المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحقوق المعنوية عند السادة الأحناف



محمد إسماعيل متشل
11-12-2005, 04:13
لي صديق ألف برنامج للكمبيوتر, واعطاه لرجل آخر, وبدأ ذاك الرجل ينسخ الدسك الذي كان عليه البرنامج, ويبيعه للناس بدون اذن من مؤلف البرنامج. فذهبوا الى إمام لأحد المساجد القريبة هنا في الولايت المتحدة وتركوا المحكمة المريكية لانهما مسلمان وكانا يريدان ان يتحاكما إلى هذا الإمام المذكور. وقد قال الإمام للرجل الآخر الذي كان ينسخ البرنامج ويبيعه للناس: لا حرج عليك, لأنه لا توجد "حقوق معنوية" في الإسلام, وذاك حرام لأنه ابتدعه الغرب, وكل شيء ابتدعه الغرب فهو حرام!! ثم قال له صديقي: ولكنني وضعت شروطا للاستعمال, ومن تلك الشروط: انه لا يسمح له نسخ البرنامج وتوزيعه - مجانا او غير مجانا - الا باستئذان صريح من المؤلف - فقال له الإمام: هذا الشرط حرام, لأنه مناف لحق التصرف!!!!

فما الجواب عن هذا عند مذهبكم, بارك الله فيكم؟

محمد ال عمر التمر
31-12-2006, 20:49
الاستعراض الفقهي لحقي التأليف والطباعة للعلامة أبي الحسن الندوي رحمه الله تعالى

إن كان حق التأليف يعني أن المؤلف الذي استطاع أن يضع كتابا قيما، بعدما تجشم مشاق طويلة، وأنفق جهودا حثيثة ووقتا ثمينا وربما بذل ثروة كبيرة يملك حق استيفاء قيمته، أو حق أخذ العوض ممن يستفيد منه فيسعه ذلك بشروط نظرا إلى أصول الشريعة وإلى عمل بعض العلماء المتقدمين فأن المؤلف بحكم إنفاقه في سبيل تأليفه ووقته وجهده وماله يمكن أن يكون في درجة صنّاع، وأن يكون تأليفه في منزلة مصنوع، وكما أن كل صناع يملك حق الملكية نحو مصنوعه عند الشريعة أيضا، فكذلك المؤلف يمكنه أن يملك حق الملكية نحو تأليفه، وعلى ذلك فكما أن الصناع حر في السماح بالاستفادة وعدمه من مصنوعه بالعوض وبدونه، فكذلك المؤلف له حرية ـ أو يمكن أن تكون له نحو ـ السماح بالاستفادة لمن شاء وعدم السماح بالاستفادة إلى من شاء ( بالعوض أو بدونه) ونحن نستأنس في ذلك بموقف المحدثين من العلماء المتقدمين من مروياتهم، فقد كانوا يأذنون بها لمن شاؤوا ويمنعون منها من شاؤوا ممن لا يرونهم جديرين بذلك وقد رُوي من بعض المحدّثين السماح لمروياته بعوض كحارث بن أسامة وربما لم ير العلماء بأسا في جوازه في ذلك العصر إلا أن عامّتهم لم يستحسنوا أخذ العوض، ولذا يتحرج بعضهم في الرواية عنه.
وانتساخ الكتاب طريق بل طريق محكم من طرق الاستفادة منه، فلا بدّ أن يتوقف ذلك على السماح من المؤلف، والطباعة في العصر الحاضر صورة راقية من صور الاستنساخ، ومن هنالك فالسماح بالطباعة حق المؤلف وحده. والسماح بالطباعة هو كالتوكيل، فكأن الطابع وكيل بين المستفيدين والمؤلف فيمكنه أن يستوفي العوض من المستفيدين عن طريق الطابع ويحق للمؤلف أيضا أن يحدد عدد نسخ الكتاب المطبوعة وتحديد العدد يمكن أن يقام مقام تحديد المستفيدين في السماح بالاستفادة. وقد أسلفنا أن المؤلف يملك أو يمكن أن يملك حق أخذ العوض على الاستفادة والانتفاع شرعا.
وفي ضوء التفاصيل السالفة يمكن القول شرعا بأن المؤلف ربما يملك حق أخذ العوض على تأليفه، أما الطريقة المتّبعة اليوم وهي أن الطابع يعطي المؤلف العوض عند كل طبعة على سعر خاص، وعلى قدر نسخ الكتاب فتبقى مجالا للبحث فهل تجوز طريقة تعاطي العوض هذه ؟ وهل يجوز هذا العقد أم لا ؟
لأنه لا يكون هناك تحديد لكمية العوض ولا تحديد ميعاد الأداء بل وربما لا يكون هناك مبدأ معقول لهذا العوض ويكون الأمر موكولا إلى نفاق الكتاب، وكثرة تلقيه وحسن قبوله، وإذا فلا تكون كمية العوض مجهولة فحسب بل يكون كذلك منال العوض مشكوكا فيه وحينئذ فتدخل هذه الصور في نطاق الغرر. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر بكل قوة وقد ساق معظم دواوين الأحاديث ذلك الحديث الذي ينهى عنه وإليك هو نقلا عن صحيح مسلم: " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر"

ويقول الفقيه الشافعي العلامة النووي في شرح هذا الحديث: " أما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيع ولهذا قدّمه مسلم وتدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع المعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتملك البائع عليه ونظائر ذلك، فكل هذا بيعه باطل لأنه غرر"
فإن كانت اتفاقية التعاطي بين الطابع والمؤلف تتضمن تحديد كمية العوض ووقت الأداء ( ولا يوجد هناك شرط أو نقص ينافي قاعدة من قواعد العقود المحكمة لدى الشريعة الإسلامية) فهناك يمكن القول بالجواز إلا أن الاعتياض إنما يجوز إذا كان التأليف لا يشتمل على أمور يحتم الشرع على المؤلف إبانتها.
وبما أن التفاصيل السالفة تدل على أن التأليف كالمصنوع " شيء متأكد متقوّم" وليس حقا محضا غير متأكد فيمكن أن يجوز فيه التوارث مبدئيا، ولهذا فما ناله المؤلف من العوض في حياته فالتوارث فيه واضح وكذلك فنرى الجواز في التوارث في العوض الذي يؤديه الطابع بعد وفاة المؤلف من أجل الاتفاقية التي تمت بينهما من ذي قبل، وذلك في ضوء بعض النظائر الفقهية والأصول الشرعية فمثلا: يوجد في كتاب معروف في الفقه الحنفي وهو رد المحتار شرح الدر المختار هذا الأصل الآتي : "والحق المتأكّد يورث" وبناءا على هذا الأصل قيل إن حظ الإمام أي المرتب له من الوقف لو مات يورث عنه.
وكما أن حق الإرث لا يجوز بيعه، فكذلك لا يجوز لورثة المؤلف أن يأخذوا العوض على حق ما ورثوه من حق التأليف بالاتفاقية الجديدة لأن الوارث متى ما لم يحصل له شيء حقيقي فله حق فحسب، لا يجوز بيعه وشراؤه نعم إذا كان المؤلَّف ـ بالفتح ـ هو نفس النسخة الأصلية التي باشر المؤلف جمعها وتأليفها وكتابتها يمكن أن يجوز فيه التوارث وفي قيمته أيضا ( إذا لم يكن المؤلف قد باعه بالثمن) لأنه شيء حقيقي (عين) ومن هنالك فلا يجوز للطابع أو الناشر أبدا أن يروح يبيع سماح المؤلف بالطباعة ظنا منه أنه شيء متقوّم. وقد أسلفنا أن الطابع كوكيل فكما أن الوكيل لا يجوز له أن ينقل حق وكالته إلى غيره بالعوض كذلك لا يجوز للطابع ذلك، فإن الإذن بالطباعة أو الحق الحاصل من الإذن ليس من الأشياء المتقوّمة بل هو كحق ممنوع بيعه ويدل على النهي عن بيع مثل هذا الحق ذلك الحديث الذي يمنع من بيع الولاء. جاء في صحيح مسلم: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته " وذلك على الرغم من أن الولاء ليس حقا ضعيفا كهذا الذي نتحدث عنه بل الولاء " متأكد ولذلك فيُتوارَث ولكن لا يجوز بيعه.
وأيضا إذا سمح الطابع أو الناشر بدوره لأحد بالطباعة، وأخذ العوض على ذلك فإنه يصدق عليه " بيع ما ليس عنده" لعموم معناه وذلك ما نُهيَ عنه في الأحاديث النبوية في صراحة وتأكيد، جاء في سنن أبي داوود وجامع الترمذي روايات تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تبع ما ليس عندك " و " لا يحل سلف وبيع ولا بيع ما ليس عندك " وقد قال الإمام الترمذي في شأن الرواية الأولى حسن وفي شأن الثاني حسن صحيح.
ثم أنه إذا سمح طابع لطابع بالطباعة، وأخذ عليه منه مبلغا فكأنّه يأخذ هذا المبلغ مقابل المبلغ الذي دفعه إلى المؤلف، فتقابل المبلغان ( وهما من الأموال الربوية في معظم الأحيان، ربما يكون أحدهما أكثر من الآخر) وعلى ذلك فيتحقق الربا أو شبه الربا على الأقل الذي هو منهي عنه بالنصوص ولذلك لا يجوز للمشتري أن يبيع الطعام قبل القبض. جاء في حديث صحيح " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه، قال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام" رواه مسلم. وسئل راوي هذا الحديث عبد الله بن عباس عن سبب النهي عن ذلك فقال: " ألا تراهم يبتاعون بالذهب والطعام مرجئا" وخلاصة هذا التعليل هو نفس ما أسلفناه، يقول أحد شارحي الحديث المعروفين ملا علي القاري في المرقاة:
(معنى الحديث أن يشتري من إنسان طعاما بدينار إلى أجل ثم يبيعه منه أو من غيره قبل أن يقبضه بدينارين مثلا فلا يجوز لأنه في التقدير بيع ذهب بذهب والطعام غائب فكأنه باعه ديناره الذي اشترى به الطعام بدينارين فهو ربا) نقلا عن حاشية سنن أبي داوود.
وأوضح وأقوى دليل على حرمة بيع الحقوق هو الحديث الذي رواه مسلم عنه أبي هريرة رضي الله عنه في صحيحه، ومالك في موطئه بفرق يسير في الألفاظ فجاء في صحيح مسلم كما يلي:
" عن أبي هريرة أنه قال لمروان أحللت بيع الربا فقال مروان: ما فعلت ؟ فقال أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يستوفى، فخطب مروان في الناس فنهى عن بيعها. قال سليمان: فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس"
يقول العلامة النووي في شرحه: الصكاك: جمع صكوك، والمراد ههنا الورقة التي تخرج من ولي الأمر بالرزق لمستحقه بأن يكتب فيها للإنسان كذا وكذا من طعام وغيره، فيبيع صاحبها ذلك للإنسان قبل أن يقبضه"
ومن أجل هذه الرواية قال الإمام أبو حنيفة ـ ومن نحا نحوه _ بحرمة بيع الصكاك مطلقا ولا يغربنّ عن البال أن بيع الصكاك ليس إلا بيع الحقوق، إلا أن الإمامين مالكا والشافعي يريان الجواز في بيع الصكاك للمالك الأول فحسب، ولا يقولان بالجواز للمالك الثاني أو الثالث فصاعدا، ونجد هذا التفصيل في معظم شروح الأحاديث أمثال شرح صحيح مسلم للنووي وشرح الموطأ أوجز المسالك وتأويل هذه الرواية على ما أوّله الإمام مالك وغيره إنما يجيز أخذ العوض للمؤلف وحده على أكثر تقدير ولا يجيز للطابع أو الناشر فإن الطابع بمنزلة المالك الثاني على كل حال، أما المالك الأول فلا يمكن أن يكون إلا المؤلف ليس غير.
وهنالك بعض العلماء المعاصرين الهنود يستدلون على جواز حق الطباعة بآراء بعض الفقهاء حول الجزئي المشهور للفقه الحنفي "النزول عن الوظائف بمال" رد المحتار ج 4 ص 15 وإتحاف الأبصار والبصائر ص 237 لكن الاستدلال بهذا النظير كإقامة بناء على أساس منهار أولا لأن المسألة برمّتها بدورها قد اختلف فيها الفقهاء وقد ذهب معظمهم إلى عدم جوازها وثانيا لأن هناك فرقا كبيرا بين أخذ العوض على التنازل عن الوظائف وأخذ العوض على حق الطباعة لو صحت تسميته حقا، فالوظيفة شيء قد تأكد استحقاقه للمستحق وأن لم تتم ملكيته عليه على أننا لو تأملنا في كلام الفقهاء الذين مالوا إلى القول بالجواز لعلمنا أنهم إنما رأوا هذا الجواز إذا كان حظ المستحق قد تحدد وأتى عند المشرف فكأنه قد تمت جميع الإجراءات حوله ولم يبق إلا القبض عليه، وإلى جانب ذلك هنالك فرق جذري بين حق الوظيفة وحق الطباعة يمنع قياس أحدهما على الآخر وهو أن كمية الوظيفة تكون محددة في حق الوظائف ويكون منالها حتميا لا شبهة فيه أما في حق الطباعة فلا تكون كمية المال المرجو محددة ولا الحصول عليه متيقنا ولذا يدخل بيعه في حكم بيع الغرر أيضا وقد نهى عنه الحديث في صراحة لا غموض فيها لأن الطباعة ربما تتمخض عن الخسارة بل الخسارة الفادحة.
وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد قررت أن بيع العين أيضا لو كان مجهولا أو في موقف الخطر هو بيع غرر فكيف ببيع الحقوق غير المحددة وغير المتأكدة وهي في موطن الخطر؟ وقد قدّم بعض العلماء كدليل على جواز مسألة النزول عن الوظائف بمال ما صنعه سيدنا حسن رضي الله عنه سبط النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم من تنازله عن الخلافة وقبوله الراتب، بيد أن هذا الاستدلال من الوهن بمكان لا حاجة فيه إلى تعليق أمام رجالات العلم، فكل من له أدنى إلمام بالتاريخ يعلم جيدا ما كان يأخذا السيد الإمام رضي الله عنه لم يكن عوضا عن التنازل عن أمر الخلافة فحسب لأن الخلفاء قد تعودوا منح الوظائف والرواتب غيره كثيرا من كبار الصحابة والتابعين، الأمر الذي لا يدع مجالا للشك في أنه لو كان هناك أحد يقول: أن الإمام رضي الله عنه قد قبل الراتب كعوض عن تنازله عن الخلافة، فإنما هو طريق من طرق التعبير وليس بيانا عن الحقيقة على ما هي هي.
وخلاصة البحث أنه ليس هناك جواز ما في أخذ العوض على حق الطباعة في ضوء الأحاديث النبوية والأصول المعتبرة المحكمة لدى الشريعة الإسلامية والنظائر الفقهية المختلف فيها، فإن هذا الحق كحق الوكالة أعطاه المؤلف رغبة في إفادة القراء والمستفيدين بالتأليف وذلك في صورة إعداد النسخ ـ النسخ المطبوعة ـ ويستحق المنفعة المالية من اجل عملية إعداد النسخ.
نعم.. أما المؤلف فأرى الجواز في أخذه العوض على تأليفه بعدة شروط أبنتها من قبل ـ إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمني ومن الشيطان.
ولا يغيبنّ عن البال، إن هذه السطور ليست كفتوى في المسألة بل هي محاولة علمية متواضعة في سبيل حلّها وأرجو رجالات العلم والبحث أن يُطلعوا كاتب السطور على ما يبتّونه من حكم الخطأ والصواب ولهم مني جزيل الشكر.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين.

محمد ال عمر التمر
02-01-2007, 08:43
للشيخ وهبي غاوجي الألباني إجابة لبعض الأسئلة حول حق التأليف والمطبوع من الفتوى ذكر الإجابات دون الأسئلة وهي المذكورة هنا:
حق التأليف
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على رسوله المصطفى وعلى آله وصحبه وأخوانه ومن والاه.
أما بعد:
فموضوع السؤال طريف لا أعلم أنه قد وردت له نصوص معينة أو قامت حوله اجتهادات من السلف الصالح معينة، فليس الخوص في هذا الموضوع إذن ثم الخروج منه بنتيجة أمرا سهلا وليس قبول الناس لأي رأي يوصل إليه كذلك سهلا، لما أنه يقوم على اجتهاد خاص.
بعد هذه المقدمة أقول متوكلا على الله تعالى:
جواب نقطة أ : ثمة نصوص كثيرة تحض على طلب العلم النافع ونشره بين الناس بكل وسيلة، وليس ثمة نصوص كذلك تمنع أخذ الأجر على بذل العلم النافع لأهله، والتأليف نوع من التعليم، بل هو التعليم الثابت والباقي بعد موت صاحبه، فإذا كتب الكاتب كتابا وطبعه وعرضه للبيع، وكتب على غلافه أو في مكان ظاهر فيه حقوق الطبع محفوظة للمؤلف أو الناشر، فليس لأحد غيره أن يقدم على طبعه إلا بإذنه السابق وموافقته. نعم إن المؤلف قد يكون جمع موضوع كتابه ومادته من كتب موجودة ما بين مطبوع ومخطوط لكن حين رتب تلك المعلومات وجمعها على نمط معين، وجعل إعادة الطبع من حقه يكون قد سبق إلى مباح وقد أدخل صنعته في ذلك المباح ونص على أنه له، فقد أصبح ذلك من حقه وحده كمن جلب ماء النهر إلى أرضه بوسيلة من عنده، ليس لأحد أن يأخذ من ذلك الماء شيئا إلا بإذنه مع ورود حديث الناس شركاء في ثلاث الماء...).
فعلى هذا يقال: إذا رغب الكاتب أو الناشر أن يستديم الانتفاع بوارد الكتاب الذي طبع فعليه أن يسجل أن حق الطبع محفوظ له أو للناشر، وما لم يفعل ذلك فلغيره أن يطبعه وينشره لأنه مباح انتفع به ثم سابق إليه ثم تركه، وما أرى أن العرف القائم يقوم مقام التسجيل ذلك، فيكون من لم يسجل ذلك التسجيل كمن سجله من حيث منع الطبع والله أعلم.
ثم إن قلنا أن إعادة الطبع بتسجيل ذلك يصبح فقط للكاتب أو الناشر فيمكن للكاتب أن يضيف فيقول مثلا: وأن حق إعادة طبعه يعود ورثته. ولما كان الأمر أن الإنسان إذا مات قُسم ماله بين ورثته، فإني لا أرى أن يدوم حق إعادة طبع الكتاب لورثه ورثته بعد موته هو، لأن الأمر حقه، وحقه إذا مات انتقل إلى ورثته، وليس إلى من بعدهم. والله أعلم.
جواب نقطة ب : ليكن الناشر نبيها مثل الكاتب فكما كتب الكاتب على غلاف الكتاب مثلا أن حق إعادة طبع الكتاب هو له، فليتفق الناشر مع الكاتب، أن لا يعطي الكاتب كتابه إلى غير ناشره ليطبعه وينشره إلى فترة كذا.
وبهذا يكون الكاتب قد ألزم نفسه بشيء وعليه الوفاء بما التزم إلى نهايته، وبدون ذلك لا أرى مانعا يمنع الكاتب من إعادة طبع كتابه بنفسه أو تسليمه إلى ناشر آخر. وليكن الكاتب كذلك نبيها فيتفق مع الناشر على أن يطبع كتابه كذا مرات أو ما شاء منها إلى عشر سنوات مثلا على أن يدفع الناشر إلى الكاتب مع كل طبعة قدرا معينا من المال.
وإذ مضى ذلك الموعد عاد حق طبع الكتاب والتصرف فيه إلى الكاتب نفسه، مع عدم المضارة من الكاتب أو الناشر الآخر المتفق معه للناشر الأول، وذلك بطبعه قبل أن ينفد الطبع السابق أو يقل في الأسواق، وفقا للحديث القاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، والله أعلم.
جواب نقطة (ج): أمر توزيع الكتاب جُعالة كان المؤلف أو الناشر يقول القائم على التوزيع كل ما وزعت من هذا الكتاب من النسخ فلك كذا بالمائة، وذلك جائز شرعا، والذي قيل في الناشر والكاتب من حب الاتفاق على أمور معينة، يقال في القائم على التوزيع والله أعلم.
جواب نقطة (د): إذا كما قلنا من قبل أن حق إعادة طبع الكتاب يكون للكاتب أو الناشر إذا سُجل ذلك الحق، كذا نقول هنا، أنه لا يجوز أن يُترجم الكتاب أو فصول منه "يمكن أن يُجعل رسالة مستقلة " بدون إذن سابق من الكاتب أو الناشر إذا تم تسجيل المنع من الترجمة على غلاف الكتاب أو مكان ظاهر فيه، أما إذا لم يسجل ذلك فلا أرى أن ثمة مانعا يمنع من ترجمة الكتاب أو فصول منه، والله أعلم.
جواب نقطة (هـ) لو أن طابع أو ناشرا قام بطبع كتاب قد سجل عليه حقوق الطبع محفوظة للمؤلف أو الناشر، فهذا قد اعتدى على حق مكتسب لأخيه فعليه أن يرضيه حتى يرضى مع التوبة والاستغفار وإلا عد معتديا آثما عند الله تعالى.
أما إذا لم يكن قد سجل ذلك الحق على غلاف الكتاب مثلا أو يكون المؤلف قد مات ولم يجعل حق إعادة الطبع لورثته مثلا، فلا أرى في طبع ذلك الكتاب بعد نفاده أو قلة توفره في السوق ظلما وإثما، وإن كنت أقرر كذلك أن يحسن أن يُستأنس بحكم الناشرين المتقين في مثل هذا الأمر، فإن أكثرهم يرى أن العرف يقتضي إرضاء الكاتب أو الناشر، عملْنا به ندبا واستحبابا، وإلا بقي الأمر في حدود المباح، والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يُدار.
وما أرى ـ وأنا غير مخالط للناشرين والطابعين ـ أن مجرد طبع الكتاب لفلان أو نشر فلان له، يعطي الطابع أو الناشر حق منع غيره من طبعه ونشره بين الناس كحكم شرعي، من أجل أنه قد طبعه هو من قبل أو نشره، ومع ذلك فأكرر القول أنه: إذا أصبح العرف العام بين الطابعين والناشرين يوما يقرر أن مجرد طبع كتاب من فلان أو نشره منه يجعل له وحده حق إعادة طبعه أو نشره إلى كذا من السنين فإني أرى التزام ذلك العرف، وعدم الخروج عليه إلا بعرف مثله، والله سبحانه أعلى وأعلم.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.