المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة في بيان طريقة المطالعة



محمد ال عمر التمر
14-01-2006, 21:02
للعلامة عبدالله بلفقيه الحضرمي المتوفى سنة 1266 هـ


المقدمة في بيان طريق المطالعة:
اعلم ان المطالعة صرف الفكر في مبحث لينجلي معناه ويحصل للمطالع من وضوح مطلبه مناه فيفوز بالمراد ويسلم من الخطأ والانتقاد، فإذا أردت الشروع فانظر في المبحث نظرا إجماليا مبتدئا من أوله إلى آخره منتهيا على وجه ينتقش في ذهنك جملة المعنى المراد منه. فإن انتقش في النظر الأول وإلا فكرر النظر ولا تحد عنه فإن ظفرت فذاك واشكر لمن أولاك وإلا فهو إما لسقم في النسخة فارجع إلى أصح منها أو لخفاء في لغة فاسأل من عنده علمها أو اطلب مدونها ثم إذا عثرت على الوجه المذكور بمعناه المزبور لاحظ الأشياء التصويرية من كل الأمور في كل قضية بدقة النظر العجيب أولا فأولا على الترتيب المذكور، إذ العلم على التعريف والتحقيق ينقسم إلى: تصور وتصديق لأن إدراك الشيء إن خلي عن الحكم عليه بنفي أو إثبات فتصور وإلا فتصديق كما حرره الأثبات.
واستبصر في تلك الأشياء هل يتوجه عليه أمر من الأمور القادحة؟ فإن توجه فاستبصر هل يمكن دفعه بشيء من الأشياء الواضحة؟ وبعد ظهور الدافع فتأمل هل يمكن ما يدفع ذلك الدافع أم لا وهكذا إلى حيث يستقر الذهن بالمحل الأعلى. وعلامة التوطن والاستقرار تكرر النظر مرات على سبيل الاختبار فإذا لم تر خللا فارق من ذلك المحل إلى ملاحظة الأمور التصديقية واستبصر هل يتوجه عليها شيء من القوادح التفريقية؟ فإذا ظهر شيء من ذلك فهل يمكن نقضه عنها بشيء يؤديه النظر فإن أمكن النقض وظهر فاستبصر هل يمكن النقض عن ذلك النقض بشيء من الصور وهكذا إلى حيث يحصل التوطن كما ذكر في الآنف وآيته هنا آيته في السالف.
ثم بعد ذلك لاحظ الأشياء القادحة المُوردة عليها وأمعن في التعرض والنظر إليها يظهر لك هل هي متوجهة كما في زعم مُورِدها إم غير متوجهة فلا تعبأ بموردها. نعم إن كان المُرد عظيم الشان وممن يشار إليه في هذا الفن بالبنان فالقصور فيك لا فيه فتوقف حينئذ واختبر ظاهر نظرك وخافيه بتكريره ثم بالمطارحة مع الأقران ثم بالعرض على المشائخ المشهورين بهذا الشان، فإن أزاحوا شبهتك فذاك، وإلا فسلم إلى أن يفتح عليك مولاك، فإن توجهت فاستبصر في دفعها وأمعن فإن ظهر الدافع فانظر هل يمكن دفع ما يدفعه أم لا يمكن وهكذا إلى حصول التوطن المعهود الممكن فإذا نظرت في المبحث على هذا الوجه المذكور فلا يخلو حالك عن أحد ثلاثة أمور:
إما أن لا تكون واجدا أو مصيبا لشيء من القوادح أصلا فعدم الوجدان والإصابة إما لقصور في ذهنك عن إدراكه كللا ،أو لعدم القادح في المبحث لكمال من حرره، أو لوقوع تحريره كاملا فلا يتطرق إليه ما يمكن أن يغيره عن إدراكه.
وإما أن تكون واجدا لقادح مدفوع أو يمكن دفعه عند الوقوع أو واجد الشيء لا يمكن دفعه إذا نزل. ولا قصور في هذه الأمور إلا الأول فقصوره محتمل فإذا كان منشأ عدم الوجدان والإصابة قصور في الذهن والقريحة فلا تغيّر جدك ولا تسأم عن النظر الأتم والمطالعة الصحيحة ودم على هذا المنوال ولازم هذه الخصال في كل مبحث ونزال إلى أن تتم الكتاب وترى من المطلوب العجب العجاب فأن حصل لك الكمال فذاك، وإلا فعد للكتاب أو افرغ إلى آخر فآخر حتى حصول مناك وعدّ نفسك محلا قابلا لفيضان الكمالات ولا تيأس من رحمة الله في جميع الحالات فإنك لست من الذين قد محاهم المخاطبون من دفاترهم، وفضل الله على الخلق أوسع من خواطرهم.
فإذا دمت في المطالعة على هذا النهج المبين سنة أو سنتين فلا جرم أن ترتقي بمشيئة ذي الجلال والإكرام إلى وجه تقدر به على تمييز المقبول عن ضده من الأحكام وإذا صرت مقتدرا على ذلك ودُعيت بالإمام فارتق إلى حيث خُلقت له من المراتب والكمالات العظام وهي معرفة اللع تعالى ذاتا وصفة والسلام.

فإذا علمت حقيقة المطالعة بشروطها وآدابها البارعة فحذارك من الانتقاد قبل التحقيق، والإنكار قبل التدقيق وإياك والاعتراض والجمود مع الألفاظ إذ ليس المسارعة والاستعجال إلى ميادين المطارحة والنزال قبل التثبت في جميع الخلال شأن أولي العقل والكمال لاسيما مع مبارزة الأبطال في منزلة الحرام والحلال، فإذا رأيت من يتسارع إلى الجولان في كل مجال ويجيب عن كل سؤال ويكثر من القيل والقال والخصومة في الدين والجدال من قبل أن يتثبت في أقواله والأفعال فاشهد على عقله بالخبال واقض على دينه بالضعف ونفسه بالإذلال، إذ لا يصدر ذلك غالبا إلا من ذي حُمق جلي أو داء خفي من طلب شهرة أو مال أو من نتيجة عجب أو حقد أو حسد أو نحو هذه الخصال، وما درى المسكين إن ذلك انحطاط له عن أوج الدرجات العليّة إلى مهاوي حضيض الدركات السفليه في الحال والمآل فلو كان كل من اتصف بهذه الصفات واعترف بهذه الهنات نال درجات الفضلاء الأعلام ودُعي في عالم الناسوتبالإمام وسلّم له في فعله الخاص والمعام لكثرت أئمة قطره عدد وقل غيرهم فلا يعسر حصرهم فردا فردا، وصارت الثعالب أُسُدا.