المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القول المحقق غير المضطرب لمسألة الربا والمعاملات الفاسدة في دار الحرب



أوس عبد الرؤوف كريم
22-04-2006, 08:25
"
المُعاملات الرَّبوية في دَار الحَرب "
بحث فقهي لبيان مذهب السادة الأحناف في مسألة الرِّبا والمعاملات الفاسدة في دار الحرب
والموازنة بين أقوال أئمة المذهب فيها مع عرض لأدلة كل فريق
وبيان الرأي الراجح فيها وفق قواعد الترجيح المعتبرة
التي نصَّ عليها علماء المذهب















المقدمة :
الحمد الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على سيدي وقرة عيني ، نور العيون وسراج القلوب ، القائل : " إنّما الأعمال بالنيات " (1) – فأسأله تعالى العلي العظيم أن يكون هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم - ، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى سنته ، وسار على نهجه من الحياة إلى الممات ، سيما أئمتنا الأربعة المتبوعين ، الذين تلقتهم الأمة بالقبول ، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وعلى مقلديهم إلى يوم الدين .
وبعد :
فإن مما لا شكَّ فيه أنَّ موضوع المعاملات الرَّبوية في دار الحرب أخذ يشغل حيزاً كبيراً من تفكير أهل عصرنا ، وكثر السؤال عن حكم التعامل بالربا في دار الحرب ، سيما أن كثيراً من المسلمين قد هاجروا إلى الدول الأوروبية ، ويتساءلون عن حكم وضع أمواهم في بنوك أوروبا الربوية ، وأخذ الفائدة عليها ، وبعضهم يلاقي تشديداً وتضييقاً على حياته هناك ، كارتفاع أسعار الإجارات للبيوت ، فيأخذ قرضاً من بنك ربوي ليشتري منزلاً ، ويُنزل هذه الشدةّ منزلة الضرورة ، فيبيح لنفسه من الحرام مالا يقره عقل ولا دين ، خاصة أن كثيراً من النّاس يطلق على كل دولة أجنبية اسم دار الحرب .
ومن هنا كان لا بدّ من تجلية الأمر ، وبيان حكمه ، وأقوال الفقهاء المتبعين فيه ، خروجاً عن عهدة الحرام ، والتزاماً بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الحلال بيّن ، وإن الحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات ، لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه" (2) .
لذلك ارتأيت أن يكون موضوع بحثي حول المعاملات الربوية في دار الحرب ، وقد قسمت البحث إلى مقدمة وفصلين وخاتمة .
المقدمة : وتشتمل على سبب اختيار البحث .
الفصل الأول : بينت فيه الفرق بين دار الإسلام ودار الحرب ، وما تصير به دار الإسلام دار حرب .
الفصل الثاني : بينت فيه مفهوم الرِّبا ، وحكم المعاملات الربوية والفاسدة في دار الحرب وأقوال الفقهاء في ذلك .
الخاتمة : ذكرت فيها خلاصة ما مرّ من أقوال الفقهاء ، وما أميل إليه .

.................................................. ..............
1.البخاري/ كتاب بدء الوحي . عن عمر بن الخطاب . حديث رقم 1 ، مسلم/ كتاب الإمارة رقم الحديث 1907 .
2.البخاري/ كتاب الأيمان ، باب فضل من استبرأ لدينه رقم 52 ، كتاب البيوع رقم 2051 . مسلم/ كتاب المساقاة ، باب أخذ الحلال وترك الشبهات رقم 1599 .


والله أسأل أن أكون قد وفقت لما صبوت لتحقيقه ، فإن أحسنت فمن الله ، وإن كانت الأخرى فمني والشيطان ، وأعوذ بالله من همزه ونفثه ، وأعوذ بالله من الخطل والزلل .

وقبل أن نبدأ لا بدّ من بيان سبب اختيار المذهب الحنفي لدراسة المسألة ؛ وذلك أن جمهور الفقهاء يحرمون الربا سواء في دار الإسلام أو دار الحرب ، وإنما وقع الخلاف بين أئمة المذهب الحنفي ، وهذا ما سنبينه إن شاء الله .

وحتى لا نخرج عمّا أردنا تحقيقه ، وبيانه وتجلية أمره ، نبدأ بالمقصود الأول : دار الإسلام ودار الحرب ، وبيان المقصود من كليهما .
الفصل الاول :

دار الإسلام ودار الحرب :
يرد مصطلح " دار الإسلام " كثيراً في كتب الفقهاء في أبواب السياسة الشرعية ككتب السير والجهاد ، ولعلّ أقدم من استعمل هذه اللفظة سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه في كتابه لأهل الحيرة حيث جاء فيه :
" ... وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه ، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين(1) وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام . فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام فليس على المسلمين النفقة على عيالهم(2) .

وقد عرّف الحنفية دار الإسلام بعدة تعريفات مختلفة في اللفظ متفقة في المعنى نورد بعضها :
قال قاضي خان(3) في شرح الزيادات(4) : ولهذا تصير دار الحرب دار الإسلام بمجرد إجراء الأحكام .

.................................................. ......................
1.أُنفق عليه منه .
2.كتاب الخراج : أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم . المكتبة الأزهرية للتراث 157-158 .
3.الحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز الأوزجندي الإمام فخر الدين أبو المحاسن قاضيخان الفرغاني الحنفي ، الإمام الكبير والعالم النحرير ، قال اللكنوي : كان إماماً كبيراً وبحراً عميقاً غواصاً في المعاني الدقيقة مجتهداً فهّامة . تفقه على الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي نصر الصفاري الأنصاري والإمام ظهير الدين أبي الحسن علي بن عبد العزيز المرغيناني ونظام الدين أبي اسحاق إبراهيم بن علي المرغيناني ، وتفقه عليه شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري .ذكره ابو المحاسن الحصيري شيخ الإسلام فقال : هو سيدنا القاضي الامام والأستاذ فخر الملّة ركن الإسلام بقية السلف مفتي الشرق . له من المؤلفات الكثير منها : الفتاوى ، شرح الجامع الصغير والكبير للشيباني .توفى رحمه الله سنة 592 . انظر لترجمته : هدية العارفين1/ 280 ، كشف الظنون1 / 165 ، الطبقات السنية3/ 116 ، الجواهر المضية2/ 93 ، مفتاح السعادة2/ 252 ، الفوائد البهية/ 111 ، تاج التراجم/ 151 ، طبقات الحنفية للحنائي/ 237 .
4. 6/2023 . دار إحياء التراث .


وقال الحصكفي(1) في الدّر المختار(2) : ودار الحرب تصير دار الإسلام بإجراء أحكام أهل الإسلام فيها كجمعة وعيد ، وإن بقي فيها كافر أصلي ، وإن لم تتصل بدار الإسلام .
قال في الفتاوى الهندية(3) : اعلم أن دار الحرب تصير دار الإسلام بشرط واحد وهـو إظهار حكم الإسلام فيها . ومثله في إيثار الإنصاف(4) .
وقال ابن مازة رحمه الله بقوله : أجمع العلماء أن دار الحرب عند ظهور المسلمين عليهم دار إسلام بإجراء أحكام الإسلام فيها على الإشهار(5) .
وقال الشيخ البوطي : هي فيما اتفق عليه أئمة المذاهب الأربعة ، البلدة أو الأرض التي دخلت في منعة المسلمين وسيادتهم بحيث يقدرون على إظهار إسلامهم والامتناع من أعدائهم ، سواء تمّ ذلك بفتح وقتال ، أو بسلم ومصالحة ، أو نحو ذلك .

وقال أيضاً : وقد تختلف عبارات الفقهاء في تعريف دار الإسلام ، ولكنها اختلافات في الصياغة اللفظية فقط . ومدار هذه التعريفات كلها على معنى واحد هو محل اتفاق منهم جميعاً ، وهو أن يمتلك المسلمون السيادة لأنفسهم فوق تلك الأرض ، بحيث يملك كل منهم أن يستعلن فيها بأحكام الإسلام وشعائره .
وهذه السيادة الإسلامية على أرض ما ، هي التي تجعل منها دار إسلام وسيان بعد ذلك أن يكون سكانها مسلمين أو غير مسلمين ، كالبلدة التي فتحها المسلمون وأقروا أهلها عليها بجزية ونحوها(6) .

وعرفها الشيخ عبد الوهاب خلاف بأنها : الدار التي تجري عليها أحكام الإسلام ، ويأمن من فيها بأمان المسلمين ، سواء كانوا مسلمين أو ذميين(7) .

.................................................. ..........................

1.لعلاء الدين محمد بن علي بن محمد الحِصني الأصل الدمشقي الحَصْكَفي " نسبة إلى حصن كيفا ، وهو من ديار بكر ، وحصن كيفا على دجلة بين جزيرة ابن عمر وميافارقين ) الحنفي ، فقيه أصولي محدِّث مفسِّر نَحوي ، ولد بدمشق سنة 1021 . قرأ على محمد أفندي المحاسني ، وارتحل إلى الرَّملة وأخذ عن خير الدين بن أحمد الخطيب ، ودخل القدس وأخذ عن فخر الدّين بن زكريا ، وحجَّ وأخذ في المدينة عن أحمد القشاشي ، وتولى إفتاء الحنفية بدمشق . توفى رحمه الله سنة 1088 ، ودفن بمقبرة الباب الصغير. وله من المؤلفات الكثير منها : إفاضة الأنوار على المنار ، الدر المنتقى شرح الملتقى . انظر : هدية العارفين2/ 295 ، ذيل كشف الظنون1/ 428 ، الأعلام6/ 294 ، معجم المؤلفين11/ 56 .
2.انظر الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 6/288 . دار الكتب العلمية .
3. 2/232 . دار الفكر .
4.لسبط ابن الجوزي / 231 .
5.المحيط البرهاني في الفقه النعماني 5/ 114 .
6.الجهاد في الإسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه / 80 .
7.السياسة الشرعية . نقلاً عن أسس العلاقات الدولية في الإسلام لمحمود أبو الليل/ 13 .



ومن خلال ما مضى من ذكر تعريفات دار الإسلام ، نخلص إلى القول أن محل الاتفاق على دار الإسلام هو خضوعها لأحكام الإسلام وسلطان المسلمين سواء كان سكانها من المسلمين أو غيرهم .
وبالتالي تشمل دار الإسلام كل البلاد التي فتحها المسلمون ، ويستطيعون أن يظهروا أحكام الإسلام من غير مانع من أحد .


دار الحرب :
ذكرنا سابقاً أن دار الحرب تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها ، وخضوعها لسيادة المسلمين . أما تحول دار الإسلام إلى دار حرب فهذا محل خلاف بين أئمة المذهب من السادة الحنفية ، وبيّنا سابقاً سبب اقتصارنا على مذهب السادة الأحناف لورود الخلاف في مسألتنا الأصلية وهي المعاملات الربوية في دار الحرب في مذهبهم .

قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن : أن دار الإسلام تصير دار حرب بشرط واحد لا غير ، وهو إظهار حكم الكفر فيها .
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا تصير دار الإسلام دار حرب إلا بشروط ثلاثة ، وإن غلبوا على دار من دورنا ، أو ارتدّ أهل مصر وغلبوا وأجروا أحكام الكفر ، أو نقض أهل الذمة العهد وتغلبوا على دارهم(1) .

قال ابن مازة رحمه الله(2) : ودار الإسلام عند استيلاء الكفار عليها عندهما (أي أبو يوسف ومحمد) تصير دار حرب بإجراء أحكام الكفر على سبيل الاشتهار ، وعند أبي حنيفة رحمه الله لا تصير دار الحرب إلا بشرائط ثلاثة :
أحدها : إجراء أحكام الكفر على سبيل الإشهار .
والثاني : أن تكون متاخمة بأرض حرب ، أي متصلة لا يتخلل بينهما بلدة من بلاد المسلمين .
والثالث : أن لا يبقى فيها مؤمن آمن على نفسه بإيمانه أو ذمي آمن في نفسه بأمانه الأول ، وهو أمان المسلمين(3) .

.................................................. ..............................
1.انظر : رد المحتار على الدر المختار 6/288 . كتاب الجهاد / باب المستأمن . مطلب فيما تصير به دار الإسلام دار حرب وبالعكس . المحيط البرهاني لابن مازة 5/ 144 ، شرح الزيادات لقاضي خان6/ 2032 باب ما إذا غلب المشركون من أرض المسلمين ثم يظهر عليهم المسلمون ، الفتاوى الهندية 2/ 232 .
2.للإمام برهان الدين محمود بن أحمد بن عبدالعزيز الحنفي المعروف بابن مازه صاحب المحيط ، والمولود سنة 551 والمتوفى رحمه الله سنة 616 . وله العديد من المؤلفات منها : الذخيرة البرهانية ، الواقعات ، شرح الزيادات للشيباني ، الفتاوى البرهانية . انظر لترجمته هدية العارفين2 / 404 ، كشف الظنون1 ، 343 ،الفوائد البهية/ 336 ، الجواهر المضية3/ 42 ، تاج التراجم/ 288 .
3. المحيط البرهاني 5/ 114 .


قال ابن عابدين رحمه الله(1) تعقيباً على الشرط الأول : وظاهره أنه لو أجريت أحكام المسلمين ، وأحكام أهل الشرك لا تكون دار حرب .
وقال تعقيباً على الشرط الثاني : بأن لا يتخلل بينهما بلدة من من بلاد الإسلام ، وظاهره أن البحر ليس فاصلاً ، بل قدمنا في باب استيلاء الكفار أن بحر الملح ملحق بدار الحرب ، خلافاً لما في فتاوى قارىء الهداية(2) .
وقال تعقيباً على الشرط الثالث : أي الذي كان ثابتاً قبل استيلاء الكفار للمسلم بإسلامه ، وللـذمي بعقد الذمة(3) .
قلت : ما نراه في أيامنا من الأمان للمسلمين في دار الحرب إنما حصلوا عليه بموجب قانون داخلي لتلك الدولة ، أو معاهدة مع الدولة الإسلامية ، وهو ما يعرف بفيزة دخول تلك الدار ، لا بالأمان الأول أي بإسلام المسلم ، وعقد الذمة للذمي .

وبالنسبة للمتاخمة قال الدكتور محمود أبو الليل(4) : لم يعد اليوم ذا موضوع ، بعد أن أخذ ابن الأرض يتحكم في الأجواء ، بل يتحكم في الفضاء ، ولم يعد القتال يحتاج إلى المتاخمة بفعل اختراع الطائرات النفاثة ، والصواريخ العابرة للقارات ، فيعتبر هذا الشرط باطلاً بحكم الواقع .
قلت : وإن كان الإنسان قد استطاع التحكم في الأجواء وغزو الفضاء ، إلا أنه لا بد من المتاخمة لحسم المعركة والإنطلاق من قاعدة قريبة لتحقيق هذا الأمر ، وكل من له أدنى اطلاع على الأمور والإستراتيجية العسكرية يدرك أن القصف الصاروخي والجوي إنما هو ممهد للحرب البرية ، ولا يمكن حسم المعركة بدونه . وغزو العراق خير شاهد على ذلك ، وهو ليس منّا ببعيد . والله أجل وأعلم وأحكم .
وقال أيضاً : اشتراط أبي حنيفة لهذه الشروط الثلاثة إنما هو خاص بالدار التي كانت في الأصل دار إسلام ، أما البلاد الأخرى التي لم تخضع لسلطان المسلمين فالظاهر أن أبا حنيفة يتفق فيها مع غيره من الفقهاء أنها تكون دار حرب ، ما لم ترتبط بالمسلمين بعهد ، فتكون حينئذ دار عهد(5) .
.................................................. ...........
1. إمامُ الحنفية في الشام - صاحب الحاشية المشهورة - 1748_ 1836 م ،محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم بن محمد صلاح الدين بن نجم الدّين بن محمد صلاح الدين بن نجم الدين بن كمال بن تقي الدين المدرس بن مصطفى الشهابي بن حسين بن رحمة الله بن أحمد الفاني بن علي بن أحمد بن محمود بن أحمد بن عبدالله بن عز الدين بن عبدالله بن قاسم بن حسن بن اسماعيل بن حسين النتيف بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأعرج ابن الإمام جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين بن الحسين بن علي رضوان الله عليهم جميعا.
وعرف المترجم بابن عابدين، وهي شهرة تعود إلى جدّه محمد صلاح الدين الذي أطلق عليه اللقب لصلاحه. انظر لترجمته ومؤلفاته المطبوعة والمخطوطة : فقيه الحنفية محمد أمين عابدين : محمد مطيع الحافظ .
2. قارىء الهداية هو سراج الدين عمر بن علي الحنفي ، وتوفى رحمه الله سنة 773 ، وله تعليقة على الهداية . وجاءت المسألة في فتاويه كالتالي : سئل عن البحر المالح أهو من دار الحرب أم من دار الإسلام ؟ فأجاب : ليس من دار أحد الفريقين لأنه لا قهر لأحد عليه . انظر : فتاوى قارىء الهداية / 78 . دار الفرقان عمّان .
3. انظر : رد المحتار على الدر المختار : 6/ 288 .
4. أسس العلاقات الدولية في الإسلام / 18 . دار المصطفى ، وبنفس قوله قال الدكتور محمود الديك : المعاهدات في الشريعة الإسلامية /65 .
5. المصدر السابق / 19 .


وبهذا القدر كفاية لبيان دار الإسلام ودار الحرب .
ونختم بالقول : أن كل إقليم حكمه المسلمون ، واستقر لهم الحكم فيه لفترة ولو كانت محدودة ، ثم انتقلت السيادة في هذا الإقليم لغيرهم بحيث لم أزيح حكم الإسلام ، وأخرج أهله منه يعتبر داراً إسلامية .
ويعتبر كل حكم قائم عليه بعد ذلك مغتصباً ، ويجب على المسلمين تجميع قوتهم ، وإعداد أبنائهم لاسترداد ما أخذ منهم ، فهو ميراثهم وميراث أجدادهم الذين ضحوا من أجل نشر الإسلام فيه ، كفلسطين الحبيبة ، والأندلس والقوقاز .
فاستقرار الإسلام في مثل هذه البلاد ولو لفترة ، وكذلك وجود المسلمين يكفي لأن يبقى هذا الأقليم تابعاً لدار الإسلام .
وننتقل لبيان مفهوم الرّبا ، الذي يوصلنا بعدها لبيان حكمه في دار الحرب .

الفصل الثاني :
الرِّبا :
عرّف الحنفية الرّبا بأنه(1) : الفضل المستحق لأحد العاقدين في المعاوضة الخالي عن عوض شرط فيه . أي في العقد .
وعلته عندهم : القدر والجنس ، وعنوا بالقدر الكيل في المكيل والوزن في الموزون .
قال في الدّر المختار : هو لغة : مطلق الزيادة .
وشرعاً : (فضل) ولو حكماً فدخل ربا النسيئة والبيوع الفاسدة (خالٍ عن عوض) خرج مسألة صرف الجنس بخلاف جنسه (بمعيار شرعي) وهو الكيل والوزن فليس الذرع والعد بربا (مشروط) ذلك الفضل (لأحد المتعاقدين) أي بائع أو مشتر ، فلو شرط لغيرهما فليس بربا بل بيعاً فاسداً (في المعاوضة) فليس الفضل في الهبة بربا (وعلته) أي علة تحريم الزيادة (القدر) المعهود بكيل أو وزن (مع الجنس فإن وجدا حرم الفضل) أي الزيادة (والنساء) ، وإن عدما حلّا .
يتضح مما سبق من العبارات أنه لو شُرِطَت زيادةٌ في القرض ، ووجب أداؤها على أحد الفريقين ، لكان ربًا وحرامًا ، (كلُ قرض جرّ نفعًا حرام) أي إذا كان مشروطاً .
قال الإمام محمد الحسن بن أحمد الكواكبي في منظومته المسماة : الفرائد السنية(2) :
.................................

1. انظر : تبيين الحقائق : للزيلعي 4/ 85 ، فتح القدير : لابن الهمام 7/ 8 ، رد المحتار على الدر المختار7/398 ، التصحيح والترجيح لابن قطلوبغا/ 231 ، شرح العيني على الكنز2/ 57 ، تحفة الفقهاء للسمرقندي2/ 25 ، فتح باب العناية للقاري 2/ 355 ، الفوائد السميةشرح الفرائد السنية للكواكبي 2/ 38 ، النتف في الفتاوى للسغدي1/ 484 ، الفتاوى الهندية3/ 117 .

2. انظر الفرائد السنية مع شرحها المسمى الفوائد السمية للكواكبي 2/ 38 .




فضل خلا عن عوض مشروط
لواحد من عاقد منوط

بعقده وذاك في المعاوضة
فذلك الربا بلا معاوضة

وعلة التحريم فيه أبدا
القدر والجنس إذا ما وجدا

فكل ما بينهما تجانس
ان فضل الواحد إذ يقايس

شرعاً على الآخر بالمعيار
فهو ربا بذلك المقدار

والكيل والوزن هنا المقدار
فذاك في الشرع هو المعيار

أوس عبد الرؤوف كريم
22-04-2006, 08:37
حكم التعامل بالربا والعقود الفاسدة في دار الحرب(1) :
ذهب الإمام الأعظم أبو حنيفة إلى جواز تعامل المسلم والذمي إذا دخلا دار الحرب مستأمنين أن يتعاقدا بالربا وغيره من العقود الفاسدة مع حربي في دار الحرب ، أو مع مسلم أسلم فيها ولم يهاجر إلينا .

وذهب الإمام أبو يوسف إلى حرمة التعامل بالربا سواء كانا في دار الحرب أو دار الإسلام ، وهو رأي جمهور الفقهاء .

وفرق الإمام محمد بن الحسن بين المعاملة بالرّبا مع حربي ، وبين المعاملة مع مسلم لم يهاجر إلينا ، فيرى جواز الصورة الأولى ، وحرمة الصورة الثانية .
قال الإمام الكواكبي في منظومته (2):
وبين مسلم وحربي إذا *** في داره كان فشرعاً جاز ذا

قال الإمام المرغيناني في الهداية : ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب(يعني الربا) ، خلافاً لأبي يوسف والشافعي رحمهما الله .

.................................................ز
1. انظر : الهداية شرح بداية المبتدي 3/ 64 ، فتح القدير لابن الهمام 7/ 38 ، البناية على الهداية للعيني 6/ 570 ، الفتاوى الهندية 3/ 121 ، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي 4/ 97 ، المبسوط 14/ 69 ، شرح العيني على الكنز 2/ 62 ، فتح باب العناية بشرح النقاية للقاري 2/367 ، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين 7/ 422 ، شرح منلا مسكين على الكنز / 196 ، كشف الحقائق للأفغاني 2/ 34 .
2. الفوائد السمية للكواكبي 2/ 42 .


قال في تبيين الحقائق(1) : لا ربا بينهما (المسلم والحربي) في دار الحرب ، وكذلك إذا تبايعا بيعاً فاسداً في دار الحرب فهو جائز عند أبي حنيفة ومحمد ، وقال أبو يوسف والشافعي لا يجوز لأن المسلم التزم بالأمان أن لا يتملك أموالهم إلا بالعقد ، وهذا العقد وقع فاسداً فلا يفيد الملك الحلال فصار كما إذا وقع مع المستأمن منهم في دارنا .
وفي الفتاوى الهندية(2) : ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب هذا قولهما ، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يثبت بينهما الربا في دار الحرب ، وكذا إذا دخل إليهم مسلم بأمان فباع من مسلم أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا جاز الربا معه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يجوز ، وأما إذا هاجر إلينا ثم عاد إلى دارهم لم يجز معه الربا كذا في الجوهرة النيرة(3) .
وقال في فصل الصرف في دار الحرب :
دخل مسلم أو ذمي دار الحرب بأمان أو بغيره وعقد مع الحربي عقد الربا بأن اشترى درهماً بدرهمين أو درهماً بدينار إلى أجل معلوم أو باع منهم خمراً أو خنزيراً أو ميتة أو دماً فذلك كله جائز عندالطرفين(أبو حنيفة ومحمد) ، وقال القاضي لا يجوز بين المسلم والحربي ثمة إلا ما يجوز بين المسلمين كذا في جواهر الأخلاطي(4) .
ونذكر نصّا للتأكيد على قول محمد بن الحسن في التفريق بين المعاملة الربوية أو الفاسدة بين المسلم والحربي في دار الحرب ، وبين المسلم والحربي الذي أسلم ولم يهاجر إلينا .
قال ابن مازة رحمه الله :
وإن عاقد هذا المسلم الذي دخل بأمان ، ورجل أسلم هناك ولم يهاجر عقد الربا جاز في قول أبي حنيفة ، ولم يجز في قول أبي يوسف ومحمد ، وهذا فرع اختلافهم في حكم مال من أسلم في دار الحرب ، ولم يهاجر إلينا عند أبي حنيفة رحمه الله : أنه على حكم الإباحة ما لم يحرزه بدار الإسلام ، لو أتلفه مسلم لا ضمان عليه ، وعندهما : أنه على العصمة كمال المستأمن(5) .
وينبغي التنبيه أن هذه الصور كلها فيما إذا كانت الفائدة فيها للمسلم ، أما إذا كانت الفائدة فيها للحربي فلا يجوز بالاتفاق بين أصحاب المذهب ، ونشير لبعض النصوص الدّالة على ذلك :
قال ابن الهمام رحمه الله (6):
إلا أنه لا يخفى أنه إنما يقتضي حلّ مباشرة العقد إذا كانت الزيادة ينالها المسلم ، والرّبا أعم من ذلك إذ يشمل ما إذا

...............................
1.الزيلعي 4/ 97 .
2. 3/ 121 . فصل تفسير الربا وأحكامه
3.الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري 1/ 216 : الإمام أبي بكر بن علي المعروف بالحدادي العبادي . سمَّـاه : السِّراج الوهاج الموضح لكل طالب محتاج . وعدَّه الإمام ببركلي من جملة الكتب المتداوله الضعيفة غير المعتبرة . ثم اختصر هذا الشرح وسمَّـاه : الجوهرة النيرة . انظر : كشف الظنون2/ 1631 ، النسخة الأزهرية المخطوطة للسراج الوهاج ، الجوهرة النيرة . المطبعة الخيرية ، ط1/ 1322 وبهامشه شرح الميداني على الكتاب المذكور .
4.الفتاوى الهندية 3/ 248 فصل الصرف في دار الحرب .
5.المحيط البرهاني7/ 231 وما بعدها ، فصل في الصرف في دار الحرب .
6.فتح القدير 7/ 39 ، ومثله في الدر المختار 7/ 422 وما بعدها ، والمحيط البرهاني 7/ 231 .


كان الدرهمان من جهة المسلم ومن جهة الكافر ، وجواب المسألة بالحلّ عام في الوجهين ، وكذا القمار قد يفضي إلى أن يكون مال الحظر للكافر بأن يكون الغلب له ، فالظاهر أن الإباحة تفيد نيل المسلم الزيادة ، وقد التزم الأصحاب في الدرس بأن مرادهم من حلّ الربا والقمار ما إذا حصلت الزيادة للمسلم نظراً إلى العلة وإن كان إطلاق الجواب خلافه .
وفي المحيط البرهاني :
ورأيت في بعض الكتب أن هذا الاختلاف فيما إذا اشترى منهم درهما بدرهمين لا يجوز بالاتفاق ؛ لأن فيه إعانة لهم بقدر الدرهم الزائد ومبرة في حقهم بذلك(1) .
وفي هذه النصوص وأمثالها ردع لمن يتذرع من المسلمين في الغرب بجواز أخذ القروض الربوية لإكمال معاملاتهم ، وشراء البيوت بحجة أن المذهب الحنفي يجوّز ذلك ، وقد أثبتنا خلافه على ما هو المعتمد في المذهب إذ أن حصول الفائدة في مثل هذه المعاملات الفائدة لغير المسلم .
وبهذا خرجت أمثال هذه المسائل مما أردنا الوصول إلى الحق فيه ، وبقي صورة المسألة إذا كانت معكوسة بحيث يكون حصول الفائدة فيها للمسلم .
ونكتفي بهذا القدر من النصوص لإثبات ما ذهب إليه أهل المذهب في مسألتنا ، وننتقل إلى أدلة الفريقين ، فقد وردت مختصرة في معظم كتب المذهب التي رجعت إليها ، وفصّل القول فيها الإمام السرخسي رحمه الله في مبسوطه وابن الهمام في فتحه ، لنصل بعد عرضها إلى القول الذي نميل إليه وفق قواعد الترجيح في المذهب .
أدلة المحرمين : وهو قول أبي يوسف ووافقه فيه جمهور الفقهاء :
قالوا إن المسلم التزم بالأمان أن لا يتملك أموالهم إلا بالعقد ، وهذا العقد وقع فاسداً فلا يفيد الملك الحلال فصار كما إذا وقع مع المستأمن منهم في دارنا(2) .
وقالوا أيضاً أن الربا معنى محذور في دار الإسلام فكان محذوراص في دار الحرب كالزنا والسرقة(3) .
اطلاق النصوص فإنها لم تقيد المنع بمكان دون مكان ، والقياس على المستأمن منهم في دارنا ، فإن الربا يجري بين المسلم وبينه فكذا الداخل منا إليهم بأمان(4) .
قالوا إن فعل الربا لا يجوز بجامع تحقق الفضل الخالي عن العوض المستحق بعقد البيع(5) .
"حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه وقع للمشركين جيفة في الخندق ، فأعطوا بذلك للمسلمين مالاً ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك " . والمعنى فيه أن المسلم من أهل دار الإسلام فهو ممنوع من الربا بحكم الإسلام حيث كان ، ولا يجوز أن يحمل فعله على أخذ مال الكافر بطيبة نفسه ، لأنه قد أخذه بحكم العقد ، ولأن الكافر غير راض بأخذ هذا المال منه إلا بطريق العقد منه ، ولو جاز هذا في دار الحرب لجاز مثله في دار الإسلام بين المسلمين ، على أن يجعل الدرهم بالدرهم ، والدرهم الآخر هبة(6) .
....................................
1.المحيط البرهاني 7/231 .
2.انظر تبيين الحقائق للزيلعي 4/ 97 .
3.انظر الجوهرة النيرة للحدادي 1/ 216 .
4.انظر فتح القدير لابن الهمام 7/ 38 .
5.انظر العناية على الهداية للبابرتي 7/ 39 ، بهامش فتح القدير على الهداية .
6.انظر المبسوط للسرخسي 14/ 69 .



أدلة الإمامين أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله :

* ما رواه مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا ربا بين المسلمين وبين أهل دار الحرب في دار الحرب .

قال الإمام السرخسي : هذا الحديث وإن كان مرسلاً فمكحول فقيه ثقة ، والمرسل من مثله مقبول ، وهو دليل لأبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- في جواز بيع المسلم الدرهم بالدرهمين من الحربي في دار الحرب(1) .
ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته : " كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع وأول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب "(2) . فابن عباس بعد إسلامه رجع إلى مكة وكان يربي ، وكان لا يخفى فعله عن رسول الله ، فما لم ينهه عنه دلّ أن ذلك جائز ، وإنما جعل الموضوع من ذلك ما لم يقبض حتى جاء الفتح ، وبه نزل قوله تعالى في سورة البقرة الآية 278 : " وذروا ما بقي من الربا "(3) .
قال محمد بلغنا " أن أبا بكر الصديق-رضي الله عنه- قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى (ألم غلبت الروم) قال له مشركو قريش يرون أن الروم تغلب فارس ، فقال : نعم . فقالوا هل لك أن تخاطرنا على أن نضع بيننا وبينك خطراً ، فإن غلبت الروم أخذت خطرنا ، وإن غلبت فارس أخذنا خطرك ، فخاطرهم أبو بكر –رضي الله عنه- على ذلك ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره ، فقال : اذهب إليهم فزد في الخطر ، وأبعد في الأجل ، ففعل أبو بكر-رضي الله عنه- وظهرت الروم على فارس ، فبعث إلى أبي بكر –رضي الله عنه- أن تعال فخذ خطرك ، فذهب وأخذه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم به فأمره بأكله "(4) . فهذا القمار لا يحلّ بين أهل الإسلام ، وأجازه النبي بين أبي بكر وهو مسلم ، وبين مشركي قريش ؛ لأنه كان بمكة في دار الشرك حيث لا يجري أحكام الإسلام(5) .
" لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ركانة بأعلى مكة ، فقال له هل لك أن تصارعني على ثلث غَنمي ، فقال صلوات الله عليه : نعم ، وصارعه فصرعه " . إلى أن أخذ منه جميع غَنَمه ، ثم ردها عليه تكرماً(6) . وهذا دليل على جواز مثلها في دار الحرب بين المسلم والحربي ، وهذا لأن مال الحربي مباح ، ولكن المسلم ضمن لهم أن لا يخونهم ، وأن لا يأخذ منهم شيئاً إلا بطيبة أنفسهم (7) . ............................

1.انظر المبسوط للسرخسي 14/69 . وأخرجه الزيلعي في نصب الراية 4/44 وقال : غريب ، وأسند البيهقي في المعرفة –في كتاب السير- عن الشافعي قال : قال أبو يوسف : إنما قال أبو حنيفة هذا لأن بعض المشيخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا ربا بين أهل الحرب ، وأظنه قال : وأهل الإسلام ، قال الشافعي : وهذا ليس بثابت ولا حجة فيه.
2.جزء من حديث طويل رواه الإمام مسلم في الحج 8/170-195 برقم 1218 .
3.انظر المبسوط للسرخسي 14/ 70 .
4.أخرجه الترمذي في كتاب التفسير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس(3193) ، واحمد في مسنده(2499) .
5.انظر المبسوط للسرخسي14/ 70 .
6.أخرجه أبو داود في كتاب اللباس(4078) ، والترمذي في كتاب اللباس(1784)
7.انظر المبسوط للسرخسي14/70 .



ومن أدلتهم أيضاً قولهما : أن الحربي ماله مباح في دارهم ، فبأي طريق أخذه المسلم أخذ مالاً مباحاً إذا لم يكن فيه غدر ، خلافاً للزنا إن قيس عليه الربا ؛ لأن البضع لا يستباح بالإباحة بل بالطريق الخاص ، أما المال فيباح بطيب النفس به وإباحته .(1)
وقال الزيلعي في تبيين الحقائق : أن مال الحربي مباح ، وبعقد الأمان لم يصر معصوماً ، إلا أنه التزم ألا يغدرهم ولا يتعرض لما في أيديهم بدون رضاهم ، فإذا أخذه برضاهم فقد أخذ مالاً مباحاً بلا غدر فيملكه بحكم الإباحة السابقة إذ تأثير الأمان في تحصيل التراضي دون التملك فكان الملك في حق الحربي زائداً بالتجارة كما رضي به ، وفي حق المسلم ثابتاً لاستيلائه على مال مباح(2) .
................................

1.انظر فتح القدير 7/39 ، والعناية على الهداية للبابرتي مطبوع بهامش فتح القدير7/39 ، الجوهرة النيرة للحدادي1/216 ، البناية للعيني6/570-571 ، فتح باب العناية للقاري 2/367 ، المحيط البرهاني لابن مازة7/231 ، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين7/422-423 ، شرح الكنز للعيني2/62 .
2.انظر تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي4/97 .


الخـــــاتمة :
من خلال ما مضى من استعراض لصور المعاملات الفاسدة في دار الحرب كالربا والقمار وبيع الميتة والخمر والخنزير ، والتفريق بين صورة ما يكون الفائدة فيه للمسلم ، وبين ما يكون الفائدة فيه لغير المسلم ، فقد بيّنا اتفاق أصحاب المذهب على عدم جواز الصورة التي يكون فيها الفائدة لغير المسلم ، كأن يشتري المسلم من الحربي الدرهم بدرهمين لأجل ، وبيّنا فساد قول المسلمين في الغرب بجواز شراء البيوت وغيرها عن طريق البنوك الربوية الموجودة هناك لحصول الفائدة فيها لغير المسلم ، ونسبة مثل هذا القول إلى المذهب .
بقيت الصورة الاخرى ، وهي ما يكون الفائدة فيه بمثل هذه المعاملات للمسلم ، وهي على الخلاف الذي مضى توضيحه بجواز ذلك عند الإمام أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن رحمهما الله تعالى ، وعدم جوازه عند الإمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم .

الرأي الراجح في المذهب :
قال ابن عابدين رحمه الله في رسالته شرح المنظومة المسماة بعقود رسم المفتي :
" قد علمت ما قررناه آنفاً أن ما اتفق عليه ائمتنا لا يجوز لمجتهد في مذهبهم أن يعدل عنه برأيه ؛ لأن رأيهم أصح ، وأشرت هنا إلى أنهم إذا اختلفوا يقدم ما اختاره أبو حنيفة سواء وافقه أحد أصحابه أو لا....الخ
ثم قال : والحاصل أنه إذا اتفق أبو حنيفة وصاحباه على جواب لم يجز العدول عنه إلا لضرورة ، وكذا إذا وافقه أحدهما(1)ذ .
قلت :
وفقاً لقواعد المذهب في معرفة الراجح في الخلاف ، والتي قررها علماؤه ونصوا عليها في كتبهم المعتبرة نخلص إلى القول بأن الرأي الراجح في المذهب في مسألة المعاملات الفاسدة في دار الحرب ، إذا كانت الفائدة فيها للمسلم هو رأي الإمام أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن عليهما رحمة الله .


وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية ما صبونا لتحقيقه ، فإن أحسنت فمن الله وأسأله الغنيمة من كل برّ ، وإن أسأت فمني والشيطان ، وأعوذ بالله من همزه ونفثه ونفخه ، وأسأله تعالى السلامة من كل إثم .


والحمد لله ربّ العالمين
.......................
1. انظر شرح منظومة عقود رسم المفتي ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين/ 26 .


مراجع البحث :
* القرآن الكريم
أسس العلاقات الدوليه في الإسلام : محمود أحمد أبو الليل . دار المصطفى/ 1978 .
البنايه في شرح الهداية : محمود بن أحمد العيني . دار الفكر . ط1/ 1981 .
التصحيح والترجيح على مختصر القدوري : قاسم بن قطلوبغا ، تحقيق ضياء يونس . دار الكتب العلمية . ط1/ 2002 .
الجهاد في الإسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه : د. محمد سعيد رمضان البوطي . دار الفكر .ط2/1999 .
الجواهر المضية في طبقات الحنفية : محي الدين عبد القادر بن محمد القرشي ، تحقيق عبد الفتاح الحلو . مؤسسة الرسالة ط2/ 1993 .
الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري : أبو بكر بن علي المعروف بالحدادي العبادي . المطبعة الخيرية ط1/ 1322 هـ .
الدر المختار شرح تنوير الأبصار : محمد بن علي الحصكفي . مطبوع مع شرحه رد المحتار لابن عابدين . دار الكتب العلمية ط1/ 1994 .
الطبقات السنية في تراجم الحنفية : تقي الدين بن عبد القادر التميمي الغزي . تحقيق عبد الفتاح الحلو . دار الرفاعي-الرياض . ط1/ 1983 .
الفتاوى الهندية : مجموعة من علماء الهند . دار الفكر ومصورة بالأوفست عن الطبعة الأميرية ببولاق ، وبهامشها فتاوى قاضي خان ، والفتاوى البزازية . 1991 .
الفوائد البهية في تراجم الحنفية وملحق به التعليقات السنية وطرب الأماثل : للمحدث محمد بن عبد الحي اللكنوي . دار الأرقم ط1/ 1998 .
الفوائد السمية شرح النظم المسمى بالفرائد السنية : كلاهما للعلامة محمد بن حسن الكواكبي ، وبهامشه منظومته في الأصول مع شرحها . المطبعة الأميرية ببولاق ط1/ 1324 هـ .
المبسوط : شمس الأئمة محمد بن أحمد السرخسي . دار الكتب العلمية ط1/ 2001 .
المحيط البرهاني في الفقه النعماني : برهان الدين محمود بن أحمد بن عبدالعزيز بن مازة . دار الكتب العلمية ط1/ 2004 .
النتف في الفتاوى : شيخ الإسلام علي بن الحسين السغدي . تحقيق د. صلاح الدين الناهي . مؤسسة الرسالة بيروت ودار الفرقان/ الأردن . ط2/ 1984 .
الهداية شرح بداية المبتدي : أبو الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني . دار إحياء التراث . دون رقم طبعة .
إيثار الأنصاف في آثار الخلاف : شمس الدين يوسف بن فرغلي المعروف بسبط ابن الجوزي : تحقيق ناصر العلي . دار السلام ط1/ 1987 .
تاج التراجم : قاسم بن قطلوبغا . تحقيق محمد خير رمضان . دار القلم –دمشق . ط1/ 1992 .
تبيين الحفائق شرح كنز الدقائق : فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي : دار الكتاب الإسلامي ، وهي مصورة بالأوفست عن الطبعة الأميرية ببولاق ، وبهامشه حاشية الشلبي .
تحفة الفقهاء : علاء الدين السمرقندي : دار الكتب العلمية . دون رقم طبعة .
رد المحتار على الدر المختار : محمد أمين عابدين . دار الكتب العلمية ط1/ 1994 .
سنن أبي داود : سليمان بن الأشعث السجستاني . دار الحديث بيروت . ط1/ 1388 تحقيق : عزت الدعاس .
سنن الترمذي : محمد بن عيسى بن سورة . دار الفكر ، 1408 . تحقيق أحمد شاكر .
شرح الزيادات : فخر الدين حسن بن منصور المعروف بقاضي خان . تحقيق قاسم أشرف . دار إحياء التراث ط1/ 2005 .
شرح العيني على الكنز : بدر الدين محمود بن أحمد العيني . إدارة القرآن الكريم-كراتشي ط1/ 2004 .
شرح منلا مسكين على الكنز : معين الدين الهروي المعروف بمنلا مسكين ، المطبعة الخيرية ط1/ 1324 هـ .
صحيح البخاري : محمد بن اسماعيل البخاري ، مع شرحه فتح الباري لابن حجر العسقلاني . دار الكتب العلمية ط1/ 2003 .
صحيح مسلم بشرح النووي : مسلم بن الحجاج النيسابوري . دار الكتب العلمية ، ط1/ 1990 .
طبقات الحنفية : علي جلبي المعروف بابن الحنائي . دار ابن الجوزي/ عمان ط1/ 1425 .
فتاوى قارىء الهداية : سراج الدين عمر بن علي الحنفي . ت : محمد غرايبة ومحمد الزغول . دار الفرقان/عمان . ط1/ 1999.
فتح القدير شرح الهداية : كمال الدين محمد عبد الواحد السيواسي ، دار الفكر ط2/ 1977 .
فتح باب العناية بشرح النقاية : علي بن سلطان القاري . ت: محمد وهيثم نزار . دار الأرقم ط1/ 1997 .
فقيه الحنفية محمد أمين عابدين : محمد مطيع الحافظ . دار الفكر ط1/ 1994 .
كتاب الخراج : أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم . المكتبة الأزهرية للتراث 1999 .
كشف الحقائق شرح كنز الدقائق : عبدالحكيم الأفغاني . مطبعة الموسوعات-مصر / 1322 .
كشف الظنون : مصطفى بن عبدالله الشهير بحاجي خليفة . دار إحياء التراث العربي . دون رقم طبعة
مجموعة رسائل ابن عابدين : محمد أمين عابدين . عالم الكتب . دون رقم طبعة .
مسند الإمام أحمد : دار إحياء التراث . ط2/ 1414 هـ .
مفتاح السعادة ومصباح السيادة : أحمد بن مصطفى الشهير بطاش كبرى زاده . دار الكتب العلمية . ط3/ 2002 .
هدية العارفين : إسماعيل باشا البغدادي . دار إحياء التراث . مصورة بالأوفست استانبول 1951 .

احمد خالد محمد
22-04-2006, 10:33
اخي الفاضل اوس

جزاك الله خيرا و بارك فيك على هذا البحث الممتع المفيد و احببت منك مزيدا من التوضيح حبا في النقاش العلمي و التفاعل الموضوعي لا حرصا على نصرة رأي من قالوا بجواز الربا في دار الكفار معاذ الله.


وقال الحصكفي(1) في الدّر المختار(2) : ودار الحرب تصير دار الإسلام بإجراء أحكام أهل الإسلام فيها كجمعة وعيد ، وإن بقي فيها كافر أصلي ، وإن لم تتصل بدار الإسلام .

ودار الحرب تصير دار الإسلام بإجراء أحكام أهل الإسلام فيها كجمعة وعيد كأن لسان حال هذه الجملة يقول ان اجراء احكام الاسلام من جمعة و عيد يكون بعد فتح المسلمين لبلدة ما او سيطرتهم عليها عسكريا و لذا اتبعها بقوله: و ان بقي فيها كافر اصلي اي و ان ضل اهلها او بعضهم كفارا رغم الفتح.

هل تتفق معي؟



ومن خلال ما مضى من ذكر تعريفات دار الإسلام ، نخلص إلى القول أن محل الاتفاق على دار الإسلام هو خضوعها لأحكام الإسلام وسلطان المسلمين سواء كان سكانها من المسلمين أو غيرهم.

وبالتالي تشمل دار الإسلام كل البلاد التي فتحها المسلمون ، ويستطيعون أن يظهروا أحكام الإسلام من غير مانع من أحد .

هل نستطيع ان نجزم ان ما خلصت اليه ينطبق على حال المسلمين في الدول الأوروبية او امريكا اي هل يصح ان نقول ان هذه البلاد اصبحت اليوم خاضعة لأحكام الإسلام و سلطان المسلمين كما في الجملة المقتبسة اعلاه؟

فإن استعمال مصطلح الخضوع يزيد الإشكال الحاصل عندي فكيف ينطبق كل هذا على صورة ما هو حاصل اليوم من ان مجموعة من المسلمين هاجروا الى بلاد الكفار و عاشوا فيها لكنهم لم يخضعوها لسلطانهم بل انهم ما زالوا بعيدين كل البعد عن اقناع انظمة هذه الدول الاعتراف بأحكام دينهم كما فعل اليهود مثلا من نجاحهم في انتزاع الاعتراف بأعيادهم و احكام اخرى معينة تتعلق بدينهم رغم كونهم اقلية ثم لو كان الأمر من البساطة ان ديار الكفار تصبح ديار اسلام بمجرد اقامة شعائر الجمعة و العيدين فلما ضلت مكة تعتبر دار شرك لما كان فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه واله و صحابته يقيمون صلاتهم فيها اي نعم مع الأذى الحاصل من الكفار و لكن مثل هذا الأذى حاصل و يحصل اليوم في امريكا و كندا و بلاد اوروبا بسبب الكراهية المتصاعدة للإسلام والمسلمين.

احمد خالد محمد
22-04-2006, 11:32
تكملة


فبعث إلى أبي بكر –رضي الله عنه- أن تعال فخذ خطرك ، فذهب وأخذه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم به فأمره بأكله "(4) . فهذا القمار لا يحلّ بين أهل الإسلام ، وأجازه النبي بين أبي بكر وهو مسلم ، وبين مشركي قريش ؛ لأنه كان بمكة في دار الشرك حيث لا يجري أحكام الإسلام(5) .

فاذن افهم من ان المراد بان دار الحرب تصبح دار اسلام بجريان احكام الإسلام فيها هو سيطرة المسلمين على ذلك البلد و اخضاعهم له و هيمنتهم الفعلية عليه كما حصل في المدينة المنورة بعد هجرة المصطفى صلى الله عليه و سلم اليها لا مجرد اقامة شعائر الجمعة والعيدين و انما ذكرت الجمعة و العيدين لئن من شروط صحة الجمعة ان تقام في مصر جامع و هو الموضع الذي له امير و قاض ينفذ الأحكام و هذا لا يتوفر عادة الا في الأرض التي غلب عليها المسلمون.

صوبني بارك الله فيك

أوس عبد الرؤوف كريم
22-04-2006, 16:44
أخي الحبيب أحمد :
بداية شاكر لمرورك ، وجوابك حول ما سألت كان موجوداَ ، ولعلك لم تنتبه إليه ، وهذا هو :
وبهذا القدر كفاية لبيان دار الإسلام ودار الحرب .
ونختم بالقول : أن كل إقليم حكمه المسلمون ، واستقر لهم الحكم فيه لفترة ولو كانت محدودة ، ثم انتقلت السيادة في هذا الإقليم لغيرهم بحيث لم أزيح حكم الإسلام ، وأخرج أهله منه يعتبر داراً إسلامية .
ويعتبر كل حكم قائم عليه بعد ذلك مغتصباً ، ويجب على المسلمين تجميع قوتهم ، وإعداد أبنائهم لاسترداد ما أخذ منهم ، فهو ميراثهم وميراث أجدادهم الذين ضحوا من أجل نشر الإسلام فيه ، كفلسطين الحبيبة ، والأندلس والقوقاز .
فاستقرار الإسلام في مثل هذه البلاد ولو لفترة ، وكذلك وجود المسلمين يكفي لأن يبقى هذا الأقليم تابعاً لدار الإسلام .

أوس عبد الرؤوف كريم
23-04-2006, 17:26
يرفع للتواصل وإبداء الرأي .

لؤي الخليلي الحنفي
24-04-2006, 11:29
أرجو من الإخوة الأكارم الإطلاع وإبداء الرأي للأهمية .
وبورك في جهود الجميع .

وائل سالم الحسني
24-04-2006, 13:22
المسلم هو الذي يريد الإقتراض من أجل ان يشتري بيتا او سيارة في دار الحرب ، اذا هو لا يستفيد من الربا هناك لأنه يدفع الربى ولا يقبضها. اما ما يفتي به البعض من الجواز ففي ظني انهم لم يشبعوا المسألة بحثا وتحقيقا ، وكان من باب الأحوط أن يتركوا ما يريبهم الى مالا يريبهم ، جزاكم الله خيرا ونفع الله بعلمكم ... آمين

أحمد سيد الأزهري
25-04-2006, 18:36
عفوا سيدي/
اذا تقرر كلامكم فلا معنى لتخطئة تلك الفتوى والهجوم على صاحبها ذلك الهجوم الذي رايناه ملأ المنتديات



رقم الفتوى: 4402
الموضوع: حكم العقود الفاسدة في ديار غير المسلمين
تاريخ الفتوى: 06/03/2006
المفتي: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد
المبادئ:



السؤال:

هل يجوز أداء الحج من المال الناتج من العقود الفاسدة - كبيع الخمر وكالربا - مع غير المسلمين في غير بلاد المسلمين ؟


الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه ، وبعد ،
فهذه مسألة قديمة تكلم عنها العلماء ، ومن خلال ما اختاره السادة الحنفية أقول : لقد ذهب الإمامان أبو حنيفة ومحمد - خلافًا لأبي يوسف - إلى أنه لا ربا بين المسلم وغير المسلم في دار غير المسلمين ، وأن المسـلم في تلك الدار له أخذ أموالهم بأي وجه كان ؛ ولو بالعقد الفاسد كالقمار أو بيع الميتة والخمر أو الربا وغير ذلك ما دام برضا أنفسهم ، قال محمد : " وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فلا بأس بأن يأخذ عنهم أموالهم بطيب أنفسهم بأي وجه كان " .
أقول : ولقد سمى محمد وغيره دار غير المسلمين بدار الحرب للتقسيم الذي كان شائعًا في زمان الأئمة الذين ننقل عنهم هنا هذا الحكم ؛ حيث كان العالم كله يحارب المسلمين ؛ فقسم الفقهاء البلاد إلى دار إسلام يقام فيها الإسلام وتظهر شعائره وإلى دار حرب لا يقام فيها أحكام المسلمين ، والتقسيم الحديث بين علماء الإسلام - بعدما انتهت حالة الحرب التي شنت على المسلمين - هو بلاد المسلمين وبلاد غير المسلمين ، ولها نفس أحـكام دار الحرب إلا فيما يتعلق بنفس الحرب التي لم تعد قائمة والحمد لله رب العالمين ، فلْيُتَنَبَّهْ إلى ذلك ؛ لأننا ننقل هنا من الكتب القديمة لبيان مذهب الأحناف فنحافظ على ألفاظهم .
ومما ينبغي أن يُتَنَبَّه إليه أيضًا في هذا المقام أن مراد السادة الحنفية بدار الحرب هنا هو دار الكفر مطلقًا ؛ سواء أكانت الحرب قائمة أم لا ؛ بدليل أن غالب الأدلة التي استدلوا بها كانت لدار كفرٍ لا حربَ فيها وهي مكة قبل الهجرة - كما سيأتي - ولم تكن هناك في العالم دار حرب ، وصورة الدليل قطعية الدخول في الحكم إجماعًا .
ثم قال محمد رحمه الله : " ولو أن المستأمن فيهم - أي الحربيين - باعهم درهما بدرهمين إلى سنة ، ثم خرج إلى دارنا ثم رجع إليهم ، أو خرج من عامه ثم رجع إليهم ، فأخذ الدراهم بعد حلول الحول لم يكن به بأس " .
وقال السرخسي بعد ذكره لمرسل مكحول « لا ربا بين المسلمين وبين أهل الحرب في دار الحرب » : " وهو - أي مرسل مكحول - دليل لأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله - في جواز بيع المسلم الدرهم بالدرهمين من الحربي في دار الحرب .... ، وكذلك لو باعهم ميتة أو قامرهم وأخذ منهم مالا بالقمار فذلك المال طيب له عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله " .
وقول الإمامين أبي حنيفة ومحمد هو المعتمد والمختار عند السادة الحنفية ؛ فقد قال الإمام السرخسي بعد نصه السابق : " وحجتنا - السادة الأحناف - في ذلك ما روينا وما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في خطبته : « كُلَّ رِبًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَضَى أَنَّ أَوَّلَ رِبًا يُوضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ » ، وهذا لأن العباس رضي الله عنه بعد ما أسلم رجع إلى مكة ، وكان يربي ، وكان لا يخفى فعله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما لم ينهه عنه دل أن ذلك جائز ، وإنما جعل الموضوع من ذلك ما لم يقبض حتى جاء الفتح " ، أي فصارت مكة دار إسلام .
وقال المرغيناني ، والكمال بن الهمام ، والحصفكي ، وابن عابدين ؛ قالوا جميعا : " لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب " وذكروا أن المسلم في دار الحرب له أن يأخذ مال الحربيين بأي وجه كان بغير غدر منه " ؛ لأن الغدر حرام .
وظاهر كلام السادة الحنفية أن الحكم عام في أخذ المسلم للربا في دار الحرب وإعطائه ، ولكن الكمال بن الهمام ذكر أن أئمة الحنفية في دروسهم قيدوا حل الربا للمسلم في دار الحرب بأخذه من الحربي ؛ فقال : " إلا أنه لا يخفى أنه إنما يقتضي حل مباشرة العقد - أي عقد الربا - إذا كان الزيادة ينالها المسلم ، والربا أعم من ذلك ؛ إذ يشمل ما إذا كان الدرهمان - يعني بالدرهم - من جهة المسلم ومن جهة الكافر ، وجواب المسألة بالحِلِّ عامٌّ في الوجهين ، وكذا القمار قد يفضي إلى أن يكون مال الخطر للكافر بأن يكون الغلب له ؛ فالظاهر أن الإباحة تفيد نيل المسلم للزيادة ، وقد التزم الأصحاب في الدرس أن مرادهم في حل الربا والقمار ما إذا حصلت الزيادة للمسلم ؛ نظرا إلى العلة ، وإن كان إطلاق الجواب خلافه " ، ونقل ذلك عنه ابن عابدين .
ويمكن التمسك بظاهر المذهب إذا كانت المصلحة الأخيرة للمسلم حتى لو دفع الزيادة .
· وقد استدل السادة الحنفية على ما ذهبوا إليه بأدلة منها :
1. ما ذكر عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « لا ربا بين المسلمين وبين أهل الحرب في دار الحرب » ، قال السرخسي : " وإن كان مرسلا فمكحول فقيه ثقة ، والمرسَل من مثله مقبول " . واستدل بهذا الدليل أيضا المرغيناني والكمال بن الهمام .
2. واستدل محمد رحمه الله بحديث بني قينقاع ؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أجلاهم قالوا : إن لنا ديونا لم تحل بعد ، فقال : « تَعَجَّلُوا أو ضَعُوا » ، ولما أجلى بني النضير قالوا : إن لنا ديونا على الناس ، فقال : « ضعوا أو تعجلوا » .
وبين السرخسي وجـه الدلالة فقال : " ومعلوم أن مثل هذه المعاملة - الربا المتمثل في قوله : " ضعوا أو تعجلوا " - لا يجوز بين المسلمين ؛ فإنَّ من كان له على غيره دَيْن إلى أجل فوضع عنه بشرط أن يعجل بعضه لم يجز ، كره ذلك عمر وزيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهم ، ثم جوزه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقهم ؛ لأنهم كانوا أهل حرب في ذلك الوقت ولهذا أجلاهم ، فعرفنا أنه يجوز بين الحربي والمسلم ما لا يجوز بين المسلمين " .
3. وبما وقع عند مصارعته صلى الله عليه وآله وسلم رُكانة حين كان بمكة ، فصرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل مرة بثلث غنمه ، ولو كان مكروها ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم لمـا صرعه في المرة الثالثة قال ركانة : ما وضع أحد جنبي قط ، وما أنت صرعتني ، فرد رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم الغنمَ عليه . يقول السرخسي : " وإنما رد الغنم عليه تَطَوُّلاً منه عليه ، وكثيرا ما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين يؤلفهم به حتى يُؤمِنوا " . ولا يخفى أن مكة حينئذ لم تكن دار حرب بل كانت دار كفر .
4. وما قاله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه عنه ابن عباس رضي الله عنهما وغيره ، قال : قال صلى الله عليه وآله وسلم : « أَلاَ وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؛ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ » .
ووجه الدلالة في هذا الحديث : أن العباس رضي الله تعالى عنه بعدما أسلم بعد أن جيء به أسيرا في غزوة بـدر استأذن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرجوع إلى مكة بعد إسلامه ، فأذن له ، فكان يربي بمكة إلى زمن الفتح ، وكان فعله لا يخفى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما لم ينهه عنه دل أن ذلك جائز ، وإنما جعل الموضوع من ربا في دار الحرب ما لم يقبض ، حتى جاء الفتح فصارت مكة دار إسلام ؛ ولذا وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الربا عند الفتح .
5. ولأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قامر مشركي قريش قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى : " الم غلبت الروم ... الآية " فقالت قريش له : ترون أن الروم تغلب ؟! قال : نعم ، فقالوا : هل لك أن تُخاطِرَنا ؟ فقال : نعم ، فخاطرهم ، فأخبر النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « اذهب إليهم فزد في الخَطَر » ، ففعل ، وغلبت الرومُ فارسا ، فأخذ أبو بكر خَطَرَه ؛ فأجازه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو القمار بعينه بين أبي بكر ومشركي مكة ، وكانت مكةُ دارَ شرك .
ولا يخفى أن مكة هنا أيضا لم تكن دار حرب ؛ حيث كان ذلك قبل شرع الجهاد أصلا .
6. ولأن مالهم مباح فحُقَّ للمسلم أن يأخذه بلا غدر ؛ لحرمة الغدر ؛ لأن المسلمين لو ظهروا على ديارهم لأخذوا مالهم بالغنيمة .
وبعد ، فحاصل مذهب السادة الحنفية جواز التعامل بالعقود الفاسدة في ديار غير المسلمين بين المسلم وأهل تلك الديار ، سواء أكان العقد بيعا لميتة أم خنزير أم خمر أم مقامرة .
وما يجب أن يَلتَفِتَ إليه مُطالِع هذا النقل عن السادة الحنفية أن يضع في اعتباره أن أهل المذاهب الأخرى لديهم قواعد يمكن من خلالها التعامل مع حالات الضرورة والابتلاء ، ويمكن من خلالها عقد صلة بين ما ذهب إليه السادة الحنفية وبين أقوال المذاهب في المسألة ذاتها ، ومن هذه القواعد :
1. تقليد القائـل بالجواز عند الضرورة رفعا للحرج :
فقد قال الشيخ العلامة إبراهيم البيجوري : " فمن ابتلي بشيء من ذلك فليقلد من أجاز " .

2. الإنكار يكـون في المجمع عليه :
فقد ذكر العلامة السيوطي " لا ينكر المختلف فيه ، وإنما ينكر المجمع عليه " ، وهذا يعني أن المسـألة إذا اختلف فيها أهل المذاهب الفقهية فلا يصح لأهل مذهب أن ينكروا على أهل مذهب آخر ؛ لأن المسألة مختلف فيها .
3. التفريق بين حد الفقه والحكم وحد الورع :
فقد اتفقت كلمة الفقهاء على أن حد الورع أوسع من حد الحكم الفقهي ؛ وذلك لأن المسلم قد يترك كثيرًا من المباح تورعًا ، كما كانت الصحابة رضي الله عنهم يتركون تسعة أعشار المباح ورعا خشية أن يقعوا في الحرام ، ولكن هذا لا يعني أنهم يحرمون الحلال ، والورع واسع حتى يصل إلى أن يخرج الإنسان من جميع ماله تورعا من أن يناله شيء من الحرام .
فعلى ما سبق تقديمه من مذهب السادة الحنفية : يكون أداء الحج من المال المكتسب من العقود الفاسدة بين المسلم وأهل دار الحرب في دارهم جائزا ؛ لأن هذا المال طيب ، كما نص على ذلك الإمام السرخسي : " وكذلك لو باعهم ميتا أو قامرهم وأخذ منهم مالا بالقمار فذلك المال طيب " .
فإذا كان المال طيبًا جاز الحج به عند جميع الفقهاء .
والله سبحانه وتعالى أعلم

لؤي الخليلي الحنفي
26-04-2006, 08:20
أخي المكرم أحمد :
الاعتراض على فتوى الشيخ علي جمعة كان من وجهين :
الأول : في فتواه الأولى والتي وضع رابطها الأخ جلال ، لم يميز الشيخ على جمعة فيما إذا كانت الفائدة الحاصلة للمسلم أو غيره ، وهذا فيه ما فيه كما تعلم ، وبما أن علماء المذهب قيدوه بشرط أن تكون الفائدة فيه للمسلم كابن مازة وابن الهمام وتأكيد ابن عابدين وإقراره ابن الهمام عليه في حاشيته ، فلا يجوز لغير أهل المذهب إطلاق الأحكام دون بيان تقييداتها .

الأمر الآخر : وجه الاعتراض كان من متأخري الحنفية كالشيخ محمد تقي العثماني ، والشيخ الكلاس وغيرهم كثير ، حيث قالوا أن أهل المذهب أعلم به ، وهم لا يفتون بما جاء في كتب المتقدمين في هذه الحادثة ، ولهم أدلتهم ولا سيما تغير الظروف والأحوال .

هذا باختصار أخي أحمد ، والسجالات العلمية فيها ما فيها من الفائدة ، والخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية .

احمد خالد محمد
26-04-2006, 19:03
اظن الشيخ علي جمعة شافعي؟

اليس كذلك اخي احمد؟

أحمد سيد الأزهري
26-04-2006, 21:37
لا فساد في الود ان شاء الله سيدي لؤي
والسجالات اظنها من اكثر ما يفيد الطلبة قبل الاساتذة

ومفتي مصر كان شافعيا له في فيه اسانيد واجازات بيد انه الان يعد من مجتهدي العصر والله اعلم. وكل يخطئ ويصيب

لؤي الخليلي الحنفي
27-04-2006, 10:29
أخي الكريم أحمد :
دعوى الاجتهاد دعوى عريضة ، لا تنال بالتمني والشهرة والجاه ، وأنت أطلقتها على الشيخ علي جمعة ، ونحن نجله ونحترمه ، فهلا قيدتها في أي درجة هو من درجاتها ؟

فهد بن محمد الحنبلي
01-06-2006, 04:19
جهد موفق , ونفع الله بكم .
وهنا مسألة ذات بال ألا وهي إبرام العقود الفاسدة عبر الشبكة العنكبوتية _ كما يقال _ مع الكافر الحربي وهو في دار إسلام ؟
بمعنى أنه يدخل من شبكة في دار إسلامي ويعقد مع الحربي في بلاده ...

ودمتم سالمين

لؤي الخليلي الحنفي
23-10-2006, 08:31
للتذكير بما كنا كتبناه باسمنا الآخر "أوس" يرحمكم الله ، اتماما لموضوع الربا الذي أعاده جمال وصاحبه فهنا تفصيله .

جمال حسني الشرباتي
24-10-2006, 05:46
ونعم البحث من أخي أوس ---الذي هو لؤي

أحمد محمد نزار
30-06-2007, 20:16
السلام عليكم ورحمة الله

هام ياأخي لؤي بارك الله فيكم.

نقطة الارتكاز في جواز التعامل بالربا مع الحربي في دار الحرب هو (أن تعود الفائدة للمسلم) وهذه هي العلة التي تم الارتكاز عليها في المسألة، ولكن رحمك الله قلت بأن هذا لايجوز للمسلمين أن يأخذوا قروضاً ربوية في بلاد الغرب بغرض شراء البيوت لكون النفع يعود على الكافر لا المسلم.

ولكن ماذا إذا قلنا بأن الحقيقة غير ذلك لو كان مثلاً مسلم يعيش في دار الحرب وهو مخير إما أن يستأجر منزلاً مثلاً بـ 700 دولار في الشهر أو أن يأخذ قرضاً ربوياً بـ 700 دولار بالشهر ويكون البيت باسمه في نهاية المطاف

وعليه القائدة الحقيقية هي أن المسلم إن أخذ قرضاً ربوياً لشراء منزل فإنه في نهاية المطاف وإن خسر أضعاف ثمن المنزل ولكنه سيؤول له أو لأولاده المسلمين.
أما إن بقي يدفع نفس المبلغ للإيجار فإنه في نهاية المطاف يكون خسر نفس المال مع عدم حيازته على أي ملك؟

فأيهما في الحقيق يعود بالنفع على المسلم؟

الحق أنك لو اشتريت منزلاً من جراء قرض ربوي ولو سددت مثلاً للمرابي (البنك الغربي) لمدة سنتين مثلاً ثم أحببت أن تتخلى عن المنزل فربما يعود لك مبلغاً ما من المال الذي دفعته خلال تلك الفترة.
أما إن استأجرت لنفس المدة فإنه لايعود في النهاية لك اي مال.

أي النتيجة أن المسلم في دار الحرب التي إن اشترى فيها منزلاً بواسطة القرض الربوي يكون النفع له وخاصة إذا كان الإيجار يستفيد منه الكافر ولاينتفع من جراءه المسلم أبداً بخلاف شراء المسلم للبيت بواسطة قرض ربوي فإنه وإن استفاد الكافر إلا أن المسلم يكون أكثر فائدة من أن يستأجر في تلك الحالة.

فمارأيك.

لؤي الخليلي الحنفي
01-07-2007, 10:57
ليس الأمر كذلك يا أخي
فهذه الأمور أحكام شرعية لا تجري وفق أهوائنا.
ثم قل لي:
هل يجوز للمسلم أن يأخذ قرضا ربويا في دار الإسلام؟ مع أن العائد في النهاية له في مثل الدار بدل أن يبقى يدفع إيجارا دون ملك.
فإن كان هذا محرم وهو تعامل بالربا مع مسلم في دار الإسلام، فمن باب أولى دار الحرب.

أحمد محمد نزار
08-07-2007, 20:31
http://www.e-cfr.org/index.php?option=com_content&task=view&id=172&Itemid=26