المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لهذا ندافع عن محبتنا لرسول الله



د. مصعب الخير الإدريسي
09-02-2006, 07:19
حينما كان المسلمون أُمَّةً وَاحِدَةً، وكانت تلك الأُمَّةُ تضُمُّ بين جَنَبَاتِها أعراقًا كثيرةً منها العربيُّ والفارسيُّ والرُّوميُّ والحَبَشِيُّ؛ كانت عقيدةُ الإسلامِ تَصْهَرُ في بَوْتَقَتِهَا كُلَّ هاتيك الثقافاتِ المُتَنَوِّعَةِ؛ لِتَنْفِيَ خَبَثَهَا وتُنَقِّيَ الطيِّبَ منها وَتَحْفَظَهُ حِكْمَةً للمؤمنين أَوْلَى النَّاسِ بالحَقِّ. وكانت تلك الأُمَّةُ الوَاحِدَةُ تتحمَّلُ رسالتها وتقومُ بوظيفتها الجليلة في إصلاح نفسها وعالم الناس، في ظِلِّ التَّعَلُّقِ بشَخْصِيَّةِ النبيِّ الكريمِ الذي اصطفاه اللهُ ـ تعالى ـ وأدبه واصطنعه لبلاغ رسالته، وأرسله رحمةً وهدايةً؛ ليَخْرُجََ به النَّاسُ من ظلماتِ الكفرِ والضَّلالِ إلى نُورِ الإسلام؛ حتَّى شَهِدَ بذلك الكافرُ المُجَاهِرُ بالعَدَاوَةِ .. قال أبو سفيان في زمان جاهلِيَّتِهِ لِزَيْدِ بن الدَّثِنَةِ ـ رضي اللهُ عنه ـ وقد اقتادَهُ المشركون ليقتلوه خارجَ أرضِ الحَرَمِ: أنشُدُكَ اللهَ يا زَيدُ، أتُحِبُّ أنَّ مُحَمَّدًا عندنا الآنَ مكانَك نَضْرِبُ عُنُقَهُ وأنَّكَ في أهْلِكَ؟ قال: واللهِ ما أُحِبُّ أنَّ مُحَمَّدًا الآنَ في مكانِه الذي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأنَا جَالِسٌ في أهلي. قال أبو سفيان: ما رأيتُ في النَّاسِ أحَدًا يُحِبُّ أحَدًا كَحُبِّ أصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا[1].

ولم تكن هذه المَحَبَّةُ ضَرْبًا من التَّعَصُّبِ للسيِّدِ المُقَدَّمِ في الأُمَّةِ، ولا مُجَرَّدَ تقديرٍ لقائدٍ مُتَفَرِّدٍ في الحِكْمَةِ؛ بل هي رُكْنٌ أصيلٌ في اعتقادِ كُلِّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنٍ، ولقد قال الرسولُ نفسُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ: «لا يُؤمِنُ الرَّجُلُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إليهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[2]. وأخرج الإمام البخاريُّ في صحيحه عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمرُ: يا رسولَ اللهِ، لأنتَ أَحَبُّ إليَّ من كُلِّ شَيْءٍ إلا مِنْ نَفْسِي. فقالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّم ـ: «لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْكَ مِن نَفْسِكَ». فقال له عُمَرُ: فإنَّهُ الآنَ وَاللهِ لأنْتَ أَحَبُّ إليَّ مِن نَفْسِي. فقال النبيُّ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّم ـ: «الآنَ يا عُمَرُ»[3].

ولقد كان الرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ بابَ معرفة الله ـ تعالى ـ ومعرفة شرعه وتفصيل تكاليف أوامره ونواهيه لعباده على النحو الذي تترجمه كلمة التوحيد الواجبة «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». وكان اتِّبَاعُهُ هو بابَ الفَوزِ بمَحَبَّةِ اللهِ ـ تعالى ـ ورضاه ]قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ[ آل عمران/ 31، 32. لكن العمل لا يكون طاعة بمجرد الاتباع حتى ينضم إليه الرضا والتسليم .. ]فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[ النساء:65. وقال الرسول الكريم ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[4].

وكما جَمَعَ الله ـ تعالى ـ بين طاعته وطاعة رسوله جَمَعَ بَيْنَ مَحَبَّتِه ـ تعالى ـ ومَحَبَّةِ الرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَرَّعَ مَن يُقَدِّّمُ على مَحَبَّةِ اللهِ والرسولِ مَحَبَّةَ شَيْءٍ مِن الخَلْق مهما كانتْ مَكانَتُهُ في نَفْسِ العَبْدِ .. ]قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ[ التوبة/ 24. وقال الرسول الكريم ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ: «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»[5].

لهذا رقد علي بن أبي طالب في فراش الرسول ليلة الهجرة، وكان أبو بكر الصديق رفيقُ هجرتِه يُغايِرُ في جِهَاتِ مَسِيرِهِ مَعَهُ خَوْفَ مُفَاجَأةِ العَدُوِّ، وكانت نُسَيْبَةُ بنتُ كعب أمُّ عمارة المازِنِيَّةُ تُتَرِّسُ عنه بجَسَدِهَا فِي غَزْوَةِ أُحُد. وحينما هجا بعضُ مشركي قريش رسولَ الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ أجابه حسان بن ثابت ـ رضي الله عن أصحاب نبيه جميعا ـ قائلا:

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ ُعَنْهُ وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ

هَجَوْتَ مُطَـهَّرًا بَرًّا حَنِيـفًا أَمِينَ اللهِ شِـيمَتُهُ الْوَفَــاءُ

أَتَهْجُوهُ وَلَسْــتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّ ُكَمـا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ

فَإنَّ أَبِي وَوَالِــدَهُ وَعِـرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مُنْكُمْ وِقَاءُ[6].

هذه أمثلة تبين مكانة الرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ في قلوب أصحابه، وقد عبَّرَتْ عنها أفعالُهم وأقوالُهم التي تتعاظم على الحصر، وقد رسَّخَ القرآنُ الكريم هذه المكانةَ بتشريع نَسَقٍ خَاصٍّ في التَّعَامُلِ مَعَ الرَّسُولِ الكريم، على نحو ما نَجِدُه في صَدْرِ سُورَةِ الحُجُرَاتِ .. ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ. إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ[ الحجرات/ 1: 3. ومما يُظْهِرُ انفِعَالَ الصَّحَابَةِ ـ رضي الله عنهم ـ بهذه الآيات ما أخرَجَهُ الإمامُ مُسْلِمٌ في صحيحه بإسناده عن أنس بن مالك أنه قال: لما نزلت هذه الآية ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ[ جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثابتٍ أَشْتَكَى؟» قال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعدٌ للنبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»[7]. ونقل القرطبي عن القاضي أبي بكر بن العربي قوله: «حرمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ميتا كحرمته حيا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قريء كلامه؛ وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به»[8].

والرسولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ صاحبُ الشَّفَاعَةِ، والْمَجِيءُ إليهِ من أسبابِ قَبُولِ استغفارِ المُذنِبِ الظَّالِمِ لنفسِهِ بإذن الله ـ تعالى ـ الذي قال في محكم كتابه: ]وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا[ النساء/ 64. وَكُلُّ ذلك حُكمُهُ جَارٍ حياةَ الرسولِ وبعدَ انتقالِه إلى الرفيق الأعلى بلا فصل. وقد قال ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ حينما أَمَرَ بالإكثارِ من الصلاة عليه في يوم الجمعة المشهود: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِن الصَّلاةِ فِيهِ؛ فَإنَّ صلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ». قالوا: يا رسولَ اللهِ، وكيف تُعرَضُ صَلاتُنا عليكَ وقدْ أَرِمْتَ؟ يقولون: بَلِيتَ. فقال: «إنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ حَرَّمَ عَلَى الأرْضِ أجْسَادَ الأنْبِيَاءِ»[9]. وأخرج أبو داود في سننه حديثين عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ رفعهما، وأولهما: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ». والثاني: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ»[10].

ولهذا لا يَشْعُرُ المُسلِمُ المُؤمِنُ أنَّ صِلَتَهُ برسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ منقطعة؛ بل هي موصولة بالصلاة عليه، واتباع سنته وتحري الاقتداء به في كل ما شرعه الله ـ عز وجل ـ من الأعمال. وهكذا يكون النبي محمد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ حيا على الدوام في قلوب أمته، والصلاة عليه جارية على الدوام من الله ـ تعالى ـ والملائكة والمؤمنين .. ]إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[ الأحزاب/ 56. ولقد عَظَّمَتْ هذه الأُمَّةُ مكانةَ نَبِيِّهَا، وَرَعَتْ حُرْمَتَهَا في حياتِه وبعدَ مَمَاتِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ. واجتمعت كلمتُها على أنَّ النَّيْلَ مِنْ جَنَابِهَا كُفْرٌ بَوَاحٌ يُعَاقِبُ اللهُ عليه، وَتَعَدٍّ سَافِرٌ يَجِبُ على الأمَّةِ دَفْعُهُ بكُلِّ إمكاناتها المُتَاحَةِ في إطارِ ما شَرَعَ اللهُ ـ عزَّ وجَلَّ ـ؛ مِصْدَاقَ قولِه ـ تعالى ـ: ]إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا[ الأحزاب/ 57. وقوله ـ تبارك اسمه ـ في المنافقين المستهزئين بالله ورسوله: ]وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ. لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ[ التوبة/ 65، 66. وقوله ـ سبحانه ـ في حق نبيه: ]إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ[ التوبة/ 40.

ونحن نعيش زمانا كثرت فيه شارات التعدِّي على الإسلام ورسوله وتشريعاته ومُقَدَّسَاتِ أُمَّتِهِ، التي غدت من أكثر الأمم شتاتا على كثرة أسباب توحدها لو تيقظ أبناؤها، وتمسكوا بحقيقة دينهم، ونصروا أهدافه السامية، وأتاحوا لتشريعاته أن تحكم، ولسنة نبيهم أن تسود بينهم سيادتها في أسلافهم الذين قادوا عالمهم بالإسلام إلى سبيل النور، وأضاءوا له طريق الحضارة التي تحفظ الإنسانية، وتضمن قيم العدالة بين الناس جميعا. ومع ذلك فالعالم الإسلامي الآن ثائر غضبا على الرسوم المسيئة للرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ، التي نشرتها الصحيفة الدانماركية (جيلاندز بوستن ـ Jyllands-Posten)، قبل أربعة شهور يوم الجمعة 26 شعبان 1426هـ ـ 30 سبتمبر 2005م. ثم أعادت نشرها مجلة (مغازينت) النرويجية في العاشر من شهر يناير 2006م باسم حرية التعبير؛ غير عابئة بما سبق هذا التاريخ من تظاهرات آلاف المسلمين واعتراضات عدد من سفراء الدول الإسلامية في الدانمارك في غضون شهر أكتوبر 2005م، ولا بموقف وزراء خارجية الدول العربية في التاسع والعشرين من ديسمبر. ثم طفق عدد من الصحف الغربية يعيد نشر الرسوم مستنكرا موقف المسلمين من حرية التعبير التي ينبغي أن يُمَهَّدَ لها الطريقُ في دول العالم الإسلامي الذي يرزح بدونها في بحار التخلف؛ لتكون طوق نجاته. فهل نسأل أنفسنا: مم تكون النجاة التي يحرصون على الإنعام بها علينا؟!

والحَقُّ أنني لم أستغربْ هَوَسَ الصُّحُفِ الغربية بإعادة نشر تلك الرسوم الساخرة من نبي الإسلام، ولا سعيَ القائمين عليها في سبيل ترويض المسلمين وقيادتهم إلى هاوية العَلْمَانِيَّة؛ لكنَّ العَجَبَ كل العجب من جرأة صحف تصدر في بلاد إسلامية وعربية على إعادة نشر بعض تلك الرسوم!!

وثمة أمر آخر لكنه لا يدعو إلى العجب؛ بل إلى الحيرة، وهو سر اختصاص الرسوم الدانماركية بذلك الموقف الحكومي والجماهيري العام، برغم أن هذه الإساءة الأخيرة ليست الأولى ولا الأشد فيما يصيب نبي الإسلام وشريعته من صحافة الغرب وساسته ورجال الدين المسيحي المتعصبين؛ بل من العسكر الذين جعلوا حربهم ضد الإسلام والمسلمين باسم مقاومة الإرهاب حربا مقدسة. وأيا ما كان السبب فقد طفح الكيل وأدرك السيل الذبى، وحان للمسلمين أن يلموا شعثهم، ويتجاوزوا محنة افتراقهم وانشغالهم عن هويتهم الإسلامية الواحدة. ولن يتم ذلك إلا بوقفة مع النفس ومراجعة دقيقة لمجالات التقصير وأسبابه، دون أن نجعل من تجاوزات الآخرين وتآمرهم السبب الوحيد لما نحن فيه الآن .. قال العقاد:

أَنْصَفْتَ مَظْلُومًا فَأَنْصِفْ ظَالِمًا فِي ذِلَّةِ المَظْلُـومِ عُذْرُ الظَّـالِمِ

ويمكننا أن نقول: إن المظلوم الذي لا يسعى إلى حفظ حقه يظلم نفسه مرتين: في ترك حقه، وفي إعانته للظالم على التمادي في سلب حقه. والقوة لا تعني الاعتداء على المخالف؛ لكنها تحفظ من اعتداء الظالم الجائر، وليس القوي من يأخذ ما ليس له، وإنما القوي الذي يقدر على حفظ ما هو له.

ونعم يجب علينا أن ندافع عن عقيدتنا، وعن محبتنا لرسولنا الحبيب ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ؛ لكن من الواجب أيضا أن لا يؤدي ذلك الدفاع لا يؤدي ذلك الدفاع مثل الضرر القائم أو إلى ما هو أشد منه في الإساءة إلى نبي الإسلام، ومن اللازم أن تكون لذلك الدفاع خطته، لا أن تكون خطواته عمياء عشوائية غير مشروعة تغلب العاطفة فيها عقل الملتزم بالدين. ولقد كان في المشركين من هجا الرسول الكريم وأساء إليه بالباطل؛ فكيف كان الرد والدفاع عن النبي .. ذكر ابن عبد البر أن الذين كانوا يهجون رسول الله من مشركي قريش: عبد الله بن الزبعرَى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب. فقال قائل لعلي بن أبى طالب: القوم الذين يهجوننا؟ فقال: إن أذن رسول الله فعلت. فقالوا: يا رسول الله، ائذن له. فقال رسول الله: إن عليا ليس عنده ما يراد فى ذلك منه. أو ليس فى ذلك هنالك. ثم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟ فقال حسان: أنا لها. وأخذ بطرف لسانه وقال: والله ما يسرنى به مقول بين بصرى وصنعاء. وقال رسول الله: كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمى؟ فقال: والله لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. فقال له: إيت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك. فكان يمضى إلى أبى بكر ليقف على أنسابهم؛ فكان يقول له: كف عن فلانة وفلانة، واذكر فلانة وفلانة. فجعل حسان يهجوهم فلما سمعت قريش شعر حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبى قحافة[11].

وهكذا نجد عليا الفارس الشاعر الفصيح لم يتعجل الجواب، والرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ يستبعد الفارس المنشغل بالحكمة والعلم عن مهمة تتبع مناقص المشركين ومعارضة قولهم في الرسول الكريم، وحينما انتدب شاعره حسان بن ثابت لم يكتف بكفائته الشعرية الصالحة لهذا المقام، وإنما أحاله على أبي بكر العالم بأنساب القوم ومثالبهم؛ لكي يتمكن من إصابتهم دون أن يمس الرسول الكريم.

ونحن اليوم يلزمنا أن ندافع عن الرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ وننتصف له ممن اعتدى على مكانته؛ لكن دون أن نمس شخصية الرسول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ـ بسوء، ودون أن ننسب إلى دعوته السمحة ما هي منه براء.

إننا بحاجة إلى الرد الفوري، كما أننا بحاجة إلى ما يحفظنا من تكرار هذا السفه في المستقبل. وإذا كانت المقاطعة الاقتصادية الشعبية هي الحلَّ المطروح، والمؤثرَ في المعتدي والمُمْكِنَ للشعوب الإسلامية؛ فهل تكون هذه المقاطعة مع الدانمارك ومنتجاتها الغذائية فقط؟! وإذا كان الحوار هو الحل الذي يدعو له ساسة الغرب؛ فهل يتضمن حوار الأديان أو حوار الثقافات الإساءة إلى عقائد المخالفين، والسخرية من مرتكزات ثقافتهم؟! ولماذا يتضمن حق الصحافة الحرة في التعبير عن الإساءة إلى نبي الإسلام ومشاعر أتباعه، ولا يتضمن حق المسلمين في التعبير عن استيائهم إن لم نقل في الدفاع عن عقائدهم ومحبتهم لنبيهم؟! ألا يجب أن نؤكد جميعا القول بأن الحرية غير المنضبطة هي عين الهمجية؟!

ويبقى بعد ذلك محاكمة النفس، والثورة الإصلاحية على جوانب التقصير؛ حتى تبرأ من ضعفها الذي يغري بها الجائرين، ويجعلها لقمة سائغة في أفواههم ..



--------------------------------------------------------------------------------

1- عن الإمام محمد بن جرير: تاريخ الطبري ـ 2/ 79. ط1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان 1407هـ.

2- متفق عليه من حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ: أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان ـ باب حب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الإيمان. وأخرجه مسلم في صحيحه واللفظ له: كتاب الإيمان ـ باب وجوب محبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين، وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة.

3- أخرجه البخاري في صحيحه منفردا: كتاب الأيمان والنذور ـ باب كيف كانت يمين النبي ـ صلى الله عليه وسلم.

4- قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «أخرجه الحسن بن سفيان وغيره، ورجاله ثقات. وقد صححه النووي في آخر الأربعين» .. فتح الباري بشرح صحيح البخاري ـ 13/ 289. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ومحب الدين الخطيب. ط دار المعرفة ـ بيروت، لبنان 1379هـ.

5- متفق عليه من حديث أنس بن مالك ـ ضي الله عنه ـ: أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان ـ باب حلاوة الإيمان. وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه واللفظ له: كتاب الإيمان ـ باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان.

6- انظر الإمام ابن عبد البر: الاستيعاب ـ 1/ 344، 345. تحقيق علي محمد البجاوي. ط1، دار الجيل ـ بيروت، لبنان 1412هـ.

7- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان ـ باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله.

8- القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ـ 16/ 307. تحقيق أحمد عبد العليم البردوني. ط2، دار الشعب ـ القاهرة، مصر 1372هـ.

9- أخرجه الإمام أحمد في مسنده ـ 4/ 8. وأخرجه أبو داود في سننه ـ 1/ 275، 2/ 88. وأخرجه النسائي في سننه (المجتبى) ـ 3/ 91. وابن ماجه ـ 1/ 345، 524. وقال الحافظ ابن كثير بعد أن نقل الحديث من مسند الإمام أحمد، وعزاه أيضا إلى أبي داود والنسائي وابن ماجه: «وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والنووي في الأذكار» .. تفسير القرآن العظيم ـ 3/ 515. ط دار الفكر ـ بيروت، لبنان 1401هـ.

10- أخرجهما أبو داود في سننه ـ 2/ 218. ونقلهما الحافظ ابن كثير، وذكر تفرد أبي داود بروايتهما ـ يعني تفرده بين الكتب الستة ـ، وذكر أن النووي صحح الحديثين في الأذكار، وأن الثاني منهما أخرجه الإمام أحمد في مسنده .. تفسير القرآن العظيم ـ 3/ 515، 516. وقد أورد الحافظ ابن حجر هذه الأحاديث، وله كلام نفيس في خصوصية حياة الأنبياء في قبورهم بدلالة الرواية، والأولوية في العقل المعتمد على الدلالة القرآنية المثبتة لخصوصية حياة الشهداء عند ربهم؛ فراجعه: فتح الباري ـ 6/ 488.

11- ابن عبد البر: الاستيعاب ـ 1/ 341، 342.

ماجد مصطفى على
03-03-2006, 21:53
بارك الله فيك د/ مصعب ونور قلبك على هذا الموضوع... . وكما قال فضيلة مولانا الشيخ على جمعة / مفتى الديار المصرية : ان حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركن الايمان .
وأسأل الله العظيم أن يوحد شتات المسلمين لمواجهة تحديات العصر وكيد الكائدين وخطط أعداء الله ورسوله . ويهدى الذين تركوا القضايا الكبرى وقضايا الأمة وشغلوا المسلمين بفروع ومسائل وصوروها لهم على أنها قضايا عظمى مما زاد فى فرقة المسلمين حتى على مستوى الأسرة الواحدة . ولم يلتفتوا الا الى أنفسهم . لا الى أمتهم ، وكان ذلك عونا لأعداء الاسلام. وحسبنا الله ونعم الوكيل. ولا بد ألا ننسى ان غير المسلمين هم أمة الدعوة ، فنحن لا نريد صداما مع أحد وليس فى داخلنا هذه الفكرة أصلا. وكما قال فضيلة مولانا مفتى الديار المصرية : نحن نتمنى ونحب أن يهتدى كل الناس الى الله.ِ