المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسألة طواف الحائض للمام البارزي الشافعي



محمد ال عمر التمر
14-01-2006, 20:05
مسألة تقع في الحج كل عام ويُبتلى بها نساء كثير من العلماء والعوام وهي أن المرأة المحرمة تحيض قبل طواف الركن وهو طواف الإفاضة ويرحل الركب قبل طوافها ولا يمكنها المقام.
وفي سنة سبع وسبعمائة وقع ذلك كثير من نساء الأعيان وغيرهن:

فمنهن من انقطع دمها يوما أو أكثر لاستعمال دواء لذلك وظنت أن الدم لا يعود فاغتسلت وطافت ثم عاد الدم في أيام العادة.
ومنهن من انقطع دمها يوما أو أكثر بلا دواء فاغتسلت وطافت ثم عاد الدم في أيام العادة.
ومنهن من سافرت مع الركب قبل الطواف وكانت قد طافت طواف القدوم وسعت بعده.
فهؤلاء أربعة أصناف.
فلما اشتد الأمر بهن وخفن أن يحرم تزويجهن ووطء المزوّجة منهن ويرجعن بلا حج وقد أتين من البلاد البعيدة وقاسين المشاق الشديدة وفارقن الأولاد والرجال وخاطرن بالأنفس وأنفقن الأموال، كثر منهن السؤال وقد قاربت عقولهن على الزوال: هل من مخرج عن هذا الحرج؟ وهل مع هذه الشدة من فرج؟
فسألت الله تعالى التوفيق الإرشاد إلى ما فيه التيسير على العباد من مذاهب العلماء الأئمة الذين جعل الله اختلافهم رحمة للأمة.
فظهر لفي من الجواب والله أعلم بالصواب.
أنه يجوز تقليد كل واحد من الأئمة الأربعة رضي الله عنهم ويجوز لكل أحد أن يقلد واحد منهم في مسألة ويقلد إماما آخر في مسألة أخرى، ولا يتعين عليه تقليد واحد بعينه في كل المسائل.
وإذا عُرف هذا فيصح حج كل واحدة من الأصناف المذكورة على قول بعض الأئمة.
أما الصنف الأول والثاني فيصح طوافهن في مذهب الإمام الشافعي على أحد القولين فيما إذا انقطع دم الحيض يوما ويوما فإن يوم النقاء طهر على هذا القول ويُعرف بقول التلفيق.
وصححه من أصحاب الشافعي أبو حامد المحاملي في كتبه وسليمان والشيخ نصر المقدسي والروياني واختاره أبو اسحاق المروزي وقطع به الدارمي .
وأما مذهب الإمام أبي حنيفة فيصح طوافهن لأنه لا يُشترط عنده في الطواف طهارة الحدث ولا النجس ويصح عنده طواف الحائض والجنب.
وأما على مذهب الإمام مالك فيصح طوافهن لأن مذهبه أن النقاء في أيام التقطع طهر.
وأما على مذهب الإمام أحمد فيصح طوافهن لأن مذهبه في النقاء كمذهب مالك وفي اشتراط طهارة الحدث والخبث كمذهب أبي حنيفة في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
وأما الصنف الثالث فيصح طوافهن على مذهب الإمام أبي حنيفة وفي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، لكن يلزمها ذبح بدنه وتأثم بدخولها المسجد وهي حائض فيقال لا يحل لك دخول المسجد وأنت حائض لكن إن دخلت وطفت أثمت وصح طوافك وأجزأك عن الفرض.
وأما الصنف الرابع وهي التي سافرت من مكة شرفها الله تعالى قبل الطواف فقد نقل المصريون عن الإمام مالك: أن من طاف طواف القدوم وسعى ورجع إلى بلده قبل طواف الإفاضة جاهلا أو ناسيا أجزأه عن طواف الإفاضة.
ونقل البغداديون عن مالك خلافه.
حكى الروايتين عن مذهب الإمام مالك رحمه الله القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد المالكي في كتاب المنهاج في مناسك الحج وهو كتاب جليل مشهور عند المالكية.
ويتخرج على رواية المصريين عن مالك سقوط كواف الإفاضة عن الحائض التي تعذّر عليها الطواف والإفاضة فإن عذرها أظهر من عذر الجاهل والناسي.
فإن لم يعمل بهذه الرواية أو لم يصح التخريج المذكور وأرادت الخروج من محظور الإحرام فعلى قياس أصول مذهب الإمام الشافعي وغيره تصبر حتى تجاوز مكة بيوم أو يومين بحيث لا يمكنها الرجوع إلى مكة خوفا على نفسها أو مالها فتصير حينئذ كالمحصر لآنها تتيقن الإحصار لو رجعت إلى مكة.
وتيقن الاحصار كوجود الإحصار، كما أن تيقن الضرب لو خالف الأمر كوجود الضرب في حصول الإكراه، حتى لو أمره بالطلاق سلطان علم من عادته أنه يُعاقب إذا خولف فطلّق لم يقع طلاقه.
فإذا تقرر هذا وأرادت الخروج من الإحرام فتتحلل كما يتحلل المحصر بأن ينوي الخروج من الحج حيث عجزت عن الرجوع وتذبح هناك شاة تجزئ في الأضحية وتتصدق بها وتقصر شعر رأشها فتصير بحج الفرض بقي في ذمتها فتأتي به في عام آخر .
وإذا صح حجها على قول بعض الأئمة المذكورين دون بعض وأرادت الإحتياط بالخروج عن محظورات الإحرام فتتحلل كما ذكرنا والله إعلم.