المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : { المَـنـهـَج الأحـمـَـد في دَرء المثـَــالـِـب التي تــُـنـمَــى لمَـذهـَـب الإمـَـا



حسين عبد الرحمن الشعفي
19-03-2006, 21:16
{المَـنـهـَج الأحـمـَـد في دَرء المثـَــالـِـب التي تــُـنـمَــى لمَـذهـَـب الإمـَـام أحمَد } للإمام الفقيه عبـد الله النـــابلسي القـدومـي الحنبلي, بتحقيق وتعليق الفقير إلى رحمة مولاه الغني ( اصدار ) .
قال المحقق الكريم : "ويجب ُ لفت النــَّــظـــر هنا إلى:


*** أنَّ التعليق بالهوامش على المتن إن أطلق الكلام: فهو من عمل ( اصدار).


*** وإلا َّ فسوف نذكر التعليق بالهوامش إن كانت من المُـصنــِّـف للكتاب من المخطوطة ( أ ) وبعدها مباشرة نكـتــُب داخل قوسين : (اهـ ـ مصنف ) أو ( من تعليق المصنف ) أو ( اهـ ـ عبد الله القدومي المصنف ).


*** فإن كان التعليق من المخطوطة ( ب ) فسوف نُدرجُ التعليق بالهامش وبعده مباشرة نكتبُ داخل قوسين : (من تعليق الشيخ عبد الغني اللبدي).
كما نـــُــلفِتُ نظر الإخوة الكرام إلى التالي :


إنَّ هذا الكتاب بالذات يجب تفهــُّمــَــه واليقظة في قراءته وتفهــُّم أبعاده ...

إذ أنَّ له أبعادا ً خطيرة جدا ً جدا ً والله ...


أوَّلها : أنَّ المذهب الحنبلي في مجال العقيدة ومن القرن السابع وإلى القرن الثالث عشر كان أشعريا ً ماتريديا ً بنسبة ( 90 % ) إن لم يكن ( 100 % ) ...

ثانيها : أنَّ هذا الكتاب بتفهــُّمه جيِّدا ً واليقظة في دراسته يُــتبَــيَّنُ منه: أنَّ الوهـَّـابية والمذهب الوهــَّــابي المُعاصر ومعه فكر ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب ومن عصره إلى الآن : لا عــــلا قــــة له بالمذهب الحنبلي في أبواب التوسل والاستغاثة وكل ما يتعــلق بالقبور سواء كان زيارة أو تمســُّــحا ً أو بناء القباب عليها وما إلى ذلك ....
وسوف نبتدأ الآن بذكر ترجمة لمؤلـِّــف الكتاب



فنقول :


التعريف بالمؤلف


ننقـل الترجمة التي أودعها الشيخ جميل أفندي الشطي الحنبلي لمؤلفنا في كتابه (مختصر طبقات الحنابلة).

قال:

(عبد الله بن عودة بن عبد الله بن صوفان ابن العالم الصالح الشيخ عيسى، القدومي مولدا ومنشأ، ثم النابلسي موطنا ووفاة، ترجمه لنا ولده الفاضل الشيخ يوسف أفندي مراسلة قال: هو الأستاذ العلامة الفقيه المحدِّث الناهج المنهج الأحمد، والمحيي لمذهب أحمد، عالم الديار النابلسية، وبركة البلاد الحجازية، كان مولده بقرية كفر قدوم سنة ست وأربعين ومائتين وألف (1246هـ).

وبها نشأ وحفظ القرآن الكريم وجالس أهل الصلاح والادب، وفي سنة 1263 خرج في طلب العلم إلى دمشق الشام، فاجتمع على جل علمائها الأعلام، ولازم الأستاذ الفاضل صاحب المناقب السنية الشيخ حسن الشطي سيد الطائفة الحنبلية، فأخذ عنه الفقه والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية.

ولما أن جنى زهر تلك المنازل، وحسا صفو هاتيك المناهل عاد إلى وطنه، فاستقام فيه مدة، ثم كثرت هناك المشاغب والإحن، فعزم على مفارقة ذلك الوطن وأمَّ مدينة نابلس وبها سكن، وكان ذلك عام 1287هـ.

فرحل إليه الطالبون وانتفع به الراغبون، وكان كثير الاعتناء بتلامذته ولا سيما المبتدئ منهم، وكانت إقامته في مدرسة الجامع الصلاحي الكبير.

وهو دمث الأخلاق، حلو الشمائل، حسن المذاكرة، جيد التعبير والتقرير، أخذَت عنه البلاد الحجازية والشامية علم الحديث ودراية، ورزق الحظوة والجاه فوق النظائر والأشباه.

ومن مصنَّفاته:


ـــ (المنهج الأحمد في درأ المثالب التي تُـنمَى لمذهب الإمام أحمد).

ـــ (بغية النساك والعباد في البحث عن ماهية الصلاح والفساد).

ـــ (هداية الرَّاغب وكفاية الطالب) مرتَّب ترتيب أبواب البخاري.

ـــ (الأجوبة الدرية في دفع الشبه والمطاعن الواردة على الملة الإسلامية).

ـــ (الأجوبة العلية على الأسئلة الرافعية) في علم التوحيد.

ـــ (طوالع الأنوار البهية) جواباً عن خمسين مسألة في العِلم المذكور.

ـــ (الرحلة الحجازية) أودعها الأبحاث الشريفة التي كانت تقع بينه وبين العلماء في رحلته المدنية وهي مطبوعة معروفة.


وله من الرسائل المختصَرَة شيء كثير...

وفي سنة 1318هـ زار بيت المقدس وبلد سيدنا إبراهيم الخليل فدعـته النفحات القدسية إلى البلاد الحجازية فأقام يخدم السنة السنية في الأعتاب النبوية، وانتفع به خلق كثيرون في الفقه والحديث.

وكان في موسم الحج من كل سنة يحج ويؤدي المناسك الشريفة، وربما زار وطنه في خلال ذلك فتهزُّه نسمات العود والرجوع ولم يزل على حالته الحسنة يتردَّد بين المدينة المنوَّرة ووطنه المذكور إلى أن كانت وفاته بنابلس وهو يصلِّي الجمعة في الجامع الكبير الصلاحي في اليوم العاشر من المحرَّم سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف (1331هـ) وشيعت جنازته من الغد وصلِّيَ عليه في الجامع المذكور بجمع حافل، وكان يوماً مشهوداً، ودُفِــن في مقبرة نابلس بجوار العلامة الشهير الشيخ محمد السفاريني.

ورثاه جماعة من أهل العلم ومنهم الشيخ منيب هاشم مفتي الديار النابلسية حيث قال في مرثيته:

الله أكــبــر فالمُــصـاب تـنـاهـــى ***** والديـن ثـلمـتــه استـطـــار عنـاها

شمـل البلاء العــالمين فلا تــرى ***** نـفـسا و لم تـكُ زعـزعت أحشـاها

فاليـوم مـات الحجة العـلـَم الذي ***** لدلا ئـــل التحقــيـق شــــاد بنـاهـا

علامـة العـصر المد قـق والذي ***** بـسنـائــه فـــاق الدروس سنـاهـا

هـو عـــابد لله أخلص قصــــــده ***** مـن آل صـوفـان يجـــل تـــقـاهـا

يــا طالما انتـفع الأنـــام بفضله ***** و روت من الإرشـــاد عنه منـاهـا

فلتـَـبكِــه بقـع الدروس فيـا لها ***** مـن روضـة أرجــت به أرجـاهـــا

ولتـَـبك نابلس على طــود مضى ***** قــد كـان مصــدر نفعها ورجـاهــا

أسفـا على ذاك الجمـال فــــإنه ***** فــيـه كمـالات الزمـــان نـراهــــــا

أسفـا على ذاك الجــلال وهــيبة ***** كــان الزمـان لعـــزهـا يخـشـاهـا

فـالله يعظـــم أجــرنـا و يعــــمـه ***** بالفــضـل في دار يـدوم هــنـاهـا

و يضاعــف الأجـر الجزيل لآله ***** والمسلمـيـن فــفــقـده أعــيـاهــــا


ومما جاء في تاريخ وفاته:


نـاديت لما أن دعـي بسجـوده ***** أرخ لعبد الله حسـن ختـام


انتهى.

يقول المختصِر: وما تقدَّم ذِكره من تدريس صاحب الترجمة في الحرَم الشريف النبوي إنما هو وظيفة معلومة كان المترجم فيها خلفاً للمرحوم الشيخ محمد خطيب دوما كما ذكرنا ذلك في ترجمته.

وبالجملة: فقد أثنى على صاحب الترجمة كل مَـن لقيه وعـرفه في العِــلم والورع والتمسك بطريقة السلف، واطلعـتُ عـندنا على مسودة إجازة كتبها لصاحب الترجمة سيدي الجد وأخوه سنة 1305 بناء على طلبه وفوات أخذه الإجازة من والدهما المنوَّه به، وأعـقب المترجم ولدَيه العالِمَين الفاضلَين: الشيخ محمود أفندي المولود سنة 1287هـ وصديقنا الشيخ يوسف أفندي المولود سنة 1290هـ سلَّمهما الله تعالى ورحم والدهما آمين)( 1 ) انتهى. "
يتبع إن شاء الله ,,,,,,,,,,


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

الهوامش:

( 1 ) (مختصر طبقات الحنابلة) للشيخ جميل أفندي الشطي الحنبلي ص: 181-182-183-184.

حسين عبد الرحمن الشعفي
19-03-2006, 21:19
المَـنـهَــج الأحـمَــد في دَرء المثــالِــب
التي تـُـنـمَــى لمَـذهَب الإمَـام أحمَــد
تأليف : العلاَّمة الفقيه : عـبد الله النـَّــابلسي القــَـدُّومـي الحنـبـلـي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بسم الله الرحمن الرحيم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله المنعُـوت بنعـوت الكمال، الموصُوف بصفات الجلال والجمال، المُـنـَـزَّه في ذاته وصفاته عن النظائر والأمثال، سبحانه من إله تفرَّد عن المساوئ والند( 1 )، وتـنزَّه عن المناوئ( 2 ) والضد.


وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، ولا مثل ولا مثال، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده
ورسوله المخصوص بعـمُوم الإرسال، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الذين هم خير صَحب
وآل، صلاة وسلاما دائمين بالغــد وِّ والآصـــال.


وبعد:


فأولى ما يُـصرَف في تحصيله الزمان، وأحـرى ما يُــنافِـس في نيله ذو اللب والجنان، العـلم
النافع، والعـمل الصالح، وقد عُــلِــم أن مرجع السعادة والسيادة، إلى تحصيل العـلوم التي هي من
مشكاة النبوة مستفادَة.

وقد رأيتُ أن ألخــِّــص في هذه الرسالة بيان المسائل التي تــُــعــــزَى لمذهب أمام الأئمَّة، ومجلــِّي دُجَــــى المشكلات المدلهــِــمَّـة، الزاهد الرباني، والصدِّيق الثاني، أبي عبد الله أحـمد بن محمد الشيباني، قـــدَّس الله تعالى روحه، ونوَّر ضريحه.

وتلك المسائل قد اشتهــر عند العامَّــة أنها من مذهب الإمام المذكور!!! لغــلبة الجهل على أكــثـر الناس، فأردتُ بيانها دفعــا للالتباس، وطمعــا في جمع الكلمة وقطع النــزاع :


*** فمنها المرأة المطلـَّــقــة ثلاثا، شاع عند العامَّــة أنه يحلُّ لزوجها رجعـتها لعصمة نكاحه قبل أن تنكـح زوجا غيره عـند الإمام أحمد، ومَن نسب ذلك لمذهبه فقـد أعـظــَـــمَ الفِـــريـــــة!!!

*** ومنها ما اشتهر عـند العامَّـــة خصوصا ً مُـتـصــوِّ فــــة زماننا مِـــن أنَّ علماء الحنابلة يمنعُــون من زيارة مشَـــاهِــد الصَّـــالحين، وقبور الأنبياء المُـكـرَّمين، ويدخل في ذلك زيارة قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي هي من أعـظـم القــربات، وأجل الطــاعـــات!!!

*** وأنهم ينكرون كرامات الأولياء!!!

*** وينكرون على من توسَّـــل بهم إلى الله تعالى!!! ومَـن نسب ذلك لمذهب الإمام أحمد فقد أعـظــَــمَ الفِــــريَــــــة.

*** ومنها ما هو أهَــم بيانا ً، وألزم تبيانا ً وهو ذِكر جُــمَــل ٍ( 3 ) من عـقــائــد أئمَّـــة الحنابلة المشتهــرة التي تلـقــَّــينــــــاها عن مشائخنا الكرام، وأئمـتـنا الأعـــلام، مُــعــرِبـــَــة عن براءتهم من التشبيه والتجسيم، ومِــن كـُـل اعتقـــاد ٍ ذ َمـِــيـــم.

ثم إنـِّـي لمَّـا عــزمتُ على جمع هذه الرسالة تـــردَّ د تُ بين الإ قـــدام والإحجـــام، لقصُور شأوي عن إدراك هذا المقـــام.

فقـلـتُ: قصارا أمري أن ألخــِّــص مسائل من الكـُــتـُـب المتداولة، وأرجُــو أن يكون لي بذلك أجر المنــاولة، فاستخرتُ الله تعالى، وعزمتُ على جمعها، هذا، مع اشتغال البال بالهمُوم، وتشويش الخاطــر بالأ كـــدار والغـمُوم، كيف لا، والعلم قد أفـِـلـَـت شمُوسه، وتقوَّضت محافله ودرُوسه، وذهب مُـعـظــَــم العــمر في اللهو والمحال، وكـثر الا شـتـغـال بالقـيل والقـال، ولم يبق لأ بـنــاء هذا العصر، إلا الشــدة والحـصــر.

ولكن قد شاع في الأ ثــــر، واستفاض لدى الحُـــذ َّاق من أهل النـَّــظر، أنه لا بُدَّ في كل عصر ومِصر للدِّين من حَـمَـلة، وللعِــلم من نـَـقـَـلـَة لقولـه صلى الله عليه وآله وسلم: ( لا تزال طائفة من أمَّــتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خــذ لهم، ولا مَن خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) أخرجاه في (الصحيحين) من حديث المغيرة بن شعبة( 4 ).

وفي حديث صحيح: ( لا تزال طائفة من أمتي قوَّامة على أمر الله، لا يضرها من خالفها حتى تقوم الساعة )( 5 ).

وفي (سنن الترمذي) بإسناد حسَن عن أنس رضي الله عنه: ( مثل أمتي مثـل المطر، لا يُدرَى أوَّ لـــه خير أم آخره ) ( 6 ) .

ورواه الإمام أحمد عن عمار بن ياسر والطبراني عن ابن عمر( 7 ).

فلو لم يكـُـن في آخر هذه الأمة علماء قائمُون بحجج الله تعالى لم يكونوا موصُوفين بهذه الخيريَّـــة.

وأيضا ً قد جعـل الله تعالى العلماء في هذه الأ مَّــة كالأ نبيــاء في بني إسرائيل( 8 ).

وفي الحديث: ( يحمل هذا العلم مِــن كل خـَـلـَـفٍ عُـدُولـُـه ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين )( 9 ).


وفي صحيح ابن حبان مرفوعا ً: ( لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا ً ليستعملهم في طاعته )( 10 ).

وغرس الله هم : أهل العلم والعمل.

فلهذه الآثار وما شابهها : عزمنا على جمع هذه الرسالة. وسمَّــيتها بـ( المَـنهـَــج الأحمَد في دَرء المثالـِـب التي تــُــنـمـَــى لمَـذهَـب الإ مـــام أحمَـد ) .

ورتـَّـبتـُـها على مقـد مــة، وثلا ثــة أبواب، وخاتمة.


المقــد مــة:

في بيان فضل الاجتماع في أصُول الد ِّيـــن، ولزوم الجماعة، والتمسُّــك بما كان عليه السلف الصالح، وفي ذكر شيء من كلام الإمام أحمد في ذلك.


الباب الأول:

في المنصُوص عن الإ مــام أحمد في الطلاق الثلاث، وفيه فصلان.


الباب الثاني:

في المنصُوص عن علماء الحنابلة مِــن زيارة مشاهد الصَّالحين، وفي بيان حُـكم شـَـد الرَّحـــل لذلك، وفي حُــكم التوسُّـــل بهم، والتبرُّ ك بآثـــارهم، والدعاء في أماكـــنهم الشريفة، وفيه فصلان أيضا ً.


الباب الثالث:

في نقل جُملة من عقائد أئمتنا المشتهــرة التي تلقــَّــيناها عن مشايخنا الكــرام. وفي ذِكر شيء من كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية في أصُول الدين، وفي ذِكـــر مَـن أثـنــى عليه من حفـــَّـــاظ الإســـلام والجهــــابذة الأعــلام( 11 ).

الخاتمة:

في بيان فضل التسليم، وفي ذِكــر شيء من كلام الأ ئــمـَّـة في ذم الكــلام( 12 ).


والله أرجو أن يجعل هذه الرسالة خالصة لوجهه الكريم، مقرِّبــة لديه في جنات النعيم، إنه على ذلك قــــد يــــر، وبالإجابة جــد يــــر.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

الهوامش :

...

( 1 ) ــ قوله: (المساوي) اسم فاعـل، وهو المماثـل في القدر، و(الند): المثـل المخالف المماثـل في الذات. (اهـ عبد الله القدومي المصنف).


( 2 ) ــ قوله: (المُـناوي) بظم الميم: المعادي. (اهـ عبد الله القدومي المصنف).


( 3 ) ــ قوله: (وهو ذكر جمل...)الخ: كان الأنسب بمقـتضى سابقه أن يقول: وهو ما يُـنقــَــل عن من لا معرفة له بالعِــلم ولا حظ َّ له في الفِــقه والفهــم من نسبهم الحنابلة إلى التجسيم، وقولهم بقِــدَ م ورق المُــصحَــف ومِــداده وجلده، ونحو ذلك مما تـقـشـعــرُّ منه الجلود ولا يفــتــر به إلا ماكر خبيث حسود أو نحو هذه العبارة، لأن المقام في ذكــر المسائل التي تــُـــنمــَى لمذهب الإمام أحمد وليست منه. (من تعليق الشيخ عبد الغني اللبدي).


( 4 ) ــ (صحيح البخاري)6/2667 عن المغيرة بلفظ: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون )، (صحيح مسلم)3/1523 عنه أيضا بلفظ: ( لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ). والحديث متواتر راجع ( الأزهار المتناثرة ) للسيوطي ص31-32، و( نظم المتناثر ) لمحمد جعفر الكتاني ص93، و( إتحاف ذوي الفضائل المشتهرة بما وقع من الزيادة في نظم المتناثر على الأزهار المتناثرة ) للسيد عبد العزيز بن الصديق الغماري، و( الأجوبة الصارفة لإشكال حديث الطائفة ) ـ مخطوط ـ للحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري، و( تبيين المبدأ بتواتر حديث بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ) ـ مخطوط ـ له أيضا.


( 5 ) ــ (سنن ابن ماجه)1/5، (مسند الشاميين) للطبراني2/394، (الآحاد والمثاني)5/254.


( 6 ) ــ قوله: (لا يُدرى أوله خير أم آخره): أي لتشابههم في العلم والعمل، فالمراد به وصف الأمة سابقها ولاحقها أولها وآخرها بالخيرية، وإلا فالقرون الأوَل هم المفضَّــلون على سائر القرون من غير توقــُّف ولا تــردُّ د. (اهـ مصنف).


( 7 ) ــ جاء من رواية أنس بن مالك في (سنن الترمذي)5/152، (مسند أحمد)3/130، (مسند أبي يعلى)6/190_6/380، وحسنه الترمذي، والقضاعي في (مسند الشهاب)2/277، الرامهرمزي في (أمثال الحديث)1/105، البيهقي في (الزهد الكبير)2/173.
وعن عمار بن ياسر في (صحيح ابن حبان)16/210، (مسند البزار)4/244 (مسند أحمد)4/319، (مسند الطيالسي)1/90، وقال الحافظ الهيثمي في (المجمع): (رواه أحمد والبزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح غير الحسن بن قزعة وعبيد بن سلمان الأغر وهما ثقتان، وفي عبيد خلاف لا يضر).

وعن عمران بن حصين في (مسند البزار)9/23 قال الحافظ الهيثمي في (المجمع): (رواه البزار والطبراني في الأوسط وإسناد البزار حسن). وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)7/6: (وهو حديث حسن لـه طرق قد يرتقي بها إلى الصحة وأغرب النووي فعزاه في فتاويه إلى مسند أبي يعلى من حديث أنس بإسناد ضعيف مع أنه عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس وصححه بن حبان من حديث عمار).


( 8 ) ــ إشارة إلى ما نسب إليه عليه الصلاة والسلام: ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) لكن قال العجلوني في ( كشف الخفاء )2/64: ( قال السيوطي في الدرر: لا أصل لـه، وقال ـ الحافظ السخـاوي ـ في ( المقـاصد ) قال شيخنا يعني ابن حجر: لا أصل لـه، وقبله الدميري والزركشي وزاد بعضهم: ولا يعرف في كتاب معتبر ).


( 9 ) ــ قال الحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى: رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من الصحابة: أبو هريرة (شرف أصحاب الحديث) للخطيب ص28 و(الكامل) لابن عدي، وأسامة بن زيد (شرف أصحاب الحديث) للخطيب ص28، وعبد الله بن مسعود (شرف أصحاب الحديث) للخطيب ص28، ومعاذ بن جبل (شرف أصحاب الحديث) للخطيب ص11 وغيره، وعلي بن أبي طالب (الكامل) لابن عدي، وعبد الله بن عمر (الكامل) لابن عدي3/31، وأبو أمامة (الكامل) لابن عدي، وعبد الله بن عمرو بن العاص رواه تمام في (فوائده) عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة معا، وإبراهيم بن عبد الله العذري مرسلا (شرف أصحاب الحديث) للخطيب ص29 والدارقطني في ( العلل ). وقال الخلال في كتاب ( العلل ) قرأت على زهير بن صالح بن أحمد حدثنا مهنا قال سألت أحمد بن حنبل عن حديث معان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري: ( يحمل العلم من كل خلف عدوله...) الحديث فقلتُ لأحمد: كأنه موضوع، فقال: لا هو صحيح، فقلتُ: ممَّن سمعته أنتَ؟ قال من غير واحد، قلتُ: مَن هم؟ قال: حدثني به مسكين إلا أنه يقول: عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن، قال أحمد: ومعان بن رفاعة لا بأس به. وهو أيضا عند الخطيب في (شرف أصحاب الحديث) ص29.

ثم قال الحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري: ( والمقصودث: أن الحديث كثير الطرق ثابت صحيح مشهور بين الحفاظ )اهـ.

نقلا بتصرف عن كتاب ( الأجوبة الصارفة لإشكال حديث الطائفة ) من صفحة 62 إلى صفحة 65 (مخطوط) للحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى .


( 10 ) ــ (موارد الضمآن)1/50 رقم 88، (سنن ابن ماجه)1/5 رقم8 وقال البوصيري في (مصباح الزجاجة)1/5: (هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات)، (الآحاد والمثاني)4/444 رقم2497.

( 11 ) ــ سيأتي الحديث حول هذا الموضوع وبيان الحق فيه طبقا للموازين العلمية المتبعة في هوامش أواخر الكتاب إن شاء الله تعالى.


( 12 ) ــ سيأتي كذلك الحديث عن هذا الموضوع في هوامش أواخر الكتاب إن شاء الله تعالى.

حسين عبد الرحمن الشعفي
19-03-2006, 21:24
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ المقـد مـــة


ــــــــــــــــــــــــ في بيان فضل الاجتماع في أصُول الدين



قال الله تعالى: { واعتصموا بحبل الله( 1 ) جميعا ً ولا تفرقوا }( 2 )، وقال تعالى: { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم }( 3 ).

وروى الإمام أحمد في (مسنده) ومسلم في ( صحيحه ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يرضى لكم ثلا ثــا ً، ويكره لكم ثلا ثــا ً، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ً، ولا تفرقوا( 4 )، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال )( 5 ).

وروى الإمام أحمد في ( مسنده ) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الشيطان ذئب الا نـســان كــذ ئــب الغــنــم يأخــذ الشاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب، وعليكم بالجمـاعـة( 6 ) والعامة والمسجد )( 7 ).

وروى ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أمتي لن تجتمع على ضلالة، فإذ رأيتم اختلا فــا ً فعليكم بالسَّواد الأعـظم )( 8 ). أي الزموا متابعة جمهور المسلمين الذين ساروا على المنهج القويم فوافـقوا ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الاعـتـقــاد السليم. فالخير كله في اتباع ما كان عليه الرعـيل الأول والسرب( 9 ) الذي عليه المعــــوَّ ل، فمن عـــد ل عن منهجهم القويم فقـد زاغ عن الصراط المستـقيم.

قال الإمام أحمد طيَّب الله ثراه فيما كتبه لأهــل البصرة: ( أوصيكم ونفسي بتـقوى الله العظيم، ولزوم السنة والجماعة، فقد عـلمتم ما حَّ بمَن خالفها وما جاء فيمن اتبعها، فقد بلغـنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن الله ليُــد خــل العــبد الجنة بالسنــَّــة يتمسَّــك بها ) وآمركم أن لا تؤثروا على القرآن شيئا ً، فإنه كلام الله تعالى، ثم من بعـد كتاب الله: سنــَّــة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث عنه والتصديق بما جاءت به الرسل واتباع السنة نجاة، وهي التي نقـلها أهل العلم كابرا ً عن كابر ٍ، واحذروا رأي جهم( 10 ) فإنه صاحب رأي وخصومات في الدين وصِفوا الله سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه، وانـفــوا عن الله ما نفاه عن نفسه )( 11 ).

وفي لفظ آخر عن الإمام أحمد أنه قال: ( أصُول السنة عــند نــا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والا قـتـــداء بهم، وترك البدع والخصومات في الد يـــن، ومن السنة اللازمة: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث الواردة، لا يقال فيها لِــمَ ولا كيف؟( 12 ) إنما هو التصديق والإيمان بها مثل: أحاديث الرؤية وما شابهها، وإن نــَـــبـَـت عن الأسماع( 13 ) واستوحش منها المستمِــع، فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها حرفا ً واحدا ً، والقرآن كلام الله وليس بمخلوق، وإياك ومناظرة مَن أحــد ث فيه، والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما نطقت به الآ ثــــار، وصحَّت به الأخبار... ) إلى آخر ما نقــله الحافظ ناصر الدين أبو الفرج ابن الجوزي بأسانيد صحيحة إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى( 14 ).


تـنـبـيــه:


قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب ( الحوادث والبدع ): ( حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به: لزوم الحق واتبـاعه وإن كان المتمسِّــك به قليلا ً والمخـالف له كثيرا ً، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا نـَــظــَـــر لكثرة أهل الباطل بعدهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه لعمر بن ميمون: أتدري ما الجماعة؟ قلتُ: لا، قال: الجماعة ما وافق الحق وإن كنتَ وحــد ك، قال نعيم بن حماد: ( عليك بما كانت عليه الجماعة الأولى وإن كنتَ وحــد ك ) ذكره عنهما البيهقي وغيره ) ( 15 ) .

ونقــله المحقــق( 16 ) في بعض كتبه( 17 )، ثم قال: ( وكان محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني من أتبع الناس للسنة في زمانه فسُـئـِـــلَ بعض أهل العلم في زمانه عن السَّواد الأعـظم الذي جاء فيهم الحديث: ( إذا كثر الاختلاف فعليكم بالسَّواد الأعظم )؟ فقال: محمد ابن أسلم الطوسي هو السَّواد الأعـظم )( 18 )، أي لِـمَــا كان عليه من التمسُّــك بالسنـَّـة والموافـقة للسَّــلف الصَّــالح.

ويــدُ لُّ لِــمَــا ذ كــــره قوله صلى الله عليه وسلم: ( عــليكم بسنـتي وسنة الخلفاء الراشدين المهد يـيــن من بــدي عــضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحد ثــــات الأمور فإن كل محد ثـــة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار )( 19 ).

وحديث افتراق الأمة ثلا ثـــا ً وسبعين فرقة، وهو حديث مشهور رواه الإمام أحمد عن معاوية ( ذ كــر هنا صيغة الترضـِّي ) ورواه أيضا ً أبو داود بألفاظ مختـلفة( 20 ).

وروى أبو يعـلى في ( مسنده ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي( 21 ) على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقيل له: مَن هم يا رسول الله؟ قال: هم مَن كان على مثــل ما أنا عليه اليوم وأصحابي )( 22 ).

وفي رواية( 23 ): ( ستـفـترق أمتي بضعا ً وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة، وهي مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ).

قال بعض أهل العلم: ( هم ـ يعني الناجية ـ أهل الحديث المعبَّــر عنهم بأهل الأ ثــــر وإمامهم الإمام أحمد والأ شـعـــرية والمــــاتريد يــــة )( 24 ) انتهى.

أقول: وهذا لا شبهة فيه، فإن هذه الفرق الثلاثة هم المعـبـَّــــر عــنهم بـ( أهل السنة والجماعة )، وهم أهل الظهور في جميع الأعـصار والأمصار، وهم الطائفة المنصورة، وهم السَّواد الأعـظم( 25 ).


فإن قلتَ( 26 ): إنَّ لفظ الحديث يُـنــافي التـعــدُّ د، لأ نـــه لا يَصدُ قُ إلا على فرقة واحدة، والمذكورون ثلاث فِـــرَ ق ٍ؟!!!

قلتُ: لا منافاة، لأن أهل الحديث والأشعرية والماتريدية: فرقة واحدة متفـقون في أصُول الدين على التوحيد، وتقد يــر الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة، وفي موالاة الصحابة كلهم، وما جرى مجرى ذلك: كعـــد م وجوب الصلاح والأصلح، وفي إثبـات الكسب، وإثبات الشفـاعة، وخروج عصاة المُوَحِّـــد يــن من النار.

والخلافُ بينهم في مسائل قــليلة: كتأويل آيات الصفات وأحاديثها هل هو جائز أو مُمتــنع( 27 )؟
ومَــن قال بجوازه مِن الخلف( 28 ) فإنه يرى الفضل لمذهب أهل التــفويض مع التــنزيه لسلامته( 29 )،
وكذلك الخلف في صفات الأ فـعــــال( 30 ) ونحوها نزر يسير لا يوجب تكـــفير بعضهم لبعض ولا تضليله( 31 )، وهذا الذي ذ كـــرناه ظاهر ولله الحمد والمِــنـَّـــة لا غــبار عليه.

وقد خصَّ الله الأئمة الأربعة المجتهــد يــن بحفظ مذاهبهم وكثرة أتباعهم، فنـُــقِــلت مذاهبهم نقلا ً متواترا ً، وجعل سبحانه اختلافهم في الفروع رحمة بالأمة وتوسعة عليها، فهم أئمة هذا الد يـــن المتين، ونور الله المبـيـن، قد شـَــيـَّــــد ُوا من الشريعة مبانيها، وسَـــدَّ دُوا معانيها، وأحكموا محكمها، وأظهروا مبهمها، وردُّ وا سقيمها، وقبلوا قويمها، وأصَّــلوا أصُولها، وفصَّــلوا فصُولها، فأصبحت الشريعة بهذا الترتيب مضبوطة، وأحكامها بهذا التبويب مربوطة، فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خيرا ً.

وهم وإن تباينت أقوالهم واختلفت آراءهم من جهة الفروع الفقهية، فقد ساروا على المنهج القويم في اقتفاء النبي الكريم، فكلمتهم في أصُول الد يــن واحدة، يصفون الله تعالى بصفات الكمال التي جاءت بها الآيات، وصحَّت بها الروايات، من غير تعـطيل ولا تمثيل، ومن غير تكـيـيف ولا تأويل، وينزهون الله تعالى عن كل ما أوجب نقصا ً أو حدوثا ً، لا يتجاوزون القرآن والحديث، وعلى ذلك مضت أئمة السلف: كالزهري، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه رضي الله عنهم.

فكــل هؤلاء الأئمة طريقــتهم في أصُول الد يـــن واحدة، قد اقتــدُ وا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبصحبه الذين نقـــلوا عنه الشريعة، وعــاينــــوا الوحي والتــنزيل.

فإن كنتَ تبغــي السلامة فاقـنــَــع بهذا البيان المسنـَـد إلى آيات القرآن وإلى حديث سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم وشرَّف وعظــَّم، فلقد بالغ في النـَّصيحة بأد لــــة صحيحة وكلمات فصيحة حيث قال: ( تعلموا القرآن والتمسوا غرائبه ـ يعني: فرائضه وحدوده، وهي: حلال وحرام، ومحكم ومتشابه وأمثال ـ فأحلوا حلاله، وحرِّموا حرامه، واعملوا بمحكمه( 32 )، وآمنوا بمتشابهه، واعتبروا بأمثاله ) زاد في رواية بعـد قوله: ( وآمنوا بمتشابهه )( 33 ) وقولوا: { ءامنا به كل من عند ربنا }( 34 ) رواه الديلمي من حديث أبى هريرة، وأخرجه الحاكم وصحَّحه من حديث ابن مسعود( 35 ).

وروى ابن ماجه وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( نؤمن بالمحكم ونـَـد يــنُ به، ونؤمن بالمتشابه ولا نـَـد يـــنُ به ) أي: لا نتعــبد به، لعــد م الوقوف على المعنى المراد منه ـ ثم قال ـ وهو من عــند الله كــله)( 36 ).


والحاصل:


أنَّ على العاقل الناصح لنفسه أن يسلك مسلك السلف الصالح، وأن يرقى على سلــَّم التسليم، فإنه من أنجح المصالح، وأن يؤمن بجميع المتشابهات مع اعتقاد التـنزيه لرب البريات عن مشابهة المخلوقات، وعن الجوارح والأ د وات، كما فعـل الصحابة والتابعون والأئمة المـعـتبرون رضي الله عنهم، ونفعـنا بحبهم، ورزقنا حسن المتابعة لهم بمـنــِّــه وكــرمـــه.


لطيفة:


ذكر شيخ الإسلام قاضي القضاة تاج الدين بن السبكي في مؤلف له لطيف سمَّـاه: ( مُعــيد النـِّـعَـم ومُـبـيــد النـِّــقـَـم ) مـا لفظه: ( ومِــن حقهم ـ أي نواب السلطان ـ د فــع أهل البدع والأهــواء، وكــف شرهم عن المسلمين... بحسب ما تـقـتـضيه المذاهب، وهذه المذاهب الأربعة ولله الحمد والمنـَّــة في العـقــائـــد يد واحدة إلا َّ مَن لحق منها بأهل الاعـتــزال والتجسيم )( 37 ) انتهى.

وذكر في موضع آخر من الكتاب المذكور ما لفظه: ( ومِـن الفقهاء مَن تأخذه في الفـروع الحميَّة لبعض المذاهب، ويركب الصَّعب والذ لـُول في العصبية، وهذا مِـن سوء أخلاقهم، ولقد رأيتُ في طوائف المذاهب مَن يبالغ في التعصب بحيث يمتنع بعضهم من الصَّـلاة خلف بعض إلى غير ذلك مما يُستـَــقبـَــح ذِ كـــره، ويا ويح هؤلاء، أين هم من الله تعالى ــ إلى أن قال ــ وليت شعــري لِـمَ لـَـم يشتغـــلوا بالرد على أهل الأهواء، وهؤلاء الحنفية والمالكية والشافعية وفضلاء الحنابلة ولله الحمد في العقائد يد واحدة لا يحيد عنها إلا رعاع( 38 ) من الحنفية والشافعية لحـقــوا بأهل الاعـتزال، ورعاع من الحنابلة لحقـــوا بأهل التجسيم، وبـًـــرَّ أ الله المالكية فلم نرَ مالكيا ً إلا َّ أشعــري العقيدة... فقـُـل لهؤلاء المتعـصِّبين ويحَــكـُـم ذ رُوا التعصب، ودعــوا عنكم هذه الأهوية، ودافعــوا عن د يـــن الإسلام، وشمِّروا عن ساق الاجتهاد في حسم مادة مَن يسبُّ الشيخين، ويقــذ ف أم المؤمنين التي نزل القرآن ببراءتها، وفي حسم مادة مَـن يطعن في القرآن وفي صفات الرحمن. فالجهاد في هؤلاء واجبٌ... وأما تعـصبكم في فروع الد يــــن وحَملكم الناس على مذهب واحـــد ٍ فهو الذي لا يقبله الله منكم، ولا يحملكم عليه إلا مَحض التعـصب والتحاسد، ولو أن الشافعي وأبا حنيفة ومالكا ً وأحمد أحياء لـشـــدَّ دوا النـَّــكــير عليكم، وتبرَّؤوا منكم )( 39 ) وأطال في ذلك جزاه الله عن السنة خيرا ً. فلقد أنصف في المقالة، وأتى بما لا مزيد عليه في النصيحة.

ومَن وقف على كلام العارف بالله الشيخ عبد الوهاب الشعراني( 40 ) حَـسُــن ظنه بأتباع الأئمة الأربعة، واجتـنب التعصب للمذاهب.

رزقنا الله بمـنــِّــه وكرمه حبهم والوفاة على ما هم عليه من حُسن العقيدة، التي هي عقيدة السلف الصالح، والعمل بكـل كـــدح ناجح، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الباب الأوَّل



ـــــــــــــــــــ في المنقول عن الإمام أحمد في المُـطـلـَّــقــة ثلا ثـــــا ً




اعــلـَـم رحمك الله تعالى أن الأصحــــاب نقــلـُـوا عن الإمام أحمَــــد: أنَّ مَــن طـَـلـَّــق زوجته ثلا ثــا ً بكــلمة أو كــلمات في طــُــهــر ٍ لم يُـصِــبـهــا فيه( 41 ) أو في أطهار قبل رجعــة( 42 ) عَـصَى ربـَّــه( 43 )، وحَــرُمَـــت عليه زوجــتــه حتى تـنـكــح زوجا ً غيره نكاحا ً صحيحا ً ويطـَــأها مع الا نـتـشــار في القــُــبـُــل.

هـــذا مَـــا عــلـــيه جُــمـلــة أصحــــابــــه، لا نـَـعـــلــَــمُ خِــلا فــــا ً بـيـنهم في ذ لـــك، صَــرَّحَ بذ لــــك في ( الإ قـنــــاع ) و( المُـنـتــهَى ) و( شَــرحـَـيهــمـــا )( 44 ).

وقــد قــال بعضُ أصحاب الإمام أحمَـــد لـَــهُ : كيف تــُجِيبُ عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ( كان الطلاقُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنـتـين مِــن خلا فــة عمر طلاق الثلاث واحدة )، بأي شيء تــد فــعــُــه؟ قال: أد فــعــُــهُ بــروايــــة الناس عـــنه: مِـــن وُجـُـــــوهٍ خِــــلا فـــَـــه، أي أنهــــا ثلاث، إذ لا يجُــــوز لابن عباس أن يروي هذا عــــن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُــفـــتــِــــي بخِـــلا فــــــه( 45 ).

وقـيـل معنى الحديث: أنَّ الناس كانوا يُـطـلــِّــقـُـون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكــر واحدة لا يتجاوزونها، وإلا َّ فلا يجوز لعـمــر أن يخالف ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر. نقله العلامة البهوتي في ( شرح الإقناع )( 46 ) والعُهدَة عليه.

قلتُ: ويًــؤيـِّــدُهُ ما رواه النسائي بإسناده: أن رجلا ً طــلــَّــق زوجته ثلاث تطليقات جميعا ً فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ( أيُــلعَــــبُ بكتاب الله وأنا بين أظهــركم؟ حتى قام رجلٌ فقال: يا رسول الله أفلا أقــتــله؟...) الحديث( 47 ).

واختلفت الرواية عن الإمام أحمد فيمَن قال لزوجته: أنت طالق ونوى ثلا ثـــا ً :

ـــ فاختار أكــثـــر المُـتـقـــدِّ مـــيــن أنــَّــها واحِــــدة، لأنَّ هذا اللـَّــفـظ لا يتضمَّن عَــــدَ دا ً.

ـــ والمَـذهَــبُ : يقــَعُ ما نــَــوَاهُ ، لأ نـَّــه نـَـوَى بلـفـظ ما يحـتمــله، قــدَّ مــــــه في ( الإ قـنــاع ) وجَـــــزمَ بـــــهِ في ( المُـنـتــهَـــى )( 48 ).


إذا عَــلِــمــتَ ذ لــــك: فــمَـــــن نـَــسَــبَ لـِــمَــذهــَــب الإمام أحمَـــد خِـــلاف ذ لـِـك فقـــد أتـَــى بــبُــهــتــَـــان ٍ عــظـــيـــم ٍ، فعـَـلـَـــيه مَــا يستــحـِــقُّ مِــن العُــقــُــوبَـــة والنـَّــكــَــال، والخِــــزي والوبـَـــال في الد نـيـــــا والآخـــــرة. والله سبحـــــانه وتعـــالى أعـــلــــم.





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ فـصــل




وأمَّــا ما ذهَـبَ إليه الشيخ تــقي الد يــن ابن تيمية مِــن أنَّ طلاق الثلاث دفعـــة: طلقة ٌ واحــدة ٌ ، فلـيــس بمَــذهَـــب للإمام أحمَــــد طيَّب الله ثـــــراه، ولا جَــــار ٍ عـــلى قـــواعـــــــده، إذ نـَـصـُّــهُ بخــــلا فــِــهِ كــمــا تــقـــدَّ مَ نـقـــلــــه عن ( الإ قـنــاع ) و( المنتهى ).

وهذه المسـألة: مِــن المسـائل التي خـالف فيها المذهَـب، بل المذاهب الأربعة( 49 )!!!

وقد ألــَّـــفَ فيها الرســائل، وأطــــال الاستـــدلال لها على عـــاد تــــه في اختيـــاره لمسائل قام الدَّ لــيـــلُ على صِحَّــتــهـــا عـــنــدَه، بحَسب ظـَــنـِّــه واجـتهــــاده، وتــَـبــِــعـَــهُ على ذ لــك جماعــة مِــن أصحابه، منهم: المُحقــق ابن القــيم، وقــد وجــــد في المسألة خــلاف بعض التابعــين كما ذ كــــره المُـتـقــدِّ مُــــون عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما( 50 ).

قال بعض المتأخـِّـرين مِــن السَّـــادة الحنفية: ( ولا يلزمُ مِــن ذلك التـفســيــق، وإن كان مُخطئا ً في ذلك أشـَـــد الخطأ( 51 ) ــ قال ــ وقـــد ادَّعَـــــى صاحب ( الهداية ) مِــنــَّـا الإجماع على عَــــدَ م حِـــــلّ مـتـرُوك التـَّــسميَـــة عامدا ً، حتى قال: ( لا ينفــذ فيه قضاء القــاضي )( 52 )، فهل قال أحَـــدٌ أنَّ صاحب ( الهداية ) فـسَّــق السَّــــادة الشافعـيـَّـة بمُخــالــفــتــهــم الإجـمــــاع( 53 )؟

وكـــذ لــــك الإمام أحمد خالفَ الإجمـــاع في قوله: ( لا تصحُّ الصَّــلاة في الأرض المغــصُـوبة ) ( 54 ).
وذكــــر الحافظ ابن حجر ما معناه: أنَّ زفــَـــر خالفَ الإجمَــــاع في مسألة غـــسل المِـرفـقـَـيـــن فقـــال: لا يجبُ غسلهما( 55 ) ــ قال ــ وشـَـواهـِـــدُ هــــذا البـاب كــثــيـرة جــــدا ً ( 56 ).


فمَـــن حَــكـَــمَ في مثــــل هــــذا بالفِـــسق فلا يُـــعَـــــوَّ لُ عــليه، كيف؟ وقـــد عَــلِــمــتَ أن مَــا حَــــلــَّــلَ أحَـــدٌ مِــــن هؤلاء الأ ئــمـَّـــة ولا حَــــــرَّم إلا بمُـقـتــضـَـى الدَّ لــيـــل عــنـــده( 57 ) ولو كان ذلك الدَّ لــيــل : خــطـــأ عـــنــد غــيــره. غــــايــَــة ُ الأ مــــــر أنــَّـــه لا يُــفــتــَـــى بمِــثـــل هـــــذه المســألـــــة، بَــل لا يُــعــمَـــل، فــضلا ً عــــن الفـــتــوَى( 58 ). والله سبحانه وتعـــالى أعـلـــم.

وقال شيخ الإسلام العــيـنــي الحـنـفــي فيما كـتــبه تعــليقــا ً على ( الرد الوافر ) للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي ما مُـلـخـَّـصُــه: ( ومِــن الشـَّــائع المُـسـتـفـيـض أنَّ الشيخ الإمام العلا َّمة تـقي الدِّ يــن بن تيمية الحنبلي مِـن شُـم عـــرانين الأ فـــاضل ومِن جــم براهين الأماثــل كيف وهو الذاب عن الدِّ يــن طـعــن الزنادقة والملحــد يــن( 59 )، والنــاقـــد للمرويات عن سيد المرسلين، وللمأثورات عن الصحابة والتابعين؟ ــ إلى أن قـال ــ وقد سارت تصانيفه إلى الآ فــــاق، ولم يكـُـن فيها شيء مما يَـــد لُّ على الزَّيْــــغ والشقــــاق( 60 )، ولم يكـُـن بحثه فيما صَـــدَ رَ عــنه مِــن مَـسـألــتــَيْ الزيارة والطلاق إلا َّ عـــن اجتهــــاد ٍ ســـائـــغ ٍ بالا تــفـــــاق( 61 )، والمُجتهـــِــد في الحالــَــيْن مأجُـور ومُــثـــابٌ، وليس فيه شيء ممَّـا يُــذ َمُّ أو يُــعـَـــابُ ) ( 62 ). انتهى كلامه والله سبحانه وتعالى أعـلــم.

.

حسين عبد الرحمن الشعفي
19-03-2006, 21:26
والحَــــاصِــلُ :

أنَّ مَـــا ذهَــبَ إليه الشيخ تـقي الدين بن تيمية: ( أنَّ طلاق الثلاث قبل الرجعة : طلقة ٌ واحِــدة ٌ ) لا تــصٍــحُّ نِـسـبَـتـُــهُ لمذهَــب الإمام أحمَــد ولا لأحَــد ٍ مِــن أصحَــابــــه، إذ لــَم يَــقـــُـــل أحَـــــدٌ منهم بـذ لـــــك.


وأمَّــــا الشيخ ــ ابن تيمية ــ فاعــتـــذ رَ عــنه مَــن اعــتَــذ ر مِــن حُـفــَّـــاظ الإسلام، ووقـَـعَ فيه بسَــبَـــب هذه المسألة( 63 ) مَــن وقـــَــع مِــن العـــلـمــــاء الأعـــــــلام، لسنا بصَــــد د بـيـــان ذلك، والله سبحانه وتعالى أعــلــم.




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ فصل


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في حـقـيـقــة عــقـد النكــاح الفــاســــد:


اعــلــم رحمك الله تعالى: أن عــقــد النكاح مِــن حيث هو ينـقـســـمُ عــند علماء الحنابلة إلى:

ـــ صحيح.

ـــ وفاسد.

ـــ وباطل.

1 ـــ أما الصحيح: فهو ما اجتمع فيه شروط وأركان:

فركــنــــاه: الزوجان الخاليان من المَوانع، والإ يـجـــــاب بلفظ: أنكحتُ أو زوَّجتُ، والقــبُــول بلفظ: قبلتُ وما بمعناه.

وشروطــــه: تعيــين الزوجين ورضاهما غير المجبرة( 64 ) والولي العَــــد ل، فلو زوَّجت نفسها أو زوَّجها بـــإذ نـهــــا غير وليها لم يصح النكاح، والشهادة على النكاح: شرط ٌ فيه، فلا يصح نكاح إلا بولي وشاهـــــدَيْ عَــــد ل، وأما الكــفـــــاءة: فهي شرط ٌ للزوم النكاح لا لصحـَّـته.


2 ـــ والعـقـد الفاسد: ما قال بصحَّــته بعـض الأ ئـمـَّــة كالنكاح بلا وليٍّ أو بوليٍّ ظاهر الفسق.

3 ـــ والعـقــد البــاطــل: ما أ ُجــمِــــعَ على بُـطلا نـــــه كـنـكـــاح المُـعــتـَـدَّة من غــيــره.

ثم العـقــد الفــاسد يُــفــارقُ الصحيح في أمُــور ٍ :

*** منها أنه لا يُـبـيـحُ الوطئ.

*** ولا يُـحـلــِّــل الزوج المطلـَّـقة ثلاثة لزوجها الأول.

*** وتـَـبـِــيـــنُ فيه الزوجة المَـد خـُــولُ بها بطـلقــَــة واحدة فلا تصحُّ رجعتها، إذ شرط صحَّــة الرجعة: كون النكاح صحيحا ً.

ويُـوافــقــُــه في أمُـــور ٍ :

*** منها منع الزوجة من نكاح غيره حتى يفارقها بطلاق أو غيره.

*** ومنها أن المهر يتـقــــرر كاملا ً بد خــــول أو خلوة( 65 ).

*** ومنها أن الطلاق كما يقع في الصحيح : يقع في الفاسد.


إذا علمتَ ذلك، فهل إذا قــلــَّــد العاقد الإمام الأعـظم أبا حنيفة في صحَّــة النكاح بلا ولي أو بولي ظاهر الفسق معتمدا ً على مَــن أفتاه مِــن السَّـــادة الحنفية بذلك، فهل لهذا المقـلـــِّــد أن يرجع عن مذهب الإمام الأعظم عند وقوع الطلاق الثلاث عليه معتمدا ً على فتوى حنبلي أو غيره بعــدم وقوع الثلاث عليه لفساد العـقـد وبـيـنونة الزوجة بطلقة رجعــية سابقة للثلاث أم يمتــنع عليه ذلك وعليه أن يلتزم مذهب مَـن قــلــَّــده في أحكام النكاح مِــن الطلاق والخلع وغيرهما لئلا َّ يكون مُـلفــِّــقـا ً في التـقــلـــيــد؟

أقولُ وبالله التوفيق:

هذه المسألة قد أولع بها بعض الطلبة تهورا ً وعدوانا ً وطلبا ً للعاجل الفاني، فتراهم يتهافتون على رد المطـلــَّــقــة ثلا ثـــا ً نظرا ً لفساد العـقـد الأول، مع أن المطلــِّــق عـند العـقـد قــلــَّـــدَ أبا حنيفة النعمان( 66 ) في صحَّـة هذا النكاح، وقــلــَّــده أيضا ً في صحَّــة الرجعة السابقة على الثلاث، والمفهُومُ من كلام علمائنا رحمهم الله تعالى : أنَّ عـلى المُـقــلــِّـــد أن يلتزم مذهب مَـن قــلــَّــده في صحَّــة النكاح بلا وليٍّ أو بوليٍّ ظــاهــر الفـــسق أو بشـــاهـــدَ يــْــن ظـــاهــــرَيْ الفــسق.

قال في ( شرح المنتهى ): ( قال في ( شرح التحرير ): لو أفتى المقــلــِّــد مُـفـتٍ واحــدٍ وعـمـل به المقــلـِّــد : لزمَه قطعا ً، وليس لـه الرجـوع عــنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها إجماعا ً( 67 )، وإن لم يعـمل به : فالصَّحيح مِــن المذهب أنه يلزمه بالتــزامه، قال ابن مفلح في ( أصوله ): هذا الأشهر )( 68 ) انتهى.

وقد ذكر بعض المتأخـِّـرين أنه يلزم كل مكــلــَّــف تــقــليد إمام ٍ من الأ ئـمـَّــة الأ ربــعـــة لضبط مذاهبهم ووصُولها بالتــواتــــر.


والتـقـلـــيــدُ: أخذ مذهـب الغــير مع اعـتـقـــاد صحَّــته بلا معرفة د لــيــلــه.

وتـنــازعَ العلمــاء هــل على العَــامِــي أن يـلـتــزم مذهبا ً واحــدا ً، بحيث يأخــذ بعزائمه ورُخــَــصه؟ على قــولــين مشهـــورَيــن:

*** اختار الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه لا يجبُ، قال: كما أنه ليس له أن يقــلـِّـد في كــل مسألة مَــن يُــوافق غرضه.

*** وقال غيره: الأ شــهــرُ أنَّ عليه أن يتـمذهب بمذهب واحــدٍ مُـعـَـيَّــن ٍ، قال ابن حمدان في ( الرعــاية ): ( هذا الأ شــهـــر ).

إذا علمتَ ذلك، وقـلنــا: يلزم التمذهب بمذهب مُـعَــيَّــن ٍ، فهل يجوز له الا نـتــقـــال عنه لمذهب آخـــــر؟

قال جَــمعٌ مُـحـقــِّـــقــُـون: يجوز تـقـلــيد المذاهب في النوازل في بعض المسائل بثلاثة شــرُوط ٍ :

الأول: أن لا يجمَع بين المذهـبـيـن مثلا ً على صفة ٍ تخالفُ الإجماع( 69 )، قـلتُ: وهو التـلفيق المُجمَع على بُـطلا نــــه.

الثاني: أن يعـتـقــد فيمـَــن يُـقــلـِّــده الفـَـضل، ولو بوصُول خـَـيره إليه.

الثالث: أن لا يتبع رُخــَـص المذاهب، نقــله خاتمة المُـحـقــِّــقــيــن الشيخ محمد السفاريني في ( شرحه على عـقــيــد تـــه )( 70 )، ولخــَّــصـتــُــهُ مِــن كلا مـــــه.

وذكـــر الفقهــــاء في كتاب الصلاة أنَّ مَـن ترك ركــنا ً أو شرطا ً مُـخـتـَـــلـَــفٌ فيه بلا تـقـليد ٍ : أعــــادَ، وإن تـركــه مُـقـلـِّــدا ً لمَــن لم يَــرَ ذلك مُـفـسـِـدا ً : فلا إعــــــادة.

وهـــذا صريحٌ في جواز التقليد إذا لم يُــــؤدِّ إلى التــلـفــيــق. ولا فـــرق في ذلك بين العبادات والمعاملات فيما يظهــر.

وأما مسألة النكاح: فـلـَـم أرَ مَـن صرَّحَ بها مِــن فقهائـنــا( 71 )، غير أن شيخنا الشـطـِّـي( 72 ) رحمه الله تعالى نقــل عن الشيخ عـثمان النجــدي( 73 ) أنه رُفِـــع إليه سؤالٌ مضمُونه ما تـقـدَّ مَ فأجاب العلا َّمة المذكـُـور بما ملخــَّــصه: ( اعــلــَــم أنَّ الرجل المتزوِّج على قـاعــدة الإمام أبي حنيفة لا بُـدَّ وأن يُــراعِـــي في نكاحه ذلك مذهب الإمام أبي حنيفة في الخلع والطلاق وغيرهما لئلا َّ يكــون مُـلــَــفــِّــقــا ً في التـقــلــيد، وذلك منه غـير مَـرضي، ولا سَـــد يـــــد)( 74 ) انتهى.

ونقــل شيخنا أيضا ً أن الخلوتى أشار في ( حاشيته على المنتهى ) إلى مَـنع التـقــليد إذا أدَّى إلى التـلـفـيـق( 75 ).

وفي ( المنتهى )( 76 ) في كتاب الطلاق: ( ويقع ـ أي الطلاق ـ بائنا ً في نكاح، قيل بصحَّــته ولا يستحــق عـــوض سئــل عليه المطلق ولا يراها أي الصحَّة مطلق ) ( 77 ) .

قال شارحه: ( نصا ً كما لو حكم به حاكم( 78 ) فإنه يرتفع الخلاف بحكمه ) ( 79 ) انتهى.

وقال المحقــق ابن القـيـم في ( الإغاثة ) في مَعـرَض الذ م للتحيــُّــل على تحليل المطـلـَّــقــة ثلا ثــــا ً : ( الحيلة الثانية: التحيـُّــل على عـــد م وقــُــوع الثلاث يكون النكاح فاسدا ً ويتحيَّــلون لبيان فساده من وجوه منها: أن عدالة الولي شرط في صحَّــته فإذا كان في الولي ما يقــدح في عدالته فالنكاح بــاطـــل( 80 )، فلا يقــع فيه طلاق( 81 )، والقـــوادح كــثـيرة فلا تكـــادُ تـفـتــِّــش فيمَــن شئتَ إلا وجدتَ قـــاد حـــا ً ــ إلى أن قال ــ فيا للعجب، يكون الوطئ حلالا ً والنـَّسب لاحقا ً والنكاح صحيحا ً حتى يقع الطلاق فحينـئذ يطلب وجه إفساده ) ( 82 ) انتهى كلامه ملخَّصا ً. وقد أشعر كلامه باستعظـــام ذلك، وهو جـــد يــــرٌ بـــه، لِـمَــا فيه مِـــن التلاعب بالــدِّ يـــــن.

وأما السَّــادة الشافعــية: فـقـد صرَّح المُـحـقـــِّــقــُـون منهم بهذه المسألة، ففــي ( شرح التحفة ): ( اتـفـق العلماء عـلى أنه لا يجُــوز لعَــامِــيٍّ تعــاطــي فِـعــــل مُختــلــَــف فيه إلا َّ إن قــلـَّـد القائل بصحَّــته، وحينئذ ٍ فمَـن نكح نكاحا ً مُـخـتــلـفـا ً فيه فإن قـلــَّــد القائل بصحَّــته أو حكـَــم بها مَن يراها ثم طلق ثلا ثــا ً : تـعـيــَّــن التحليل وليس لـه تـقــلـيد مَن يرى بطلان العـقـد، لأ نـــه تلفـيـق للتـقـلــيد، فإن فقد التقليد أو الحُـكم بالصحَّــة : لم يحتــج لمُحَــلـِّــل ٍ، نعم يتعَــيَّن لأ نــه لو ادَّعـــى بعــد الوقـــوع للثلاث عــــد م التــقــلــيد لم يُـقـبـَــل منه ) انتهى( 83 ). أي لأن الأ صــل في العـقــود الصحَّــة، فدعـــواه: فساد العـقـد بعــد وقــُـوع الثلاث عليه : غير مقبــولة بمجرَّد الدَّعــوى.

والعجبُ ممَّن يُــبـــاد رُ إلى رد المطـلــَّــقــة ثــلا ثـــا ً بمجـــرَّد دعـــــوى المُـطــلـِّــق فساد العـقـد!!!

هل الحـامـلُ لـه على ذلك: إلا َّ طمس البصيرة، وفساد السَّــريرة، وحُــب العاجل الفاني!!! نسأل الله سبحانه أن يُنــِّـــور قــــلوبنا، وأن يرزقــنا السلامة مِــن كل بليَّــة في الدنيا والآخرة بمَــنـِّــه وكـــرمــــــه

خالد حمد علي
20-03-2006, 19:52
جُزيتَ خيراً سيّدي .

لكن هل طبِعَ الكتاب ؟

حسين عبد الرحمن الشعفي
21-03-2006, 10:55
شرف لنا مروركم سيدي المشرف الكريم , وفقتم في سعيكم في منتدى السادة الحنابلة.
سيدي : يظهر أن الكتاب مازال في أسر الوورد , وقد نقله في القريب المحقق له _إصدار _ في بعض المنتديات
وأنا متابع لما ينقله هناك لأنسخه هنا حتى يغربله السادة الأعضاء ونستفيد مما فيه ولو بنقد صحيح .
وإني حيث أنقله أبرأ إلى الله مما يوهم الباطل أو يطمس الحق , بل قصارى جهدي وإرادتي تفعيل عنوان الكتاب الذي عرفت , وتنزيه السادة الحنابلة ممن شان مذهبهم.
أخيرا آمل تفضلكم بقبولي محبا ومستفيدا من المنتدى عموما ومن رواق الحنابلة خصوصا .
كتبه : الشعفي .

حسين عبد الرحمن الشعفي
23-03-2006, 19:17
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

الهوامش


...


( 1 ) ــ قوله تعالى: { واعتصموا بحبل الله... } أي القرآن ، شبهه بالحبل من حيث أن التمسك به سبب للنجاة من التردِّي. (اهـ مصنف) .


( 2 ) ــ سورة آل عمران الآية 123 .


( 3 ) ــ سورة هود الآية 118- 119 .


( 4 ) ــ قوله: { ولا تفرقوا }: أي تفرقا ً يؤدِّي إلى الخروج عن الاعتصام بالكتاب، فالمنهيُّ عنه: الاختلاف في أصول الدِّين دون الفروع لأنه رحمة. (اهـ مصنف) .


( 5 ) ــ (مسند أحمد)2/360 رقم8703 و2/367 رقم8785 و2/327 رقم8316، (صحيح مسلم)3/1340 رقم1715، (الموطأ) لمالك2/990 رقم1796، (صحيح ابن حبان)8/182 رقم3388 و10/423 رقم4560 .


( 6 ) ــ قوله: (وعليكم بالجماعة) أي: الزموا ما عليه جمهور الأمة المحمَّدية أي: جماعة السلف فإنهم أبعـد عن موافقة الخطأ (اهـ من تعليق المصنف) .


( 7 ) ــ (مسند أحمد)5/232 رقم22082 و5/243 رقم22160، مسند الحارث (زوائد الهيثمي) 2/635 رقـم606، (المعجم الكبير) للطبراني20/164رقـم344-345، (حلية الأولياء) 2/247، وقال الهيثمي (مجمع الزوائـد)2/23 والمنذري (الترغيب والترهيب)1/137: (رواه أحمد من رواية العلاء بن زياد عن معاذ ولم يسمع منه) .


( 8 ) ــ (سنن ابن ماجه)2/1303 رقم3950 وقال البوصيري في (مصباح الزجاجة)4/169 (هذا إسناد ضعيف لضعف أبي خلف الأعمى واسمه حازم بن عطار، ورواه عبد بن حميد ثنا يزيد بن هارون أنبأ بقية بن الوليد بن معاذ فذكره، ورواه أبو يعلى الموصلي ثنا داود بن رشيد ثنا الوليد فذكره بإسناده ومتـنه، وقد روي هذا الحديث من حديث أبي ذر، وأبي مالك الأشعري، وابن عمر، وأبي بصرة، وقدامة بن عبد الله الكلابي، وفي كلها نظر قاله شيخنا العراقي رحمه الله)، (مسند بن حميد)1/367 رقم1220، والحديث وإن لم يتواتر آحادها لكن المشترك بينها متواتر فقد ورد ما يؤدي معنى الحديث من رواية خمسة عشر صحابيا ً. راجع (الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج) ص181 للمحدث السيد عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى، و(نظم المتـناثر من الحديث المتواتر) ص104-105 للسيد محمد جعـفـر الكتاني، و(إتحاف ذوي الفضائل) ص116 للسيد عبد العزيز بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى .


( 9 ) ــ قوله: (الرَّعيل) كـ(السِّرب) بمعنى: الجماعة والطائفة (اهـ مصنف) .


( 10 ) ــ قوله: (جهم...) الخ: هو جهم بن صفوان رئيس الفرقة الجهمية، من مقالته أنه لا قدرة للعبد أصلا، وأنه تعالى لا يعلم الشيء قبل وقوعه، وأنه تعالى لا يُوصَـف بما يُوصَـف به غيره من العلم والقدرة، وغيرها، ولبشاعة مذهبه قال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي مقالة اليهود ولا نستطيع أن نحكي مقالة الجهمية. (اهـ من تعليق المصنف) .


( 11 ) ــ (مناقب أحمد) لابن الجوزي ص167-168 طبعة الخانجي وحمدان، بيروت طبعة ثانية .


( 12 ) ــ قوله: (لِـمَ ولا وكيف؟): أي لا يقال فيها لِـمَ قال كذا، ولا كيف قال كذا، فالأوَّل استفهام إنكاري، والثاني تعجُّب. ( من تعليق المصنف ) .

( 13 ) ــ قوله: (وإن نـَـبـَـت عن الأسماع): أي نفرت، فكان القياس نـَبـَـت عنها الأسماع، والمحفوظ في الرواية ما أثبتناه. (اهـ من تعليق المصنف) .


( 14 ) ــ (مناقب أحمد) ص171-172 .


( 15 ) ــ (الباعث على إنكار البدع) لأبي شامة1/22 .


( 16 ) ــ يقصد: ابن قيم الجوزية .


( 17 ) ــ (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان)1/70 .


( 18 ) ــ نفس المصدر ونفس الصفحة .


( 19 ) ــ عن العرباض بن سـارية رضي الله عنه (مسند أحمـد)4/126-127، (سنن أبي داود)4/200 برقم4607، (سنن الترمذي)5/44 برقم2676 وقال: حديث حسن صحيح، (سنن ابن ماجه) برقم44، (مشكل الآثار) للطحاوي2/69، (المستدرك) للحاكم1/95 وصححه ووافقه الذهـبي، (سنن الدارمي)1/57، (صحيح ابن حبـان)1/178-179 (السنن الكبـرى) للبيهقي6/541. وزيادة (كل ضلالة في النار) من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنه عند أبي نعيم في (المسند المستخـرج على صحيح مسلم)2/455، (سنن النسـائي)3/188 برقم1578 .


( 20 ) ــ (مسند أحمد) عن أبي هريرة2/332 برقم8376.

وعن أنس بن مالك3/120 برقم12229 و3/145 برقم12501 .

(سنن أبي داود) عن أبي هريرة4/197 برقم4596 .

(سنن الترمذي) عن أبي هريرة5/25 برقم2640 وقال: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) .

(سنن ابن ماجه) عن أبي هريرة 2/1321 برقم3991 وعن عـوف بن مـالك 2/1322 برقم3992 وقال عنه البوصيري في (مصباح الزجاجة)4/179 : (هذا إسناد فيه مقال، راشد بن سعد: قال فيه أبو حاتم صدوق، وعباد بن يوسف: لم يخرج له أحد سوى ابن ماجة وليس له عنده سوى هذا الحديث، قال ابن عدي روى أحاديث تفرد بها، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات، وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه أبو داود في سننه والترمذي في الجامع وقال: حسن صحيح) .

وعن أنس بن مالك2/1322 برقم3993 وقال عنه البوصيري في (مصباح الزجاجة): (هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس أيضا ً ورواه أبو يعلى الموصلي) .

(صحيح ابن حبان) عن أبي هريـرة14/140 رقم6247 و15/125 برقم6731 .

(المستدرك) للحـاكم1/47 برقم 10 و1/217 رقم 441 وقال: (صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) .

وصرَّحَ بتواتر هذا الحديث الحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى في كتابه (الأجوبة الصارفة لإشكال حديث الطائفة) ص 60 ـ 61 وقال: ( تواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم من حديث أنس بن مالك، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومعاوية، وسعد بن أبي وقاص، وعمر بن عوف المزني، وعلي بن أبي طالب، وأبي الدرداء، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وعوف بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وقتادة مرسلا ً ).اهـ .

كما أفرد له مؤلفا ً عنوانه ( فك الرِّبقة بتواتر حديث تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ) وهو مخطوط .


( 21 ) ــ قوله: (وتفترق أمتي...) الخ: أي في الأصول، إذ المذموم الاختلاف في أصول التوحيد، وعقائد الدِّين إذ المختلفون فيها كفـــَّــر بعضهم بعضا ً دون الفروع. (اهـ من تعليق المصنف) .


( 22 ) ــ (مسند أبي يعلى)10/502.


( 23 ) ــ قوله: (وفي رواية...) الخ: وأما ما ذكره الغزالي من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستفترق أمتي نيفا ً وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة) وهي فرقة، فقد قال عنه شيخ الإسلام: لا أصل لـه، بل هو موضوع كذب باتفـاق أهل العـلم بالحديث) .

وقال المحقــِّــق السفاريني: ( وقد ذكره ابن الجوزي في (الموضوعات) وذَكــَرَ عنه أنه قال: (وضعه الأبرد بن الأشرس وكان وضَّاعا ً كذابا ً، وأخذه عنه ياسين الزيات فقلب إسناده وخلطه وسرقه عثمان القرشي وهؤلاء كذابون )اهـ .

قلتُ: والحِسُّ شاهدٌ بصدق الحَديث الذي ذكره المؤلــِّـــف وكــذِب الذي ذكره الغزالي، لأننا لم نر على الحق من هذه الفرقة التي افترقتها هذه الأمة إلا واحدة، فيا للعجب كيف ذكر حجة الإسلام الغزالي هذا الحديث، ولم يبيِّــن وضعه وهو موضوع باتـفــاق أهل العلم بالحديث كما تقدم؟!! (اهـ من تعليق اللبدي).


( 24 ) ــ قال ذلك العلا َّمة محمَّــد السفاريني الحنبلي في كتابه (لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية)1/73 وهذا نصُّ كلامه: (أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي. وأما فِــرَق الضلال فكثيرة جدا ً )اهـ .

قال الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى فيما نقله عنه الإمام العلامة السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى)3/397 وابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) : ( إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله فلم يحدث في دين الله حدثا ً ولم يأتِ فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومَـن بعـدهم من الأئمة في أصُول الدين فنصرها بزيادة شرح ٍ وتبـيـيــن ٍ وأن ما قالوا وجاء به الشرع في الأصول صحيح في العقول... فكان في بيانه: نـُـصرة أقاويل مَــن مضى من الأئمة كأبي حنيفة وسفيان الثوري مِـن أهل الكوفة والأوزاعي وغيره مِـن أهل الشام ومالك والشافعي مِـن أهل الحرمين ومَـن نحـَـا نحوهما مِـن أهل الحجاز وغيرها مِـن سائر البلاد وكأحمد بن حنبل وغيره مِـن أهل الحديث والليث بن سعد وغيره وأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم ابن الحجاج النيسابوري إمامَي أهل الآثار وحفــَّــاظ السُّــنن التي عليها مدار الشرع )اهـ.

قال الإمام أبو عبد الله الكلاعي المآيرقي المالكي: ( ولم يكن أبو الحسن ـ الأشعري ـ أول متكـلم بلسان أهل السنة، إنما جرى على سَـنـَـــن غيره وعلى نـُصرة مذهب ٍ معروف ٍ فزاد المذهب حجـَّــة وبيانا ً ولم يبتدع مقالة اخترعها ولا مذهبا ً انفردَ به، ألا ترى أن مذهب أهل المدينة نـُسِــب إلى مالك ومَن كان على مذهب أهل المدينة يقال لـه مالكي، ومالك: إنما جرى على سَــنـَــن مَن كان قبله وكان كثير الاتباع لهم إلا أنه لما زاد المذهب بيانا ً وبسطا ً عُـــزِيَ إليه، كذلك أبو الحسن الأشعـري لا فرق، ليس له في مذهب السلف أكثر من بسطه وشرحه وتأليفه في نصرته )اهـ . (طبقات الشافعية الكبرى) للسبكي3/367 .

قال العلامة الإمام تاج الدين السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى)3/365: ( اعلم أن أبا الحسن ـ الأشعري ـ لم يبدع رأيا ً ولم يُـنشئ مذهبا ً وإنما هو مُقــرِّرٌ لمذاهب السلف مناضلٌ عما كانت عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقا ً وتمسَّــك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المُقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يُسمَّى أشعريا ً )اهـ .

وقال تاج الدين السبكي أيضا ً في (شرح عقيدة ابن الحاجب) : ( اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على مُعتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ المُوصِلة لذلك أو في لـمِّــيَّــة ما هنالك، وبالجملة فهم بالاستــقــراء ثلاث طوائف:

الأول : أهل الحديث، ومُعـتـمَــد مباديهم الأدلة السمعـية أعني الكتاب والسنة والإجماع.

الثانية: أهل النـَّـظر العـقـلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعـرية والحنفية، وشيخ الأشعرية: أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية: أبو منصور الماتريدي، وهم متـفـقـون في المبادئ العـقـلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه، وفي المبادئ السمعية فيما يُدرك العقل جوازه فقط ، والعـقـلية والسمعية في غيرها، واتفـقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسألة التكوين ومسألة التقليد.

الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومباديهم: مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية )اهـ.


( 25 ) ــ قال العلامة تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى مسلــِّــما ً ومُـقـِـــرّا ً في (طبقات الشافعية الكبرى)3/365: ( ذكر شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ـ سلطـان العلماء ـ أن عقيدته ـ أي الأشعري ـ اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصيري )اهـ .

وقال الحافظ الكبير والإمام الجليل ابن عساكر: ( هل من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق للأشعري ومُـنتسبٌ إليه وراض ٍ بحميد سعـيه في دين الله ومُـثـن ٍ بكثرة العــلم عليه غير شرذمة قليلة تـُـضمِـرُ التشبيه وتـُعادي كل موحِّـــد يعتقد التــنزيه أو يُضاهي قول المعتزلة في ذمِّه )؟ اهـ . (طبقات الشافعية الكبرى)3/373-374.

وقال تاج الدين السبكي: ( وهذه المذاهب الأربعة ولله الحمد والمنة: في العقائد يدٌ واحدة، إلا مَـن لحق منها بأهل الاعتزال والتجسيم، وإلا فجمهورها على الحق يُـقــرُّون عقيدة أبي جعــفــر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا ً وخلفا ً بالقبول ويدينون الله برأي شيخ السنة أبي الحسن الأشعري الذي لم يعارضه إلا مبتدع )اهـ . (معيد النعم ومبيد النقم) ص 25.

وقال أيضا ً: (وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة ـ ولله الحمد ـ في العقائد يدٌ واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة يدينون الله تعالى بطريق الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الاعتزال ورعاع من الحنابلة لحقــوا بأهل التجسيم، وبـــرَّ أ الله المالكية فلم نر مالكيا ً إلا أشعريا ً عقيدة، وبالجملة: عقيدة الأشعري هي ما تضمَّــنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة )اهـ . (معيد النعم ومبيد النقم)ص 62.


( 26 ) ــ قوله: ( فإن قلتَ... ) الخ: أقول هذا البحث جدير بالتـنويه، وما أجاب به سديد وجيه، يجب المصير إليه، وخلافه لا يُـعـَـــوَّل عليه وإن جزم به المحقــِّـــــق السفاريني في (منظومته) فقال:

وليس هـــذا النص جزما ً يُـعـتــَــبـَـــــر ***** في فـــرقــــة إلا َّ عـلى أهــل الأ ثــــــر

فكلامُ المؤلــِّــــف أصوَبُ، وإلى الحق أدنى وأقربُ، والله سبحانه وتعالى أعلم. (اهـ من تعليق اللبدي).


( 27 ) ــ والقول بالمنع أو الحرمة :

*** تـنطـــُّــعٌ.

*** وجهلٌ مكعــَّـــبٌ بمآخذ الحُــكم الشرعي.

*** وسبيل أهل الحشــو والتجسيم، وكيف يمكن القول بـ( منع أو حُرمة التأويل ) إن كان متماشيا ً مع استعمالات العرب وأساليبها في الخطاب؟!!

ولم نعلم للقائل بـ(المنع و الحُرمة) شبهة دليل، ولا أقول دليلا ً، إذ لا يعـــدو استنادهم في زعم المنع عن دعويــين باطلين:

الأولى: عدم فِـعــل السلف لذلك!!!

الثانية: ذمُّ ونهيُ فلان، واستنكار علاَّن من علماء المسلمين!!!.

أما الدَّعــــوى الأولى:

ـــ فباطـــل الاستناد إليها أوَّلا ً .

ـــ وكذب وافتراء في ما تزعمه وتـتضمَّــنه ثانيا ً.


أما بطلان الاستناد إليها: فمِــن وجهين:


أوَّلا ً: أن القول بالحُرمة مستندُه الشارع: الله عز وجل، أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أو إجماع مجتهدي الأمة.

ويكون الأمر محرَّما ً : إذا جاء نهيٌ جازمٌ عن الفـعــل، وذاك ما ينعـــدمُ هنا، فلا نهيٌ جازم من الله عز وجل، ولا من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا من إجماع أيضا ً ـ كما سنرى من وقوع التأويل عن كثير من السلف صحابة وتابعين ـ

ولعمري لو كان هناك نهي جازم أو لو كان التأويل حراما ً : لما صدر من أجلـــَّــة الصحابة وأعيان التابعين.


ثانيا ً : عدم فِـعــل الصحابة لشيء ٍ مَّــا : ليس بدليل، بل هو (عــدم دليل) .

ولا يمكن القول بالكراهة أو الحرمة استنادا إلى (دليل!!! عدمي) ، ولإن كان عيافة وتقزُّز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أكل الضب وتراجعه عن أكله بعــد همِّه به لم يدلَّ على كراهته فضلا ً عن حُرمته (وهو في الصَّحيحين) فكيف يصحُّ الزَّعم بأن التأويل حراما ً لأن السَّــلف لم يفعــلوه ـ هذا لو سلــَّمنـا لهم هذا الزَّعم، وإلا فهو باطل وكذب أو جهل مكعَّـــب ـ !!!

والمجال هنا لا يسمح بالتوسُّع أكثر من هذا، فلنكتف بذلك.

أما الكذب والافتراء في ما تزعمه وتتضمَّــنه: فيكــفي لمعرفة ذلك مراجعة كتب التفاسير بالأثر (تفسير الطبري)، (تفسير ابن كثير)، (الدر المنثور) للحافظ السيوطي لتجد من تأويلات ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن ومنصور وابن زيد وغيرهم الكثير...

وكلها يشهد بكذب مَــن يزعم أن السلف الصالح لم يؤوِّل ولم يكن التأويل من منهجهم... فضلا ً عن ( دعوى الإجماع) !!!

ـــ فقد روى ابن جرير في تفسيره بأسانيده عن سيدنا ابن عباس تأويل (الساق) الواردة في قول الله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) ـ القلم 42 ـ بـ (الشدَّة)، لأن العرب تقول: (كشفت الحرب عن ساقها) أي اشتدَّت.

ـــ كما نقل ابن جرير في تفسيره أيضا جزء8/201-202 و27/7 عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن ومنصور وابن زيد تأويل (النسيان) بـ (التــَّـــرك)، وتأويل قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيــــدٍ) ـ الذاريات47 ـ أي (بنيناها بقـــوَّة).

ـــ كما نقل ابن كثير في (البداية والنهاية)10/327 نقلا عن (مناقب أحمد) للبيهقي بالإسناد الصحيح عن أحمد بن حنبل أنه أوَّل قوله تعالى: (وجاء ربك) ـ الفجر22 ـ أنه جاء (ثوابه).

والتأويلات عن الصحابة والتابعين كثيرة وعديدة لا مجال لذكرها ولا استقصائها هنا، وإنما المقصود إبطال دعواهم عدم ورود التأويل عن الصحابة والتابعين وأتباعهم.


أما الدعوى الثانية التي يستندون إليها وهي ذم ونهي فلان واستنكار علاَّن من الأعيان:

فهي باطلة من أوجه عديدة نكتــفي منها بوجهين:

الوجه الأول: لا أخال مسلما ً يجهل أن الحجَّــة على العباد هو قول الله وسوله ثم إجماع مجتهدي الأمة، وأن لا معصوم إلا الرسل، وأن غيرهم غير معصوم، وأن الشرع أثبت العصمة للأمة لا لفلان ولا لغيره من الأعيان مهما سَمَت رتبته وجلـــَّت مكانته.

الوجه الثاني: على أن نهي أو ذم واستنكار هؤلاء الأعيان: معارض بفِـعــل التأويل وصدوره عن ابن عباس وغيره من التابعين كما مرَّ، فما الذي رجَّـــح قول أولئك على هؤلاء!!! والترجيح بدون مرجِّـــح باطل كما هو معلوم.

على أن نهي مَـن يستندون إليهم من الأعيان وذمهم واستنكارهم للتأويل: باطل في نفسه من أوجه عديدة ، لسنا في مجال عرضها في هذه التعليقات والهوامش، ولعلنا نفرد لها مؤلفا إن شاء الله تعالى.


( 28 ) ــ سبق منا في التعليق السابق الإشارة والتعيــين إلى حدوثه ووقوعه من السلف أيضا ً، و :

***الوقوع منهم وفيهم ابن عباس وغيره من أعيان مفسِّــري التابعين.

*** وعدم وجود نهي من الشارع عنه.

*** بل استدعاء الحاجة لذلك: قد توصله إلى درجة ( الاستحباب) فضلا ً عن (الجواز) كما لا يخفى.

( 29 ) ــ وهذا لا يعني عدم الجواز كما لا يخفى، بل قد يصل الأمر إلى الاستحباب في بعض الحالات كما صرَّح به بعض العلماء إن خِـيـفـَـت فتنة الوقوع في التشبيه والتجسيم في حق البعض ودرأ ً لمفسدة التشبيه والوقوع في الوثنية.

فقد قال الإمام الكمال بن الهمام في (المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة) ص7: ( وإذا خِــيف على العامة عدم فهم الاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا باتــِّـــصال ونحوه من لوازم الجسمية وأن لا ينفوه: فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء، فإنه قد ثبت إطلاقه وإرادته لغة في قوله :

قد استوى بشر على العراق ***** ...............................

وقوله:

فلما علونـا واستوينا عليهم ***** جعلناهم مرعى لنسر وطائر) اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)13/383: (وقال بن دقيق العيد في (العقيدة) نقول في الصفات المشكلة أنها حق وصدق على المعنى الذي أراده الله، ومن تأوَّلها نظرنا: فإن كان تأويله قريبا ً على مقتضى لسان العرب لم نــُنكر عليه، وإن كان بعيدا ً توقفنا عنه ورجعنا إلى التصديق مع التـنزيه، وما كان منها معناه ظاهرا ً مفهوما ً مِـن تخاطب العرب حملناه عليه لقولـه: (على ما فرطتُ في جنب الله) ـ الزمر56 ـ فإن المراد به في استعمالهم الشائع: (حق الله)، فلا يُــتوقــف في حمله عليه. وكذا قوله: (إن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن) فإن المراد به: إرادة قلب بن آدم مصرفة بقدرة الله وما يُوقعه فيه، وكذا قوله تعالى: (فأتى الله بنيانهم من القواعد) ـ النحل26 ـ معناه ضرب الله بنيانهم، وقوله: (إنما نطعمكم لوجه الله) معناه: لأجل الله، وقِس على ذلك، وهو قـــلَّ مَـن تيقــَّــــظ له)اهـ .


على أنه يجب علينا هنا أن نبين أموراً:


ـــ الأمر الأول: أن التفويض مذهب السلف، والمعنيّ به: (تفويض المعنى). وتدبَّر تمعَّــن فيما ننقله من أقوال علماء أهل السنة سترى أن التفويض هو (تفويض المعنى والمراد إلى الله تعالى) لا كما يزعمه أهل الحشو والتجسيم أذناب الكرامية أن التفويض هو في (الكيف)، إذ يقولون: نفوِّض الكيف!!! وهو كلام خطير، إذ الله تعالى لا يجوز في حقه الكيف، وكما قال الإمام مالك: (ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع) وقال أحمد أيضا حين سئل عن أحاديث الصفات: (نؤمن بها ونصدِّق بها ولا كيف ولا معنى).


ـــ الأمر الثاني: أن التفويض كما سيأتي من خلال علماء أهل السنة: هو مذهب السلف الصالح، وتدبَّر النقـول والتفسيرات الآتية لهُ، وبه تعلم مـا في كلام ابن تيمية الحـراني من حشو وتجسيم وزيغ في قوله بكتابه (الموافقة)1/180: (فتـبيَّن أن قـول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متَّبعون للسنة من شرِّ أقوال أهل البدع والإلحاد)!!!

حسين عبد الرحمن الشعفي
23-03-2006, 19:21
تابع هامش رقم ( 29 ):

ـــ الأمر الثالث: يجب ملاحظة فيما ننقله بعدُ من أقوال أهل السنة قيدا ً هاما ً، يضيفونه ويؤكـــِّــــدون عليه بعدَ قولهم: ( نفوِّض المعنى إلى الله تعالى) وهذا القيد هو قولهم : (مع تنزيهه تعالى عن المعنى الظاهر أو المتبادر من الأخبار والآيات المتشابهة) وهذا القيد هام جدا ً ، وسوف تجده في كل نقلٍ ننقله لك في تعريف مذهب السلف، وهو في الحقيقة ما يُعَــبَّر عنه بـ(التأويل الإجمالي)، وهذا اتفق عليه المسلمون قاطبة سلفا ً وخلفا ً، أما السلف فجلهم ـ لا كلهم كما مرَّ ـ اكتفى بتفويض المعنى ـ لا الكيف ـ مع اعتقاد تنزيهه تعالى عن ظواهر الأخبار والمتبادر منها، وهو التأويل الإجمالي، والخلف موافقون لهم في ذلك، وأوَّلوا تأويلا ً تفصيليا ً بأن عيَّـنوا معنى معيَّـنا ً سواء احتمالا ً أو قطعا ً وجزما ً حسب لغة العرب وأساليبها في التخاطب...

والآن تمعَّن جيداً في ما أنقله عن علماء أهل السنة في معنى التفويض عند السلف وأنه تفويض في المعنى، وتمعَّــن أيضا ً كيف أنهم يُوجبون صرف ظواهر المتشابهات كقيد ٍ ملزم ومصحِّح لعقيدة المسلم:

*** قال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه (أساس التقديس): (حاصل هذا المذهب ـ أي مذهب السلف ـ أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها، ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها)اهـ .

*** قال الحافظ ابن الجوزي: (أكثر السلف يمتـنعون من تأويل مثل هذا ويُمِــرُّونــَه كما جاء، وينبغي أن يُرَاعَى في مثل هذا الإمرار اعتقاد أنه لا يشبه صفات الخلق، ومعنى الإمرار عدم العلم بالمُراد مع اعتقاد التنزيه )اهـ . (فتح الباري) لابن حجر6/39-40 .

*** قال الإمام النووي في (شرح صحيح مسلم) 17/133 ناقلا ً عن القاضي عياض ومُسلــِّما ً له: ( ونحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئا ً به ولا نشبهه بشيء،{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عنه فهو حق وصدق، فما أدركنا علمه فبفضل الله تعالى، وما خفي علينا آمنا به ووكلنا علمه إليه سبحانه وتعالى، وحملنا لفظه على ما احتمل في لسان العرب الذي خــُوطِبنا به ولم نقطع على أحد معنيَــيْه بعــد تنزيهه سبحـانه عن ظـاهره الذي لا يليـق به سبحـانه وتعـالى، وبالله التوفيق). اهـ.

*** قال الحافظ ابن كثير في (تفسيره)3/178 عند قوله تعـالى:{ الرحمن على العـرش استوى } ـ الأعراف 54 ـ ما نصه: ( للناس في هذا المقـام مقالات كثيرة جدا ً ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مسلك السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما ً وحديثا ً وهو: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهـان المشبهين مَــنــْــفـِــــيٌّ عن الله تعـالى فإن الله تعـالى يقول: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } انتهى.

*** قال القرطبي في (تفسيره)4/14: ( قد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها فيقولون أمِـــرُّوها كما جاءت )اهـ.

*** قال الحافظ السيوطي في (الديباج شرح صحيح مسلم بن الحجاج)2/365 عند قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ينزل ربنا في كل ليلة): (قال النووي: هذا من أحاديث الصفات وفيها مذهبان للعلماء:

أحدهما: وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين أن يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى وأن ظاهرها المتعارف غير مراد ولا نتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيهه سبحانه عن صفات المخلوقين وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق.

الثاني: مذهب المتكلمين وبعض السلف وهو محكيٌّ هنا عن مالك والأوزاعي أنها تـتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها )اهـ .

*** قال الكمال بن الهمام في كتابه (المسامرة بشرح المسايرة) ص32: ( وقال أسلفنا في جملة المتشابه : نــُؤمن به ونفوِّض تأويله إلى الله مع تنزيهه عما يوجب الحدّ بشرط أن لا يُذكــَر إلا ما في القرآن، ولا نبدِّ لـــــه بلفظ آخر )اهـ .

*** قال الحافظ السيوطي في (الإتقان في علوم القرآن)2/6: ( ومن المتشابه آيات الصفات... وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسِّرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها )اهـ .

*** قال الشيخ عبد العظيم الزرقاني في (مناهل العرفان في علوم القرآن)2/182: ( مذهب السلف ويسمَّى مذهب المفوِّضة (بكسر الواو وتشديدها) وهو تفـويض معـاني هذه المتشابهات إلى الله وحده بعـد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة )اهـ .

*** ونختم في بيان معنى التفويض بقول الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء)8/105 عند حديثه عن أحاديث الصفات: (فقــولنا في ذلك وبابه: الإقــرار، والإمـــرار، وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم )اهـ .

...

( 30 ) ــ قوله: (في صفات الأفعال): وهي صفة التكوين، فالتخليق صفة الله تعالى وهو في علمه تعالى لاقتضاء المفعول فعلا ً، فاستحال دخوله تحت قدرته وإرادته، وأكثر أهل السنة يصفون الله تعالى بصفات الأفعال والكلام والرؤية كما يصفونه بالعلم والحياة والقدرة، فالتكوين صفة الله في الأزل وهو غير المكوَّن عند الماتريدية وأهل الحديث، وعند الأشعرية التكوين حادث، لأنه لا يُـتصَـوَّر بدون المكوَّن كالضـَّرب بدون مضروب. (اهـ من قول المصنف).


( 31 ) ــ ومن يقرأ كتيبات ونشريات حشوية هذا العصر يرى ما تقشعـــر منه الجلود من تضليل وتكفير للعلماء الأعلام وللسَّـــواد الأعظم من الأمة دونما موجب ولا حجة، لا لشيء إلا لأنهم لم يدينوا بدينهم في الحشو والتجسيم والتشبيه ولم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا أذنابا ً وأذيالا ً لليهود وابن كــــرَّام في التجسيم والتشبيه...


( 32 ) ــ قوله: (بمحكَمه): المحكــَم ما عُــرفَ المراد منه إما بالظــُّهور وإما بالتأويل، وقيل: ما وضح معناه، والمتشابِه بخلافه. (اهـ من كلام المصنف) .


( 33 ) ــ قوله: (بالمتشابه): أي فلا يُــؤخــَذ من المتشابِه حُـكـمٌ ولا يُـغــَـــيَّــر. (اهـ من تعليق المصنف) .


( 34 ) ــ سورة آل عمران الآية 7 .


( 35 ) ــ أخرجه الحاكم في (المستدرك على الصحيحين)2/477، (مصنف ابن أبي شيبة)6/116، (مسند أبي يعـلى)11/436، (شعب الإيمـان) للبيهقي2/427، (تـاريخ بغـداد) للخطيب البغدادي8/77 كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه) وقـال الحـاكم: (هذا حديث صحيح الإسنـاد على مذهب جماعة من أئمتنا ولم يخرجاه) وضعفه الذهبي، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد)7/163 (رواه أبو يعلى وفيه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك) .

وأخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)2/427 والثقفي في (الثقفيات) وابن الأنباري في (الوقف والابتداء) عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: (أعربوا القرآن واتبعوا غرائبه، وغرائبه فرائضه وحدوده، فإن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فاعملوا بالحلال، واجتـنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال) .

وأخرجه من حديث ابن مسعود ابن حبان في (صحيحه)3/20 رقم745، والحاكم في (المستدرك)2/317 رقم3144 وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) والديلمي في (الفردوس بمأثور الخطاب)3/273 رقم4818. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)9/2: (وقد صحَّـح الحديث المذكور بن حبان والحاكم، وفي تصحيحه نظر لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود، وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهري عن أبي سلمة مرسلا ً وقال: هذا مرسل جيِّــد) .


( 36 ) ــ (تفسير ابن أبي حاتم)2/601 رقم3217 مكتبة نزار الباز المملكة العربية السعودية الطبعة الثانية1419هـ - 1999م (تفسير الطبري)3/186 .


( 37 ) ــ (معيد النعم ومبيد النقم) لتاج الدين السبكي ص25 مؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الأولى 1407هـ -1986م .


( 38 ) ــ قوله: (الرَّعاع): بالفتح: السّــفــلة، ويُقَال: هم أخلاط من النــَّــاس. (اهـ من شرح المصنف) .


( 39 ) ــ (معيد النعم ومبيد النقم) لتاج الدين السبكي ص62-63 .


( 40 ) ــ في كتابه (الميزان الكبرى الشعرانية) .


( 41 ) ــ قوله: (لم يُــصِــبها فيه): ليس بقيد فإنه إن طـلــَّــقــها في طهر أصابها فيه يكون طلاق بدعة من باب أولى لأنه بدعة ولو واحدة فكيف بالثلاث؟ (اهـ من تعليق اللبدي) .


( 42 ) ــ قوله: (أو في أطهار قبل رجعة): هذا قيد لقوله: (عصى ربَّــه) فقط، ومفهوم أن طلاق الثـنـتـَــيْــن لا يكون حراما ً وهو كذلك، لكن يُــكــرَه كما ذكره المصنـِّــــف عن (الشَّـــرح) وغيره، وهذا إن كان من حُـــرّ ٍ، وأما الثـنتان من العَــبــْدِ فالذي يظهر لي أنهما كالثلاث من الحُـــرِّ في كونهما بدعة محرَّمة والله سبحانه وتعالى أعلم (اهـ من تعليق اللبدي) .


( 43 ) ــ قوله: (عصى ربَّــه): أي لأن جمع الثلاث بدعة محرَّمة (اهـ من كلام المصنف) .


( 44 ) ــ (الإقنـاع في فقه الإمـام أحمد بن حنبل) للحجـاوي4/6، (منتهى الإرادات) للفتوحي4/234، (معونة أولي النهى شرح المنتهى) للفتوحي7/482 فما بعـد، (كشاف القناع عن متن الإقنـاع) للبهوتي8/2598-2599، (مطـالب أولي النهى في شـرح غـاية المنتهـى) للرحيبـاني 5/333-334، (نيل المآرب بشرح دليل الطالب) لعبد القادر الشيباني1/91، (التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح) للشويكي3/1029، (المغني) لابن قدامة المقدسي10/337 .


( 45 ) ــ (كشاف القناع) للبهوتي8/2599، (معونة أولي النهى شرح المنتهى) للفتوحي7/485، (المغني) لابن قدامة المقدسي7/282، (مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى) للرحيباني5/334 .


( 46 ) ــ (كشاف القناع عن متن الإقناع)8/2599، (مطالب أولي النهى)5/334 .


( 47 ) ــ سنن النسائي (المجتبى)6/142. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)9/362: (أخرجه النسائي ورجاله ثقات لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرَّح فيه بالسماع، وقد قال النسائي بعد تخريجه: لا أعلم أحدا ً رواه غير مخرمة بن بكير يعني ابن الأشج عن أبيه اهـ . ورواية مخرمة عن أبيه عند مسلم في عدة أحاديث وقد قيل إنه لم يسمع من أبيه)اهـ .


( 48 ) ــ (الإقناع)4/16، (المنتهى)4/255 .


( 49 ) ــ بل هي مِــن المسائل التي خرق فيها ابن تيمية الإجماع، لا المذاهب الأربعة فقط :

*** قال أبو بكر الرازي الجصَّاص (الحنفي) في كتاب (أحكام القرآن)2/85 بعد أن سردَ ما يدلُّ على وقوع الطلاق مِــن الآيات والأحاديث وأقوال السلف: (فالكتـاب والسنـة وإجمـاع السلف توجب إيقـاع الثلاث معـا ً، وإن كان معصية )اهـ .

*** وقال أبو الوايد الباجي (المالكي) في كتابه (المنتقى) ( فمَـن أوقع الثلاث بلفظة واحدة لزمه ما أوقعه من الثلاث وبه قال جماعة الفقهاء، والدليل على ما نقوله إجماع الصحابة لأن هذا مرويٌّ عن ابن عمر وعمران بن حصين وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم ولا مخالف لهم )اهـ .

*** وقال أبو بكر ابن العربي المعافري (المالكي) في كتاب (أحكام القرآن)عند الكلام على حديث ابن عباس في إمضاء الثلاث: ( هذا حديث مختلف في صحَّــته، فكيف يُــقــَـــدَّم على الإجماع؟!! ويُعارضه حديث محمود بن لبيد، فإن فيه التصريح بأن الرجل طــلــَّــق ثلاثا ً مجموعة ولم يردَّه النبي صلى الله عليه وسلم، بل أمضاه )اهـ .

*** وقال العلا َّمة ابن الهمام (الحنفي) : ( لا تبلغ عِـــدَّة المجتهدين الفقهاء من الصحابة أكثر من عشرين كالخلفاء الأربعة والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم وقليل سواهم، والباقون يرجعـــون إليهم ويستـفـتون منهم، وقد أثبتـنا النقــل عن أكثرهم صريحا ً بإيقــاع الثلاث، ولم يظهــر لهم مخالِــف، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وعن هذا قـلنا: لو حَـكــَمَ حاكِـــم بأن الثلاث بفــَـم ٍ واحدة لـَـم ينفـــذ حُــكمه، لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه، فهو خلاف لا اختلاف. والرواية عن أنس بأنها ثلاث ٍ : أسندها الطحاوي وغيره )اهـ (شـرح فتح القدير) للسيواسي3/470.

*** وقال الحافظ ابن رجب (الحنبلي) في كتابه (بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة) فيما نقـله عنه الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي في كتابه (السَّير الحاث ـ يريد الحثيث ـ إلى علم الطلاق الثلاث) ص31: ( اعلــَم أنه لم يثـبُــت عن أحد ٍ من الصحابة ولا مِــن التابعين ولا من أئمَّــــة السلف المُـعـتــَــــد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيءٌ صريحٌ في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يُحسَب واحدة إذا سِــيــقَ بلفظ ٍ واحد ٍ )اهـ .


( 50 ) ــ كلام بـاطل وعن الصَّواب عـاطل، ولا تسمح لنا هذه الهوامش بـيان ذلك، ولكن نـُحيل القارئ الكريم على الكتب التالية فقد تكـفـَّــــلت ببيان بطلان هذه الدَّعـــــوى:

*** (الإشفاق على أحكام الطـــَّـــلاق) للمحقــِّــق العلا ّمة الأستاذ محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى .

*** (الإغاثة في حكم الطلاق الثلاثة) للعـلا َّمة الشيخ أحمـد بن حسين الطلاوي الشـافعي رحمه الله تعـالى ـ والكتاب قــرَّضه مشايخ وفقهاء المذاهب الفقهية الأربعة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ـ .

*** (القول الجامع في الطلاق البدعي والمتتابع) للشيخ العلا ّمة الكبير محمد بخيت المطيعي رحمه الله تعالى.


( 51 ) ــ وهذا القول باطل ومجانب للصَّواب من هذا القائل مجهول العين، مجهول الحال، من أوجه عِــــدَّة، نكـتـفي منها هنا بثلاث:

الوجه الأوَّل: زعمه في الشق الأوَّل من دعواه (عدم التفسيق) يخالف ما هو مقــرَّر عند علماء الفقه والأصول فيمن خرق الإجماع، ويكــفي مراجعة كتب الأصول عند تعرّضهم لحُكم من خرق الإجماع لمعرفة جليَّـــة الأمر.

الوجه الثاني: ولو جارينا هذا الزَّعم فلن يُحكــَم على أي مارق ينشأ أو يرفع عقيرته خارقا ً مسائل انعـقـد الإجماع عليها بدعوى (قيام الدليل على صحَّــتها عنده، بحسب ظـنــِّــه واجتهاده) بفسق ٍ أو مروق ٍ أو ضلال ٍ ...

الوجه الثالث: على أننا لو سلــَّمنا ذلك ـ جدلا ً ـ فما هو حُـكم مَن يعتـقـد قِــدم العالــَم، وقيام الحوادث بالله تعالى، والتجسيم الصَّــريح والتشبيه القبيح... الخ الضلالات والكفريات التي تعـــجُّ بها كتب ورسائل ابن تيمية الحرَّاني؟!!!


( 52 ) ــ (الهداية شرح البداية)4/63.


( 53 ) ــ هذه نتيجة باطلة، وعن الصَّواب عاطلة، لأنها مبنية على باطل!!! وهو الزّعــم بأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد خالف الإجماع في قوله بحِــل متروك التسمية عمدا ً!!!!

ولو راجعــنا هذه المسألة في مضانها من كتب الفقه والتفسير لرأينا الأمر بخلاف ذلك!!!

وسنكتفي ببـيان عدم انفراد الشافعي بهذا القول، أو خرقه لإجماع ٍ مزعوم ٍ قبلــَــه من خلال نقــُول ٍ عن علماء أعلام خوف الإطالة، وبه يتجلــَّى أن هذا القول قال به صحابة وتابعون ورواية أيضا ً عن أحمد ومالك .


قال الإمام الخطابي في (معالم السنن)1/283: ( واختلفوا فيمن ترك التسمية على الذ َّبـــح عامدا ً أو ناسيا ً، فقال الشافعي التسمية استحباب وليس بواجب وسواء تركها عامدا ً أو ناسيا ً، وهو قول مالك وأحمد )اهـ .

قال ابن العربي المعافري المالكي في (أحكام القرآن)1/749: ( اختلف العلماء في متروك التسمية على ستة أقوال: .... الثاني : إن تركها عامدا ً أو ناسيا ً تــُؤكـَــل، قاله الحسن والشافعي)اهـ .

وقال ابن كثير الشافعي في (تفسيره)2/170: ( والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة فإن تركها عمدا ً أو نسيانا ً لا يضر، وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله وجميع أصحابه ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل وهو رواية عن الإمام مالك ونصَّ على ذلك أشهب ابن عبد العزيز من أصحابه وحُكِيَ عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء بن أبي رباح والله أعلم)اهـ .

ثم قال ابن كثير رحمه الله تعالى:2/171:(ونقل الإمام أبو الحسن المرغياني في كتابه (الهداية) الإجماع قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدا ً فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ لو حكم حاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفة الإجماع وهذا الذي قاله غريب جداً وقد تقــدَّم نقل الخلاف عمَّن قبل الشافعي والله أعلم)اهـ .

وقال البيضاوي الشافعي في (تفسيره)2/448: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه: ظاهر في تحريم متروك التسمية عمدا ً أو نسيانا ً وإليه ذهب داود وعن أحمد مثله وقال مالك والشافعي بخلافه)اهـ .

وقال أبو السعود الحنفي في (تفسيره)3/180: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه: ظاهر في تحريم متروك التسمية عمدا ً كان أو نسيانا ً وإليه ذهب داود وعن أحمد بن جنبل مثله، وقال مالك والشافعي بخلافه)اهـ .

وقال العلا ّمة الألوسي (الحنفي) في تفسيره (روح المعاني)8/15- 17: (وذكر كثيرٌ من أصحابنا أن قول الشافعي عليه الرحمة مخالف للإجماع، إذ لا خلاف فيمَن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامدا ً، وإنما الخلاف بينهم في متروكها ناسيا ً... والحق عندي أن المسألة اجتهادية وثبوت الإجماع غير مسلــَّم ولو كان ما كان خرقه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، واستدلاله على مدعاه على ما سمعت لا يخلو عن متانة )اهـ .


.

حسين عبد الرحمن الشعفي
23-03-2006, 19:25
( 54 ) ــ ( المجموع) للنووي3/165.

ودعـــوى الإجماع في هذه المسألة: باطل أيضا ً، كيف وهذا القول رواية عن مالك والشافعي وهما قبل أحمد، بل الأخير شيخه وهو قول الزيدية أيضا ً، والجبائي وابنه، وأهل الظاهر، وبيانه باختصار :

*** قال ابن قدامة المقدسي الحنبلي في (المغني)1/722: (وفي الصلاة في الموضع المغصوب روايتان: أحدهما: لا تصحُّ وهو أحد قولــَيْ الشـافعي. الثانية: تصحُّ وهو قول أبي حنيفة ومالك والقول الثاني للشافعي...)اهـ .

*** وقال العلامة يحيى الرهوني المالكي في (تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول)2/64-65: (ذهب أحمد، وحكاه ابن العربي في رواية عن مالك والجبائي وابنه وأهل الظاهر والزيدية إلى أنه لا يجوز ذلك ولا تصح الصلاة المأتي بها في دار الغصب ولا يسقط الطلب بها ولا عندها)اهـ .

*** ومثله قـال العلامة المرداوي الحنبلي في (التحبير شرح التحرير في أصـول الفقـه)2/954 وقال: (قال ابن قاضي الجبل: (وهو رواية عن مالك واختاره ابن الماجشون... وقد منع الإجماع أبو المعالي وابن السمعاني وغيرهما... وقال ابن مفلح: (وادعى ابن الباقلاني الإجماع وهي دعوى لا دليل عليها ولا إجماع) .

*** وقال أبو المظفر السمعاني الشافعي في (قواطع الأدلة)1/133: (وأما الصلاة في الأرض المغصوبة ... فنقول: مذهبنا ومذهب أكثر أهب العلم: أن الصلاة في الأرض المغصوبة جائزة، وذهب المعتزلة غير النظام إلى أنها لا تجزئ وهو قول داود وأهل الظاهر، وقيل: إنه مذهب أحمد بن حنبل رضي الله عنه) .

ثم ذكر السَّمعاني دعــوَى خرق أحمد بن حنبل للإجمـاع المزعوم وعلــَّـق عليه فقـال:1/134-135 (ذكر بعض أصحابنا: (أن بعض ما يُحتــجُّ به في هذه المسألة (إجماع الأمة)، فإنا نعلم أن المكـلــَّـــفين الذين خوطبوا بالصلاة من شرق الأرض ومغربها ما كان يخلو عصر من الأعصار من فعل بعضهم الصلاة في الأرض المغصوبة ولو كان مِــن أهل الاجتهاد مَــن لا يُجَـــوِّز ذلك لم يجُــز في مستقـــر العادات أن لا يظهر خلافه مع كثرة وقــُــوع ذلك وعمُوم البلوى به، ولجرَى بينهم تناظـــر وتشاجر في ذلك، كيف وأهل القدوة الذين هم القدوة في الشريعة والأعلام في معرفة الأحكام أطبقوا على القول بجواز ذلك؟ فلا يُـعـتــَـــدُّ بخلاف مَن خالف في ذلك لأنه خلافٌ مُحدَثٌ ولم يُنقَـــل عن أحد من السَّــلف ذلك)، وعندي أن هذه الحجة ضعيفة، لأنهم يقولون بالإجماع وقد بينا خلاف ذلك) اهـ .

*** وقال شهاب الدين السهروردي في كتابه (التنقيحات في أصول الفقه)135: معلـِّــقا ً على دعوى الإجماع على بطلان وعدم صِحَّــة الصلاة في الأرض المغصوبة: (أما دعوى الإجماع فيه مع مخالفة أحمد والدَّهماء ففاســد... ثم نِــسبة إمام من أئمة المسلمين إلى أنه خالف الإجماع ومات ميتة جاهلية إفــكٌ وتبديعٌ بناء على مجَــرَّد وهم ٍ ودعــــوى...)اهـ .

*** وقال : غلط مَن زعم: ( أن في هذه المسألة إجماعا ً لأن السلف لم يكونوا يأمرون من تاب مِن الظــّــَـلـَمَــة بقضاء الصلاة في أماكن الغصب) إذ هذا جهلٌ بحقيقة الإجماع، فإن حقيقته الاتفاق من علماء أهل العصر، وعدَم النَّــقـــل عنهم: ليس بنــَــقل ٍ للاتــفــــاق )اهـ .

*** قال الإمام فخر الدين الرازي الشافعي في كتابه (المعالم في أصول الفقه): ( ثم إن صحَّ الإجماع على أن الآتي بها ـ أي الصلاة في الدار المغصوبة ـ لا يُؤمر بالقضاء قلنا يسقط الفرض عندها لا بها، وإن لم يصحَّ هذا الإجماع ـ وهو الأصح ـ أوجبنا القضاء) .

*** وعلــَّــق الشارح لـ (المعالم) الإمام ابن التلمساني على قول الرازي فقال: ( قوله: إن لم يصح هذا الإجماع وهو الأصح: وجه تضعيف الإجماع: أن مستـَــنـَــد القاضي ـ أي الباقلاني ـ فيه أن السلف رضي الله عنهم لم يأمروا الغــُصَّـــاب بإعادة الصلاة وقضائها، ونقــلُ الإجماع بهذا الطريق ضعيفٌ، ودعوى الإجماع مع مخالفة أحمد مع شدَّة بحثه عن النقليات بعيد أيضا ً )اهـ . (شرح المعالم في أصول الفقه)1/389-390 .

*** وقال العلامة الإمام الأبـياري في (التحقيق والبيان) (1/67/ب ـ مخطوط): (وثبوت الإجماع بهذا الطريق ـ أي الإجماع المزعوم وهو مخالفة أئمة السلف لأنهم لم يأمروا الغصَّـاب بإعادة الصلاة التي أقاموها في الصلاة المغصوبة ـ صعبٌ وطريق مشكــل فإنه يحتمل أمورا ً كثيرة منها:

ـــ أنهم أمروا ولم يتفق نقله تواترا ً، إذ ليس من الأمور العظيمة التي تـتوفر الدواعي على نقـلها.

ـــ ومنها: أن يكون بعضهم رأى القضاء، ولم يرَ المسألة قطعـية.

ـــ أو لم يستفتِ أحدا ً واكـتـفى بجواب غيره.

ـــ وما أراد أن يرد على المجتهد في محل الاجتهاد.

ـــ إلى غير ذلك من الوجوه، وذلك يمنع من العــلم بإطباقهم على عدم القضاء)اهـ .

ـــ وقال الحافظ العلائي في كتابه (تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد) ص375: (منع وجود الإجماع المذكور وإن كان قد احتــج به جماعة من الأئمة كالغزالي ومَن بعده حتى قال الغزالي رحمه الله وغيره: إن مَن قال بأن الفرض لم يسقط بالصلاة في الدار المغصوبة لمحجوج بالإجماع، وليس الأمر كما ذكر لأن الإجماع لم ينقـل عن المتقدمين لفظا ً عنهم، بل غاية ما قال القاضي أبو بكر ـ الباقلاني ـ (لم يأمر أئمة السلف الظــَّــلـَمَة بإعادة الصلوات التي أقاموها في الأرض المغصوبة). وحاصل هذا: إثبات الإجماع بعــدم النقل، وقد عُــلـِـــمَ أن عدم الوجدان لا يلزم منه عدم الوجود، فلا يثبت ادِّعــاء الإجماع حتى يثبت النقــل بأن الظــَّــلـَمَة غصبوا أراضي معـيـَّــنــَة غصبا ً محقــَّــقــا ً ، ثم كانوا يُصَــلــُّون فيها، والعلماء من الصحابة المتأخرين ومَـن بعدهم من التابعين يشاهدونهم ولا يأمرونهم بالإعادة مع قــُدرتهم على الإنكار عليهم، ثم شاع ذلك واستمــرَّ العمل به في الأمصار كلها، حتى انعــقد الإجماع عليه، وكل هذه المقدِّمات لا يُمكِن ثبوت شيء منها، بل الظاهر خلافها... وكيف يدعى الإجماع في المسألة وفيها الخلاف من مثل الإمام أحمد بن حنبل وأصبغ بن الفرج وعبد الملك بن حبيب من المالكية؟ وقد قال إمام الحرمين: عُــزِيَ المنقول عن أحمد إلى طوائف من سلف الفقهاء، وقيل هو رواية عن مالك، ولا ريب في أن الإمام أحمد رحمه الله من أعلم الفقهاء بالإجماع والاختلاف، وأكثرهم اطلاعا ً على الآثار المنقولة عن السلف فكيف يخفى عليه مثل هذا )؟ اهـ .

كما أبطل دعوى الإجماع في المسألة:

ـــ الإمام نجم الدين الطوفي في (شرح مختصر الرَّوضة)1/363-364.

ـــ الإمام ابن مفلح في كتابه (أصول الفقه)1/223.


( 55 ) ــ (فتح الباري)1/292.


( 56 ) ــ قال خاتمة المحققين العلامة محمد أمين ابن عابدين رحمه الله تعالى في كتابه (رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار)1/212-213: (على أن في ثبوت الإجماع على دخول المرفقين كلاما ً، لأنه في (البحر) ـ أي كتاب البحر الرائـق لابن نجيم ـ أخذه من قول الإمام الشافعي: ( لا نعلم مخالفا ً في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء)، وردَّه في (النهر) ـ أي كتاب النهر الفائق في شرح كنز الدقائق لأخي ابن نجيم ـ بأن قول المجتهد: (لا أعلم مخالفا ً) ليس حكاية للإجماع الذي يكون غيره محجوجا ً به، فقد قال الإمام اللاَّمشي في (أصوله): ( لا خلاف أن جميع المجتهدين لو اجتمعوا على حكم واحد ووجد الرضا من الكل نصا ً كان ذلك إجماعا ً، فأما إذا نص البعض وسكت الباقون لا عن خوف بعـد اشتهار القول فعامة أهل السنة أن ذلك يكون إجماعا ً، وقال الشافعي: لا أقول إنه إجماع ولكن أقول: لا أعلم فيه خلافا ً، وقال أبو هاشم من المعتزلة: لا يكون إجماعا ً ويكون حجة أيضا ً )اهـ .


( 57 ) ــ هذا مسلــَّم، ولكن لا ينطبق على الحراني ابن تيمية أبداً، إذ لا يُعــقَــل أن تغـفــل الأمة من عهد الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى القرن الثامن ـ بل وبعد هلاك ابن تيمية إلى عصر مؤلفنا هذا وإلى يوم القيامة وكلهم مخطئون لابن تيمية مشمئزُّون من فعله ـ عن الدليل والحجة ويظفر بها ابن تيمية!!!

وهذا المنهج في الدفاع على هذا الهالك لا يُجدي ولا يُفيد، ولو أردنا لتوسَّعـنا في: بيان بطلان أدلَّته المزعومة، وبطلان هذا السبيل الشائن في الدفاع عن شذوذ وضلالات هذا الزائغ، ولكن لا يسمح هذا المحل بذلك.

لذا نكتفي ببيان بطلانه من وجه واحد لا نراه يخفى على مبتدئ في دراسة كتب الشريعة وأصول الفقه فضلا ً عمَّن يُزعَم أنه (مجتهد مطلق)!!!

فنقول: لو سلــَّمنا ـ جدلا ً ـ صحّــة الدليل الذي استند إليه ابن تيمية وعدم شذوذه ووجود العلل القادحة فيه، وعدم وجود المعارض له، ولو سلــّمنا ـ جدلا ً ـ صحَّة فهمه لـه، لا يُجديه ذلك أبدا ً، إذ من المعلوم في كــتب الأصول أن الإجماع يُقَـــدَّم على كل دليل سواء كان قرآنا ً أو سنة أو قياسا ً :

قال صاحب منظومة (مراقي السعود لمبتغي الرقي والصعود في أصول الفقه) عن الإجماع :

وقـَــدِّمَــنه على ما خالفــَـا **** إن كان بالقــطع يُرى مُـتــصفــَـا

وقال شارحه في ( نشر البنود على مراقي السعود )2/97: (يعني أنه يجب تقديم الإجماع على ما خالفه من الأدلة إن كان الإجماع قطعيا ً، قال في (التنقـيح) (أي القرافي المالكي في (تنقيح الفصـول في اختصـار المحصول) للرازي): (وهـو ـ أي الإجماع ـ مقـــدَّم على الكتاب والسنة والقياس). وقال ( أي القرافي ) في شرحه: ( لأن الكتاب يقبل النسخ والتأويل وكذلك السنة، والقياس يحتمل قيام المعارض وخفاؤه الذي مع وجوده يبطل القياس، وفوات شرط من شروطه، والإجماع معصوم قطعي ليس فيه احتمال )اهـ .


وقال العبادي في (هداية الوصول في علم الأصول) تحت عنوان ترتيب الأدلة:

فحجة الإجماع قطعـا ً لا تـًـرد **** لأنه إلى النصـوص يسـتنِــد

فإن يُخــالِـف الكـتاب و الأثــر **** أوِّل إذا لم يكـن نسـخٌ ظـهـر

فإنما الإجمــاع قطعــا ً يُـقـبَــل **** لم يحتمـل نسخــا ً ولا يؤوَّل


( 58 ) ــ قال العلا ّمة الكبير محمد بخيت المطيعي رحمه الله تعالى في كتابه (القول الجامع في الطلاق البدعي والمتتابع) ص18-19 كلاما يحسُن إيراده هنا: ( لا يجوز لأحد أن يأخذ بمذهب شاذ متروك إلا إذا كان مجتهدا ً وأداه اجتهاده إلى ذلك المذهب فيجوز له العمل به من حيث أنه أخذه من الدليل اجتهادا ً، لكن بشرط أن لا ينعـقـد إجماع المجتهدين في عصر قبل عصر ذلك المجتهد على خلاف ذلك المذهب، فإن انعـقـد الإجماع على ذلك ارتفع الخلاف السابق، ولا يجوز لمجتهد بعد ذلك أن يخالف ذلك الإجماع ويُحدِث الخلاف بعد الوِفاق، فإن أحدث الخلاف بعد الوِفاق وخرق الإجماع: لم يجُز العمل بقوله، لأن الإجماع حجة قاطعة وخرقه حرام، ومرتكِــب ذلك يكون عاصيا ً، فلا يُقبَــل قوله واجتهاده، وذلك لأن إجماع المجتهدين في كل عصر حُجة شرعية يجب العمل بها على كل مكـلـَّـــف...)اهـ .

هـذا على فرض التسليم ـ جدلا ً ـ أن الحراني له أهلية (الاجتهـاد)!!!

وللأسف جل (اجتهاداته!!!) تصنَّــف في خانة (خرق الإجماع) أوصلها العلماء إلى ستين مسألة كما مرَّ عن ولي الدين العراقي، ويأتي نقل كلام غيره بعــدُ، فضلا ً عن القول بقدم العالم وقيام الحوادث بالله تعالى إلى آخر ضلالاته في أصول الدين...


.

حسين عبد الرحمن الشعفي
23-03-2006, 19:35
( 59 ) ــ رحم الله تعالى العلامة العيني، لو رأى ضلالات ابن تيمية وكفرياته التي تزخر بها كتبه ومؤلفاته من التجسيم والتشبيه وقدم العالم وقيام الحوادث بالله تعالى والقول بالقوى المودَعة وإثبات التأثير لغير الله تعالى وفناء النار... لما قال ما قال، ولكنه ـ وغيره ـ معذورون في ذلك، إذ لم تبلغهم ضلالاته بكتبه ولو علموها لما رفعوا إليه رؤوسهم فضلا ًعن تسويد الورق بذكره ناهيك عن الإشادة به، وعلى كل حال لا يكلِّف الله نفسا ً إلا وسعها، فإن جهل ضلالات ابن تيمية تلك العلامة العيني وغيره فقد علمها غيرهم كثير...

وها هي ماثلة في كتبه ورسائله التي طبعها المفتونون به في عصرنا وبأوكارهم وبتحقيقهم ومراجعتهم وهي تعج بالضلالات والكفريات...

ومَن علم مخازي الحراني فقدح فيه مُقدَّم على مَن زكَّــاه أو مدحه لجهله بضلالاته كما سيأتي بيان ذلك مفصَّلا ً في محله من هذه التعليقات إن شاء الله تعالى.


( 60 ) ــ هذا تأكيد لما سبق قوله في التعليق السابق من عدم اطلاع العلامة العيني على ضلالات ابن تيمية ومخازيه...


( 61 ) ــ لا والله ليس بسائغ بالاتفاق، إذ مَن ذا الذي سوَّغ خرق الإجماع؟!!

قال الحـافظ وليُّ الدين العراقي في كتابه (الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية) 91-92 متحدّثا ًعن ابن تيمية: (فأداه اجتهاد إلى خرق الإجماع في مسائل كثيرة قيل أنها تبلغ ستين مسألة فأخذته الألسنة بسبب ذلك، وتطرَّق إليه اللــَّوم وامتُحِن بهذا السبب، ومات مسجونا ً بسبب ذلك والمُـنتصِر له يجعله كغيره من الأئمة في أنه لا تضره المخالفة في مسائل الفروع إذا كان ذلك عن اجتهاد، ولكن المُخالِف له يقول: ليست مسائله كلها في الفروع بل كثير منها في الأصول وما كان منها من الفروع فما كان يسوغ له المخالفة فيها بعد انعقاد الإجماع عليها، ولم يقع للأئمة المتبوعين مخالفة في مسائل انعقد الإجماع عليها قبلهم، بل لم يقع لأحد منهم قول إلا وهو مسبوق به من بعض السلف كما صرح به غير واحد من الأئمة، وما أبشع مسألتي ابن تيمية في الطلاق والزيارة...)اهـ . وسيأتي نقـل النص كاملا ً قريبا ً.


( 62 ) ــ (الرد الوافر) لابن ناصر الدين الدمشقي ص261-262 الطبعة الثالثة المكتب الإسلامي1411هـ 1991م.

أقول بناء على ما سبق بيانه في التعليقات السابقة ليُعـلــَم أن (الأجر) و(الثواب) لا يكون في خرق الإجماع، إذ المنصوص عليه ـ فضلا ً عن المجمَع عليه ـ لا محل للاجتهاد فيه، بل لا يخلو فاعله من الوقوع في كـفر مظنون على قول، أو فسق وعصيان على قول مقطوع ومتيقــَّن، فلا أجر ولا ثواب!!!

ثم خروج وخرق ابن تيمية للإجماع في هذه المسألة ـ وفي مسألة الزيارة ـ وإفتائه بها في البقاع والأصقاع وما ينتج عنه من الفساد في الأنساب والتلاعب بالفروج... كيف يقال بأنه ( لا يذ َمُّ أو يُعاب)!!!

ولما كان للإسلام حماة يذودون عنه كان موقفهم ممن يتفوه بمثل هذا يختلف عن اعتباره مجرد (ذنب) أو(عيب)!!! وهو ما نسوقه في ما يحكيه لنا العلامة تقي الدين الحصني رحمه الله تعالى:

قال التقي الحصني في كتابه (دفع شبه من شبه وتمرد) ص120-121: (كان ابن تيمية ممن يعـتـقـد ويفتي بأن شد الرحال إلى قبور الأنبياء حرام لا تقصر فيه الصلاة!!! ويصرِّح بقبر الخليل وقبر النبي صلى الله عليه وسلم!!!
وجاء بريدي من مصر باعتقاله على ذلك فاعتقل، وكان على هذا الاعتقاد تلميذه ابن قيم الجوزية الزرعي وإسماعيل بن كثير الشركويني.
فاتفق أن ابن قيم الجوزية سافر إلى القدس الشريف ورقى على منبر في الحرم ووعظ وقال في أثناء وعظه بعد أن ذكر المسألة: (وها أنا راجع ولا أزور الخليل)!!!. ثم جاء إلى نابلس وعمل له مجلس وعظ وذكر المسألة بعينها حتى قال: فلا يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم!!! فقام إليه الناس وأرادوا قتله فحماه منهم والي نابلس وكتب أهل القدس وأهل نابلس إلى دمشق يعرفون صورة ما وقع منه فطلبه القاضي المالكي فتردَّد وصعــد إلى الصالحية إلى القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي وأسلم على يديه فقبل توبته وحكم بإسلامه وحقن دمه ولم يعزِّره لأجل ابن تيمية...
ثم أحضر ابن قيم الجوزية وادعى عليه بما قاله في القدس الشريف وفي نابلس فأنكر!!! فقامت عليه البينة بما قاله فأُدِّب وحُمِــل على جَـمـَـل ٍ ثم أُعيد في السجن ثم أُحضِــر إلى مجلس شمس الدين المالكي وأرادوا ضرب عنقه فما كان جوابه إلا أن قال: إن القاضي الحنبلي حكم بحقن دمي وبإسلامي وقبول توبتي، فأُعِيد إلى الحبس إلى أن أُحضِــر الحنبلي فأخبر بما قاله فأُحضِــر وعُـــزِّر وضُــرِب بالدرة وأُركِب حمارا ً وطِــيفَ به في البلد والصالحية وردُّوه إلى الحبس...
وكان الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي ممن يعـتـقـد كــفر ابن تيمية وله عليه الرد، وكان يقول بأعلى صوته في بعض المجالس: (معذور السبكي) يعني في تكفيره. والحاصل: أنه وأتباعه من الغلاة في التشبيه والتجسيم... ولهم دواهي أخر لو نطقوا بها لأحرقهم الناس في لحظة واحدة. نسأل الله تعالى العافية ودوامها إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وجَـرسُــوا ابن القيم وابن كثير وطِــيفَ بهما في البلد وعلى باب الجوزية لفتواهم في مسألة الطلاق )اهـ .


( 63 ) ــ ليس بسبب هذه المسألة فحسب تناولته الألسن وضلــَّــله بل كـفــَّــره العديد من علماء الأمة، بل بسبب مسائل عديدة خالف فيها صريح النصوص وإجماع الأمة، ولأجل ضلالات عديدة في أصول الدين كالقول بالقدم النوعي للعالم، وقيام الحوادث بالله تعالى، والتشبيه الصريح والتجسيم القبيح، وغير ذلك من ضلالاته في أصول الدين...

كما تناولته الألسن أيضا ً لخرقه للإجماع في المسائل الفروعية...

ولنستمع إلى الحافظ ولي الدين العراقي وهو يبين لنا عدد المسائل التي بسببها تناولت الألسن ابن تيمية مع تعيين غير ما ذكره المؤلف هنا، قال في كتابه (الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية)91-92: (وأما الشيخ تقي الدين بن تيمية فهو إمام واسع العلم كثير الفضائل والمحاسن زاهد في الدنيا راغب في الآخرة على طريقة السلف الصالح، لكنه كما قيل فيه: (علمه أكثر من عقله) فأداه اجتهاده إلى خرق الإجماع في مسائل كثيرة قيل أنها تبلغ ستين مسألة فأخذته الألسنة بسبب ذلك، وتطرق إليه اللوم وامتحن بهذا السبب ومات مسجونا ً بسبب ذلك. والمنتصر له يجعله كغيره من الأئمة في أنه لا تضره المخالفة في مسائل الفروع إذا كان ذلك عن اجتهاد، ولكن المخـالف له يقول: ليست مسائله كلها في الفروع بل كثير منها في الأصول وما كان منها من الفروع فما كان يسوغ له المخالفة فيها بعد انعقاد الإجماع عليها، ولم يقع للأئمة المتبوعين مخالفة في مسائل انعقد الإجماع عليها قبلهم، بل لم يقع لأحد منهم قول إلا وهو مسبوق به من بعض السلف كما صرح به غير واحد من الأئمة، وما أبشع مسألتي ابن تيمية في الطلاق والزيارة. وقد رد عليه فيهما معا الشيخ الإمام تقي الدين السبكي وأفرد رحمه الله تعالى ذلك بالتصنيف فأجاد وأحسن) انتهى.


( 64 ) ــ قوله: (غير المجبرة): أي في المجبور وهما غير المكلفين أو البكر ولو مكلفة. (اهـ من قول اللبدي).


( 65 ) ــ قوله: (بدخول أو خلوة): أي لا بِلَمْس ٍ أو تقبـيل كما هو ظاهر كلامهم، قال في (الدليل): (ولا مهر في النكاح الفاسد إلا بالخلوة أو الوطء بخلاف الصَّحيح). (انتهى من تعليق اللبدي) .

حسين عبد الرحمن الشعفي
23-03-2006, 19:38
( 66 ) ــ قوله: (قلــَّد أبا حنيفة النعمان...) الخ: أقول يُؤخــَــذ ُ من هذا البحث أن الحنبلي إذا قلــَّد أبا حنيفة في نكاح بلا وليّ ٍ مثلا ً ثم طلــَّــق بعد الدخول طلقة واحدة: يجوز له مراجعتها، وهو بديهي الصحَّـــة. (اهـ من كلام اللبدي) .


( 67 ) ــ أضاف بـ(التحبير شرح التحرير)8/4096: (نقــله ـ أي الإجماع في المسألة ـ ابن الحاجب والهندي وغيرهما) .


( 68 ) ــ (شرح منتهى الإرادات) للبهوتي3/458، (التحبير شرح التحرير في أصول الفقه) لعلاء الدين المرداوي8/4096، (أصول الفقه) لابن مفلح4/1565.


( 69 ) ــ قوله: (على صفة تخالف الإجماع): أي وذلك كمن تزوَّج امرأة بلا وليٍّ مُـقـلــِّــدا ً لأبي حنيفة، وبلا شهودٍ مُـقـلــِّــدا ً لمالك فهذا لم يقــُل به أحدهما، ولا غيرهما، وهو ذريعة، فهذا لا نزاع في ردِّه. وهل إذا فعله ذلك من اجتمع بامرأة خالية من موانع النكاح يريد الزنا بها يكون أخفّ إثما ً أو لا ؟ وهل يجب الحد على فاعل ذلك أو يُدرَأ بهذه الشبهة ؟ ينبغي أن يُحَــــرَّر. (اهـ من تعليق اللبدي).


( 70 ) ــ (لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية) لمحمد السفـاريني2/466- 467 طبع المكتب الإسلامي الطبعة الثالثة1411هـ ـ 1991م.


( 71 ) ــ قوله: (فلم أر مَن صرَّح بها...) الخ: أما جواز التقليد فيه فقد صرَّحوا به، قال في (الدليل) ومثله في (المنتهى) و(الإقناع): (ومَن قلــَّـــد في نكاح صحَّ ولم يفارِق بتغيير اجتهاده كالحُكم بذلك) (اهـ.).

أما التلفيق فقد صرَّحوا أيضا ً بمنعه كما نقله المؤلــِّـــف عن السفاريني، فانظــُر ما معـنــَى قول المؤلــِّـــف: (لم أرَ مَن صــرَّح به) ؟ (اهـ من تعليق اللبدي).


( 72 ) ــ هو حسن بن عمر بن معروف الشطي الدمشقي مولدا ً ووفاة البغدادي أصلا ً، الشيخ الإمام العلامة الفقيه النحوي الفرضي الثبت الثقة الورع التقي شيخ الحنابلة ومرجعهم، ولد بدمشق في صفر سنة 1205هـ تفقه على الشيخ مصطفى السيوطي والشيخ غنام النجدي وغيرهما...

وانفرد بالفقه الحنبلي في عصره حتى رحل إليه الطالبون من الديار النابلسية والبلاد النجدية ودوما وضمير والرحيبة وغيرها فأخذوا عنه الفقه، من مؤلفاته: حاشية على كتاب (غاية المنتهى) لمرعي الحنبلي وشرحها (مطالب أولي النهى) للسيوطي الرحيباني، ومختصر شرح عقيدة السفاريني، وشرح على الإظهار في النحو، وبسط الراحة لتـناول المساحة مجلد، وأقرب المسالك لبيان المناسك، ورسالة في فسخ النكاح، ورسالة في التقــليد والتـلفيق...

ومن مشاهير تلامذته: مفتي الشام محمود أفندي الحمزاوي، وأخوه أسعد أفندي، وسعيد أفندي الأسطواني قاضي دمشق، والمفتي الحنبلي سعيد أفندي السيوطي، والشيخ محمد الطيبي مفتي حوران، والشيخ عبد الله القدومي عالم نابلس (مؤلف كتابنا هذا) وغيرهم...

توفي ليلة السبت رابع عشر جمادى الثانية سنة 1274هـ. رحمه الله تعالى.


( 73 ) ــ هو الفقيه عثمان بن أحمد بن سعيد بن عثمان ابن قائد النجدي مولدا ً الدمشقي رحلة القاهري مسكنا ً ووفاة. ولد في العيينة من بلاد نجد ولم يذكر من ترجم له تاريخ مولده، ونشأ بها وقرأ على علامتها الفقيه الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان ـ وهو ابن عمته ـ فأخذ عنه الفقه وعن غيره ثم ارتحل إلى دمشق فأخذ عن علمائها الفقه والأصول والنحو وغيرها.

ثم خرج من الشام إلى مصر، وأخذ عن علمائها فاختصَّ بشيخ المذهب فيها العلامة الشيخ محمد بن أحمد الخَلوَتيِّ فأخذ عنه دقائق الفقه وعدَّة فنون وزاد انتفاعه به جدا حتى تمهَّر وحقــَّــق ودقــَّــق واشتهر في مصر ونواحيها.

ومن مشائخه الفقيه ابن العماد صاحب (الشذرات) والشيخ محمد البَـلباني والشيخ عبد القادر التغــلبي الشيباني قال فيه الشيخ عبد الله بن بسام: وأُطلِــق عليه لقب المحقــِّــق واشتهر في مصر ونواحيها، وقــُصِــد بالأسئلة والاستـقصاء سنين عديدة وأثنى عليه العلماء في وقته وبعده.

من مؤلفاته (حاشية على المنتهى) جرَّدها من هوامش نسخته تلميذه أحمد بن عوض المرداوي النابلسي، توفي بمصر مساء يوم الإثنين رابع عشر جمادى الأولى سنة 1097هـ.


( 74 ) ــ (تجريد زوائد الغاية والشرح) للشيخ حسن الشطي ـ هامش كتاب (مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى) للشيخ مصطفى السيوطي الرحيباني 1/666.


( 75 ) ــ نفس المصدر1/665-666.


( 76 ) ــ قوله: (وفي المنتهى...) الخ: لا يخفى ما في هذه العبارة من بعض تشتيت، وعبارة (المنتهى) عارية عن ذلك فنصُّها: (ويقع بائنا ً ولا يستحق عِوَض سُئِــل عليه في نكاح قيل بصحَّــته ولا يراها مطلق). (اهـ من تعليق اللبدي) .


( 77 ) ــ (منتهى الإرادات) للفتوحي4/227 .


( 78 ) ــ قوله: (قيل بصحَّــته أي قال بها الأئمة كــَـبِلا َ وليّ، وقيل ولا يستحق عِــوَض...) الخ: أي لأن الطلاق واجب عليه، ولا يجوز له استدامة هذا النكاح فلا يسوغ له أخذ العِــــوَض في مقابلته .

وقوله: (لا يراها مطلقا ً): أي لا يعتقدها، هذا قيل في المسألة، ومفهومه أنه إذا كان يرى الصحَّـــة للنكاح بلا وليٍّ مثلا ً ولو على سبيل التـقـليد، أنه لا يقع الطلاق بائنا ً إلا بعِــوَض .

وقوله: (كما لو حَـكــَــمَ به حاكِـــم): هذا راجع لقوله: (ويقع فقط) أي يقع الطلاق في النكاح الفاسد كبَــعــد الحُــكــم بصحَّـــته، ولا يصحُّ رجوعه لقوله: (بائنا ً ولا يستحق...) الخ، لأنه إذا حكم الحاكِم بصحَّته يكون حكمه حكم الصَّحيح، ولذا قال في (الإقناع): (ويكون بائناً ما لم يحكُم بصحَّته) فتـنـبَّــه وتدبَّر. (اهـ من تعليق اللبدي) .


( 79 ) ــ (شرح منتهى الإرادات) للبهوتي3/121-122، (معونة أولي النهى شرح المنتهى) للفتوحي7/472 .


( 80 ) ــ قوله: (فالنكاح باطل): أي فاسد كما يُعلــَم من الضَّابط الذي تقــدَّم أوَّل الفصل، فـتــنـبـَّــه .


( 81 ) ــ وقوله: (أيضا ً فلا يقع فيه طلاق): أي: بعد الطلقة الأولى، وإلا فقد تقــدَّم أن النكاح الفاسد مثل الصَّحيح في وقوع الطلاق فيه، فليُـــرَاجَــــع. (اهـ من تعليق اللبدي).


( 82 ) ــ ( إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان)1/281.


( 83 ) ــ (حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج بشرح المنهاج)7/240.

حسين عبد الرحمن الشعفي
23-03-2006, 19:44
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البـاب الثــانـي






في المنصُوص عن علماء الحنابلة


من زيارة مشـاهد الصَّالحين


وزيارة قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين


وفي حُـكـم شـَــد الرَّحــل لذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فصل




في حكم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم
وشد الرَّحل إليه ( 1 )



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

الهوامش :


( 1 ) ــ


ـــــــــــــــــــــــــــــ فائدة هامة جدا ً جدا ً



لا بد من بيان موقف ابن تيمية الحرَّاني وذيله ابن عبد الهادي ومُتمسلفي هذا العصر من هذه المسألة.

فنقول:

باعتراف متمسلفي هذا العصر يُعَـــــدُّ كتاب ابن عبد الهادي (الصَّارم المنكي) خير معــبِّــــر عن آراء ابن تيمية الحرَّاني في مسألة الزيارة، ولذا سوف ننقــــل فقرات منه تبـيـِّـــــن أن ابن تيمية وأذنابه وأذياله ابن عبد الهادي وغيره من متمسلفي هذا العصر يُـــنكرون ( سُــنــيــَّة الزيارة النبوية نفسها ) بل هي عندهم ( غير مشروعة ومن البــِــدَع بغـض النظر عن شد الرحال إليه صلى الله عليه وآله وسلم ) !!!!!! ـ يسَّرها الله لنا بفضله ـ

والغريب في الأمر أن ابن عبد الهادي وغيره لا يعـــقــلون ما يكــتبون أو هم ملبِّسون مزوِّرون مدلــِّـــسون!!!!!

وكأن غيرهم من عباد الله لم يخلق الله تعالى لهم عقولا ً يفقهون بها ما تسطــــِّـــره أيديهم!!!


فنجد ابن عبد الهادي يكــــرِّر في مواطن عديدة أن شيخه ابن تيمية (لا ينكر نفس الزيارة) بل (ينكر شد الرَّحل إليها) كــقـــوله مثلا ً :

في صفحة (7): ( ومناسكه ومصنفاته ـ يعني شيخه ابن تيمية ـ طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ).

وقوله صفحة (8): ( وكذلك سائر كتبه ذكر فيها استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ) .


ولكن ــ والقول للعلا َّمة السمنودي ــ كلماتـُـه الآتية تشهد بأن شيخه ــ ابن تيمية ــ المذكور:

*** يَـمنــَـــعُ نفس زيارة القبر النــَّـــبوي المكرَّم وينهَى عنها!!!

*** ويجعلها غير مقدورة وغير مشروعة وممـتـنعة ومِِــن البِدَع المنهي عنها!!!

*** كما يُحَــــرِّم السَّــــفر إليها ويجعـــله سفر معصية!!!


*** منها قوله ــ أي ابن تيمية ــ في صفحة (48): (وقال الشيخ ـ الحراني ـ أيضاً السَّفر المسمَّى زيارة له إنما هو: سفر إلى مسجده والصَّلاة فيه، وعلى هذا فقد يُقَال: نهيه عن شدّ الرِّحال إلى المساجد الثَّلاثة لا يتناول شدّها إلى قبره فإن ذلك غير مُمكِن، لم يبق إلا شدّها إلى مسجده وذلك مشروع بخلاف غيره فإنه يُمكِن زيارته. فيُمكِن شدّ الرَّحل إليه ـ إلى قوله ـ فلا يُقَال: أن زيارته بلا شدّ رحل مشروعة ومع شدّ الرَّحل منهيٌّ عنها كما يُقَال في سائر المشاهد وفي قبور الشُّهداء وغيرهم مِن أموات المسلِمين)الخ...

*** ومنها قوله في صفحه (49): (أنه لم يُعرَف عن أحد مِن الصَّحابة أنه تكلَّم باسم زيارة قبره لا ترغيباً في ذلك ولا غير ترغيب فعُلِمَ أن مسمَّى هذا الإسم لم يكن له حقيقة عندهم)الخ...

*** ومنها قولة في صفحة (50): (وليس في شيء مِن مصنَّفات المسلِمين التي يُعتَمَد عليها في الحديث والفقه أصل عن الرَّسول ولا عن أصحابه في زيارة قبره، أما أكثر مصنفات جمهور العلماء فليس فيها استحباب شيء مِن ذلك ـ إلى قوله ـ ولهذا أكثر كتب الفقه المختَصَرَة التي تُحفَظ ليس فيها استحباب زيارة قبره مع ما يذكرون مِن أحكام المدينة، وإنما يَذكُرُ ذلك قليل منهم، والذين يذكرون ذلك يفسِّرونه بإتيان المسجد كما تقدَّم. ومعلوم أنه لو كان هذا مِن سنته المعروفة عند أمته المعمول بها مِن زمن الصَّحـابة والتابعين لكان ذلك مشهـوراً عند علمـاء الإسلام)الخ...

*** ومنها قوله في صفحة (51): (لكن عُلِمَ أن الزِّيارة المعهودة مِن القبور ممتنعة في قبره، فليست مِن العمل المقدور ولا المأمور)الخ...

*** ومنها قوله في صفحة (72): (ومعلوم أن مجرَّد زيارة قبره كالزِّيارة المعروفة للقبور غير مشروعة ولا مُمكِنة ولو كان في زيارة قبره عبادة زائدة للأمة لفتح باب الحجرة ومُكِّنُوا مِن فِعل تلك العبادة عند قبره ولم يُمَكَّنُوا إلا مِن الدخول إلى مسجده والذي يُشرَع في مسجده يُشرَع في سائر المساجد)الخ...

*** ومنها قوله في صفحة (73): (وأما ما شَرَعَه لهم فهو الصَّلاة والسَّلام عليه في كل مكان وأن لا يتخذوا بيته عيداً ولا مسجداً ومَنَعَهم مِن أن يدخلوا إليه ويزوروه كما تُزَار القبور).

*** ومنها قوله في صفحه (113): (ولهذا كان الصَّحابة بالمدينة على عهد الخلفاء الراشدين ومِن بعدهم إذا دخلوا المسجد للصلاة أو اعتكاف أو تعليم أو تعلُّم أو ذكر لله ودعاء له ونحو ذلك مما شُرِعَ في المساجد لم يكونوا يذهبون إلى ناحية القبر فيزورونه هناك، ولا يقفون خارج الحجرة، كما لم يكونوا يدخلون الحجرة أيضاً لزيـارة قبـره ـ إلى قوله ـ بل هذا مِن البِدَع التي أنكرها الأئمة والعلماء)الخ...

*** ومنها قوله في صفحة (114): (بل يُستحبُّ لهم ـ يعني أهل المدينة ـ زيارة القبور كما يُستحبُّ لغيرهم اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لكن قبر النبي صلى الله عليه وسلم خُصَّ بالمَنع حِساً وشَرعاً كما دُفِنَ في الحجرة ومُنِِعَ الناس مِن زيارة قبره مِن الحجرة كما يُزَار سائر القبور فيَصِلُ الزَّائر إلى القبر، وقبر النبي صلى الله عليه وسلم ليس كذلك فلا تستحبُّ هذه الزِّيارة في حقه ولا تَمكُنُ وهذا لعلو قدره وشرفه)الخ...

*** ومنها قوله في صفحة (115): (وقد ثبت بالتواتر وإجماع الأمة أن الرَّسول صلى الله عليه وسلم لا يُشَرع الوصول إلى قبره ـ إلى قوله ـ وهذه الزِّيارة غير مشروعة في حقه بالنصِّ والإجماع ولا هي أيضاً مُمكِنة، فتبيَّن غلط هؤلاء الذين قاسوه على عُمُوم المسلِمين)الخ...

*** ومنها قوله في صفحة (117): (وكان مِن حِكمَة الله دفنه في حجرته ومَنع الناس مِن مشاهدة قبره والعكوف عليه والزِّيارة له ونحو ذلك لتحقيق توحيد الله وعبادته)الخ...

*** ومنها قوله في صفحة (118): (فلو أذن الرَّسول صلى الله عليه وسلم لهم في زيارة قبره ومَكَّنَهم مِن ذلك لأعرضوا عن حق الله وعن حق الرَّسول)الخ...

*** ومنها قوله في صفحة (119): (فهذا وغيره مما يُبيِّن أن ما نُهِيَ عنه الناس ومُنِعُوا منه وكان السَّلف لا يفعلونه هو زيارة قبره)الخ...

*** ومنها قوله في صفحة (126): (وأن ما شَرَعَه وفعله أصحابه مِن المَنع مِن زيارة قبره كما تُزَار القبور مِن فضائله)الخ...

*** ومنها قوله في صفحة (142): (وأما زيارة قبره كما هو المعروف في زيارة القبور فهذا ممتنع غير مقدور ولا مشروع).

*** ومنها قوله في صفحة (151): (إن الصَّحابة لم يكونوا يزورون قبره لعِلمِهم بأنه قد نَهَى عن ذلك ولو كان قبره يُزَار كما يُزَار القبور قبور أهل البقيع والشُّهداء شهداء أحد لكان الصَّحابة يفعلون ذلك، إما بالدخول إلى حجرته وإما بالوقوف عند قبره إذا دخلوا المسجد، وهم لم يكونوا يفعلون لا هذا ولا هذا، بل هذا مِن البِدَع كما بيَّن ذلك أئمة العِلم).

*** ومنها قوله في صفحة (152): (فهذا يُبيِّن أن وقوف أهل المدينة بالقبر وهو الذي يسمَّى زيارة لقبره مِن البِدَع التي لم يفعلها الصَّحابة، وأن ذلك مَنهيٌّ عنه ـ إلى قوله ـ فلهذا لم يكن بالمدينة منهم مَن يزور قبره باتفاق العلماء).

*** ومنها قوله في صفحة (270): (فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم يجيئون إلى المسجد كل يوم خمس مرات يُصلُّون ولم يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يُسَلِّمون عليه لعِلمِهم رضي الله تعالى عنهم بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يَكرَهه مِن ذلك وما نهاهم عنه).

*** ومنها قوله في صفحة (284): (وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسَّلام عليه هناك أو للصلاة والدعاء فإنه لم يشرعه لهم، بل نهاهم عنه).

إلى غير ذلك مما يطول جلبــه، وتمجُّــه الأسماع، وتنفر عنه الطباع، وكلها مزاعم باطلة وكذب وافتراء على السلف والعلماء وجهل مكعَّب بالشريعة وطرق استنباط الحكم الشرعي .


ولذلك قال العلامة الشيخ محمد عبد الحي اللكنوي في رسالته (إبراز الغي الواقع في شفاء العي) ص100 ما نصُّه: (وأما نفس زيارة القبر النَّبوي فلم يذهب أحد مِن الأئمة وعلماء المِلَّة إلى عصر ابن تيمية إلى عدم شرعيته، بل اتفقوا على أنها مِن أفضل العبادات وأرفع الطاعات. واختلفُوا في ندبها ووجوبها: فقال كثير منهم بأنها: مندوبة، وقال بعض المالكية والظَّاهرية أنها: واجبة، وقال أكثر الحنفية أنها: قريب مِن الواجب، وقريب الواجب عندهم في حُكْم الواجب. وأوَّل مَن خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يَسبَق إليه عالِم قبله هو: ابن تيمية!! فإنه جعل نفس زيارة القبر النَّبوي أيضاً غير مشروعة، وكثير مِن أتباعه وإن أنكروا صحَّة هذا القول منه وهو الذي كنتُ أظنه سابقاً لكن معاينة (الصَّارم) لتلميذه جعلني على يقين مِن إنكاره نفس المشروعية كما لا يخفى على مَن طالعه) اهـ .

مزاعم ابن تيمية تلك وان عبد الهادي من كون (زيارة القبر النبوي) معنيا ً بها:

ـــ (زيارة مسجده عليه الصلاة والسلام)!!!

ـــ و( أنها غير ممكنة )!!!

ـــ (ولا مقدورة)!!!

ـــ (ولا مشروعة)!!!

ـــ (وأنها منهي عنها)!!!

ـــ و(لم يقــُــل أحد باستحبابها من العلماء)!!!! : هي التي دعت مُـتـَـمـَـسـْــلــِــفـِــــي عصرنا المفتونين بابن تيمية أنهم كلما رأوا جملة (زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم) أو (زيارة النبي صلى الله عليه وسلم) يقومون ولا يقعدون...!!!!!!!!!!!!!


فقد لا حظتُ أن كــتــُـب الفقه الإسلامي للمذاهب الأربعة إذا تولــَّى تحقيقها أو إعادة طباعتها أحد المفتونين بالحرَّاني الزائغ: تشمئز وتـنـفــر نفسه ـ والعياذ بالله ـ من جملة (زيارة قبر النبي) أو (زيارة النبي صلى الله عليه وسلم) فيــسعى جاهدا ً إلى التعليق بهامش تلك الكـتب أن المعــنيَّ بالزيارة لقبره أو له عليه الصلاة والسلام هو: (زيارة مسجده)!!!!!!!!!!!!

تماما كما يدعو إليه ابن تيمية وذيله ابن عبد الهادي مِــن كون المعنيّ بزيارة القبر: (زيارة المسجد، ومن عدم مشروعية زيارة قبره عليه الصلاة والسلام، ومن كون الزيارة منهيا عنها، ومن كونها من البدَع) ...


افتــَـــــح أي كتاب فقه حنبلي أو شافعي... تولاَّه مُـتــَــمَــسلــِـــف من هذه الطائفة إلا وترى ذلك في باب المناسك والحج، أو في باب قصر الصلاة، أو في باب استحباب زيارة القبور من كتاب الجنائز، وها أنذا أذكر لك عيِّــنة من هؤلاء:


*** قال أحد متمسلفي هذا العصر المدعو محمد ناصر العجمي معلــِّــقـــا ً على هامش كتاب (أخصرالمختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل) للإمام ابن بدران الدمشقي عند قول المؤلِّف بالصفحة157: (وسُــنَّ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبرَيْ صاحبَيه): ( الحق أن المشروع زيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. فإذا زاره ـ أي المسجد استُحِبَّ له السّلام على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما ) اهـ .

*** كما قال أيضا ً معـلـِّــقــا ً على قول ابن بلبان الدمشقي الحنبلي في كتابه (مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزيادات) ص285: (فصل في زيارة قبره الشريف عليه السلام وقبر صاحبيه رضي الله عنهما وهي سنة مؤكــَّـــدة لذ َكــَر وأنثى) قال ذاك العجمي: (إن كان يعني المصنــِّــــف أنه إذا زار المسجد النبوي يسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فهذا ورد عن ابن عمر رضي الله عنه وغيره، وأما إذا كان يعني شد الرَّحل إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا إلى مسجده فهذا لم يصح فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال العلامة الشيخ عبد الرحمان بن قـاسم في حاشيته على (الرَّوض المربَّع) 4/190 عند قول الشيخ منصور البهوتي: (وتستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه رضي الله عنهما): (أي ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه وهو مراد من أطلق من الأصحاب)اهـ .

*** وقريبا ً من هذا كان تعليق ذاك العجمي على كتاب (الألفية في الآداب الشرعية) للإمام شمس الدين المرداوي الحنبلي) عند قول الناظم ص82:

وبعد فراغ الحج فانو زيارة ***** لخير البرايا مع ضجيعــيْه فاقصدِ

فراجعه.

*** وعند قول العلامة الشـويكي الحنبلي في كتـابه (التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح) 2/533: (وتستحب زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وقبرَيْ صاحبيه) قال محقــِّـق الكتاب المدعو ناصر بن عبد الله بن عبد العزيز الميمان بالهامش ناقلا ً عن غيره ومُسلــِّــما ً له: ( يُحمَـــلُ على أن المراد به: المسجد(!!!) إحسانا ً للظـــن بالعلماء(!!!)... )اهـ .

*** وتعليقا ً على قول أبي يعلى الفراء الحنبلي في كتابه (الجامع الصغير في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل) ص120: ( وإذا فرغ من أفعال الحج استُحِبَّ له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم عند انصرافه إلى منزله، وإن قدَّم ذلك على الحج فلا بأس ) قال محقــِّـــق الكتاب الدكتور ناصر بن سعود بن عبد الله السلامة: ( شدُّ الرَّحل لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم مَـنهــِــيٌّ عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى).متفق عليه. وإنما يكون شد الرِّحال لزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا وصل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم استُحِبَّ له أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما فيُـسلــِّم عليهم)اهـ .

*** وعند قول ابن النجار الحنبلي في كتابه (منتهى الإرادات)1/432: ( تـُـسنُّ لرجل زيارة قبر مسلم وأن يقف زائر أمامه قريبا منه وتباح لقبر كافر وتكره لنساء وإن علمن أنه يقع منهن محرَّم حرُمت إلا لقبر النبي صلى الله عليه وسلم) قال محقــِّــق الكتاب الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي في التعليق بالهامش: (لأنها ـ أي زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ـ تدخل تبعا ً لزيارة مسجده صلى الله عليه وسلم)اهـ .

*** وقال أيضا ً نفس المحقـــِّـق تعليقا ً على نفس الكتاب عند قول ابن النجار2/171: (وسُــن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم) : (وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم لا تــُــقــصـَــــد للحاج استقلالا ً وإنما تدخل تبعا ً لزيارة مسجده وليست مقصودة لذاتها...)اهـ .

وقريبا ً مِــن هذا قال كلا ً مِــن:

*** محقــِّــق كتاب (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد) للمرداوي الحنبلي4/39.

*** ومصحِّــح كتاب (كشف المخدرات والرياض المزهرات شرح أخصر المختصرات في فقه أحمد) للبعلي الحنبلي1/193.

*** ومحقــِّــق كتاب (المستوعب في فقه أحمد) للسامري الحنبلي4/272.


فتراهم كلهم: يزعمون أن قول مَــن قال مِـــن فقهاء الأمة مِـــن المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة بـ(استحباب زيارة قبره أو زيارته عليه الصلاة والسلام) معنيٌّ به: (زيارة مسجده)!!!!!!!!!!!!!!!!!!

وهو افتراء على الفقهاء والعلماء، وجهل مكعَّب بمحمل كلام الأئمة والفقهاء.


والذي يجلــِّي بطلان هذا الفهم الأعوج وسخفه مايلي:

أنّض كــتـُــب الفقهاء مِـــن جميع المذاهب شاهـــدةٌ بافتراء ابن تيمية وأذياله وأذنابه عليهم، فإن أصحاب المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في كتبهم المصنــّــفــَة في المناسك وفي أبواب الحج مِـــن كتبهم الفقهية يبحثون في:

*** أن زيارة القبر النــَّبوي واجبة أم مستحَــبَّــة ؟

*** وفي أن الزَّائِر هل الأولى له أن يبدأ بالرَّوضَــة أو بالإ تــيان إلى القبر ؟

*** وفي أنه هل يُستحَبُّ له استقبَــــال القبر النـــَّبوي أم استدباره عند الدعاء ؟

*** وفي أنه هل يُستــَحَبُّ له البُعـــــدَ مِن قبره أم القـــــُربَ منه ؟

*** وفي أنه هل يُستــَحَبُّ الإتيان عند القبر بعـــدَ الدخول في مسجده وأداء ما هو مشروعٌ فيه ؟

*** وفي أنه هل يُستــَــحـَــــبُّ للزَّائِـــــر إكـثار الزِّيارة أم تـقـليلها ؟

*** وفي أنه هل يقِـــــفُ الزَّائِــــر عندَ القبر أم لا ؟

*** وفي أن الزَّائِــر حين قصد المدينة هل يجرِّد نـيَّــــة الزِّيارة أم يضُـــمُّ معها نـيَّــــة زيارة المسجد الذي هو أحد المساجد التي تــُــشـَـــــدُّ إليها الرِّحــــــــــــــال؟

*** إلى غير ذلك من المباحث المذكورَة في كــتبهم...

*** ويُــقــيمـــُـــون على ما اختـــَاروه دلائـل قويَّـــــةًَ أو ضعــــيـــفـة.

*** ويستدِلــُّــــون على (استحبَــــــاب) زيارة قبره أو (وُجُوبها) بالأحاديث الوارِدَة في (زيارة قبره)، لا بالأحاديث الواردة في (فضل مسجده).

وهذا كله يُــنــَـــادِي بأعلى النــِّــــداء على أنَّ مُرَادَهُم مِن (زيارة القبر النــَّبوي) التي حَـكـــَمُوا بـ(استحبابها) أو (وجوبها)، وبَحَـــثـــُوا عن كيفياتها وآدابها ليس ما توَهَّـــمَـــــه هؤلاء...

فمَــن نــَسَبَ إلى هؤلاء بأجمعهم: الخـــَـــطـــَـــأ، والسَّهو، وسُــوء الفـــَهم!!! فهو الأحَــــقُّ بأن يُــــتـــَّــهـَـــــمَ.

حسين عبد الرحمن الشعفي
24-03-2006, 13:50
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ فصل


ــــــــــــــــــــــــــ في حـُـكم زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ وشــَــد الرَّحـــل إلـيـــه( 1 )





أما زيـارة قـبــر نـبـيــنا محمد صلى الله عليه وسلم فهـي : مِــن أفـضـَــل الطــَّـاعَــات، وأجَـــلّ القــُـرُبــَـــات، ورَدت بهــا الآثـــــار، وحَــــثَّ عليهـــا النــَّــبي المُـخـتــــار، وتــنـــَـافــَــسَ فــيــهــا الأئــمــَّــة الأبـــرار، لقــــولـه صلى الله عليه وسلم : ( مَـن زار قــبـري وجَــبـَــت لـه شفــاعَــتـِــي )( 2 ) .


قال في ( الإقـناع ) و( المنتهى ): ( وإذا فرغ من الحــج، اسـتــُـــحِــــبَّ لـــهُ زيــــارة قــبــــر النــَّــبي صلى الله عليه وسلم، وقــبـر صَــاحِـــبــَـــيـْـــه أبــي بكـــر وعُـمَـر رضي الله عنهما ) ( 3 ) .


قال في ( شرح الإقـناع ): ( قال ابن نصر الله: مِــن لازم استحبـَــاب زيـــارتــــه صلى الله عليه وسلم: استحبـــــاب شــَـــد الرَّحـــــل إليهــــا، لأن زيـــــارتــــه عليه السَّـــلام للحـــاج لا تــُـمــكـــنُ بدون شــَـــد الرَّحـــــــل( 4 )، فهــذا كالتـــَّــصريـــح باستحبــــاب شـــَـــد الرَّحــــــل( 5 ) لزيـــــارتــــه صلى الله عليه وسلم ) ( 6 ) .


قال في ( الإقــنـــاع ): ( قال الإمام أحمد: إذا حَـــجَّ الذي لـَـم يحــج قط يعــني عن غير طريق الشــام فلا يأخـُــذ على طريق المدينة، لأنه إن حدث به الموت كان في سبيل الحـــج، أي ينبغي لـه أن يقصد مكــة مِـــن أقـصــر الطـــرق، ولا يـتـشــاغــــل بغــير الحــج ـــ ثــمَّ قال الإمام أحمد ـــ وإن كان الحـــج تطـــوُّعــــا ً بـدأ بالمــديــنـــة. قـــال ابن نصر الله: في هـــذا ــ أي نص الإمام أحمد المذكور ــ أنَّ الزيـــــارة مُــقــدَّمَـــــة على حَــــجِّ الـنــَّـــفــــل، أو كما قال )( 7 ) .


ثم قال في ( الإقـنــاع ) و( المنتهى ): ( فإذا دخل مسجد المدينة سُــــنَّ لــه أن يقــول ما ورد في دخــول المسجد، وتــقــدَّم، ثــم يُـصــلـــِّــي تحيــَّــة المسجد، ثم يــأتـــي القــبــر الشـــَّــريــف فــيــقـــفُ قــُـبــَــالــَـــة وجهــــه صلى الله عليه وسلم مُـســتــدبــــــرا ً القـِــبـلــــة، فيقــول: السَّــلام عليك يا رسول الله، وإن زادَ فحَــسَـــنٌ، كـقــولــــه: السَّـــلام عليك أيُّــهـــا النــَّـبي ورحمــة الله وبركاته، السَّــــلام عليك يا نبي الله وخـيـرتــــه مِــن خــَـلقــــه، ولا يَـرفــَــع صــوتــه، ثـــمَّ يـسـتـقـبـل القــبــلــة ويجعــــل الحُـجـــرة عن يســـاره قريبا ً لــئــلا َّ يـسـتـــدبــِــرَ قــبـــره صلى الله عليه وسلم( 8 ) ويَــدعـــُــو بما أحَــبَّ، ثــمَّ يـتـقــدَّم قليلا ً نحــو ذراع ٍ على يـمـيـنــه فـيُـسـَــلــِّـــمُ على أبي بكـــر، ثـــمَّ يُـســلـــِّــم على عُـمـَـر رضوان الله عليهما، ويقــول: السَّــلام عليكـمـــا يا صاحِـــبَـــيْ رســـــول الله صلى الله عليه وسلم وضجــيــعَــيْــه ووزيــرَيْـــــه، ســلام عليكم بما صبــرتــــم فنِــعـــمَ عُــقــبــَــى الدار. ثم يقــول: اللهم لا تجعــله آخــــر العهــــد مِــن قــبــر نبــيـــك صلى الله عليه وسلم، ومِـــن حَــــرَم مسجـــدك يا أرحم الراحميــن، قـــالهُ في ( الشــرح الكبير ) وتبعَـــه في ( شرح المنتهى ) ( 9 ) .


قال في ( الإقـنـــاع ): ( ولا يتمسَّـــح ولا يمسح قبر النبي صلى الله عليه وسلم( 10 ) . أي لِــمَــــا فيه مِــن إســَـــاءة الأدب والابتــداع، قال أبو بكــــر الأثـــرم صاحب الإمام أحمد: رأيتُ أهـــل العِــــلم مِـــن أهل المدينة لا يمسُّـــون قـبـر النـَّـبي صلى الله عليه وسلم يقـومـون مِــن ناحية فيسـلــِّــمون عليه صلى الله عليه وسلم وهكــــذا كان ابن عمر يفعــــل. أفاده في ( شرح الإقـنـــاع ) ( 11 ) .


لكن نــَــقــَــلَ في الجنائز عن الإمام إبراهيم الحربي صاحب الإمام أحمد: ( يُـسـتـحــَــبُّ تـقـبــيــل حُـجــرة النـَّــبي صلى الله عليه وسلم ) ( 12 ) والله سبحانه وتعالى أعلم .




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ


الهوامش :



( 1 ) ــ تقدم ما يتعلق بهذا الهامش في المداخلة السابقة فارجع لها فإنها جد هامة .


( 2 ) ــ أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه)، والبيهقي في (السنن) و(شعب الإيمان)3/490، والدولابي في (الكنى والأسماء)2/64، والدارقطني في (السنن)2/278، والخطيب في (تلخيص المتشابه في الرسم)1/581، وابن الدبيثي في (الذيل على التاريخ)2/170، وابن النجار في (تاريخ المدينة) ص142، والعقيلي في (الضعفاء)4/170، (وابن عدي في (الكامل)6/2350.

وصحّحه السبكي في ( شفاء السقام )

والسيوطي في ( مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا ).

وعبد الحق في ( أحكامه الوسطـى ) و( الصغـرى ).

وكذلك صحّحه الحافظ السيد أحمد بن الصديق في ( إحياء المقبور ).

و ( قطع العروق الوردية من صاحب البروق النجدية ) ــ مخطوط ــ وغيرهم...

راجع كتاب ( رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة ) للشيخ العلا َّمة الدكتور المحدِّث محمود سعيد ممدوح.


( 3 ) ــ (الإقناع)1/395، (كشاف القناع) للبهوتي4/1200، (المنتهى)2/171، (شرح منتهى الإرادات) للبهوتي2/70، (معونة أولي النهى شرح المنتهى) للفتـوحي3/483، (المستوعب) للسـامري4/272، (المبدع) لابن مفلح3/258-259، (المغني) لابن قدامة المقدسي3/494، (دليل الطالب) لمرعي الكرمي1/94، (عمدة الفقه) للمقدسي1/45، (منار السبيل) لابن ضويان1/256، (الروض المربع) للبهوتي1/522، (زاد المستنقع) للحجـاوي1/94، (العدة شرح العمدة) لبهاء الدين المقدسي209، (الإنصـاف) للمرداوي4/39، (الكـافي في فقه ابن حنبل) لابن قدامة المقدسي1/457، (مطـالب أولي النهى) للرحيبـاني2/440، (غـاية المنتهى) لمرعي الحنبلي1/418، (أخصر المختصرات) لبدر الدين بن بلبان1/157، (الروض الندي شرح كافي المبتدي) للبعلي190، (هداية الراغب لشرح عمدة الطالب) لعثمان النجدي الحنبلي292، (الشرح الكبير) لأبي الفرج المقدسي3/494، (الفروع) لابن مفلح 3/385.


( 4 ) ــ قال الإمام المجتهد السُّبكي في ( شفاء السقام ): ( لأنهم استحبُّـــوا للحاج بعــد الفراغ من الحج: الزِّيــــارة، ومِـــن ضروريهـــا السَّــــفــــر ) اهـ .


( 5 ) ــ بل إن جمهـــور علماء الأمة وأكــثــــر محــقــِّـقـــي المِــلـــَّــــة يُــجــوِّزون شــــدّ الرِّحــــال بقـصــد زيــــارة القبور، لا سيما زيـــــارة ســيِّـــد القــبــور: ( قــبــر ســيِّــد كـُــل مقـبور ). بل صــرَّح بعــضهم بنـَــدب السَّـــفــــر إلى المدينة بقــصــد نفس الزِّيــــارة وتجـــريـــد السَّـــفــــر لها عن السَّـــفـــر بقــصــد مسجده صلى الله عليه وسلم .

ففي ( شرح المشكاة ) للعلامة القاري ما نصُّــه: ( قال ابن الهمام: الأولى تجـــريد النية لزيـــارة القــبــر الـنـــَّــــبـــوي، ثم إن حصل لـه إذا قـــدم: زيــــارة المسجد، أو يستمـنــح فضل الله تعالى في مـــرة أخـــرى ينويها فيها، لأن في ذلك زيادة تعـظــيمــــه صلى الله عليه وسلم وإجـــلا لـــه. قال الحلبي : ويُــوافـــقــُــه ظاهر قولــه صلى الله عليه وسلم: ( مَـــن جـــاءني زائرا ً لا تعــمــله حاجــــة إلا زيـــارتي كان حقــا ً عَــلـَــيَّ أن أكـون لـه شـفــيــعــــا ً يوم القيامة ). ونقــل الرحمتي عن العارف الملاجامي أنه أفــــردَ الزِّيـــارة عن الحــــج حتى لا يكون له مَـقـصـَـد غيرها في سَـفــَــره كما في ( حاشية ابن عابدين على الدر ) .

وقال الإمام ابن الحاج التلمساني المالكي في كتابه ( المدخل ) وهو مِـن المعاصرين لابن تيمية ما صورته: ( والحاصل مِــن أقوالهم: أن زيـــارة قبره عليه الصَّلاة والسَّلام قـــُــربَـــة مطـلــوبة لنفسها لا تعـلــُّـــق لها بغيرها فـتـنـفـــرد بالقَــَــصد وشــَــدّ الرِّحال إليهـــا، ومَــــن خرج قــاصــدا ً إليها دون غيرها: فهــو في أجَــــل الطــَّــاعَــــات وأعــلاهـــــا ) .

وقال السيِّـــد مرتضى في ( شرح الإحياء ): ( وعند الصوفية : الهجرة إلى قــبــره صلى عليه وسلم مـيـتــــا ً كـَـهـِــيَ إلــيـــه حَــيـــــا ً ).

وقال العلامة المحقـــِّـــق بن حجر في ( الجوهر المنظــَّــم ) وغيـره: ( إن تمحيص القـصــد وتجــــريـــده للزيـــــارة مِــن غـيــر أن ينضــمَّ إليه قصد نحو اعتـكــاف أو صلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم: قـــُـــربَــــة عظــيــمــــة ومَــرتــبـــة شــريفــــة لا مَـحـــذور فيه بوجه ٍ خـــلافا ً لمَـــن اتخــــــذ إلاهـــه هــــواه حتى أضلــَّـه الله وأعمَـــــاه وفي هُـــــوَّة الشقـــاوة والعــنــــاد أهــــــواه ).

ثم قال في كتابه المذكور أيضا ً: ( كما أجمَــع العلماء على:

*** مشــروعية الزِّيارة .

*** والسَّــفر إليها.

*** كذلك أجمَــعَ المسلِمون مِــن العلماء وغيرهم على فِـعـــل ذلك، فإن الناس لم يزالوا مِــن عهـد الصَّحابة رضي الله عنهم وإلى اليوم يتوجَّـهون من ســـائر الآفــــاق إلى زيــــارته صلى الله عليه وسلم قبل الحج وبعــــده، ويقطعــــون فيه أي في السَّـــفر إلى زيــــارته صلى الله عليه وسلم مسافـــات بعــيدة شــاقـــة، وينـفـقـــون فيه الأمـــوال ويبذلون المُـهَـــج مُـعـتــقـــدين أن ذلك مِــن أعظـــم القــُـــرُبــــات.

ومَــن زعم أن هذا الجَــمع العظيم الكثير على تكــرار الأزمنة مُخطـئـون : فهو المُخطِـــىء المحـــرُوم.

وزعمُ أنهم إنما يقصُدون: ( طاعات أخـــَــر ) لا ( مجــرَّد السَّـــفر للزيارة ): مكابرة وعنــاد، للعِــلم مِــن أكثرهم بأنهم لا يخطــُر لهم غير محض الزِّيـــــارة، بل لا يخطر ذلك إلا لمَـــن أحاط بشــُـبـَــه المُخالِــف المُبطِـــل وقليل ما هم.

على أن غرض هؤلاء الأعظم: إنما هو الزِّيـــــارة، وما عداها: مغــمُــورٌ في جنبها حتى لو لــَـم تكــُــن لم يســافــــروا.

وقولُ العلماء: ينبغي أن ينوي مع زيـــارته التقــــرُّب إلى مســجده صلى الله عليه وسلم والصَّلاة فيه نصٌّ فيما قلناه إذ لم يجعـــلوا ذلك شــرطــــا ً، وإنما جعلوه الأكــمـــل ليكون السَّـــفــر إلى قـــُــربَــتــَــيــن فـيـَــكــثـــُـــرُ الأجـــر بزيــــادة القــُـــرَب حتى لو زاد مَن قصد القــُـــرُبات زادت الأجُــــور، وفي كلامهم هذا فائدة مرَّت وهي: التــَّــنـبــيه على أنَّ قــَصــد تــلــك القــُــرَب لا يـقـــدح في الإخلاص في نيـَّــة الزِّيـــــــارة ) انتهى .


( 6 ) ــ (كشـاف القنـاع) للبهوتي4/1200، (الحـاشية على المنتهى) لعثمان النجدي الحنبلي2/171.


( 7 ) ــ (الإقناع) للحجاوي1/395-396 .


( 8 ) ــ الجمهور ومنهم الشافعية والمالكية والحنفية على الأصحّ والمنقول عنهم: ( استحباب استقبال القبر الشَّـــريف، واستدبار القبلة لمَن أراد الدعاء ) كما هو مسـطــــَّــر في كتبهم وصرَّح به:

*** النووي في ( أذكاره ) و( إيضاحه ).

*** والزرقاني في ( شرحه على المواهب ).

*** والخفاجي في ( شرحه على الشفاء ).

*** والعلامة المحقِّق ابن حجر في ( الجوهر المنظَّم )

*** وغيرهم ...

وهو الرَّاجــــح أيضـــا ً عند محقــِّـــقي الحنابلة كما نقله في ( الدرر السنية) عن: ( المستوعب ) للإمام أبي عبد الله السامري، وعن ( شرح مناسك المقنع ) لابن مفلح صاحب ( الفروع )، و( شرح الإقناع ) لمحرِّر المذهب الشيخ منصور البهوتي، و( شرح غاية المنتهى )، وعن ( منسك ) الشيخ سليمان بن علي، وغيرها من مُـعـتـَــبـَــرَات كتب أصحاب مذهب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه .

ولذا قال مفتي الحنابلة بمكة المشرَّ فــَــــة الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد في جواب سـؤال رُفِـــعَ لـه عن ذلك وغيره: ( إنَّ المـُـنــكِــــر لاستحبــــاب استقبــــال القبر عند الدعاء: جاهــل بمذهب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه )اهـ .


( 9 ) ــ (الإقناع)1/396، (المنتهـى)2/171-172، ( كشاف القناع)4/1200-1201، (شرح منتهى الإرادات) للبهوتي2/70-71، ( معونة أولي النهى شرح المنتهى)3/485-486، (الشرح الكبير)3/495-496، (مطـالب أولي النهى) للرحيباني2/442، (غـاية المنتهى) لمرعي الحنبلي1/418-419.


( 10 ) ــ (الإقناع)1/396.


( 11 ) ــ (كشاف القناع)4/1202، وأضاف: ( وأما المنبر فروي عن ابن عمر أنه كان يضع يده على مقعــد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم يضعها على وجهه )اهـ .

وقال أبو الفرج المقدسي في ( الشرح الكبير )3/496: ( ولا يستحبُّ التمسح بحائط قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقبـيله، قال أحمد رحمه الله: ما أعرف هذا، قال الأثرم...) ــ ثم ساق ما بالمتن وأضاف ــ ( قال: أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه إبراهيم بن عبد الله بن عبد القاري أنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعـد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم يضعها على وجهه )اهـ .


وقال مثله ابن قدامة المقدسي في (المغني)3/591.

وقال السامري في (المستوعب)4/277: ( وإن أحبَّ أن يتمسح بالمنبر وبالحنانة وهو الجذع الذي حَــــنَّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعـَـــل )اهـ .


( 12 ) ــ ( كشاف القناع ) للبهوتي3/785.

خالد حمد علي
24-03-2006, 18:16
عفواً يا سيّدي !

إنّي أرى صاحبَ الكتابِ أو مَن كتبَ الهوامشَ مُخطئاً في بعض أحكامِهِ ، منها قولُهُ : {وهو الرَّاجــــح أيضـــا ً عند محقــِّـــقي الحنابلة كما نقله في ( الدرر السنية) عن: ( المستوعب ) للإمام أبي عبد الله السامري، وعن ( شرح مناسك المقنع ) لابن مفلح صاحب ( الفروع )، و( شرح الإقناع ) لمحرِّر المذهب الشيخ منصور البهوتي، و( شرح غاية المنتهى )، وعن ( منسك ) الشيخ سليمان بن علي، وغيرها من مُـعـتـَــبـَــرَات كتب أصحاب مذهب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه .

ولذا قال مفتي الحنابلة بمكة المشرَّ فــَــــة الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد في جواب سـؤال رُفِـــعَ لـه عن ذلك وغيره: ( إنَّ المـُـنــكِــــر لاستحبــــاب استقبــــال القبر عند الدعاء: جاهــل بمذهب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه )اهـ .} .

قالَ خالد : هذا كلامٌ غلط وخطأ ، فإنَّ الصحيح في مذهب أحمد استقبالُ القبلة حال الدعاء وليس استقبال القبر ، وقد صرَّحَ بذلك أئمة المذهب ممّن نقلَ عنهم واستشهد بهم ، كالإمام ابن مفلح في "الفروع" ( 6/66} حيث قالَ : { فيُسلم عليه مُستقبلاً له ، لا للقبلة ، ثم يستقبلها ويجعل الحجرة عن يَسارِهِ ويدعو ذكرَهُ أحمَد} .

هذا نصٌّ صريح في المسألة ، وبمثلِها قال الإمام برهان الدين في شرحه على المقنع .

حسين عبد الرحمن الشعفي
25-03-2006, 07:12
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ فصل



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في حُــكــم زيـــارة القـبــــور



اتفق العلماء على استحبــابهـــا ( 1 ) للتذكر والاعتبار، لكن في حق الرجال خاصَّـــة .

قال في (الإقـنــاع) و(المنتهى) ( 2 ) : ( سُــنَّ لرجل زيارة قبر مسلِم ( 3 ) ، نصَّ عليه الإمام أحمد ذ َكــَـرا ً كان الميت أو أنثى لحديث: ( كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة ) ( 4 ) .

وتــُـكـــرَه زيارة القبور للنساء ( 5 ) ، وإن عَــلِــمنَ أنه يقع منهن محرَّم حُـــرِّمَت عليهن، لأنها وسيلة للمحــــرَّم، إلا زيارتهن لقبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقبـــرَيْ صاحبَــيـْــــه رضوان الله عليهما، فـتــُـســتــَــحَـــــبُّ لهـــــنَّ لعُــــمُــــوم الأدلــــة ( 6 ) . ويُـــكـــــرَه التمسُّــــح بالقــبـــر كـــقــصـــده ( 7 ) ـــ أي القبر ـــ لأجل الدعـــاء عــنــدَه مُــعــتــَــقــِـــدا ً أنَّ الدعاء هناك أفضــَــل مِـــن الدعاء في غيره ( 8 ) ، قلتُ: أما مِــــن غير اعـتـقـــــــاد ٍ : فــلا بـــــأس، وقد قال الإمام إبراهيم الحربي: ( الدعاء عند قبر معـــروف ــ الكرخي ــ التريــــاق المجرَّب ) نقــله عنه في (شرح الإقناع) في الاستسقـــاء) انتهى ( 9 ) .

إذا علمــتَ ذلــك فزيــــارة مشــــاهد الصَّـــالحين، والقــبــــور المنسُــــوبـــة إلى الأنـبــيــــاء المُـكــَــرَّميــن ( 10 ) : داخـــلة ٌ في عُــمُــــوم الاستـحـبَـــــــاب مِــــن بــــاب ٍ أولــَــى، لكــــن للرِّجـــــــال خـــاصَّـــــة. بدلــيـــل قول فقهـــائنـــــا: تــُــــكــــــرَه زيــــارة القـبــور للنســــاء إلا َّ قــبــــر نـبـيــنــــا محمد صلى الله عليه وسلم وقــبــر صَــاحـــبَــيْـــه لعُـــمُــــوم الأدلــَّــــة فيهــا .

فبـقـِـــــيَ مَــا عــــدَاهَــــا على عُــمُــــوم الكــــرَاهَــــة في حـقــِّــهــــنَّ، وإن وقـــع منهنَّ محــرَّم فهي محــــرَّمـــة في حَـقــِّــهــــنَّ إجمـــاعـــا ً. وعليه يُـحـمَــــل قوله صلى الله عليه وسلم: ( لعــن الله زوَّارات القـبــور والمُـتــخــذين عليها المساجد والســرج ) رواه الخمسة وصحَّحه الترمذي ( 11 ) .

وقد نصَّ على ذلك فقهــاء المذاهب الأربعة، فقد ذكر الخيــر الرَّملي من السَّــــادة الحنفية في (حاشيته على المنح) ما ملخــَّصه: إن كـُـنَّ عجائز وخرجــن للاعتبـــار والترحُّـــم فلا بـــأس، وإن كــُــنَّ شــَــواب فتــُــكـــرَه لهُـــنَّ مـا لــَـم يحصل منهنَّ محــــرَّم أي فتــُــحــــرَم عليهــــنَّ. قـــال العلامة ابن عابدين: ( وهو تـفـصيــلٌ حَــســَــنٌ ) ( 12 ) .

وذكر الشيخ حسن العِـــدْوي المالكي ( 13 ) في (مشارق الأنوار) ما لفظه: ( اعلــَم رحمك الله أن حكم زيارة القبور الأصل فيه: النــَّـــدب، وذلك للرجال خاصَّـــة، وتحــرُم للشــَّــواب من النسـاء ( 14 ) ، وتجوز للقــــواعـد اللا ّ َتــــي لا إربَ للرجـال فيهن ـــ قال ـــ والأحسَـــن في الاستدلال على منعهن بخبــــر: ( ارجعن مأزورات غير مأجورات ) ( 15 ) ، قال الأستاذ الشيخ عبد الباقي علي خليل: وهذا في الزمن القديم، فكيف بهذا الزمان كما في (المدخل) ؟ ( 16 ) انتهى .

قلتُ: إن كتاب (المدخل) للعالم العامل أبي عبد الله الفاسي المشهور بابن الحاج المالكي، قال فيه العلامة ابن حجر: ( وهو كتاب كثير الفوائد، كشف عن معائب وبدَع يفعلها الناس وأكثرها مما يُـنـكــــــَر ) .

فمِــن جُملة ما ذكر في الكتاب المذكور ما لفظه: ( وقد اختــلف العلماء في خروجهن ــ أي النساء ــ لزيارة القبور على ثلاثة أقوال :

ـــ قول بالمنع، وتقــدَّم .

ـــ وقول بالجواز، لكن على ما يُـعــلم في الشــَّرع من التستر والتحفظ عكس ما يُــفعــل اليوم .

ـــ والثالث الفرق بين المتجالة والشابـــة، فيجوز للمتجالة، ويُمنـــَع للشابة، ــــ ثم قال ــــ واعلم أن الخلاف المذكور بين العلماء إنما هو في نساء ذلك الزمان، وكــُــــنَّ على ما يُــعـلـــَم من عادتهـــنَّ في الاتباع، وأما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو مَــن له مروءة أو غيره في الدِّين بجواز ذلك ) ( 17 ) انتهى كلامه .

وقال العلامة القسطلاني ــ أي من علماء الشافعية ــ في (المواهب اللدنية): ( قد أجمع المسلمون على استحباب زيـــارة القبور كما حكاه النووي، وأوجبها الظاهرية... ـــ قال ـــ ومحل الإجماع على استحباب زيارة القبور للرجـال خـاصَّـــة، وفي النسـاء خـلافٌ: الأظهَـــر في مذهب الشـافعية : الكـــراهـــة) ( 18 ) اهـ .

ثم قال العلامة المذكور في (شرح البخاري): ( إن ما ورد من الأمر بالزيارة فمحمولٌ على الـنــَّدب في حق الرجال خاصَّـــة، وأما النساء فتــُــكـــرَه لهنَّ ما لم يقع منهنَّ مُحَـــرَّم فتــَحـــرُم عليهنَّ، وعليه يُحمَــل حديث الترمذي: ( لعن الله زوَّارات القبور )، وحمل بعض الشرَّاح ذلك على زيارتهن للبكاء والنـــَّوح، على ما جرت به عادتهنَّ ). ـــ قال العلامة القسطلاني ـــ ( ولو قيل بالحُــرمَـــة في حقهن في هذا الزمان، ولا سيما نساء مصر لِــمـــا في خروجهنَّ مِـــن الفســاد لم يـبــعُـــــد) ( 19 ) اهـ . كلامه .

فما أطلقه في (المواهب) مِن الكــرَاهة قــيَّـــدَه في (شرح البخاري) بغَير الشـــَّـواب .

إذا علمتَ ما تـلوناه عليك مِــن نصوص فقهاء المذاهب الأربعة تحقــَّــقــت أن زيـــارة المشـــاهد في هذا الزمان للنســـاء الشَّــــواب ولا سيمـــا نساء الفلا َّحين اللا َّتــــي يخـــرُجـــن متــزيِّـــنــــات متبــرِّجـــات، تبـــرُّج الجاهلية الأولى: مُـحَـــرَّمَــــة إجمــاعـــا ً لِــمَـــا يــقـــَع منهنَّ من الفساد العظيم كما هو مُــشَــــاهـــَــد في هذا الزَّمان زيـــارة مشهد وليّ الله علي بن عـلـيــل ( 20 ) قدَّس الله سرّه وذلك واضح للعيان غــنــيٌّ عن مزيد البـيـــان، فإنكـــارُه مُـكـــابَــــرَة .

وقياس خروجهن ( لزيارة المشاهد ) على خروجهن ( للحج ): قيـــاسٌ فــاسشـــدٌ، لا يخفى فساده على مَن لـــه أدنـــَى إلمــــام بالفِــقــــه .

قالت عائشة الصديقة رضي الله عنها: ( لو أدركَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدَثَ النساء اليوم لمنعهنَّ المساجد ) ( 21 ) .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ







ــــــــــــــــــــــــــــــــ شــَـــد الرحـَـال لزيــارة المشـــاهد وقــبــور الأنبياء





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [شــَــد الرحـَــال لزيــارة المشـــــاهد]



أما شَــــد الرَّحــــل لزيــــارة المشــاهـــد: فهـــو مُـبــــــاحٌ لا كـــرَاهـــــة فـيـــه على الصَّحيح مِـــن المَــذهَــــب.

قال في (الإقـنــاع) و(المنتهى) و(شرحَـيهما) في صلاة القصر: ( إنَّ السَّــفـــر يكــون:

*** واجبا ً : كالسَّــفــــر لحــــجٍّ، وجهـــاد متـعـيـنـيـن.

*** ومسنونا ً : كالسَّــفـــر لزيــــارة الإخـــوان، وعيـــادة المريض، وزيــــارة الوالدين.

*** ومُـبــَــاحــــا ً : كالسَّــفـــر لنـُــزهــة، أو فــُـرجـَـة وتجــارة، أو قــَصــد مَـشــهـَـد ٍ، أو قــبــر نــَبـــي ٍّ، أو مسجـــد غير الثــلاثـــــــة ) ( 1 ) انتهى .


فمنــهُ يُــعــلـــَــمُ أن شـــَــد الرَّحــــل لغــيــر المســـاجـــد الثــلاثــــــة: مُـبـــَــاحٌ لا كـــراهــة فــيـــه ( 2 ) .


وقال في (الإقناع وشرحه): ( ويـتــرخــَّـــص ـــ أي المسافر ـــ إن قـَـصَــدَ بسفــره مَـشــهــــدا ً، أو قــَصـَــدَ مَـسـجــــدا ً ولو غــيــر الثــلاثـــــة، أو قــَـصَــدَ قـــبــر نــَـبــِـيِّ ، أو غـيــره كـَــولِــيٍّ ، وحديث: ( لا تــُــشــَــد الرِّحــــال إلا َّ إلى ثــلاثــــة مســـاجــــد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ) ( 3 ) أي لا يُــطــلــَـــب ذلك، فليس نــَـهــيـــا ً عــن شـــَــدِّهــــا لغــيــرهــــا ( 4 ) خــِـلافــــا ً لبعضهم، لأنــَّــه عليه السَّــــلام كان يــأتــــي قــبـــاء راكــبـــا ً ومَــاشــيــــا ً، ويــزور القبور، وقال: ( زوروها فإنها تذكـــر الآخـــرة ) انتهى كلام (الإقـنـــاع وشرحــه) ( 5 ) .

وقولـه: (خـِـلافـــا ً لبعضهم ) أي بعض أئمــَّــة الحنابلة الذين كــرهـُـــوا شــَــدَّ الرَّحـــل لزيــــارة المشــَــاهــِــد، ومَـنــَـعــُــوه مِــن التــرخــُّــــص فـــي سَــفـــره كأبـــي الوفــــاء بن عـقـيـل البـغــــدادي ( 6 ) ، والشــيــخ تــقـــي الديــن بن تــيــمــيــة والمُـحَــقــِّـــق ابن القــيــم.

والمَــذهَــــبُ الصَّــحـِــيــحُ مَــا قــدَّمـنـــــاهُ عـــن (الإقــنــــاع) و(المنتهى) ( 7 ) .

وذكر العلامة القسطلاني في (شرح البخاري) عند قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تــُشــَــدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد ): ( اختلف العلماء في شــَـــدِّها ـــ أي الرِّحال ـــ لغـيـرهـــا ـــ أي المساجد الثلاثة ـــ كالذهـــاب إلى زيـــارة مشـَــاهد الصَّـــالحين، وإلى المواضــع الفــاضـلــة :

ـــ فقال أبو محمد الجويني: يـحــرم، عَـمـَـلا ً بظاهر الحديث، واختاره القاضي حسين، وقال به القاضي عياض وطــائفــــة .

ـــ والصَّحيح عند إمــام الحَــرمين وغيره من الشافعــية: الجــــواز، وخـَــصُّـــوا النـــَّهي بنــَــذر الصلاة في غير الثلاثة، وأمَّـــا قــَـصد غيرها لغــير ذلك كالزيــــارة فلا يدخــُــل ) ( 8 ) انتهى كلامه .

وما ذهب إليه الشيخ تقي الدين بن تـيـمـيــة مِــن ( مَــنــعـــه شـَــد الرِّحــل لزيـــارة المشـَــاهد مُـطـلــقـــا ً حتى لـقـبــر نـبـيــنــــا محمد صلى الله عليه وسلم ) : فـلــيــسَ بـمــَذهَـــب ٍ للإمـــام أحمَــــد طـيَّــب الله ثــــراه، وجعــل الجنــَّــة مَـثــواه. والمَــذهَـــبُ مَــا قــَـدَّمــنــَــاهُ عن (الإقـنــاع) و(المنتهى) ( 9 ) .

والشيخ ــ ابن تيمية ــ مع عُـلـُــو كـَـعــبه في جميع العلوم، وتقــدُّمـــه في المنطـُـوق والمفهـُـوم ( 10 ) ، لا يُــتــَــــابَــــع على مســألــتـــَيْ :

*** الزيـــــــارة.

*** والطـــــلاق ( 11 ) .

على أنَّ المُـحــقــِّــقــيــن مِــن أصحابه أجـــابوا عنه بأنــَّــــه: كــــره اللــَّـــفــظ أدبــــا ً ، لا أصـــل الزيـــــارة ( 12 ) ، فإنها مِــن أفضــَــل الأعمــــال، وأجَــــل القـــُــــرَب المُـــوصِــلة إلى ذي الجـــلال، وأن مَـشــروعـيـتـهـــــا مـحــلَّ إجمـــاع ٍ بــلا نــزاع ٍ . هكـــذا نقـــله العلامة القسطلاني في (شرح البخاري) ( 13 ) والله تعالى أعلم .

وأما حديث: ( لا تــُشــَـد الرِّحــال إلا إلى ثلاثة مساجد ) فهو وارد في النــَّـــهي عن نذر الصلاة في غير المساجد الثلاثة لاستواء فضيلتها، فمَــن نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة لزمه ذلك، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في (البويطي) واختاره أبو إسحاق المروزي، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقا ً، وقال الشافعي في (الأم) ( 14 ) : يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك به بخلاف المسجدين الأخيرين، ومن نذر إتيان غير هذه الثلاثة لصلاة أو غيرها فلا يلزمه لاستواء فضيلتها فتكــفي صلاته في أي مسجد شاء. قال النووي: لا اختلاف فيه إلا ما روي عن الليث أنه قال يجب الوفاء به، وعن الحنابلة رواية أنه لا يجب وتلزمه كـفارة يمين. أفاده العلامة القسطلاني في (شرح البخاري) ( 15 ) . والله سبحانه وتعالى أعلم .

فــالــلائــــــق : أنَّ الاعتمــــاد عليهم .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حُــكـــم التوسـُّـل بالصَّـــالحين وعبـــاد الله المكــرَّمين




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ فصل


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في حُــكم التوسُّــل بالصَّــالحين وعباد الله المكــرَّمين


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ وفي كرامات الأولياء أحياء وأمواتا ً



أما التوسُّــل بالصَّــالحين:


فقد قـال البهوتي في (شرح الإقنـاع): ( قال السامري ( 1 ) وصاحب (التلخيص) ( 2 ) لا بأس بالتوسُّــل ( 3 ) في الاستسقاء بالشيوخ والعلماء المُـتــقــيــن، وقال الحافظ ابن الجوزي: يجوز أن يستشـفـع إلى الله تعالى برجــل صالح، وقـيـل يُـسـتـحَـــبُّ. وقال الإمام أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي: أنه يـتـوسَّـــل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه. قال الإمام إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف ــ الكرخي ــ التريـــاق المُجــــرَّب ) ( 4 ) .


وقال العلا َّمة الكرمي في (دليل الطالب): ( ويُـبـَـاحُ التوسُّــل بالصَّـــالحين )، قال شارحه : ( قد استسقى عمر بالعباس رضي الله عنهما، واستسقى معاوية بيزيد بن الأسود ). وقال في (المبدع): ( يُـسـتـحَــبُّ الاستسقــاء بمَــن ظهــر صلاحه، لأنه أقــرب للإجــابة ) ( 5 ) انتهى .


ومعنى الاستسقـــاء بـــه : التوسُّـــل إلى الله في طـلب السُّــقــيــــا، والله سبحانه وتعالى أعلم .




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [ كرامات الأولياء ]


وأما كرامات الأولياء :

فإثباتها من العـقائد الدينية التي يجب إثباتها ولا يجوز نفيها وإهمالها.

قال الإمام ابن حمدان في ( نهاية المبتدئين في أصُول الدين ): ( وكرامات الأولياء حق، وأنكر الإمام أحمد على مَـن أنكرها وضلـَّـله، قال: وتوجد في زمن النبوة وأشراط الساعة وغيرهما، وتظهر على يد صالح موافق للشرع، من غير أن يدعيها، وتظهر بلا طلبه تشريفا ً لـه ظاهرا ً.

وحقيقة الكرامة: أمرٌ خـارق للعادة غير مقرون بالتحدي، يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم لمتابعة نبي كلف بشريعـته، مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح. قال بعضهم: ويشترط في الولي شروط منها: أن يكون عارفا ً بأصول الدين، عالما ً بأحكام الشريعة نقلا ً وفهما ً، وأن يتخلق بالأخلاق المحمودة التي دل عليها الشرع والعـقـل، مثل الورع عن المحرَّمات بل والمكروهات، وامتثال المأمورات، وإخلاص العمل، وحسن المتابعة والاقتداء، وأن يلازمه الخوف أبدا ً، واحتقار النفس سرمدا ً، وأن ينظر إلى الخلق بعـين الرحمة والنصيحة، وأن يبذل جهده في مراقبة محاسن الشريعة، ومطالعة عيوب النفس وآفاتها، والخوف بملاحظة السابقة والخاتمة. والله تعالى أعلم .

ولعل هذه الشروط في المجتهد المجدِّد دون مُطـلـَـق الولاية، كما بحثه خاتمة المحقــِّــقين الشيخ محمد السفاريني ( 6 ) رحمه الله تعالى. وهو ظاهر لا مِــريَـــة فيه، والله تعالى أعلم .


والحاصل : أن كرامات الأولياء حق ثابت بالأدلة، والمشاهدات الحسية، والقواطع العقلية، نصَّ عليها القرآن، وشهد بها العيان .

فكرامة الصحابة والتابعين ومَــن بعدهم قد تواترت تواترا ً معنويا ً وإن كان تفاصيلها آحادا ً، فعلماء الحنابلة كغـيرهم من أهل السنة مجمعــون على إثباتها ( 7 ) ، حتى طائفة الوهَّــابـيــَّـة يُـثـبـتـونـهــــا للأوليــــــاء .

قال عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في رسالته التي نشرها للعامة ومن خطة نقلتُ: ( والذي نعـتـقـده: أن رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره، حياة مستـقــرة أبلغ من حياة الشهيد المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه صلى الله عليه وسلم يسمع سلام مَــن يسلــِّم عليه، وتــُسَـــنُّ زيارته صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا يُـشـَــد الرَّحــل إلا لزيــــارة المسجد والصلاة فيه ( 8 ) ، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس به، ومَــن أنفق نفـيـس أوقاته في الاشتغال بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين، وكــُــفــِـــيَ همّه وغمّه ـــ إلى أن قال ـــ ولا ننكــر كرامات الأولياء، نعــترف لهم بالفضل، وأنهم على هدى من ربهم مهما ساروا على الطريقة المرضية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئا ً من أنواع العبادة، أي التي من جملتها الدعاء لا حال الحياة والممات ( 9 ) . انتهى كلامه بحروفه .

والله أعلم بالصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، لا إله إلا هو عليه توكــلتُ وإليه أنيبُ .

حسين عبد الرحمن الشعفي
25-03-2006, 17:59
الهوامش المتعلقة: بفصل في حُــكــم زيـــارة القـبــــور:



( 1 ) ــ قوله: ( اتـَّــفـق العلماء... ) الخ: أي ومنهم، بل أجَــلهم شيخ الإسلام تقي الدين أبوالعباس أحمد بن تيمية، فإنه صرَّح بأن زيــارة قبور المسلمين سـنـَّـــة للرِّجــال للتذ كـــُّــــر والترحُّـــم عليهم، بل صرَّح بإبـــاحة زيـــارة قبور الكـفــَّــــار للتذ كــُّــــر، ويُــقــَـــالُ لهم: أبْـشِـــرُوا بالنـَّـــار، كما نـُـقـِــــلَ ذلك عن أئمَّــتـنا الأعلام. فكيف يُــظــَـــنُّ بمِــثـــل هذا الإمام أنه يُــحَــــرِّم زيـــارة قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره، وهو يقول بإبـــاحة زيـــارة قبور الكـفــَّــــار كما مَـــرَّ ؟ وإذا حــــرَّم شـَـــدَّ الرَّحـــل لذلك عملا ً بظاهر حديث: ( لا تــُــشــَـــــدُّ... ) الخ فكيف يَـسُـــــوغ ُ تحريف كلامه والنـَّـــقـــل عنه بأنَّــــه يُحـَــرِّم الزِّيــــارة ؟ سبحانك اللهمَّ هذا بهتـانٌ عظيمٌ، ولكن التعصُّـــب يعمل فوق ذلك، والله أعلـم بما هنالك. (اهـ من تعليق اللبدي) .

أقولُ في الجــواب عن كلام اللبدي:

تـقــدّ م الحديث عن هذا، ونقلنا من كلام ابن تيمية نقلا ً عن تلميذه والمفتون به ابن عبد الهادي ـــ وكل ذلك حرفيا ً بكتب الحراني المطبوعة بالأسواق: (الجواب الباهر)، (الرد على الأخنائي)، (مجموع فتاواه) المجلد رقم28 ـــ ما هو صريح في:

*** كون زيــارة القبر النبوي غير مشروعة!!!!

*** وغير ممكـنة، ولا مقــدورة!!!!

*** وزعمه كونهــا منهيـــا ً عنها!!!!

*** وأنها من البــِــــدَع!!!!

*** وأن لا أحَـــد قال باستحبــابهــــا !!!! فلا تعصُّب ولا بهتـــان كما يزعمه اللبدي .

ونـُعــيـــدُ بعضها هـنــا:

ـــ كقوله: ( فلا يُـقَال: أن زيارته بلا شــدّ رحل مشروعة ومع شــدّ الرَّحل منهيٌّ عنها ) .

ـــ وقوله: ( ولهذا أكثر كتب الفقه المختـَــصَــرَة التي تــُـحـفـَــــظ ليس فيها استحباب زيارة قبره مع ما يذكرون مِن أحكام المدينة، وإنما يَــذ كــُــــرُ ذلك قـلـيــل منهم، والذين يذكرون ذلك يفسِّـــرونه بإتيان المسجد كـما تــقـــدَّ م ) .

ـــ وقوله: ( لكن عُــلِــــمَ أن الزِّيـــارة المعهودة مِــــن القــبـُــور مُـمتـَــنِـــعــَــة في قـــبره، فليست مِن العَــمل المَــقـــدُ ور ولا المَـــأمـُـــور ) .

ـــ وقوله: ( بل يُـسـتـحــبُّ لهم ـــ يعني أهل المدينة ـــ زيـــارة القبور كما يُـسـتـحبُّ لغيرهم اقـتــداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لكن قــبـر النبي صلى الله عليه وسلم خــُـــصَّ بالمـَــــنـــع حِـــسّـــا ً وشــَــــرعـا ً ) الخ...

ـــ و قوله: ( وقد ثبت بالتـواتـــر وإجماع الأمة أن الرَّسول صلى الله عليه وسلم لا يُــــشـــَرع الوصُـول إلى قبره ـــ إلى قوله ـــ وهذه الزِّيــــارة غير مَـشــرُوعَــــة في حَــقـــه بالنصِّ والإجمـــاع ولا هي أيضا ً مُـمـكـِـــنــة، فـتـبـيَّــــن غــلط هـــؤلاء الذ يــــن قــاسُـــوه على عُــمُـــوم المسلِـمين ) الخ...

ـــ وقوله: ( وأما زيـــارة قبره كما هو المعروف في زيـــارة القبور: فهــذا مُـمـتـنــع غير مــقـــد ور ولا مشــــروع ) .

ـــ وقوله: ( فهذا يُـبـيِّــــن أن وقــُـوف أهل المدينة بالقــبــر وهو الذي يُـسَــمَّى زيـــارة لقبره مِـــن البــِـــــدَع التي لم يفعـــلها الصَّحابــــة، وأن ذلك مَــنـهــيٌّ عنه ـــ إلى قوله ـــ فلهــذا لم يكــُـن بالمدينة منهم مَـــن يزور قـبــره باتفــــاق العـلمــــاء ) .

ـــ و قوله: ( وأما دخولهم عـند قبره للصلاة والسَّــــلام عليه هناك أو للصلاة والدعاء: فإنه لم يـشــرعــــــهُ لهم، بل نهـــاهُــــم عنه ) .


( 2 ) ــ (الإقنـاع) للحجـاوي1/237، (المنتهى) للفتوحي1/432، (كشـاف القنـاع) للبهوتي3/783، (شرح منتهى الإرادات) للبهوتي1/359-360، (غاية المنتهى) لمرعي الحنبلي 1/258، (معونة أولي النهى شرح المنتهى) للفتوحي2/529، (مطالب أولي النهى) للرحيباني1/931، (المستوعب) للسامري3/161، (هداية الراغب لشرح عمدة الطالب) لعثمان النجدي الحنبلي ص218 .


( 3 ) ــ قال ابن النجار الحنبلي في (المنتهى)1/432: ( وتــُــبَـــــاح ــ الزيــارة ــ لـقــبـــر كــافــــر ) اهـ .

وقال الحجاوي في (الإقناع في فقه الإمام أحمد)1/237: ( تــُـــبَـــاح ــ الزيارة ـــ لقـبـر كــافـــر ولا يُـسلــَّـــم عليه، بل يقول له: أبشــر بالنــَّــار ) اهـ .

وقال المرداوي الحنبلي في (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن جنبل)2/394: ( يجوز للمسلم زيارة قبر الكافر ) اهـ .

وقال زين الدين البعلي الحنبلي في (كشف المخدرات في فقه أحمد بن حنبل)1/135: ( وتــُــبَــــاح ــ الزيارة ــ لقبر كافر ولا يسلــِّم عليه بل يقول أبشر بالنار ) اهـ .

ومثله قال:

ــ عبد القادر الشيباني الحنبلي في (نيل المآرب بشرح دليل الطالب)1/82.

ــ الرحيباني الحنبلي في (مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى)1/932.

ــ مرعي الحنبلي في (غاية المنتهى)1/258.

ــ ابن النجار في (معونة أولي النهى شرح المنتهى)2/530. وغيرهم كثير...


( 4 ) ــ (صحيح مسلم)2/671، وورد الحديث من رواية ستة عشر صحابياً وأورده السيوطي في كتابه (الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة) ص21، ومحمد جعفر الكتاني في (نظم المتناثر من الحديث المتواتر) ص80، والسيد عبد العزيز الغماري في (إتحاف ذوي الفضائل المشتهرة بما وقع من الزيادة في نظم المتناثر على الأزهار المتناثرة) ص97، وراجع أيضا (عواطف اللطائف من أحاديث عوارف المعارف) للحـافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري2/269-276.


( 5 ) ــ قوله: ( وتـُـكــرَه زيارة القبور للنـــِّساء... ) الخ: ظاهرُه أنه لا فرق بين العجائز والشَّواب، وبين الحِـسان وغـيرهنَّ، ولو قيل بتحريمها للشـَّــواب الحسان لكان صوابا ً كما لا يخفى على مَــن له أد نــَــــى إلمامٌ بقوَاعِــــــد الشَّرع، والله سبحانه وتعالى أعلــَم. ( اهـ من تعليق اللبدي ).


( 6 ) ــ قال مؤلفنا العلامة عبد الله القدومي الحنبلي شارحا ً هذه الفقرة في كتابه (الرِّحلة الحجازية) فقال: ( قوله: ( لعموم الأدلة ) أي: ومنها :

ــ قوله صلى الله عليه وسلم: ( من حجَّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي ) رواه البيهقي وغيره، عن ابن عمر.

ــ ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ( من زار قبـري وجبت لـه شفـاعـتي ) رواه ابن عدي والبيهقي أيضا ً.

ــ ومنها قوله صل الله عليه وسلم: ( من زارني بالمدينة محتسبا ً كنتُ لـه شهيدا ً أو شفيعا ً يوم القيامة ) رواه البيهقي أيضا ً عن انس، قال العلقمي: بجانبه علامة الحسن .

وقد أجمع علماء الأمة على استحباب زيارته صلى لله عليه وسلم، وإجماعهم حجَّــة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) ولم يُخالِف في ذلك أحد من الأئمة والله أعلم ) اهـ .

ومن عمُوم الأدلة أمره عليه الصلاة والسلام بزيارة القبور : ( زوروا القبور... ) وهي مشهورة.


( 7 ) ــ قوله: ( ويُـكرَه التمسُّح بالقبر كقَصده... ) الخ: أقول لا مانع من تحريم اعتقاد أفضليَّة الدُّعاء عند القبر لأن مَن اعتقد ذلك شَرَعَ في دين الله ما لم يأذَن به الله، وخالف الإجماع، وكلاهما حرام. ( من كلام الشيخ اللبدي ) اهـ .


( 8 ) ــ قال المصنف القدومي الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه (الرحلة الحجازية) ص113:

( فإن قيل: أن المنقول عن (الفروع): ( إن قصد القبر للدُّعـــاء عنده بدعة باتفاق الأئمَّــة ).

قـــُـــلنــــا: إن صاحب (الفروع) نـقــلـَــه عن شيخه ــ ابن تيمية ــ ، ونحـنُ نتـكـلــــَّـــم عـلى مَـذهَـــب الإمام أحمـَــد ) اهـ .


( 9 ) ــ (كشاف القناع) للبهوتي2/683، (معونة أولي النهى) للفتوحي2/359.


( 10 ) ــ قوله: ( والقبور المنسوبة إلى الأنبياء المكرَّمين ): ظاهرة ولو لم نعــلــَم أنها قبورهم بل يكــفي الظنّ أو الوَهم، ولي فيه وَقـفــَـــة مِن حيثُ ( الاستحباب ) على هذا الوجه، والله أعـلم. ( من قول الشيخ عبد الغني اللبدي ) اهـ .


( 11 ) ــ أخرجه بلفظ: ( لعـن الله... ) ابن حبـان في (صحيحه)7/452، وأبو يعلى في (مسنده)10/14، والطيالسي في (مسنده)1/311، وابن شاهين في (ناسخ الحديث ومنسوخه)1/273، وأخرجه بلفظ: ( لعن رسول الله صلى الله عيه وسلم زوارات ـ وبلفظ: زائرات ـ القبور ) أبو داود في (السنن)3/218، الترمذي في (السنن)2/136 وقال: حسن صحيح، النسائي في (السنن)4/94، ابن ماجه في (السنن)1/502، أحمد في (المسند)1/229-287-324-337، ابن حبان في (صحيحه)7/453، الحاكم في (المستدرك)1/530.


( 12 ) ــ (رد المحتار على الدر المختار) لابن عابدين 3/151 بلفظ: ( وهو توفيق حسن ).


( 13 ) ــ قوله: ( العِــدْ وِي ): أي بكـَسر العَــيــْن وسكون الدَّال، أحد شيوخ علماء الأزهر وفضلاء المالكية، له الفتـاوَى العديدة، والتصانيف المفيدة، وكان يقرأ الدَّرس على محلٍّ مرتفعٍ لكثرة مَــن يحضر درسه، ويُملِــيه إملاء من دون نسخة، وكان إذا حدَّث يقول: قال الصَّادق المصداق حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويضرِب فخـــذ َ يــــْه بكـفــَّـــيْـــه ويهتـــزُّ طربا ً. ( من قول اللبدي ) اهـ .


( 14 ) ــ قوله: ( وتحرُم للشَّواب... ) الخ: ظاهره ولو لم يقع منهنَّ مُحَرَّمٌ، وهو الصَّواب الذي يجبُ المصير إليه. ( من تعليق اللبدي) اهـ .


( 15 ) ــ (مسند أبي يعلى)7/109و268، (السنن الكبرى) للبيهقي4/77، (ناسخ الحديث ومنسوخه) لابن شاهين1/277، (تاريخ بغداد) للخطيب9/102. قال الحافظ الهيثمي في (مجمع الزوائد)3/28: ( رواه أبو يعلى وفيه الحارث بن زيد قال الذهبي : ضعيف ) .


( 16 ) ــ (مشارق الأنوار في فوز أهل الاعتبار) لحسن العدوي الحمزاوي ص55.


( 17 ) ــ (المدخل) لابن الحاج1/251 الطبعة الثانية 1397هـ- 1977م دار الفكر.


( 18 ) ــ (المواهب اللدنية بالمنح المحمدية)4/572-573، طبعة المكتب الإسلامي الطبعة الأولى 1412هـ - 1991م.


( 19 ) ــ (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) للقسطلاني ( بهامشه شرح النووي لصحيح مسلم) 2/399 الطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر سنة 1323هـ.


( 20 ) ــ علي بن عليل هو الرجل الصالح المشهور عند الناس بعلي بن عليم، والمد فـــــون في القرية المسمَّــــاة باسمه في شمال مدينة يافا بفلسطين.(العليمي 1/6).


( 21 ) ــ (صحيح البخاري)1/296، (صحيح مسلم)1/329.

حسين عبد الرحمن الشعفي
25-03-2006, 18:06
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ


الهوامش المتعلقة بشــَـــد الرحـَـال لزيــارة المشـــاهد وقــبــور الأنبياء
[شــَــد الرحـَــال لزيــارة المشـــــاهد] :


( 1 ) ــ (كشاف القناع) للبهوتي2/600، (شرح منتهى الإرادات) للبهوتي1/274، (تجريد زوائد الغاية والشرح) لحسن الشطي الحنبلي ـ هامش (مطالب أولي النهى) ـ 1/713.


( 2 ) ــ قال العلا َّمة عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى في كتابه ( إبراز الغي الواقع في شفاء العي ) ص99 : ( جمهور علمــاء الأمـَّــة وأكـثـــر محقــِّــــقي المـلــَّــــة يُـجـوِّزون شـَــــدَّ الرِّحـــال بقصد زيـــارة القبور، لا سيما زيـــارة سيد القـبــور قبر سيد أهـــل القبور، بل صرَّح بعضهم بـنـَـــد ب السَّــــفــــر إلى المدينة بقــَـصد نفس الزيـــــارة وتجـــريــــد السَّــــفـــر له عن السَّــــفـــر بقـــَــصد مسجده )اهـ .


( 3 ) ــ (صحيح البخاري)1/398، (صحيح مسلم)2/1014.


( 4 ) ــ قال المؤلف عبد الله القــدُّومي رحمه الله تعالى في كتابه ( الرِّحلة الحجازية ) ص21: ( وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تـُـشــَــدُّ الرحال إلا َّ إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ) ــ ولفظه كما في البخاري ــ : ( لا تــُـشــَــدُّ الرِّحال إلا َّ إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى ) .

وهذا الحديث يتعـيَّــن الـتـقـد يــــر فيه، أي: لا تــُـشــَــدُّ الرِّحال ( إلى مسجد ٍ للصلاة فيه ) إلا إلى ثلاثة مساجد. ( ويـَــــدُ لُّ ) لهـــذا التـقــد يــــــر:

*** ما رواه الإمام أحمد في ( مسنده ) بإسنادٍ حسَن ٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ) .

فلا يتناول الــنــَّـــهي شــَــد الرِّحال إلى : صِـلـَــة الأرحَام، ولا إلى زيــارة الإخوان، ولا لقضَــاء حق ٍ واجب ٍ عليه احتاج فيه إلى شــَــد الرَّحل كما لا يخــفـــى .

*** ولأن الا سـتـثــنــــــاء إنما يكون مِــن جنس المُـسـتـثــنــَــى منهُ، كما إذا قــُـلتَ: ( ما رأيتُ إلا زيدا ) كان تـقــد يـــــره: ما رأيتُ رجلا ً واحدا ً إلا َّ زيدا ً، لا َ : ما رأيتُ شيئا ً أو حيوانا ً إلا زيدا ً ) انتهى .


( 5 ) ــ (كشاف القناع) للبهوتي2/600-601.


( 6 ) ــ أقول: هذا القول قد نقــله الشيخ موفق الدِّين بن قدامة المقدسي في كتابه (المغني) عن ابن عـقــيل الحنبلي مستدلا ً عليه بحديث: ( لا تــُــشــَــدُّ الرِّحال ) ثم قال ابن قدامة الحنبلي بعدَه: ( والصَّحيح خلافــــه، لأنه صلى الله عليه وسلم (كان يأتي قبــــاء ماشيا ً وراكبا ً) وكان يزور القبور وأمر بزيارتها وخبر: ( لا تــُــشـَــدُّ الرِّحال ) يُحمَـــلُ على نـَـفــي الفضيلة لا على التحــريم ) اهـ كلام المغني .


( 7 ) ــ سبق نقل قول العلا َّمة عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى في كتابه ( إبراز الغي الواقع في شفاء العي ) ص99: ( جمهور علماء الأمة وأكثر محقـِّــقي المـلـــَّــــة يجوِّزون شـَــدَّ الرِّحال بقــَـصد زيـــــارة القبور، لا سيما زيــــارة سيد القبور قبر سيد أهـــل القبور... ) اهـ .


( 8 ) ــ (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) للقسطلاني2/348.


( 9 ) ــ قال المؤلف عبد الله القدُّومي الحنبلي في كتابه ( الرِّحلة الحجازية ) ص112: ( ومنه تعـلــَـــم أن السَّــفـــر لزيــــارة المشــَــاهشـــد وقــُـبُـــور الأنبيــــاء المكرَّمين مِــن السَّــفـــر الذي لا كراهَــــة فيه، يترخــَّــص صاحبه بالقـــَــصــر والفِــطـــر في رمضان ونحوهما، وهذا هو الصَّحيح مِــن المَـذهَـــب، جَــــزمَ به صاحب (الإنصاف) و(التنقيح) وغيرهما مِــن المتأخــِّـرين ) اهـ .

وقال العلامة علي القاري في ( شرح الشفا ): ( وقد فــَــرَّط ابن تيمية مِــن الحنابلة حيث: ( حـــرَّم السَّـــفـــر لزيــــارة النبي صلى الله عليه وسلم ) كما أفـــرط غيره حيث قال: ( كــَــون الزيـــارة قــُــربـَـــة مَـعــلــُــومٌ مِـــن الدِّ يــــن بالضَّـــرورة، وجاحِـــده محكــُــومٌ عليه بالكــُــفـــر )، ولـعـــلَّ الثــــاني أقرَبُ إلــى الصَّـــــواب،لأنَّ تحريم ما أجمَــعَ العلمـــاء فيه بالاستحبـــاب يكـُــون كـــُـفــــرا ً لأنــَّــه فــَــوق تحــــريم المُـبــــاح المُـتــفـــق عــــليه ) اهـ .


( 10 ) ــ أما عن ( عُـلـُــو الكــعـــب في جميع العُــلــــوم ): فغــير مُســَــلــَّم إن كان المعــنيّ به نتـــائجـــه مِــن التوفيق والسّداد وعَدَ م تــبـَــنــِّــي كــُفريـــات وضلالات الأ قـــد مـــين مِـــن حكماء ووثنـيـيــن ( قِـــدَ م العَـــالــَــم والتجسيم... ).

أمَّا إن كان المعنيّ بـ( عُــلـُــو الكـعــب في جميع العُـلــوم ): كثرة المحفوظ وكثرة السَّــــرد... فذي لا فـــائدة منها إن عَــريـَـت عن الفهــم ، وخصوصا ً عَــدَم أخذ تلك العلوم عن مشــائخ ذاك الفـــَــن والمتخصِّصين فيه كما قاله السبكي الكبير في ( السَّيف الصَّـقـيل ) عن الحراني، ولعــل أحسَــن وصف ٍ ـــ والغريبُ أن أهل الحشو يعتبرونه مدحا ً للحراني!!! مع أنه قدح فيه ـــ ما قاله العز بن جماعة ـــ ووافقه عليه غيره من علماء الأمة ـــ في ابن تيمية الحراني: ( علمُـه ـ أي معلوماته ومحفــُـوظه ـ أكـبـــر مِــن عـقــله ) أي كثرة محفوظ ومعلومات دون تفهُّـــم وتعـقــُّــــل...

أما ( تقدُّ مه في المنطوق والمفهوم ) فذي مبالغة لا شك فيها... فإن كان المعنيّ به الفهم للغة العرب ومقاصد الشرع فما أبعــده عن ذلك...

فالذي يذهب إلى تحريم زيارة قبر المصطفى عليه الصلاة والسلام اعتمادا على حديث: ( لا تـُـشـَــد الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد... ) لا يفقه شيئا ً عن المنطوق والمفهوم فضلا ً عن التفوق في ذلك!!!

وكذلك جميع مسائله التي خرق فيها الإجماع سواء في الفروع أو في الأصول...

أمَّــا إن كان المعنيّ بتقد مـــه في المنطوق والمفهوم العلوم العـقــلية والحكمية... فهذا الزعم لا يستحق منا التعليق أصلا ً...

ولا يخفى الحال على مَــن يعــلـَــم حال الحراني وعصره وجعــل معاصريه له أضحوكة كعلاء الدين الباجي وصفي الدين الهندي وغيرهما...


( 11 ) ــ قال الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري )3/ 66: ( هي مِــن أبشع المسائل ــ أي قوله بعَــدَ م جواز شــَــد الرِّحال إلى زيـــارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـــ المنقــُــوله عن ابن تيميه ) اهـ .

وقال العلامة عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى في كتابه ( إبراز الغي من شفاء العي ) ص95: ( مسألة زيـــارة خير الأ نــــــام كلام ابن تيمية فيها مِـــن أفــَــاحِـــش الكلام فإنــَّــه:

ـ يُـحــــرِّم السَّــفـــر لزيـــــارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويجعله سفــَـر مَـعـصـيَــة!!!

ـ ويُـحـــرِّم نــَـفـــس زيـــــارة القــبــر النــَّــبـــوي أيضا ً !!!

ـ ويجعــلها غــيــر مَـقــــد ُورة وغــيــر مَــشـــرُوعـــة ومُـمـتــنـِــعــَــة!!!

ـ ويحكــُـمُ على الأحاديث الواردة في الترغــيب إليها أن كـُـلها مَوضُــوعـَــة!!! مع حُسن بعضها.

ولعــمــري عـِــلمُ ابن تيمية أكـــثــَــر مِــن عـقــلـــه ونـَــظــَــره أكــبــــر مِــن فـــَـهــمــه وقـــد شـــَــدَّ دَ عليه بسبب كــلامـــه في هــــذه المسألة عــلــمـــاء عصره بالنــَّــكـِــيـــر وأوجـَـبـُــوا عليه التــَّــعــزيــــر...

وبالجُـــمــلــــة : فكــلامُــه في مسألة الزيـــارة ليس مِـمَّــا يقـبله المُحـقــِّــقــُـون إلا َّ مَــن أ ُ شــرِبَ شـــراب حُـــبِّ ابن تيمية، وهو خـــارج عن مخــاطبــــات أربــــاب القــرائـــح السَّــلـيمـــة... فــإلى الله المُـشــتــَــكــَـى وإليه المُـتـضرَّع والمُـلـتــجــَــى مِـــن أمثـــال هذه الأ قــــوال التي تـقـشـعــِــرُّ منهــا جُـلـــودُ مَــــن يخشـــَــى ذا الجـــــلال ) انتهى كلام اللكنوي .


( 12 ) ــ مَــن الذي قال ذ لــك مِــن أصحابه أو صرَّح به ؟!!

ثم دعـنــــا مِــن فهم هؤلاء، أوليسِ خـيــر مًـعــبـِّـــــر عـــن آراء الحراني مَــا خطــَّـــتـــه أصابعــه ؟

وقــد نقــلـنـــا سابقـــا ً ـــ ونـنـقـــلُ لاحـِـقــــا ً إن شــاء الله ـــ نصوصَـه التي يُـصرِّح فيها بكــَــون أصل الزيــــارة: غـيــر مَــشــروع، ومِــن البــِــدَع، ومَـنهـيــــا ً عنها... إلى آخر مـــزاعــمه وهـــرائــــه، ونقـــل ذلك عنه ابن عبد الهادي في (الصَّــارم المنكي) وكـــله موجُــود بكـُــتــبه التي بـيــن أيدينا: (الرد على الأخنائي)، (الجواب الباهر) ومنسكيه القديم والجديد بـ(مجموع فتاواه).

فهذا السَّــبــيـــل: لا يُجدي في الد فـــــاع عن هــذا الزائــــــغ .


( 13 ) ــ كنت قد عـَـلــَّــقــتُ في الهـــامش السَّــابق عــلى كلام المؤلــِّـــف رحمه الله تعالى قبل مُراجعة (إرشاد الساري)، ثم لمَّـــا راجعــتــُــه تجلــّى لي أمـــرٌ لا بـــد مِـن بـــيـــانــــه فأقــُـــول :

أشيرُ هنا إلى وهــم ٍ وقع فيه المؤلــِّـــف رحمه الله تعالى، وقد أ ُشـــيـــرَ إليه في هامش ( إرشاد الساري )، لكـــن نذ كــُــــر أولا ً قول القسطلاني الذي تـفـكــَّـــكَ معناه ومَبنـَـاه نتيجة تحريف ٍ نراه مُـتـعــمَّــــد مِــن المَـفـتـُــونـين بذاك الحـــراني للدفاع عنه بطريق ميئـُــوس ٍ منها ومَـفضـُــوحَــــة !!!

وهو حذف كلام كثير من قول القسطلاني ليصلَ إلى نتيجة يراها لصالحه، وهي أن ابن تيمية عند المحـقــِّــقـــين مِــن أصحابه وعند نفسه لا يُــنــكـــِــــر أصل الزيـــارة بل ( كــره لفظ الزيــارة تــأد ُّبـــــا ً ) وخـَــفِــــيَ على ذاك الحــاذ ف ما يلي :

أولا ً: أن ابن تيمية لم يدَّع ذلك لنفسه ( أي مجرَّد كراهة الـلــَّـــفــظ )، ولا ادَّعاها المفتونون به والمنتصرون له ابن عبد الهادي وبقية الأ ذ نـــاب والأ ذ يــــــال...

ثانيا ً : تفكــُّـــك المعنى وعدم ترابطه، ومخالفة واقع حال أصحاب ابن تيمية وأذ نـــابه ابن القيم وابن عبد الهادي ... فهم لا يعتبرون أصل الزيارة ( من أفضل الأعمال وأجل القرَب وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع ) ومن يراجع كتابات ابن تيمية (الجواب الباهر)، (الرد على الأخنائي) (مجموع الفتاوى)ج27 و28 ومن يراجع (الصارم المنكي) لذ يــلــــه ابن عبد الهادي يجدهما يطعنان في الإجماع على مشروعية الزيارة ويعتبرانها من البدَع ومنهي عنها وغير مشروعة ولا مقدورة كما مرَّ نقــل بعض ذلك . وسوف نــُـــفــرِد لبيان هذا الأمر مؤلفا ً إن شاء الله تعالى .

ثالثا ً : كما نسي مَـــن تولـــَّى الحذف من نسخة القسطلاني أنه سوف يُـلاحَـــظ أيضا ً ما اقترفته يداه من خلال مراجعة ومقارنة كلام القسطلاني المفكـَّـــك مع أصله الذي يُــكـثــــِر من الاعتماد عليه والنقــل عنه وهو ( فتح الباري ) للحافظ ابن حجر العسقلاني .

قلتُ: نذ كــر أولا ً قول القسطلاني، ثم نذ كـــر ثانيا ً ما جاء بالهامش، وبعد ذلك ننقـل كلام الأصل الذي نقل عنه العلامة القسطلاني هو ما بـ( فتح الباري ) لابن حجر العسقلاني لتـظهر جلية الأمر لمَــن يهتم بذلك...

قال القسطلاني: ( قول ابن تيمية حيث منع من زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من أبشع المسائل المنقولة عنه، وقد أجاب عنه المحقــِّـــقون من أصحابه بأنه كره الـلـَّــفظ أد ً لا أصل الزيارة فإنها مِن أفضل الأعمال وأجل القــُــُرَب المُوصلة إلى ذي الجلال، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع ) اهـ .

وجاء في الهامش ما يلي: ( قوله: ( وقد أجاب عنه... )الخ كذا في النسخ، والظاهر من كلامه أن الضمير في قوله: ( من أصحابه ) يعود على ابن تيمية، وليس كذلك، بل هو عائد على مالك في عبارة أصله ( فتح الباري ) ولفظها: ( ومِـن جملة ما استدلَّ يه على دفع ما ادَّعـــاه غيره من الإجماع على مشروعية زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ما نــُــقــِــــل عن مالك أنه كــره أن يقول: زرتُ قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأجاب عنه المحقــِّـــقون من أصحابه أنه كره اللفظ أدبا ً ... ) الخ وبه يُـعـلـَــــم ما هنا من السَّــقــط فتأمـَّــــل انتهى ملخـَّـصا ً مِن هامش بعض النــُّـسَـــخ ) اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ( فتح الباري )3/66: ( قال الكرماني: وقع في هذه المسأله في عصرنا في البلاد الشامية مناظرات كثيرة وصنـِّــف فيها رسائل من الطرفين. قلتُ: يشير إلى ما رد به الشيخ تـقي الدين السبكي وغيره على الشيخ تـقي الدين بن تيمية، وما انتصر به الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي وغيره لابن تيمية، وهي مشهورة في بلادنا.

والحاصل: أنهم ألزموا بن تيمية بتحريم شــَــد الرَّحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكرنا صورة ذلك، وفي شرح ذلك من الطرفين طولٌ. وهي مِــن أبشـــَــع المسائل المنقـــُــولة عن بن تيمية، ومِــن جملة ما استدلَّ به على دفع ما ادعـــاه غيره من الإجماع على مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ما نـُـقــِــلَ عن مالك أنه كره أن يقول: زرتُ قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقد أجاب عنه المحقـــِّــقون من أصحابه بأنه كره اللفظ أدبا ً لا أصل الزيارة فإنها من أفضل الأعمال وأجل القــربات الموصلة إلى ذي الجلال، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع والله الهادي إلى الصَّواب ) اهـ قول الحافظ ابن حجر العسقلاني .


( 14 ) ــ (الأم) للإمام الشافعي2/256 دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت.


( 15 ) ــ (إرشاد الساري) للقسطلاني2/348.

حسين عبد الرحمن الشعفي
25-03-2006, 22:00
الهوامش المتعلقة : حُــكـــم التوسـُّـل بالصَّـــالحين وعبـــاد الله المكــرَّمين.
فصل:
في حُــكم التوسُّــل بالصَّــالحين وعباد الله المكــرَّمين.
وفي كرامات الأولياء أحياء وأمواتا ً.
[ كرامات الأولياء ] :



( 1 ) ــ هو محمد بن عبد الله بن الحسين نصير الد يــــن أبو عبد الله يُـعــــرف بابن سنينة الحنبلي ولد سنة535هـ ــ وتوفي سنة 616هـ .

وصفه ابن بد ران الحنبلي: ( بمجتهد المذهب ) المدخل ص217.

من مؤلفـاته : (المستوعـب)، (الفروق)، (بستـان الفرائض). راجـع: (الذيـل)2/121-122، (المقصد) ص274، (السير)22/144-145 .


( 2 ) ــ هو كتاب (التلخيص في الفقه) للحافظ العلامة أبي الفرج عبد الرحمان ابن الجوزي الحنبلي توفي سنة597هـ .

راجع (الذيـل)1/399-433، (المختصر) ص42-48، (السير)21/365-384.


( 3 ) ــ قوله: ( لا بأس بالتوسُّــل...) الخ: هذا ما عليه الحنابلة والشافعية والمالكية، والمشهور عن أبي حنيفة المَــنــع حيث يقول: ( لا ينبغي لأحد أن يدعـــو الله إلا به ) واختار هذا المذهب شيخ الإسلام ابن تيمية. ( من تعليق اللبدي)اهـ . وهذا من اللــِّبدي تلبيس وتدليس ، نبينه فيما بعد ُ.


( 4 ) ــ (كشـاف القنـاع) للبهوتي2/682-683، (معـونة أولي النهى شرح المنتهى) للفتوحي2/359-360، (مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى) للرحيباني1/817، (حاشية منتهى الإرادات) لعثمان النجدي الحنبلي ـ هامش (منتهى الإرادات) ـ1/377، (المبـدع) لابن مفلـح2/204.


( 5 ) ــ (نيل المآرب بشرح دليل الطالب) لعبد القادر بن عمر الشيباني الحنبلي1/73 طبعة محمد علي صبيح وأولاده بميدان الأزهر بمصر سنة1374هـ - 1954م، (المبـدع) لابن مفلـح2/204، (معونة أولي النهى شرح المنتهى) للفتوحي2/360، (مطالب أولي النهى) للرحيباني1/816-817، (التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح) للشويكي1/369 (مختصر الإفادات) لبدر الدين بن بلبـان الحنبلي ص166، (المستوعب) للسـامري الحنبلي3/88، (منتهى الإرادات) للفتوحي1/377، (الإنصاف) للمرداوي2/319، (الفروع) لابن مفلح2/127، (المغني) لابن قدامة2/295، (الشرح الكبير) لأبي الفرج المقدسي2/295.


( 6 ) ــ (لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية) للسفاريني2/397.


( 7 ) ــ قال الكلاباذي في (التعرف):

( أجمعوا على إثبات كرامات الأولياء... وقد جاءت بها الأخبار وصحَّـت الروايات، ونطق بها التنزيل من قصة الذي عنده علم من الكتاب في قوله تعالى: { أنا آتيك به قبل أن يرتدَّ إليك طرفك } (النمل40)، وقصة مريم حين قال لها زكريا: { أنَّى لك هذا؟ قالت هو من عند الله } (آل عمران37)، وقصَّة الرجلين الذين كانا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم خرجا فأضاء لهما سوطاهما، وغير ذلك وجواز ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغير عصره واحد، وذلك أنه إذا كانت في عصر النبي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على معنى التصديق، لكان في غير عصره على معنى التصديق، وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر بن الخطاب حين نادى سارية قال: يا سارية بن حصن الجبل الجبل، وعمر بالمدينة على المنبر وسارية في وجه العــــد و على مسيرة شهر، والأخبار في هذا كثيرة وافرة ) اهـ .

قال الإمام النووي في ( بستان العارفين ): ( اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات كرامات الأولياء وأنها واقعة موجودة مستمرة في الأعصار، ويدل عليها دلا ئــــل العــقول وصرائح النقول، أما دلائل العقـل فهي أمر يمكن حدوثه ولا يؤدي وقوعه إلى رفع أصل من أصُول الدين فيجب وصف الله تعالى بالقدرة عليه، وما كان مقدورا ً كان جائز الوقوع، وأما النقول فآيات في القرآن العظيم وأحاديث مستفيضة ) اهـ .

وقال سعد الدين التفتازاني في ( شرح العقائد النسفية ) ـ ممزوجا ً بالمتن ـ : ( وكرامات الأولياء حق والدليل على حقية الكرامة: ما تواتر عن كثير من الصحابة ومَـن بعــدهم بحيث لا يمكن إنكاره خصوصا ً الأمر المشترك وإن كانت التفاصيل آحادا ً.

وأيضا ً الكتاب ناطق بظهورها من مريم ومن صاحب سليمان عليه السلام، وبعد ثبوت الوقوع لا حاجة إلى إثبات الجواز ) اهـ .


( 8 ) ــ وهذا الاستثناء:

*** لا دخل ولا فائدة منه هنا.

*** ثم هو مخالف لمذهب أحمد بن حنبل ولفقهاء الحنابلة كما مرَّ في المتن وفي الهوامش.

*** بل هو مخالف للمذاهب الإسلامية كلها الأربع المتبعة وغيرها كالجعفرية والزيدية والإباضية بل للمذاهب المنقرضة أيضا ً ...

أي باختصار: هو مخالف لما أجمعــت عليه الأمة وخرق للإجماع .


( 9 ) ــ هذا كلام عــــريٌّ عن الصَّواب، وجهـلٌ بمعــنى ( العبادة ) و ( الدعاء ) !!!

وذلك أنه إن أريد بدعاء غير الله تعالى والاستغاثة به: إسناد الأمر إلى المخلوق على أنه الفاعــل المختار الذي تنتهي إليه المنافع والمضار: فذ لـــك قطعـــا ً من أقـــوال الكـفــَّـــار، والمسلمُـون بجُملتهم براء مِـــن هذه المقـــالة ومِـــن قـــائـلــهـــا.

وما أظنُّ أنَّ أحــــداً ممَّن في بلاد المسلمين يــرى هــذا الرَّأي ولا سُــمِــع مِـن أحَــدٍ إلى يومنا هـــذا.

وإن أ ُريـــدَ : أن المَـدعُــــوَّ والمُستغــــاثُ بــهِ لـــهُ اختيــــار وتصـــرُّف في أمــــر الله فيحكــُـــمُ على الله : فهــــذا أشـــدّ كـُــفـــــرا ً مِــــن الأوَّل.

وكـَـــون الدعــاء: ( عـبــادة ) إنما يجـــــري في قـِـــسم ٍ منهُ، وهو: الطـَّـــلـَـبُ مِــن الخالق المُــدَ بـِّــر الذي جـــلَّ عن الأ شــبـــاه والنظــــائــــر.

ولو جُـعِـــــلَ كـُــل دعــــاء ( عــبـــادة ) لـَــلـَــزمَ أنَّ دعــــاء زيـــدٍ لإ صــلاح بعض الأمـــور أو دَ فــــع بعض المحــذ ُور وطـَـلـَــب الأ فـعــــال كـــلها: مِـــن قـَــبـِـــيـــل الكــُــفــــر !!!!!

فالسَّـــائلون والأزواج والعـبـيــد والخـــدَّام في طـلـب المأكـــل والملابس على زعــمه: مَربُوبُون!!!! ومُـقــَـابــِـلـُــوهُــم أربـــــابٌ !!!!!! فيكون ذ لـــك مُـكــــفــِّـــرا ً !!!

وبَــيَــــانـُـــهُ : أن لفظ (الدعــــاء) لا يُــــراد به المعــنى اللـُّــغـَـوي، وإلا َّ لـَـكـَــفـَـرَ جـمِـيعُ الخــَــلــــق !!!!

فــالمُـــــرادُ: ( دعـــــاءُ العُــبـــود يــــة والمَـربُـوبــيــَّــة ) كـَـمَـن دعــَـا الأ صـنـــام أو الصَّــالحيـن مـَــعَ اعــتــقــــــاد رُبــُـوبــِــيــَّــــتـــهــم وقــَـصــده عُـــبـُــود يَّــتــهـــم مُــكــتــَــفــِــيــن بهـــا عــــن عبـــــادة الله ، أو مُـشــركــِـــيــن أولــئــك مَـعَ الله لِـقــَــصد وُصُــول النــَّــفـــع منهم لا مِـــنَ الله .

وهــــذا : لا َ يــُــوجـَــدُ مُــوَحــِّـــد ولا َ مُـســلـِــم يَـعـتــقـــدُهُ ، والحـمــدُ لله تعالى.

مصطفى حمدو عليان
05-01-2012, 19:58
للتذكير.....................ز..................... ...........

مصطفى حمدو عليان
05-01-2012, 20:13
أما التوسُّــل بالصَّــالحين:


فقد قـال البهوتي في (شرح الإقنـاع): ( قال السامري ( 1 ) وصاحب (التلخيص) ( 2 ) لا بأس بالتوسُّــل ( 3 ) في الاستسقاء بالشيوخ والعلماء المُـتــقــيــن، وقال الحافظ ابن الجوزي: يجوز أن يستشـفـع إلى الله تعالى برجــل صالح، وقـيـل يُـسـتـحَـــبُّ. وقال الإمام أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي: أنه يـتـوسَّـــل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه. قال الإمام إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف ــ الكرخي ــ التريـــاق المُجــــرَّب ) ( 4 ) .


وقال العلا َّمة الكرمي في (دليل الطالب): ( ويُـبـَـاحُ التوسُّــل بالصَّـــالحين )، قال شارحه : ( قد استسقى عمر بالعباس رضي الله عنهما، واستسقى معاوية بيزيد بن الأسود ). وقال في (المبدع): ( يُـسـتـحَــبُّ الاستسقــاء بمَــن ظهــر صلاحه، لأنه أقــرب للإجــابة ) ( 5 ) انتهى