المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً



سليم اسحق الحشيم
19-04-2006, 21:22
يقول الله تعالى:" وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (الاسراء),وقد اجمع المفسرون على انه لا عذاب لمن لم يصله من الله خبراً، ويأتيه من الله بـيِّنة، ويبعث فيهم رسولاً.
وهذه مقتطفات من اقوال بعضهم:
قال الطبرسي:"معناه وما كنا معذبين قوماً بعذاب الاستئصال إلا بعد الإعذار إليهم والإنذار لهم بأبلغ الوجوه وهو إرسال الرسل إليهم مظاهرة في العدل وإن كان يجوز مؤاخذتهم على ما يتعلق بالعقل ومعجلاً فعلى هذا التأويل تكون الآية عامة في العقليات والشرعيات, وقال الأكثرون من المفسرين وهو الأصح أن المراد بالآية أنه لا يعذب سبحانه في الدنيا ولا في الآخرة إلا بعد البعثة فتكون الآية خاصة فيما يتعلق بالسمع من الشرعيات فأما ما كانت الحجة فيه من جهة العقل وهو الإيمان بالله تعالى فإنه يجوز العقاب بتركه وإن لم يبعث الرسول عند من قال إن التكليف العقلي ينفك من التكليف السمعي على أن المحققين منهم يقولون إنه وإن جاز التعذيب عليه قبل بعثة الرسول فإنه سبحانه لا يفعل ذلك مبالغة في الكرم والفضل والإحسان والطول فقد حصل من هذا أنه سبحانه لا يعاقب أحداً حتى ينفذ إليهم الرسل المنبّهين إلى الحق الهادين إلى الرشد استظهاراً في الحجة لأنه إذا اجتمع داعي العقل وداعي السمع تأكد الأمر وزال الريب فيما يلزم العبد. وقد أخبر سبحانه في هذه الآية عن ذلك وهذا لا يدل على أنه لو لم يبعث رسولاً لم يحسن منه أن يعاقب إذا ارتكب القبائح العقلية إلا أن يفرض في بعثة الرسول لطفاً فإن عند ذلك لا يحسن منه سبحانه أن يعاقب أحداً إلا بعد أن يوجه إليه مما هو لطف له فيزاح بذلك علته.
وقال الزمخشري: وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ } وما صحّ منا صحة تدعو إليها الحكمة أن نعذب قوماً إلا بعد أن { نَبْعَثَ } إليهم { رَسُولاً } فتلزمهم الحجة. فإن قلت: الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأنّ معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين فلو لا بعث إلينا رسولاً ينبهنا على النظر في أدلة العقل.
وقال إبن عاشور: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }عطف على آية { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } الآية.
وهذا استقصاء في الإعذار لأهل الضلال زيادة على نفي مؤاخذتهم بأجرام غيرهم، ولهذا اقتصر على قوله: { وما كنا معذبين } دون أن يقال ولا مثيبين. لأن المقام مقام إعذار وقطع حجة وليس مقام امتنان بالإرشاد.والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف{ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها }[الإسراء: 16] الآية. ودلت على ذلك آيات كثيرة، قال الله تعالى:{ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين }[الشعراء: 209] وقال:{ فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون }[يونس: 47].
على أن معنى (حتى) يؤذن بأن بعثة الرسول متصلة بالعذاب شأن الغاية، وهذا اتصال عرفي بحسب ما تقتضيه البعثة من مدةٍ للتبليغ والاستمرار على تكذيبهم الرسول والإمهال للمكذبين، ولذلك يظهر أن يكون العذاب هنا عذاب الدنيا وكما يقتضيه الانتقال إلى الآية بعدها.
على أننا إذا اعتبرنا التوسع في الغاية صح حمل التعذيب على ما يعم عذاب الدنيا والآخرة.
ووقوع فعل { معذبين } في سياق النفي يفيد العموم، فبعثة الرسل لتفصيل ما يريده الله من الأمة من الأعمال.
ودلت الآية على أن الله لا يؤاخذ الناس إلا بعد أن يرشدهم رحمة منه لهم. وهي دليل بين على انتفاء مؤاخذة أحد ما لم تبلغه دعوة رسول من الله إلى قوم، فهي حجة للأشعري ناهضة على الماتريدي والمعتزلة الذين اتفقوا على إيصال العقل إلى معرفة وجود الله، وهو ما صرح به صدر الشريعة في التوضيح في المقدمات الأربع. فوجود الله وتوحيده عندهم واجبان بالعقل فلا عذر لمن أشرك بالله وعطل ولا عذر له بعد بعثة رسول.
وتأويل المعتزلة أن يراد بالرسول العقل تطوُّحٌ عن استعمال اللغة وإغماض عن كونه مفعولاً لفعل { نبعث } إذ لا يقال بعث عقلاً بمعنى جعل.
هذه اقوال بعض المفسرين,والسؤال الذي يطرح نفسه الان:هل كفارهذا الزمان ممن تنطبق عليهم هذه الآية ,أي أن الله ليس بمعذبهم لعدم إيصال الاسلام اليهم على نمط يلفت النظر,خاصة بعد ان هدمت الخلافة وتغيّب تطبيق الاحكام الشرعية من قِبا الدولة.
ملاحظه:لم ارد قول الرازي هنا لجعله مسأله نقاش منفصله (لتفارب رأيه مع العتزله بوجوب العذاب بمحض العقل).

جمال حسني الشرباتي
20-04-2006, 16:49
الأخ سليم


كيف وجدت تقاربا بين رأي الرازي والمعتزلة وهو أحرص النّاس على نقدهم---ولم يقل أحد قبلك بهذا القول من ساداتنا

سليم اسحق الحشيم
20-04-2006, 18:00
السلام عليكم
أخي الفاضل جمال,هذا ما فهمته مما ذكره في نفسيره ,ولا اخالك لم تتطلع عليه _ويمكن ان أكون قد أخطات فهمه_ وللفائدة سأنقل اليكم ما ذكرَ:"المسألة الثالثة: قال أصحابنا وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع، والدليل عليه قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } وجه الاستدلال أن الوجوب لا تتقرر ماهيته إلا بترتيب العقاب على الترك، ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية، فوجب أن لا يتحقق الوجوب قبل الشرع. ثم أكدوا هذه الآية بقوله تعالى:" رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ "
[النساء: 165] وبقوله:" وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ "[طه: 134].
ولقائل أن يقول: هذا الاستدلال ضعيف، وبيانه من وجهين: الأول: أن نقول: لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي ألبتة، وهذا باطل فذاك باطل بيان الملازمة من وجوه: أحدها: أنه إذا جاء المشرع وادعى كونه نبياً من عند الله تعالى وأظهر المعجزة، فهل يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزاته أو لا يجب؟ فإن لم يجب فقد بطل القول بالنبوة. وإن وجب، فإما أن يجب بالعقل أو بالشرع فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب العقلي، وإن وجب بالشرع فهو باطل، لأن ذلك الشرع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره، والأول باطل لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن ذلك الرجل يقول: الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول إنه يجب قبول قولي، وهذا إثبات للشيء بنفسه، وإن كان ذلك الشارع غيره كان الكلام فيه كما في الأول: ولزم إما الدور أو التسلسل وهما محالان. وثانيها: أن الشرع إذا جاء وأوجب بعض الأفعال، وحرم بعضها فلا معنى للإيجاب والتحريم، إلا أن يقول: لو تركت كذا وفعلت كذا لعاقبتك فنقول: إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أو لا يجب، فلو لم يجب عليه الاحتراز عن العقاب لم يتقرر معنى الوجوب ألبتة، وهذا باطل فذاك باطل، وإن وجب عليه الاحتراز عن العقاب، فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع، فإن وجب بالعقل فهو المقصود، وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى هذا الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه، وحينئذ يعود التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال. وثالثها: أن مذهب أهل السنة أنه يجوز من الله تعالى أن يعفو عن العقاب على ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، فلم يبق إلا أن يقال: إن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، وهذا الخوف حاصل بمحض العقل، فثبت أن ماهية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف، وثبت أن هذا الخوف حاصل بمجرد العقل، فلزم أن يقال: الوجوب حاصل بمحض العقل. فإن قالوا: ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم؟
قلنا: إنه تعالى إذا عفا فقد سقط الذم، فعلى هذا ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم وذلك حاصل بمحض العقل، فثبت بهذه الوجوه أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه.وإذا ثبت هذا فنقول: في الآية قولان: الأول: أن نجري الآية على ظاهرها. ونقول: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الأنبياء، فالعقل هو الرسول الأصلي، فكان معنى الآية وما كنا معذبين حتى نبعث رسول العقل. والثاني: أن نخصص عموم الآية فنقول: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع، وتخصيص العموم وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه عند قيام الدلائل، وقد بينا قيام الدلائل الثلاثة، على أنا لو نفينا الوجوب العقلي لزمنا نفي الوجوب الشرعي، والله أعلم.
والسلام عليكم ,وانتظر ردودكم على أحر من الجمر مبينين لي ما ذهب اليه الرازي قي قوله هذا؟؟؟

جمال حسني الشرباتي
20-04-2006, 20:14
أخي سليم

هذا هو رأيه

(والثاني: أن نخصص عموم الآية فنقول: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع، وتخصيص العموم وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه عند قيام الدلائل، وقد بينا قيام الدلائل الثلاثة، على أنا لو نفينا الوجوب العقلي لزمنا نفي الوجوب الشرعي، والله أعلم.)

وقد أقام الدلائل على أنّ نفي الوجوب العقلي يؤدي إلى نفي الوجوب الشرعي ---وهذا أمر آخر----عنده لا يمكن نفي الوجوب العقلي---

وواضح أنّه التزم بالقول بالوجوب الشرعي في تفضيله للمعنى (المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع، وتخصيص العموم وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه عند قيام الدلائل)

ماهر محمد بركات
20-04-2006, 22:13
الذي فهمته أن الامام الرازي يقصد بقوله : (أن نخصص عموم الآية فنقول: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع،) أي نخصص عموم الآية فلانقول هي عامة في الأعمال التي طريقها العقل والشرع بل نخصصها في الأعمال التي طريقها الشرع فقط فهو ان كان يعتمد هذا القول فهو يوافق الماتريدية ويخالف الأشاعرة في حكم أهل الفترة فهو يقول أن نفي التعذيب هو في ما لايثبت الا بالشرع كأحكام الحلال والحرام , أما ما طريقه العقل وهو المعرفة فصاحبه مكلف ولو لم يأت رسول وهذا لاينفى عنه التعذيب بسبب عدم وجود رسل .

جمال حسني الشرباتي
21-04-2006, 03:10
بارك الله بك أخ ماهر

حبذا لو انضم إلينا الأخ الأستاذ سعيد

جمال حسني الشرباتي
21-04-2006, 19:21
قال الشيخ الشنقيطي في كتابه

((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)

: " - قد قال قوم : إن الكافر في النار ولو مات في زمن الفترة وممن جزم بهذا القول النووي في شرح مسلم ؛ لدلالة الأحاديث على تعذيب بعض أهل الفترة ، وحكى القرافي في (شرح التنقيح) الإجماع على أن موتى أهل الجاهلية في النار لكفرهم كما حكاه عنه صاحب (نشر البنود) وأجاب أهل هذا القول عن آية : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ) وأمثالها من ثلاثة أوجه :

الأول : إن التعذيب المنفي في قوله :( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ) وأمثالها هو التعذيب الدنيوي فلا ينافي ثبوت التعذيب في الآخرة ، وذكر الشوكاني في تفسيره أن اختصاص هذا التعذيب المنفي بالدنيا دون الآخرة ذهب إليه الجمهور ، واستظهر هو خلافه ، ورد التخصيص بعذاب الدنيا بأنه خلاف الظاهر من الآيات ، وبأن الآيات المتقدمة الدالة على اعتراف أهل النار جميعا بأن الرسل أنذروهم في دار الدنيا صريح في نفيه .

الثاني : أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ) الآية وأمثالها في غير الواضح الذي لا يلتبس على عاقل ، أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد ؛ لأن جميع الكفار يقرّون بأن الله هو ربهم وهو خالقهم ورازقهم ، ويتحققون أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر ، لكنهم غالطوا أنفسهم فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وأنها شفعاؤهم عند الله مع أن العقل يقطع بنفي ذلك .

الثالث : أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبله - صلى الله عليه وسلم - تقوم عليهم بها الحجة ، ومال إليه بعض الميل ابن قاسم في (الآيات البينات) وقد قدمنا في سورة آل عمران أن هذا القول يرده القرآن في آيات كثيرة مصرحة بنفي أصل النذير عنهم كقوله : ( لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ) وقوله : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) ، وقوله : ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِك ) وقوله : ( وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ) ، إلي غير ذلك من الآيات .

--------------------------

وأجاب القائلون بأن أهل الفترة معذورون عن مثل قوله ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ) - إلى قوله – ( مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) من الآيات المتقدمة ، بأنهم لا يتبين أنهم من أصحاب الجحيم ولا يحكم لهم بالنار ، ولو ماتوا كفارا إلا بعد إنذارهم وامتناعهم من الإيمان كأبي طالب ، وحملوا الآيات المذكورة على هذا المعنى .

واعترض هذا الجواب بما ثبت في الصحيح من دخول بعض أهل الفترة النار كحديث "إن أبي وأباك في النار" الثابت في صحيح مسلم وأمثاله من الأحاديث ، واعترض هذا الاعتراض بأن الأحاديث - وإن صحت - فهي أخبار آحاد يقدم عليها القاطع كقوله :( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) ، واعترض هذا الاعتراض أيضا بأنه لا يتعارض عام وخاص فما أخرجه حديث صحيح خرج من العموم وما لم يخرجه نص صحيح بقي داخلا في العموم ، واعترض هذا الاعتراض أيضاً بأن هذا التخصيص يبطل علة العام ؛ لأن الله تعالى تمدح بكمال الإنصاف .

وصرح بأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا ، وبيّن أن ذلك الإنصاف التام علة لعدم التعذيب ، فلو عذب إنسانا واحدا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة ولثبتت لذلك المعذب الحجة التي بعث الله الرسل لقطعها كما صرح به في قوله : ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) وهذه الحجة بيّنها في سورة طه بقوله : ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ ) الآية ، وأشار لها في سورة القصص بقوله : ( وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ ) إلى قوله : ( وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ،

ثم خلص إلى القول


(هذا ملخص كلام العلماء وحججهم في المسألة ، والذي يظهر رجحانه بالدليل هو الجمع بين الأدلة ؛ لأن الجمع واجب إذا أمكن بلا خلاف كما أشار له في المراقي بقوله : والجمع واجب متى ما أمكنا ..الخ ..

ووجه الجمع بين هذه الأدلة هو عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة بالأمر باقتحام نار فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا ومن امتنع عذب بالنار وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا لان الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل وبهذا الجمع تتفق الأدلة فيكون أهل الفترة معذورين ، وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان ، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضا ، ويحمل كل واحد من القولين على بعض منهم علم الله مصيرهم ، وأعلم به نبيه صلى الله عليه وسلم، فيزول التعارض .

والدليل على هذا الجمع ورود الأخبار به عنه صلى الله عليه وسلم . قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) بعد أن ساق طرق الأحاديث الدالة على عذرهم وامتحانهم يوم القيامة رادّا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم ما نصه : "والجواب عما قال ، إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن ، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها" انتهى محل الغرض منه بلفظه .

ثم قال : "إن هذا قال به جماعة من محققي العلماء والحفاظ والنقاد وما احتج به البعض لرد هذه الأحاديث من أن الآخرة دار جزاء لا دار عمل وابتلاء فهو مردود من وجهين : الأول أن ذلك لا ترد به النصوص الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم ولو سلمنا عموم ما قال من أن الآخرة ليست دار عمل لكانت الأحاديث المذكورة مخصصة لذلك العموم . الثاني : أنا لا نسلم انتفاء الامتحان في عر صات المحشر بل نقول دل القاطع عليه ؛ لأن الله تعالى صرّح في سورة القلم بأنهم يُدعون إلى السجود في قوله جل وعلا : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ) الآية .

ومعلوم أن أمرهم بالسجود تكليف في عرصات المحشر ، وثبت في الصحيح أن المؤمنين يسجدون يوم القيامة وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقاً واحدا ًكلما أراد السجود خرّ لقفاه ، وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه ، ويتكرر ذلك مرارا ، ويقول الله تعالى يا ابن آدم ما أغدرك ثم يأذن له في دخول الجنة ، ومعلوم أن تلك العهود والمواثيق تكليف في عرصات المحشر والعلم عند الله تعالى ". )أ . هـ .

ترى هل جمعه بين الرأيين صحيح---؟؟

أي هل أهل الفترة معذورون ثم يمتحنون يوم القيامة فمن نجح فاز بالجنة ومن فشل انقلب على عقبيه فدخل النّار؟؟

ماهر محمد بركات
22-04-2006, 06:22
الحقيقة هذا البحث مما أرقني كثيراً والتعارض في الأدلة بين نجاة أهل الفترة وتعذيبهم واضح , والفقير ممن يميل الى قول الماتريدية في هذه المسألة وهو عدم نجاتهم وتكليفهم بالمعرفة .

وقول الشنقيطي هنا أرى أنه قوي وهو جمع حسن بين الأقوال .

هل اطلعت أخي جمال على ماذكره الأخ هاني في هذه المسألة هنا
http://www.aslein.net/showthread.php?t=3480&goto=nextnewest

جمال حسني الشرباتي
23-04-2006, 16:57
لقد اطلعت عليه

ولا أميل إلى تجاوز جمهور علمائنا والذين قالوا بنجاة أهل الفترة

أمّا بالنسبة للآية فلا علاقة لها في رأيي في موضوع العذاب الآخروي

ماهر محمد بركات
24-04-2006, 10:50
أمّا بالنسبة للآية فلا علاقة لها في رأيي في موضوع العذاب الآخروي

اذاً فماهو دليل نجاة أهل الفترة برأيكم ان استبعدنا أن يكون المقصود من العذاب في هذه الآية العذاب الأخروي ؟
لأن هذه الآية هي عمدة من يقول بنجاة أهل الفترة حسب ما أعلم .

جمال حسني الشرباتي
24-04-2006, 12:57
أرجو منك أخ ماهر أن تحرر لي كيف يستدلون بها على نجاة أهل الفترة

ماهر محمد بركات
24-04-2006, 18:55
السادة الأشاعرة يرون أن الآية فيها دليل قطعي على نجاة أهل الفترة وذلك أنهم يحملون معنى العذاب في الآية على عمومه فيكون المراد : وماكنا معذبين مطلقاً في الآخرة والدنيا حتى نبعث رسولاً ينذر الناس ويبلغهم .
وهذا الشرط وهو ارسال الرسول عام في المعرفة والأحكام .
وبسبب قطعية الآية في دلالتها على نجاة أهل الفترة فهم يردون الأخبار التي تحدثت عن عذاب بعض أهل الفترة بحجة أنها أحاديث آحاد وهي لاتعارض القطعي .
قال في شرح الجوهرة :
فالمذهب الحق أن أهل الفترة (وهم من كان في أزمنة الرسل، أو في زمن الرسول الذي لم يرسل إليهم) ناجون، وإن بدلوا وغيروا أو عبدوا الأصنام .
-فإن قيل "كيف هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن جماعة من أهل الفترة في النار، كامرئ القيس وحاتم الطائي، وبعض آباء الصحابة؟ فإن بعض الصحابة سأله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال: "أيْنَ أبيْ؟ فقال: في النَّارِ" أجيب: بأن أحاديثهم أحاديث آحاد، وهي لا تعارض القطعية، وهو قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وبأنه يجوز أن يكون تعذيب من صح تعذيبه منهم لأمر يختص به، يعلمه الله تعالى ورسوله.

والاشكال الذي يراودني منذ فترة ووجدت الأخ هاني قد تعرض له هو كيف تكون الآية قطعية في دلالتها على نجاة أهل الفترة وكثير من المفسرين والعلماء حملوها على العذاب الدنيوي , فكون العذاب الدنيوي محتمل في الآية فان هذا يجعل الآية غير قطعية على نجاة أهل الفترة كما هو واضح .

ماهر محمد بركات
24-04-2006, 19:01
قد جرى نقاش سابق حول الموضوع
http://www.aslein.net/showthread.php?t=2757&goto=nextnewest

جمال حسني الشرباتي
25-04-2006, 17:27
الأخ ماهر

الحق أحق أن يتبع----الأولى أن تحمل الآية على المحملين---محمل العذاب الدنيوي ومحمل العذاب الأخروي معا

واسألني لماذا؟؟

سليم اسحق الحشيم
25-04-2006, 17:48
السلام عليكم
أخواني في الله لقد حسم هذا الامر إبن عاشور في الفقرة التي تفلتها سابقًا حيث قال:"والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف{ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها }[الإسراء: 16] الآية. ودلت على ذلك آيات كثيرة، قال الله تعالى:{ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين }[الشعراء: 209] وقال:{ فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون }[يونس: 47].
على أن معنى (حتى) يؤذن بأن بعثة الرسول متصلة بالعذاب شأن الغاية، وهذا اتصال عرفي بحسب ما تقتضيه البعثة من مدةٍ للتبليغ والاستمرار على تكذيبهم الرسول والإمهال للمكذبين، ولذلك يظهر أن يكون العذاب هنا عذاب الدنيا وكما يقتضيه الانتقال إلى الآية بعدها.على أننا إذا اعتبرنا التوسع في الغاية صح حمل التعذيب على ما يعم عذاب الدنيا والآخرة".
والسؤال الذي يطرح نفسه الان :ما هو العذاب الدنيوي الذي يقع على من وُجد بعد بعث خاتم الانبياء محمد صلى الله عليه وسلم ولم يتبعه_أفصد كفار هذا الزمان_؟؟؟.

ماهر محمد بركات
26-04-2006, 06:13
لا أزيد عما ذكره العلامة ابن عاشور فهو قد أصاب كبد الحقيقة .

وقد يكون العذاب في الآية يعم العذاب الدنيوي والأخروي وان كان الظاهر الدنيوي فقط للقرائن المذكورة السابقة لكن المشكلة ليست هنا ,
المشكلة هي في اعتبار الآية قطعية في العذاب الآخروي والاعتماد على ذلك في اعتقاد نجاة أهل الفترة , وقد ظهر جلياً أن الآية ليست قطعية في ذلك .