المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إلى سيدي (سعيد فودة) و(بلال النجار)



مرتضى علي عزت
26-11-2005, 17:26
يقول المفكر المغربي (عبد الله العروي) في كتابه (مفهوم العقل):

(لا يكفي، للحكم على أثر المنطق في الفكر الإسلامي، أن نحصر الكلام في المضمون فقط، لا بد لنا من الالتفات إلى ظروف التلقين، سيما ونحن نعلم ما دار حول ذلك من نقاش حادّ منذ القرن الماضي وإلى يومنا هذا في كل البلاد المتقدمة. لا ينفصل أبداً المنطق عن طرق تلقينه. نجد عند طه حسين في كتابه الأيام صفحات ممتعة وعميقة حول ظروف التعليم في الأزهر. والدلالة في شهادة طه حسين هي أنه كان يتعلم المنطق رغم أنه كان لا يبصر. كان إذن متساوياً مع زملائه المبصرين. لم يكن إذن المنطق المدروس آنذاك يتطلب أكثر من تصور القضايا في الذهن والحفظ لأن الأمثلة كانت كلها مأخوذة من اللغة. هل يتصور هذا في قاعة درس عصرية؟ إذا كان المنطق يدرس على الطريقة الأزهرية كيف نتعجب إذا استعمل أساساً في الجدال والخطابة والنقد؟ وكيف نتعجب إذا بقيت المعارضة له حيّة تستغل نفس الاعتراضات التي فاه بها اللغويون والنحاة منذ البداية؟
لننتقل من الأزهر إلى معهد تعليمي أوروبي، نلاحظ على التوّ أن لا أحد يتصور تلقين المنطق بدون رسم أو خط، أي بدون كتابة وبدون لجوء إلى رموز عددية أو هندسية. وندرك في الحين كيف أمكن لهذا المنطق الذي لا يكتفي بالعبارة الشفوية أن يتطور من منطق شكلي أو صوري إلى منطق رمزي. فالرمز هو الذي يظهر ما خفي من علاقة المنطق، وبخاصة في شكل البرهان، بالرياضيات، وبالتالي يوضح أنه لغة فوق اللغات وبالتالي لا يتأثر في شيء بالاعتراضات التي تنبثق من تفحص إحدى اللغات الطبيعية، أي النحو فيما يخصنا. فعدم انتشار الملكة الكتابية وضيق رقعة الترميز، إذا كانت الأمثلة تعتمد على حروف هجائية منطوقة فقط، كل هذا، الناجم عن أوضاع اجتماعية معينة، منع الأنصار والخصوم من الاهتداء إلى الطريق المؤدي إلى تطور مستمر. والدليل على ما نقول هو سكوت متّى على ما قرره السيرافي من أن: "لا سبيل إلى إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها". و: "ليس في قوة اللفظ من أي لغة كان أن يملك ذلك المبسوط (العقلي) ويحيط به". يكفي أن نبدل اللفظ بالرمز لكي يرتفع الامتناع ويتطور المنطق إلى درجة أعلى. إلا أن مثل هذا التطور لم يكن وارداً في إطار ثقافة شفوية وفي مجتمع غير متجانس.
لو تصورنا أن المسلمين عرفوا المنطق لا كعلم مستقل عن المحيط الثقافي، بل كعبارة عن الواقع اليوناني، فقاموا بتحقيق نص المسند الأرسطي في عملية جماعية لا تتوقف وتظهر باستمرار وفي كل مرحلة مرحلة مستوى أشمل وأعمق من تلك الأرضية الثقافية، لتمّ لديهم بالضرورة تفكيك المسند إلى مكوناته، ولتجلّى ارتباط كل كتاب من الكتب الثمانية بمجموعة معينة من المعارف المكتسبة طيلة القرون السابقة، ولما ظهر لهم كشكل من أشكال الكائن المختلفة كما تصور ذلك المترجمون والشراح الأوائل، وجلهم نصارى ورثوا هذا التأويل عن أسلافهم، ولاتضح كذلك أثناء التفكيك اتصال كتاب البرهان بالرياضيات، ولظهر بالتالي أن ما يجب القيام به ليس التعريب، إبدال كلمة بأخرى، بل الترميز، إبدال فكرة برقم أو تخطيط. هل يتصور أحد أنه يمكن أن تحل السبّورة محل اللوح، والتباشير محل القلم، والمقعد محل الحصير، والمدرسة محل الزاوية أو المسجد في ظروف غير هذه وبدون هذه المسبقات الفكرية والثقافية؟
---------------------------------
ما تعليق سيداي (بلال النجار) و( سعيد فودة) على هذا الكلام.