المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نجاةُ أهل الفترة .. قراءةٌ أخرى



هاني علي الرضا
13-03-2006, 13:45
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله ومن والاه

وبعد ..

فهذه كلماتٌ كتبتها على عجل أعرض فيها رؤية أخرى لمسألة نجاة أهل الفترة المقطوع بها عند جمهور السادة الأشاعرة ، وأنا إذ أعرضها فإني أرجو بذلك التصحيح والتوجيه ممن يفتح الله عليه ممن هم أعلم منّي وأحكم .


أقول ابتداءً أنّ المسألة مُشكلةٌ بعض الشيء .. بالنسبة للعبد الضعيف على الأقل ، وقد تباحثتُ فيها كثيراً مع مشايخي فما خرجت منهم بإجابةٍ شافية وغاية ما يوجهونَ العبدَ إليه التزامَ النصوصِ وما وردَ في المتون .

والمتون والنصوص محلُّ احترامي وتقديري غيرَ أن الحقَّ أحب إليّ منها .

وبعد النظر المستمر والتباحث والسؤال توصلتُ إلى أن الحقّ في المسألة هو التوقف في شأن أهل الفترة مجموعهم وآحادهم على السواءِ ، فلا يُحكم عليهم بنجاةٍ ولا هلاك إلاَّ منْ دلَّ الدليلُ على نجاته أو هلاكِه !!

وأفصّلُ هذا فأقول :

القول بنجاةِ أهل الفترة هو ما عليه جمهور السادة الأشعرية ، وعمدتُهم في ذلك قول الحق سبحانه : { وما كنَّا معذبينَ حتى نبعثَ رسولاً } . يقول الشيخُ العلامة " ابن الامير المالكيّ الأزهري " في حاشيتُه على شرح " عبدالسلام اللقّاني المالكي " على ( جوهرة ) والده ما نصّه :

[ والحقّ أنّ أهل الفترةِ ناجونَ ، وأطلق الأئمةُ ( ولو بدلوا وغيّروا وعبدوا الأصنام ) كما في حاشية " الملوي " ، وما ورد في بعضهم من العذاب : إمّا أنّه آحاد لا يعارض القطع ، أو أنّه لمعنى يَخصُّ ذلك البعض يعلمه الله تعالى .

إذا كان هذا في أهل الفترة عموماً فأولى نجاةُ والديه صلى الله عليه وسلّم ، فإنّه لا يحلُّ إلا في شريفٍ عند الله تعالى ، والشرف لا يجامع كفراً . قال المحققون : ليس له أب كافرٌ ، وأمّا "آزر" فكان عمَّ إبراهيم فدعاه بالأبِ على عادةِ العرب أو أبوهُ فيكون جداً للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يسجد للصنم بل كان يصنعه لقومه فلمّا أعان على عبادته أسندها له وقال { لمَ تعبدُ } .

وما في الفقه الأعظم لأبي حنيفة إنهما ماتا على الكفر فإمّا مدسوس عليه بل نُوزعَ في نسبة الكتاب من أصله له ، أو يُؤول بأنهما ماتا في زمن الكفر بمعنى الجاهلية وإن كانوا ناجين ، وغلط " ملاّ علي " يغفر الله له ، ومن العجائب ما نسب له مع ذلك من إيمان فرعون اغتراراً بالظواهر في ذلك ، ويرحم الله " البوصيري " حيث يقول :

لم تزلْ في ضمائرِ الكون تُختا ** رُ لك الأمهاتُ والآباءُ

وما ورد من نهيه عن استغفاره لهما أو نحو ذلك فمحمول على أنه قبل إخباره بحالهما أو لئلا يقتدي به أولاد من مضى من الكفار الإسرائيليين ونحوهم على أنه قيل : أحياهما الله تعالى له زيادة في الفضل وآمنا به ، أنشد " الغيطي " في المولد للحافظ " الشمس بن ناصر الدين الدمشقي " :

حبا الله النبي مزيدَ فضلٍ ** على فضلٍ وكان به رؤوفاً
فأحيا أمه وكذا أباه ** لإيمان به فضلاً منيفاً
فسلّم بالقديم بذا قديرٌ ** وإن كان الحديث به ضعيفاً ] انتهى
حاشية " ابن الأمير المالكي " على اتحاف المريد صـ 59 من طـ الكتب العلمية .

هذا هو موقف جمهور الأشاعرة في المسألة لخصه " ابن الأمير " في كلامه المنقول أعلاه . على أنّ في كلامه مواطن ضعف لا يتسع المجال للتفصيل فيها وردها هنا وإن كنا نشيرُ إليها إشارة :

فمن ذلك توجيهه لما ثبت في القرآن من كفرِ " آزرَ " وتأويل ذلك بأنّه إنما كان يصنع الأصنامَ ويبيعها دون أن يعبدها ، وهو عذرٌ لا يغني من الحق شيئا إذ كيف يصنع موحداً أصناماً ويتربّح من ذلك وهل يرضى بالكفر إلا كافر !! هذا بالإضافة إلى ما في تكلّفه من رد لصريح القرآن في قول الله تعالى حكاية عنه في قوله لإبنه إبراهيم : { قال أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم ، لئن لم تنته لأرجمنّكَ واهجرني مليّاً } ، وقوله : { قالَ لأبيهِ يا أبتِ لمَ تعبدُ ما لا يسمعُ ولا يبصرُ ولا يغنّي عنكَ شيئاً } ، وكذا ما انتهجه في نفي أبوة "آزر" لـ "إبراهيم" ومحاولة الميل عن ظاهرِ النص ، فما أتى به العلامة المقدّم " ابن الأمير " رحمه الله – على فرط ذكاءِه وكمالِ تحقيقِهِ - فيه من التكلّف والتجشم ما فيه وهو مسلك جدّ ضعيف في رأيي المتواضع ، إذ لا يستقيم ترك ظاهر النص وتأويله إلا بوجود قرينة صارفة قوية وما ثمّ قرينة هنا إذ أنه غيرُ مستحيلٍ لا شرعاً ولا عقلاً أن تكونَ أصول نبيٍّ أو فروعه على الكفرِ بلْ هو واقعٌ بنص القرآن .

فهذا هو رأيُّ الجمهور ومسلكهم في اثباته قد عرفته ، وعمدتهم في ذلك قول الله سبحانه وتعالى : { وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً } ، وأُوردَ على دليلهم أنه قد صحت الآثارُ عن النبي صلى الله عليه وسلم بتعذيب بعض أهل الفترة ودخولهم النار فلا يطّردُ الحكم المزعوم لهم بالنجاة في جميع آحادهم ، فمن المعذبين :

- " امرؤ القيس " الشاعر الجاهلي المعروف صاحب المعلقة الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسب ما في مسند أحمد من حديث أبي هريرة : ( امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار ) .
- و " حاتم الطائي " الذي سأل ابنه " عدي بن حاتم " رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال : ( قلت يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا !؟ قال : إن أباك أراد شيئاً فأدركه ) مسند الإمام أحمد
- و"ابن جدعان" فيما روته السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله : ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فعل ذلك نافعه ؟ قال : لا ينفعه ، إنه لم يقل يوماً ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) صحيح مسلم
- وسألَ صحابيٌّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال : أين أبي ؟ فقال : ( في النار ) صحيح مسلم .
- ومنهم بالطبع " عمرو بن لحي الخزاعي " محل السؤال في هذا الموضع .

فهؤلاء ورد النص بتعذيبهم رغم كونهم من أهل الفترة على غير المستقر عند السادة الأشاعرة ، ودعوى الاختصاص جدُّ ضعيفة إذ لمَ يقع التكليف على حاتم الطائي أو امرؤ القيس ويرتفع عن غيرهما إن سلمنّا أن عمرو بن لحي كانت جريمته على قدر من العظم لا تغتفر وأنّه إنما ضل على علم ، وفي ادعاء الاختصاص تحكم لا يقوم على علمية ولا دليل .
ولا يخفى مافي هذا الإيراد من قوة وحجة .

فأجاب الجمهور على هذا الإعتراض بأن هذه الأحاديث أحاديثَ آحادٍ وهي لا تعارضُ القطعيَّ الذي هو قوله تعالى : { وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً } ، وبأنّه يجوز أن يكون تعذيبُ من صحَّ تعذيبه منهم لأمرٍ يختصُّ به يعلمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ( راجع شرح البيجوري على الجوهرة وكذا حاشية ابن الأمير على شرح عبدالسلام ) .

هكذا قالوا وهكذا أجابوا ، غير أنّ الناظر المدقق يجد أن الأمر لا يتم لهم :

فابتداءً : الزعمُ بأنّ آية { وما كنّا معذبين حتى نبعثَ رسولاً } هي نص قطعي في المسألة فيه من التجوّز ما فيه ولا نُسلّم لهم بقطعية الدلالة المزعومة هذه ، فالآية ليست نصاً في المسألة بل هي ظاهرٌ فقط والظاهرُ لا يفيد إلا الظنّ ، ودلالة الآية ليست قطعية بدليل وقوع التنازع في معناها والمراد بها ولو كانت قطعية ما نُوزع فيها ، فمثلا نجدُ أن الإمام الطبري يرى أن هذه الآية تدل على عدم إهلاكِ الكافرين في الدنيا بعذابٍ يعمُّ إلا من بعدِ إرسال الرسل لا في الآخرة ، يقول الإمام الطبري في تفسيره :

[وقوله: { وما كنّا معذبين حتى نبعثَ رسولاً } يقول تعالى ذكره:
وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَما كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبَعَثَ رَسُولاً: إن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبرا، ويأتيه من الله بيِّنة، وليس معذّبا أحدا إلا بذنبه. ] تفسير الإمام الطبري .

فمجرد تفسير الإمام الطبري لهذه الآية تبعا لقتادة وغيره بأنها إنّما تعني عدم الإهلاكِ - والإهلاك يكون في الدنيا لا في الآخرة كما هو ظاهر العبارة - يخرجُها تماماً من محلِّ النزاع الذي هو التعذيب في الآخرة من عدمه ، ومجرد وجود تفسيرٍ وفهم للدلالة مغايرٌ لما يَتوهمُ الجمهور فيها من دلالة يُخرج دلالتها عنْ أن تكونَ قطعيةً ويضعها في خانة الظاهر فقط فلا تعدو أن تكون مجرد دليلٍ ظني ، والدليل الظني كما هو معلوم يعارض بالآحاد بل هي هنا تَرجُحُ عليه وتوجّهُ فهمه. .
بل ربما لا ترقى تلك الدلالةُ حتى لأن تكونَ ظاهراً في المسألة إذ ينصَّ الإمامُ القرطبي المالكي في تفسيره على أن جمهورَ المفسرين على فهمِ هذه الآية بخلافِ فهم جمهور الأشعرية لها ، فيقول :

[ والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا؛ أي أن الله لا يهلكُ أمة بعذابٍ إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار. وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: { كلما ألقي فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألمْ يأتِكم نذير قالوا بلى قد جآءنا } . ] تفسير القرطبي .

فبحسب الإمام القرطبي المالكي – وهو من هو في التفسير – فإن الجمهور على أن التعذيب المذكور والذي لا يكون إلا بعد بعثة رسول حسب الآية إنما هو في الدنيا لا في الآخرة ، وأنه إنما قالت أنَّ ذلك عامٌ في الدنيا والآخرة فرقةٌ شذت عن قول الجمهور ، وبهذا تخرج دلالة الآية عن الظنية إلى المرجوحية وبذا لا تقوم البتة كحجةٍ قطعية يهملُ لأجلها ما صح من آحاد في عدم نجاة بعض أهل الفترة أو حتى محاولة جعل تلك الآحاد دالة على حالات مخصوصة شاذة تخالف القاعدة المطردة في نجاة اهل الفترة كما يُزعم !!

وقد سار على هذا الشيخ المفسر المحقق ابن عاشور في تفسيره فقال :

[ { وما كنّا معذبين حتى نبعثَ رسولاً } :
عطفٌ على آية { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } الآية.
وهذا استقصاء في الإعذار لأهل الضلال زيادة على نفي مؤاخذتهم بأجرام غيرهم، ولهذا اقتصر على قوله: { وما كنا معذبين } دون أن يقال ولا مثيبين. لأن المقام مقام إعذار وقطع حجة وليس مقام امتنان بالإرشاد.
والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها } [الإسراء: 16] الآية. ودلت على ذلك آيات كثيرة، قال الله تعالى:
{ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين } وقال: { فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون }

على أن معنى (حتى) يُؤذنُ بأن بعثة الرسول متصلة بالعذاب شأن الغاية، وهذا اتصالٌ عرفي بحسب ما تقتضيه البعثة من مدةٍ للتبليغ والاستمرار على تكذيبهم الرسول والإمهال للمكذبين، ولذلك يظهر أن يكون العذاب هنا عذاب الدنيا وكما يقتضيه الانتقال إلى الآية بعدها. ] انتهى من تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور رحمه الله .

فإذا علمنا ما تقدّم وعلمنا ضعف الإستدلال بدلالة الآية المرجوحة تحقيقاً في وجه الأحاديث الصحيحة ، فإنّا نقول أنه على فرضِ التسليم بقطعية دلالة الآية المتوهمة – وهو فرض جدُّ بعيدٍ – فإنَّ هذه الآية تعارض نصا صريحا قاطعاً هو أقوى منها في الدلالة وأبين منها في التصريح والوضوح وهو قول الحق سبحانه : { إنَّ الله لا يغفرُ أنْ يُشركَ به ويغفرُ ما دونَ ذلك لمنْ يشاءُ } !!

فجملة ( لا يغفر أن يشرك به ) تفيد العموم لما أن الفعل المتعدي في سياق النفي يفيد العموم كما نص عليه " ابن الحاجب " في مختصره ووافقه عليه شارحه " العضد الإيجي " رحمهما الله ، فهي عامة في عدم مغفرة الشرك في كل أحد وفي كل زمان ومكان كائنا من كان من صدر عنه ذلك الشرك !!
وهذه الآية من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة كما قال الإمام القرطبي في تفسيره ، فعُلم أنه لا يجوز تخصيصها إلا بمخصص بيّن قويُ في دلالته !!

فإن قال القائلون بنجاة أهل الفترة أنَّ عمومَ الآية مُخَصَصٌ بخصوص من لم يُبعث إليهم رسول أي أهل الفترة المستثنون بآية { وما كنَا معذبين حتى نبعث رسولاً } فيكون التقدير : أن الله لا يغفر الشرك مطلقا إلا لمن لم يبعث إليه رسول فيغفره له ، أو أنَّ الله يَغفرُ شركَ من لم يُرسل إليه ولا يغفرُ شركَ من أُرسل إليه!!

قلنا لهم : هذا تخصيص بمنفصلٍ ، والتخصيصُ بالمنفصل إما أنّ يكون بالعقل أو بالحس أو بالسمع ، وما زعمتموه من النوع الأخير أي هو تخصيصٌ بالسمع ، وتحديداً هو تخصيصٌ للكتابِ بالكتابِ ، غير أنَّهُ لا يَجوز في حالتنا هذه على مذهبِ جمعٍ لهم اعتبارهم ووزنهم لِمَا أنّ آية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } مدنية وهي متأخرةٌ في النزول عن آية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } المكيّة النزول ، وبهذا لا يجوز تخصيص عموم { إن الله لا يغفر أن يشرك به } بآية { وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولاً } عند بعض الأئمة ، وسبب ذلك أنّ المختار عند الإمام أبي حنيفة النعمان والإمام الجويني والإمام الباقلاّني أنّ جواز تخصيص الكتاب بالكتاب إنما هو بشرط أن تكون الآية المُخصِصة ( بالكسر ) متأخرة في النزول عن الآية المُخصَصة ( بالفتح ) وهو مفقود هنا فلا يصح ، يقول " العضد الإيجي " رحمه الله في شرحه لمختصر " ابن الحاجب " :

[ تخصيص الكتاب بالكتاب جائزٌ ..... وفصّل أبو حنيفة والقاضي وإمام الحرمين فقالوا : إن عُلم التاريخ فالخاص إن كان متأخراً خصص العام .
وإن كان متقدماً فلا ، بل كان العام ناسخاً للخاص .
وإن جُهل التاريخ تساقطا لاحتمال بطلان حكم الخاص لتأخّر العام وثبوت حكمه لتقدمه فيتوقف في مورد الخاص ويطلب فيه دليل آخر ] انتهى من شرح العضد على مختصر المنتهى بحاشية التفتازاني (2/148 ) طـ مكتبة الكليات الأزهرية .

فهو ما لا يتمُّ على مذهب هؤلاء الأكابر فلا يُسلّمُ لهم في دعوى القطع !!

ثم على فرض التسليم لهم في أن التخصيص لا يشترط فيه ما سبق على ما هو قولُ "ابن الحاجب" وآخرين ، فإنّا نقول أن التخصيص إنما يكون عند تواردِ العام والخاص على محلٍّ واحدٍ وتعارضهما فيُصارُ إلى التخصيص للجمع بين النصوص مقدماً على دعوى النسخِ ، ولكن ههنا تَواردا على غير ذاتِ المحل فلا تقوم دعوى التخصيص لِمَا أنَّ آية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } إنما هي في حكم الدنيا على ما هو تفسير الجمهور الراجح المحكي من قبل القرطبي ، وآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } في حكمِ الآخرة فاختلف المحلان فسقط فرضُ التخصيص ولا يصحِّ إلا بإثبات أن آية { وما كنا معذبين } تشمل الدنيا والآخرة وهو ما لا يمكن الجزم به ولا إثباته وغايته الظن المرجوح بسياق الآيات وتفسير الجمهور .


فإن عُلم كل ذلك خلصنا إلى أنَّ ثَمةَ تعارضٍ قوي بين الآيتين ، ولا بد من التوفيق بينهما .

وقد يُصارُ إلى التوفيق بينهما بما ذهبَ إليه السادة الماتريدية من أنَّ آية { وما كنا معذبين } إنما هي في الإهلاك الدنيوي وأنّ كلّ مشركٍ مُعذَبٌ في نار جهنم لورود النص القاطع بذلك فلا يُحكم بنجاة أهل الفترة لكفرهم .

وقد يذهب من يعتمد هذا المسلك إلى الاستدلالِ أيضاً بالإشهاد المحكيّ عنه في عالم الذرِّ وأنه صريحٌ في أنه ما من أحدٍ معذور في الشرك بالله لقيام الميثاق الأول المأخوذ علينا في عالم الذرّ حجةً أولى علينا لقول الله تعالى : { وأشهدهم على أنفسهم ، أَلستُ بربِّكم قالوا بلى شهدنا أنْ تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين } ، مع قيام الميثاق الثاني المأخوذ علينا في عالمنا الحسي المشاهد حجة ثانية لأن كلّ أحد يعلم أنه كان طفلاً فغُذّي ورُبِّيَ، وأن له مدبراً وخالقاً فلا يعذر في الإشراك بالله مع قيام هذين الميثاقين حجّةً عليه ، وعلى هذا يكون الرسول المذكور في آية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } أي رسول العقل على ما ذكره الإمام الفخر الرازي قدّس الله سره في تفسيره إذ قال :

[ في الآية قولان: الأول: أن نجري الآية على ظاهرها. ونقول: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الأنبياء، فالعقل هو الرسول الأصلي، فكان معنى الآية وما كنا معذبين حتى نبعث رسول العقل ] آ.هـ تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي .

و يقول الفقيه " الطرطوشي المالكي " فيما ينقله عنه القرطبي في تفسيره : [إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة، كما يلزم الطلاقُ من شُهد عليه به وقد نَسِيَه ] .

والإمام النووي من السادة الأشاعرة يرى أن عبدة الأوثان من أهل الفترة ليسوا معذورين وأنهم قد قامت عليهم الحجة ببلوغ دعوة إبراهيم عليه السلام إليهم ، والحق أن قوله قوي فإن دين إبراهيم عليه السلام لم يندرس بالكلية وبقي من العرب أناس على الملة الحنيفية كما هو معلوم من السنة والسير ، ومجرد بقاء هؤلاء كاف في إقامة الحجة على الباقين ، يقول الإمام النووي :

[ وفيه - أي حديث أبي وآباك في النار - : أن من مات في الفترة، على ما كانت عليه العرب، من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة.
فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء -صلوات الله تعالى وسلامه عليهم-. ] شرح النووي على مسلم – شرح حديث ( إن أبي وأباك في النار ) باب : بيان أَن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة، ولا تنفعه قرابة المقربين .

فهذا مَسلكٌ في حلّ الإشكال ، غير أنه يُشكلُ عليه ما صحَّ في نجاةِ بعض أهل الفترة ممن ظاهرُ حالهم الموتُ على الشرك كوالديّ المصطفى صلى الله عليه وسلم مثلاً على ما هو الصحيح في المسألة خلافا للنووي والملا علي قاري رحمهما الله على ما بينه وحققه الإمام الرازي في " المطالب العالية " على ما أذكر وكذا الإمامين السخاوي في " المقاصد الحسنة " والسيوطي في " مسالك الحنفا " ، وما ورد من ذكر كفر أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونهيه عن الإستغفار محمول على أنه وقع قبل أن يحيهما الله له ليؤمنا به على ما هو مقرر في قدر الله سبحانه وواقع بقدرته عز وجل إذ وقع الإحياء متأخر في حجة الوداع كما في الحديث على ما قال به جمع من أهل العلم .

لوالدي طه مقام علي * في جنة الخلد ودار الثواب
فقطرة من فضلات له * في الجوف تنجي من أليم العقاب
فكيف أرحام له قد غدت * حاملة، تصلى بنار العذاب؟

ثمّ إنَّ تعيين النبي للبعضِ بالعذاب في الآخرة عند السؤال عنهم يشير أيضاً إلى أنَّ التعذيبَ غير مطّردٍ في كلِّ من مات على الكفر من أهل الفترة وإلا لأجابهم النبي بأنَّ كل أهل الفترة معذّبون ولَمَا كان لاستفسار الصحابة المتكرر معنى إنْ هم علموا ذلك منه عاماً شاملاً لكل أهل الفترة المشركين ، فدلّ على أن التعذيب محتملٌ وكذا النجاةُ لبعضهم الآخر أيضاً محتملةٌ ولذا كانوا يَسألون النبيَّ ليستبينوا مكان من يسألون عنه وفي أي الفريقين هو ، لذا تحتم المصيرُ إلى مسلكٍ آخر يكون هو أولى وأرضى ويطّردُ دون دعوى خصوص أو معارضةُ نصوص .


يتبع إن شاء الله

هاني علي الرضا
13-03-2006, 13:52
والمسلك الأصحُّ والأولى هو اعمالُ الآيتينِ معاُ سيراً على ظاهرهما :

فالآيةُ الأولى تفيد أنَّ الشركَ لا يُغفر وأنّه لا يجوز أن يُرحم كافرٌ شرعاً { إن الله لا يغفر أم يُشركَ به } وإن جاز ذلك عقلاً .
ولكن في ذات الوقت لا يجوز شرعاً – لا عقلاً - أن يعذب الله من كان في غفلةٍ لم يُبعث إليه رسولٌ نذيرٌ بشيرٌ ولا عرف حكما ولا أدرك شرعاً لقوله تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } ، ومثل هذا اللهُ أرحمُ من أن يعذبَه دون أنْ يمتحنه ويذكّرَه بالميثاق المأخوذِ عليه كما دل على ذلك الشرع .

وبالنظر إلى الحالتين نخلُصُ إلى أنه لا بدَّ من وجود نوعِ انذارٍ وامتحانٍ وإرسالٍ لهؤلاء الغافلين أهل الفترة – في برزخهم أو عند مبعثهم - قبل أن يُعذبوا جزاءَ شركهم وكفرهم ، وسواءٌ علمنا ذلك الامتحان والإرسال وكيفيته أو جهلناه فلا بدَّ من وجوده للجمع بين النصوص. فمن اجتاز ذلك الإمتحان وآمن بالرسول غفر الله له ، ومن أصر على الشرك فقد بعث الله إليه رسولاً واستحق العذاب لشركه .

فالحق أن القول بنجاة أهل الفترة كلهم هكذا فقط مع شركهم البيِّن الظاهر أمرٌ مستبعدٌ جداً شرعاً مع نصِّ الله على عدم مغفرته الشرك ، ولكن مع وجود نصِ عدم التعذيب ( إن سلمنا بالدلالة ) إلا بعدَ إرسالِ رسولٍ وجب الحمل على وجود نوعِ امتحانٍ ولا بدَّ عقلناه أو لا .

وهذا هو الموقف الصحيح في المسألة في نظري المتواضع ، بل هو ما تضافرت نصوص متعددةٌ على إثباته ، وهو ما سار عليه بعض أهل العلم .

وهذه بعض الشواهد أدناه :

عن الأسود بن سريع أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:
( أربعة يحتجّونَ يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً ورجل أحمق ورجل مات في فترة.
فأما الأصم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً. وأما الأحمق فيقول: يا رب لقد جاء الإسلام والصبيان يخذفوني بالبعر. وأما الهرم فيقول: يا رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً. وأما الذي مات في فترة فيقول: ما أتاني لك رسول.
فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه ، فيرسل عليهم أن ادخلوا النارَ ، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم برداً وسلاماً). مجمع الزوائد – كتاب القدر – باب فيمن لم تبلغه الدعوة ممن مات في فترة وغير ذلك .
قال الحافظ الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) :
[ رواه أحمد والبزار إلا أنه قال: ( يعرض على الله الأصم الذي لا يسمع شيئاً والأحمق والهرم ورجل مات في الفترة ) . رواه الطبراني بنحوه وذكر بعده إسناداً إلى أبي هريرة قالا: بمثل هذا الحديث غير أنه قال في آخره: ( فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها يسحب إليها).
هذا لفظ أحمد ورجاله في طريق الأسود بن سريع وأبي هريرة رجال الصحيح وكذلك رجال البزار فيهما. ]

والأحاديث غير هذا كثيرة ، وتتفاوت في الصحة ، غير أن الحافظ ابن حجر العسقلاني قال حاكماً :
[ وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة ، وحكى البيهقي في " كتاب الاعتقاد " أنه المذهب الصحيح، وتعقب بأن الآخرة ليست دار تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء، وأجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار، وأما في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك ] فتح الباري – كتاب الجنائز – باب ما قيل في أولاد المشركين .

والبيهقي في ( الإعتقاد ) يرجح أن أولاد المشركين يمتحنون في عرصات القيامة ويورد الحديث أعلاه وأيضا برواية أبي هريرة ويصححه . ( راجع كتاب الاعتقاد : صـ 278 طـ دار اليمامة بدمشق ) .

وقد ورد هذا المعنى عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا ، يقول الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره :

[ حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، عن أبي هريرة، قال:
إذا كان يوم القيامة، جمع الله تبارك وتعالى نسم الذين ماتوا في الفترة والمعتوه والأصمّ والأبكم والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا ، ثم أرسلَ رسولاً : أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم يأتنا رسول ؟ وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً ، ثم يُرسَل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قَبلُ .
قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم { وما كنّا معذبين حتى نبعثَ رسولاً } .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة نحوه. ] انتهىمن تفسير الطبري

وقوله ( فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل ) يعني من سبق في علم الله أنه إن أتاه رسول أطاعه في الدنيا فإنه يطيع رسول الله في الآخرة ومن لا فلا فيستحق العذاب.

وهذا على نحو ما أخرج أبو يعلى والبزار من طرق عن جرير بن عبدالحميد عن ليث بن أبي سليم عن عبد الوارث مولى أنس عن أنس رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( يؤتى يوم القيامة بمن مات في الفترة والشيخ الفاني والمعتوه والصغير الذي لا يعقل ، فيتكلمون بحجتهم وعذرهم ، فيأتي عنقٌ من النار فيقول لهم ربهم : إني كنت أرسلُ إلى الناس رسلاً من أنفسهم ، وإني رسول نفسي إليكم ، ادخلوا هذه النار !!
فأما من كَتَبَ عليه الشقاء فيقولون : ربنا منها فررنا ، وأما أهل السعادة فينطلقون حتى يدخلوها .
فيدخل هؤلاء الجنة ويدخل هؤلاء النار ، فيقول للذين كانوا لم يطيعوه : قد أمرتكم أن تدخلوا النار وقد عاينتموني فأنتم لرسلي كنتم أشدّ تكذيباً )
وعبدالوراث مولى أنس ضعفه الدارقطني ، وليث ضُعّفَ لاختلاطه ، ولكن للحديث شواهد عدة .

ورأيت الحافظ ابن حجر مال إلى هذا القول في الإصابة فقال :
[ورد من عدة طرق في حق الشيخ الهرم ومن مات في الفترة ومن ولد أكمه أعمى أصم ومن ولد مجنونا أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ ونحو ذلك وأن كلا منهم يدلي بحجة ويقول لو عقلت أو ذكرت لآمنت فترفع لهم نار ويقال لهم ادخلوها فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن امتنع أدخلها كرها هذا معنى ما ورد من ذلك وقد جمعت طرقه في جزء مفرد ونحن نرجو أن يدخل عبدالمطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعا فينجو ] الإصابة – ترجمة أبي طالب بن عبدالمطلب ( فيمن ذكر في كتب الصحابة غلطاً ) .


وقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره بعد أن اورد قرابة عشرة أحاديث في مسألة أهل الفترة وأطفال المشركين ، وكلامه في أطفال المشركين يصح في أهل الفترة كذلك ، قال :

[ومنهم من ذهب إلى أنَّهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات ، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف على الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخراً وانكشف علم الله به بسابق الشقاوة وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد.

وقد ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: ( وأحاديث هذا الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها، لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل ولا ابتلاء، فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين والله لا يكلف نفساً إلا وسعها ؟. )

(والجواب) عما قال أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها.

وأما قوله إن الدار الآخرة دار جزاء، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال وقد قال تعالى: { يَوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } .
وقد ثبتت في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأمَّا المنافق فلا يستطيع ذلك ويعود ظهره طبقاً واحداً كلما أراد السجود خرّ لقفاه.
وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مراراً ويقول الله تعالى: ياابن آدم ما أغدرك، ثم يأذن له في دخول الجنة.

وأما قوله: وكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم: فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي ومنهم من يحبو حبواً ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم.

وأيضاً فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه برداً وسلاماً، فهذا نظير ذاك، وأيضاً فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضاً حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفاً، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضاً شاق على النفوس جداً لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم. ] انتهى من تفسير ابن كثير .

وقد أجاد رحمه الله في رد وجواب إيرادات ابن عبدالبر المالكي رحمه الله .

ثم إن الاحتجاج بأن الآخرة ليست دار تكليف يُردُّ عليه بالإضافة لما ردّ به الحافظ ابن كثير أعلاه بأن يُقال : أن الأمر بدخول النار ليس أمر تكليف بل هو أمر جبر وقهر كما نقله ابن الأمير عن حاشية الملوي .

وبعد .. فهذا ما تيسر لي ذكره في هذه العجالة ، وقد توصلت بعد البحث والمباحثة مع من هم أعلم مني من المشايخ الفضلاء إلى أن الحق في المسألة التوقف في مصير أهل الفترة جميعهم وآحادهم فلا يحكم لهم أو لآحادهم بجنة أو نار إلا من ورد الشرع بنجاته أو هلاكه من آحادهم ، بل يُعلّق ذلك بالامتحان الذي يقع لهم في عرصات القيامة ، فمطيع موحدٌ صادقٌ ناجٍ ، وممتنع مشرك كاذب هالك ، جزاءً وفاقاً ولا يظلم ربك أحداً .

وبهذا يتم الجمع بين النصوص المختلفة فيما تيسر لي واطمئنّ له قلبي .


وهو بعد ليس إلا جهد الضعيف المقل وأعرضه راجياً التصويبَ ممن يفتح الله عليه ممن هو أعلم مني وأحكم .

والله الموفق .

محمد إسماعيل متشل
14-03-2006, 09:08
الأخ هاني:

هذا بحث قيم, نسأل الله ان يجزيك عليه, وان يدخله في حسناتك إن شاء الله.

ولكن لي سؤال بسيط, وهو: أليس ينتهي التكليف بعد الموت؟ قال تعالى: يوم لاينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل

ولو أنني اوافقك بأنه لا يجوز لأحد أن يحكم على أحد - مسلما او كافرا او من كان على الفطرة - بأن يكون من أهل الجنة او اهل النار. فمثلا كثير من الناس هنا في امريكا لم يبلغهم دعوة الإسلام, ولكنهم سفاحين سراقين ينتهكون حرمات الناس إلى آخره... هل هؤلاء من اهل الجنة لأنهم لم يسمعوا بالإسلام, ولو سمعوا به لما افادهم البتة!؟! وهذا فيه ظلم واضح عندي, فيوجد كثير من اليهود والنصارى بل البوذيين والهندوس: سمعوا بعض المعلومات البسيطة عن الإسلام, من ان المسلمين يعتقدون بوحدانية الله ونبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم الخ ولكنهم بقوا علي دينهم, وهم زهاد يتصدقون على الفقراء والمساكين ويعملون في الدنيا لأجل الخير, هل هؤلاء يدخلون النار, والناس الثانيين يدخلون الجنة؟!؟! هذا فيه ظلم لا يخفى على أحد إلا مكابر.

هاني علي الرضا
17-03-2006, 20:19
أخي الكريم محمد إسماعيل

بارك الله فيكم وجزاكم خيراً على لطفكم

بالنسبة إلى سؤالك :

[ ولكن لي سؤال بسيط, وهو: أليس ينتهي التكليف بعد الموت؟ قال تعالى: يوم لاينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل ]

فأنبه أولاً أخي الفاضل أن الآية هكذا : { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً } .
وليس فيها دلالة على ما تسأل عنه سيدي الكريم ، فإن الآية تحكم بعدم قبول الإيمان والتوبة بعد إتيان بعض آيات الله والتي فسرها جمهور المفسرين بأنها طلوع الشمس من مغربها ، فيغلق عقبها باب التوبة إلى يوم الدين كما ورد في الحديث الصحيح .

فالآية سيدي ليست في محل بحثنا ولا تتناوله ولا تردُ عليه وإنما محلها أشراط الساعة وأوان التوبة .

ثم إنّ ما تفضلتم به هو الفهم الشائع عند الكثير من الناس ، ولكن التحقيق أن التكليف لا يتقطع إلا عند الإستقرار في الجنة أو النار ، وقبل ذلك أي في البرزخ وخلال عرصات القيامة وأثناء الحساب والجواز على الصراط إلى ما هنالك ، في خلال كل ذلك فإن التكليف يقع ، وهو ما صح في الكتاب والسنة ، فمن الكتاب قول الحق سبحانه { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } فهذا تكليف بالسجود وهو واقع في يوم القيامة .
وفي السنة الصحيحة ثبت أن المؤمنين يمتحنون يوم القيامة بأن يظهر لهم شيء تظهر عليه صفات الحوادث فيقول لهم أنه الله ربهم ويدعوهم إلى اتباعه فينفر عنه المؤمنون لما يرون عليه من سمات الحدث ويستعيذون بالله منه ولكن جاء في بعض طرق الخبر أنّ بعضهم يكاد يزل وينقلب في ذلك الموقف والامتحان ، ثم يتجلى لهم الرب سبحانه بالصفة التي يعرفونها فيرونه ويتبعون أمره ، وهذا امتحان وهو تكليف أيضا يقع في الآخرة والحديث في البخاري ومسلم .
وأيضا ما نعلمه جميعا من امتحان الميت في قبره ، هو أيضا من التكليف .

نعم صحيح أن الدنيا يغلب عليها أنها دار ابتلاء وتكليف وأن الآخرة يغلب عليها أنها دار جزاء ، ولكن هذا لا يمنع أن يقع في كل منهما بعض ما يغلب في الآخر .

وقد سبق أن نقلت جواب من قال أن أمر أهل الفترة ومن شابههم بالدخول في النار ليس أمر تكليف في الحقيقة وإنما هو أمر قهر وجبر .

وأما حديث ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... )
فالجواب عنه أنه إنما يعني انقطاع الثواب والغفران إلا من جهة هذه الثلاث ، والثواب لا ينقطع إلا عمن كان له ثواب ابتداءً أي المكلّف ، فهو مخصوص بالمكلّف في دنياه ، وأما أهل الفترة وأشباههم ممن لم يقع عليهم تكليفٌ أصلاً في الدنيا فلا يشملهم هذا الخبر ولا ثواب لهم لينقطع ولا عقاب عليهم ليرتفع ، بل لا يكون لهم ثواب ولا عقاب إلا بعد الامتحان في عرصات القيامة على ما دل عليه الحديث الصحيح .

كما أن الخبر مخصوص بانقطاع الثواب المتعلق بالدنيا فقط وطوال مدة البرزخ لا بانقطاع التكليف والامتحان والثواب أو العقاب عليهما بعد البعث وقبل الاستقرار في الجنة أو النار ، وجمع كل النصوص والعمل بمدلولها هو الأولى .

وأما ما تكلمتم به سيدي عن أهل أمريكا واختلاف أحوالهم ، فالجواب عليه فيما أعلم واحد ، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ) صحيح مسلم

فكل من لم يسمع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام فهو من أهل الفترة وحكمه حكمهم ، فينجو مطلقا عند جمهور السادة الأشاعرة على ما كان عليه من عمل في دنياه مجرماً كان أو محسناً !!
وعندي أنا - هاني - يُمتحن في عرصات القيامة ثم ينجو أو يهلك على ما كان عليه من عمل في الدنيا .

وبالعكس ، فإن كل من سمع بالنبي والإسلام ولم يؤمن يُعذب عذاباً أبدياً في الآخرة على ما كان عليه من عمل في الدنيا ، واقرأ إن شئت قوله تعالى { وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباءً منثوراً } ، وهل ثمة جُرمٌ أكبر من الشرك أخي الفاضل !!

فالحاصل أن كل مشرك بلغته الدعوة هالكٌ لا محالة على ما كان منه من عمل في الدنيا خيرا أو شرا لا يهم إذ لا جرم ولا ظلم أكبر من الشرك مع قيام الحجة ، ولا ظلم فيه عند من يتأمل ويحقق .

ثم يبقى اشكال واحد : بلوغ الإسلام والسماع بالنبي المذكور في حديث مسلمٍ أعلاه ، ما المقصود به !!؟؟

هل المقصود به مجرد السماع بأن هنالك دين إسمه الإسلام ونبيه سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيهلك على هذا كل من سمع اليوم عن الإسلام ونبيه كل ما ينفّر من تشويهات وأكاذيب ، وما يراه من أعمال تنسب إلى الإسلام يقوم بها القتلة المجرمون وسفكة الدماء الطاهرة الزكية ممن يتسمى بالسم الإسلام ويزعم الجهاد في سبيله ممن لعبت الوهابية بعقولهم الضعيفة فكفّروا الكل وفجّروا الكل واستحلوا دماء وأعراض وأموال الكل والله المستعان !!

أم أنّ المقصود به أن يسمع بالإسلام الحقيقي ويتعرف على الرسول الحقيقي لا الصورة الشائهة المشوهة ، فيدخل بهذا في أهل الفترة جل الكفار اليوم ممن لم يسمع عن الإسلام إلا كل قبيح ويموت أحدهم ولم يتسنى له يومأً أن يتعرف على حقيقة الإسلام ولم يُعرض عليه يوماً كما هو ليقرر أن يؤمن أو يكفر .

فههنا محل بحث وتأمل ، وأحد مشايخي الفضلاء ممن أدرس عندهم العقيدة يميل إلى القول الثاني وأنه ينبغي أن يعرض الإسلام كما هو في صورته الحقيقية على الناس قبل ان نحكم بانهم هالكون أو لا لا بمجرد أن يسمع بعض المسيحين أو الوثنيين من سكان جزر فيجي في المحيط الهادي مثلا أن مجموعة من البرابرة المتعطشين للدماء ممن يتبع دينا إسمه الإسلام ونبيا اسمه محمد - صلى الله عليه وسلم - ويسمون أنفسهم المجاهدين في سبيل الله قد قاموا بقطع رأس أمٍ لأربعة أطفال تصادف وجودها في العراق ووقعت في أيديهم وكانت من أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرق وتضع صليبا على صدرها .

والأمر يحتاج إلى بحث وتأمل ولم أصل فيه إلى شيء بعد وإن كنت أميل إلى رأي شيخي العزيز .

تحياتي

ماهر محمد بركات
18-03-2006, 10:59
سيدي هاني المبارك :

وضعت تعقيباً على موضوعكم في الرياحين ومازلت بانتظار تعليقكم لزيادة الاستفادة منكم .

وبوركتم .

جمال حسني الشرباتي
23-04-2006, 07:12
السلام عليكم

أشكل علي قولكم أخ هاني

(ولكن في ذات الوقت لا يجوز شرعاً – لا عقلاً - أن يعذب الله من كان في غفلةٍ لم يُبعث إليه رسولٌ نذيرٌ بشيرٌ ولا عرف حكما ولا أدرك شرعاً لقوله تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } ، ومثل هذا اللهُ أرحمُ من أن يعذبَه دون أنْ يمتحنه ويذكّرَه بالميثاق المأخوذِ عليه كما دل على ذلك الشرع .)

فأنا أعرف أنّ العذاب في الآية هو عذاب الدنيا

هاني علي الرضا
30-04-2006, 21:27
سيدي الفاضل جمال

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

حلّ الله لكم كل إشكال وفتح لكم كل مغلق

أعتذر عن التأخر في الرد ولكن يعلم الله وحده كم أنا مشغول هذه الأيام .

عموما .. قد سألني الأخ الفاضل " ماهر " سؤالا يشبه سؤالكم هذا في غير هذا المكان فأجبته إجابة أظنها تفي لحل الإشكال عندكم ، وأنا أنقلها أدناه كما هي فأرجو أن أكون بها قد أجبت عما أشكل عليكم .. ولكم خالص مودتي ومحبتي .

_________________

[ ...... بالنسبة إلى ما أشكل عليكم مولاي فإني أعتذر عن ركاكة عبارتي وقد كتبت الموضوع عل عجل ولم يتيسر لي تنقيح العبارة وتوضيح المبهم وحل المشكل فاعذروني .

وجواب ما استشكلتموه مولانا هوَ أني كنت أولاً أهدم وهماً قامَ في النفوس وعشعش حتى صار يشب فيه الصغير ويفنى الكبير دون الحكم بشيء على الدليل والأساس غير بيان ضعف جهة استدلال السادة الأشاعرة به ، ثم عدتُ ثانية لأبنيَ وأشيّد مكان ما هدمت بناءً آخر يقوم على ذات القواعد والأسس و يتسق وفهم من أخاطب - الأشاعرة - دون أن ترد عليه الإشكالات السابقة أو يضعف في وجه أدلة المخالفين أو يهملَ نصوصاً صحيحة .

وتفصيله أنّي أخاطبُ سادتي السادة الأشاعرة ولسان حالي يقول لهم : أن ما توهمتموه سادتي الكرام من قوة دليلكم في شأن نجاةِ (( كل )) أهل الفترة هو محض وهم !!

وطفقت في سبيل ذلك أبيّن لهم أن رد اعتراض من اعترض بأحاديث الآحاد بأنها ظنية لا تقوم في وجه قطعي لا يقوم ولا يقف إذ أن قطعية دلالة الآية نفسها محلُّ استفهام ، وبينت ذلك بإيراد الاختلاف في التفسير ، ولو كانت الدلالة قطعية لما اختلفوا في فهم الآية ، ثم زدتُ أن بينت لهم أن ما يظنون من دلالة قطعية في الآية قد لا ترقى حتى لدرجة الظاهر الظني بل ربما يقع في حيّزِ المرجوحية بما أورده الإمام القرطبي من أنَّ كونها في الإهلاك الدنيوي هو قول الجمهور ، ولاحظ أني قلت (( ربما )) في ثنايا النقاش ولم أقطع به ، وكل هذا مني إمعاناً في بيان انتفاء القطعية المتوهمة في الآية لا غير .

ولكنّي إلى هنا لم أقطع بخطأ تفسير السادة الأشاعرة للآية - بكونها تعم الإهلاكَ الدنيوي مع التعذيب الأخروي - بل غاية ما فعلت السبر والتفتيش وإيراد الإشكالات على ماهي طريقة الإمام الفخر الرازي في مطولاته كالمطالب العالية والمحصل وغيرهما لمن قرأ له ، وهذا لا ينفي أنّ تفسيرهم له وجاهته ويظل احتمالاً قائماً له وزنه خاصة مع استدلال كل هذا الجمع من السادة الأشاعرة به وإن لم تتبقى له تلك القوة المتوهمة قبلُ في ردَّ إيرادات المخالفين . وتفسيرهم يظل ظاهراً في المسألة يفيد الظن ولا شك نظراً إلى اعتبار عموم الألفاظ .

فغايتي من كل ذلك أن أبيّنَ لهم ضعف مسلكهم في الاستدلال بهذه الآية لإثبات نجاةِ كل أهل الفترة كما يطلقون .

ثم بينت أن بين آية { وما كنّا معذبين حتى نبعثَ رسولاً } وآية { إن الله لا يغفر أن يُشركَ به } إن نحن سرنا على فهم السادة الأشاعرة في عدم التعذيب في الآخرة تعارضٌ لا بدَّ من حلّه .

- والبعض لا يقوم عندهم هذا التعارض أصلا لما أنهم يعتبرون آية { وما كنّا معذبين } هي في الهلاك الدنيوي كما سبق ، وهذا هو مسلك السادة الماتريدية ، غير أن غاية هذا المسلك أنّ جلّ أهل الفترة هالكون لما أن جلّهم كانوا على الشرك والله يقول { إن الله لا يغفر أن يُشركَ به } ، وهذا يشكل عليه ما صح من آثار في نجاة بعض أهل الفترة وما ارتضته الأمة واعتمده الأئمة من القول بنجاة والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ هو مستلزمٌ للقول بعدم نجاة والدي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ولا بد حاشا لله ، ويشكل عليه أيضا مخالفة مفهوم قوله تعالى : { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} إذ مفهومه قيام الحجة - ولا حجة لأحد على الله حقيقة - بفقدان الرسول فيعذبون مع حجتهم ، ويشكل عليه الأحاديث الواردة في امتحان أطفال المشركين والشيخ الهرم وأهلِ الفترة في عرصات القيامة .

فهذا المسلك من السادة الماتريدية ترد عليه إشكالات عدة وهو غير مرضي عندي .

والمسلك الآخر هو دعوى التخصيص التي قد يلجأ إليها البعض ، وفيها أيضا ما فيها ويسهل جدا الردّ عليها من قبل المخالفين كما ورد أعلاه .

والأفضل إعمال جميع النصوص ما دام ذلك ممكناً ، وهذا هو ما سلكته ومشيت عليه ، فآية { إن الله لا يغفر أن يشركَ به } نصٌ على أن كل مشرك بالله فالنار مصيره ولا بد فلا يُحكم بنجاة أهل الفترة بلا قيد ودخولهم الجنة مع شركهم وهو محال شرعا بنص هذه الآية ، وآية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ظاهرٌ في عدم التعذيب إلا بعد قطع الحجة وبعثة الرسل والامتحان ، ولكنهم مشركون فلا يدخلون الجنة بنص الأولى ، ولم يأتهم رسول فلا يعذبون بظاهر الثانية الظنيّ ، فأين يكونون وإلى أين يصيرون !!!!؟؟؟؟

فدل هذا على وجود امتحان لمن لم يبعث إليهم رسول قبل دخولهم الجنة أو النار ولا بد ثم يصار بهم إلى الجنة أو النار ، وهو ما دلت السنة الصحيحة وقول أهل العلم على وقوعه في عرصات القيامة ، فيُحل الإشكال ولا يرد عليه شيء وتعمل جميع النصوص من كتاب وسنة ولا يلغى منها شيء أو يبطل ظاهرها . فيبعث إليهم الرسول ثم يُعذبُ بعد من أصر على الشرك فلا يغفر الله له شركه .

ولا أظنكم تخالفونني مولانا في أن الأخذ بظاهر النصوص والجمع بينها هو الأصل.

وأنا في هذا أسير على فهم سادتي الأشاعرة الأصلي للآية وأحاول أن أرد ما يمكن أن يرد على قولهم من إشكالات ، فهي محاولة للتعديل بعض الشيء في الموقف الأشعري القائل بنجاة كل أهل الفترة استنادا إلى الآية محل البحث والذي هو موقف يسهل جدا نقضه كما بينت .

هذا وقد دلت الأحاديث الوادرة في امتحان أهل الفترة في عرصات القيامة على أن فهم السادة الأشاعرة لعموم ألفاظ الآية في عدم التعذيب في الآخرة إلا بعد بعثة رسول هو فهم محتملٌ وجيه وأنه يأتيهم رسول من ربهم عندئذٍ يُعذبون أو ينعمّون على أثره ، فالأحاديث الصحيحة مفسرة للآية وموجهة لفهمها ومثبتة لاحتمال صحة فهم الأشعرية لها ، ولكن استدلال جمهور الأشعري بالآية على النجاة مطلقا هو مكمن الخطأ إذ الآية تفيد حتمية الرسول فقط قبل التعذيب ولا تفيد امتناع التعذيب مطلقا بالكلية حتى عن المشرك المنفي بالآية المحكمة { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ، فالخطأ ليس في الفهم بل في الاستدلال وعدم الأخذ بالنصوص الأخرى .

فخلاصة الأمر أن الأحوط - كم عبرتم مولاي - السير على فهم جمهور أهل السنة وعدم مخالفتهم فيه خاصة وأنه محتملٌ لعمومِ ألفاظ الآية وإن أتت في سياق الإهلاك الدنيوي وهو مؤيد بالأحاديث الصحيحة الواردة في الامتحان في عرصات القيامة ، مع تعديله بما يتوافق مع الأدلة الصحيحة الأخرى في الكتاب والسنة .

ومخالفة كل هذا الجمع من السادة الأشاعرة القائل بأن الآية تفيد عدم التعذيب في الآخرة وتخطئتهم في ذلك أمر ليس بالسهل بل هو مستبعدٌ ، ومادام الإشكال محلولا فلمَ لا يصار إليه ؟

أرجو أن أكون قد أجبتكم مولانا .

تحياتي ]

جمال حسني الشرباتي
01-05-2006, 03:52
الأخ هاني

رأيك له قيمته ووجاهته عندي

بارك الله بك


وأعطنا قليلا من وقتك

ماهر محمد بركات
01-05-2006, 06:32
سيدي الحبيب هاني السلام عليكم :
عساكم بخير وعافية ونسأل الله الفرج لنا ولكم
مادمت قد أحييت الموضوع مرة أخرى فاسمح لي أن أحييه أنا أيضاً ..

كتبت تعقيباً على ردكم الأخير ربما لم تطلعوا عليه بعد ..
وها أنا أنقله هنا أيضاً فان رأيتم فائدة في التعقيب عليه فياحبذا

سيدي الحبيب الرضا :
بارك الله بكم ومتعكم بالعافية وأغناكم بالعلم وزينكم بالحلم ..

الصورة توضحت كثيراً لدى الفقير ولكن بقي عندي ملاحظات أرجو أن يتسع صدركم الرحب لها:

قلتم سيدي :
والبعض لا يقوم عندهم هذا التعارض أصلا لما أنهم يعتبرون آية { وما كنّا معذبين } هي في الهلاك الدنيوي كما سبق ، وهذا هو مسلك السادة الماتريدية ، غير أن غاية هذا المسلك أنّ جلّ أهل الفترة هالكون لما أن جلّهم كانوا على الشرك والله يقول { إن الله لا يغفر أن يُشركَ به } ، وهذا يشكل عليه ما صح من آثار في نجاة بعض أهل الفترة وما ارتضته الأمة واعتمده الأئمة من القول بنجاة والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ هو مستلزمٌ للقول بعدم نجاة والدي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ولا بد حاشا لله ، ويشكل عليه أيضا مخالفة مفهوم قوله تعالى : { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} إذ مفهومه قيام الحجة - ولا حجة لأحد على الله حقيقة - بفقدان الرسول فيعذبون مع حجتهم ، ويشكل عليه الأحاديث الواردة في امتحان أطفال المشركين والشيخ الهرم وأهلِ الفترة في عرصات القيامة .

أقول : ماذكرتموه عن أن الآثار الواردة في نجاة بعض أهل الفترة يشكل على قول السادة الماتريدية ومن أنه مستلزم لعدم نجاة الوالدين الكريمين لم يظهر لي .
فالسادة الماتريدية يقولون أن المشرك يدخل النار بسبب شركه سواء أكان من أهل الفترة أم من غيرها .
وأما من لم يقع في الشرك من أهل الفترة لايدخل النار عندهم ومعلوم أن هناك من أهل الفترة من بقي على حنيفية سيدنا ابراهيم موحداً ولم يعبد الأصنام ولم يغير ولم يبدل فهؤلاء لايدخلون النار بل يدخلون الجنة لبقائهم على الايمان والتوحيد كورقة بن نوفل وغيره .
وممن بقي على الحنيفية آباء ووالدي المصطفى صلى الله عليه وسلم فايمانهم ثابت عندنا بأدلة اضافية أخرى تخرجهم عن حكم المشركين من أهل الفترة حتى أن كثيراً من السادة الأشاعرة لم يكتف بالقول بنجاة الأبوين بل حكم بايمانهما لما ثبت عنده من الأدلة التي تشهد لهما بالايمان والتوحيد ..
والحاصل أنه لا تعارض بين قول السادة الماتريدية وبين نجاة بعض أهل الفترة وايمانهم .

وأما آية { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} فالذي أعلمه أن السادة الماتريدية يجيبون عنها بأن الحجة هنا اقناعية لابرهانية بمعنى أن اقامة الحجة بارسال الرسل هو تمشياً وتنزلاً مع مفهوم الناس وهو من باب اقامة الحجة عليهم اقناعاً لا أن عدم الارسال يسقط الحجة على الناس مطلقاً .

وأما الأحاديث الواردة في امتحان أطفال المشركين والشيخ الهرم وأهلِ الفترة في عرصات القيامة فهي تشكل وترد حقاً على قول السادة الماتريدية ولكن قد يقول الماتريدي :
تكليف أهل الفترة ثابت عندنا بدليل قطعي أو قوي ولانعارض ذلك بأحاديث آحاد .

وآخيراً وليس آخراً :
ماذهبتم إليه من الجمع بين الآيتين بوجود الامتحان مقبول جداً ولكن هل ترى سيدي أن معنى الرسول الاصطلاحي المفهوم من ظاهر قوله تعالى (حتى نبعث رسولا) ينطبق عليه الارسال الحاصل في الامتحان المذكور ؟؟

ودمتم بخير .

عبد اللطيف بن عبد الحفيظ
13-02-2016, 19:43
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

عندي اشكال في الآية الكريمة "{ وما كنَّا معذبينَ حتى نبعثَ رسولاً } "

و بيانه :
اما ان العذاب خاص بأهل الدينا
او خاص بأهل الآخرة
او بالجميع.

هذا هو التقسيم و لا ارى قسما رابعا الا النفي والله أعلم.

يكفي لاثبات قطعية الآية بطلان القسم الاول.

السؤال المطروح هو : هل الله عز و جل لا ينزل العذاب على اهل الدنيا الا بعد إرسال الرسل ؟ هل كل قرية أُهلكت قد سبقها رسول او نذير ؟

ان كان الجواب نعم فالآية ليست قطعية.

ان كان الجواب لا، فالآية قطعية و الله اعلم