المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأدلة التبعية عند المالكية وعلاقتها بمقاصد الشريعة



يوسف بن عبد السلام اليزني
18-12-2005, 19:35
بسم الله الرحمن الرحيم

الأدلة التبعية عند المالكية وعلاقتها بمقاصد الشريعة


اختلفت عبارات الأصوليين في تقسيم الأدلة عموما فمنهم من يقسمها إلى أدلة نقلية وأدلة عقلية. ومنهم من يقسمها إلى أصل ومعقول أصل واستصحاب حال وآخرون يقسمونها إلى مصادر أصلية ومصادر تبعية كما نجدهم يقولون أدلة متفق عليها وأدلة مختلف فيها .
وللإمام الشاطبي تقسيم للأدلة الشرعية اخترت إدراجه في هذا المقام لبيان المقصود بالأدلة التبعية. يقول رحمه الله "الأدلة الشرعية ضربان: أحدهما ما يرجع إلى النقل المحض والثاني ما يرجع إلى الرأي المحض (...) فأما الضرب الأول فالكتاب والسنة، وأما الثاني فالقياس والاستدلال ويلحق بكل واحد منهما وجوه أما باتفاق واما باختلاف فليحق بالضرب الأول الإجماع على أي وجه قيل به ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا (...) ويلحق بالضرب الثاني الإستحسان والمصالح المرسلة" .
وأشار رحمه الله إلى أن هذه القسمة نسبية إذ كل من الضربين مفتقر إلى الآخر.
إذ الإستدلال بالنقل يحتاج إلى النظر والاجتهاد كما أن الرأي لا يعتبر إلا إذا استند إلى النقل ومن ثم حصر الأدلة في الضرب الأول وهو ما يرجع إلى النقل المحض وذلك عبر ثلاث مراحل.
أولاهما : اتسمت بارجاع الأدلة كلها إلى ما هو نقلي وما هو عقلي.
والثانية: اتسمت بارجاع كل الأدلة إلى ما هو نقلي فقط.
والثالثة: اتصفت بإرجاع الضرب الأول ويضم الكتاب والسنة إلى الكتاب فقط.
فالمقصود بالأدلة التبعية هو ما كان مستندا إلى القرآن والسنة.
برجوعه إلى عموماتهما المعنوية، أو ما كان راجعا إلى الأدلة العقلية المستندة بدورها إلى الكتاب والسنة وعبر عن ذلك بقوله "ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان والمصالح المرسلة إن قلنا انها راجعة إلى أمر نظري وقد ترجع إلى الضرب الأول إن شهدنا أنها راجعة إلى العمومات المعنوية". ومعنى رجوع هذه الادلة إلى العمومات المعنوية، أنها ليست أدلة بالذات وإنما هي معان مبثوتة في الأدلة الأصلية انتظمها الإستقراء في صورة قطعية إذ "كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين وكان ملائما لتصرفات الشرع ومأخوذا معناه من أدلته، فهو صحيح يبنى عليه ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعا به. لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها". ويدخل تحت هذا الضرب أصل المصالح المرسلة والاستحسان وسد الذرائع والعادات التي جعلها الإمام مالك رحمه الله من جملة الادلة التي اعتمدها في استنباط الأحكام الشرعية.
ولكي يستقيم تخريج هذا الفصل وجدتني ملزما بالحديث عن أصول الإمام مالك رحمه الله عموما ثم أخص منها الأدلة التبعية والتي بدورها أخص منها المصالح. المرسلة والعرف وسد الذرائع مبينا علاقتها بمقاصد الشريعة مستندا في ذلك إلى مبررات أذكرها في محلها إن شاء الله.
أما أصول الإمام مالك فإن أدق إحصاء لها هو ما ذكره الفقيه أبو محمد صالح (653/1255) فقد عددها ستة عشر أصلا، وهي : نص الكتاب وظاهره وهو العموم ودليله وهو مفهوم المخالفة ومفهومه والتنبيه على العلة، ومثل هذه خمس من السنة، ثم الإجماع، وعمل أهل االمدينة، وقول الصحابي ، والاستحسان والحكم بسد الذرائع. مع اختلاف قوله في مراعاة الخلاف فمرة يراعيه ومرة لا يراعيه".
وقد علق الشيخ أبو زهرة على هذا الإحصاء بأنه معقول. إلا أنه اختار ماذكره الإمام القرافي في تنقيح الفصول على أنه أدق إحصاء لأصول المذهب المالكي وهذا وقد نظم الفقيه أحمد بن محمد بن أبي كف هذه الأصول في تسعة وعشرين بيتا ابتدأها بقوله

أدلة المذهب مذهب الأغر مالك الإمام ستة عشر وقد شرح هذا النظم الشيخ محمد يحيى الشنقيطي وسماه "إيصال السالك في أصول مالك"
وقد عدها العلامة الفقيه حسن بن محمد المشاط (1317هـ/1399) سبعة عشر قال "اعلم وفقني الله وإياك أن الأدلة التي بنى عليها إمامنا مالك مذهبه سبعة عشر: نص الكتاب وظاهره أعني العموم ودليله أعني مفهوم المخالفة ومفهومه أعني المفهوم بالأولى والتنبيه على العلة ومن السنة مثل هذه الخمس والحادي عشر الإجماع، والثاني عشر القياس والثالث عشر عمل أهل المدينة والرابع عشرة قول الصحابي والخامس عشر الاستحسان والسادس عشر الحكم بسد الذرائع وأما مراعاة الخلاف فتارة وتارة"
وهو نفس التقسيم الذي ذكره الشيخ أبو محمد صالح إلا أنه زاد القياس فتحصل عنده سبعة عشر دليلا، وذكر رحمه الله نظم بعضهم لها في ستة عشر دليلا بزيادة المصلحة المرسلة وتصديق المعصوم والإستقراء والبراءة الأصلية والعرف والأخذ بالأخف قال "وفي بعضها نظر سنتكلم عليه في محله المناسب له إن شاء الله تعالى".
وهذا النظم الذي نسبه الفقيه المشاط لبعضهم هو نظم لما نثره الإمام القرافي في شرح تنقيح الفصول عند عدة للأدلة بالإستقراء والذي علق عليه الدكتور عمر الجيدي بما نصه "ونلاحظ أن هذه الأصول مشتركة بين جميع المذاهب وبعضها يقول به المالكية وفيها ما هو خاص بالفرق الشاذة فالعصمة وإجماع العثرة لا يقول بها إلا من شذ".
ويعزى سبب اختلاف المالكية في طريقة تناول أدلة الإمام وفي حصرها في عدد معين إلى تعدد طرائق الرأي عنده أكثر من غيره ليجعل له القدح المعلى فيه.
ونعود إلى تقسيم الإمام الشاطبي للأدلة إلى أربعة الكتاب والسنةوالقياس والستدلال لنثبت تعليق الشيخ أبو زهرة على هذا التقسيم بأن له وجها معقولا "وذلك لأن عمل أهل المدينة وقول الصحابي إنما أخذ بهما مالك على أنهما من شعب السنة وكلمة الرأي تشمل بعمومها المصاح المرسلة وسد الذلاائع والهبادات والاستحسان والاستصحاب لأن هذه من وجوه الرأي".
من هنا نلخص إلى أن الإمام مالك رحمه الله بنى منهجيته في الأصول والاستدلال على مسلكين هما المسلك الأول : الاثر المسلك الثاني الرأي صرح بذلك في أكثر من نص وهذا ما اتفقت عليه كلمة المحققين من المالكية من شراح الموطأ وغيرهم".
أما تخصيص المصالح المرسلة والعرف وسد الذرائع من جملة الأدلة التبعية عند المالكية وذلك لبيان علاقتها بمقاصد الشريعة فقد كان مبنيا على أسس منها.
- ماتقرر من مراعاة الإمام مالك للمصلحة على مستوى المنهج النظري وسد الذرائع إلى المحرمات على المستوى المنهج العملي.
- أن الإمام مالك رحمه الله يعتبر القيم التي تربط بين المقاصد والأحكام ولعله من أهم مميزات المذهب المالكي:
- إن كل ما فيه مصلحة فهو مرغوب فيه شرعا.
- إن كل عرف لا يفضي إلى ارتكاب محرم معتبر شرعا.
- إن الوسائل تربط بالغايات فالذريعة إلى الحرام ممنوعة وما يتم به الفرض واجب.
- أضف إلى ذلك كون الإمام مالك رضي الله عنه في قوله بالمصالح المرسلة والعرف وسد الذرائع حتى عدت من خواص مذهبه كان يرى "قصد الشارع إلى تحقيق مصالح الناس جليا في شريعته فجعل فقهه الذي لا يعتمد فيه على النص القطعي يسير حول قطبها ويدور على محورها".
ولتفصيل الحديث عن هذه الأدلة الثلاث اقتضى تقسيم هذا الموضوع إلى مباحث ثلاث.
المبحث الأول: المصالح المرسلة وعلاقتها بمقاصد الشريعة.
المبحث الثاني : العرف وعلاقته بمقاصد الشريعة.
المبحث الثالث: سد الذرائع وفتحها وعلاقته بمقاصد الشريعة.