المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فقيه الحنفية الإمام شيخ الإسلام ابن كمال باشا



محمد زاهد جول
27-12-2003, 00:43
1- اسمه ونسبه :


هو الإمام، العالم، العلامة، شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا ، أحد الموالي الرومية.
فنسب إلى جده كمال باشا، واشتهر بابن كمال باشا، أو كمال باشا زاده، أو ابن الكمال الوزير. كما عرف واشتهر بـ ’مفتي الثقلين‘، لوسع اطلاعه، وعمق إحاطته بالمسائل الشرعية، وقوة محاكمته في المناظرة.


2- مولده ونشأته وطلبه العلم :


ولد شمس الدين أحمد في سنة 873هـ (1468-1469م) بمدينة طوقات من نواحي سيواس (طوقات وسيواس: مدينتان تقعان في شمال شرق تركيا).
ويرى البعض أن مولده كان بمدينة أدرنه، وهذا مرجوح، لأن ابن كمال باشا نشأ فيها وقضى مراحل حياته الأولى بِهذه المدينة، ولذلك فإن أصحاب هذا القول ظنوا أنه ولد فيها.
ونشأ أحمد شاه في بيت عز ودلال، إذ كان جده كمال أحد أمراء الدولة العثمانية، وكان ذا حظوة لدى سلاطينها، حيث كان مربيا لبايزيد الثاني، ولي العهد آنذاك، ثم صار ’نشانجي الديوان السلطاني‘( أي: الذي يختم المراسم والمكاتيب بختم السلطان المعروف بطغراء السلطان). ولم تذكر المراجع أنه كان عالما، ولا من تلاميذه التفتازانيُ، والسيد الشريف الجرجاني، كما ذكره الدكتور حامد صادق قنيبي في مقدمة تحقيق معنى النظم والصياغة لابن كمال باشا، في ’مجلة الجامعة الإسلامية‘، العددان 71-72، السنة 18، 1406هـ، ص 170.
وكذلك كان والده سليمان بن كمال باشا من قادة الجنود الإسلامية الخاقانية في زمن السلطان محمد الفاتح، واشترك في فتح القسطنطينية مع جنود سنجقِ أماسيا عام 857هـ-1453م، وصار بعد الفتح وكيلا لجند السلطان برتبة ’صوباشي‘ أي منصب من تتوفر فيه الكفاية لضبط البلد من جهة السلطان، ثم توفي في استانبول، ودفن إلى جانب مدرسة أبيه كمال معه. فهو إذن من قبل أبيه ينتمي إلى أسرة عسكرية قيادية جهادية.
وأما أمه فهي منتمية إلى أسرة علمية، فهي بنت المولى الفاضل محيي الدين محمد الشهير بابن كُوبَلو (ت 874هـ)، وهو من العلماء المشهورين بالفضل في زمانِهم، جعله السلطان محمد الفاتح قاضيا بالعسكر المنصور بعد ما تولى بعض المناصب، ثم عزله في سنة 872هـ. وكان للمولى المذكور بنتان، تزوج إحداهما المولى سنان باشا، وتزوج ثانيتهما سليمان جلبي ابن كمال باشا، فولد له منها ولد، اسمه أحمد شاه، وهو المولى العالم الفاضل المشتهر في الآفاق بابن كمال باشا.
وقد مال في صباه إلى تحصيل العلم والكمال، وأنفق ريان عمره في اقتباس كل فضيلة تسمو به إلى المحل الأرفع، وصرف حداثة سنه في إحراز كل معرفة تُعليه ذروةَ العز الأنفس، والمجد الأتلع، وحفظ القرآن الكريم، وضبط في ابتداء أمره من اللغة ما نقع بِها غلة صدره، وأحاط علما بوجوه القراءات والعلل، وأمن على نفسه غائلة التورط في مداحض الزلل، ثم استظهر في فنون الأدب كتبا قلما تصدى لحفظها أقرانه، ويهتدي لضبطها أسنانه، ثم استولى على أخذ الشعر، ورقى إلى الإعجاز منْزلة السحر.
ثم حدثت في طبعه الشريف داعية الرياسة، لما كان آباؤه من أصحاب الكر والفر والسياسة، فلحق بزمرة العسكر، وصرف عنان همته إلى سمت آخر".
وانقطع بذلك عن طلب العلم، وظل يشتغل ويترقى في الرتب في الجيش، وكان يرتقب منه أن يغدو قائدا عسكريا حازما، وأميرا مطاعا مثل آبائه وأجداده.
وخرج سنة 897هـ في سفر مع الجيش السلطاني متوجها نحو ألبانيا، وكان في هذا السفر في معية الوزير الكبير إبراهيم بن خليل باشا، وكان معهم الأمير أحمد بك بن أَوْرَنوس، وهو المقدم على سائر الأمراء آنذاك، بل ليس فيهم أعظم منه في حينه، ولا يتصدره أحد منهم.
وحدثت حادثة في مدينة فليبه -(مدينة تقح إلى الجنوب الشرقي من صوفيا، عاصمة بلغاريا)- أثّرت في نفس ابن كمال باشا، فتحول من صفوف الجيش إلى صفوف العلماء، وذلك بعناية إلهية خاصة رفعتْه بالعلم والإخلاص مقاما عليا.
فقد قص علينا ابن كمال باشا قصة تحوله من صفوف العساكر السلطانية إلى صفوف العلم، فلنترك له الحديث، فهو بِها أولى، وبروايتها أجدر.
قال ابن كمال باشا: "وكنتُ واقفا على قدميّ قدام الوزير المزبور، والأمير المذكور عنده جالس، إذ جاء رجل من العلماء، رث الهيئة، دنيء اللباس، فجلس فوق الأمير المذكور، ولم يمنعه أحد عن ذلك، فتحيرتُ في هذا، فقلت لبعض رفقائي: من هذا الذي جلس فوق هذا الأمير؟
فقال: هو رجل عالم مدرس بِمدرسة فِليبه، يقال له: المولى لطفي.(وستأتي ترجمته)
قلت: كم وظيفته؟
قال: ثلاثون درهما!
قلت: فكيف يتصدر هذا الأمير، ومنصبه هذا المقدار؟
قال رفيقي: إن العلماء معظمون لعلمهم، ولو تأخر لم يرض بذلك الأمير، ولا الوزير.
قال رحمه الله تعالى: فتفكرت في نفسي، فقلت: إني لا أبلغ مرتبة الأمير المسفور في الإمارة، وإني لو اشتغلت بالعلم يمكن أن أبلغ رتبة العالم المذكور، فنويت أن أشتغل بالعلم الشريف".
وقد أثرت هذه الحادثة في مفهوماته، فغير مجرى حياته جذريا، فترك الجيش بعد عودته من السفر، ولازم العلماء.
يقول: "فلما رجعنا من السفر، وصلت إلى خدمة المولى المذكور ’لطفي‘، وقد أعطي هو عند ذلك مدرسة دار الحديث بِمدينة أدرنه، وعين له كل يوم أربعون درهما. فقرأت عليه حواشي المطالع".
وقد سبق له قراءة مبادئ العلوم في صدر شبابه.
وتحقق أمله وحلمه العظيم، "أخذ العلوم عن أفواه الرجال النحارير، وقرأ الفنون على أفاضل الفضلاء المشاهير، منهم: المولى لطفي المزبور (ت 900هـ)، والمولى مصلح الدين القسطلاني (ت 901هـ)، والمولى خطيب زاده (ت 901 هـ)، والمولى معروف زاده".

"فأخذ علم الفروع والأصول عن المولى القسطلاني، عن المولى حضر بك، عن المولى يكان، عن المولى شمس الدين الفناري، عن الشيخ أكمل الدين (البابرتي)، عن الإمام قوام الدين الكاكي، عن الإمام حسام الدين السغناقي صاحب ’النهاية‘، عن الشيخ الإمام حافظ الدين الكبير البخاري، عن شمس الأئمة الكردري، عن شيخ الإسلام برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني، صاحب ’الهداية‘، عن نجم الدين (عمر) النسفي، عن أبي اليسر البزدوي، عن أبي يعقوب اليساري، عن أبي إسحاق النوقدي، عن أبي جعفر الهندواني، عن أبي قاسم الصفار، عن نصير بن يحي، عن محمد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة رحمهم الله. وهذا أحد طرق العنعنات".
ويذكر ابن الحنائي علي أفندي (ت 979هـ) أنه "أخذ الفقه عن مولانا سنان باشا، وعن مولانا لطفي المقتول".
ولعل هذا الأخذ والتلقي عن طريق المولى لطفي، عن المولى سنان باشا، إذ لم تذكر المصادر الأخرى تلمذته لسنان باشا مباشرة، لأن سنان باشا توفي عام (891هـ)، أي قبل تحول ابن كمال باشا من صفوف الجيش إلى صفوف العلماء بست سنين تقريبا. وكان المولى لطفي من أخص تلامذة المولى سنان باشا، ولما أتى المولى على القوشجي الرياضي الشهير، ببلاد الروم أرسله المولى سنان باشا إليه، وقرأ العلوم الرياضية عليه، وحصل سنان باشا العلوم الرياضية بواسطته.
ويقول الكفوي: "ومن لطائف صنع الله التي جلت أن تعد، وكبرت لعظم شأنِها عن أن تحد، أنه لم يَخل في عصر من الأعصار كافة المدن والأمصار عن ذي ذهن وقاد، وصاحب طبع نقاد، يبذل جهده في اكتساب ما يرفع في الدارين قدره، ويطلع من أفق النباهة بدره، فتصدى لاقتباس العلم ودراسته، ويجتهد في صونه عن الضياع حراسته، صرف همته إلى تحرير مراسم الشرع، وأجرى سواد الحبر في بياض الرَّق، ووقف همته على تَمهيد قواعد الأصل والفرع، وسوّد وجه الباطل، وبيض مَحيا الحق، به كل من يقتدي يسترشد ويهتدي، وما هو في عهده إلا هذا المولى".
"واشتغل بالعلم الشريف بالغدو والآصال"، "ودأب، وحصّل، وصرف سائر أوقاته في تحصيل العلم، ومذاكرته، وإفادته، واستفادته، حتى فاق الأقران، وصار إنسان عين الإنسان".
"قرأ عليه –أي على المولى لطفي-، ثم قرأ على غيره، إلى أن مهر، وصار إماما في كل فن، بارعا في كل علم، تُشَد الرحال إليه، وتعقد الخناصر عليه".



مصادر هذه الترجمة:

طاشكبري زاده: الشقائق 227-228؛ الكفوي: كتائب أعلام الأخيار 380ب-383أ؛ التميمي: الطبقات السنية 1: 355-357؛ الغزي: الكواكب السائرة 2: 107-108؛ حاجي خليفة: كشف الظنون 1: 283؛ ابن العماد: شذرات الذهب 8: 238-239؛ ابن الغزي: ديوان الإسلام ق 71؛ اللكنوي: الفوائد البهية 21-22؛ البغدادي: هدية العارفين 1: 141-142؛ جميل بك العظم: عقود الجوهر 1: 217-226؛ محمد طاهر البروسوي: عثمانلي مؤلفلرى 1: 223-224؛ البستاني: دائرة المعارف 3: 482؛ سركيس: معجم المطبوعات العربية 1: 227-228؛ الزركلي: الأعلام 1: 133؛ كحالة: معجم المؤلفين 1: 238؛ بروكلمان: تاريخ الأدب العربي (بالألمانية)2: 597-602، والذيل 2: 668-673، 1306.
علميه سالنامه سي 346-356؛ قنالى زاده حسن جلبي: تذكرة الشعراء 1: 122-134؛ نهال آدْسِزْ: الكشف البيبليوغرافي لِمؤلفات ابن كمال باشا في مكتبات استانبول، مجلة الشرقيات، العدد السادس 71-112، والسابع ص 83-135 (وهذه الثلاثة الأخيرة بالتركية).


يتبع......

محمد زاهد جول
27-12-2003, 00:53
3- منْزلته العلمية :


واكتمل تكوينه العلمي، وصار من أكابر العلماء العثمانيين في عصره، وبلغ في العلم منْزلة يشار إليه بالبنان، بل أصبح أكبر مُمثل للثقافة العثمانية الإسلامية في النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي. فملازمته لعظماء عصره في العلوم المختلفة جعلته يتقن أكثرَ من علم، كما يتقن أكثر من لغة إلى جانب لغته القومية - وهي التركية- كالفارسية، فضلا عن تَمرسه في العربية، لغة الدين والتشريع، وله في هذه اللغات الثلاث مؤلفات تكشف عن شخصيته الموسوعية، ومكانته الرفيعة في كل العلوم التي تناولها.



4- ثناء العلماء عليه:


ولذلك نرى المترجمين له قرظوه، وأثنوا عليه بِما هو أهله.
فقد قال عنه طاشكبري زاده (ت 968): "وكان –رحمه الله تعالى- من العلماء الذين صرفوا جميع أوقاتِهم إلى العلم، وكان يشتغل بالعلم ليلا ونَهارا، ولم يفتر قلمه، وصنف رسائل كثيرة في المباحث المهمة الغامضة… وكان صاحب أخلاق حميدة حسنة، وأدب تام، وعقل وافر، وتقرير حسن ملخص، وله تحرير مقبول جدا لإيجازه، مع وضوح دلالته على المراد. وبالجملة أنسى –رحمه الله تعالى- ذكر السلف بين الناس، وأحيا رباع العلم بعد الاندراس، وكان في العلم جبلا راسخا، وطودا شامِخا، وكان من مفردات الدنيا، ومنبعا للمعارف العليا".
وكان ابن الحنائي، علاء الدين على بن محمد (ت 979هـ) اتخذ من أسماء المشهورين طبقة في كتابه ’طبقات الفقهاء‘. وجعل العلامة ابن كمال باشا عنوان طبقته، فقال: "ثم انتقل الفقه إلى طبقة المولى أحمد بن سليمان بن كمال باشا"، وإن دل صنيعُه هذا على شيء فإنه يدل على شهرته الواسعة، وصيته الذائع في حياته، وكذلك بعد مَماته.
فوصف تلميذه العلامة أبو السعود العمادي (ت 983 هـ)، بأنه "العالم الرباني، والعارف الخاقاني، فاضل الروم، والفائق في جميع العلوم، شيخ الخافقين، ومفتي الثقلين ابن كمال باشا قدر الله ما يشاء…".
وكذلك وصف العلامة الكفوي (ت 990هـ) بأنه "أستاذ الفضلاء المشاهير، إسناد العلماء النحارير، إمام الفروع والأصول، علامة المعقول والمنقول، كشاف مشكلات الكلام القديم، حلال معضلات الكتاب الكريم، مفتي الثقلين، لسان الفريقين، السائر تصانيفه سير الخافقين، شيخ الإسلام والمسلمين، شمس الملة، وضياء الدين… وله تصنيفات كثيرة معتبرة، متداولة بين أيدي العلماء، مقبولة لدى الفضلاء… ولم يُذكر في مجلسه مسألة من كل الفنون إلا وهو كان يعلمه… وكل تصانيفه مقبولة بين الأعيان، متداولة بين أهالي الزمان، وكان عدد رسائله قريبة من مئة رسالة، كل منها جامعة الفوائد، عامة العوائد… وبالجملة أنسى –رحمه الله- ذكر السلف بين الناس، وأحيا رباع العلم بعد الاندراس، وكان من مفردات الدنيا، ومنبعا للمعارف العليا، شهرته تغني عن التفصيل والإطناب. والحاصل ما من فن إلا وله فيه حكمة وفصل خطاب".
قال عنه تقي الدين التميمي (ت 1005هـ): "الإمام، العالم، العلامة، الرُّحلة، الفهامة، أوحد أهل عصره، وجمال أهل مصره، من لم يخلف بعده مثله، ولم تر العيونُ من جمع كماله وفضله. كان رحمه الله تعالى إماما بارعا في التفسير، والفقه، والحديث، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والكلام، والمنطق، والأصول، وغير ذلك، بحيث إنه تفرد في إتقان كل علم من هذه العلوم، وقلما يوجد فن من الفنون إلا وله مصنف أو مصنفات… وصار إماما في كل فن، بارعا في كل علم، تشد الرحال إليه، وتعقد الخناصر عليه".



5- علماء القاهرة أقروا له بالفضل والإتقان في العلوم :



"وكان العلامة –ابن كمال باشا- في فتح مصر مع السلطان سليم خان، وكان قاضيا بالعسكر - المنصور بأناطولي-، فلما دخل القاهرة لقيه أكابر العلماء، وأعاظم الفضلاء، وناظروه، وباحثوه، وتكلموا بِما عندهم، فامتحنوه، فأعجبوا بفصاحة لسانه، وحسن كلامه، وبلاغة بيانه، وبسط مرامه، وأقروا له بالفضل والكمال، وكانوا يذكرونه بغاية التبجيل والإجلال، ويشهدون أن ليس في العرب له عديل، ولا في أفاضل العجم والروم له عوض وبديل".
"وأجاز له بعض علماء الحديث بِها - أي بالقاهرة-، وأفاد واستفاد، وحصل بِها علو الإسناد، وشهد له علماؤها بالفضائل الجمة، والإتقان في سائر العلوم المهمة".

محمد زاهد جول
27-12-2003, 01:07
6- الموازنة بين ابن كمال باشا والسيوطي :


ولا تجد في عصره من يساويه في بلاده على الإطلاق، إذ كان فريدا في الديار الرومية، في كثرة التأليف، وسرعة التصنيف، ووسع الاطلاع، والإحاطة بكثير من العلوم. ولا ترى له نظيرا في عصره إلا في الديار المصرية في جلال الدين السيوطي رحمه الله.
واختلف النقاد المترجمون في الموازنة بين هذين الطودين العظيمين، فذهب التميمي إلى أن ابن كمال باشا قد حاز السبق على السيوطي فقال: "وعندي أن ابن كمال باشا أدق نظرا من السيوطي، وأحسن فهما، وأكثر تصرفا، على أنّهما كانا جمال ذلك العصر، وفخر ذلك الدهر، ولم يخلف أحد منهما بعده مثله، رحمه الله تعالى".
ومضى العلامة أبو الحسنات عبد الحي اللكنوي (ت 1304هـ) يرجح كفة الإمام السيوطي من زاوية معينة فقال عقب كلام التميمي: "أقول: هو إن كان مساويا للسيوطي في سعة الإطلاع في الأدب والأصول، لكن لا يساويه في فنون الحديث، فالسيوطي أوسع نظرا، وأدق فكرا في هذه الفنون منه، بل من جميع معاصريه، وأظن أنه لم يوجد مثله بعده، وأما صاحب الترجمة فبضاعته في الحديث مزجاة، كما لا يخفى على من طالع تصانيفهما، فشتان ما بينهما كتفاوت السماء والأرض وما بينهما".
ويقول العلامة عمر نصوحي معقبا على كلام الإمام اللكنوي: "وفي الواقع أن العلامة ابن كمال باشا وإن كان مساويا للسيوطي في العلوم المتعلقة بالدراية، بل أدق نظرا منه، وأحسن فهما، وأحسن تصرفا، فإنه لا يساويه في الفنون المتعلقة بالرواية، فإن العلامة عبد الحي اللكنوي على حق في ذلك. ويظهر هذا الفرق جليا لمن طالع ’الأربعين وشرحه‘، و’شرح مشارق الأنوار‘ لابن كمال باشا، ومؤلفات الإمام السيوطي الجامعة لآلاف الأحاديث الشريفة فيها…".
ويقول الدكتور حسن عتر بعد إيراد أقوال العلماء في موازنتهما: "قلت: اتفقوا على تفضيلهما على جميع علماء ذلك العصر، واختلفوا في ترجيح فضل أحدهما على الآخر. فإما أن يكون أحمد بن سليمان كالسيوطي تَماما، أو أنه يليه مباشرة، فلا يتوسط بينهما أحد في العلم والفضل. والحق أن لكل منهما مزيته ورجحانه في جانب من العلوم، ولا ريب أن السيوطي أطول باعا، وأعظم تضلعا من علوم الحديث، وفي كل منهما خير عظيم وعلم غزير، رحمهما الله وجزاهما خيرا عن الإسلام والمسلمين".
وإن العلامة ابن كمال باشا تَميز في إجادته التامة للغات العربية والتركية والفارسية، الأمر الذي جعله يقف على أسرارها، ويؤلف في فقهها المقارن، فضلا عن أنه عاش على طول حياته رجل سياسة وقضاء، بينما يظل السيوطي متفردا في علوم الحديث.
وأبرز ما تَميز به العلامة ابن كمال باشا، هو وقوفه على قضايا دقيقة مِما أشكل على بعض المتقدمين أمره، أو كثر الاختلاف فيه بينهم، سواء أكانت هذه المشكلات في اللغة، أم في الفكر، وسواء أكانت في المنقول، أم المعقول.
هذا وذهب كثير من المؤلفين إلى أنّهم فضلوا العلامة ابن كمال باشا - لانتشار شهرته العلمية في عصره - على أكابر علماء الشرق أمثال العلامة التفتازاني، والفاضل السيد الشريف الجرجاني، وأن تقدمهما على ابن كمال باشا لم يكن إلا تقدما زمانيا، بل ظن هؤلاء أنّهما –أي السعد والسيد- لحضرا دروسه، لو أمكنهما ذلك.
قلت: وهذا على ما فيه من المبالغة يفيد نظر البارعين والمؤلفين إليه في عصره، وبعد وفاته.



7- الموازنة بينه وبين العلامة أبي السعود، تلميذه :



والذين قاموا بالموازنة بين هذين العلمين الشامِخين يرون أنّهما عالمان متبحران في الاطلاع على الفقه، والكلام، والأصول، على السواء.
ويرون ترجيح كفة العلامة ابن كمال باشا في علوم التصوف، والحكمة، والتاريخ، والأشعار التركية على العلامة أبي السعود.
كما يرون تفوق العلامة أبي السعود في الأدب، وعظمة الأسلوب، وتناسب البيان، والأشعار العربية.
وأحسن ما يقال في مكانة ابن كمال باشا العلمية أنه من أصحاب الترجيح - القادرين على تفضيل بعض الروايات على بعض آخر-، هو والعلامة أبو السعود العمادي، فإن مراتب الرجال بالفضل والكمال، لا بتقادم الأزمنة والآجال. وخير دليل على ذلك رسالتُه في ’مسألة دخول ولد البنت في الموقوف على أولاد الأولاد‘ بالنسبة للأول، وبعضُ صور الفتاوى بالنسبة للثاني.

محمد زاهد جول
27-12-2003, 01:25
8- ما تولاه من المناصب والوظائف :


وبعد أن اكتمل تكوينه العلمي على أيدي أفاضل علماء عصره صار مدرسا، وظل يترقى في التدريس متنقلا في مدارس، من مدرسة إلى أعلى منها.

وفي سنة 911هـ صار مدرسا بِمدرسة ’علي بك‘ الشهير بالمدرسة الحجرية بأدرنه، بثلاثين درهما يوميا.

وفي نفس الوقت كلف منه السلطان بايزيد الثاني أن يكتب تاريخ الدولة العثمانية، بتوصية من عبد الرحمن بن علي بن المؤيد (ت 922هـ) - وكان قاضيا بالعسكر المنصور في ولاية أناطولي آنذاك-، ولأجل ذلك أعطى له السلطان بثلاثين ألف درهم، وقد قام العلامة ابن كمال باشا بِهذه المهمة خير قيام، فكتب ’تواريخ آل عثمان‘ باللغة التركية، بدءا من سنة 699هـ، وهي تاريخ قيام الدولة العثمانية، وانتهاء إلى عام 933هـ، أي قبل تاريخ وفاته بسبع سنين.

وفي سنة 917هـ ولي التدريس بِمدرسة إسحاق باشا بِمدينة أسكوب في البلاد اليونانية، بأربعين درهما يوميا.

وفي سنة 918هـ ولى التدريس بالمدرسة الحلبية بأدرنه، بستين درهما يوميا.

ثم صار مدرسا بإحدى المدرستين المْتجاورتين بأدرنه.

وبعدها بإحدى المدارس الثمان باستانبول.

إلى أن أصبح مدرسا لمدرسة السلطان بايزيد الثاني بأدرنه، وهي من أكبر المدارس العثمانية آنذاك.

وفي سنة 922هـ، بعد عودة السلطان سليم الأول من سفره إلى جالدران، صار قاضيا لأدرنه.

وفي السنة نفسها جعله السلطان سليم الأول قاضيا بالعسكر المنصور في ولاية الأناضول، وذلك قبل 4 جمادى الأولى من سنة 922هـ، وهو خروج السلطان سليم الأول إلى سفره إلى القاهرة، وكان مع السلطان في هذا السفر، وعلى ذلك المنصب.

وأسند إليه الإشراف على تنظيم الأمور بِمصر، في أثناء وجوده هناك مع السلطان سليم الأول.

كما أسند إليه الإشراف على تنظيم الأمور المِلْكية وتحريرها بِمدينة قونيه، وذلك أثناء عودة السلطان سليم الأول من القاهرة، سنة 924هـ.


ويرى البعض أنه عزل من القضاء بالعسكر المنصور في ولاية الأناضول في سنة 925هـ بوشاية من حساده إلى السلطان. كما يرى آخرون أنه اعتزل منه بطلب ورضا منه.

وفي السنة نفسها (أي 925هـ) عين مدرسا في مدرسة دار الحديث بأدرنه، وعين له كل يوم مئة درهم.

ثم أعطاه السلطان سليمان القانوني (926-974هـ) مدرسة جده السلطان بايزيد خان الثاني (886-918هـ) للمرة الثانية بِمدينة أدرنه. وذلك بعد سنة 926هـ، ومكث فيها إلى أن صار مفتيا بقسطنطينية (أي مفتي الخلافة العلية العثمانية)، وبالأحرى شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، وذلك بعد وفاة المولى علاء الدين علي الجمالي الشهير بزنبيلي علي أفندي في سنة 932هـ.

ولم يزل في منصب الإفتاء إلى أن توفي يوم الجمعة، الثاني من شوال، 940هـ، في عهد السلطان سليم القانوني.

وقد قام بأداء هذه الوظائف خير قيام، وجمع إلى شخصيته العلمية صنعة الإدارة بِمهارة فائقة، ولم يعجز في القيام بِمهمات القضاء، وقضاء العسكر، والإفتاء، والتدريس، بل قام بِها على أحسن وجه وأكمله.



9- دفاعه عن عقيدة أهل السنة وكفاحه ضد البدع والمنكرات :



ولقد كان لموقع ابن كمال باشا من القضاة والمفتين والمدرسين في الديار العثمانية أثر كبير في تصحيح الكثير من الأحكام والافتاءات، بل المعتقدات، وحل المشكلات التي كان يعاني منها العامة، وكان يأخذ على عاتقه بيان الصواب، وتصحيح المفاهيم المنحرفة في أعراف العوام وتقاليدهم، ولذلك نرى جملة صالحة من الرسائل تناولت جوانب من معتقدات الناس، وأمور الشريعة والفقه.
دافع العلامة ابن كمال باشا عن عقيدة أهل السنة بشدة أمام خطر انتشار آراء الروافض عن طريق دعاة شاه إسماعيل في الأناضول، وحرّض السلاطينَ العثمانية على الجهاد ضدهم، وجاهد ضدهم بقلمه وسنانه، وشارك مع السلطان سليم الأول في سفره إلى إيران، وحضر موقعة جَالْدِرَانْ، وكتب في بيان فساد معتقداتِهم وآرائهم رسالة، وأفتى بكفرهم وارتدادهم، وأن ديارهم دار حرب، وأن نكاحهم باطل، وأن جهادهم فرض عين على جميع أهل الإسلام القادرين على قتالهم، قال رحمه الله تعالى في رسالته في إكفار الروافض (قِزِلْبَاشْ):
"… وقد تواترت الأخبار والآثار في بلاد المسلمين والمؤمنين أن طائفة من الشيعة قد غلبوا على بلاد كثيرة من بلاد السنيين، حتى أظهروا مذاهبهم الباطلة، فأظهروا سب الإمام أبي بكر، والإمام عمر، والإمام عثمان رضوان الله عليهم أجمعين، وأنّهم كانوا ينكرون خلافة هؤلاء الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وأنّهم يستحقرون الشريعة وأهلها، ويسبون المجتهدين، زعما منهم أن سلوك مذاهب هؤلاء المجتهدين لا يخلو عن مشقة، بخلاف سلوك طريق رأسهم ورئيسهم الذي سموه بشاه إسماعيل… ويزعمون أن ما أحله شاه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام… وبالجملة أن أنواع كفرهم المنقولة إلينا بالتواتر مِما لا يعد ولا يحصى.
فنحن لا نشك في كفر هم وارتداد هم، وأن ديار هم دار حرب، وأن نكاح ذكورهم وإناثهم باطل بالاتفاق… وما ذبحه واحد منهم يصير ميتة، وأن من لبس قلنسوتَهم الحمراء المخصوصة بِهم من غير ضرورة كان خوف الكفر عليه غالبا، فإن في ذلك من أمارات الكفر والإلحاد ظاهرا. ثم إن أحكامهم كانت من أحكام المرتدين، حتى إنّهم لو غلبوا على مدائنهم صارت هي دار الحرب، فيحل للمسلمين أموالهم وأولاد هم، وأما رجالهم فواجب قتلهم إلا إذا أسلموا. ويجب أن يعلم أيضا أن جهادهم كان فرض عين على جميع أهل الإسلام الذين كانوا قادرين على قتالهم". ثم ذكر ما يؤيد رأيه في ذلك كله من كتب الفقه المعتبرة.
وفي ’صورة فتوى في حق قِزِلْباشْ‘ (أي الروافض) يقول: "ماذا يقول السادة في بيان هذه المسألة: هل يجوز قتال طائفة قزلباش شرعا - (قِزِلْبَاشْ: كلمة تركية، معناها: أحمر الرأس. كان الترك يطلقونَها على حاشية إيران بعد أن صار الغلو في الرفض أساس المذهب عندهم في أيام الصفويين إلى الآن - هامش سمط النجوم العوالى 4: 71).)- ، وهل يكون مَن قتلهم من جيش الإسلام غازيا، والمقتول على أيديهم شهيدا؟
الجواب: نعم، يعتبر غزوة كبرى، وشهادة عظمى. حرره الفقير أحمد، أبو السعود".
وهذان التوقيعان لإمامين شامِخين، الأول للإمام العلامة ابن كمال باشا، والثاني لتلميذه العلامة أبى السعود، صاحب التفسير الشهير.
بل كتب العلامة ابن كمال باشا الرسائل التي أرسلها السلطان العثماني سليمان بن سليم القانوني إلى شاه إيران طاهماسب الأول بيده، وحرض السلطان سليمان على السفر إلى إيران لقطع شره.
كما دافع عن عقيدة أهل السنة في مسألة أفضلية النبي r على سائر إخوانه من النبيين في فتنة القابض الذي زعم أن عيسى u أفضل من نبينا محمد r، وكان يدعو إلى مذهبه في كل مكان، فدُعِي إلى الديوان العثماني لمناقشة مذهبه، وحضر في الديوان القاضي عسكر في ولاية أناطولي المولى عبد القادر الشهير بقادري جلبي (ت 955هـ) ، والقاضي عسكر في ولاية روم إيلي محيي الدين محمد بن على بن يوسف بن المولى شمس الدين الفناري (ت 954هـ) ، من وراء الستار، فدافع الملا القابض عن رأيه، واستشهد له بالآيات والأحاديث متأولا حسب هواه، ولم يقدر القاضيان بإلزامه بالحجة، بل أفتيا بقتله، دون بيان فساد رأيه بالحجج والأدلة.
ولم يوافق هيئة الديوان على فتواهما، فخلوا سبيل الملا القابض، فدعي إلى الديوان في اليوم الثاني، وحضر العلامة ابن كمال باشا شيخ الإسلام في الدولة العثمانية آنذاك بأمر من السلطان سليمان للمناقشة معه، فأبطل العلامة ابن كمال باشا ما تشبث به القابض من الأدلة بالبراهين والأدلة، وألزمه إلزاما لم يستطع أن يدافع عن رأيه، بل سكت واستسلم، وأفتى بزندقته وكفره، فدعي القابض إلى التوبة والإنابة، ولم يجب على ذلك، فقتل في اليوم التالي.
وكتب العلامة ابن كمال باشا بِهذه المناسبة وفي هذه المسألة، رسالتين، الأولى ’رسالة في أفضلية النبي r‘ قال في مقدمتها: ’فهذه رسالة في تحقيق تلك المقالة‘ أي مقالة القابض، وبين فيها أن المسلمين أجمعوا على تفضيل نبينا r على سائر الأنبياء عليهم السلام، واستشهد على ذلك بالأدلة من الآيات والأحاديث، قال فيها: "وأنا أقول: لابد من الاعتقاد بتفضيل نبينا محمد u على سائر الأنبياء عليهم السلام إجمالا وتفصيلا، لِما مر من اعتقاد إجماع المسلمين على ذلك، وفي التعبير عن هذا المقصد يكفى أن يقال: إن محمداً u أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام، ولا حاجة إلى التفضيل التفصيلي عبارة لِما فيه من إظهار النقص في المفضول، والاحتراز عنه واجب، فإنا قد أمرنا به… ثم قال:
فالتفضيل التفصيلي عبارة لا يُصار إليه إلا في مقام الضرورة، وقيام الحاجة إليه، كما وقع في زماننا، حين ادعى بعض الزنادقة -في ديوان السلطان سليمان الزمان، عند حضرة آصف الدوران، مسمى خليل الرحمن- فضل عيسى-u- على نبينا محمد r، فاحتيج في رده إلى التصريح بأن محمدا r مفضل على عيسى وعلى سائر الأنبياء مجملا ومفصلا".

وأما الرسالة الثانية فهي ’رسالة في تصحيح لفظ الزنديق، وتوضيح معناه الدقيق‘، فقال في آخرها -بعد أن بين معنى الزنديق لغة وشرعا-: "إن الرجل الشهير بالقابض، المقبوض روحه بأمر الفائض فتوحه، كان زنديقا –على التعريف الفقهي للزنديق، المنقول عن شرح المقاصد-، وكان داعيا إلى الضلال، معروفا بالإضلال، ساعيا في إفساد الدين المبين، على ما اشتهر وثبت بشهادة ثقات من العدول، وتقاة من الفحول، وقد مر في الفتاوى الخانية: أن الفتوى على وجوب قتل من كان كذلك".
وكان العلامة ابن كمال باشا يكافح البدع والمنكرات الشائعة في زمانه، ويستنكرها بلهجة قوية، وينكر على العامة في مخالفاتِهم، ويواجه العلماء بالتذكير والنصيحة، فقد نبه على بدع الصوفية وخرافاتِها، ورد عليها، وكتب رسالة في بيان تحريم الرقص والدوران.
قال فيها: "سئل الحلواني: عمن سموا أنفسهم بالصوفية، فاختصوا بنوع لبس، واشتغلوا باللهو والرقص، وادعوا لأنفسهم منْزلة عند الله تعالى، فقال: افتروا على الله كذبا فاحشا. وسئل: إن كانوا زائغين عن الطريق المستقيم، هل ينفون من البلاد لقطع فتنتهم عن عامة الناس؟ فقال: إماطة الأذى عن الطريق أبلغ في الصيانة، وأمثل في الديانة، وتَمييز الخبيث من الطيب أزكى وأولى". ثم ذكر أقوال الأئمة المؤيدة لذلك.
وقال في رسالة المنيرة: "واعلم أن بعض الصوفيين في هذا الزمان لا يعلمون أداء الفرائض والواجبات بكامله، فيتركون في صلواتِهم مثل القراءة والقومة والجلسة على المشروع، ويشتغلون بعد صلواتِهم بالتسبيح والتهليل، رجاء من الله الثواب على هذه الحالة، ويغفلون عن هذا الحديث، قال عليه الصلاة والسلام لأعرابي لم يتم ركوعه وسجوده: ’قم، صل، فإنك لم تصل‘".
وقال أيضا: "اعلم أن من بدعات هذه الصوفيين أن شيوخهم يغسلون أيديهم، ثم يشربون تلك الغسالة مرضى هذه المسلمين لأن تشفي لهم، فهذه البدعة منهم وسائر بدعاتِهم لا تجد إليها إشارة قط في أحكام الشريعة، سوى قولهم بالترهات.
فاعلم أن الصوفيين في هذا الزمان لا يتعلمون أحكام الشريعة من علماء الدين، بل يعلمهم شيوخهم ما يقتضي هوى أنفسهم من الشطح والطامات والترهات، والأصل في الزمان السابق أن هذه الفرق الموصوفة بالتصوف كانوا متشرعين عاملين على مقتضى الشريعة، وسالكين في طريق الحق بالاستقامة، لكن بعد زمانِهم ابتدأ ظهور البدعة، وتَهاون العلماء في إحياء السنة والشريعة، فزيدت البدعات يوما فيوما، حتى انتهت إلى هذه المرتبة، فالآن حدثت المتصوفة الصارفة أوقاتَهم إلى مقتضى أنفسهم، واشتغلوا بكثرة المريدين والأحباء، وتبدلوا أشكالهم وصورهم لأكل أموال الأغنياء، وحيلوا في اصطياد قلوب الأمراء بالشطح والطامات".

محمد زاهد جول
27-12-2003, 02:16
10- صفته وحليته :



"وكان -رحمه الله- حسن المنظر، حافظ الآداب، ولطيف الصحبة إذا جلس مع الأحباب، كريم الشأن، عظيم المكان، قليل المقال، كثير التفكر في كل حال، هذا شمة من فضائله، وبعض من شمائله".
"وكان صاحب أخلاق حميدة حسنة، وأدب تام، وعقل وافر".


11- وهل لابن كمال باشا ذرية بعده :


لم تذكر المصادر التي ترجمت لابن كمال باشا غير واحد أنه تزوج، وأنه رزق من هذا الزواج بولد، ولكن هناك نص في آخر ’رسالة في تحقيق المعجزة‘ لابن كمال باشا في مكتبة كوبريلي باستانبول ضمن مجموعة تحت رقم 1014 يقول في الورقة 105أ: "تَمت ’الرسالة المعمولة في تحقيق المعجزة‘ بعون الله تعالى وحسن توفيقه على يد العبد الضعيف الفقير إلى الله تعالى، تراب أقدام الصالحين، الراجي عفو ربه وغفرانه صالح محمد بن أحمد بن سليمان بن كمال القسطنطيني، عفا الله تعالى عنه، وعن والديه وعن جميع المسلمين عامة".
فيفهم منه أنه تزوج، ورزق منه بولد، اسمه محمد صالح، وله حظ من العلم، ومشتغل به.
ويؤيد ديباجةُ ’رسالته في علوم الحقائق وحكمة الدقائق‘وجودَ ابن له، حيث يقول فيها: "فهذه ’الرسالة في علوم الحقائق وحكمة الدقائق‘، لولدي في طريقه، وقرة العين في الإرادة، زاد الله تعالى توفيقا في تحصيل علوم الشريعة، وهداية وإرشادا في دقيق معاني الحقيقة، اللهم اجعل هاديه في الدين بحق محمد الأمين".
وكذلك يفهم من ديباجة ’رسالته في بيان عقيدة أهل السنة‘ أن له بنتا، وكتب هذه الرسالة لتلقينها عقيدة أهل السنة، إذ يقول فيها بعد الحمد لله والصلاة على النبي :
"وبعد: لما طعنت بنيتي في السنة السابعة، خطر ببالي أن ألقنها عقيدة أهل السنة، وآمرها باتباع الشريعة، عملا بِما جاءت به السنة، وذلك ’أن النبي  كان يعلم الغلمان من بني هاشم -إذا أفصح –سبع مرات: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا‘".
هذا، وذكر حسين حسام الدين في كتابه ’تاريخ أماسية‘أن له ابنا اسمه إبراهيم، وبنتا اسمها صفية، زوجها من ابن مؤيَّد زاده عبد الرحمن المسمى بعبد الوهاب.


12- وفاته :


لقد قضي العلامة ابن كمال باشا حياته كلها في خدمة العلم وطلابه، وشغل كل وقته بالكتاب مطالعا أو باحثا أو مؤلفا، حتى زادت مؤلفاته عن ثلاث مئة رسالة في فنون شتى، وبعد هذه الحياة الحافلة بالعلم والتدريس والإفتاء والقضاء أدركته المنية "في يوم الخميس، الثاني من شهر شوال، المنتظم في سلك شهور سنة أربعين وتسع مئة، بعد طلوع الشمس، في مدينة قسطنطينية، وصُلِّي عليه بعد الظهر من ذلك اليوم، في جامع السلطان محمد خان عليه الرحمة والرضوان، ودفن في ذلك اليوم أمام الزاوية التي سكانُها الصوفية المنسوبة إلى الأمير البخاري عليه رحمة الملك الباري.
قيل في تاريخه: حل عليه رحمة الحق. وقيل: مات النحرير. وقيل بالفارسية: رحمت بَروحِ بَاكِ أحمد.
وفي يوم عيد الفطر عرض عليه الوصية بإسقاط الصلاة، وقال: "أكملت يوم عرفة سبعا وستين سنة من العمر، وليس عليّ صلاة غير مؤداة سوى ما فاتني في هذا المرض، رحمه الله تعالى، وأقامه في العليين، مع النبيين –عليهم الصلاة والسلام- والشهداء والصالحين".
وقيل في تاريخ وفاته أيضا: ارتحل العلوم بالكمال.
وكتب على قبره: هذا مقام أحمد.
وعلى أكفانه: هي آخر اللباس. وكلها يتضمن تاريخ وفاته.
وكان يقول –رحمه الله تعالى- وهو يحتضر: يا أحد نَجنا مِما نخاف. فحسبت بعد موته، فكانت تاريخا لوفاته أيضا بحساب الجمل.
فلا عبرة بأوهام بعض المعاصرين من المؤرخين والمترجمين كعطا بك الذي أرخ له في ’تاريخ الدولة العثمانية‘ (استانبول، 1330هـ) 5: 178، سنة 938هـ تاريخا لوفاته.
وعاشق جلبي في ’التذكرة‘، سنة 941هـ تاريخا لوفاته أيضا.
وإسماعيل حقي أوزون جارشيلي في ’التشكيلات العلمية في الدولة العثمانية‘ (ص 223) سنة 941هـ كتاريخ لوفاته كذلك.
وحكى بعض المترجمين له أنه لَما بلغ خبر وفاته الديار الشامية صلوا عليه غائبة بجامع دمشق، وذلك ثاني ذي القعدة سنة 940هـ، وكذلك بالمسجد الحرام.
وهذا يدل على اشتهاره في العالم الإسلامي لخدمته العلوم الشرعية بالتدريس والإفتاء والتأليف، كما يدل على تقديرهم لدرجته العلمية واعترافهم بِمكانته الرفيعة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، آمين.

محمد زاهد جول
27-12-2003, 02:38
أ - شيوخه :

من المعلوم أن من جملة الأسباب التي تُدرَك مكانةُ المرء، وتعرَف منْزلتُه، هي معرفة شيوخه وأساتذته الذين تلقى عنهم، وتأثر بِهم، واقتفى أثرهم. فإن للشيخ في نفس التلميذ من الأثر ما ليس لأحد غيره من الناس، وإن لقوة شخصية الشيخ وقدرته العلمية لَكبير الأثر في بناء شخصية التلميذ ونضوج عقليته.
ومن هؤلاء الشيوخ الكبار الذين أخذ عنهم العلم، وتأثر بِهم ابن الكمال:


1- المولى لطف الله التوقادي، الشهير بـ’ملا لطفي‘ ت. 900هـ: قرأ العلوم على المولى سنان باشا، وتخرج عنده، وحصل العلوم الرياضية على علي القوشجي لَما دخل بلاد الروم، وحصلها سنان باشا بواسطته، ورباه سنان باشا حال وزارته عند السلطان محمد خان الثاني أبى الفتح، فجعله أمينا على خزانة الكتب، فاطلع على غرائب منها، وأعطي في زمن السلطان بايزيد خان الثاني مدرسة بِبَرُوسَة، ثم مدرسة دار الحديث بأدرنه، ثم إحدى المدارس الثمان، ثم مدرسة المرادية بِبَرُوسَه. وكان رحمه الله فاضلا لا يجاري، وعالما لا يباري، ولكثرة فضائله حسده أقرانه، ولإطالة لسانه عليهم نسبوه إلى الإلحاد والزندقة، وحكم المولى خطيب زاده بِإِبَاحَة دمه، فقتل سنة 900هـ. ومن مصنفاته:
أ. حواش على شرح المطالع، أورد فيها تحقيقات وفوائد خلت منها كتب الأقدمين.
ب. حواش على شرح المفتاح للسيد الشريف، ولقد حل فيها المواضع المشكلة من الكتاب، بحيث يتحير فيها أولو الألباب.
ج. رسالة سماها ’السبع الشداد‘، وهي مشتملة على سبعة أسئلة، على السيد الشريف في بحث الموضوع، ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وأجاد كل الإجادة.
د. رسالة ذكر فيها أقسام العلوم الشرعية والعربية، أورد فيها عجائب وغرائب.
هـ. رسالة في تحقيق الإيْمان.


2- المولى مصلح الدين مصطفى القسطلانى (ت. 901هـ):
قرأ على علماء الروم، ثم تتلمذ على خضر بك، ودرّس في عدة مدارس، ثم في إحدى المدارس الثمان، ثم صار قاضيا في كل من أدرنه، وبَرُوسَة، وقسطنطينية، ثم قاضيا بالعسكر المنصور، وكان عالما مشتهرا، ذا منْزلة خطيرة بين علماء عصره، وكان لا يداري الناس، ويتكلم بالحق على كل حال، شغله التدريس والقضاء عن التفرغ للتأليف، توفي سنة إحدى وتسع مئة للهجرة، ودفن إلى جوار زيد بن خالد أبى أيوب الأنصاري. ومن مصنفاته:
أ. كتب حواش على شرح العقائد للسعد
ب. وكتب رسالة يذكر فيها سبعة إشكالات على المواقف وشرحه.
ج. وكتب حواش على ’المقدمات الأربع‘ لصدر الشريعة.


3- المولى محيي الدين محمد بن إبراهيم الشهير بابن الخطيب أو بخطيب زاده (ت. 901هـ): قرأ على والده العلوم، وعلى العلامة علي الطوسي، والمولى خضر بك، ثم صار مدرسا في مدارس عديدة، وهو من أول المدرسين بإحدى المدارس الثمان. وكان طليق اللسان، جريء الجنان، قويا على المحاورة، فصيحا عند المحاورة، ولهذا قهر كثيرا من علماء زمانه. توفى سنة إحدى وتسع مئة. ومن مصنفاته:
أ. حواش على حاشية شرح التجريد للسيد الشريف.
ب. حواش على حاشية الكشاف للسيد الشريف.
ج. حواش على أوائل شرح الوقاية لصدر الشريحة ولم يتمها.
د. حواش على أوائل حاشية شرح المختصر للسيد الشريف.
هـ. رسالة في بحث الرؤية والكلام.
ز. حاشية على أوائل شرح المواقف.
ح. حواش على شرح المقدمات الأربع.
ط. رسالة في فضائل الجهاد.


4- المولى سنان الدين يوسف المعروف بابن الْمُعَرِّف:
لم يذكر المؤرخون تاريخ وفاته. وهو من ولاية بالي كسر، حصل العلوم على علماء عصره، ووصل إلى خدمة المولى خضر بك بن جلال الدين، ثم اشتغل مدرسا ببعض المدارس، ثم صار معلما للسلطان بايزيد خان، ونال عنده القبول التام، وأحبه محبة عظيمة، وقد عمي في آخر عمره، وما ترك السلطان بايزيد خان صحبته إلى أن توفي، رحمه الله رحمة واسعة.
هذا، ونجد العلامة ابن كمال باشا يذكر بعض شيوخه أحيانا دون ذكرا سمه، فمثلا يقول في ’رسالته وجوب الواجب‘: "هذا ما ذكره بعض المحققين من مشايخنا".



ب - تلامذته :



لابد لذلك الطود الشامخ، والجبل الراسخ في العلم من أن يكون له أتباع يأخذون عنه، وتلاميذ يتلقون منه، إذ أنه اشتغل مدة غير قليلة بالتدريس في مدارس عديدة. وكان ابن كمال باشا محظوظا من جهة تلاميذه، وكانت مجالسه عامرة بطلبة العلم من أفاضل عصره، فلا غرو أن تخرج به جمٌّ غفير من العلماء، وقد برعوا في شتى الفنون، وقد أسهم هؤلاء إسهاما فعالا في نشر العلم.
بل الذين تولوا القضاء والإفتاء والتدريس وسائر الوظائف منهم في غاية الكثرة، وهكذا يكون الأمر إذا بارك الله في علم عالم.
وأذكر ما وجدته منهم حسب أقدمية الوفيات، وأخرت من لم أجد لهم تواريخ وفياتِهم:

1- المولى محيي الدين محمد بن بير محمد باشا الجمالي (ت. 941هـ):
حصل العلوم على والده، ثم على المولى الفاضل أحمد بن كمال باشا، ثم على المولى علاء الدين علي الجمالي المفتي، ثم صار مدرسا في المدارس الثمان، ثم قاضيا بِمدينة أدرنه، وتوفي وهو قاض بِها، وكان عالي الهمة، رفيع القدر، عظيم النفس، صاحب وقار وأدب، وكان له حظ من العلوم المتداولة والعلوم الرياضية.


2- المولى سعد الله بن عيسى، المعروف بسعدي جلبي (ت. 945هـ):
حصل العلوم على علماء عصره، ثم وصل إلى خدمة المولى محمد السامسوني، ثم انتقل مدرسا في مدارس عدة، ثم صار مدرسا في إحدى المدارس الثمان، ثم صار قاضيا بمدينة قسطنطينية، وشيخ الإسلام بعد وفاة شيخه العلامة ابن كمال باشا. وكان مرضي السيرة في قضائه، ومحمود الطريقة، وكان طاهر اللسان لا يذكر أحدا إلا بخير. وكان من جملة الذين صرفوا جميع أوقاتِهم في الاشتغال بالعلم.
وله حواش على تفسير البيضاوي، وشرح مختصر للهداية، وفتاوى.


3- المولى هداية الله بن مولانا بار علي العجمي (ت. 948 أو 949هـ):
قرأ على علماء عصره، منهم المولى بير أحمد جلبي، والمولى مصلح الدين مصطفى بن خليل، والد طاشكبري زاده، والمولى محيي الدين الفناري، والمولى ابن كمال باشا، ثم اشتغل بالتدريس في مدارس عديدة، وبإحدى المدارس الثمان، ثم صار قاضيا بِمكة المكرمة، ثم اختلت عيناه، فترك القضاء، وذهب إلى مصر، وتوفى بِها.
وكان عالما مشاركا في العلوم، وله معرفة بالأصوليْن والفقه، وكان أديبا لبيبا، وقورا حليما متواضعا متخشعا، كريم النفس مرضي السيرة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.


4- المولى محيي الدين محمد بن عبد الله الشهير بِمحمد بك (ت. 950هـ):
كان من عبيد السلطان بايزيد خان، وسلك طريق العلم، وقرأ على علماء عصره، منهم المولى الشيخ مظفر الدين العجمي، والمولى محيي الدين الفناري، والمولى بير أحمد جلبي، ثم وصل إلى خدمة المولى الفاضل ابن كمال باشا، وصار معيدا لدرسه. ثم أصبح مدرسا في مدارس عديدة، ثم اختل دماغه، وترك التدريس، وسافر إلى مصر، وأسر في أيدي النصارى، وأسترده بعض أصدقائه منهم، ورجع إلى قسطنطينية، واشتغل بالتدريس.
وتوفي ببلدة كُوتَاهْية في سنة 950هـ، وكان أديبا، محبا للعلم وأهله، وله مشاركة في العلوم العقلية والرياصية.


5- المولى الخطير والسميدع النحرير محمد بن عبد الوهاب بن عبد الكريم (ت. 955هـ):
كان جده عبد الكريم قاضيا بعسكر دولة السلطان محمد خان أبى الفتح، وولي أبوه عبد الوهاب الدفتر دارية في عهد السلطان سليم خان.
حصل العلوم على علماء عصره، منهم المولى إسرافيل زاده، والمولى جِوِي زاده، والمفتي أبو السعود، ثم وصل إلى معدن الفضل والكمال، ومحط رحال الرجال، المخصوص في عهده بالإفادة المولى الشهير بكمال باشا زاده، فتبحر في العلوم، وغلب على أقرانه، ثم اشتغل بالتدريس والقضاء، ثم توفي وهو في الستين من عمره. وكان رحمه الله ينظم الأبيات بعدة لغات، وكانت له عدة مؤلفات، ذكرها ابن بالي.


6- المولى عبد الكريم الوِيْزَوي (ت. 961هـ):
قرأ على علماء عصره، ثم وصل إلى خدمة المولى الفاضل ابن كمال باشا المفتي، ثم اشتغل بالتدريس في المدارس المختلفة، ثم صار مدرسا ومفتيا بسلطانية مغنيسا، وتوفي وهو مدرس بِها.
وكان رحمه الله عالما فاضلا، قوي الطبع، شديد الذكاء، لطيف المحاورة، حسن المحاضرة، لذيذ الصحبة، وكانت له مشاركة في العلوم كلها، رحمه الله رحمة واسعة.


7- المولى درويش محمد (ت. 962هـ):
وكانت أمه بنت العالم الفاضل سنان باشا، قرأ على علماء عصره، ثم وصل إلى خدمة المولى الفاضل ابن كمال باشا، ثم اشتغل بالتدريس، وتوفي وهو مدرس بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنه.
وكان رحمه الله عالما فاضلا، سليم النفس، مستقيم الطبيعة، محبا للخير وأهله، ملازما لمطالعة الكتب، وتحصيل العلوم.


8- المولى محيي الدين محمد بن عبد القادر، المشتهر بالمعلول (ت. 963هـ):
والد الفاضل السيد محمد جلبي النقيب في المماليك العثمانية في زمن الكفوي (ت. 1069هـ).
قيل عنه: إنه زبدة آل الرسول، صفوة أولاد العقول، شريف الأصل، لطيف الشمائل. أخذ العلم عن علماء عصره، منهم المولى محيي الدين الفناري، والمولى ابن كمال باشا. ثم اشتغل بالتدريس، ثم صار قاضيا بِمصر المحروسة، ثم صار قاضيا بالعسكر المنصور في ولاية أناطولي، ثم توفي، ودفن عند دار القراء التي بناها باستانبول.
وكان عالم فاضلا صالحا محققا مدققا، عالما بالعلوم الشرعية والعقلية.


9- مصلح الدين مصطفى ابن المولى سيدي المنتشوي (ت. 964هـ):
قرأ على علماء عصره، ثم وصل إلى خدمة المولى الفاضل ابن كمال باشا، ثم اشتغل بالتدريس، وصار مدرسا بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنه، توفي وهو مدرس بِها.
وكان رحمه الله جيد القريحة، مستقيم الطبع، ملازما لمطالعة الكتب والعلوم، وكانت له مشاركة في العلوم.


10 - المولى يحيى جلبي ابن أمين نور الدين، الشهير بأمين زاده (ت. 964هـ):
ولد باستانبول، وكان أبوه من أمراء الدولة العثمانية، واشتغل بالعلم، وحصل العلوم على علماء عصره، منهم المولى ابن المؤيد، والمولى ابن كمال باشا، ثم وصل إلى خدمة المولى الفاضل علي جلبي الجمالي المفتى باستانبول قبل ابن كمال باشا، وصار معيدا لدرسه، واشتغل بالتدريس والقضاء.
كان رحمه الله تعالى عالما زاهدا، صاحب أدب ووقار، وكان أبعد الناس من ذكر مساوئ الناس.
وكانت له معرفة تامة بالتفسير، وأصول الفقه، والعلوم الأدبية بأنواعها. وكتب رسائل على بعض المواضع من تفسير البيضاوى، وعلى بعض المواضع من وقاية الدراية. وكان له إنشاء بالعربية والفارسية في غاية الحسن والقبول.


11- المولى محيي الدين محمد بن حسام الدين الشهير بقره جلبي (ت. 965هـ):
عالم فاضل، له اطلاع على علم الكلام، ومهارة في الفقه، وكانت له مُمارسة في النظم، واطلاع على علم التواريخ والمحاضرات.
قرأ على والده حسام الدين، والمولى ابن كمال باشا، واشتغل بوظيفة التدريس والقضاء، وتوفي وهو قاض باستانبول.


12- جلال زاده صالح أفندي (ت. 973هـ):
أخذ العلم عن ابن كمال باشا بِمدينة أدرنة، وصار من تلاميذه الخاصة، وبيض مؤلفات شيخه كمال باشا زاده. ثم اشتغل بالتدريس بِمدينة أدرنه واستانبول، كما تولى قضاء حلب، ودمشق، ومصر، ثم تقاعد وعاد إلى استانبول، واشتغل بتنشئة الطلبة هناك إلى أن توفي.


13- المولى محيي الدين الشهير بابن الإمام (ت. 973هـ):
كان أبوه إماما في جامع محمود باشا. قرأ على المولى الأعظم ابن كمال باشا وغيره من أرباب الفضل والكمال. ثم اشتغل بالتدريس والقضاء والإفتاء في أماكن عديدة. وكان من العلماء العاملين والفضلاء الكاملين، يحقق كلام القدماء، ويدقق النظر في مقالات الفضلاء، وقد علق على أكثر الكتب المتداولة حواش إلا أنه لم يتيسر له الجمع والترتيب والتبييض والتهذيب.


14- تاج الدين إبراهيم بن عبد الله (ت. 973هـ):
حصل العلوم على فضلاء عصره، واتصل بنور الدين الشهير بصارُو كُوزْ، وصار منه ملازما، ثم اشتغل بالتدريس والإفتاء، وكتب حاشية على صدر الشريعة، فيها على شيخه ابن كمال باشا، وحاشية على بعض المواضع من شرح المفتاح، يرد فيها على المولى ابن كمال باشا في المواضع التي يدعي التفرد فيها، وله عدة رسائل على مواضع من حاشية التجريد للسيد الشريف، وله شرح لمتن المراح من علم التصريف.


15- المولى علاء الدين الْمَنَوْغادي (ت. 974هـ):
نشأ في حجر خاله معلم الوزير الكبير إياس المشتهر بين الناس بأبي الليث، ودار على موالي عصره للاستفادة، حتى صار ملازما من المولى الشهير بكمال باشا زاده. واشتغل بالتدريس في مدارس مختلفة، ثم صار قاضيا ببغداد. وكان رحمه الله معروفا بالكمال، معدودا من الرجال، جرئ الجنان، طليق اللسان، حلو المحاورة، لطيف النادرة.


16- المولى مصلح الدين المشتهر ببستان (904-977هـ):
ولد بقصبة تِيرَة، وأخذ العلم عن المولى محيي الدين الفناري، والمولى شجاع، ثم عطف الزمام نحو الاشتغال على المولى المعظم المشتهر بابن الكمال، ثم صار ملازما من المولى خير الدين معلم السلطان سليمان، ثم اشتغل بالتدريس والقضاء بِمدينة بروسه، وأدرنه، واستانبول، ثم ولي قضاء العسكر بولاية أناطولي، فبعد عشرة أيام توفي المولى المشتهر بِجِوِي زاده، وهو قاض بالعسكر بولاية روم إيلي، فنقل المرحوم إلى مكانه.
كان رحمه الله من أكابر العلماء، والفحول الفضلاء، يغبطه الناس على نقاء قريحته، وسرعة بديهته، ألمعيا فطنا لبيبا لوذعيا فذا أديبا. وكانت المشاهير من كبار التفاسير مركوزة في صحيفة خاطره، وأما العلوم العقلية فهو ابن بجدتِها وآخذ بناصيتها.
وكتب حاشية على تفسير البيضاوي لسورة الأنعام، وعلق حواش على مواضع أخر.
وكان يختم القرآن الكريم في صلواته في كل أسبوع مرة. رحمه الله رحمة واسعة.


17- أبو السعود بن محمد بن مصطفى العمادي (ت. 982هـ):
كان رحمه الله من تلاميذ ابن كمال باشا الخاصة، وهو خاتمة العلماء المحققين الذين شرفوا القرن العاشر بالعلم. قرأ على ابن المؤيد، وابن كمال باشا، والمولى القراماني، وأعطى له شهادته العلمية المسمى ’بالإجازة‘ ابنُ كمال باشا، واشتغل مدة بالتدريس، ثم بالقضاء بَبرُوسَة واستانبول. ثم صار قاضيا بالعسكر في روم إيلي، وقد نشأ في حلقاته العلمية علماء وأدباء وشعراء أجلاء مثل المولى سعد الدين، والشاعر المشهور باقي، وابن الحِنّائي.
وله مؤلفات عديدة، ورسائل مفيدة. من أشهرها: ’إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم‘، وهو تفسيره المطبوع.


18- المولى تاج الدين إبراهيم (ت 994هـ):
قرأ على علماء زمانه، ووصل إلى خدمة المولى المعظم كمال باشا زاده، فعكف على التحصيل والاستفادة، وسعى في تكميل ذاته، حتى صار ملازما منه بحكم وفاته.
واشتغل بالتدريس في أماكن مختلفة، ثم عين مدرسا للمدرسة التي بناها السلطان سليمان بِمدينة دمشق، وفوض إليه الفتوى في هذه الديار، فدام عليه حتى توفي.
وكان رحمه الله عارفا بالعلوم الدينية والمسائل اليقينية، خصوصا الفقه، فانه كان معدودا من أصحابه، ومعدودا في عداد أربابه، وكان رحمه الله لين الجانب، صحيح العقيدة، صاحب الأخلاق الحميدة.


19- المولى بالي بن محمد (ت ؟):
والد صاحب ’العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم‘ علي بن بالي (ت. 992هـ). ولد رحمه الله تعالى سنة إحدى وتسعمائة، ولم يذكر ابنه في ترجمته سنة وفاته، غير أنه ذكر أنه توفي في شهر رجب في قصبة جُوْرلِي.
وكان رحمه الله حاد الذهن، صاحب القريحة، صحيح العقيدة، بحاثاً بالعلم، معروفا به بين الأهالي.
وقد كتب تفسيرا من المعتبرات بخطه، خصوصا مؤلفات أستاذه المولى ابن كمال باشا، حيث كتب جميع كتبه ورسائله، وعلق حواش على بعض المواضع من شرحه الفرائض، وعلى بعض المواضع من ’الإصلاح والإيضاح‘. وكان له اليد الطولي في الكلام والهيئة والحساب، وكتب على بعض المواضع منها كلمات لطيفة. وكان رحمه الله محمود السيرة في قضائه، عامله الله بلطفه يوم جزائه.


20- ابن الطباخ حسن جلبي (ت ؟):
وكان يساعد شيخه في ترجمته ’النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة‘ بالتبييض في أثناء سفره مع السلطان سليم الأول إلى القاهرة.


21- محمد بن محيي الدين حسن بن زين الدين (ت ؟)، القاضي ببغداد.

22- عبد اللطيف أفندي (ت ؟)، قاضي العسكر.

ومِما تقدم نرى أن ابن كمال باشا أخذ العلم عن الأعلام المشهورين في عصره، وتخرج على يديه مشاهير العلماء والمدرسين والمفتين والقضاة في الدولة العثمانية، مثل العلامة أبي السعود المفتي، وسعدي جلبي، والمولى الشهير ببستان وغيرهم.

وأما مؤلفات هذا الإمام العظيم فقد ذكرت في الرابط التالي:

http://www.al-razi.net/vb/showthread.php?s=&threadid=331

محمود شمس الدين الخزاعي
11-06-2007, 10:49
جزاك الله بألف خير يا سيد ((محمد زاهد جول)) على هذا الجهد الرائع في جمع هذه المعلومات النادرة عن هذا الإمام الجليل رحمه الله تعالى، فإني كنت على اطلاع على سيرته كوني قمت بتحقيق واحد من أهم مؤلفاته ولكني لم يتسنَّ لي آنذاك الاطلاع على ما اطلعت أنت عليه من مراجع ومخطوطات، وإني أحث الباحثين المعنيين بسيرة هذا الإمام أن ينهلوا من هذه المشاركة القيمة، وخصوصا الإخوة الذين يعكفون على تحقيق بعض مؤلفاته في الوقت الراهن، جزاك الله خيرا وجعل هذا العمل في ميزان حسناتك يوم القيامة..

لؤي الخليلي الحنفي
11-06-2007, 13:38
كوني قمت بتحقيق واحد من أهم مؤلفاته..

ما هو الكتاب الذي قمتم بتحقيقه؟

محمود شمس الدين الخزاعي
12-06-2007, 15:45
الأخ لؤي عبد الرؤوف الخليلي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رغم أني عضو جديد في هذا المنتدى إلا أنني لفت انتباهي ولعك بفقه السادة الحنفية ، بارك الله فيك وأكثر من أمثالك، الكتاب الذي حققته هو كتاب إيضاح الإصلاح في الفقه على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ،وقد طبع الكتاب قبل حوالي ثلاثة أشهر في آذار 2007م من قبل دار الكتب العلمية في مجلدين ، وقد ساهم معي في تحقيق هذا الكتاب الأخ الدكتور عبد الله داود المحمدي ، إلا أني اعترتني أثناء إنجازه الكثير من المعوقات بسبب الحرب على الفلوجة جعلتني غير مقتنع بالصورة النهائية له وأفكر في إعادة النظر فيه، وتحقيقه من جديد ، والله الموفق، وأقوم منذ مدة بتحقيق كتاب صفوة المنقولات للمصنف أيضا، نسأله سبحانه أن يوفقنا لإتمامه ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعله خالصا لوجهك الكريم.

لؤي الخليلي الحنفي
12-06-2007, 18:29
بارك الله فيك أخي الكريم
حقيقة اقتنيت الكتاب من أسبوعين، ولم أنتبه للمحقق، كون دار الكتب العلمية عودتنا على نشر تحقيقات خاوية بأسماء وهمية
وعندما كتبت الرد البارحة اعتراني شعور بأن الكتاب هو الإيضاح، ولكن الكسل منعني من النظر إليه

وتصفحت الكتاب على عجالة فوجدت أن غالب التحقيق هو إثبات الفروق بين النسخ
كان الله لكم وأعانكم ليظهر بالصورة التي أردتم

وإن مررتم بالأردن فدعنا نلتقي
أرسل لي على الخاص وأنا أتدبر الأمر
بارك الله فيكم