المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الشرح الكبير للشيخ إبراهيم اللقاني المسمى بعمدة المريد لجوهرة التوحيد



نزار بن علي
20-12-2005, 23:03
فِي الإِكْتِسَابِ وَالتَّوَكُّلِ اخْتُلِـفْ وَالرَّاجِح التَّفْصِيلُ حَسْبَمَا عُـرِفْ

لمّا انتهى الكلام على الرزق، وكان على قسمين: ما ينال بغير سبب كما في قصة مريم حيث كانت توجَد عندها في الشتاء فواكه الصيف، وفي الصيف فواكه الشتاء من غير تعاطي حرفة ولا تجارة، حتى قال لها زكريا عليه الصلاة والسلام وكانت في كفالته: ( يا مريم أنّى لك هذا ) فأجابته: ( هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب ).
وما ينال بمباشرة الأسباب بالاختيار، وتقدم تفصيل حكمها؛ استطرد ذكر مسألة من علم التصوف الذي هو كما قال الغزالي: تجريد القلب لله، واحتقار ما سوى الله تعالى، لما بينها وبين مباحث الرزق من مناسبة فقال:
(في) أفضلية كل واحد من (الاكتساب) الصادر من العبد في تحصيل رزقه، والمراد به هنا مباشرة الأسباب المعتبرة في التحصيل شرعاً كالسفر للأرباح واستعمال الدواء لحفظ الصحة أو تحصيلها وحز الرقبة لقتل الحربي مثلا ولبس الدرع لمنع وصول السلاح إلى لابسه وحمل الزاد في السفر.
(و) من (التوكل) من العبد على الله تعالى بمعنى تعطيل أسباب التحصيل بالكفِّ عن الاكتساب والإعراض عن الأسباب اعتماداً بالقلب على الله تعالى ربِّ الأرباب، لا بمعنى الثقة بالله وإيقان بأن قضاءه نافذ الذي محله كما قال القشيري القلب؛ إذ لا تنافيه حركة الظاهر بعد تحقق العبد أن الثقة بالله، فإن تعسّر شيء فبتقديره وإن تيسر شيء فبتيسيره على الآخر.
(اختلف) هذا هو العامل في الجار والمجرور قبله، قدمهما عليه لضرورة النظم.
فرجَّح قوم الأول لما فيه من كف النفس عن التطلع لما في أيدي الناس، ومنعها من الخضوع لهم والتذلل بين أيديهم، مع حيازة منصب التوسعة على عباد الله ومواساة المحتاجين وصلة الأرحام إن وفّقه الله لذلك، ورجَّح قوم الثاني لما فيه من ترك كلّما يشغل القلب عن الله تعالى، وحيازة مقام السلامة من فتنة المال والمحاسبة عليه والاتصاف بالرغبة والوثوق بما عند الله تعالى.

نزار بن علي
20-12-2005, 23:06
(و) إطلاق كل من القولين ليس بمرضي، بل (الراجح) وعبّر عنه بعضهم بالمختار (التفصيل) أي القول باختلافهما باختلاف الناس؛ فمن يكون في توكله لا يتسخط عند ضيق الرزق عليه ولا تستشرف نفسه ولا تتطلع لسؤال أحد من الخلق، وليس متعلّق به نفقة لازمة لغيره فالتوكل في حقه أرجح لما فيه من الصبر والمجاهدة للنفس، ومن يكون في توكله بخلاف ما ذكرنا فالاكتساب في حقه أرجح حذراً من التسخط والاستشراف، بل ربما وجب. ويأتي له ترجيح آخر بعد في كلام القرافي.
وعلى هذا القول المختار يتفرع قول القائل: إرادتك التجريد مع داعية الأسباب شهوة خفية، وسلوك الأسباب مع داعية التجريد انحطاط عن الذروة العلية. فالأصلح لمن قدّر الله فيه داعية الأسباب سلوكها دون التجريد، ولمن قدر الله فيه داعية التجريد سلوكها دون الأسباب.
واعلم وفقك الله أنّ الشيطان ربما يأتي للإنسان باطراح جانب الله تعالى في صورة الأسباب، وربما يأتي له بالكسل والتماهن في صورة التوكل، كأن يوسوس – والعياذ بالله تعالى – لسالك التجريد الذي سلوكه له أصلح من تركه له: إلى متى تترك الأسباب؟ ألا تعلم أنّ تركها يطمع القلوب فيما في أيدي الناس، فاسلكها لتسلم من ذلك وينتظر غيرك منك ما أنت تنتظره من غيرك.
ويوسوس لسالك الأسباب الذي سلوكها له أصلح من تركه لها: لو تركتها وسلكت التجريد فتتوكل على الله لصفى قلبك وأشرق لك النور وأتاك ما يكفيك من عند الله، فاتركها ليحصل لك ذلك. فينجرّ به تركها – الذي هو غير أصلح له – إلى الطلب من الخلق والاهتمام بالرزق.
والمسدّد يبحث عن هذين الخاطرين اللذين وسوس بهما الشيطان في صورة النصيحة كيدا منه لعلّه يسلم منهما، ويعلم مع بحثه عنهما أنه لا يكون إلا ما يريد الله وجوده منهما أو من غيرهما وإلى هذا أشار بقوله: (حسبما عرف) ذلك التفصيل بتوجيهه وتفاريعه من كتب القوم، كالإحياء للغزالي والرسالة للقشيري والمجالس للمحاسبي.
فإن قلت: تقدير الأفضلية لم يصرح به الناظم!؟
قلت: ذكر الاختلاف، والتفصيل والإحالة على أمهات علم هذه المسألة يرشد إليه، إذ من المعلوم أنه لم يقل بالوجوب ولا بالامتناع أحد، وتوهم المساواة يصده عنه ذلك أيضا، فتعين أنّ الكلام مسوق لبيان المفاصلة. وها هنا تنبيهات:
الأوّل:
عُلِم ممّا قررنا أنّ للتوكل معنيين:
أحدهما: ترك تعاطي الأسباب بالاختيار.
وثانيهما: اعتماد القلب على الله تعالى فيما يجلبه من خير أو يدفعه من ضير.

نزار بن علي
20-12-2005, 23:09
وأنّ كلام القوم محمول على الأول، لا على الثاني لعدم منافاته للأسباب؛ فقد قال رجل: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل، أو أعقلها؟ فقال: أعقلها وتوكل. رواه البيهقي وغيره. وقد حفر عليه الصلاة والسلام الخندق، وظاهر في بعض حروبه بين درعين، واتخذ الحواسي والسلاح وحمل الماء والزاد في أسفاره. وقال الجنيد: ليس التوكل بالكسب ولا ترك الكسب، التوكل: سكون القلب إلى موعود الرب".
فقول الشهاب في قواعده: إنه التبس على كثير من الفقهاء والمحدثين بالرقائق قاعدة التوكل وقاعدة ترك الأسباب، فقال قوم: لا يصح التوكل إلا مع ترك الأسباب، وهو ترك الأسباب والاعتماد على الله عز وجل، قاله الغزالي في إحياء علوم الدين وغيره؛ وقال آخرون: لا ملازمة بين التوكل وتركه الأسباب، ولا هو هو. وهذا هو الصحيح لأنّ التوكل هو اعتماد القلب على الله عز وجل فيما يجلبه من خير أو يدفعه من ضير. قال المحقون: والأحسن ملابسة الأسباب مع التوكل للمنقول والمعقول:
أمّا المنقول فقوله تعالى ( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) فأمر بالاستعداد مع الأمر بالتوكل في قوله تعالى: ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون )، وقال تعالى: ( إنّ الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّا ) أي تحرّزوا منه، فقد أمر باكتساب التحرز من الشيطان كما يتحرز من الكفار. وأمر تعالى بملابسة أسباب الاحتياط والحذر من الكفار في غير ما موضع من كتابه العزيز. ورسوله صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين وكان يطوف على القبائل ويقول من يعصمني حتى أبلغ رسالات ربي؟ وكان له جماعة يحرسونه من العدو حتى نزل قوله تعالى: ( والله يعصمك من الناس)، ودخل مكة ظاهرا بين درعين في كتيبته الخضراء من الحديد، وكان في آخر عمره وأكمل أحواله مع ربه يدّخر قوت سنة لعياله.

نزار بن علي
20-12-2005, 23:11
وأمّا المعقول: فهو أنّ الملك العظيم إذا كانت له عوائد في أيّام لا يُحسِن إلا فيها، وأبواب لا يخرج إلا منها، أو أمكنة لا يوقع الفعل إلا فيها، فالأدب معه أن لا يطلب منه فعلٌ إلا حيث عوده، وأن لا تخالف عوائده، بل يجرى عليها، والله عز وجل ملك الملوك وأعظم العظماء بل أعظم من ذلك، رتَّب مُلكه على عوائد أرادها وأسباب قدّرها وربط بها آثار قدرته، ولو شاء لم يربطها، جعل الريّ مرتبطا بالشرب ربطا عاديا، والشبع بالأكل، والاحتراق بالنار، والحياة بالتنفس في الهواء، فمن طلب من الله عز وجل حصول هذه الآثار بدون أسبابها فقد أساء الأدب معه سبحانه وتعالى، بل يلتمس فضله عز وجل من عوائده. انتهى. بعضه في غير موضعه وتطويل من غير طائل وتهويل على المحققين بغير هائل.
الثاني:
قول القرافي: قد انقسمت الخلائق في هذا المقام ثلاثة أقسام:
قسم عاملوا الله تعالى باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى، مع إهمال الأسباب والعوائد، فلججوا البحار في زمن الهول، وسلكوا القفار العظيمة المهلكة بغير زاد إلى غير ذلك من هذه التصرفات، فهو لا حصل لهم التوكل، وفاتهم الأدب، وهم جماعة من العبّاد أحوالهم مسطورة في كتب الرقائق.
وقسم لاحظوا الأسباب وأعرضوا عن التوكل، وهم عامّة الخلق، وهؤلاء هم شر الأقسام، وربما وصلوا بملاحظة الأسباب والإعراض عن المسبِّب إلى الكفر.
والقسم الثالث اعتمدت قلوبُهم على قدرة الله عز وجل، وطلبوا فضله في عوائده ملاحظين في تلك الأسباب مسبِّبها وميسِّرها وهو الله تعالى، فجمعوا بين التوكل والأدب. وهؤلاء هم النبيون والصديقون، وخاصة عباد الله تعالى والعارفون بمعاملته، جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه. فهؤلاء خير الأقسام الثلاثة". انتهىوحكمه على القسم الأول بفوات الأدب مبني على تفضيل الأخذ في الأسباب على تركه، وهو غير لازم، إذ لعلهم قائلون بتفضيل التوكل وأنّ تلك العوائد إنّما هي حق للعبد فله تركُها وجَعلُ الشطط على نفسه. ولعلك تفهم تحقيقه من كلامنا فيما بعده زادك الله فهما.
نعم، إن ثبت بطريق صحيح قولهم بالأسباب توجَّه عليهم ما قاله.

نزار بن علي
20-12-2005, 23:13
الثالث:
قال الشيخ شهاب الدين القرافي أيضا: والعجب ممّن يُهمِل الأسباب ويفرط في التوكل بحيث يجعله عدمُ الأسباب أو من شرطه عدمُ الأسباب، إذا قيل: له الإيمان سبب لدخول الجنة، والكفر سبب لدخول النار بالجعل الشرعي كسائر الأسباب، فهل هو تارك هذين السببين أو معتبرهما؟ فإن ترك اعتبارهما خسر الدنيا والآخرة، وإن اعتمدهما وقال لا بدّ من الإيمان وترك الكفر، فيقال له: فما بال غيرهما من الأسباب؟ إن كان هذان لا ينافيان التوكل فغيرهما كذلك.
نعم، من الأسباب ما هو مطرد في مجرى عوائد الله عز وجل كالإيمان والكفر والغذاء والتنفس وغير ذلك، ومنها ما هو أكثري غير مطرد، لكن الله عز وجل ربط منه عادة من حيث الجملة، كالأدوية وأنواع الأسفار للأرباح ونحو ذلك، والأدب في الجميع التماس فضل الله عز وجل في عوائده، ولذك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالدواء والحمية واستعمال الأدوية حتى الكي بالنار، فأمر بكيّ سعد، وقال عليه الصلاة والسلام: المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وصلاح كل جسم ما اعتاد. وإذا كان هذا حاله في الأسباب التي ليست بمطردة من الحمية وإصلاح الجسم بمواظبة عادته، فما ظنك بغير ذلك من العوائد!؟ فهذا الحق الأبلج والطريق الأنهج. انتهى
وهو مبني على إرادة التوكل بالمعنى الذي لا ينافي الأخذ بالأسباب كما فهمه أوّلا، وقد علمت أنّ النزاع إنما هو في التوكل بالمعنى المنافي لها كما مر، ثم إنّ الكلام في الأسباب العادية التي لم ينصّ الشرع على التزامها فعلا كانت أو تركا وإلا تعين الوقوف معها كالعقلية والشرعية من غير نزاع، فإيراده الكفر والإيمان اللذين نصَّ الشارع على اعتبارهما ليس من محل النزاع في شيء فلا تكن من الغافلين.

نزار بن علي
20-12-2005, 23:15
الرابع:
هذا الخلاف الذي حكاه النظم مبني على اختلاف العلماء في حقيقة التوكل، فحكى الإمام أبو جعفر الطبري وغيره عن طائفة من السلف أنّهم قالوا: لا يستحق اسم المتوكل إلا من لم يخالط قلبُه خوفَ غير الله من سبع أو عدوّ، أو حتى يترك السعي في طلب الرزق ثقة بضمان الله تعالى له رزقه، واحتجوا بما جاء في ذلك من الآثار.
وقالت طائفة: حدّ التوكل: الثقة بالله تعالى، والإيمان بأنّ قضاؤه نافذ، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بدّ منه من المطعم والمشرب والتحرز من العدو كما فعله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قاله القاضي عياض وسلّمه النووي رحمهما الله تعالى. وهذا المذهب هو اختيار الطبري وعامة الفقهاء.
والأول مذهب بعض المتصوفة وأصحاب علم القلوب والإشارات، وذهب المحققون منهم إلى نحو مذهب الجمهور، ولكن لا يصح عندهم اسم التوكل مع الالتفات والطمأنينة إلى الأسباب، بل فعل الأسباب سنّة الله وحكمته، ولا يجلب نفعا ولا يدفع ضرا إلا الله، والكل من الله تعالى وحده كما قاله القاضي.
وعبارة الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى: اعلم أنّ التوكل محله القلب، وأمّا الحركة بالظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب بعدما تحقق العبد أنّ الثقة من قبل الله، فإن تعسَّر شيء فبتقديره، وإن تيسر فبتيسيره.
وقال سهل بن عبد الله التستري رضي الله عنه: التوكل: الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد.
وقال أبو عثمان الجيزي: التوكل: الاكتفاء بالله مع الاعتماد عليه. وقيل: التوكل أن يستوي الإكثار والتقليل، والله أعلم.
ولا يخفى عليك تنزيل هذه العبارات على المعنيين السابقين للتوكل، فلا تكن من القاصرين الغافلين الجاهلين الخاسرين.

نزار بن علي
20-12-2005, 23:16
الخامس:
إذا قلنا بأفضلية الأخذ بالأسباب كما هو رأي الجمهور، فاعلم وفّقك الله أنّ العلماء رحمهم الله تعالى وحشرنا في زمرتهم اختلفوا في أطيب المكاسب وأفضلها، فقيل: هو تجارة الصدق، وقيل: الصنعة باليد، وقيل: الزراعة، وهذا هو الصحيح، وقد انتصر له في آخر باب الأطعمة من شرح المهذب بما يطول جلبه فقف عليه.
نعم، صح الحديث كما في مسلم بأنّه يترتب عليها من الخيرات ما لا يترتب على غيرها؛ ففيه عنه صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزأه أحد إلا كان له صدقة. وفي رواية: لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابّة ولا شيء إلا كانت له صدقة. وفي رواية: إلا كان له صدقة إلى يوم القيام. ولا شك في تصريح هذه الأحاديث بفضيلة الغرس وفضيلة الزرع وما تولد منه إلى يوم القيامة، ولا يعرف لبقية الحِرَف ما يوازي هذه المزية. وقد ورد أنّ آدم كان زراعا، وأنّ إدريس كان خياطا، وأنّ نوحا كان نجارا، وأنّ إبراهيم كان برازا وأنّ من الأنبياء من رعى الغنم بالأجرة إلى غير ذلك.

نزار بن علي
20-12-2005, 23:16
السادس:
قول بعض الصوفية أنّ الدعاء قدح في التوكل والرضى ينبغي تركه، مبني على ما سبق من ترجيح ترك الأسباب. ومذهب العلماء كافة أنّ الدعاء عبادة مستقلة، وأنّه لا يستجاب منه إلا ما سبق به القدر. قاله القاضي.
السابع:
الكلام كما مر إنّما هو مفروض في ترك الأسباب المباح فعلها وتركها، فليس ترك التسبب بالظلم والجور والغضب لقادر عليه توكلا لوجوبه!
نعم، اختلف العلماء هنا في مسألة، وهي من جاءه مال بغير سؤال ولا استشراف نفس هل يجب قبوله أو يندب؟ على ثلاثة أقوال، حكاها أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري وآخرون. والصحيح الذي عليه الجمهور أنّه مستحب في غير عطية السلطان، وأمّا عطية السلطان فحرّمها قوم وأباحها قوم وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطي من لا يستحق. وإن لم يغلب الحرام فالقبول مباح إن لم يكن للقابض مانع يمنعه من استحقاقه الأخذ. وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره. وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره. انتهى كلام النووي.
قلت: من لم يتحرّى في كسبه الحلال حُكمُ عطيته حكم عطية السلطان في التفصيل، إلا في الوجوب.
الثامن:
معاملة من جُلُّ مالِه حلال جائزة عند الجمهور، وكرهها ابن وهب، ومنعها أصبغ للاحتياط. وأمّا معاملة من جُلّ مالِه حرام فممنوعة عند الجمهور، وكرهها ابن القاسم.
قلت: وانظر من استوى حلاله وحرامه. ويؤخذ من قول ابن القاسم المذكور حِلُّ معاملته فتأمّله. وإن لم يكن في المال حلّ حرمت معاملته عند المحققين. وقيل: تباح معاملته بالقيمة لا بالمحاباة. وقيل: تباح فيما ناله بالإرث والعطية لا بالمعاملة. وقال الزهري وابن هرمز: تباح معاملته مطلقا. ذكره حفيد ابن رشد.
خاتمة:
قدّمنا القول في الغنى والفقر وهما محنتان يتميز بهما الصابر والشاكر، والجمهور على أنّ الغني أفضل لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يَدعُ يوما بالفقر لأحد، ولا حضَّ عليه في وقت من الأوقات. ولأنّ الغنى ينال به صاحبه ما للدنيا وما للآخرة، وبه يصون وجهه، ويصل رحمه، ويقضي دينه، وينفق منه في سبيل الله وعلى المساكين، وينال به عفة النفس والفراغ لعمل الدين ونفع المسلمين، وينشأ عن الغنى أحكام كثيرة، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنس ابن مالك بكثرة المال والولد والبركة فيه، وكذا دعا لجماعة من الصحابة بكثرة المال كزهرة بن معبد.
انتهى شرح البيت

سعيد فودة
20-01-2006, 17:49
بارك الله بك يا أخ نزار
هل عندك نسخة كاملة واضحة لهذا الشرح الكبير، أنا عندي أحد الجزأين فقط.

نزار بن علي
20-01-2006, 20:58
بحمد الله تعالى وفضله أملك نسختين رقميتين لهذه الموسوعة الجليلة، إحداهما بخط الناسخ سليمان بن علي الشنشري نقلها من نسخة اللقاني سنة وفاته 1041 ه ، وهي نسخة تامة إلا أن خطها رديء بعض الشيء، والثانية بخط الناسخ علي بن عبد الغني التلاوي نسخت سنة 1095 ه وخطها مشرقي واضح وهي تامة كذلك خلا سقط يسير ببعض الكلمات
وكما تعلمون، فإن للشيخ اللقاني ثلاث شروح علي جوهرته، أولها عمدة المريد لجوهرة التوحيد وهي موضوع ردي، والثاني تلخيص التجريد وهو عبارة عن تلخيص لعمدة المريد، وقيل أن اللقاني لم يظهره للناس ولذلك لم ينتشر، والثالث شرحه الصغير المسمى بهداية المريد لجوهرة التوحيد، الذي اختصره ابنه عبد السلام في إتحاف المريد، ومن الأخير نقل معظم شراح الجوهرة، فكانوا بذلك عالة على الإمام المتبحر الشيخ إبراهيم اللقاني.
وكنت منذ مدة قد شرعت في تحقيق الشرح الصغير المسمى بهداية المريد على ثلاث نسخ خطية رقمية، إلا أني توقفت عنه إلى حين ريثما أتم تحقيق بعض الكتب الأقصر طولا، فهداية المريد وإن كان صغيرا بالنسبة إلى عمدة المريد، إلا أنه يخرج في مجلدين إذا حقق.
ولا أخفي أنه قد تعلقت همتي ذات يوم بالعناية بعمدة المريد، فهو حقا موسوعة اعتمد اللقاني فيها على أمهات كتب الكلام والحديث والتصوف، إلا آنه تبين لي بعد حصولي على النسخ المذكورة أنه مرام صعب المنال لطول الشرح، وفقداني المعين على تلك الأعمال سوى الباري جل جلاله،
ومع ذلك شرعت في العناية بشروح بعض الأبيات، ومنها ما بين أيديكم.
أسأل الله تعالى أن يسخر في الأمة من يعتني بأمثال تلك الكتب للوقوف على أصالة فكر علمائنا المتقدمين منهم والمتأخرين.