المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الآية 25 من سورة الحديد



جمال حسني الشرباتي
15-04-2006, 18:40
السلام عليكم

قال تعالى

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)
ترى ما وجه التناسب بين

# إنزال الكتاب والميزان

# إنزال الحديد

# وعلم الله بمن ينصره على معنى إظهاره لمن لم يعلم

# ووصفه لنفسه بأنّه قوي عزيز

بالإنتظار

ماهر محمد بركات
15-04-2006, 22:46
النصر يحتاج الى قوة والقوة تحتاج الى عدل والا كانت دماراً ووبالاً .

جمال حسني الشرباتي
16-04-2006, 05:42
الشكر موصول للأخ ماهر على تعقيبه الماهر


وقد قال إبن عطيّة في تفسيره بهذا التناسب اللطيف

(( قال حذاق من المفسرين: أراد به السلاح، ويترتب معنى الآية بأن الله أخبر أنه أرسل رسله وأنزل كتباً وعدلاً مشروعاً وسلاحاً يحارب به من عند ولم يهتد بهدي الله فلم يبق عذر، وفي الآية على هذا التأويل حض على القتال وترغيب فيه.)

ماهر محمد بركات
16-04-2006, 07:06
والشكر موصول للأخ جمال على فوائده ولطائفه .

سليم اسحق الحشيم
16-04-2006, 23:26
أخي واستاذي جمال الشرباتي ,سبحان الذي هداك الى بديع القرآن وصولة بلاغته ,والآية هذه تحمل في طياتها عبرًا كثيرة وقد راجعت تفسير التحرير والتنوير للشيخ الطاهر بن عاشور _والحق انني احبذ اللجوء اليه لأنه قريب عهد بنا ولم يخرج عن السلف بما هو شاذ وغريب_ووحدت الآتي:وتعريف { الكتاب } تعريف الجنس، أي وأنزلنا معهم كتباً، أي مثل القرآن.
وإنزال الكتاب: تبليغ بواسطة المَلك من السماء، وإنزال الميزان: تبليغ الأمر بالعدل بين الناس.
والميزان: مستعار للعدل بين الناس في إعطاء حقوقهم لأن مما يقتضيه الميزان وجود طرفين يراد معرفة تكافئهما، قال تعالى:
{ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل }
[النساء: 58]. وهذا الميزان تبيّنه كُتب الرسل، فذكره بخصوصه للاهتمام بأمره لأنه وسيلة انتظام أمور البشر كقوله تعالى:
{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله }
[النساء: 105] وليس المراد أن الله ألهمهم وضع آلات الوزن لأن هذا ليس من المهم، وهو مما يشمله معنى العدل فلا حاجة إلى التنبيه عليه بخصوصه.
ويتعلق قوله: { ليقوم الناس بالقسط } بقوله: { وأنزلنا معهم }.
والقيام: مجاز في صلاح الأحوال واستقامتها لأنه سبب لتيسير العمل .
واما إنزال الحديد فقد قال رحمه الله:مستعار لخلق معدنه كقوله:{ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج }[الزمر: 6]، أي خلق لأجلكم وذلك بإلهام البشر استعماله في السلاح من سيوف ودروع ورماح ونبال وخُوذ وَدَرَق ومَجَانّ. ويجوز أن يراد بالحديد خصوص السلاح المتخذ منه من سيوف وأسنة ونبال، فيكون إنزاله مستعاراً لمجرد إلهام صنعه، فعلى الوجه الأول يكون ضمير { فيه بأس شديد } عائداً إلى الحديد باعتبار إعداده للبأس فكأن البأس مظروف فيه.
والبأس: الضر. والمراد بأس القتل والجرح بآلات الحديد من سيوف ورماح ونبال، وبأسُ جُرأة الناس على إيصال الضر بالغير بواسطة الواقيات المتخذة من الحديد.
والمقصود من هذا لفت بصائر السامعين إلى الاعتبار بحكمة الله تعالى من خَلق الحديد وإلهامِ صنعه، والتنبيه على أن ما فيه من نفع وبأس إنما أريد به أن يوضع بأسه حيث يستحق ويوضع نفعه حيث يليق به لا لتجعل منافعه لمن لا يستحقها مثل قطّاع الطريق والثوار على أهل العدل، ولتجهيز الجيوش لحماية الأوطان من أهل العدوان، وللادخار في البيوت لدفع الضاريات والعاديات على الحُرم والأموال.
وقد ذكر ابن عاشور قصة الحكيم اليوناني ((انتيثنوس)):إذا رأى امرأة حالية متزينة في أثينا يذهب إلى بيت زوجها ويسأله أن يريه فرسه وسلاحه فإذا رآهما كاملين أذن لامرأته أن تتزين لأن زوجها قادر على حمايتها من داعرٍ يغتصبها، وإلا أمرها بترك الزينة وترك الحلي.
وما سؤالك أحي جمال:وعلم الله بمن ينصره على معنى إظهاره لمن لم يعلم,فقد قال الطاهر:" وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } ، أي ليظهر للناس أثر علم الله بمن ينصره، فأطلق فعل { ليعلم } على معنى ظُهور أثر العلم كقول إياس بن قبيصة الطائي:
وأقبلتُ والخطيُّ يخطر بيننا *** لأَعْلَمَ مَن جَبانُها من شُجاعها
أي ليظهر للناس الجبان والشجاع، أي فيعلموا أني شجاعهم.
ليجعل بأسه لإِخضاع شوكة العدل وإرغام الآمرين بالمعروف على السكوت، فإن ذلك تحريف لما أراد الله من وضع الأشياء النافعة والقارة، قال تعالى:{ والله لا يحب الفساد }
والقوي العزيز: من أسمائه تعالى. فالقوي: المتصف بالقوة، قال تعالى:{ ذو القوة المتين },والعزيز: المتصف بالعزة.انتهى
والذي اراه ان القرآن قدم القوي على العزيز لأن العزة لا تأتي إلا بوجود قوة تظهرها وتصونها وتحفظ عليها, فالعزة مرتبطة بالقوة وجودًا وعدماً, والشاهد هو حالنا اليوم فلا قوة لنا وبالتالي فنحن أذلاء ,وهذا يعتمد على نصرتنا لدين الله بإيجاده على مسرح الحياة وتطبيق أحكامه في شتى مجالات الحياة,وكما ارى ان الربط بين الحديد والقوة والعزة هو ربط دقيق لطيف يدل على العلم الفاءق بدقائق الامور,وفالملاحظ في عصرنا هذا ان كل المعدات والمنشات العسكرية والاسلحة يدخل الحديد في صناعتها فهي صانعة القوة وموجبة العزة .
الله اعلم

ماهر محمد بركات
17-04-2006, 07:10
جميل جداً بارك الله بكم .

موسى أحمد الزغاري
17-04-2006, 18:13
أستاذنا الكريم جمال ، راق لي قول الأمام الداعي إلى الله الفخر الرازي ، وأسوقه إليك كما هو لتعم الفائدة :
قال تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيّنَـٰتِ } وفي تفسير البينات قولان: الأول: وهو قول مقاتل بن سليمان إنها هي المعجزات الظاهرة والدلائل القاهرة والثاني: وهو قول مقاتل بن حيان: أي أرسلناهم بالأعمال التي تدعوهم إلى طاعة الله وإلى الإعراض عن غير الله، والأول هو الوجه الصحيح لأن نبوتهم إنما ثبتت بتلك المعجزات.

ثم قال تعالى: { وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ }.

واعلم أن نظير هذه الآية قوله:
{ ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ وَٱلْمِيزَانَ }[الشورى: 17] وقال:
{ وَٱلسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ }[الرحمٰن: 7] وههنا مسائل:

المسألة الأولى: في وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه. أحدها: وهو الذي أقوله أن مدار التكليف على أمرين: أحدهما: فعل ما ينبغي فعله والثاني: ترك ما ينبغي تركه، والأول هو المقصود بالذات، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد، لأن الترك كان حاصلاً في الأزل، وأما فعل ما ينبغي فعله، فإما أن يكون متعلقاً بالنفس، وهو المعارف، أو بالبدن وهو أعمال الجوارح، فالكتاب هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال النفسانية، لأن يتميز الحق من الباطل، والحجة من الشبهة، والميزان هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال البدنية، فإن معظم التكاليف الشاقة في الأعمال هو ما يرجع إلى معاملة الخلق، والميزان هو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص، وأما الجديد ففيه بأس شديد، وهو زاجر للخلق عما لا ينبغي، والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية، والميزان إلى القوة العملية، والحديد إلى دفع مالا ينبغي، ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية، ثم رعاية المصالح الجسمانية، ثم الزجر عما لا ينبغي، روعي هذا الترتيب في هذه الآية
وثانيها: المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم: إما الأحباب والمعاملة معهم بالسوية وهي بالميزان، أو مع الأعداء والمعاملة معهم بالسيف والحديد
وثالثها: الأقوام ثلاثة: أما السابقون وهم يعاملون الخلق بمقتضى الكتاب، فينصفون ولا ينتصفون، ويحترزون عن مواقع الشبهات، وإما مقتصدون وهم الذين ينصفون وينتصفون، فلا بد لهم من الميزان، وإما ظالمون وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون ولا بد لهم من الحديد والزجر
ورابعها: الإنسان، إما أن يكون في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة ومقام المقربين، فههنا لا يسكن إلا إلى الله، ولا يعمل إلا بكتاب الله، كما قال:
{ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ }
[الرعد: 28] وإما أن يكون في مقام الطريقة وهو مقام النفس اللوامة، ومقام أصحاب اليمين، فلا بد له من الميزان في معرفة الأخلاق حتى يحترز عن طرفي الإفراط والتفريط، ويبقى على الصراط المستقيم وإما أن يكون في مقام الشريعة وهو مقام النفس الأمارة، وههنا لا بد له من حديد المجاهدة والرياضات الشاقة
وخامسها: الإنسان إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فلا أنس له إلا بالكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فلا بد له من ميزان الدليل والحجة أو صاحب العناد واللجاج، فلا بد وأن ينفى من الأرض بالحديد
وسادسها: أن الدين هو إماالأصول وإما الفروع، وبعبارة أخرى: إما المعارف وإما الأعمال، فالأصول من الكتاب، وأما الفروع: فالمقصود الأفعال التي فيها عدلهم ومصلحتهم وذلك بالميزان فإنه إشارة إلى رعاية العدل، والحديد لتأديب من ترك ذينك الطريقين
وسابعها: الكتاب إشارة إلى ما ذكر الله في كتابه من الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف، والميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف وهو شأن الملوك، والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف، وهذا يدل على أن مرتبة العلماء وهم أرباب الكتاب مقدمة على مرتبة الملوك الذين هم أرباب السيف