المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القسم الثالث من إشكالية فهم النص القرآني(مسألة العموم في قول الله (ومن يعص)



fadilov
24-12-2003, 03:09
الأخ الفاضل بلال

اعلم أني كنت قد تركت مناظرتك، ولولا أن من لا تسعني مخالفته طلب مني أن أكمل الكلام معك لما فعلت، ولكن لله الأمر من قبل ومن بعد، ثمُّ إني أطلب منك أن نتناظر مسألة مسألة وحجة حجة، لا يذكر أحدٌ منا شيئا من المسائل إلا المسألة اللتي نتكلم عنها، وأطلب منك ومن نفسي أن لا نستعمل أسلوب الخطابة بل نلتزم الحجة والكلام المفيد، وأطلب أن نبتعد عما يثير الشحناء بيننا، فإن كنت لا توافق على شيء من ذلك فصرح به قبل أن نكمل الكلام وإلا فسأعتبر سكوتك موافقة منك لما طلبته.
وليكن أول ما أبدأ به مسألة العموم في قول الله (ومن يعص)

قال الفاضل بلال (فإنني لا أسلّم ابتداءً أن صيغة (مَنْ) في سياق الشّرط تفيد العموم لجواز دخول لفظتي الكلّ والبعض عليها، ولو كانت تفيد الاستغراق فعلاً لكان دخول كلّ عليها تكراراً، ودخول بعض عليها ينقضها، وليس الأمر كذلك.
فثبت أن جميع العمومات الواردة بصيغة من في معرض الشرط لا تفيد العموم بذلتها. والحقّ أن هذه الصيغة وصيغة الجمع المحلّى بأل في كتاب الله تعالى جاءت والمراد منها تارة الاستغراق وأخرى البعض، وأكثر العمومات في الكتاب العزيز مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في المشترك بين العموم والخصوص، وذلك بحمله على الأكثر من غير بيان أنّه يفيد الاستغراق أو لا يفيده.
ثمّ إن هذه الصيغة لو أفادت العموم إفادة قطعيّة لاستحال إدخال التأكيد عليها لأن ذلك يكون عندئذٍ تحصيل الحاصل، وهو محال. فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم. )

ظاهر كلامك أنك تقصد بإفادة العموم على وجه القطع أنها لا تفيد إلا العموم حتى لا يجوز صرفها عن هذا المعنى أبدا، وأنا لا أقول أنها تفيد العموم بهذا الإطلاق بل إن لفظة كل لا تفيد العموم بهذا القطع، ولكن أقول إن من في سياق الشرط تفيد العموم ظاهرا ويجوز لهذا العموم أن يخصّ، فإن لم يوجد دليل على الخصوص وجب اعتقاد العموم وقطعنا عندها بأنها للعموم، وعليه لا يصح قولك بعدم جواز دخول كل وبعض إذ تكون فائدة دخول كل التأكيد وبعض التخصيص، ولا تعود كل تكرار إذ فائدتها تأكيد الظاهر ولا تعود بعض نقضا إذ فائدتها إظهار المجاز.

أما قولك (وأكثر العمومات في الكتاب العزيز مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في المشترك بين العموم والخصوص، وذلك بحمله على الأكثر من غير بيان أنّه يفيد الاستغراق أو لا يفيده. )
عليه إيرادان:
الأول أني لو سلمت لك أن من في سياق الشرط تفيد الأكثر من غير استغراق لصارت آيات القرآن مجملة إذ هذا الأكثر لم يحدد من هو، والقول بأن هذا العموم مخصوص بمخصص واضح أولى من القول بالإجمال.
الثاني لا أسلم أن المجاز خلاف الأصل في الاستخدام دائما إذ قد يستخدم المجاز أكثر من الحقيقة، وإنما يصح لك الاستدلال لو كنا نتكلم عن بدء اللغة أما بعد ذلك بأزمان فلا إذ كثير من الألفاظ صارت تستخدم في المعنى المجازي أكثر من استخدامها في المعنى الحقيقي مثل الغائط.

قولك (ثمّ إن هذه الصيغة لو أفادت العموم إفادة قطعيّة لاستحال إدخال التأكيد عليها لأن ذلك يكون عندئذٍ تحصيل الحاصل، وهو محال. فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم )
هذا استدلال غير صحيح وإنما تكون النتيجة صحيحة بأن تقول فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم القطعي أي اللذي لا يجوز إفادة غيره، أما أن تنفي إفادة العموم على الإطلاق مدخلا بذلك العموم الظاهر اللذي يحتمل التأويل فهذا لا يصح، وبإفادتها لهذا العموم أقول.

ثم أطلب منك أن تخبرني مَن مِن الأشاعرة المعتد بقولهم يقول بهذا القول، أما قولي فهو قول الرازي بل جعلها في أعلى مراتب العموم وهو قول الغزالي في المستصفى، وهو قول إمام الحرمين في البرهان على ما أذكر، بل أذكر أن الزركشي في البحر نقل الاتفاق على أن من في سياق الشرط تفيد العموم. فمن من أئمة الأشاعرة المعتد بقولهم نقض الاتفاق المنقول؟
ولي تعليقات أخرى على كلامك أتركها لأنظر ماذا تجيبُ.

بلال النجار
24-12-2003, 23:00
بسم الله الرحمن الرحيم

حسناً يا فادي، أنت توقفت عن المناظرة، ثم قبلت الرّجوع، ووضعت شروطك، واخترت المسألة التي تريد الكلام فيها. وأنا لا اعتراض لي على كلّ ما وضعته من شروط بل أعبر بما هو أعمّ منها، وهو أنه يجب على كلّ منّا أن يلتزم بآداب البحث والمناظرة المعروفة عند أهل الفنّّ. وكذلك لا اعتراض لدي على الكلام في عموم الآية الكريمة التي بدأنا الحديث فيها. ولكن لي مطلبين آخرين:

الأوّل: أنك حين قطعت المناظرة معي تعللت بأني لا أحسن تطبيق مبادئ الأصول، وإني أصرّ عليك أن تبيّن أين وقع منّي ذلك، بأن تأتي بكلامي الذي طبقت فيه تلك المبادئ ثم تبيّن لي وللقرّاء خطأ تطبيقي لها بما يسوّغ لك الحكم عليّ بذلك. وأظنّ أنّ هذا من حقّي.

الثاني: أريد في المناظرات التي سنشرع بها إن شاء الله تعالى فيما نحدده من المسائل، أن تحدد موقفك في المسألة، موقفك أنت. فأنا مثلاً في مسألة فاعل الكبيرة أتبنى قول الأشعريّة، وأعرف قول المعتزلة فيه بالتفصيل بدءاً من الأصل الذي بنوا عليه. وحين أتكلّم فأنا أريد أن أناظر فادي لا المعتزلة، إلا أن تقول لي إنك تتبنّى قول المعتزلة وتريد أن تنصّب من نفسك مدافعاً عن مقالتهم. وهو ما لا أظنّه بحسب ما فهمته من جملة النقاشات التي دارت بيننا.
وهذا أمر في غاية الأهميّة بالنسبة لي، لأنّي أخشى ما أخشاه أن نفرغ أوقاتنا الثمينة في الكلام في مسائل سواء كانت فرعيّة أو أصليّة، وفي نهاية الأمر، ومهما كانت نتيجة المناظرة سواء اندفاع مقالتك أو مقالتي، أن لا تعني لك النتيجة شيئاً ولا تلزمك بشيء، لكون الأصول التي تتفرّع عليها تلك المسائل غير مسلّمة عندك. وقد رأيتك تخالف في القول بالتكليف، وبيان القرآن الكريم، ووجوب صدق الرسول الكريم، واستحالة الكذب في خبره تعالى، وتواتر القرآن الكريم بلفظه، إلى غير ذلك من المسائل الكبرى الأصليّة.

ولذلك فإني أرى من الحكمة أن نرى ماذا سيسفر عنه نقاشك مع الشيخ في موضوع بيان القرآن الكريم، وإن كان لا يزعجك أنت والشّيخ فربّما تدّخلت في الكلام، وإلا انتظرت، حتى نرى نتيجة ذلك فنبني عليها الكلام.

وإن كنت لا تريد الانتظار، فحقق لي ما طلبت أولاً، ثم قرر لي بشكل واضح ما تعتقده أنت وتدافع عنه بخصوص الآية الكريمة محلّ الكلام، وبناء عليه فإما أن أوافقك فننتقل للكلام في مسألة أخرى، أو أسألك عليها. ويدور الكلام. وإن أردت أن تكون أنت السائل فلا مانع عندي. ولكن على كلّ حال أريد أن أعرف قولك أنت فيها بشكل واضح. وهنا لا أقبل منك أن تناقشني فيها إذا كنت تقول إنك لا رأي لك فيها، لكونها مبنيّة على كون القرآن مبيناً وأنك لا تراه كذلك مما يلزم عنه توقّفك فيها توقّف المتحيّر. فههنا يلزمنا الرجوع إلى أصل المسألة وهي بيان القرآن الكريم.

ثم حسناً لا أريد منك أن تخلص لله تعالى وللبحث الذي نبحثه كما اعترضت عليه معتبراً إياه شركاً أصغر أو كما قلت ثمّة، بل أريد من كلينا أن يكون كلامنا تعبيراً عمّا نعتقده وندين الله تعالى به، ومن باب النصيحة في الله تعالى. ووالله إني لأعلم أنّه إذا لم نتجرّد لذلك فيمكنك أن تلاحيني، وألاحيك ونستمر في الجدل ولا ينال أحد منا شيئاً سوى إضاعة الوقت. وإني بعد كلّ ما كان، أفتح قلبي وأرتفع عن لظظ التناظر، وعلى نيّة ذلك أستخير الله تعالى في هذا الأمر عساه أن يخرجنا من ظلمات الوهم، ويفتح علينا بمعرفة العلم، ويسهّل أخلاقنا بالحلم، ويوفقنا لما يحب ويرضى إنه حسبي ونعم الوكيل.

fadilov
25-12-2003, 14:45
قال الفاضل بلال (الأوّل: أنك حين قطعت المناظرة معي تعللت بأني لا أحسن تطبيق مبادئ الأصول، وإني أصرّ عليك أن تبيّن أين وقع منّي ذلك، بأن تأتي بكلامي الذي طبقت فيه تلك المبادئ ثم تبيّن لي وللقرّاء خطأ تطبيقي لها بما يسوّغ لك الحكم عليّ بذلك. وأظنّ أنّ هذا من حقّي. )
نعم على الرأس والعين حقك أن تطلب هذا ولكن هل تحب أن نبدأ به أم تحب أن نتركه لحين أن نصل إلى المسألة اللتي ظهر ما نسبته إليك فيها؟ فأنا لا أريد الكلام في أكثر من مسألة. ثم إني أفضل أن نتركه لحين أن نصل إليه.

قال الفاضل بلال (الثاني: أريد في المناظرات التي سنشرع بها إن شاء الله تعالى فيما نحدده من المسائل، أن تحدد موقفك في المسألة، موقفك أنت. فأنا مثلاً في مسألة فاعل الكبيرة أتبنى قول الأشعريّة، وأعرف قول المعتزلة فيه بالتفصيل بدءاً من الأصل الذي بنوا عليه. وحين أتكلّم فأنا أريد أن أناظر فادي لا المعتزلة، إلا أن تقول لي إنك تتبنّى قول المعتزلة وتريد أن تنصّب من نفسك مدافعاً عن مقالتهم. وهو ما لا أظنّه بحسب ما فهمته من جملة النقاشات التي دارت بيننا.
وهذا أمر في غاية الأهميّة بالنسبة لي، لأنّي أخشى ما أخشاه أن نفرغ أوقاتنا الثمينة في الكلام في مسائل سواء كانت فرعيّة أو أصليّة، وفي نهاية الأمر، ومهما كانت نتيجة المناظرة سواء اندفاع مقالتك أو مقالتي، أن لا تعني لك النتيجة شيئاً ولا تلزمك بشيء، لكون الأصول التي تتفرّع عليها تلك المسائل غير مسلّمة عندك. وقد رأيتك تخالف في القول بالتكليف، وبيان القرآن الكريم، ووجوب صدق الرسول الكريم، واستحالة الكذب في خبره تعالى، وتواتر القرآن الكريم بلفظه، إلى غير ذلك من المسائل الكبرى الأصليّة. )
المطلب الثاني على الرأس والعين أيضا، اعلم أن أصل المسألة اللتي ساقتني إلى الحديث عن حكم مرتكب الكبيرة هو أني أعتقد عدم صلوح أصول الفقه كأداة لفهم القرآن وذلك لأنها لا تصلح لرفع التعارض الظاهر بين آياته أولا، وثانيا لأنها لو صلحت لذلك فإنها لم تستكمل ما يجب معرفته من علوم لفهم النص. ثم اعلم أن عدم صلوح أصول الفقه لفهم القرآن هو أحد الأدلة على مخلفتي بالتكليف وبيان القرآن وليس هو الدليل الوحيد، فإذا أثبت سقوط هذا الدليل إلتزمت فساده وعرضتُ غيره من الأدلة حتى إذا سقطت جميعها صرت إلى قولك.
أما القول في ما نسبته لي من مسائل أخرى فإني لا أرى أيا منها أقل شأنا من هذه المسألة، مع التنبيه إلى أنني لم أعرض في السابق إلى الحديث عن وجوب صدق الرسول الكريم فلا يصح منك أن تنسب إليَّ المخالفة فيه.
إذا تقرر ما تقدم فإني أقول إن آيات القرآن في مسألة حكم مرتكب الكبيرة متعارضة معارضة لا يمكن رفعها باستخدام أصول الفقه فمنها ما يدل في ظاهره على خلودهم في النار كالقول في آية (ومن يعص الله)، ومنها ما يدل على خلاف ذلك إذا فهمنا الآيات مستعينين بأصول الفقه فإذا ثبت قولي باستحالة رفع التعارض ثبت قولي بعجز علم أصول الفقه، وقولي في آية (ومن يعص) إنها عامة تشمل مرتكب الكبيرة واللذي لا يدين بدين الإسلام. فإن كان من شيء تريد مني بيانه فاسألني أجبكَ، وإلا فأجب عما اعترضت به عليك من قولك إن من في سياق الشرط لا تفيد العموم.

بلال النجار
26-12-2003, 01:16
بسم الله الرحمن الرّحيم

قولك: (نعم على الرأس والعين حقك أن تطلب هذا ولكن هل تحب أن نبدأ به أم تحب أن نتركه لحين أن نصل إلى المسألة التي ظهر ما نسبته إليك فيها؟ فأنا لا أريد الكلام في أكثر من مسألة. ثم إني أفضل أن نتركه لحين أن نصل إليه)

أقول: أما وقد اعترفت لي بهذا الحقّ، فأنا أطلبه. فإن كنت ترغب في تأجيل الكلام فيه لأي سبب كان، فأوافق على أن لا يبقى لهذا الادعاء وزن بالمرّة ويسقط من محضر المناظرات. وأطالبك بالاعتذار عنه. فإذا اعتذرت عنه في هذا الجمع الكريم على نحو ما ادعيته فيهم. فأقبل اعتذارك ونواصل الكلام، ثمّ إنه ليس لك أن تدّعيه مجدّداً إلا مقروناً بالدليل، وهنالك ننظر إن كان الدليل مستقيماً. وإلا ردّت عليك دعواك. عدل؟

قولك: (المطلب الثاني على الرأس والعين أيضاً، اعلم أن أصل المسألة التي ساقتني إلى الحديث عن حكم مرتكب الكبيرة هو أني أعتقد عدم صلوح أصول الفقه كأداة لفهم القرآن وذلك لأنها لا تصلح لرفع التعارض الظاهر بين آياته أولا، وثانيا لأنها لو صلحت لذلك فإنها لم تستكمل ما يجب معرفته من علوم لفهم النص)

أقول: نعم أنا أعلم هذا من متابعتي لكلامك. ولكن ألا ترى أنّا لو تحدّثنا في هذه المسألة فرفعت لك التعارض الموهوم فيها، أنّك ستأتي إلي بمسألة أخرى، وهكذا حتّى يطول الكلام جدّاً. لأن تعارض الآيات الموهوم في مسألة الكبيرة عندك ليس إلا مثالاً تستدلّ به على مواضع من الكتاب العزيز لا تحلّها أصول الفقه. ولذلك فالكلام في كلّ مسألة مسألة على الرّغم مما فيه من الفوائد، فإنه لن يوصلنا إلى حكم كلّيّ، لأنّه لن يعدو أن يكون استقراءً ناقصاً للقرآن الكريم، فلا يفيد القطع بأنّ آلة الأصول صالحة أو غير صالحة لاستنباط المعاني. ولذلك وجد الكلام في الكليّات. ولأنك في حقيقة الأمر لا تخالفني قولي بتبنّيك قولاً مقابلاً لقولي، بل لا تثبت قولاً أصلاً.
فأنت في مقالتك كنت تتكلّم في مسائل كلّيّة، وما كانت اعتراضاتي على الأمثلة التي طرحتها أنت إلا لأقول لك، إن لنا فهمنا لهذه الآيات والأحاديث التي تستشكلها أنت، وهذا الفهم إنما هو مستنبط بقواعد الأصول التي تدّعي أنت عدم صلوحها لذلك، وتشعّب الحديث من حيث لم أرد ذلك، وكان يجب أن يبقى الحديث في مستوى الكلّيات. وأنت تصادر عليّ أنا وأنت قبل أن نشرع في النظّار ليس فقط فائدة الجزم بكلام فصل في المواضع المشكلة من القرآن الكريم، بل وفائدة الجزم بصلوح الأصول كأداة للفهم، وذلك حين تقول: (وثانياً: لأنها لو صلحت لذلك فإنها لم تستكمل ما يجب معرفته من علوم لفهم النص).
وهذا كلام غريب. لأنّه لا معنى لصلوحها للفهم، إلا إذا كان هذا الفهم المستنبط بها فهماً صحيحاً في نفس الأمر أو على الأقل معتدّاً به شرعاً. فكأنّك بعد تسليم كون الفهم معتدّاً به شرعاً تشكك في أن يكون هذا الفهم فهماً معتبراً شرعاً. هذا خلف.

ولذلك لو تعود إلى نقاشاتنا، تجدني كررت عليك السؤال بأن توضّح لنا ما هذا القادح في كون الفهم الأصولي صحيحاً. فإنا نعلم أنّه إذا صحّت القاعدة وثبتت علميّتها، فلا بدّ أن يكون ما يخرّج عليها تخريجاً صحيحاً، صحيحاً أيضاً. وقد يحدث أن يقع خطأ في تطبيق القواعد، ولكن هذا الأمر سرعان ما ينكشف إما من الشخص نفسه أو ممن يتأملون كلامه. وهذا شايع معروف. وإذا كانت القاعدة خاطئة فنتائج تطبيقها خاطئة قطعاً. إذن يلزمك الكلام في الكليّات لا في الأمثلة الجزئية كما ترى، لتثبت صحة أو خطأ قواعد الأصول. وأنت تؤكّد كلامي هذا بقولك: (... وليس هو الدليل الوحيد، فإذا أثبت سقوط هذا الدليل التزمت فساده وعرضتُ غيره من الأدلة حتى إذا سقطت جميعها صرت إلى قولك). فهب أن لديك ألف مثال، ألا ترى أن الحديث عندها سيحتاج إلى مجلّدات لجمعه وتقريره وتحريره.

وصدّقني يا فادي، القضيّة ليست قضيّة عموم أو عدم عموم، فأنت تناقشني في قوله تعالى (من يعص) ملتزماً إلى حدّ كبير بقول المعتزلة، فهب أنّي سلّمت لك صحّة قولهم. فماذا ستفعل؟ هل ستلتزم أنت بقول المعتزلة؟ وهذا ما كنت أشير إليه في مشاركتي السابقة حين اشترطت عليك أن يكون لك رأي واضح في المسألة المتنازع فيها، لكي يكون للخلاف ثمرة.

والمعنى أنّك إذا ناقشتني على أصول المعتزلة وأثبتّها لي فإني سألتزم قولتهم، وإلا فسأبقى على مقالة الشيخ الأشعريّ، وهكذا. فلا أبدّل مقالتي إلى غيرها إلا بالدليل. وهذا يقتضي دائماً الالتزام منّي ومنك بصحة الأدلّة الأصوليّة، وذلك لن يؤدي بك إلى جعل هذه المسألة بلا حكم فيها والذي هو مطلوبك الأصيل الذي تريد التدليل عليه، وهو أنّه لا يمكن رفع التعارض الموهوم بين آي الذكر الحكيم بقواعد الأصول. وعليه فلا ينفعك التمسّك بقول المعتزلة لما أنّ لهم أصولهم، ولهم مقالاتهم المخرّجة على تلك الأصول، ولا أحد منهم يدّعي دعواك.

إذا توضّح لك ما أريد، وتأملت في أوّل مداخلة للمولى سعيد فودة لوجدتّه يسألك عن هذه النقطة بالتحديد حين يقول لك: (أنت قلت إنك تعتقد أن مبادئ وقواعد أصول الفقه لا تكفي في النظر والاستدلال، وهذا ما تقصده عندما تقول إنها غير مبينة. فأرجو أن تبين لي الدليل على ذلك) وأيضاً حين يكرر السؤال: (أين يكمن الخطأ في عدم البيان سواء في أصول الفقه أو في القرآن)؟ أي أنّه يسألك عن الخطأ فيها من حيث ما هي قواعد للاستنباط، بحيث يلزم على تطبيقها الخطأ في النتائج، لأنّه يرى الأدلّة المقامة على إثباتها كقواعد أدلة صحيحة، ويرى أنّها حين تطبق بشكل صحيح فإنها يحصل بها نتائج صحيحة عمليّاً. ويعزو السبب في عدم ارتفاع الإشكالات عند النظر في النصوص باستخدام قواعد الأصول إلى الخطأ في النظر لا إلى الخطأ في الأصول، وإلى ذلك يشير بقوله: (أي إن كل من يتوجه للفهم منه فإنه يمكنه أن يفهم. وأما خطؤه وعدم فهمه فلتقصير منه).
فما هو رأيك فيما قلناه هنا.

قولك: (مع التنبيه إلى أنني لم أعرض في السابق إلى الحديث عن وجوب صدق الرسول الكريم فلا يصح منك أن تنسب إليَّ المخالفة فيه)

أقول: حسناً لا أريد أن أنسب لك قولاً لا تقوله. وربّما فهمت منك شيئاً لا تريده حين قلت في بعض كلامك: (... وما علينا فعله هو أن نبذل جهدنا في وضع تشريع يناسب مصلحة الناس في الظرف الجديد معتمدين على ما أوتينا من عقل، فإذا أصبنا فبها ونعمت وإن أخطأنا فقد أخطأ قبلنا المعصوم عليه الصلاة والسلام، ونزلت الآيات منبهةً له على خطأه كما يقوله علماء الأصول فلا بأس في أن يخطأ المرء). فما هو الخطأ الذي يجوز على المعصوم؟ أنا أعرف كلام الأصوليين، فلا تتعب نفسك في نقل أي نصوص من كلامهم، أريد منك فقط أن تبيّن لي ما معنى هذا الخطأ وحدوده. بعبارة واضحة محددة حتّى يتبيّن لي المعنى الذي تقصده حين تقول إن النبيّ يخطئ.

وعلى قولك: (إذا تقرر ما تقدم فإني أقول إن آيات القرآن في مسألة حكم مرتكب الكبيرة متعارضة معارضة لا يمكن رفعها باستخدام أصول الفقه فمنها ما يدل في ظاهره على خلودهم في النار كالقول في آية (ومن يعص الله)، ومنها ما يدل على خلاف ذلك إذا فهمنا الآيات مستعينين بأصول الفقه فإذا ثبت قولي باستحالة رفع التعارض ثبت قولي بعجز علم أصول الفقه، وقولي في آية (ومن يعص) إنها عامة تشمل مرتكب الكبيرة والذي لا يدين بدين الإسلام)

أسألك:
أولاً: ما هو خلاف ذلك الذي دلّت عليه الآيات؟ وبيّن لنا الموضع الذي استفدت منه معنى مخالفاً للخلود في النار؟
ثانياً: هل هناك ألفاظ في القرآن الكريم يكون مخرجها عامّ الظاهر ولكن المراد بها الخاصّ، أم لا؟

وعلى قولك: (فإن كان من شيء تريد مني بيانه فاسألني أجبكَ، وإلا فأجب عما اعترضت به عليك من قولك إن من في سياق الشرط لا تفيد العموم)

أقول: قد سألتك. وأما عموم من، فلا حاجة بي لأن أجيب عنه. لأنّك لو تأملت كلامي بقواعد الأصول لعرفت أنّي لم أقصد أبداً أن من لا تفيد العموم مطلقاً. بل إني صرّحت بإفادتها إياه. فلا وجه لتركك جملة الكلام وتعلّقك بموضع منه. وكتب من ذكرتهم الأئمة والعلماء موجودة في مكتبتي وقد قرأت مبحث العموم فيها. ولو أفهمتْ جملةُ كلامي أني أنكر إفادة من للعموم مطلقاً لسبقك إلى الاعتراض عليّ شيخيّ الذي درّسني الأصول.
فهذا ما أكتفي بقوله الآن منتظراً ما ستكتب. والحمد لله ربّ العالمين.

fadilov
26-12-2003, 20:55
الأخ الفاضل بلال
لا أدري إن كان كلامي واضحا لك أم لا؟ أنا طلبت منك أن نحدد مسألة واحدة للكلام فيها وقد اخترتُ مسألة العموم ثم وجدتك تطلب مني الكلام في إثبات ما نسبته لك وهو حقك كما قلتُ لك، وطلبتُ منك أن تحدد إن كنت تريد الكلام فيها أم في غيرها من المسائل لأني لا أريد الحديث في أكثر من مسألة كما أخبرتك، ولكن مع الأسف فقد شعرتُ أني لا أخاطب من يستطيع أن يلتزم بوعده وعذرا على هذه الغلظة اللتي والله ما خرجت إلا بعد أن شعرتُ بخذلانك لي ونقضك لما وعدتَ به من عدم الحديث عن أكثر من مسألة، ووالله لقد آلمتني فعلا فأنت في جوابك الأخير تريد مني أن أوضح لك رأيي فيما نسبته من جواز الخطأ على الرسول وتريد مني أن أثبت ما نسبته إليك من ضعف وأخذت تسألني عن الآيات اللتي تثبي عدم خلود مرتكب الكبيرة وكأنك تريد الكلام في المسألة، ورجعت عن قولك في أن من في سياق الشرط لا تفيد العموم وأعرضت عن الحديث فيها واحتججتَ عليَّ بفهم شيخك اللذي لا تقوم به الحجة علي، وقبل ذلك تسألني عن وجه الفساد في أصول الفقه وتتعرض في هذا الموضوع لأكثر من نقطة، وكل هذا في رأيي خروج عما وعدتَ به من الكلام عن مسألة واحدة، ووالله لو أنك تكلمت عما له علاقة وثيقة ببعض من المسائل لقلت شعَّب ولم يحسن الترتيب ولكنك تتكلم على الأقل عن أربعة مسائل يمكن حقيقة الفصل بينها، وأنا أستطيع أن أجيب عن كل ما ذكرتَ ولكن لن أقع في تشعيب المسائل مرة أخرى، على العموم أسألك للمرة الأخيرة أن تطرح مسألة واحدة للنقاش وأنا إحسانا إليك سأدع لك الاختيار، اختر ما شئت ولكن لا تزد عن مسألة واحدة، أرجو أن تملك القدرة على ضبط نفسك بعدم الكلام في أكثر من مسألة وإلا اسمح لي أن أنصرف عنك.

بلال النجار
27-12-2003, 00:17
بسم الله الرحمن الرحيم

يا فادي،
نحن لم نبدأ بعد في المناظرة، وأنا فقط أناقشك مناقشة المحدد للأمور قبل الخوض فيها. وما سؤالي عما نسبته للرسول الكريم إلا لاستيضاح الأمر منك لأعرف مجرّد رأيك في المسألة كي لا أبقى متوهماً أمراً لا تقول أنت به، ولا أرغب في الكلام فيها بالتفصيل إلا حين نقرر معاً ذلك. وأما عودتي إلى الكلام في عموم الآية، فليس أكثر من سؤال أضعه أمامك ليجاب عنه في القابل. وكذا ما علّقته على قولك أجبني عمّا سألتك عنه. فذاك لئلا تفهم أني أعرض عن الإجابة أو أتجنّبها رغبة عن أصل الحديث أو رهبة منه.

وما قلته في رسالتي واضح لكلّ أحد، وليس فيه شيء من التخبّط. بل طالبتك بحقّي الذي سلّمته لي لأعرفه. وإنك حين تعطيني ذلك الحقّ، يكون لي شأن. ثم أعلن بدء المناظرة بالكلام في الآية الكريمة، سائلاً إياك المسألتين اللتين رأيتهما منّي على تقريرك لما ذهبت إليه فيها. وما أفعل ذلك إلا اختصاراً للزمان، فقد تجيب بكلمة، أحتاج ليوم وليلة لقراءتها والإجابة عنها لما أنّي قد لا أجد وقتاً لذلك، وأنت مثلي في شغلك، وعليه فأنا أحاول أن أكون عمليّاً لا أكثر، وأستطيع ضبط نفسي للكلام في مسألة واحدة مدّة عمري فلا تقلق.

هذا كلّ ما في الأمر. وأرجو أن لا تتضايق من شيء كتبته، فبحسب علمي كان كلامي مؤدّباً موجَّهاً واضحاً خادماً إن شاء الله لمباحثاتنا. وسواء أقررتني في كلامي أو لا، فقد أفادك ما سألت عنه من ترتيب الأولويّات عندي، فاشرع فيما طلبته منك.

والله الموفّق للسداد

fadilov
27-12-2003, 02:13
قال الفاضل بلال (أسألك:
أولاً: ما هو خلاف ذلك الذي دلّت عليه الآيات؟ وبيّن لنا الموضع الذي استفدت منه معنى مخالفاً للخلود في النار؟
ثانياً: هل هناك ألفاظ في القرآن الكريم يكون مخرجها عامّ الظاهر ولكن المراد بها الخاصّ، أم لا؟ )

أما جواب السؤال الأول فإن خلاف ذلك هو إما عدم عذاب مرتكب الكبيرة وقد دل عليه قوله تعالى: (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى)، أو ترك مرتكب الكبيرة للمشيئة وقد دلَّ عليه قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فهو إما أن يغفر له أو لا يغفر له فيخلد في النار. ولا أعلم دليلا من القرآن على القول بأنه يمكن أن يغفر الله له أو يعذبه في النار ثمَّ يخرجه منها.
ثم أقول إننا لا يمكن أن نرجح أحد هذه الأقول على الآخر إن استعنا بأصول الفقه. بل كلها متساوية في القوة.

وجواب السؤال الثاني نعم هناك من ألفاظ القرآن ما يكون مخرجها عاما ولكن أريد بها الخاص وذلك كقوله تعالى: (اللذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) ولا يمكن أن يكون كل الناس قالوا لكل الناس فهذا عام أريد به الخصوص.

بلال النجار
28-12-2003, 01:32
بسم الله الرحمن الرحيم
أرجو ألا تتضايق من كثرة الأسئلة، ولا تمتنع من الإجابة عنها وإن بدا جوابها ظاهراً بسيطاً، لأن المقصود زيادة تحرير قولك لأفهمه تماماً. ولي في قولك: (فإن كان من شيء تريد مني بيانه فاسألني أجبكَ) مندوحة لأسأل.

فعلى جوابك عن السؤال الأول، أسألك:
أولاً: إذا انحلّ الإشكال في هذين الموضعين، والموضع الأول في قول تعالى (من يعصِ) فهل يبقى عندك إشكال في حكم فاعل الكبيرة؟

ثانياً: من قولك: (فإن خلاف ذلك هو إما عدم عذاب مرتكب الكبيرة وقد دل عليه قوله تعالى: (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى))

أ- أفهم أنك تعتبر التكذيب والتّولي ليسا من الكبائر التي نتنازع في حكم مرتكبها. فهل لك أن تبيّن لي ماهية الكبيرة التي تخالف أهل السنّة في حكم فاعلها؟
ب- بيّن لي استدلالك بالآية الكريمة على عدم عذاب مرتكب الكبيرة مطلقاً بقواعد أصول الفقه؟
ج- ماذا تفهم من قول الله تعالى: (إلا من تولّى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر) وقوله تعالى: (ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) عند ضمّهما إلى الآية التي استشهدت بها؟

ثالثاً: من قولك في تقرير مذهبك أولاً، وجدتك تقول: (وقولي في آية (ومن يعص) إنها عامة تشمل مرتكب الكبيرة والذي لا يدين بدين الإسلام) فأفهم منه أنّك تقول بأن فاعل الكبيرة ليس بكافر. لأنك وضعت فاعل الكبيرة في مقابل الذي لا يدين بالإسلام، والذي لا يدين بالإسلام كافر، فينتج أن فاعل الكبيرة ليس بكافر. وغير الكافر عندي مؤمن، فهل تقرّ بأن فاعل الكبيرة مؤمن، أم لك فيه مزيد تفصيل؟

رابعاً: من قولك: (أو ترك مرتكب الكبيرة للمشيئة وقد دلَّ عليه قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فهو إما أن يغفر له أو لا يغفر له فيخلد في النار)

أقول: قد وقع في كلام سابق لك عند الكلام عن تفسير الزمخشريّ، أن الشرك حقيقة شرعيّة في الكافر وفي مرتكب الكبيرة، وأن ما دون ذلك للصغائر فقط، وأن المشيئة مشيئة العبد. أو نحو ذلك، فحتّى أعتمد الآن قولك في ذلك، أسألك:
أ- ما هي الحقيقة الشرعيّة التي وضع لفظ الشرك بإزائها؟
ب- والمشيئة هذه التي علّقت عليها المغفرة أهي مشيئة الربّ أم مشيئة العبد؟
ج- و(ما دون ذلك) أهو متضمّن للكبيرة المختلف في حكم فاعلها أم لا؟

قولك: (ولا أعلم دليلا من القرآن على القول بأنه يمكن أن يغفر الله له أو يعذبه في النار ثمَّ يخرجه منها)
أسألك:
أ- كيف تجمع بين قولك: (ترك مرتكب الكبيرة للمشيئة... فهو إما أن يغفر له أو لا يغفر له) وقولك: (ولا أعلم دليلا من القرآن على القول بأنه يمكن أن يغفر الله له)؟
ب- ثم إني أذكرك بقول الله تعالى: (النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله)، وكذلك قوله تعالى: (فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز) أفلا تحتمل هاتان الآيتان برأيك خروج البعض من النار؟ لا سيّما إذا ضمّتا إلى عدد كبير من الأحاديث الصحيحة التي تنصّ نصّاً على خروج البعض من النار، كحديث أنس في البخاري ومسلم (يخرج من النار أو أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله...)، وحديث أبي سعيد في الترمذي (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة) من الحسن الصحيح، وحديث أبي سعيد في مسلم: (أما أهل النار... حتى إذا كانوا فحماً فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثّوا على أنهار الجنّة..)، وحديث جابر في الترمذي (يعذب ناس.. فيخرجون فيطرحون على أبواب الجنّة..)، وحديث جابر في مسلم: (إن قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها..)، وحديث أبي سعيد في البخاري: (يخلص المؤمنون من النار...)، ولأبي سعيد في البخاري: (يدخل أهل الجنة.. فيخرجون منها قد اسودّوا..) وفي مسلم بلفظ: (...قد امتحشوا..)، وحديث جابر في البخاري ومسلم: (يخرج من النار قوم بالشفاعة كأنهم الثعارير...)، وحديث عمران بن حصين في البخاري وأبي داوود والترمذي: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلّم..)، وحديث أنس في البخاري: (يخرج من النار قوم بعدما مسّتهم منها سفع...)، وحديث أنس في مسلم: (يخرج من النار أربعة...)، وحديث عبد الله بن مسعود في البخاري ومسلم والترمذي: (إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها...)، وله في مسلم حديث: (آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة...)... وهذه كلّها أحاديث صحيحة.
فإن احتملتا ذلك مع هذه الشواهد المستفيضة، مع أنّه لا يوجد نصّ صريح في القرآن يقرر خروج قوم من النار، فهل ترى أنه يمكن خروج قوم من النار أو لا؟ وإن لم تحتملا ذلك، فما المانع من هذا الاحتمال؟

قولك: (ثم أقول إننا لا يمكن أن نرجح أحد هذه الأقوال على الآخر إن استعنا بأصول الفقه. بل كلها متساوية في القوة)

أقول: هذا سابق لأوانه، لأنّه ما نرجو أن نصل إليه أو إلى خلافه من المناظرة.

وعلى جوابك عن السؤال الثاني بـ (نعم هناك من ألفاظ القرآن ما يكون مخرجها عاماً ولكن أريد بها الخاص وذلك كقوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) ولا يمكن أن يكون كل الناس قالوا لكل الناس فهذا عام أريد به الخصوص)
أقول: وأنا أقرّك على الجواب والمثال. ثمّ أسألك، كيف تعرف أن لفظاً عامّاً أريد به الخصوص وليس العموم؟
هذه أسئلتي حتّى أرى جوابك عنها. والحمد رب العالمين.

fadilov
29-12-2003, 00:41
سأل الفاضل بلال (أولاً: إذا انحلّ الإشكال في هذين الموضعين، والموضع الأول في قول تعالى (من يعصِ) فهل يبقى عندك إشكال في حكم فاعل الكبيرة؟)

لا وذلك لوجود أدلة أخرى تدل على خلود مرتكب الكبيرة، نعم يمكن أن ينحل الإشكال ويمكن أن لا ينحل وذلك إذا كانت طريقة الحل صالحة لحل الإشكال في الآيات الأخرى اللتي لم أذكرها بعدُ وأفضل عدم ذكرها لحين أن نفرغ مما نحن فيه من الأدلة، ثمَّ إذا انحلَّ جميع ذلك انحل أحدُ طرفي الإشكال في حكم مرتكب الكبيرة وهو أنه يمكن أن نجمع بين آيات القرآن اللتي تتكلم عن حكم مرتكب الكبيرة بالاستعانة بأصول الفقه، ويبقى الوجه الثاني من الإشكال وهو هذا الجمع المنطقي هل هو مطابق للصواب أم لا وسأتكلم عن هذا الوجه بمزيد تفصيل إذا وصلنا إليه حتى إذا زال هذا الإشكال صارت أصول الفقه صالحة لفهم حكم مرتكب الكبيرة في القرآن.

سأل الفاضل بلال (ثانياً: من قولك: (فإن خلاف ذلك هو إما عدم عذاب مرتكب الكبيرة وقد دل عليه قوله تعالى: (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى))

أ- أفهم أنك تعتبر التكذيب والتّولي ليسا من الكبائر التي نتنازع في حكم مرتكبها. فهل لك أن تبيّن لي ماهية الكبيرة التي تخالف أهل السنّة في حكم فاعلها؟)

الظاهر من الآية أن التكذيب والتولي هما الكفر المخرج من دين الإسلام اللذي لا نتنازع الآن في حكمه، وأنهما لا يشملان الكبيرة وهي عندي كل ما توعد الله مرتكبه بالعذاب أو اللعن ممن نرى من ظاهره أنه غير مكذب ولا متولي، أي نرى ظاهره الإسلام أو الإيمان.

سأل الفاضل بلال (ب- بيّن لي استدلالك بالآية الكريمة على عدم عذاب مرتكب الكبيرة مطلقاً بقواعد أصول الفقه؟)

الآية أفادة الحصر وذلك أن اسمَ أنَّ يجب أن يكون أخص من خبرها أو مساويا له ولا يصحُّ أن يكون أعمَّ فإذا تقرر ذلك وجب أن يكون اسم أن محصورا في خبرها فيكون ظاهر معنى الآية أن العذاب على من كذب وتولى لا على غيرهم أو أن العذاب محصور فيمن كذب وتولى وبإفادة الآية للحصر قال الإمام الجرجاني. فإذا تقرر أن ظاهر الآية حصر العذاب في من كذب وتولى فإن ظاهر حال مرتكب الكبيرة أنه غير مكذب بل مصدق فلا يلحقهُ العذابُ.

سأل الفاضل بلال (ج- ماذا تفهم من قول الله تعالى: (إلا من تولّى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر) وقوله تعالى: (ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) عند ضمّهما إلى الآية التي استشهدت بها؟)

أفهم أنهم -أي من كذب وتولى- سيعذبون في الدنيا بالقتل أو الجوع أو غيرها من البلايا وأنهم سيعذبون في الآخرة إن لم يرجعوا عن كفرهم بالنار، وأفهم أن العذاب في قوله تعالى: (أن العذاب على من كذب وتولى) مقصود به العذاب في النار لا كل ما يسمى عذابا إذ جائز أن يعذب المؤمن في الدنيا بالمصائب.


سأل الفاضل بلال (ثالثاً: من قولك في تقرير مذهبك أولاً، وجدتك تقول: (وقولي في آية (ومن يعص) إنها عامة تشمل مرتكب الكبيرة والذي لا يدين بدين الإسلام) فأفهم منه أنّك تقول بأن فاعل الكبيرة ليس بكافر. لأنك وضعت فاعل الكبيرة في مقابل الذي لا يدين بالإسلام، والذي لا يدين بالإسلام كافر، فينتج أن فاعل الكبيرة ليس بكافر. وغير الكافر عندي مؤمن، فهل تقرّ بأن فاعل الكبيرة مؤمن، أم لك فيه مزيد تفصيل؟ )

جائز عندي أن نقول أن فاعل الكبيرة كافر لكن لا بمعنى أنه لا يدين بدين الإسلام ولكن بمعنى أنه غطى ما يجب عليه من طاعة الله بمعصيته له، و الكفر عندي الكافر ألفاظ يجوز إطلاقها على مرتكب الكبيرة ومن لا يدين بدين الإسلام. أما أن فاعل الكبيرة مؤمن فأنا أقر بذلك أيضا بمعنى أن ظاهره التصديق بما جاء به الرسول.


سأل الفاضل بلال (رابعاً: من قولك: (أو ترك مرتكب الكبيرة للمشيئة وقد دلَّ عليه قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فهو إما أن يغفر له أو لا يغفر له فيخلد في النار)

أقول: قد وقع في كلام سابق لك عند الكلام عن تفسير الزمخشريّ، أن الشرك حقيقة شرعيّة في الكافر وفي مرتكب الكبيرة، وأن ما دون ذلك للصغائر فقط، وأن المشيئة مشيئة العبد. أو نحو ذلك، فحتّى أعتمد الآن قولك في ذلك، أسألك:
أ- ما هي الحقيقة الشرعيّة التي وضع لفظ الشرك بإزائها؟)

يجوز عندي أن يطلق الشرك ويراد الخارج عن دين الإسلام ويجوز أن يطلق ويراد به هذا ومرتكب الكبيرة أو يطلق ويراد به ارتكاب الكبيرة وكل هذا على الحقيقة الشرعية عندي والسياق أو مجموع الأدلة هو اللذي يحدد أي المعاني أريد بهِ.

سأل الفاضل بلال (ب- والمشيئة هذه التي علّقت عليها المغفرة أهي مشيئة الربّ أم مشيئة العبد؟)

جائز أن تكون المشيئة عندي مشيئة الله أو مشيئة العبد فلا مرجح لأحدهما على الآخر.

سأل الفاضل بلال (ج- و(ما دون ذلك) أهو متضمّن للكبيرة المختلف في حكم فاعلها أم لا؟)

جائز أن يكون ما دون ذلك مقتصرا على الصغيرة وإن كان الظاهر أنه يشمل الكبيرة وذلك لسياق الآية.


سأل الفاضل بلال ( أ- كيف تجمع بين قولك: (ترك مرتكب الكبيرة للمشيئة... فهو إما أن يغفر له أو لا يغفر له) وقولك: (ولا أعلم دليلا من القرآن على القول بأنه يمكن أن يغفر الله له)؟)

اللذي لا أعلم دليلا عليه هو مجموع القول لا شطرهُ. أما شطره الأول فهناك ما يمكن أن يدل عليه.

سأل الفاضل بلال (ب- ثم إني أذكرك بقول الله تعالى: (النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله)، وكذلك قوله تعالى: (فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز) أفلا تحتمل هاتان الآيتان برأيك خروج البعض من النار؟ لا سيّما إذا ضمّتا إلى عدد كبير من الأحاديث الصحيحة التي تنصّ نصّاً على خروج البعض من النار، كحديث أنس في البخاري ومسلم (يخرج من النار أو أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله...)، ....وهذه كلّها أحاديث صحيحة.
فإن احتملتا ذلك مع هذه الشواهد المستفيضة، مع أنّه لا يوجد نصّ صريح في القرآن يقرر خروج قوم من النار، فهل ترى أنه يمكن خروج قوم من النار أو لا؟ وإن لم تحتملا ذلك، فما المانع من هذا الاحتمال؟)

الجواب عما إذا كانت الآية الأولى تحتمل خروج البعض من النار، إن كنت تُدخل في البعض مرتكب الكبيرة فإن الآية لا تحتمل هذا إذ ظاهرها الكلام عن الكفار اللذين لم يشرح الله صدرهم للإسلام.
أما الآية الثانية فليس فيها أنهم زحزحوا عن النار بعد دخولها وجائز أن يزحزحوا عن النار من غير أن يعذبوا فيها، وعليه فهي لا تشير إلى ما ذكرتَهُ إشارة ظاهر.
أما الأحاديث اللتي ذكرتها فهي تدل على ما تريد، ولم يفتني هذا، ولهذا قلتُ لا أعلم دليلا من القرآن ولم أقل لا أعلم دليلا بإطلاق أو لا أعلم دليلا من السنة ومحل حديثنا آيات القرآن حتى إذا فرغنا منها انتقلنا للحديث عن أدلة السنة، وللكلام عما إذا كانت السنة تصلح لتفسر آيات القرآن في حكم مرتكب الكبيرة.

سأل الفاضل بلال (كيف تعرف أن لفظاً عامّاً أريد به الخصوص وليس العموم؟)
نعرف هذا إما بدلالة العقل الضرورية كالمثال المذكور أو من السياق كقوله تعالى: (لا تحسبن اللذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) فهذا عموم أريد به خصوص وهم أهل الكتاب وقد دلَّ السياق على ذلك. أو أن يأتي دليل آخرى في موضع آخر يبين أنه أريد بالعموم الخصوص وهذا لا يكون عندي في الأخبار إذ لو جاز ذلك في الخبر للزم اعتقاد العموم في الخبر قبل أن يأتي المخصص فيلزم منه الكذب في الخبر، وإضلال الناس بدلا من هدايتهم. وإنما يكون هذا في الأحكام وفيه تفصيل ليس هذا محلهُ.

بلال النجار
30-12-2003, 14:46
بسم الله الرحمن الرّحيم
لا بدّ أن نتّفق على أمرين مهمّين جدّاً يا فادي، وأن نتذّكرهما دائماً.
الأوّل: أن كتاب الله تعالى يستحيل أن يوجد فيه التعارض الحقيقيّ، أو التناقض. وسأتغاضى عن جملة وقعت منك في نقاشاتنا السابقة تتعلّق بجواز الكذب على الله تعالى. وسأعتمد على إبطالك لقضية ببطلان لازمها، وذلك حين قلت: (فيلزم منه الكذب في الخبر) وأعتبر أنك رجعت عن هذا القول. إلا أن تنقض هذا الكلام كلّه، وتقرر أنك لا توافق على ذلك، وتقرر أنّ الله سبحانه يجوز أن يقع في كلامه الكذب، وعندها ينتقل الكلام في تلك المسألة، لأنّها أصل ينبني عليه فهم القرآن الكريم، وبيانه. فإذا أجزنا على الله تعالى الكذب ارتفع الثقة بكتابه، ولم يؤخذ منه علم مطلقاً. فلا يكون ثمّة فائدة من كلّ نقاشاتنا هذه.
الثاني: أنّ أصل المدّعى عجز أصولنا –أعني الأشعريّة- عن فهم القرآن الكريم على وجه يرتفع فيه التعارض الموهوم بين بعض آياته. فالاحتكام لا بدّ أن يكون على أصولنا لا على أصول غيرنا أو الأصول بحسب ما تفهمها أنت. لا يقال: إن المناظر يقدح في جملة الأصول عند الإسلاميين، لأنّا نقول القادح في جملة أصول أهل الملّة قادح في أصولنا معهم، ونحن نتكلّم بلساننا لا بلسان غيرنا. فالكلام معنا وإلزامنا يكون في أصولنا وبناء عليها، وليس على أصول غيرنا. وغيرنا يتكلّم معه في غير هذا المكان.
فهاتان القضيّتان إن لم تستحضرا دائماً عسر الكلام مع المخالف جدّاً.

ثم إني أقول: أجمعت الأمّة على أنّ الخوارج أعني القائلين منهم بأن مطلق المعصية مكفّر مخلّد في جهنّم مبتدعة. فلا يصحّ التعلّق عندنا بقولهم. وكذا أجمعت الأمّة على أنّ المرجئة أعني القائلين منهم بأنّه لا يضرّ مع الإيمان معصيّة، وكلّ معصيّة مهما عظمت فهي مع الإيمان مغتفرة لا يمسّ صاحبها شيء من العذاب، أنّهم مبتدعة ولا يجوز التمسّك بقولهم. وأجمع معنا على ذلك المعتزلة. والإجماع عندنا حجّة قاطعة لا يجوز مخالفتها. وهذا على أصولنا.
إذا تقرّر ذلك: فإن تمسّكك بقوله تعالى: (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذّب وتولّى) للاستدلال به على أن جنس العذاب إنما هو منحصر في الكافر، تمسّك بقول المرجئة. وهذا باطل لا يجوز. لأنّه خلاف الإجماع. وكذا فإن الاستدلال بها لا يتمّ إلا بإثبات أن الصيغة تفيد الحصر. وأن (ال) للاستغراق أو الجنس. فإذا سلّم أن الصيغة تفيد الحصر، فلا يسلّم أن (ال) لما ذكر. بل الأصل أنّها للعهد. فيكون الكلام في عذاب معيّن مخصوصٍ أنّه منحصر فيمن كذّب وتولّى، وليس الكلام في مطلق العذاب. ولا يمكن أن يقول بهذا القول حتّى العلامة الجرجانيّ، لما أنّه ليس مرجئاً. ولو فهم منها الاستغراق أو الجنس أهل السنّة أو المعتزلة لعدّوها من المتشابه. لأن الظاهر منها الإرجاء عند اعتبار ذلك. وهو باطل على أصلينا. وهم لم يفعلوا، وانظر إن شئت متشابه القاضي عبد الجبار إذ لم يذكرها في متشابه طه.
ثمّ إنّك سلّمت بأنّ قوله تعالى (كذّب وتولّى) أنّه الكافر. وهو طبق قوله تعالى: (تولّى وكفر)، فيكون المقصود بالعذاب ثمّة، العذاب الذي وصف ههنا بالأكبر. والتطبيق على أصولنا يمنع من اعتبار هذه الآية في الحكم على فاعل الكبيرة بمعناه الذي قرّرته أنت من أكثر من وجه يا فادي.

أما قوله تعالى: (إلا بلاغاً من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنّم خالدين فيها أبداً)
فإنها آية لا يتمسّك بعموم حكمها على كل صاحب معصية إلا الخوارج. وقولهم باطل إجماعاً. فلذلك أجمعنا نحن والمعتزلة على أنّها متشابهة وليست كما قلت أنت في أوّل كلام لك في المنتدى: (وبالنسبة لهم –أي المعتزلة- فهي آية واضحة لا تحتاج إلى شرح كثير وبالأخص أن الله أكد خلود العصاة بقوله أبدا، إلا أن أهل السنة يعتبرون هذه الآية متشابهة تحتمل عدة معان). بل نحن والمعتزلة نرى أن هذه الآية يجب تأويلها وصرفها عن ظاهرها لأنّ ظاهرها مستحيل شرعاً، وانظر كيف عدّها القاضي عبد الجبار من متشابه القرآن. فالتمسّك بعموم هذه الآية لإثبات حكم فاعل الكبيرة لا يجوز مطلقاً، وذلك لأن ظاهرها إثبات حكم الخلود في النار أبداً لكلّ من أتى بمطلق معصية ولو سرق حبّة بزر من عربة في الطريق. وهذا لا يقول به عاقل يعرف الشرع. فعلم قطعاً أنّ هذا العموم غير مقصود. ولا بدّ من تخصيصه.
ونحن اقترحنا تخصيصاً حسناً في أوّل الكلام معك، وليس بعيداً مطلقاً لما أنّه مأخوذ من سياق الآية التي تقرّ أنت بأنّه يصلح علامة على التخصيص بقولك: (فهذا عموم أريد به خصوص وهم أهل الكتاب وقد دلَّ السياق على ذلك). وحتّى من تمسّك بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أقرّ بأنّ العموم لا بدّ أن يتناول الصّورة التي وقعت في سياقه، وهو مقتضى البلاغة التي هي مطابقة المقال لمقتضى الحال.
فإذا تناول العموم الصورة التي وقعت في سياقه علم أن الكلام في واحد من أعظم الذنوب التي هي امتناع تبليغ الرسل ما أمروا بتبليغه عن الله، وهو لو تصور وقوعه منهم فهو لا شك كفر. فعلمنا أنّ المعصية المقصودة ههنا هي الكفر. وهو ذنب مخلّد في النار بالاتفاق. فالمستدلّ بعموم هذه الآية لم جعل الخلود لصنفين فقط من البشر أعني الكافر وفاعل الكبيرة، وترك فاعل الصغيرة؟
وقلنا لك إن الإجماع وقع على أنها متشابهة، فالظهور المدّعى في كلّ صاحب معصية بما في ذلك فاعل الكبيرة غير مراد، فعلم أنّه لا بدّ إما من تفويض الآية أو تأويلها.
وأصولنا تقتضي أنه في الحالين لا بدّ من التمسّك بالمحكم. وقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، محكم بالإجماع، ويوافقنا على هذا الإجماع المعتزلة. وتوافقنا عليه أنت حين سلّمت لنا ذلك بقولك في ما دون ذلك أنه: (جائز أن يكون ما دون ذلك مقتصراً على الصغيرة وإن كان الظاهر أنه يشمل الكبيرة وذلك لسياق الآية) إذ لا عبرة بمجرّد الاحتمال، بل العبرة بالظهور يا فادي، والظهور علامة الإحكام. وإذا تقرّر أنّ قوله (من يعص) متشابه بالإجماع، وقوله: (يغفر ما دون ذلك) محكم بالإجماع، وجب ردّ المحكم إلى المتشابه. فيكون قوله (ومن يعص) عامّ أريد به خاصّ هو الكافر المكذّب المتولّي، ويكون فاعل الصغيرة وفاعل الكبيرة وفاعلهما معاً يمكن أن يغفر الله تعالى له إذا شاء. وإذا شاء لم يغفر. وهذا هو مذهب أهل السنّة والجماعة، لأنّه لا يجب على الله تعالى شيء، إن شاء غفر منّاً منه وتفضّلاً، وإن شاء عذّب عدلاً.
ولا يقال: إن قوله تعالى: (من يعص) ظاهر في صاحب الكبيرة أنّه خالد في النار، وقوله تعالى: (يغفر ما دون ذلك) ظاهر في جواز أن يغفر له. وحمل (من يعص) على (يغفر ما دون ذلك) تخصيص ظاهر بظاهر. لأنّا نقول: إن التمسّك بالظهور الواقع في قوله (من يعص) لا يجوز، وذلك للإجماع على وجوب التوقّف فيها أو تأويلها لأن هذا الظاهر مستحيل شرعاً، واعتباره ظاهراً في معصية دون معصية والاستدلال به ههنا تعسّف. لأنّه لمّا علم وجوب تخصيصه على تسليم كونه عامّاً لا يراد به الخاصّ، واختلف في مخصّصه أو في وجه تخصيصه، لم يخلُ عن نوع إجمال. والمجمل متشابه قطعاً، وأصولنا تقرر أنّ المجمل والمتشابهة عامّة لا يبنى عليه حكم. فوجب ردّه إلى المحكم لقوله تعالى: (منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب) أي أصله الذي يردّ إليه وواضحه الذي يعتمد عليه في الفهم منه؛ وحرم التمسّك به لقوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه)، وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار في متشابه القرآن ولقد أبدع والله ثمّة في ردّ الشبه الواردة على المتشابه في مقدّمة كتابه: (فأما المتشابه فهو الذي جعله عزّ وجلّ على صفة تشتبه على السامع –لكونه عليها المراد به- من حيث خرج ظاهره عن أن يدلّ على المراد به، لشيء يرجع إلى اللغة أو التعارف، لأنّ ظاهره يقتضي ما علمناه محالاً، فالمراد به مشتبه، ويحتاج في معرفته إلى الرّجوع إلى غيره من المحكمات).
ومما مضى وباستخدام أصول الفقه يعلم بأن هذه الآيات ليست متعارضة، ويمكن فهمها باستخدام أصول الفقه على نحو يظهر منها ظهوراً معتبراً قول أهل السنّة في فاعل الكبيرة. وخصوصاً إذا اعتبر معها الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي وردت في الشفاعة، ومنها ما ينصّ نصّاً على أنّ الشفاعة تكون لأصحاب الكبائر من المؤمنين كما نقلنا لك بعضها فيما مضى من المناقشات.
قولك: (جائز عندي أن نقول أن فاعل الكبيرة كافر لكن لا بمعنى أنه لا يدين بدين الإسلام ولكن بمعنى أنه غطى ما يجب عليه من طاعة الله بمعصيته له، والكفر عندي والكافر ألفاظ يجوز إطلاقها على مرتكب الكبيرة ومن لا يدين بدين الإسلام. أما أن فاعل الكبيرة مؤمن فأنا أقر بذلك أيضا بمعنى أن ظاهره التصديق بما جاء به الرسول)
أقول: كلامك لا عبرة به بعد تسليمك بظهور الكذب والتولّي في الكافر، وظهور الشرك غير المعفوّ عنه في الكافر، وظهور ما دون ذلك في فاعل الكبيرة والصغيرة. إذ هي محلّات النّزاع. وليس كلامنا في آيات أخرى يمكن أن يفهم منها خلافه.

قولك: (يجوز عندي أن يطلق الشرك ويراد الخارج عن دين الإسلام ويجوز أن يطلق ويراد به هذا ومرتكب الكبيرة أو يطلق ويراد به ارتكاب الكبيرة وكل هذا على الحقيقة الشرعية عندي والسياق أو مجموع الأدلة هو الذي يحدد أي المعاني أريد بهِ)
أقول: نكتفي منك بالتجويز والظهور كما بينّا. ونزيد أن ما قلته معناه أن الشرك والكبيرة من المشترك، والاشتراك على أصولنا خلاف الأصل. وحملها على المجاز أولى كما شرحناه لك في نقاشاتنا السابقة، لأنّ المجاز مقدّم على الاشتراك في أصولنا المحتكم إليها.

قولك: (جائز أن تكون المشيئة عندي مشيئة الله أو مشيئة العبد فلا مرجح لأحدهما على الآخر)
أقول: اشرح لنا هذا الجواز لنريك كيف أنّه لا يسوغ. واعلم أنّه يلزمك أنّه بمجرّد وقوع إرادة العبد بأن يُغفر له، غفر الله له. وهو ظاهر الفساد. كيف والمغفرة فعل يقتضي إرادة فاعله الذي هو الله سبحانه، لا إرادة طالبه وهو العبد المحتاج الفقير الذي لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً؟!! وهذا أيضاً على أصولنا.
قولك: (الذي لا أعلم دليلا عليه هو مجموع القول لا شطرهُ. أما شطره الأول فهناك ما يمكن أن يدل عليه)
أقول: مجموع كلامك هو: (ولا أعلم دليلا من القرآن على القول بأنه يمكن أن يغفر الله له أو يعذبه في النار ثمَّ يخرجه منها)
أقول: وتشطيره حقّ، لأنّ ظاهره أنك لا تعلم دليلاً من القرآن على إمكان أن يغفر الله له، كما لا تعلم دليلاً من القرآن على إمكان أن يعذّبه ثم يخرجه منها. واعتراضنا عليك في الشطر الأوّل حق لأنك تعلم دليلاً ظاهراً يجيز أن يغفر الله له كما قرّرته بنص كلامك، وفي الثاني حقّ لأنّك تعلم دليلاً مشعراً به في القرآن محتملاً له، وهذا الاحتمال يظهر ظهوراً قويّاً بل يتأكّد بدون شك عند الاطلاع على الأحاديث الكثيرة الصحيحة في هذا الباب. والأحاديث الصحيحة دليل معتبر ههنا في إظهار هذا الاحتمال، ثمّ جاء إجماع أهل السنّة على جواز أن يعذّب الله بعض العصاة من المؤمنين ثم يخرجهم من النار بعد ذلك كاشفاً قاطعاً عن هذا الحكم. والإجماع حجّة قاطعة في أصولنا. فكيف تحتكم إلى أصولنا ثمّ تنفي مجرّد هذا الاحتمال؟

قولك: (الجواب عما إذا كانت الآية الأولى تحتمل خروج البعض من النار، إن كنت تُدخل في البعض مرتكب الكبيرة فإن الآية لا تحتمل هذا إذ ظاهرها الكلام عن الكفار الذين لم يشرح الله صدرهم للإسلام)
أقول: الآية بتمامها: (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربّنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم)
فأين ظهورها في الكافرين؟ فهل أولياء الجنّ كفّار عندك بالضّرورة؟ ثمّ إن أصل استدلالنا بها هو تعليق الخلود في النار على المشيئة، ومجرّد تعليقه على المشيئة يقتضي إمكان خروج البعض، لأن المعنى إن شاء خلّدكم وإن شاء لم يخلّدكم أي أخرجكم منها. وهذا كافٍ في إثبات أصل الإمكان الذي منعته أنت.
قولك: (أما الآية الثانية فليس فيها أنهم زحزحوا عن النار بعد دخولها وجائز أن يزحزحوا عن النار من غير أن يعذبوا فيها، وعليه فهي لا تشير إلى ما ذكرتَهُ إشارة ظاهر)
أقول: يا فادي إنما الكلام في الإمكان الذي تنفيه حضرتك. نعم ما قلته جائز، ومعنى أنّه جائز أي أنّه يجوز خلافه، وهو خروجهم منها بعد أن كانوا فيها. وهو ما نازعناك فيه. فلا يصحّ إذاً قولك بأنّه لا يوجد دليل في القرآن على جواز خروج أحد من النار بعد الدخول فيها. بل الجواز ثابت إذا لم تفدك الآيتان اللتان ذكرناهما استحالة الخروج أو وجوب الخلود. وعدم الوجدان للمثبت الصريح ليس دليلاً على عدم الوجود، ولا يرفع الإمكان الثابت بالعقل والمحتف بالشواهد، وهو معارض بأنّه أيضاً ليس هنالك دليل يحيل خروجهم، فإذا استدللت بعدم وجدان ما يجيز خروجهم، عارضناه بعدم وجدان ما يحيل خروجهم. ورفع الإحالة إثبات للجواز بالمعنى الأعمّ قطعاً، وهو المدّعى.

قولك: (أما الأحاديث التي ذكرتها فهي تدل على ما تريد، ولم يفتني هذا، ولهذا قلتُ لا أعلم دليلا من القرآن ولم أقل لا أعلم دليلا بإطلاق أو لا أعلم دليلا من السنة ومحل حديثنا آيات القرآن حتى إذا فرغنا منها انتقلنا للحديث عن أدلة السنة، وللكلام عما إذا كانت السنة تصلح لتفسر آيات القرآن في حكم مرتكب الكبيرة)
أقول: السنّة دليل واف، وكاف مثل القرآن الكريم إذا تحققت شروط الاستدلال بها. وهذا على أصولنا لا مانع منه. وأخذ الدّين بالفصل بينهما لا يجوز للآيات القاطعة بوجوب تصديق النبيّ والأخذ منه واعتبار ما يقوله. وحتّى بالنظر في القرآن الكريم وحده، فالإشكال منحلّ بتطبيق قواعد الأصول كما بيّناه.
وهذا ما لدينا الآن، حتّى نقرأ جوابك. والحمد لله ربّ العالمين.

fadilov
03-01-2004, 20:12
الفاضل بلال،
عذرا إن كنت قد تأخرت في الرد فقد جاءني سفر مستعجل غير متوقع لأيام قلائل، ولم أستطع أن أكتب الرد في مكان سفري لأني لم أجد جهازا مُعربا، ورغم أن صحتي ليست على ما يرام الآن بعد قدومي من السفر إلا أنني كتبت ردا على كلامك فقلتُ:

قال الفاضل بلال (لا بدّ أن نتّفق على أمرين مهمّين جدّاً يا فادي، وأن نتذّكرهما دائماً.
الأوّل: أن كتاب الله تعالى يستحيل أن يوجد فيه التعارض الحقيقيّ، أو التناقض. وسأتغاضى عن جملة وقعت منك في نقاشاتنا السابقة تتعلّق بجواز الكذب على الله تعالى. وسأعتمد على إبطالك لقضية ببطلان لازمها، وذلك حين قلت: (فيلزم منه الكذب في الخبر) وأعتبر أنك رجعت عن هذا القول. إلا أن تنقض هذا الكلام كلّه، وتقرر أنك لا توافق على ذلك، وتقرر أنّ الله سبحانه يجوز أن يقع في كلامه الكذب، وعندها ينتقل الكلام في تلك المسألة، لأنّها أصل ينبني عليه فهم القرآن الكريم، وبيانه. فإذا أجزنا على الله تعالى الكذب ارتفع الثقة بكتابه، ولم يؤخذ منه علم مطلقاً. فلا يكون ثمّة فائدة من كلّ نقاشاتنا هذه. )

أنت سألتني عن رأيي في مخصصات العام وأنا أجبتك عن هذا على فرض صحة أصول الفقه، فأنا أصلا لا أقول بصحتها، أما جواز الكذب في كلام الله فهذا لا أقول به، وكلامي في السابق لم يكن في جواز الكذب في كلام الله وإنما كان في جواز الكذب فيما أنزله الله وهو القرآن، فإن لزوم القول الثاني للأول إنما يكون على تسليم أن ما جاء في القرآن من أنه كلام الله صدق وإلا فيمكن أن يقال بعدم جواز الكذب في كلام الله على التسليم بأنه متكلم وبجواز الكذب في القرآن ولا يلزم من هذا الثاني أن لا يكون القرآن من عند الله بل جائز أن يكون الله قد خلق القرآن وأنزله. أما أنه يلزم من ذلك أن لا يؤخذ علم من القرآن فحق وهذا أحد أدلة عدم التكليف عندي، ولكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون لنقاشنا هنا فائدة فإن أهمية النقاش هنا كأهميته في هذه المسألة إذ لازم كل منهما سقوط التكليف.

قال الفاضل بلال (الثاني: أنّ أصل المدّعى عجز أصولنا –أعني الأشعريّة- عن فهم القرآن الكريم على وجه يرتفع فيه التعارض الموهوم بين بعض آياته. فالاحتكام لا بدّ أن يكون على أصولنا لا على أصول غيرنا أو الأصول بحسب ما تفهمها أنت. لا يقال: إن المناظر يقدح في جملة الأصول عند الإسلاميين، لأنّا نقول القادح في جملة أصول أهل الملّة قادح في أصولنا معهم، ونحن نتكلّم بلساننا لا بلسان غيرنا. فالكلام معنا وإلزامنا يكون في أصولنا وبناء عليها، وليس على أصول غيرنا. وغيرنا يتكلّم معه في غير هذا المكان.
فهاتان القضيّتان إن لم تستحضرا دائماً عسر الكلام مع المخالف جدّاً. )

لا ليس الأمر كما وصفت بل أصل المدعى هو عجز الأصول الإسلامية عن رفع التعارض الظاهر بين آيات القرآن، وأنا لم أقصد جميع الأصول الإسلامية مجتمعة عند جميع الفرق إذ هي متناقضة فيما بينها، وإنما قصدت هجز الأصول الإسلامية كما أفهمها وأراها صوابا لا كما يفهما الأشاعرة، ثم لو كان هناك أصل أختلف مع الأشاعرة فيه وجب علي بيان فساد ذلك الأصل من أصول الفقه عند الأشاعرة فإن لم أستطع إلتزمت القول به، فمثلا إن قول الأشاعرة بحجية الإجماع غير لازم لي إن كنتُ لا أوافق عليه حتى تثبت لي صحة هذا الأصل، أي حتى تثبت فساد قول من يقول بعدم حجية الإجماع من علماء المسلمين.

قال الفاضل بلال (ثم إني أقول: أجمعت الأمّة على أنّ الخوارج أعني القائلين منهم بأن مطلق المعصية مكفّر مخلّد في جهنّم مبتدعة. فلا يصحّ التعلّق عندنا بقولهم. وكذا أجمعت الأمّة على أنّ المرجئة أعني القائلين منهم بأنّه لا يضرّ مع الإيمان معصيّة، وكلّ معصيّة مهما عظمت فهي مع الإيمان مغتفرة لا يمسّ صاحبها شيء من العذاب، أنّهم مبتدعة ولا يجوز التمسّك بقولهم. وأجمع معنا على ذلك المعتزلة. والإجماع عندنا حجّة قاطعة لا يجوز مخالفتها. وهذا على أصولنا.
إذا تقرّر ذلك: فإن تمسّكك بقوله تعالى: (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذّب وتولّى) للاستدلال به على أن جنس العذاب إنما هو منحصر في الكافر، تمسّك بقول المرجئة. وهذا باطل لا يجوز. لأنّه خلاف الإجماع.)

أولا: الكلام هنا فيما إن كان القرآن مبينا بنفسه وأنت برجوعك إلى الإجماع لإثبات المدعى كأنك تقول إن القرآن غير مبين بنفسه لإثبات حكم مرتكب الكبيرة فهل تلتزم هذا؟ فإن لم تلتزمه فأثبت حكم مرتكب الكبيرة مستعينا بأدلة القرآن من غير أن تلجأ إلى أصل آخر من أصول التشريع كالسنة والإجماع، ثم إن عجزت عن الإثبات إنتقلت معك للحديث عن سائر أصول التشريع أصلا أصلا.

ثانيا: قولك أجمعت الأمة غير صحيح إلا أن تقصد بالأمة الأشاعرة فبينهُ.

قال الفاضل بلال (وكذا فإن الاستدلال بها لا يتمّ إلا بإثبات أن الصيغة تفيد الحصر. وأن (ال) للاستغراق أو الجنس. فإذا سلّم أن الصيغة تفيد الحصر، فلا يسلّم أن (ال) لما ذكر. بل الأصل أنّها للعهد. فيكون الكلام في عذاب معيّن مخصوصٍ أنّه منحصر فيمن كذّب وتولّى، وليس الكلام في مطلق العذاب. ولا يمكن أن يقول بهذا القول حتّى العلامة الجرجانيّ، لما أنّه ليس مرجئاً. ولو فهم منها الاستغراق أو الجنس أهل السنّة أو المعتزلة لعدّوها من المتشابه. لأن الظاهر منها الإرجاء عند اعتبار ذلك. وهو باطل على أصلينا. وهم لم يفعلوا، وانظر إن شئت متشابه القاضي عبد الجبار إذ لم يذكرها في متشابه طه. )

أولا: قد بينتُ لك وجه إفادة هذه الصيغة للحصر وأنت لم تردَّهُ فهلا بينت وجه الخطأ فيه؟

ثانيا: قولك إن ال للعهد مخالف للسياق فإنه ليس فيه حديث عن عذاب معين حتى تكون ال عهدية.

ثالثا: أما أن الجرجاني لا يمكن أن يقول بهذا القول فهل تقصد بالقول (أن ظاهر هذه الصيغة أفاد حصر العذاب في المكذب والمتولي في هذه الآية؟) أم تقصد أنه لا يقول بقول الخوارج والمرجئة؟ ظاهر عبارتك أنك أردت الأول والحق أن الجرجاني إمام البلاغة في زمانه نص على هذا في شرحه للمواقف المرصد الثالث- المقصد الرابع: في أن مرتكبي الكبيرة من أهل الصلاة الجزء 8. فإن أردت الثاني فأنا لم أنسبه للجرجاني فلا حاجة لك بنفيه.
رابعا: إن كان من المتشابه عندك ما كان ظاهره مخصوصا بدليل آخر كما أفهم من عبارتك فإن الجرجاني عدَّ الآية من المتشابه والإيجي كذلك.


قال الفاضل بلال (ثمّ إنّك سلّمت بأنّ قوله تعالى (كذّب وتولّى) أنّه الكافر. وهو طبق قوله تعالى: (تولّى وكفر)، فيكون المقصود بالعذاب ثمّة، العذاب الذي وصف ههنا بالأكبر. والتطبيق على أصولنا يمنع من اعتبار هذه الآية في الحكم على فاعل الكبيرة بمعناه الذي قرّرته أنت من أكثر من وجه يا فادي. )

أولا: العذاب الأكبر عذاب الآخرة دلَّ عليه قوله تعالى: (من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون) وعليه لو كان المقصود بالعذاب في الآية الأولى ما جاء في الآية الثانية بقي الدليل فيها قائما على اختصاص عذاب الآخرة بالكفار.
ثانيا: سلمنا أن العذاب الأكبر أخص من عذاب الآخرة فلا أسلم جواز تخصيص عموم العذاب في الآية الأولى بالخاص الموافق في الآية الثانية.

قال الفاضل بلال (أما قوله تعالى: (إلا بلاغاً من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنّم خالدين فيها أبداً)
فإنها آية لا يتمسّك بعموم حكمها على كل صاحب معصية إلا الخوارج. وقولهم باطل إجماعاً.)

هل تشتطيع أن تبطل قولهم من غير الرجوع إلى أصل آخر من أصول أدلة الأحكام؟ إن قلت نعم مأبطله وإن قلت لا انتقلنا إلى الحديث عن الأصل الثاني. وأنا لا أطلب ذلك منك إلا حتى لا نشعب الحديث منحن الآن نتكلم عن الأصل الأول من أصول الأحكام وهو القرآن، ولا نتكلم عن فهمه بالسنة أو غيرها. ل القرآن مبين بنفسه في هذه المسألة؟ أرجو أن يكون كلامي واضحا.

قال الفاضل بلال (فلذلك أجمعنا نحن والمعتزلة على أنّها متشابهة وليست كما قلت أنت في أوّل كلام لك في المنتدى: (وبالنسبة لهم –أي المعتزلة- فهي آية واضحة لا تحتاج إلى شرح كثير وبالأخص أن الله أكد خلود العصاة بقوله أبدا، إلا أن أهل السنة يعتبرون هذه الآية متشابهة تحتمل عدة معان). بل نحن والمعتزلة نرى أن هذه الآية يجب تأويلها وصرفها عن ظاهرها لأنّ ظاهرها مستحيل شرعاً، وانظر كيف عدّها القاضي عبد الجبار من متشابه القرآن. فالتمسّك بعموم هذه الآية لإثبات حكم فاعل الكبيرة لا يجوز مطلقاً، وذلك لأن ظاهرها إثبات حكم الخلود في النار أبداً لكلّ من أتى بمطلق معصية ولو سرق حبّة بزر من عربة في الطريق. وهذا لا يقول به عاقل يعرف الشرع. فعلم قطعاً أنّ هذا العموم غير مقصود. ولا بدّ من تخصيصه. )

أنت تناظرني أنا ولا تناظر المعتزلة وهذا اللذي طلبته أنت بقولك (وحين أتكلّم فأنا أريد أن أناظر فادي لا المعتزلة) فأرجو منك أن تضع المعتزلة جانبا، بل وأن تضع ذكر الخوارج والمرجئة، وأن تقتصر في ردك على رد كلامي واستدلالاتي.

قال الفاضل بلال (ونحن اقترحنا تخصيصاً حسناً في أوّل الكلام معك، وليس بعيداً مطلقاً لما أنّه مأخوذ من سياق الآية التي تقرّ أنت بأنّه يصلح علامة على التخصيص بقولك: (فهذا عموم أريد به خصوص وهم أهل الكتاب وقد دلَّ السياق على ذلك).)

أنا لا أقر بأن سياق الآية ظاهر فيما ذكرته بل هو محتمل لما ذكرته محتمل لكل من لا يملك له الرسول ضرا ولا رشدا من المكلفين، وعليه فلا يصح إخراج الآية عن عمومها لأجل السياق، وليس مثل هذا السياق هو الذي يخصص العموم.

قال الفاضل بلال (وحتّى من تمسّك بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أقرّ بأنّ العموم لا بدّ أن يتناول الصّورة التي وقعت في سياقه، وهو مقتضى البلاغة التي هي مطابقة المقال لمقتضى الحال.
فإذا تناول العموم الصورة التي وقعت في سياقه علم أن الكلام في واحد من أعظم الذنوب التي هي امتناع تبليغ الرسل ما أمروا بتبليغه عن الله، وهو لو تصور وقوعه منهم فهو لا شك كفر. فعلمنا أنّ المعصية المقصودة ههنا هي الكفر. وهو ذنب مخلّد في النار بالاتفاق.)

هذا الاستدلال ظاهر الفساد إذ إن القول بأن العبرة بعموم اللفظ يشمل جميع ما عمه اللفظ أي ما وقع في السياق وغيره وأنت قصرته هنا على ما توهمت أن السياق يدل عليه وهذا مخالف لمعنى أن العبرة بعموم اللفظ، ولا يصح هذا الاستدلال منك إلا أن تأتي بدليل آخر يخصص الآية وهذا على أصولك.

قال الفضل بلال (فالمستدلّ بعموم هذه الآية لم جعل الخلود لصنفين فقط من البشر أعني الكافر وفاعل الكبيرة، وترك فاعل الصغيرة؟)

لأنه أخرج فاعل الكبيرة بقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) فهذه الآية تدل على أن الصغائر غير داخلة في عموم الآية ويبقى سائر الآية على عمومه إلا أن يخصَّ بدليل آخر فما هو؟

قال الفاضل بلال (وقلنا لك إن الإجماع وقع على أنها متشابهة، فالظهور المدّعى في كلّ صاحب معصية بما في ذلك فاعل الكبيرة غير مراد، فعلم أنّه لا بدّ إما من تفويض الآية أو تأويلها. )

أولا: هل تسمي كل آية فيها عموم مخصوص متشابهة؟ سلمنا أنك تقول ذلك فهل تقول أنها تبقى متشابهة بعد أن نفهمها مع مخصصها؟
ثانيا: قلت لك أننا سنأتي على الإجماع فهل تستطيع إثبات أنها متشابهة بغير الإجماع المدعى؟

قال الفاضل بلال (وأصولنا تقتضي أنه في الحالين لا بدّ من التمسّك بالمحكم. وقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، محكم بالإجماع، ويوافقنا على هذا الإجماع المعتزلة. وتوافقنا عليه أنت حين سلّمت لنا ذلك بقولك في ما دون ذلك أنه: (جائز أن يكون ما دون ذلك مقتصراً على الصغيرة وإن كان الظاهر أنه يشمل الكبيرة وذلك لسياق الآية) إذ لا عبرة بمجرّد الاحتمال، بل العبرة بالظهور يا فادي، والظهور علامة الإحكام.)

أنا لا أسلم أن الآية محكمة في الدلالة على حكم مرتكب الكبيرة من المسلمين وإن سلمت أن (ما دون ذلك) ظاهر في الصغيرة والكبيرة، بل ظاهر السياق أنها تتكلم عن الكافر التائب فإن سياق الحديث عن الكفار فكأن الله يقول إنه لا يغفر الشرك للمشرك الذي لا يتوب ويغفر للمشرك اللذي يتوب ما سوى ذلك إن تاب من شركه فالإسلام يجب ما قبله. وقد تكلمت عن هذا في السابق، سلمت لك أن العبرة بالعموم لا أسلم أنها عامة في كل مرتكب معصية بل هي خاصة بمن لم يتب عند أهل السنة لأن من تاب عندهم مغفور له وهو غير داخل تحت المشيئة والمشيئة عندهم مشيئة الله. وعندي هذا محتمل ومحتمل أن تكون مخصوصة بمن تاب إن جعلنا المشيئة مشيئة العبد، وكأن الله يقول ويغفر ما دون ذلك لمن شاء أن يتوب. سلمتُ صحة قول أهل السنة فإن ما دون ذلك ظاهر في الصغيرة والكبيرة محتمل التخصيص بأحدهما ثمَّ اتفقت أنا وأنت على أن مرتكب الصغير داخل في هذا العموم وخارج من عموم (ومن يعص) وذلك للأية المخصصة وهي قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) وبقي ظاهر آية (ومن يعص) محتمل للكبيرة، وظاهر آية (ما دون ذلك) محتمل للكبيرة أيضا فكيف ترجح أحدهما على الآخر؟ وأرجو أن تتنبه إلى أنني لا أقول بأن عموم (ومن يعص) أخرج منه مرتكب الصغيرة لعموم آية (ما دون ذلك).

وإذا تقرّر أنّ قوله (من يعص) متشابه بالإجماع، وقوله: (يغفر ما دون ذلك) محكم بالإجماع، وجب ردّ المحكم إلى المتشابه. فيكون قوله (ومن يعص) عامّ أريد به خاصّ هو الكافر المكذّب المتولّي، ويكون فاعل الصغيرة وفاعل الكبيرة وفاعلهما معاً يمكن أن يغفر الله تعالى له إذا شاء. وإذا شاء لم يغفر. وهذا هو مذهب أهل السنّة والجماعة، لأنّه لا يجب على الله تعالى شيء، إن شاء غفر منّاً منه وتفضّلاً، وإن شاء عذّب عدلاً.
ولا يقال: إن قوله تعالى: (من يعص) ظاهر في صاحب الكبيرة أنّه خالد في النار، وقوله تعالى: (يغفر ما دون ذلك) ظاهر في جواز أن يغفر له. وحمل (من يعص) على (يغفر ما دون ذلك) تخصيص ظاهر بظاهر. لأنّا نقول: إن التمسّك بالظهور الواقع في قوله (من يعص) لا يجوز، وذلك للإجماع على وجوب التوقّف فيها أو تأويلها لأن هذا الظاهر مستحيل شرعاً، واعتباره ظاهراً في معصية دون معصية والاستدلال به ههنا تعسّف.
إنما اعتبرتُه خاصا في معصية دون معصية لقيام الدليل على تخصيص الصغائر وهدم قيامه على تخصيص الكبائر وهو قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) ومثل هذا لا يكون تعسفا.

قال الفاضل بلال (لأنّه لمّا علم وجوب تخصيصه على تسليم كونه عامّاً لا يراد به الخاصّ، واختلف في مخصّصه أو في وجه تخصيصه، لم يخلُ عن نوع إجمال. والمجمل متشابه قطعاً، وأصولنا تقرر أنّ المجمل والمتشابهة عامّة لا يبنى عليه حكم. فوجب ردّه إلى المحكم)

وكذا ما ظننته محكما وهو قوله تعالى (ما دون ذلك لمن يشاء) مخصوص بالاتفاق واختلف في مخصصه أو في وجه تخصيصه، فلا يصح الرد إليه. فأنت لا تقول أن التائب داخل تحت مشيئة الله بل تقطع بأن الله يغفر للتائب.

قال الفاضل بلال (لقوله تعالى: (منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب) أي أصله الذي يردّ إليه وواضحه الذي يعتمد عليه في الفهم منه؛ وحرم التمسّك به لقوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه)، وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار في متشابه القرآن ولقد أبدع والله ثمّة في ردّ الشبه الواردة على المتشابه في مقدّمة كتابه: (فأما المتشابه فهو الذي جعله عزّ وجلّ على صفة تشتبه على السامع –لكونه عليها المراد به- من حيث خرج ظاهره عن أن يدلّ على المراد به، لشيء يرجع إلى اللغة أو التعارف، لأنّ ظاهره يقتضي ما علمناه محالاً، فالمراد به مشتبه، ويحتاج في معرفته إلى الرّجوع إلى غيره من المحكمات.)

نعم ولكن أين هو المحكم؟

قال الفاضل بلال (ومما مضى وباستخدام أصول الفقه يعلم بأن هذه الآيات ليست متعارضة، ويمكن فهمها باستخدام أصول الفقه على نحو يظهر منها ظهوراً معتبراً قول أهل السنّة في فاعل الكبيرة. وخصوصاً إذا اعتبر معها الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي وردت في الشفاعة، ومنها ما ينصّ نصّاً على أنّ الشفاعة تكون لأصحاب الكبائر من المؤمنين كما نقلنا لك بعضها فيما مضى من المناقشات. )

سنعود إلى الكلام عن أصول أدلة الأحكام الأخرى وهي السنة والإجماع وغيرها بعد أن نفرغ من الكلام عن الدليل الأول.


قال الفاضل بلال (قولك: (جائز أن تكون المشيئة عندي مشيئة الله أو مشيئة العبد فلا مرجح لأحدهما على الآخر)
أقول: اشرح لنا هذا الجواز لنريك كيف أنّه لا يسوغ. واعلم أنّه يلزمك أنّه بمجرّد وقوع إرادة العبد بأن يُغفر له، غفر الله له. وهو ظاهر الفساد.)

إنما يلزمني هذا إذ جعلتُ المحذوف المقدر من لم يتب كما قال أهل السنة أما إذا جعلت المحذوف من تاب فلا يلزمني هذا وقد تقدم الكلام في هذا.

قال الفاضل بلال (كيف والمغفرة فعل يقتضي إرادة فاعله الذي هو الله سبحانه، لا إرادة طالبه وهو العبد المحتاج الفقير الذي لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً؟!! وهذا أيضاً على أصولنا. )

لا أسلم أن المغفرة تستلزم إرادة الله فقط بل يجب أن يريد العاصي المغفرة كذلك وإلا فلو قال العاصي لا أريد أن يغفر الله لي لم يغفر الله له ويجوز أن تكون إرادة العاصي علامة على إرادة الله.

قال الفاضل بلال (أقول: وتشطيره حقّ، لأنّ ظاهره أنك لا تعلم دليلاً من القرآن على إمكان أن يغفر الله له، كما لا تعلم دليلاً من القرآن على إمكان أن يعذّبه ثم يخرجه منها. واعتراضنا عليك في الشطر الأوّل حق لأنك تعلم دليلاً ظاهراً يجيز أن يغفر الله له كما قرّرته بنص كلامك، وفي الثاني حقّ لأنّك تعلم دليلاً مشعراً به في القرآن محتملاً له،)

بل تشطيره باطل لأن حكمي كان على مجموع القول لا على شطره فقط. على أي حال نحن متفقون على الشطر الأول ومتنازعون في الشطر الثاني وسيأتي الكلام عليه.

وهذا الاحتمال يظهر ظهوراً قويّاً بل يتأكّد بدون شك عند الاطلاع على الأحاديث الكثيرة الصحيحة في هذا الباب. والأحاديث الصحيحة دليل معتبر ههنا في إظهار هذا الاحتمال، ثمّ جاء إجماع أهل السنّة على جواز أن يعذّب الله بعض العصاة من المؤمنين ثم يخرجهم من النار بعد ذلك كاشفاً قاطعاً عن هذا الحكم. والإجماع حجّة قاطعة في أصولنا. فكيف تحتكم إلى أصولنا ثمّ تنفي مجرّد هذا الاحتمال؟

لاحظ أنك تستدل بالسنة والإجماع وقد كانت عبارتي، لا أعلم دليلا من القرآن عليه، فأنا أتكلم عن دليل من القرآن يدل عليه بوضوح وباستقلال، وما ذكرته من آيات لا يدل عليه باستقلال بل بالاستعانة بالسنة أو الإجماع وأنا لم أشرع بعد في الحديث عن السنة والإجماع، فهل تعتقد وجود دليل في القرآن يدل على ما وصفت دلالة ظاهر؟ ولا ينفعك أن تأتي بدليل مجمل لأن المجمل لا يصلح دليلا على القول.

قال الفاضل بلال (قولك: (الجواب عما إذا كانت الآية الأولى تحتمل خروج البعض من النار، إن كنت تُدخل في البعض مرتكب الكبيرة فإن الآية لا تحتمل هذا إذ ظاهرها الكلام عن الكفار الذين لم يشرح الله صدرهم للإسلام)
أقول: الآية بتمامها: (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربّنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم)
فأين ظهورها في الكافرين؟)

الضمير في ويوم يحشرهم على من يعود؟ الآيات السابقة تتكلم عن صنفين الأول الكفار اللذين لا يؤمنون والثاني اللذين لهم دار السلام عند ربهم والله وليُّهم. ولا يصح أن يكون الصنف الثاني في النار لأن لهم دار السلام والله وليهم فبقي الكلام في الصنف الأول وهم الكفار.

قال الفاضل بلال (فهل أولياء الجنّ كفّار عندك بالضّرورة؟)

بناءا على السياق نعم، ثم لو سلمتُ أنهم ليسوا كذلك بالضرورة فإني لا أسلم عدم إمكان كونهم كفارا جميعا وعليه تكون الآية مجملة ولا يصح الكلام عن دلالتها على حكم معين، وإنما يصح دلالة الآية على ما وصفتَ إذا سلمنا أنها ظاهرة في الكلام عن مرتكبي الكبائر وغيرهم. فيدخل مرتكب الكبيرة تحت المشيئة ويجوز أن نقول عندها يمكن أن يغفر الله له.

قال الفاضل بلال (ثمّ إن أصل استدلالنا بها هو تعليق الخلود في النار على المشيئة، ومجرّد تعليقه على المشيئة يقتضي إمكان خروج البعض، لأن المعنى إن شاء خلّدكم وإن شاء لم يخلّدكم أي أخرجكم منها. وهذا كافٍ في إثبات أصل الإمكان الذي منعته أنت. )

قد تبين ما فيه وأضيف إلى ما ذكرتُ سؤالا ماذا قصد الله من قوله (قد استكثرتم من الإنس)؟

قال الفاضل بلال (أقول: يا فادي إنما الكلام في الإمكان الذي تنفيه حضرتك. نعم ما قلته جائز، ومعنى أنّه جائز أي أنّه يجوز خلافه، وهو خروجهم منها بعد أن كانوا فيها. وهو ما نازعناك فيه. فلا يصحّ إذاً قولك بأنّه لا يوجد دليل في القرآن على جواز خروج أحد من النار بعد الدخول فيها. بل الجواز ثابت إذا لم تفدك الآيتان اللتان ذكرناهما استحالة الخروج أو وجوب الخلود. وعدم الوجدان للمثبت الصريح ليس دليلاً على عدم الوجود، ولا يرفع الإمكان الثابت بالعقل والمحتف بالشواهد، وهو معارض بأنّه أيضاً ليس هنالك دليل يحيل خروجهم، فإذا استدللت بعدم وجدان ما يجيز خروجهم، عارضناه بعدم وجدان ما يحيل خروجهم. ورفع الإحالة إثبات للجواز بالمعنى الأعمّ قطعاً، وهو المدّعى. )

أنا نفيت أن يكون في القرآن دليل على جواز الخروج من النار بعد الدخول فيها، والدليل لا يكون مجملا بل يجب أن يكون ظاهرا أو نصا. والآية ليست ظاهرا للاحتمال الذي ذكرتُه فبطل الاستدلال بها. وتنبه أني أتكلم عن القرآن فلا تحمل كلامي ما لا يحتمل.

قال الفاضل بلال (السنّة دليل واف، وكاف مثل القرآن الكريم إذا تحققت شروط الاستدلال بها. وهذا على أصولنا لا مانع منه. وأخذ الدّين بالفصل بينهما لا يجوز للآيات القاطعة بوجوب تصديق النبيّ والأخذ منه واعتبار ما يقوله. وحتّى بالنظر في القرآن الكريم وحده، فالإشكال منحلّ بتطبيق قواعد الأصول كما بيّناه. )

دعنا نضع جانبا السنة والإجماع حتى نفرغ من النظر في القرأن وحده، وأنت لو تأملت كلامك السابق فستجد أنك لم تستدل بالقرأن وحده كما قلت هنا وإنما بنيت معظم كلام على الإجماع. فإن أقررت بأن القرآن لا يصلح لمعرفة الحكم تكلمنا عن السنة أو الإجماه كما تختاره أنت.

بلال النجار
04-01-2004, 16:39
بسم الله الرحمن الرحيم

أولاً: أنا حين سألتك هل هنالك من لفظ عام يراد به الخاص، سألتك عن رأيك أنت لا عمّا هو مقرر في أصول الفقه، فأنا أعرف ما في كتب أصحابنا. فأنا أسألك لأعرف ما تسلّم به أنت، لأبني على القضايا المسلّمة بيننا، وإلا فما فائدة أن أسألك عما قال الأصوليون. وعليه فلا يجوز أن تقول: (وأنا أجبتك عن هذا على فرض صحة أصول الفقه، فأنا أصلا لا أقول بصحتها).

فإن كنت تضرب عن الإجابة الأولى لهذه الحجة، فأنا أعيد عليك السؤال: هل كلّ لفظ من ألفاظ العموم إذا أطلق أريد به العام دائماً، أم أنه يمكن أن يطلق ويراد به خاص؟ وإذا كان الثاني، فكيف تعرف أن لفظاً عاماً قد أريد به الخاص. وهذا السؤال يا فادي تستطيع أن تجيب عليه سواء كنت تسلّم أصول الفقه التي أقول بها، أو لا تسلّمها. فأجبني عن السؤال بما تعتقده أنت؟ لا بما هو متقرر في كتب الأصول التي على مجرّد فرض تسليمك لها.

ثانياً: إن مسألة تجويز الكذب على الله أمر في غاية الخطورة. وهو أصل لمعرفة مراد الله في كتابه. ولا فرق بين أن يكون كلام الله صفته الأزلية، وبين أن يكون كلامه تعالى فعلاً له في استحالة الكذب في كلامه أو ما دلّ على كلامه. فأنا لا أعرف أحداً في الأرض والسماء يؤمن بالله تعالى ورسوله محمد يقول إن القرآن يمكن أن يكون فيه كذب؟ بمعنى أنه يثبت احتمال وجود ذلك بالفعل في القرآن.

وحاصل كلامك أنك لا تجيز وقوع الكذب في كلام الله، وتجيز وقوع الكذب في القرآن.

فأقول: هاتان القضيّتان يلزم منهما أن القرآن ليس كلام الله عندك. فهل تلتزم بذلك؟ وهل القرآن من عند الله أم لا؟ وما هي علّة تجويزك للكذب في القرآن؟ وما هو كلام الله الذي يستحيل فيه وقوع الكذب؟ ولماذا يستحيل عندك الكذب في كلامه تعالى؟

ثالثاً: قولك: (أصل المدعى هو عجز الأصول الإسلامية عن رفع التعارض الظاهر بين آيات القرآن، وأنا لم أقصد جميع الأصول الإسلامية مجتمعة عند جميع الفرق إذ هي متناقضة فيما بينها، وإنما قصدت عجز الأصول الإسلامية كما أفهمها وأراها صواباً لا كما يفهمها الأشاعرة، ثم لو كان هناك أصل أختلف مع الأشاعرة فيه وجب علي بيان فساد ذلك الأصل من أصول الفقه عند الأشاعرة فإن لم أستطع التزمت القول به، فمثلا إن قول الأشاعرة بحجية الإجماع غير لازم لي إن كنتُ لا أوافق عليه حتى تثبت لي صحة هذا الأصل، أي حتى تثبت فساد قول من يقول بعدم حجية الإجماع من علماء المسلمين)

أقول: أن ترى أنت عجز الأصول الإسلامية كما تفهمها أنت، أمر لا يهمني لا من قريب ولا من بعيد. فأنا أحتكم إلى ما أعتقد به من أصول، وأرى هذه الأصول صحيحة. وفي نفس الوقت لا أصحح أصول المخالفين، وإلا لكنت اعتنقتها. وحين آتيك بقاعدة أصوليّة لأطبقها، فإما أن تقبلها أو ترفضها. فإن رفضتها فعليك بيان فسادها وعدم صلوحها كما تسلّمه أنت بقولك: (لو كان هناك أصل أختلف مع الأشاعرة فيه وجب علي بيان فساد ذلك الأصل من أصول الفقه عند الأشاعرة فإن لم أستطع التزمت القول به). والغريب أنك بعد ذلك بسطرين تقول: (فمثلا إن قول الأشاعرة بحجية الإجماع غير لازم لي إن كنتُ لا أوافق عليه حتى تثبت لي صحة هذا الأصل، أي حتى تثبت فساد قول من يقول بعدم حجية الإجماع من علماء المسلمين).
فهل تريد منّي أن أستدلّ لإثبات أصولي أم تريد كلّما لم توافقني على أصل أن تبين لي فساده؟

لا أظنّ أنك تريد منّي أن أثبت لك أصول الفقه في هذه المناقشات. فها نحن إذاً نعود إلى الثاني، وهو ما كنت أؤذّن به منذ بدأنا النقاش، وهو ما الذي تعترض عليه في أصولنا. ما هو الأصل الذي ترى أنت فساده. بيّن لنا فساد أصل من أصولنا. ما هي جهة عدم البيان في أصولنا. الإجماع مثلاً، ما هي مآخذك على الإجماع؟ وهكذا الكلام في كلّ أصل تخالفه. أرنا ما لديك. أما أن تستخدم الأصول حين تريد أن تستخدمها مدّعياً أنك تستخدمها على فرض صحّتها، ثم ترفضها حين تريد رفضها مدّعياً أنّك لا تسلّمها ولا تصحّحها، فهذا سيحوّل الكلام بيننا إلى حوار طرشان، لا مستند فيه ولا مرجعيّة للكلام إلا ما يراه كلّ واحد منّا صحيحاً، لا ما نتّفق على صحّته. فكيف سنصل إلى نتيجة؟

رابعاً: أنا استخدمت الإجماع لاستبعاد المعاني التي تحتملها الآيات مما وقع الإجماع على أن المعنى المراد منها خلافها. أي أن الآية إذا احتملت معنيين ووقع الإجماع على أنّ المعنى الأوّل غير مراد، فيجب القول بأن المعنى الثاني هو الحق. وهذا استخدام لقواعد الأصول في فهم القرآن الكريم. وهي القواعد التي تدّعي أنت عدم صلوحها للفهم. فالدليل عليك لا لك.

أما قولك: (الكلام هنا فيما إن كان القرآن مبينا بنفسه وأنت برجوعك إلى الإجماع لإثبات المدعى كأنك تقول إن القرآن غير مبين بنفسه لإثبات حكم مرتكب الكبيرة فهل تلتزم هذا؟)

فأقول: هذا لا يفيدك البتّة في مدّعاك. فالقرآن الكريم مبين. ومعنى أنّه مبين أن الناظر فيه يمكنه أن يفهم منه مرادات الله تعالى إذا نظر فيه نظراً صحيحاً، وتفهّمه بأدوات الفهم الصحيحة، وبذلك يهتدي إلى الصراط المستقيم إذا أراد أن يذعن لله تعالى ولا يكابر. والله تعالى يشهد بأن هذا القرآن مبين إذ يقول: (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين)، ويشهد أن القرآن تحصل به الهداية إذ يقول: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين* يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم).

وأسألك ما معنى كون القرآن الكريم مبيناً بنفسه؟ هل يمكن لأي واحد أن ينظر في القرآن فيتبين مرادات الله تعالى؟ إن هذا الكلام لا يقول به عاقل. إن المرء بحاجة لأن يتعلّم علوم العربية من بلاغة ونحو .. إلخ ويتعلّم علوماً أخرى كثيرة لكي يستطيع وبخاصة في عصرنا هذا عصر الجهل العجيب أن يستنبط المعاني من القرآن الكريم. فهل استخدامنا لقواعد هذه العلوم في فهم القرآن الكريم يجعل القرآن الكريم غير مبين في نفسه؟ هذا كلام غريب!!

ولك أن تلاحظ أننا دائماً نرجع إلى القواعد المقررة في العلوم لفهم الكتاب العظيم ونصوص الشريعة عامّة. فإن لم تبيّن فساد هذه القواعد فسيبقى لنا الحق في استخدامها كأدوات للفهم، والفهم من القرآن الكريم لا يمكن أن يعتدّ به إلا إذا كان باستخدام قواعد منضبطة.

والجواب عن سؤالك: إن القرآن الكريم مبين. مبين عن حكم فاعل الكبيرة ومبين عن أشياء لا حصر لها، ولكن لتبين مراداته وأحكامه لا بدّ من التأمل فيه وإعمال أدوات الفهم لبلوغ ذلك. واستخدام الحجج من الإجماع والسنّة وغير ذلك كأدوات للفهم لا ينافي كونه مبيناً مطلقاً. ولا يلزمني أن يكون القرآن غير بيّن بنفسه إذا استعنت بالإجماع لفهم المراد منه.

قولك: (فإن لم تلتزمه فأثبت حكم مرتكب الكبيرة مستعينا بأدلة القرآن من غير أن تلجأ إلى أصل آخر من أصول التشريع كالسنة والإجماع، ثم إن عجزت عن الإثبات انتقلت معك للحديث عن سائر أصول التشريع أصلا أصلا)

أقول: لقد رفعت التعارض الذي تتوهمه أنت بين هذه الآيات عدّة مرّات، فإن كنت لا تريد أن تقبله، لهوى في نفسك فهذا شأنك. وإن كنت لا تقبله لدليل معتبر فهاته ولا تتعلّق بمجرّد احتمالات لا تفيد، ولا تتوجه على استدلالي. وقد قررت لك أكثر من مرّة أنّ إجراء الآيات التي نتكلّم فيها على ظاهرها وعلى عمومها مستحيل، لما فيه من إثبات التناقض في آيات الله تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً. ووضحت ذلك بما يكفي. غير أنّي أعيده لك مرّة أخرى وباستخدام الآيات فقط ودون الإجماع، فأقول:

الوجه في تأويل الآيات الواردة في الوعيد إذا كانت مقرونة بالخلود أن يكون المقصود بها الكفّار من مستحلّ لفعله ونحو ذلك. فيكون وعدهم بالخلود في النار على كفرهم في الحقيقة.

وما ليس مقروناً من الوعيد بذكر الخلود في النار فمن الجائز أن يكون في المؤمن، إذ تعذيب المؤمن بقدر ذنبه ليس بمستحيل في العقل، ولا قام دليل من الشرع على امتناعه، وقد وردت به أخبار كثيرة جدّاً.

وإنما قلنا بالتفريق بين مستحلّ الكبيرة أو الصغيرة وبين فاعلها المؤمن، لأن الله تعالى في آيات القصاص واقتتال المسلمين، لم يرفع اسم الإيمان عنهم. فقال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا..)، وقال: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص)، ثمّ قال: (فمن عفي له من أخيه شيء) فوصفه بالأخوة، والمؤمنون إخوة، فلم يرفع عنه وصف الإيمان مع ارتكابه للكبيرة.
وإنما قلنا إن المؤمن لا يمكن أن يخلد في النار، لقوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا)، وقوله: (فمن يعمل مقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، وقوله: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)، وقوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)... والآيات في هذا الباب لا تحصى.

فإذا أتى المرء بما هو غاية الخيرات وأفضلها، وهو التصديق والإيمان، ثم أتى بشرّ لم يبلغ به نهاية الشرور وهي الجحود والمعاندة والكفر... هب أن أحداً أتى بذلك، هب أن أحداً أتى بكل ما أمر به من الواجبات، وكان كثير الفضائل والإحسان، ولم يأت بالكفر، ثم عمل كبيرة ومات وتاب منها أو أنه مات حتى قبل أن يتوب. فإذا خلّد في النار فمعناه أنّ فعله ذلك قد أبطل ثواب أفضل الخيرات، وأبطل معها الثواب العظيم المضاعف له أضعافاً كثيرة. فيكون قد زيد في عقاب الشرور بل زيد في عقاب شرّ واحد لم يبلغ غاية الشرور، ونقص من ثواب الخيرات. وهذا فيه خلاف للوعد، فهو تعالى يقول: (مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء)، ويقول تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة)... ونحو هذه الآيات.

ثم لمّا لم يثبت عندنا دليل على تعيين من يغفر الله له ومن لا يغفر له بل يعذّبه، فإننا فوّضنا أمر ذلك إلى مشيئة الله تعالى حيث يقول: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فذكر أن الشرك لا يغفر. فقلنا ولكن الله تعالى يريد من لم يتب منه لأنه يستثني كثيراً من وعيد الكفار من تاب، ولما قال يغفر ما دون ذلك، ولم نعرف على التعيين ما هو الذي سيغفره مما هو دون الشرك، رددنا الأمر إلى المشيئة مطلقاً، فقلنا يجوز أن يغفر الله تعالى كل كبيرة وصغيرة للمؤمن إذا شاء الله تعالى أن يغفر له ذلك، ومعنى إثباتنا لهذا الجواز أننا أيضاً نجيز أن لا يغفر الله تعالى للعبد شيئاً من صغائرة وكبائره إذا شاء ذلك، ولكننا نعلم أنه إذا كان مؤمناً فإن مآله إلى الجنة، فقلنا إن عدم مغفرة الله تعالى له تقتضي أن يعذبه الله تعالى بقدر ذنبه وبحسب مشيئته تعالى، ثمّ يخرجه من النار إلى الجنّة بفضله وواسع رحمته ومنّه.

وهذا هو تلخيص مذهب أهل السنّة في هذه المسألة، وكيفية فهمهم لأحكام فاعل الكبيرة والصغيرة من الآيات الكريمة الواردة في الباب. ومنه يعلم أن قوله تعالى (من يعص) عام أريد به الخاصّ هو الكافر. وكذا يعلم أن قوله (العذاب على من كذب وتولّى) ليس نفياً لأن يقع جنس العذاب على غير من كذّب وتولّى. ويكون معناه ما قرره الإمام الطبري رحمه الله تعالى بقوله: (إنا قد أوحى إلينا ربك أن عذابه الذي لا نفاد له ولا انقطاع على من كذب بما ندعوه إليه من توحيد الله وطاعته وإجابة رسله. وتولى يقول وأدبر معرضاً عما جئناه به من الحق).

ثمّ إن آية من يعصِ تثبت الخلود في النار لكلّ من أتى بمطلق المعصية، ولا تستثني أحداً. والله تعالى يقول: (فعصى آدم ربّه فغوى) فها قد أتى أبو البشر صلى الله عليه وسلّم بمعصية فهل تستلزم هذه المعصية خلوده في النار بناء على دخوله في عموم الآية، كما تدّعي. وعصيان الله المذكور في الآية ههنا هل تسميه حضرتك كبيرة أم صغيرة؟

من ذلك يعلم قطعاً أن مجرّد الإتيان بمعصية ليس موجباً لأن يخلّد فاعلها في النار. وعليه فلا يجوز التعلّق بعموم الآية واعتقاد ظاهرها. ثم قل لي أنت ما معنى قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)، وقوله: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار)، وقوله: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم)، وقوله: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النّبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحين أولئك رفيقاً). فهذه آيات تقابل (ومن يعصِ)؟ وعند ضمّها إلى ما ذكرناه من آيات الوعد، يعلم أنّ المعصية المقصودة هي المعصية التي صاحبها كافر إما بها أو معها. لأن الآيات أثبتت دخول الجنة للمؤمن، ولا يجوز في العقل أن يخلد في النار ويدخل الجنّة معاً. ولكن يجوز في العقل أن يخلد في الجنة ولا يدخل النار أصلاً، وكذا يجوز في العقل أن يعذب في النار زماناً ثمّ يدخل الجنّة. وكل ذلك بمشيئة الله وحده وعلى وفق ما أخبر به وخبره الصدق، ووعد به ووعده الحق، لا يجب على الله تعالى منه بالعقل شيء. وهو قول أهل السنّة والجماعة أيدهم الله تعالى، وهو الذي ذكرنا أن إجماعهم واقع عليه. أفترى أنت هذا الفهم لكتاب الله فهماً يتعارض مع لغة العرب، وقواعد أصول الفقه أو غير ذلك؟ بيّن لنا ما المانع من هذا الفهم؟ وكيف يتعارض مع الأصول؟

إن كلّ ما تفعله بين الحين والآخر هو أنّك تقدح في كلامي بمجرّد الاحتمال، وغالباً ما يكون بشبه من عند المعتزلة. حسناً إنه لا يمكنني أن أعتمد على أصولي وعلى أصول المعتزلة معاً، ولا على أصولي والأصول التي عندك أنت بحسب ما تفهمها أنت لكي أفهم مسألة الخلاف فيها بيننا وبينهم أو بيننا وبينك، إذا كان هذان الأصلان متعارضين، فلا بدّ لي أن أعتمد على أصلي أنا الذي أعتقد به. فما العمل إذا عرض لنا شيء من ذلك؟ إن الحل هو أن نتكلّم في أصلنا وأصل المعتزلة الذي ينبني عليه فهم تلك المسألة، أو أصلنا وأصلك فإن بان فساد أصل أحد الفريقين كان أصل الآخر هو الصحيح الذي يجب أن يعتمد في الفهم.
وكلّ ذلك فرع بيان القرآن الكريم عن المعاني. فلا يمكنك أن تدّعي أنّك لا تفهم شيئاً من القرآن، لأنّك تصرّح بما تفهمه من الآيات بين الحين والحين. فصار عدم البيان عندك منحصّر في بعض المواضع دون بعض. وحتّى الآن أنت أتيتنا بمسألة فاعل الكبيرة، وقاتل نفسه، وقد أجبناك عن المسألتين على أصولنا. وهب أنّ كلّ آية متشابهة في القرآن إذا تكلّمنا فيها وقع مثل هذا الخلاف، فهل تقول إن ذلك يقتضي أن يكون القرآن ليس مبيناً ولا هادياً إلى الحقّ؟ وأن عدم معرفة معنى المتشابه مما يقتضي رفع التكليف؟ هذا الكلام غريب. لأن ثبوت التكليف لا يتوقّف على تعيين مراد الله تعالى في متشابه القرآن، فكيف تستدل به على ارتفاعه؟ هب أن هذه الآيات التي تتحدّث في فاعل الكبيرة كانت على شاكلة (الم، أو كهيعص) فهو يرتفع عنك التكليف لأنك لا تعرف المراد بها؟!

رابعاً: قولك: (قولك: أجمعت الأمة غير صحيح إلا أن تقصد بالأمة الأشاعرة فبينهُ)

أقول: أنا حين أذكر إجماعاً فإنني أعني به إجماع أهل السنّة. وقد أُدخل به بعض الفرق كما نبّهت أحياناً على موافقة المعتزلة لنا لغاية تظهر في الكلام. أمّا قولك غير صحيح، فهو ما أستغربه. فلماذا قولي غير صحيح؟ ما وجه قولك إن كلامي غير صحيح فيما ذكرته من أنه أجمع عليه؟

إن كنت تريدني أن اعتبر الخوارج والمرجئة. وتستنكر علي أني لا أدخلهما في الإجماع ولا أعتد بقولهما، فكيف أفعل والإجماع المذكور هو على تخطئتهما. ثم ما الذي ترى أنّه يصحح القول: بأن الأمة قد أجمعت؟

قولك: (قد بينتُ لك وجه إفادة هذه الصيغة للحصر وأنت لم تردَّهُ فهلا بينت وجه الخطأ فيه؟)

أقول: لا حاجة بي لردّه، فلماذا أفعل. فقد بنيت جوابي على تسليم إفادة الصيغة للحصر. أفلا ترى أن سؤالك غريب؟

قولك: (قولك إن ال للعهد مخالف للسياق فإنه ليس فيه حديث عن عذاب معين حتى تكون ال عهدية)

أقول: لو سلّم أنّ الأصل في (ال) الاستغراق لا العهد، وأنّه يجب أن يقع في السياق ما يشير إلى عذاب معيّن حتّى تصرف (ال) للعهد، فهذا العموم لا يسلّم أن المراد به ظاهره، لأنّه يجب خصّه.

فقد وقع في كتاب الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرّفاً لقتال أو متحيّزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)

ولا يقول أحد أن الذي يهرب من المعركة لجبنه وخوفه يكفر، ثمّ إن الله تعالى بدأ خطابه للمؤمنين. فهذا الهارب من القتال متوعّد بجهنّم فكيف يقال إنّ المكذّب والمتولّي فقط هو من يذوق جنس العذاب.

وكذلك قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون)

وأوضح منه قوله تعالى: (ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب ويخلد فيه مهاناً)

فها قد ثبت لفظ العذاب للزاني وسياق الكلام عن المؤمنين ظاهر كالشمس. ولا تقل لي هذه الآية تثبت الخلود لفاعل الكبيرة وهو محلّ النزاع. لأني أقول: بل هذه الآية تسقط استدلالك بأن جنس العذاب لا يقع إلا على المكذب المتولّي. فحينئذ وجب صرف قوله تعالى (العذاب على من كذب) إلى العذاب الخاص. وبقي الخلاف منحصراً في أن فاعل الكبيرة متوعّد بالعذاب، ولكن أيجوز أن يعفى عنه ولا يدخل النّار مطلقاً، ثم أيجوز أن يعذب مدّة ثمّ يخرج من النار. نحن نقول بجواز الأمرين وإرجاعهما إلى المشيئة كما بينّاه فيما مضى. ومن خالفنا قال بخلوده وجوباً على الله إذا لم يتب توبة صادقة. وهو باطل لأنه تعالى لا يجب عليه شيء. فظهر أن قول أهل السنّة هو الحق. فهل من حكم آخر عندك تستطيع فهمه من القرآن الكريم؟ هاته إن كان لديك؟

وهذا ما تيسر لي كتابته الآن. وللحديث بقيّة. ويجب علينا أن نفصِل في مسألة جواز الكذب على المولى سبحانه أولاً، وقبل أن نتابع التناظر في المسائل الأخرى، وكذلك فيما تلا ذلك من الأمور المهمّة التي بيّنت أنّها ينبني عليها كلامنا، ويتم بها توجيهه توجيهاً مثمراً، هذا إذا كنا فعلاً صادقين مع أنفسنا ومع الله تعالى، ونريد أن تصل إلى نتيجة من هذا كله.

والله تعالى الموفق للصواب.

بلال النجار
05-01-2004, 11:38
بسم الله الرحمن الرحيم

قلت يا فادي: (أما أن الجرجاني لا يمكن أن يقول بهذا القول فهل تقصد بالقول (أن ظاهر هذه الصيغة أفاد حصر العذاب في المكذب والمتولي في هذه الآية؟) أم تقصد أنه لا يقول بقول الخوارج والمرجئة؟ ظاهر عبارتك أنك أردت الأول والحق أن الجرجاني إمام البلاغة في زمانه نص على هذا في شرحه للمواقف المرصد الثالث- المقصد الرابع: في أن مرتكبي الكبيرة من أهل الصلاة الجزء. فإن أردت الثاني فأنا لم أنسبه للجرجاني فلا حاجة لك بنفيه)

أقول: وقفت على عبارة الجرجاني رحمه الله في شرح المواقف، وهي كما يلي: (حجة الخوارج وجوه:.... الرابع: قوله تعالى حكاية عن موسى وهارون: "إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولّى فإنه يدل على انحصار العذاب في المكذّب وهو كافر...قلنا: هو متروك الظاهر ومخصوص للاتفاق على عذاب شارب الخمر والزاني مع أنه غير مكذّب لله تعالى..) اهـ ممزوجاً بالمتن.
فأقول:

أولاً: ما نسبته أنت إلى المحقق الجرجاني لا يجوز أن تنسبه له على أنّه قوله، لأنّه في معرض تقرير حجج الخوارج.

ثانياً: إذا كنت تعتبره إمام البلاغة في عصره، فإذا سلمت لك ذلك، وتريد أن نحتكم إلى فهمه، فهو على بعد بضع كلمات مما نسبته إليه خطأ منك، يقرر أن الآية متروكة الظاهر بالإجماع مخصوصة. وشرحه في هذا المقصد واضح كالشمس يقرر فيه ما ذهبت إليه أنا في جميع كلامي. فعجباً لك يا فادي كيف تتعلق بأي كلمة لتستدل بها عليّ، وليتك تستدل بها على وجه حسن. إنك تتعلق بكلام الجرجاني، فإذا كان فهمه حجة عليّ وعليك فلنقبله دائماً هذا على فرض أنّه يقول بأن الصيغة تفيد الحصر فهذا النقل عنه لا يثبت قوله فيه كما بيّنا، وإذا لم يكن حجّة فلا نأخذ بقوله حيناً ونتركه حيناً.

ثالثاً: إن إفادة الصيغة الحصر لا تكفي وحدها للاستدلال بأن جنس العذاب لا يكون إلا للمكذّب. بل لا بدّ من تسليم أنّ (ال) للجنس. ولا بدّ أيضاً من إثبات أنّ الآية غير مخصوصة. وأنا قد بنيت جوابي عليك أصلاً على تسليم الحصر، ثمّ منعت أنّ (ال) للجنس. ثمّ بنيت جواباً آخر على تسليم ذلك، وهو القول بتخصيص الآية.

رابعاً: إن ما قصدته واضح لو تأملته، وهو أنّ الجرجانيّ لا يمكن أن يصحح دليل الخارج والمرجئ، لأنه ليس كذلك. فلا ينفعك أن تستدل عليّ بقوله لإثبات شبهة لهم. وهو بالفعل ما تراه حين ترجع إلى النص الذي نقلته، فيظهر أنّ الكلام كلام المرجي والخارج، وهو يقرر شبهتهم، ثمّ يجيب بأن الآية متروكة الظاهر لقيام الأدلة القاطعة على خلافه من إجماع وآيات أخرى، فلا بدّ أن يكون هذا العام مخصوصاً. وهو رحمه الله كأنّه لم يلاحهم كشارح في إفادة الصيغة للحصر و(ال) للجنس، تبعاً للماتن العضد نفعنا الله بعلومه آمين، فأجاب بالإجماع على ترك الظاهر، وبالتخصيص بآيات أخرى، وهو عين ما نستدل به عليك. وليس الأمر أنني أدعي أنّك تنسب إليه الإرجاء لتقول لي: (فإن أردت الثاني فأنا لم أنسبه للجرجاني فلا حاجة لك بنفيه).

وأخيراً قولك: (والحق أن الجرجاني إمام البلاغة في زمانه نص على هذا في شرحه للمواقف المرصد الثالث- المقصد الرابع: في أن مرتكبي الكبيرة من أهل الصلاة الجزء)

أقول: كلامه رحمه الله كان في معرض تقرير شبة الخارج فلا يؤخذ منه نصّه على ذلك كما تدّعي، ولو جاز ذلك لاستطعنا أن ننسب للإمام الرازي إمام السنة رحمه الله أشنع الأقوال من كتبه، إذ هو أعظم من قرر شبه الخصوم واستدل عليها وقوّاها بل واخترع لهم تبرعاً من عنده الأدلّة. وغاية ما يمكن أن يقوله المنصف إنّه لم يقدح في دليلهم من جهة أنّه هل يفيد الحصر أو لا، أو أن (ال) جنسيّة أو لا، واستغنى في ردّ دليلهم -وهو المقصود أصالة عنده- بالاستناد إلى الاتفاق الحاصل على ترك ظاهر الآية، وكذا على الآيات التي أثبتت لفظ العذاب لغير المكذّب، فحصل مقصوده. ولم يكن مقصوده ولا مقصود العضد رحمهما الله التحقيق في مسألة لغويّة لما أنّ ذلك ليس محلّها، ولا يتوقّف إبطال استدلال الخصم على تحقيقها. فلا يجوز أن يؤخذ من هذا الموضع من كلام الشارح أنّه ينصّ على أن الصيغة للحصر، كما ادّعيته.
واعلم أنه لا يضيرني ولا يضير أحداً من أهل السنّة أن تكون الصيغة للحصر كما بيّناه، ولكنّي أحببت أن أتعقّب ما نسبته إلى الشريف الجرجاني لغاية في نفسي، فكان هذا الحديث، فأرجو أن تتوخّى الدّقة في ذلك يا أخ فادي فيما تنسبه إلى العلماء. ثمّ إنّك ذكرت أنّ صحّتك ليست على ما يرام، وكذا علمت أنّ الشيخ قد ألم به مرض خفيف إن شاء الله من تغيّر الجوّ، فأسأل الله لكما السلامة والعافية.
والله تعالى الموفّق

بلال النجار
05-01-2004, 16:00
بسم الله الرحمن الرحيم

ملحوظة على كلام فادي بشأن مشيئة الله ومشيئة العبد

حين سألتك يا فادي عن المشيئة في قوله تعالى (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) مشيئة من هي؟ أجبتني: (جائز أن تكون المشيئة عندي مشيئة الله أو مشيئة العبد فلا مرجح لأحدهما على الآخر).

وأنا بالطبع أقول إن هذه المشيئة هي مشيئة الربّ سبحانه وتعالى. فأجبتك: (اعلم أنّه يلزمك أنّه بمجرّد وقوع إرادة العبد بأن يُغفر له، غفر الله له. وهو ظاهر الفساد. كيف والمغفرة فعل يقتضي إرادة فاعله الذي هو الله سبحانه، لا إرادة طالبه وهو العبد المحتاج الفقير الذي لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً؟!!)

وكان جوابك على ذلك أنك قلت: (لا أسلم أن المغفرة تستلزم إرادة الله فقط بل يجب أن يريد العاصي المغفرة كذلك وإلا فلو قال العاصي لا أريد أن يغفر الله لي لم يغفر الله له ويجوز أن تكون إرادة العاصي علامة على إرادة الله)

فأقول: الآية تقول: (يغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فإذا جعلت المشيئة مشيئة العبد لزمك أنه بمجرّد أن يشاء العبد أن يغفر له فإن الله يغفر له بحسب المعنى الظاهر من الآية، وإلا فيلزمك تقدير محذوفات لتسويغ قولك بوجوب اتفاق الإرادتين لتحصل المغفرة على ما سيأتي ردّه.

ومعنى عدم تسليمك أن المغفرة تتطلب إرادة الله فقط وقولك (بل يجب أن يريد العاصي المغفرة كذلك) أنّك توقف فعل الله تعالى وهو المغفرة على حصول إرادتين هما إرادة الله وإرادة العاصي أن يغفر الله له، فما هو الدليل على ذلك من العقل أو الشرع؟ كيف عرفت ذلك أنت؟ أي كيف عرفت أنّه يستحيل أن يغفر الله لعبد إلا إذا اتفقت الإرادتان معاً، وأنه لا يجوز أن تحصل المغفرة بإرادة الله وحده؟

ثم لعمري ما هذا الوجه الذي تحكيه في قولك: (فلو قال العاصي لا أريد أن يغفر الله لي لم يغفر له). فهل كلامك عن العاصي وهو في الدنيا أم في الآخرة أنّه لا يريد أن يغفر الله له؟ فهل يتصوّر هذا من مؤمن في الدنيا، أو من مخلوق في الآخرة حين يعاين بعين اليقين ما توعده الله به من العذاب؟

ثمّ إن إرادة الله تعالى هي صفته القديمة، يا فادي، فما أراده فقد أراده سبحانه أزلاً، وسوف يقع منه الفعل على وفق تلك الإرادة القديمة، وفي الأزل لم يكن ثمّة عبد يريد لنفسه أن يغفر له أو يأبى على الله ذلك، وحين يقدّر الله تعالى وقوع ما أراده فإنه سيقع سواء وافق ذلك إرادة العبد أو خالفها. ولو توقّف اقتدار الله تعالى على إيقاع ما أراد هو جلّ شأنه على (إرادة العبد الحادثة) وجوباً كما تدّعي أنت، فمعناه أن إيقاع الفعل الممكن عقلاً منه تعالى بقدرته قد توقّف على حدوث شرط أو انتفاء مانع، فبطل كونه قادراً على كلّ ممكن. كيف وهو على كلّ شيء قدير.

أما ما لم أفهمه من كلامك فهو قولك: (ويجوز أن تكون إرادة العاصي علامة على إرادة الله)
فما معنى هذا الجواز؟ وهذا الكلام ما قيمته؟ إنه إذا جاز أن يكون إرادة العاصي علامة على إرادة الله، فإنه يجوز أن لا تكون إرادة العاصي علامة على إرادة الله. فما معنى هذا الكلام.

ثم ما معنى كون إرادة العاصي علامة على إرادة الله؟ هل معناه أنّ العاصي إذا أراد أن يغفر الله له غلب على الظنّ أن الله يريد ذلك ويفعله؟ وإذا أراد أن لا يغفر الله له غلب على الظنّ أن الله لم يرد ذلك ولن يفعله؟ وعلى فرض صحته جدلاً لماذا توجب على الله تعالى أن لا يغفر للعاصي إذا لم يرد العاصي أن يغفر له لمجرّد تلك العلامة التي لا تقوى أن تكون دليلاً قاطعاً؟

فعلم مما مضى أنّ مشيئة العبد غير مؤثّرة في فعل فعله الله تعالى في الماضي أو سيفعله في المستقل، بل لا يمكن تصوّر توقّف فعل الله تعالى لأمر ما على شيء مطلقاً. ويؤخذ منه أنّ المشيئة المذكورة في الآية الكريمة يجب أن تفهم على أنّها مشيئة الله تعالى، ويدل عليه قوله تعالى: (فعال لما يريد)، وقوله: (يخلق ما يشاء ويختار)، وقوله: (فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كلّ شيء قدير)، وقوله: (كذلك الله يفعل ما يشاء)، وقوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم)، وقوله: (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كلّ شيء قدير)، وقوله: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم)، وقوله: (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تنقلبون)...والآيات في ذلك كثيرة جداً.

وأرجو أن يكون فيما قلناه مرجّح كافٍ لك لتقر بأنّ المشيئة التي يفتقر إليها لحصول المغفرة من الله تعالى هي مشيئة الله وحده جلّ شأنه، لا مشيئة العبد وحده التي كنت تجيزها أولاً كما يظهر من كلامك، ولا مشيئة الله والعبد معاً كما تقولها الآن لأوّل مرّة. والحمد لله ربّ العالمين.

fadilov
10-01-2004, 13:11
الفاضل بلال اعلم أنني فرغت من كتابة رد على معظم ما أجبتَ به، ولكني أنتظر أن تكمل ردك على جوابي الأخير فإن هناك عددا من المسائل اللتي لم تجب عنها، وأنا لا أريد أن أضع ردي على آخر ما تفضلت به قبل أن تكمل الإجابة عن جميع النقاط حتى لا يضيع الكلام، ثم تذكر أننا نناقش الأدلة بالتفصيل والكلام العام لا يكفي دائما للإجابة عن كل أمر.

بلال النجار
11-01-2004, 02:09
بسم الله الرحمن الرحيم

يا فادي،

أنا أجبت عن مفاصل كلامك. ثمّ عقّبت ببعض الملاحظات المهمّة. فإن كنت ترى في كلامي بعض الإجمال فاذكره أفصله لك.

وعلى أي حال فقد ذكرت لك أن تجويزك وقوع الكذب في القرآن لا بدّ أن تبيّنه بوضوح، وأن نفصل الكلام فيه نهائياً قبل أن نتقدم خطوة واحدة في مناقشة أي آية من آياته، لأنّ كل كلامنا لا معنى له إذا جوزنا وقوع الكذب في القرآن الكريم بالفعل.

ثم ما هو الشيء الذي لم أجبك عنه، ما هو مقدار أهميّته، اذكر لي سؤالك المهمّ الذي لم أجبك عنه، وبيّن لي قدر إلحاحه وأهميّته يا فادي في جنب ما أسألك عنه وأحقق معك فيه، سلني أجبك إذا وجدت أن الأمر يهمنا في صلب نقاشنا، أو ينبني علينا مواصلتنا للحوار.