجعك أيضا، وإن جهلت أنت أنه يناقضه فسوف تعرف ذلك لاحقا بعد أن تراجع كلام ابن تيمية بشكل أدق،
والثاني ليس بصفة مستقلة كما بينته لك بل هو عبارة عن تعلق للقدرة والإرادة والتعلق ليس بصفة معنى مستقلة.
وأما الثالث: فهو عين الفعل الحادث.
ولا يتم لك القول بأن الكلام صفة مستقلة وصفة معنى إلا على القول الأول الذي تحاول التخلص أنت عنه ببيانك في المقال الثاني ولم تعترف بأنه يناقض القول الثاني، وهو أيضا يناقض كلام ابن تيمية.
فكيف تريد مني أن أوافقك على هذه التهافتات!!

وأما قولك إن الخلق والرزق صفات معاني مستقلة:

فعلى مذهب من تقول ذلك؟

إن أردت أن هذا على مذهب الأشاعرة، فهو باطل، فقولهم ليس كذلك، خاصة مع تسويتك بينها وبين الكلام.

ومشكلتك في أمرين يا هيثم، الأول في جهلك لمذهب الأشاعرة، ولمذهب ابن تيمية، والثاني في تعصبك واندفاعك لنصرة مذهب ابن تيمية على جهلك به. وأنا لا أدري كيف اجتمع فيك هذان الأمران الدالان على التناقض والتهافت الكبير، فكيف تخالف مذهبا أنت جاهل به، وكيف تنصر مذهبا أنت جاهل به ، تلك لعمري مصائب لا تطيق الجبال حملها. وأطاقها هذا الإنسان.

وإن أردت أن هذه صفات معنى على مذهب ابن تيمية وأنها مستقلة، فليس كذلك أيضا، لأن هذه عبارة عن نفس الأفعال الحادثة القائمة في الذات العلية عنده، وهي حادثة بإرادته وقدرته كباقي الأفعال. وليست مستقلة عن القدرة والإرادة، لأنها مترتبة في الوجود عليها.
فقولك غير صحيح على جميع المذاهب.


وأما قولك: "قولك: "وأما ابن تيمية فلم يقل إن الكلام القديم لا يتوقف على المشيئة".
أقول: بل قال ذلك، ونسبه إلى بعض السلف الصالح. وحيث أن موضوعنا ليس هو ابن تيمية أو غيره، فلا حاجة لنقل كلامه والخوض في مناقشته"اهـ

فأنت ادعيت أن ابن تيمية قد قال بالكلام القديم وأنه لم يرجعه إلى الإرادة. ثم قلت إنه نسب هذا القول أيضا إلى بعض السلف الصالح.
فهل لك أن تأتينا بالنص الذي يدل على أنه قال بأن الكلام القديم الذي لا يتوقف على الإرادة هو صفة لله تعالى، ومن هم هؤلاء السلف الصالح الذين قالوا بذلك يا هيثم؟؟
وأرجو أن لا تتجاهل هذا السؤال ! ! !
ولن تستطيع أن تأتي بنص يدل على أن ابن تيمية قائل بالكلام القديم غير المتوقف على الإرادة. وأما غير ابن تيمية فلا شأن لنا بهم هنا، ولكن أريد أن تبين لنا من هؤلاء السلف الصالح الذين قالوا بذلك.
ومسألتنا في ابن تيمية أصالة.
إن أردت بالكلام القديم الصفة النفسية التي ليس بصوت ولا حرف، فلم يقل بها ابن تيمية، وقال بها الأشاعرة، وإن أردت به غيرها فهات الدليل عليه وأنه غير متوقف على الإرادة.
وإن أردت الحرف والصوت القديم فلم يفل بها ابن تيمية.


دافع عن مُقَلَّدك يا هيثم، وابذل ما تستطيع من جهد، ولن تستطيع، بل لن تستطيع أيضا أن تبرهن أنك تفهم مذهبه كما هو ظاهر حتى الآن.

فسبحان الله ويحق لي أن أسبح الله تعالى عن النقص عندما أسمع هذا الكلام وأراه.

سعيد فودة
26-04-2004, 11:16
أنت قلت يا هيثم

أولا:"ولكن الاتصاف بجنس الفعل ونوعه (وإن شئت: القدرة عليه) ليس راجعاً إلى القدرة والإرادة."اهـ

هل تستطيع يا هيثم أن تبين بكلام من ابن تيمية على أنه يقصد بجنس الفعل ونوعه أي بالقدم النوعي مجرد القدرة عليه.
وهل قدم الكلام النوعي المقصود منه فقط القدرة عليه.
وهل المقصود من قدم الأفعال النوعي هو فقط مجرد القدرة عليه.
أثبت أن هذا هو المعنى الذي يريده ابن تيمية بهذا المصطلح يا هيثم.


ثانيا: أنت قلت "لا إشكال، ها هو الإنسان يتكلم بحرف وصوت، وصوته ينتقل إلى أذن غيره دون أن تزول صفة من صفاته أو تنعدم. "اهـ

فأسألك كيف تدعي أن صفته لا تنعدم عندذاك، وأنت تقول إن نفس الصوت القائم بذاته هو صفته، فإذا انتقل هذا الصوت من ذاته أو انعدم منها، كيف يمكن أن تقول إن هذه الصفة لا تنعدم أو تزول عنه وتنقل. ولا تخلط الكلام بالمعنى الأول الذي ادعيته للكلام وهو القدرة على الكلام، فنحن نتكلم الآن على المعنى الثاني وهو عين الصوت والحرف القائمين بالله وهما صفة له.

ألا ترى أنك تتهافت وتخالف الضروريات والبديهيات، ومن كان كذلك فالأحرى ألا يناقش لأنه سفسطائي، ومع ذلك أمهلك قليلا قبل أن أنتهي منك.

وأنت تعترف أنك ما زلت تحاول التمكن في فهم كلام ابن تيمية، فأنا أقترح عليك أن تمكث دهرا على نفسك حتى إذا تمكنت منه، فاظهر للخلق لكي تدافع عنه، وتبينه، أما الدفاع والبيان قبل الفهم فهو تهافت كبير، ويوقعك فيما تقع فيه الآن.

لقد تهاويتَ يا مسكين وهذه لحظاتك الأخيرة.

بلال النجار
26-04-2004, 13:49
بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد يا هيثم،

فقولك: (أنت لم تأت بعموم أصلاً لكي أخصصه)
أقول: هذا إنكار منك لكون لفظ (كل شيء) مفيداً للعموم. فهل تجهل أنت أن صيغة كلّ من صيغ العموم بل هي أقواها كما اختاره بعض العلماء الذين تحتج بهم في تفسير الآية؟ وأقربهم إلى قلبك الشوكانيّ إذ يقول: في إرشاد الفحول: 1/213: (وقد قدمنا في الفرع الثالث ما يفيد أن لفظ كل أقوى صيغ العموم).
فهل ردّك لإفادتها ههنا العموم لجهل فيك بألفاظ العموم أم ما هي الحكاية؟

قولك: (وما دام بالإمكان اختصار طريق النقاش فلا إشكال. وها هم أهل العلم لم يفهموا الآية على فهمك، اللهم إلا الرازي، وكلامه لا يكفي في مقابل كلام بقية العلماء، ومنهم أشاعرة، وقد حملوا الآية على معنى العلم والخبرة والبصيرة وما شابه، دون صفة البصر والتي هي إحدى الصفات السبع عندكم. فظهر فساد استدلالك بهذا الدليل وأن عليك الآن الانتقال إلى الدليل التالي)

أقول:

أولاً: كون البصير تفيد معنى العليم ليس مما أنكره، فلا يتوجّه كلامك عليّ. إذ هي تفيده وتفيد معنى البصير أي المتّصف بصفة البصر. والبصير بمعنى المتّصف بصفة البصر أظهر من العليم، بما لا ينكره عاقل. وإصرارك على عدم ظهوره من اللفظ مكابرة.

ثانياً: ممن ذكرتهم من المفسرين من ذكر إن البصير هو ذو البصر وهذا يبقي كلامهم مصدّقاً ومثبتاً للمعنى الذي أحتجّ له بهذه الآية، ومنهم الإمام الطبري فيما نقلته عنه، وقول الشوكاني: (لا يخفى عليه شيء كائناً ما كان) يؤيد المعنى الذي أستدلّ له ويعارض قولك أنت، إذ على قولك فإنه يخفى عليه بعض ما كان وهو على قولك الموجودات التي لا يتعلق بها بصرك أنت بهذه الكيفية، وكذا قول الرازي هو عين ما احتججت به فيكون معي، والقمي معي إذ يجوز المعنيين، فيقول: (إنه بكل شيء بصير: فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب)، والبقاعي يقول: (بصير: بالغ البصر والعلم بظواهر الأشياء وبواطنها) فهو معي قولاً واحداً أيضاً، إذ يقرر المعنيين. فحاصل نقولك عن خمسة عشر من المفسرين، هو أن خمسة منهم معي في تقرير المعنى الذي أحتج له، أي الثلث، والباقي قولهم لا ينافي قولي، فيقال إنهم ذكروا معنى وتركوا ذكر الآخر، ولم يذكر أحد منهم أنه لا يجوز المعنى الآخر، ولا نفى عموم تعلّق البصر بكل موجود، ولا أنكر عموم الآية أصلاً، ولا ذكر أن ظاهر الآية تفيد أن المبصرات هي بعض الموجودات دون بعض.
وأزيدك أن مفتتح الآية هو قوله تعالى: (أولم يروا إلى الطير) فيكون معنى البصير بالمعنى الذي أحتجّ له أشدّ ظهوراً لمناسبته ما افتتح الكلام عنه، وأزيدك أن القرطبيّ رحمه الله تعالى فسر قوله (إنه بكل شيء بصير) بقوله (أي ما يمسك الطير وهي تطير في الجو إلا الله عزّ وجلّ، إنه بكل شيء بصير). وظاهر كلامه يقتضي إثبات الظاهر من البصير على المعنى الذي أحتج له أنا، ولو أراد غير هذا الظاهر مما هو أبعد لنبّه عليه.

ثالثاً: لا يصلح مخصصاً للآية قول بعض العلماء دون بعض. فعليك أن تأتي بإجماعهم على قصر معنى البصير على العليم حتى يتمّ لك التخصيص بأقوال العلماء. فلا تتعب نفسك في البحث عن أقوال المفسرين التي تؤيد قولك لأنها لا تصلح مخصصاً للآية. بل إنك لن تجد واحداً منهم يقول بما سميّته ظواهر الآيات والأحاديث التي تثبت تعلق بصره تعالى ببعض الموجودات دون بعض، وهي عندك ما يمكنك رؤيته بهذه الكيفية. وإني أتحداك أن تأتي بقول عالم واحد يقرر هذا الكلام الشنيع الذي تدّعي أنت أنه ظاهر القرآن والسنّة.

رابعاً: لم لا تلقي بنظرة على لسان العرب، ومختار الصحاح، والقاموس، وغيره من المعاجم لتكتشف أن المعنى الأول الظاهر للبصير هو من البصر الذي هو ضد العمى، وليس من البصيرة. ولو أردت أن أحتج على ذلك لطال المقام كثيراً، بل سأكون كمن يحتج لظاهر بيّن لا يخفى إلا على أعمى.

خامساً: قولك: (نعم، أحتج بهم في مواقع أخرى على أن يكون الموقع مما تضافرت عليه أقوالهم بهذا الشكل، أما إن اختلفوا فألتزم تفاسير أصحاب العقيدة السليمة في نظري(
أقول: معنى كلامك أنك لا تعتد بكلام هؤلاء العلماء، لأن من لا يعتد بخلافهم فلا اعتاد له بهم. فلا يكون احتجاجك بكلامهم دليلاً عندك أنت، ومع ذلك تأتيني بأقوالهم. أي أنّ أقوال العلماء ليست بحجّة عندك إلا إذا وافقت هواك ومعتقدك أنت، فلم تحتج بها، وهذا هو العجب العجاب. ثمّ بالله ائتني بقول مفسر واحد من أصحاب العقيدة السليمة في نظرك يقول قولك الرديء هذا، وهو أن بصر الله تعالى لا يتعلق إلا ببعض الموجودات التي هي عندك ما تراه أنت بهذه الكيفية المعهودة، إن هذا القول لم أعرفه إلا منك أنت في هذه المهزلة التي تسميها ظلماً بحثاً ومناظرة، وتدّعي فيها بأنك باحث عن الحقّ. ووالله الذي لا إله إلا هو ما أنت كذلك، بل الظاهر منك المعاندة والتحايل والتلاعب لإثبات عقيدتك مهما كلفك ذلك، ومهما تهافتت وتضاربت أقوالك.

سادساً: كلّ ما تبقى من كلامك فارغ لا قيمة له، فلست أنت من يصبر عليّ، الحقيقة أنني لا أعرف كيف استطعت الصبر على شدّة غبائك أو تغابيك حتى الآن، وشدّة جهلك، وعدم التزامك بأن أقوالك متناقضة بيّنة التناقض كما هو ظاهر لكل عاقل في كلامك مع الشيخ سعيد ومعي. وتهرّبك من الإجابة عن الأسئلة الواضح معناها لهو عين التلاعب والحيدة. وإنه ليؤسفني أن أضيع وقتي في الكلام مع جاهل معاند مثلك، بل يؤسفني وجود أمثالك في مثل هذا المنتدى.

وآخر الكلام شيئان:
الأول: وهو أنك يا هيثم، تدّعي كغيرك من السلفية أنكم تتمسكون بالكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح في إثبات عقائدكم، وهذا مبحث عقدي، فهات لي من الكتاب والسنة وأقوال السلف أن صفة البصر تتعلق بالموجودات التي تبصرها أنت بهذه الكيفية دون باقي الموجودات؟
فإن لم تأتِ بذلك فلا تكون قد أقمت الدليل المعتبر عندك على هذه العقيدة الفاسدة، ويكون قد ظهر كذب دعواك في انتسابك إلى الكتاب والسنة والسلف في هذه العقيدة.
الثاني: أنك منعت استدلالي بالآية تارة بدعوى التخصيص ولم تأت بمخصص، وتارة بنفي ظهور معنى البصير الذي هو المتصف بالبصر ووصف ادعائي بظهوره بالجهل، ووصف دليلي بالتهاف، ولم تستطع أن تدلل على عدم ظهوره ولو بدليل واحد، وتارة تلوح من بعيد بجواز المعنيين مطلقاً لا في هذه الآية، فيكون قصراً لمعنى البصير على العليم، ولم تأت بدليل مانع من إرادة معنى المتصف بالبصر. فلا تكون حتى الآن قد رددت استدلالي بالآية الكريمة. وليكن هذا آخر الكلام معك في هذه المسألة. والذي يظهر منه لكل عاقل مدى فداحة أقوالك وتهافتك وغرابة معتقدك وفساده. وإن لم تأتِ بالمطلوب منك لإثبات اعتقادك الغريب هذا أو إفساد دليلي الظاهر، فلا تعد للكلام في هذه المسألة، لأني لن أحتملك أكثر من ذلك، وسأبدل أسلوب الكلام معك بما يليق بهذه السلسفطة التي تظهرها.
هذا والله تعالى المستعان على ما بدا منك من أقوال وأفعال

هيثم عبدالحميد حمدان
26-04-2004, 16:30
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله، أما بعد،

* كلما قرأتُ كلاماً جديداً لك يا أخ سعيد رأيتُ قلة استيعابك لمذهبنا، وكيف أنك تنظر إليه بعيني مذهبك. وقد أظهرتَ مراراً أن هدفك من النقاش إنما هو إظهار جهلي، ولا أدري إن كان اتهامك لي بالجهل هو غطاء تغطي به قلة علمك بمذهبنا ومحاولة تعلم شيء من العبد الفقير، عموماً فإنني لن أستمرّ في الردّ على كلامك بعد هذه المشاركة لأن الهدف من نقاشك ليس الوصول إلى الحق. وهاك بعض الملاحظات على كلامك الأخير:

قولك: "وقد صرح بذلك ابن عثيمين في شرحه على الواسطية، فقال إن صفة الكلام من صفات الفعل اللازمة للذات".
أقول: كلام ابن عثيمين ليس له علاقة بمسألتنا يا أخ سعيد، وهو متعلق بمسألة خلافية بين علمائنا حول ما إذا كان الله سبحانه يوصف بالسكوت أم لا.

قولك: "وتظن أنك عالم".
أقول: هذا كذب وزور وبهتان وافتراء وسوء ظن لا أحللك منه، والموعد يوم القيامة.

قولك: "هل تستطيع يا هيثم أن تبين بكلام من ابن تيمية على أنه يقصد بجنس الفعل ونوعه أي بالقدم النوعي مجرد القدرة عليه".
أقول: ابن تيمية لا يرى أن جنس الفعل هو "مجرد" القدرة عليه، بل يرى كغيره من السلفيين إمكانية تصور قيام نفس الفعل في الأزل إذا شاء الله.

قولك: "وهل قدم الكلام النوعي المقصود منه فقط القدرة عليه".
أقول: لا، بل المقصود منه القدرة على التكلم مع إمكانية تصور تكلم الله في الأزل إن شاء.

قولك: "فأسألك كيف تدعي أن صفته لا تنعدم عند ذاك ... الخ".
أقول: لماذا تحيد عن جوابي؟ أنت سألت عن انتقال صفة الله وحلولها في غيره، وأنا أجبتك بأن طالبتك بتصوّر الشاهد من كلام البشر، فلماذا لم تناقش ردّي بدلاً من إعادة نفس الكلام؟

هيثم عبدالحميد حمدان
26-04-2004, 17:15
قولك: "هذا إنكار منك لكون لفظ (كل شيء) مفيداً للعموم".
أقول: ليس كذلك، بل هو إنكار مني لدلالة (كل شيء) على عموم تعلق صفة البصر بكل شيء من خلال الآية.

قولك: "وقول الشوكاني: (لا يخفى عليه شيء كائناً ما كان) يؤيد المعنى الذي أستدلّ له ويعارض قولك أنت، إذ على قولك فإنه يخفى عليه بعض ما كان وهو على قولك الموجودات التي لا يتعلق بها بصرك أنت بهذه الكيفية".
أقول: كلام يدلّ على أنك تحتضر، فإن "لا يخفى عليه شيء" لا تعني أنه يبصر كل شيء ضرورة، وتعني: إنه يعلم كل شيء ضرورة. وهو ما أقول به، وكون بقية الموجودات لا تتعلق ببصره سبحانه لا يعني أنها خافية عليه.

قولك: "والقمي معي إذ يجوز المعنيين، فيقول: (إنه بكل شيء بصير: فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب)".
أقول: هنيئاً لك أن يكون القمي معك، فهل تلتزم بأن معنى الآية هو أن الله إنما يبصر كيفية تدبير العجائب؟ وهل أنت مستعدّ لأن تصرح بأن القمي هو معوّلك في القول بما تقول به؟

قولك: "والبقاعي يقول: (بصير): بالغ البصر والعلم بظواهر الأشياء وبواطنها)".
أقول: تعدية البصر بحرف الباء تعني البصيرة، كما نسبه الرازي إلى خصومه، وأنا من خصومه، وجوابه عنه باطل عندي، فحاول أن تستدل بكلام واضح إن كنت تريد الحق. وأقسم بالله ما أنت بمريد للحق.

وتعليقك على قول القرطبي: "(أي ما يمسك الطير وهي تطير في الجو إلا الله عزّ وجلّ، إنه بكل شيء بصير). وظاهر كلامه يقتضي إثبات الظاهر من البصير على المعنى الذي أحتج له أنا، ولو أراد غير هذا الظاهر مما هو أبعد لنبّه عليه".
أقول: كلام غاية في السخافة والبله، بل إن القرطبي يثبت المعنى الذي أريده أنا، وهو أن الله ذو علم وبصيرة بـ "ما" يمسك الطير وهي تطير في الجو، خاصة وأن هذا الـ "ما" غير مبصر بحسب تعريفي للمبصرات. والظاهر أنك بدأت تقحف قعر الطنجرة بحثاً عن أدلة. ولا أدري ماذا كنت ستفعل لو أنني لم أسعفك بثلث أقوال المفسرين الذين ظننت أن لك به مستمسك.

قولك: "فهات لي من الكتاب والسنة وأقوال السلف أن صفة البصر تتعلق بالموجودات التي تبصرها أنت بهذه الكيفية دون باقي الموجودات؟".
أقول: لا تغيّر الموضوع، فليس بحثنا الآن فيما يثبت تعلق بصره سبحانه ببعض الموجودات دون بعض، وإنما البحث في استدلالك المتهافت بهذه الآية. وأنا أعرف أن دمّ أضراسك الكلام على الأدلة النقلية، وأنك الآن كالقط المسجون تفعفط ولا تكاد تصدّق متى ننهي الكلام عن الأدلة النقلية وننتقل إلى تراهاتك التي تعدّها أدلة "عقلية".

ثم أقول: إن فهم ظواهر النصوص لا ينفك عن تفسير العلماء لها لو كنت تفهم مذهبنا يا بلال. وأرجو منك ومن الأخ سعيد التوقف عن محاولة إظهار فهمكما لمذهبنا، فأنتما من أبعد الناس عن ذلك. ولعل السبب هو أنكما تذهبان لتناظرا بعض الإخوة السلفيين المبتدئين في الطلب وتسألانهم: "هل الله يقدر على الاستواء على ظهر بعوضة؟!"، "هل يقدر الله على أن يحل في بطن مريم؟!"، تنصبون للمبتدئين منهم الفخاخ ثم تعمّمون كلامهم على جميع السلفيين، ولو أخبرتك ببعض ما تقيأ به أكثر من لطخ ممن يزعم أنه أشعري حبشي؛ لصدمت.

قولك: "أنك منعت استدلالي بالآية تارة ... وتارة ...".
أقول: وأنت غيّرت من اتجاه نقاشك، فتارة اعتبرت نقلي لكلام المفسرين التفاف ومغالطة، وتارة طِرتَ من الفرحة لما ظننت أن ثلثهم يؤيدك، فحولت النقاش باتجاه الكلام عن كلامهم.

ثم إنك تعرف جيداً أنكم لا تعبؤون بالأدلة النقلية ما لم توافق عقولكم، فلماذا المكابرة هداك الله؟! عموماً ما دام هذا آخر كلامك معي في هذه المسألة فسأعتبر أنك لم تأتني بدليل نقلي إلى الآن، ويشهد الله أنني أعرف أنك لن تقدر على الاتيان بشيء من ذلك.

سعيد فودة
26-04-2004, 22:37
كلما رأيت ما تؤول حالك إليه يا هيثم، حمدت الله تعالى أن لم يكن أتباع ابن تيمية إلا من هم على شاكلتك، ومن هم في مستواك من الجهل وقلة الفهم ، والعجيب أنهم مع ذلك يتمتعون بقدرة كبيرة على التعالي على الآخرين. ولكن هذا هو حال الجهال.

فتعسا لهذا المذهب الباطل الذي لا ينتج إلا أناسا مشوهين مثلك.

أنت والله الذي لا إله إلا هو لا تعرف ما الذي تريده، ووصفي لك في المشاركة الأخيرة وإلزاماتي لك لا نحتاج معها إلى الانتظار إلى يوم القيامة أيها المسكين لنعرف تهافتك وتهافت مذهبك وصدق ما قلته لك ووجهته إلى كلامك.
ومع ذلك فأنا أترفع عن أن أتحداك فأنت أقل شأنا والله من هذا بكثير، فوالله إنني لا أقبلك تلميذا فكيف أعتبرك ندا، أيها الفتى.
وقد ذكرت لك أيها المسكين أنني في كل ما مضى لا إناقشك، إنما كنت أرشدك لتستطيع فهم مذهب ابن تيمية ، لا أكثر.

ولماذا أيها المسكين إذا كنت تعرف أن ابن تيمية يجيز التسلسل في كلمات الله تعالى القائمة بذاته، بل يوجبه منذ الأزل، لماذا حاولت أن تفسر كلامه الأزلي بمجرد القدرة على الكلام، أليس هذا تلاعبا ونوعا من الكذب على هذا المسكين الذي ابتلي بأتباع مثلك.

ألم تلاحظ نفسك أنك منذ بدايات الكلام معك لم تكن تصرح بحقيقة اعتقادك إلا بعدما ألجئك إلى ذلك إلجاءا، فأنت تحسن الاقتداء بابن تيمية في هذا جيدا. أعني في التلاعب واللف والدوران ومحاولة التفلت وعدم الوضوح في كلامك، لتبق لنفسك مجالا للهروب.
وقد قلت لكم سابقا إن مذهبكم لا يليق به إلا هذه الطريقة لأنكم لو كنتم صريحين في البيان عما تعتقدون، لافتضح أمركم منذ زمان.
وقد اقترب ذلك الافتضاح. بل ما قمتَ به أيها المسكين من التصريح بكثير من اعتقاداتك من زوال صفة الله تعالى عن ذاته كون الأفعال أزلية وكون الحوادث قائمة بذاته تعالى منذ القدم، ولزوم التغيرات على ذاته واستكمال ذاته بذاته بأن يوجد صفات جديدة (تسمونها أفعالا حادثة وأصواتا وحروفا وغير ذلك مما لا يقوم لكم عليه سلطان) ، كل هذه التصريحات عبارة عن فضائح لمذهبكم فأنت تنتسب إليه وتعبر عنه بلسانه. إلا أن مشكلتي معك أنك تجهل كثيرا من مذهب ابن تيمية ، فلزم أن أعلمك كيف تتكلم في كثير من المواضع.
وها أنت بكل جهالة تصرح بأنني أتعلم منك، فورب السماء والأرض إن هذا مما يضحك الثكالى.

وما دمت لا تريد أن ترد على ما أوجهه إليك بعد الآن.
فهذا أعتبره انهزاما منك، وأنت يا مسكين لا تحتاج إلى هذا الاعتراف، فإن كل من يقرأ كلامك ومجريات النقاش يعرف أنك لو كنت تعرف نفسك وما أنت عليه من جهل، لعرفت أن السكون عن الكلام واجب شرعا عليك. وما جعل الإمام الغزالي عنوان كتابه بإلجام العوام عن علم الكلام إلا لأمثالك.

واعلم فوق ما قلت لك، أنني عندما نظرت في أتباع مذهبكم في هذا الزمان، لم أرَ أحدا أهلا لأن أردَّ أنا عليه وأناقشه، لأنهم كلهم يشتركون في نفس مواصفاتك، ولذلك فقد قلت إن الأسلم والأولى في حقي أن أتكلم مع شيخكم ومؤسس مذهبكم.
ولقد قلت لبعض أصحابي عندما ألفت كتاب الكاشف الصغير إن السلفيين وأتباع ابن تيمية سوف يحتاجون لعدة سنوات لكي يفهموا هذا الكتاب، وعندما يفهمونه فسوف يلزمهم عشرات السنوات لكي يردوا عليه ولن يستطيعوا. وها أنتم لا زلتم في مرحلة محاولة الفهم بعد مرور أكثر من خمس سنوات على نشره.

والله الموفق وإليه المصير، وإليه الاحتكام

جلال علي الجهاني
26-04-2004, 23:11
بسبب ظهور الجهل الكبير الذي صدر من هيثم حمدان وتناقضاته الكثيرة...

واحتراما لجلالة هذه الموضوعات التي تتعلق بالأحكام الإلهية...

وتنزيهاً لمقام الذات العلية عن ترهات هؤلاء المجسمة ...

نغلق هذا الموضوع...

وكل الشكر للأستاذين الفاضلين: سيدي سعيد فودة حفظه الله تعالى، والأخ بلال النجار، سائلاً الله تعالى أن يجعل ما كتباه في ميزان حسناتهما..

وأن يهدي هيثم إلى طريق الصواب ...