المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القسم الثاني من التعليق على إشكالية فهم النص القرآني



بلال النجار
22-11-2003, 02:04
بسم الله الرحمن الرحيم

قال فادي: (فكيف سيفهم القرآن؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال أحب أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن الإشكال المطروح يحوي إشكالاً آخر، وهو أن القرآن يحمل حكمين في ذات المسألة، أي أنه بناءا على آليات فهم الخطاب التي ناقشناها سيبدو أن في القرآن تعارضا ظاهريا وهو ما لا يمكن وجوده في خطاب الله)
أقول: حقُّ كلامِه أن يكون (سيبدو أن في القرآن تعارضاً حقيقياً) لأن التعارض الظاهريّ أعني بادي الرأي، أو الموهوم حاصل بالفعل، وهو ليس بتعارض للإجماع على استحالته. وقول فادي من الآن وحتّى ينتهي نقاشنا معه مقبول مقصوده الصحيح عندنا على المسامحة. فالعذر حقّ له لما بان من قلّة تدقيقه حتّى اللحظة. وها هو يجازف بالحل. وليت شعري أليس قبل سطور قال: (وإذا كان الخطأ جائزا على الصحابة فلا حجة في قولهم). أما هو فتصوّره للحل سيكون لكم أيها المسلمون فصل الخطاب. لأن فادي لا يجوز عليه الغلط. أفهكذا تورد الإبل؟
إنّ أهل السنّة يقولون من قبل أن تفيض عليهم: إنّ كل من لم يجب له الصدق، جاز عليه الخطأ. ولكن مجرّد جواز الغلط ليس بداعية كافية لردّ الكلام. وهذا موقف سقط فيه الشّيعة القائلون بعصمة الأئمة أيّما سقوط. ومن جاز عليه الغلط عندنا فلا تقبل منه القضايا إلا مقترنة بالدليل. وعليه فالمسوّغ الوحيد عندنا لقبول القضايا أو ردّها هو مقدار علميّتها، فكلّما قوي الدليل ازداد اعتدادنا بالمدلول. وكلّ ما قام عليه الدليل القاطع اندرج في العلوم، وكلّ ما ثبت علماً فلا يجوز عندنا القول بخلافه. وأمّا القضايا التي قامت على إثباتها أو نفيها أدلّة ظنيّة، فالخلاف فيها سائغ، ولكن بشروط وقيود وليس على إطلاق هذا القول كما هو مبحوث في محلّه.
وعلى أيّ حال، لنعد إلى الإشكال الذي طرحه. وهو في الحقيقة إشكال مبني على قضيّة وهميّة، وهي وجود تعارض في القرآن الكريم، أو قضيّة غير مسلّمة عندنا مفادها أن القرآن الكريم قد يحمل حكمين في المسألة الواحدة. فأي مسألة هذه التي تعلّق بها في كتاب الله تعالى حكمان. أهي مسألة عقائديّة أم عمليّة؟ فليأتنا بها حتى ننظر فيها.
وإن كان قد بنى كلامه هذا على المثال الذي قدّم به كلامه في صاحب الكبيرة على ما يظهر. فنقول:
علينا وقبل أن نجيب عن سؤالك أن نستثني كلّ خبر في القرآن من حيث هو كذلك. لأنّ الله تعالى يستحيل أن يخبر بأمر يناقض ما أخبر به في موضع آخر. لأن النقيضتين لا تصدقان معاً ولا تكذبان معاً. فيلزم أن يكون خبره في إحداهما صادقاً وفي الأخرى كاذباً، والله تعالى يستحيل عليه الكذب لقيام البرهان على صدقه. هذا خلف. اللازم فاسد فالملزوم مثله. فثبت استحالة التعارض في أخباره. وأما الدليل على وجوب الصدق له تعالى، فقد قررته بعدّة وجوه أثناء نقاشي مع الأخ الفاضل إسماعيل حمّودة وفقه الله قبل شهور وهو موجود في المنتدى، فليرجع إليه من أراد الاستزادة.
فصاحب الكبيرة إن كان مؤمناً فهو إما خالد في النار أو ليس بخالد فيها. ولا ثالث بين النفي والإثبات. وكما يستحيل اجتماع هذين الأمرين على القابل لهما، فكذا يستحيل ارتفاعهما عنه، لكون القضية المسلّمة ههنا منفصلة حقيقيّة أي مانعة جمع وخلوّ. فإذن الحق في هكذا مسألة لا يمكن أن يتعدد. ونحن ندّعي أن كلّ من خالف قول أهل السنّة فيها، فقد نظر نظراً فاسداً. فليقرر لنا المخالف استدلاله. وعلينا إظهار فساده. وأنت إما أن تسلّم قولنا فلا يصح بعدُ الاستناد إلى هذه القضية فيلزمك لتثبت الحكم بتوارد حكمين ثابتين في القرآن على محلّ واحد أن تأتي بدليل آخر. أو لا تسلّمه فتنتصر لقول المعتزلة بدليل، ونأتيك نحن بنقضه. فماذا تقول في ذلك؟
أما في آيات الأحكام أي العمليّة، فإنا نقول: الحق عند الله تعالى واحد لا يتعدد مطلقاً خلافاً للمصوّبة كما هو مقرر في محلّه. فإن قلت فماذا نفعل بالتعارض؟
أقول: قبل ذلك، أريدك أن تدقق في عبارة العلامة المحقق صاحب جمع الجوامع حيث يقول: "يتحصّل من النصّين المتعارضين" أي ظاهراً "ستّة وثلاثون نوعاً" أي من أنواع التعارض "لأنّه لا يخلو إمّا أن يكونا عامّين أو خاصّين، أو أحدهما عامّاً والآخر خاصّاً، أو كلّ منهما عامّ من وجه خاصّ من وجه. فهذه أربعة أنواع كلّ منهما ينقسم ثلاثة أقسام. لأنّها إمّا معلومات أو مظنونات. أو أحدهما معلوم والآخر مظنون. يحصل اثنا عشر. وكلّ منهما إمّا أن يعلم تقدّمه أو تأخّره، أو يجهل. فيحصل ست وثلاثون".
وهذه الطريقة من النظر التي اتبعها علماؤنا، وهي القسمة التامّة في كلّ مسألة، لتحصيل جميع الاحتمالات الممكنة، ثمّ البحث في كلّ احتمال، هي برأيي سر من أسرار الثّقة الكبيرة الموجودة عند أهل السنّة الأشعريّة، فهم حين يبحثون المسائل مع الناس تراهم لا يستغربون قولاً، وإن لم يكونوا قد بحثوا في نفس المسألة بالذات، فإنهم تكلّموا في كليّاتها على الأقل، وكثير من الناس ممن ليس لهم خبرة بكتب أهل السنّة يستغرب هذا الكلام حين نقوله، وربما يخطر ببالهم بعض الأفكار، ويظنّون أنها فتح لم يسبقوا إليه، وأن كلّ الناس كانوا عنه من قبله غافلين. ويكون في الواقع أمراً معروفاً ومتقرراً ومبحوثاً ومدوّناً منذ زمن بعيد. وقد مررت بذلك شخصيّاً في بداية قراءتي للكلام، ثم انحلّت في ذهني هذه العقدة كما سأذكره الآن. وليكن هذا الاستطراد حاشية على قول فادي: (لكن إذا أتينا إلى واقع الحال فإننا سنصطدم بكثير من المسائل التي لا يعلم لأحد من الصحابة خوض فيها) اهـ مثل ماذا يا فادي؟
إن سبر الاحتمالات بالقسمة أمر عقلي محض، وإذا تعلّقت المسألة بأمر نظريّ محض لا يتوقّف تحصيله على توفر أجهزة القياس أو تطوّرها، فلا شكّ أن الباحث سيجد فيه تطوّراً كبيراً جدّاً عند القدماء. بل إنهم كانت عندهم علوم ومواهب ليست موجودة لدينا اليوم، وإني والله أرى كلّّ الضجّة الفلسفيّة القائمة في العالم اليوم هي تكرار لما بحث في الماضي، ويندر أن يضاف شيء جديد حقيقي، وإن الذين يمكننا أن ننظر في مقالاتهم بالإعجاب والتقدير قليل ما هم، من بين كثير من أدعياء الفلسفة والنظر والتجديد فيها أو في الدين. ثم إنّي لا أفتأ أقول إنه من الغريب النظر إلى الصحابة على أنّهم مجموعة من الناس المنعزلين فكريّاً عن كلّ ما سبقهم من الأفكار، وكلّ ما يعاصرهم من الثقافات كأنّهم سقطوا من السماء. فلا تكاد تتكلم بشيء إلا وترى من يقفز لك ليقول إن الصحابة لم يعرفوا بذلك، أو لم يشتغلوا به وغير ذلك من المقالات الغريبة. ثمّ إن زمانهم كأي زمان، ما يدوّن من تفاصيله شيء يسير بالنسبة إلى تفاصيله الهائلة.

وعلى أي حال، فقد حقق العلماء هذه التعارضات الظاهريّة بين آيات الكتاب أيّما تحقيق، وبحثوا فيها بأقصى ما وسعهم. وكذا بين الآثار. وبين الكتاب والآثار. وما عليك إلا أن تأتي لنا بما تستشكله مما يبدو لك متعارضاً لنرفع عنه الإشكال إن شاء الله تعالى. وستجد أن حلّنا للتعارض سيكون مبنيّاً على الأدلّة الشرعيّة، وليس متأثراً ببيئة وثقافة معيّنة أو غيره مما حاولته فيما سيأتي.
ولنعد، فإذا تقرّر أنّه لا تعارض بين نصوص الكتاب، أو نصوص السنة، أو بين نصوص الكتاب والسنة حقيقيّاً في نفس الأمر. فيكون التعارض موهوماً. وإشارتك إلى أنّ آلات فهم النصوص تتيح فهوماً متعدّدة. حسناً دعنا نتكلّم فيها. لنا عند سلامة الآلات والنظر باستعمالها نظراً صحيحاً عند اتحاد الجهة، والمحلّ، والزمان. فلا نسلّم تعدّد النتايج. سلّمنا إمكان تعدد النتايج بتعدد المذكورة، ولكن لا نسلم مساواة الدليلين في الثبوت والقوّة. سلّمنا المساواة. فلا نسلّم عمومهما. سلّمناه. فلا نسلّم عدم إمكان حمل أحدهما على القيد والآخر على الإطلاق. وإن كانا خاصّين فمثله. وإن كان أحدهما خاصّاً والآخر عامّ فالأمر هيّن. وخلاصة هذا البحث الصغير أن قواعدنا مقرّرة فأتنا بما تعدنا من التعارض لنحلّه.
ثمّ أقول إما أنّك تعتقد بوقوع التعارض بالفعل أو لا. فإن كان الأول فبيّنه لنحلّه. وإلا فإنك لا بدّ أن تسلّم معنا الثاني. والحلّ عند وجوده ظاهراً هو فيما ذكرنا في المقالة السابقة وهذه على سبيل الإجمال.
ثمّ إن غاية ما يمكن سؤاله ههنا: ماذا لو تساوى دليلان من كلّ وجه فما العمل؟
فنقول إن كون هذين الدليلين في أصول الدين ممنوع. فيكونا في الفروع. ثمّ إنّ ههنا أمر آخر، وهو أنّه لا يمكن أن يكون الدليلان قطعيين. لأن العلوم لا تتناقض بالاتفاق. فههنا حجيّة دليل المعلّل توجب له المعذريّة. ويكون دليلنا وارداً عليه على سبيل معارضة قطعه بدليله إن ادعاه. وإن لم يدّعه أجاز كلّ منهما العمل بدليل الآخر لغيره. وهو الحاصل في الخلافات الفقهيّة وغيرها بين العلماء كما هو معلوم. بل التسامح عندنا يتجاوز ذلك ليشمل من لديه شبهة دليل. فترى القضاة لا يحدّون المتمتع للشبهة مع قولهم بأن المتعة زنا. وعلى أي حال، فكلّ هذا جار بين من يجوز لهم الاجتهاد وله ضوابطه المشروحة في كتب الأصول، واعتبر المجتهدون في ذلك لا من هو دونهم لأنّ ظهور الدليل وظنّ الأحكام ليس بمعتبر إلا عندهم. ولا يجوز لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد أن يعمل بظنّه. كما هو معلوم.
وحاصل الجواب عن هذا الإشكال، أن التعارض المذكور إما أنّه محلول بالترجيح قطعاً أو ظنّاً. الأول واضح. والثاني الاختلاف فيه سايغ، فيعتبر فيه ظنون أهل الاجتهاد. مع قولنا إنه لا تعارض في الحقيقة، وقولنا إن ذلك لا يكون في أصول الدين بل في الفروع.
ونرى هذا الأمر من خصائص شريعتنا لحكمة التوسعة على الخلايق، والحث على الاجتهاد، ونقطع بأن مراد الشارع أن تكون الشريعة على هذا القدر من احترام الحريّة الفكريّة. فالمجتهد عندنا يحرم عليه التقليد. ويجب أن يستقل بالنظر. وحكم الله في حقّه هو ما ظنّه الصحيح في المسألة. وله أن يرجع عن حكمه إذا ظهر له في القابل شيء آخر أقوى من الأوّل. وحكم الله تعالى في حق مقلّده هو حكمه في حقّه. وقد يستفتيه اليوم رجل في مسألة فيفتيه بشيء، ثم يظهر له خلافه، فيستفتيه آخر في نفس المسألة فيفتيه بالجديد، ويبقى الأول يعمل بما أفتاه به طوال عمره، والآخر كذلك. وكلّ منهم عابد لله مأجور. ولو أراد الشارع أن يكون الناس كلّهم على قول واحد لنصّ على كلّ مسألة مسألة. والله تعالى أعلم.

قوله: (وهذا سينقلنا إلى سؤال آخر وهو: هل يمكن أن يحمل القرآن حكمين على ذات المسألة من غير أن يكون فيه اختلاف!)
أقول: الاختلاف الذي نفاه الله تعالى في القرآن الكريم جاء في معرض الاستدلال على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم. وقد بحث المفسرون في معنى هذا الاختلاف ووجوهه الكثيرة، ولا أريد أن أعرض له ههنا لكي لا يطول البحث. فأرجو أن يرجع للتفاسير لتحصيل ذلك.
ثم أقول: إن سلّم أن من الاختلاف المنفي عن القرآن تعدد الأحكام المشار إليه ههنا، فأجيب بأنّ القرآن الكريم ليس فيه اختلاف قطعاً. وبيانه أنه ليس هو نفسه الذي يحمل حكمين في نفس المسألة التي قلنا إنه يجوز أن يقع فيها الاختلاف بين العلماء. ولكن الشارع أراد حصول الاختلاف في الفهم، ليحصل الاختلاف في الحكم. بدليل أنّه أجازه، وقعّد له. وعليه، فيجوز أن يتعدد فهم القرآن المستلزم لتعدد الأحكام في الفروع، ولا يلزم من ذلك أبداً صحّة جميع تلك الأحكام وإن اعتدّ بالأفعال المرتكبة على وفقها، ولا يلزم أنّ حكم الله تعالى في تلك المسألة متعدد. أو حتّى أن القرآن الكريم نفسه يحكي جميع تلك الأحكام في نفس الأمر. بل غاية ما يلزم أنّه يتوارد على ذلك الموضع من المجتهدين عدّة مظانّ. ولمّا جاز العمل بظنّهم جاز اختلاف الأحكام. وقولنا إنّ الآية تُفهِم هذه الأحكام جميعها فليس ذلك في نفس الأمر، بل نعني بذلك أن الآية تحتمل أن يكون المقصود منها أحد هذه الأحكام، بمعنى أنّها يصحّ أن تظنّ تلك الأحكام منها. ولمّا استحال كون هذه الظنون جميعها صحيحة لاستحالة تعدد الحق في نفس الأمر، فإنّا لا نقول أبداً إن القرآن الكريم يثبت حكمين أو أكثر على الحقيقة في المسألة الواحدة.
ثمّ دعني أسلّم لك أن القرآن بالحقيقة يؤدّي حكمين أو أكثر في نفس المسألة، فعند ذلك لمَ لا يقال إن هذه الأحكام المتكثّرة مقصودة بالذات للشارع، فتكون كلّها صحيحة على قول المصوّبة. وعندها لا يضيرنا هذا الأمر، لأنا نقول عندها إن حكم الله تعالى في هذا المسألة واحد هو هذا التعدّد. وإن سمّيته أنت اختلافاً، وسلّمنا لك هذه التسمية أصلاً، فلا نسلّم أنه من أنواع الاختلاف التي نفاها الله تعالى عن كتابه. فتدبّر هذا الكلام الرائق. وإن أردت أن تناقش المسألة أكثر، فإن ذلك مما يسرّني، إذ لدي وجوه أخرى تتدافع الآن إلى ذهني لأثبتها، وأضرب عن ذكرها صفحاً خشية التطويل. وأختم التعليق على هذا الموضع بكلمة، هي أني أستغرب منك ومن كثير غيرك ممن يحاولون تصوير الخلاف بين العلماء بطريقة توهم أنّ الدين لا يعرف رأسه من رجله، وقد ضاع الحق وتفرّق ولا يعلم أين هو، ولذا فإن علينا أن نعيد النظر لصياغة جميع مسائله، ونحكم فيها أحكاماً تتناسب مع فهمنا الموضوعي وظرفنا التاريخي. وهذا في الحقيقة مغالطة كبيرة جدّاً. ويمكن معرفتها بالبحث عن جواب سؤال صغير، وهو أنه من المعلوم أن أئمة الدين المقلَّدين لهم أقوال في الأغلب الأعم من المسائل الاعتقادية والعملية وفي جميع المسائل التي احتيج إليها في عصرهم مما عرض عليه. وعصرهم لا يختلف كثيراً عن عصرنا كما يحاول البعض إيهامه. فكم عدد المسائل التي قال فيها أحدهم إنها حرام والآخر قال إنها حلال. وكم مسألة قال فيها عالم بقول وكفّره أو فسّقه أو بدّعه عالم آخر... وما هي تلك المسائل، وكم بلغت من الأهميّة والانتشار في حياتنا اليوم.
هل فعلاً وجوب احتجاب المرأة أمر مختلف فيه بين العلماء، بحيث لو بعث الأئمة والصحابة الآن من قبورهم ومشوا في شوارع العواصم العربية والإسلاميّة ورأوا هذا السفور والتشليح المقرف في الملابس الذي يصممه مصممون أكاد أحلف أنه ليس لأحد منهم أخت أو زوجة أو ابنة يغار عليها، سينظر هؤلاء الأئمة إلى ذلك بعين الرّضا، ولا يجدون في أنفسهم غضاضة ولا حرجاً. ويهزون رؤوسهم أن الحمد لله هذا هو دين الله الذي أمر؟ إن كلّ واحد يعلم من نفسه علماً ضرورياً بأنّ ذلك ليس صحيحاً.

قوله: (قبل الإجابة عن السؤال المطروح دعونا نطرح سؤالا آخر وهو: إذا كان النص واحداً فلماذا اختلفت الفرق في فهمه؟)
أقول: وحدة النص لا تقتضي فهماً واحداً ليسأل عن ذلك. فإن اختلاف الفهوم أمر طبيعي. لأن الفهم وصف للفاهم. وليس صفة للنص فلا يستغرب اختلافه. ولكنّا نقول إن النصّ في سياقات الشريعة كوحدة متكاملة فهو في حالة بحيث يلزم من العلم بمعناه الوضعي العلم بأمر آخر. ثم إن الأصل أن يكون هذا المعنى المدلول واحداً. ولكننا أيضاً لا نجد إشكالاً في قول من قال بتعدد حتى ذلك المعنى على ما بيناه سابقاً عند الكلام في أنه هل يجوز أن يكون للنص حكمان. وسنناقش الأمر أكثر فيما يلي، ولكني ههنا أحببت التنبيه على الفرق بين أمرين فهم الفاهم، ومدلول النص في نفس الأمر.

ثم قال: (إن آليات فهم النص تتحدد بعدة أمور)
أقول: إذا سلّمنا أن للنص في نفس الأمر معنى معّيناً سواء كان واحداً أو متعدّداً، ولنسمّه المعنى المقصود بصرف النظر عن وحدته وتعدّده، فالسؤال المهمّ والذي يجب أن يتأمل مليّاً وتدقّ عنده الأوتاد، هو أنّه هل ثمّة أداة للفهم تكون مشتركة بين جميع المكلّفين وتكون مستقلّة وموضوعيّة كما يسمّونها في هذا العصر وتكون في نفس الوقت مطلقة الصحّة إذا تمّ لها استدلالها وفق قواعد الصحّة المتّفق عليها. أنا أقول نعم. وهو الأصل. وأزيد بأن ذلك هو أنسب أداة بل هي الوحيدة التي يسوغ أن يتعلّق بها التكليف، لأنّه بها تتساوى فرص المعرفة أمام المكلّفين. وهذه الأداة هي العقل المحضّ أولاً وهو واحد في كلّ عاقل. ثم القدر القطعي من علوم الآلات، الذي هو في الحقيقة مبدأ لكلّ العلوم. وكلّ عقل محض فبوسعه أن يحصّل تلك الأدوات. وهنا يحصل التفاوت بين المكلّفين بمقدار تمكّنهم وتملّكهم لتلك الآلات. ثمّ إنّ تعميق فهمنا للنص المطلق المنزه عن التعارض يكون بتقدّمنا في العلوم، فكلّما زادت علومنا ازداد القدر القطعي من الآلات والمعطيات التي يمكننا أن نفكّر في النصّ من خلالها أو باعتبارها وبهذا يكون فهمنا لهذا النصّ أعمق وأشمل. وهذا أيضاً قدر يتفاوت فيه البشر.
لا يقال التفسير القديم ليس صحيحاً والتفسير الصحيح هو تفسيرنا اليوم. إذ كلّ منهما استند إلى نفس قواعد الفهم. بل أقول إن الفهم الجديد لا يمكنه إذا كان منبنياً على نظر صحيح أن يعارض الفهم الأوّل، ولكنّ الأول إما أنه يكون قد تناول جهات دون أخرى، وهذا الجديد راعى تناوله للجهات التي أغفلت، أو أن الأول مجمل والثاني مفصّل...إلخ. والحقيقة أن هنالك كلام كثير جدّاً يمكن أن يقال ههنا. والمقصود من هذا البحث الصغير هو أنّا نستطيع أن نفكّر في أمور كلّية على مستوى أعلى بكثير من الذي ستقرأونه الآن في كلام فادي. ثمّ إني أدعو فادي والإخوة القرّاء إلى تناول بعض الكتب التي تتكلّم في البلاغة القرآنية أو الإعجاز أو أصول التفسير، أو مقدّمات بعض التفاسير كعشر مقدّمات الإمام العلاّمة ابن عاشور قبل شروعه في تفسيره التحرير والتنوير. وأنا أعد كلّ من يفعل ذلك أن يجد نفسه أمام عقول كبيرة، ومستوى عال من الفكر في تناول الكليّات... فتأملوا كلامه:

يقول: (منها الثقافة التي فهم القارئ النص من خلالها بالإضافة إلى نفسية القارئ التي تتعامل مع النص ثم طبيعة النص ذاته، فعلى سبيل المثال الثقافة التي يبرز فيها مفهوم الظلم المفتعل من قبل أصحاب السلطة سيؤدي بالضرورة إلى إفراز نمطين من الناس من يعاني من هذا الظلم ومن يؤيده وفي حالة أن كان الطرفان يستندان إلى مرجعية واحدة فإن كل فريق سيحاول أن يجد في هذه المرجعية ما يدعم موقفه، وسيقرأ في النص رأيه هو، وقد يقرأ بعض من يتعرض للظلم الرأي المقابل إذا اشتد الظلم عليه لتبرير استكانته وتخاذله)
أقول: نعم يمكن أن يسقط الإنسان ثقافته وأهواءه ومآربه على نصوص الشريعة وخصوصاً القرآن الكريم، ويحاول أن يقرأها قراءة معيّنة توهم أن المراد منها هو الفكرة التي يطرحها أو يدعو إليها. وماذا يضير الدين في ذلك. ألا ترى كلّ محاولات الحكماء لتجيير الدين لصالح مقالاتهم، وكذا ضلاّل الصوفية، ومثله يتجلّى في تفاسير الشيعة الإمامية، وحمقى أدباء هذا العصر الذين يحاولون تطبيق معايير النقد الأدبي الغربية على النصوص القرآنية حذو القذّة بالقذّة، ومنهم من ينظر إلى القرآن الكريم كمجموعة من القصص والمقالات التي ليست سوى حلقة من حلقات التراث الفكري الإنساني في رحلة تطوّر وعيه وبحثه عن الحقيقة، فيساوي بينه وبين الإنياذة والأوديسة وجلجامش والشاهنامة وغيرها من الملاحم والأساطير... فليغنّ كلّ على ليلاه. فالقافلة تسير والكلاب تنبح. لأنّ كلّ قول غير مأصّل وغير مقترن بدليل له وجهه فسوف ينتهي به الأمر إلى مزبلة التاريخ، وسيندثر ولن يلتفت إليه أحد. والأدلّة على ذلك من التاريخ لا تكاد تحصى.
وقصارى الكلام، فليقل كلّ من يشاء ما يشاء، ولكن من يقدر على إثبات مقالاته هو الذي سيخلّد. وبكل موضوعيّة، وأمانة، وبلا تعصّب أقول: لا يظنّ ظانّ أني أنا المتكلّم مثلاً قد ولدت فوجدت نفسي أترعرع في المساجد، بل لقد تقلّبت على جمر طوال سنوات وسنوات وأنا أبحث عن الفكر الذي يمكنني أن أحمله بعزّة، وأدافع عنه دفاع المستميت، حتّى انتهى بي المقام على قول أهل السنة والجماعة من الأشعريّة، وحين أقابل مقالاته بمقالات مخالفيه وخصوصاً الاتجاهات غير الدينية في حقيقتها أرى أصحاب تلك المقالات كالعصافير الصغيرة في أيدي السادة العلماء. ولكن الحال أن تلك العصافير لها صياح عال يلفت الأنظار، وتقلّبات في يد القابض عليها تستدر عطف بعض مشاهديه للانتصار له.
والجواب عن كلامك يتلخّص بكلمة واحدة، وهي أنه سلّمنا أن أصحاب المآرب يحاولون فهم الدين بحسب تلك المآرب، من حيث يشعرون بذلك ويقصدون إليه أو من حيث لا يشعرون ولا يقصدون أي في لا وعيهم كما يطيب للبعض أن يسمّيه، وهي تسمية تحتاج إلى تحقيق. فإنا لا نسلّم إمكان إثبات كلّ مدّع لدعواه، بل نقطع بأنه إذا سلّطنا معايير النقد على هذه المقالات فإنها ستتهاوى تحت معاولنا. فماذا يريد فادي من هذا الكلام، هل يريد تبرير مقالة كلّ قائل مهما كانت خاطئة، لمجرّد أن قائلها يرى أنّها صحيحة. إن كان هذا ما يريده فلا أظنّ عاقلاً في العالم يوافقه على هذا الكلام. لأنّ هذه النسبيّة والعنديّة لا ينصرها غير فرقة منبوذة من السفطائية. وإن كان يوحي لنا بغير ذلك فليبيّنه لنعطي رأياً فيه.

قوله: (وفي المسألة المفروضة فإن الطرف الذي يشعر بقسوة الظلم سيسترعي انتباهه النص الذي يتكلم عن تخليد مرتكب المعاصي في النار .. إلى قوله: مبرراً للاستكانة والتخاذل)
أقول: لو كنت في رائق زماني الفائت حين كنت أطرّز القصص، وأديلكتكها لكتبت مسلسلاً تدور أحداثه حول هذه الفكرة. فبأدنى نظر نعرف أن هذه قصّة فيلم هندي وليست ضابطاً لاستنباط الأحكام من نصوص الشريعة. وكلامه كلّه معارض بالكثير من الشواهد على مظلومين ومقهورين لم يتعلّقوا بالنصوص التي يجب أن يتعلّقوا بها من وجهة نظر فادي، وكذا هنالك كثير من أصحاب السلطان قد تبنوا المواقف والعقائد التي تتعارض مع أهوائهم ومصالحهم الشخصيّة. وأقلّ ما يسأل عنه ههنا: كيف تريدنا أن نستخرج من هذا الكلام قواعد منضبطة لفهم الشريعة. أي هل لك أن ترينا كيف نفعل ذلك؟ ثمّ إن كنت قد سقت هذا الكلام لتبرير مواقف الناس الاعتقادية أو العمليّة، فلا نرى في كلامك قاعدة منضبطة يمكن تسليمها كعلم. والنفس الإنسانيّة أعقد بكثير مما حاولت تصويره ههنا. أما أن يسوّغ التفسير بناء على حالة المفسّر، أي وجهة نظره من حيث ما هو جزء من تركيبة اقتصادية اجتماعية ثقافية ... إلخ مخصوصة، فأنا أطلب منك أن تقرر قضاياك في الاستدلال على جواز فهم نصوص الشريعة بحسب ما يقتضيه كلّ عصر من مصلحة أو منفعة فرديّة أو عامّة، وسأريك كيف أهدم لك هذا الكلام من أركانه. أريد فقط أن أستمتع بقراءتك تستدل على جواز ذلك، ثم يكون لي الحديث.

ثم قال: (هذا بالنسبة إلى العامل الأول مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الثقافة ...إلى قوله: بل في شعوره كذلك.)
أقول: لم يزد ههنا شيئاً جديداً يستحقّ الكلام عليه. فلا يزال يدور حول أثر العامل الذاتي أو النفسي أو البيئة والتربية ومختلف الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بالمفسّر. وقد تكلّمنا في ذلك فلا نعيد.

قوله: (إلا أني لا أقصد إهمال دور النص... إلى قوله: وكما رأينا تعرض لتأويلات مختلفة جعلته يظهر وكأنه فقد صفة البيان التي نسبها لنفسه)
أقول: هذا الكلام ليس صحيحاً، ولا يسلّم أبداً. فالقرآن الكريم مبين عن نفسه بالتشكيك كما حقّقناه، والفهوم المتفاوتة في شموليتها وخصوصيتها وكلّيتها وجزئيّتها لا تتعارض تعارضاً حقيقياً كما أثبتناه إذا كانت فهوماً صحيحة، فلم يفقد هو مطلقاً صفة البيان. وتعارض الفهوم سببه فساد بعض الأنظار.

يتبع... والعذر إذا كنت أتأخر في الكتابة فالبكاد أجد وقتاً لذلك في أواخر رمضان، بارك الله تعالى لنا في أوقاته. وأنا والله أفترص الفرصة لأكتب بعض الملاحظات ثمّ أنشغل، ويمكن لفادي أن يبدأ بالإجابة والمناقشة ولا اطلب منه انتظار كلّ ما سأقوله. فسأوافيه بكلّ ما يريد وزيادة، فلا يعجل عليّ. ثمّ إني في شوق لقراءة رأيه وتحقيقاته فيما كتبنا.
وصلّ اللهمّ على سيّدنا العظيم محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم
ملحوظة للإدارة: لقد وجدت خيار إضافة رد ملغى من مقالة فادي فلم ذلك؟

fadilov
22-11-2003, 22:10
الأخ المِفضَالُ بلال

اعلم أني قد شرعت في كتابة رد على ما تفضلت به من تعليق على المقالة إلا أنني توقفت عن إكماله بعد أن رأيت الموضوع مقفلا، وقد سرني أنك تابعت الرد وفتحت الموضوع من جديد، وإن كنت أعجب كما عجبتَ عن سبب إلغاء خيار الرد؟
وفبل الشروع في التعليق على جوابك أرغب في شكرك على الوقت الثمين والجهد الكبير الذي وهبته للرد على المقالة في زمنٍ كثرت في المشاغل، وهذا إن دلَّ على شيئ فإنما يدل على فضلك وحرصك على نصرة دين الله والله أعلم. وأشكر كل من شارك بتعليق مفيد وأخص بالذكر الأستاذ. وها أنا أشرع بالجواب فأقول:

قلتَ (قوله: (فهي واضحة لا تحتاج إلى شرح كثير)، ليس صحيحاً البتّة، بل لقد صارعوا الأمرّين مع أهل السنّة لقولهم بذلك)
ماذا تقصد بقولك "لقولهم ذلك" إن كنت تقصد قولهم بخلود مرتكب الكبيرة، فليس هذا هو الواضح الذي لا يحتاج إلى شرح كثير عندهم، فلا يستقم لك الاعتراض، وإن كنت تقصد أنهم صارعوا الأمرين لتفسيرهم هذه الآية الكريمة على وجه التحديد بما قالوه، فهلا بينت لي أين صارعوا الأمرين إذ فسروا الآية بما ذكر؟

قلتَ (وانظر كم يحتجون على هذا الموضع ويحتجون لكي يتم لهم كلامهم الظاهر الضعف)
والله إني لأعجب كيف تطلق القول بظهور الضعف في كلامهم، ثم لمن ظهر هذا الضعف أللعلماء فهل تظن أن ظهور ضعفه سيخفى على مثل القاضي عبد الجبار والزمخشري؟ أم أنك ستنزلهم عن رتبة العلماء؟ ثم اعلم أن ظهور الضعف أمر نسبي إذ قد يظهر الضعف لشخص ولا يظهر لآخر وذلك إما لسعة علم هذا الشخص أو لجهله، فلا ينبغي أن تطلق الحكم على هذا الوجه.

قلتَ (في مقابل الأدلة المتظاهرة التي تشهد لقول أهل السنة بعدم خلود أهل الكبائر وأهل الصغائر من المؤمنين في النار.)
والأدلة متظاهرة على إثبات قول المعتزلة كذلك. وكل يدعي ما يريد فتأمل!

قلتَ (ويمكننا بحث الموضوع إذا أردت).
هات ما عندك فإني أدعي تكافأ الأدلة في المسألة.

قلتَ (غير أني أنبّه على أن قول المعتزلة بخلود الفساق في النار مشروط بشرطين أولهما عدم التوبة من الكبيرة، والثاني عدم ارتكاب طاعة أعم ثواباً منها. وهذا الشرط يجعل جملة كلامهم في الإحباط مضطرباً. فتأمله.)
لقد تأملته فلم أتبين الاضطراب المزعوم فهلا بينته؟

قلتَ (ومعتمدهم في الاستدلال قوة العموم، إذ أكّد كما أشرتَ بأبداً ففضل غيره من العمومات. وهو عندي ليس بشيء إذ ليس هو في محل النزاع.)
حسن أن خصصت الكلام بقولك "عندي" إذ قد ينازع في ذلك بعضهم.

قلتَ (وبعض أجوبتنا تسلطت على تخصيص العموم فلا أثر للتأبيد وعدمه في توكيد جوابهم عن سؤالنا. وأخرى أوردت الاحتمال فأبطلت الاستدلال، أي لم يعد المعنى الذي يدعونه للآية قاطعاً موجباً لاعتقادهم اليقيني الذي يوجبونه.)
هلا بينت الاحتمال الذي بطل به الستدلال؟


قلتَ (لنا أن الأدلة خصصت عموم الموضوع المحكوم عليه وهو العصاة بإخراج المؤمنين منهم سواء كانوا من أهل الكباير أو الصغاير لانتفاء الخلود عنهم من دليل آخر.)
نعم وأظن هذا أحسنَ أجوبتهم، والإشكال عليه أن ما ظنوه مخصصا لا يصلح للتخصيص ومثاله الآية الكريمة: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، وسيأتي الكلام عليها قريبا. والجواب العام على كل هذه المخصصات المذكورة في القرآن أنها مخصوصة فلا تصلح للتخصيص. ثم إني أرجو منك حتى أزيد في توضيح الكلام أن تذكر الأدلة القرآنية على التخصيص. إذ سيأتي الكلام لاحقا على أدلة السنة وغيرها.

قلتَ (ورد أهل السنة استدلالهم بوجوه أخرى إن شئت استعرضتها وإياك. )
افعل

قلتَ (ولا يظنّ ظانّ أن هذا هو الدليل الوحيد لأهل السنّة على قضيّتهم هذه.)
لم يقل أحد هذا، وأنا أنتظر أن تبين أدلتهم على هذه القضية.

قلتَ (ولكنّا في سائر هذه المناقشة سوف نجاري الكاتب لنحرر مواضع الاتفاق والاختلاف بيننا وبينه، ونبين للقارئ الكريم ما نسلمه من كلامه سواء على إطلاقه أو مع تقييده، وما نعترض عليه بعندنا أو بمجرد الاحتمال القادح في صدق قوله مطلقاً)
أرجو أن ينصب كلامك على الأجوبة والمناقشة العلمية.

قلتَ (إنجازاً لما وعدنا من الملاطفة، فليتنبّه)
تأمل عظيم ملاطفتك "فلا يلزم الحمر المستنفرة شيء منه، فهل دفعت للجمارك شيئاً على كذبك هذا على الله تعالى؟، وحيد قرن دهره، ومن ينعق بخلافه، وكنت آليت على نفسي أن ألتزم معك الأدب، ولكن طفح الكيل بعد أن قرأت ردّك السخيف التافه على المولى جلال الجهاني، أيها التافه، عنك وعن غيرك من المعتوهين أمثالك، أو عن جميع الخلق. وإن كنت رجلاً اقبل التحدّي والمناظرة، لأريك أنك أنت الذي لا يفهم ما يقوله" فهل هذه هي الملاطفة اللتي وعدت بها! وأنا إن كنتُ معتديا فإني ما تفوهت بشيئ يقرب من ملاطفتك، وربُّكَ يقول:"من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان اليهود يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم يقولون عليك السام ففطنت عائشة لقولهم فقالت عليكم السام واللعنة فقل النبي صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في المر كله فقالت يا نبي الله أولم تسمع ما يقولون قال أولم تسمعي أني أرد ذلك عليهم فأقول وعليكم"، على أن ربَّ فادي ربٌ رحيم وخصم فادي خصمٌ كريم فما شأنك بيننا سامحك الله.

قلتَ (أقول: لا يسلّم جوازه، إذ يلزم عند اعتبار ما دون الشرك هو الصغاير، أن يكون الشرك مشتركاً في الكبائر وضد التوحيد، وهو خلاف الظاهر. ولئن سلّم وليس كذلك، فحمل الشرك على الحقيقة أولى من حمله على الاشتراك فيقدّم.)
هذا إن سلمنا أن الشرك حقيقة فيما ينافي التوحيد فقط، وللمعتزلة أن يخالفوا في هذا، أما من حيث اللغة فإنه ظاهر أن الشرك ليس موضوعا في أصل اللغة للدلالة خصوصا على منافاة التوحيد، وأما بالشرع فإن الشارع قد سمّى عظيم المعصية شركا كقوله:" الطيرة من الشرك" وقوله:"بين الرجل والشرك والكفر الصلاة" وذلك عند من يرى عدم كفر تارك الصلاة وهو قول الجمهور. فالشارع الحكيم أطلق الشرك على ما ينافي التوحيد وعلى عظيم الذنب فحمله على أحدهما دون الآخر في الآية الكريمة تحكم دون دليل.
على أنني لو سلمت أن هذا الكلام غير صحيح فلن أسلم لك أن الآية غير متشابهة، إذ غاية ما يمكن أن تثبته هو أن الدلالة في الآية على ما ذكرت دلالة ظاهر لا نص، وهذا الظاهر معارض بظاهر الآية اللتي استدل بها المعتزلة وهي قوله تعالى:" ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا" وتخصيص هذا الظاهر بظاهر معارض تحكم بلا دليل، فإنا إن عكسنا وخصصنا الآية اللتي استدل بها الأشاعرة بالآية اللتي استدل بها المعتزلة لكان صنيعنا بمنزلة صنيع المخالف، فهلا بينت لي كيف يمكن أن تحل هذا التعارض بناءا على أصولك المنضبطة؟

قلتَ (وتمثيله بقوله تعالى (إن تجتنبوا) لا يسلّم تقريباً للدليل...)
أقول ليس هذا الذي فهمتَه هو المقصود من ذكر الآية الكريمة (إن تجتنبوا) وسأبين المراد من ذكرها بيانا شافيا فأقولُ: لو سلَّم المعتزلة أن قوله تعالى (ما دون ذلك) ظاهر في الصغائر والكبائر محتمل التأويل بالصغائر دون الكبائر أو العكس، فإن جميع ذلك أي الظاهر والتأويلان معارض بقوله تعالى: (ومن يعص)، ثم إن قوله تعالى (إن تجتنبوا) قيد عموم آية (ومن يعص) مخرجا الصغائر، وأبطل التأويل الثاني، وظاهر آية (ومن يعص) مؤيد بالتأويل الأول فيقدم على ظاهر (ما دون ذلك)، قلتُ هذا التقرير غير صحيح إذ إن المعتزلة يعارضون ظاهرا بظاهر كما فعل أهل السنة وبينته، وهو لا يصح، وقد أوردت هذا الكلام لأزيد في بيان أن ما ظنه كل فريق محكما إنما هو متشابه، وعذرا إن كانت المقالة قد أفهمت أمرا آخر.

قلتَ (ثم إن دليل أبي القاسم الكعبي هذا بعد تضافر أدلّة ...)
كلام صحيح لا ينبغي أن يفكر بالاعتراض عليه غير أنه غير لازم لي إذ لم أستدل به، وقد بينت لك سبب ذكر الآية.

قلتَ (وخلاصة الكلام أن مراد الكاتب من إمكان فهم الآيتين على خلاف فهم أهل السنّة لهما، وإن قالته المعتزلة، وإن اعتبرت أنت أن له وجهاً، فهو غير جائز ولا مسلّم).
أما خلاصة الخلاصة فهي أن إمكان فهم الآية الأولى وهي (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) على خلاف فهم المخالف مازال قائما.

قلتَ (أمّا الكلام في قلب المتشابه محكماً، وهو متشابهاً فهو مجرّد كلام، ومهاترة).
قد بينت إمكان القلب فهلا رددته بكلام علمي مبتعدا عن ألفاظ الخطابة.

قلتَ (وكلّ إنسان يمكنه أن يقول أي كلام يريد، فها أنت ذا مثلاً تحمد الله أن أسقط التكليف. فهل دفعت للجمارك شيئاً على كذبك هذا على الله تعالى؟)
لا لم أدفع لهم شيئا، ولا كذبتُ عليه جل شأنه وعزَّ قدرهُ سامحك الله.

قلتَ (ولكن قليل هم الذين يستطيعون أن يثبتوا صحة ما يدّعونه. وعلى كلّ فقد أناقش قضية هذا الانقلاب عند الإجابة عن سؤال وحيد قرن دهره كيف نفهم القرآن، حيث اعتبر مناقشته الهزيلة والإجابات الجزئية التي لا يجيب بها المبتدي، بحثاً كافياً...)
سأسامحك في قولك "لا يجيب بها المبتدي" ولكن من أين جئت بأنه اعتبر مناقشته بحثا كافيا وقد جاء في المقالة "وإن كان في المسألة كلام كثير لا حاجة لذكره إذ مقصود هذه المقالة رسم الخطوط العريضة في المسألة المطروحة". فهذا تصريح بأن المقالة إنما رسمت خطوطا عريضة، فهي بالضرورة ليست بحثا كافيا. على أنني أقترح أن نطوي صفحا عن هذا الكلام ونركز جوابنا على المسائل العلمية، بعد أخذ الإذن منك؟ ومثلك أكرم من أن يبخل بهذا الإذن.

قلتَ (قوله: (وهكذا تكون الآية المتشابهة عند أهل السنة هي الآية المحكمة عند المعتزلة والعكس صحيح وبهذا سنكون أمام مشكلة وهي كيف سنفهم القرآن؟ ولماذا فهمه كل فريق على خلاف الآخر؟) أقول: هذا الكلام ليس دقيقاً على إطلاقه. فهنالك ضوابط للتشابه والإحكام، ولا يسلّم قول كل قائل بتشابه الكلام.)
إن كنت تقصد بقولك "بتشابه الكلام" القرآن فالمقالة تدور على عدم وجود الضابط المضبوط ونحن لا زلنا نبحث فيما تدعيه من ضوابط.

قلتَ (وإلاّ لم ينضبط علم ديني مطلقاً.)
هذا اللازم الذي جعلته دليلا مُلتَزَمٌ، فالمقالة تدور على عدم انضباط فهم القرآن بناءا على الطرق التقليدية في الفهم فتأمل!

قلتَ (ألم تر إلى البعض يدّعي التشابه في قوله تعالى (خالق كلّ شيء)، وفي قوله تعالى (ليس كمثله شيء)، فهل يعتدّ بهذا الفهم وهذا الخلاف).
الكلام ليس في هذه المسائل على أن الأدلة عندي متكافئة فيها أيضا بالنظر إلى طرق الاستدلال التقليدية.

قلتَ (ومبدئيّاً وبلا مزيد تفصيل أقول: إن اللفظ الذي يحتمل في سياقاته لمعنى فإمّا أن يحتمل غيره أو لا. الثاني النصّ. والأوّل إمّا أن يكون دلالته على ذلك الغير أرجح أو لا، الأول المجمل، والثاني المؤوّل)
أظن أن في الكلام سقطاً وصوابه أن تقول والأول إما أن تكون دلالته على الغير راجحة أو مساوية أو مرجوحة. الأول الظاهر، الثاني المجمل ، والثالث المؤول. أليس هذا الذي قصدته؟

قلتَ (فالمشترك بين النصّ والظاهر المحكم، وبين المجمل والمؤوّل هو المتشابه. وعليه فقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ظاهرة في الشرك المكفّر فتكون آية محكمة، ويؤخذ منها جواز غفران ما دونه ومنه الكبائر لأنها دون الشرك معصية بالاتفاق. ومن ينعق بخلافه فليأت بدليل يحملنا على خلاف هذا الظاهر.)
رغم أنك طلبت الدليل على غير الوجه الحسن الذي ينبغي أن يكون من فاضل مثلك، فإن لازم إتياني بالدليل أن أكون ناعقا -غفر الله للمسلمين- إلا أني سأجيب مستعينا بالصبر فأقول مضيفا إلى ما سبق إن الله قيد مغفرته لما دون الشرك بمشيئته، ولم يخبرنا في الآية إن كان شاء أم لم يشأ بعدُ أن يغفر لمرتكب الكبيرة فإن كان قد شاء أن لا يغفر له ولم يخبرنا فكيف تقول أنه يجوز أن يغفر له؟ كان حريا بك أن تتوقف لا أن تجوز؟ ألم تر إلى قوله تعالى: (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) ثم أخبر جل شأنه أنه شاء أن لا يغفر للمشركين، فهل يجوز لأحد أن يقول أنه يجوز أن يغفر للمشركين -وقد شاء خلاف ذلك- قبل أن يعلمنا عن مشيئته؟ وللمعتزلة أن يقولوا أنه أخبرنا بإنه لن يغفر لهم وذلك في الآية اللتي استدلوا بها على خلود العصاة، ومن هنا يتبين أن الآية لا تصح دليلا لمذهب الأشاعرة.

قلتَ (أمّا أن يلقى الكلام هكذا على عواهنه على أنّه قول معتبر مقبول لمجرد حركة الشفاه به ويسمّى كلاماً، فلم نرهم يدونون نقيق الضفادع).
ولا أنا رأيتهم يدونون نقيق الضفادع ولكننا لسنا بصدد الحديث عن نقيق الضفادع، وإن أحببت أن تتكلم عن النقيق والنعيق والنهيق فإني أستميحك عذرا، فأنا لا أحب الكلام فيها ولا المناظرة بها، فإن كنت حريصا على مناظرتي فليكن كلامنا بعيدا عن أصوات الحيوانات.
الفاضل بلال أقترح أن ننهي الكلام في دلالة القرآن قبل أن نشرع في الحديث عن السنة، فإن كان عندك دليل محكم من القرآن يبين عدم تكافئ خلود مرتكب الكبيرة في النار فبينه وإلا انتقلنا للحديث عن سائر الأدلة، فما رأيك؟

بلال النجار
24-11-2003, 23:57
بسم الله الرحمن الرحيم

القسم الأخير من التعليق الأوليّ على ما كتبه فادي أوّلاً
قوله: (إلا أننا سنلاحظ أن هذا الأمر قد حدث عندما خرج النص عن الإطار الثقافي والجو النفسي الذي كان يعيشه من يشاهد ويعايش أسباب التنزيل، لذا فإن دلالات النص القرآني كانت تحتمل معنى واحداً محدداً عند المخاطبين به في وقت نزوله -هذا في الجملة– وكان القرآن بيّناً لهم فإذا أردنا أن نفهم القرآن فعلينا أن نفهمه من خلال الثقافة والجو الذي نزل فيه)
أقول: لا يسلّم أنّ خروج النصّ عن الإطار الثقافيّ والجوّ النفسيّ إذا جاز التعبير بذلك أي على فرض وجود مجموعة كبيرة جدّاً من الناس بين نفوسهم هذا التناغم العجيب المدّعى، فلا يسلّم أن اختلاف هذه الظروف وإن ألقت بظلالها على النصّ أنّه لا يمكن فهم النصّ إلا بالعودة إلى تلك الظروف. وبماذا يختلف النص القرآني من حيث ما هو كلام عربي له دلالاته عن قصائد الشعر الجاهليّ والألواح الفرعونيّة والبابليّة والجداريات الهيروغليفيّة لحضارة المايا وغيرها من الحضارات القديمة من حيث ما هي نصوص مكتوبة بلغات تختلف عن لغتنا المحكيّة اليوم وظهرت في ظروف مغايرة للظروف التي نحياها اليوم، كيف استطعنا أن نفهم معتقدات تلك الأمم، ونعرف دلالات تلك النصوص دون أن نعيش معهم ونفهم ونعايش أسباب كتابة تلك النصوص. ثمّ بصرف النظر عن سبب كتابة تلك النصوص التي بلا شكّ تعين على فهم النص من بعض الجهات، ولكن أين التلازم بين معرفة سبب النزول وفهم النص من حيث ما هو كذلك. إن أيّ نصّ مكتوب بلغة منقولة لنا أي معروفة مواضعاتها ومنقولاتها فإننا إذا تعلّمنا تلك اللغة فكيف تمنع أن نفهم النص المكتوب به؟
إنّ عدم معرفة سبب النزول وغير ذلك مما ذكرت من الظروف التي ظهر فيها النصّ لا تقتضي مطلقاً أن لا يفهم النص. فكأنّك تقول إن كلّ آية فهي مرتبطة بمناسبة خاصّة معيّنة، ولا دلالة لتلك الآية إلا على تلك الواقعة المحدّدة، بحيث لا يمكننا أن نقيس على تلك الواقعة شيئاً آخر، أو أن نفهم من النص شيئاً آخر إذا لم يكن ذا صلة بتلك الحادثة. ولا أعرف عاقلاً يقول بذلك.
فلا نسلّم أن معنى القرآن يتحدّد ويختصّ بسبب النزول. وسواء عرف السبب أو جهل، فلا نسلّم أن دلالته الخاصّة تلك، لا يمكن تعميمها. بل الأصل عمومها إذا كانت عامّة أو قابليّتها للقياس عليها إذا كانت خاصّة، وبالتالي تعميمها على نحو ما. وخصوصها مطلقاً بحيث لا يجوز تعديتها لا يعتبر فيه قول كل من قال ذلك، بل يجب أن يرد فيه دليل شرعيّ منفصل يشهد لتك الخصوصيّة المطلقة.
ثم إنه كما كان القرآن مبيناً في زمان نزوله، فهو مبين اليوم بالاتفاق. ولكن آلات فهمه في ذلك العصر والتي أهمها معرفة اللغة العربيّة واصطلاحات الشارع، قد نقلت وهي موجودة عند العلماء، فلا حجر على فهومهم اليوم بحجة عدم المعاصرة. وقد أشرنا في المقالات السابقة إلى أن تبادر وظهور المعاني لا يعتد به شرعاً في فهم النصوص الشرعيّة إلا إذا صدر عن العلماء، ذلك أن العالم لا بدّ وأن يكون تعلّم لغة العرب وغير ذلك مما يحتاجه لفهم النصّ والاستنباط منه، ولا حجّة لأحد بأنّه لم يعاصر نزول القرآن أبداً. وإذا كان الكلام في تفاوت الناس في فهم القرآن الكريم فقد بيّنا سببه، فهذا أمر طبيعيّ، لأنهم تتفاوت معرفتهم للغة العربيّة، ونصوص الشريعة الأخرى وأدوات فهمها. وهذا الأمر كان أيضاً موجوداً في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم، فهل يستطيع أحد أن يقول إن الصحابة عوامهم وخواصّهم كانت معرفتهم واحدة وفهمهم لدقائق القرآن الكريم متساوياً.
ثمّ إن ادّعاء أن النصّ القرآنيّ كان بيّناً لجميع المخاطبين به في وقت نزوله فضلاً حصول فهم واحد لديهم جميعاً وإفادته دلالة واحدة عندهم، لهو كلام غريب مخالف للعادة والظاهر مخالفة واضحة. ولعمري كيف لأحد أن يعرف ذلك أو يستدلّ عليه، إذ هو بحاجة لاستقراء تامّ لكلّ واحدٍ واحد منهم، وهو محال. والباحث يجد في الآثار معارضات كثيرة لهذا القول، من الحوادث التي اختلف فيها الصحابة في تفسير مواضع من القرآن. فكيف تدّعي أن مجرّد اشتراك الناس في ظرف تاريخيّ معيّن كافٍ في تحصيل فهمٍ واحد لدى الجميع في أمرٍ يحتاج فيه إلى أكثر من مجرّد الحاسّة والعقل المحض. ألا وهو فهم القرآن الكريم؟

قوله: (لكن فهم الثقافة أمر يحتاج لا إلى القراءة عنها فقط بل إلى العيش فيها أيضا حتى يدرك لا مجرد العادات والتقاليد بل مقدار عمقها في المجتمع، والقراءة لوحدها لن تفي بهذا الغرض، هذا بالإضافة إلى أن فهم النص المقروء عن تلك الثقافة سيتم من خلال ثقافتنا نحن –أي سيخضع دون قصد منا إلى تأويلاتنا كما خضع النص الديني-، فكيف إذا أضفنا إلى ذلك أن أسباب النزول لمعظم النصوص مجهولة، فضلا عن شعور المخاطبين بسبب النزول ومقدار تأثرهم به، وإذا كان الوصول إلى مثل هذا متعذرا فإن الوصول إلى مراد الله متعذر؛ وبالتالي فستكون النتيجة عند البعض أن النص القرآني نص للمخاطبين به فقط لا يصلح لكل زمان لاستحالة الوصول إلى المراد منه.)
أقول: لا يسلّم أن معرفة الثقافة بالقدر الذي يكفي لفهم نصّ خوطبت به تلك الثقافة، أمرٌ يحتاج إلى العيش في تلك الحضارة. وندّعي أن المعرفة من طريق الخبر تكفي في نقل ذلك القدر المحتاج إليه في الفهم. ولولا ذلك لما كان الأمر بالتبليغ ذا قيمة. لأنّ كلّ مبلّغ فإنّه سيحتجّ بما تحتجّ به فلا تقوم عليه حجّة. وما معنى قوله صلى الله عليه وسلّم: (فربّ مبلغ أوعى من سامع)، أيّ وعي يعيه المبلغ بأفضل من السامع إذا كان فاقداً لشرط الفهم الأصيل عندك ألا وهو السماع والمعاصرة على حدّ ادعائك. ثمّ إنك لو تفحّصت قليلاً لتنبهت أنه لا فرق بين شخص يعيش في اليمن بمعزل عن الحوادث والجوّ النفسانيّ، والبيئة بجميع عناصر نظامها كما هي في المدينة المنورة، وبين إنسان يعيش في عصرنا الحاليّ ممن يتقنون اللغة العربيّة. ولماذا تبتعد عن المدينة، إن بعض أصحاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم كان يحضر مجلسه عليه الصلاة والسلام والآخر يكسب لهما، ثم في اليوم التالي يتبادلان وظيفتيهما وكلّ منهما يبلّغ صاحبه بما سمع وحصّل من معارف. وقد تحدث واقعة يعاينها أحدهما دون الآخر، وينقلها للآخر، ولا قائل بأن المنقول له قد تحققت فيه جميع ما اشترطته للفهم من الجوّ النفسّي وغيره. فهل تدّعي أيضاً أن هذا السامع لا يمكنه أن يفهم القرآن الذي أنزل في تلك الواقعة التي عاينها الأوّل؟ إن هذا كلام ظاهر البطلان.

قوله: (إلا أن الطرح الذي يتكلم عن ديمومة الشريعة بوصفه أمراً مسلماً وحقيقة راسخة يستدل على خطأ هذا التحليل بمخالفته لحقيقة ديمومة الشريعة وبقائها القطعية -برأيه- التي دلت عليها النصوص دلالة واضحة، ومارسها الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يعتبر من يؤيد هذا التحليل أن عدم تعارض القرآن أمر مقطوع به وأن مراده الدلالة على معنى واحد كذلك وهذا لا يمكن أن يكون إذا قلنا بديمومة الشريعة، أي أن كل فريق استند إلى مسلمة جعلها أساسا لآليات تعامله مع النص، وأهدر المسلمة الأخرى، وهنا خرج فريق ثالث قال بديمومة النص ولكن بتعدد دلالاته على وفق المخاطب وثقافته، هذا الطرف اعتبر ديمومة الشريعة أمراً مقطوعا به كما أنه اعتبر عدم تعارض القرآن كذلك، إلا أنه ذهب إلى أن النص لا يحمل دلالة واحدة)
أقول: أنا أريد منك أن تحدد ما تسلّمه من هذه القضايا، لكي أبدأ حديثي معك من هذه المسلّمات. فلربما تعلم أنه لن يثمر كلام بيننا مطلقاً إذا لم نبدأ من قضايا مسلّمة بيننا، كما هو مقرر في قواعد البحث والمناظرة. فأرجو أن تقول لي أنت ماذا تعتقد. هل القرآن كلّه مقطوع به عندك أنّه من عند الله أوْ لا؟ وهل هو منزّه عن التعارض الحقيقيّ أو لا؟ وهل الدّين كما أنزله الله تعالى على رسوله صالح لكلّ زمان ومكان سواء في أحكامه الاعتقاديّة والعمليّة أو لا؟ بمعنى أنّه إذا ثبت حكم اعتقاديّ أو عمليّ معيّن بدليل من نصّ قاطع أو إجماع فهل هذا عندك قابل للتغيّر بحسب الظروف الزمانيّة والمكانيّة وغيرها من الظروف أو لا؟ وما هو القدر المسلّم عندك من الدّين؟ خبرنا به ولو على سبيل الإجمال حتى نتّخذه مستندنا الذي نبني عليه الكلام. وهل ترى أن كلّ الذين ذكرتهم ممن اختلفوا في ديمومة الشريعة والنصّ، وصلاحيّة الشريعة لكل زمكان ... إلخ مما ذكرت، هل ترى أن أقوال جميع هؤلاء معتبرة وسائغة عند علماء الشريعة؟

ويتعجب فادي فيقول: (وهنا أثير إشكال حول هذا الفهم وهو: كيف يمكن لنص أن يحمل عدة آراء لنفس المسألة من غير أن يكون متعارضاً مع نفسه ! )
فأقول: قد أجبنا عن ذلك بما يكفي في موضع سابق، ونحن ننتظر رأيه فيما كتبناه هنالك.

قوله: (يمكن أن يقال إن النص لا يمكن أن ينفك عن قارئه في دلالته، إذ من غير اعتبار وجود المرسل إليه ما حاجة الرسالة!)
أقول: من أي جهة من الجهات لا ينفك النصّ عن قارئه. فهذا كلام عام، واستدلالك الخطابي هذا (من غير المرسل إليه ما فائدة الرسالة) مغالطة مكشوفة. فإن الجهة التي تتحدث عنها حضرتك وتشترطها لفهم النص هي أن يكون قارئ النصّ معاصراً لظهور النصّ أو نزوله، وهذا شرط لا يسلّم لك حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط. فما هو الدليل الذي تستدل به على امتناع فهم النصّ فهماً صحيحاً إلا بشرط معاصرة ظهوره؟
هل هذا هو التحقيق الذي تدّعيه في بحثك، أن تأتي بمقدّمة عامة كهذه (لا يمكن أن ينفك النص عن قارئه) ثم تصعد على ظهرها لتقول إنه مع انقضاء عصر المخاطبين لا يمكن فهم النصّ القرآني. فما هو ضابط المخاطبين عندك؟ أهو من سمع من النبيّ مباشرة، أم من سمع بواسطة، أم من عاين أسباب النزول، أم من يفهم العربيّة، أم من؟
وما العلاقة بين المخاطَب والمعاصِر لنزول النصّ؟ كأنّك تحمل أحدهما حملاً تامّاً على الآخر، وكيف لعمري يسلّم هذا؟ فكل أحد يعرف أننا الآن مخاطبين بأوامر القرآن والنواهيه مع أننا لم نكن ثمّة حين نزل القرآن الكريم. وكل عاقل يعرف أنّه يمكن أن يخاطب الواحد ورثته بوصيّة مكتوبة، وما المانع من أن يفصل بين كتابة الوصيّة وتنفيذها طبق النعل للنّعل مائة سنة أو أزيد؟ بالله حقّق لنا هذا الموضع، فإنا لا نكاد نسيغه.

قوله: (لذا فإن دلالة النص للقارئ الواحد ستتم من خلال ثقافة ذلك القارئ ونفسيته وستفسر النصوص التي تتعارض في ظاهرها مع هذه الثقافة بطريقة يزول فيها هذا التعارض، وعندها لن تكون النصوص متعارضة فيما بينها بالنسبة لهذا القارئ، وهكذا سيكون النص نصاً قادراً على مواكبة تغير الثقافات والنفسيات المختلفة ويكتب له الخلود في أحكامه)
أقول: إننا لم نسلّم أن اختلاف الثقافة يستوجب اختلاف فهم النصّ كما تقدّم. فمثّل لنا على نصّ يتغيّر معناه بتغيّر الزمان. ثمّ وضّح لنا بمثال كيف أنّ تغيّر الظرف النفسي والثقافي حين يحصل معه تعارض بين الثقافة الجديدة والنصّ الشرعيّ، أنّ ما يزيل هذا التعارض هو بالفعل نفسيّة قارئه؟

قوله: (وقد يذهب بعض من يتبنى هذا الرأي إلى القول بأن في هذا دلالة على إعجاز القرآن من حيث أنه استطاع البقاء مع تغير الأزمان والأماكن)
أقول: أنا شخصيّاً أرى فرقاً كبيراً بين ديمومة النص من حيث ما له من قدرة على إقناع الإنسان أينما كان وفي أي زمان وجد، وصلاحيّته لمخاطبته وتحقيق استقراره النفسيّ بإجابته عن أسئلته الكبيرة التي تساهم في اضطراب نفسه، وبوضعه على صراط مستقيم من الاعتقاد والعمل وفق نظام وقانون معيّن، يكسبه السعادة في الدارين؛ وبين كون النصّ تتغيّر دلالاته في كلّ زمان بفعل تغيّر نفسيّة وثقافة قارئه، بحيث يفهمه فهماً جديداً يتعارض مع الفهم الأوّل وفي نفس الوقت نسمّي هذا الفهم الجديد فهماً لدين الله.
ففي حين أرى ثبات الأحكام ومناسبتها لكل زمان ومكان دليلاً على إعجاز القرآن، لا أرى في مناسبته لكلّ زمان عن طريق تغيير أحكامه وتغيير فهمه ليناسب تلك الظروف الجديدة شيئاً من الإعجاز. فما الفرق إذاً بين القانون الإلهيّ والقانون الوضعيّ. إننا نرى المشرّعين في كلّ زمان يضعون قانوناً ثمّ لا يلبثون أن يغيّروه لوجدانهم فيه خللاً ما، وعدم مناسبة للظروف والنسيج الاجتماعيّ الجديد وعلاقاته الاجتماعيّة. ولكنّا نرى القانون الإلهيّ واحداً في كلّ زمان، لأنّه سهل ميسور، ممكن الفهم والتطبيق في كلّ زمان. ولا حاجة لتغيير أحكامه. بل إنّ تغيير أحكامه بتعديله ليتناسب مع الثقافة الجديدة التي فيها ما يناقض الدين ليس إلاّ تحريفاً للدين، وحكماً بغير ما أنزل الله. فإننا نعتقد بأن ما يصلح به الإنسان من لدن آدم حتّى آخر شخص يولد على الأرض قبل القيامة هو ذات الأمر. وهو القانون الإلهيّ الذي يختاره الله تعالى لعباده الذين خلقهم والذي هو أعلم بما يصلحهم.

قوله: (إن هذا الرأي وإن كان يحمل حلولا لبعض المشاكل إلا أنه يواجه بدوره ثغرات أخرى إذ إن تحكم الثقافة في فهم النص الديني سيهدر قيمته وفائدته، وسيجرد النص من هدفه التغييري الذي أنزل من أجله، وبعبارة أخرى سيصبح النص جزأ من الثقافة مفعولا فيه بدلا من أن يكون فاعلا فيها مغيرا لها كما هو معلوم ضرورة من حال النص مع الجاهلية)
أقول: نحن لم نوافق على نفس الرأي لنلتزم ما يتفرّع عنه. ونسلّم بأن تحكم الثقافة بالنصّ على أيّ معنى من المعاني يهدر قيمته وفائدته. نعم سيجرّده من هدفه التغييري مع عدم حصر هدفه في التغيير. نعم سيصح النصّ جزءاً من الثقافة ومهيمناً عليه لا مهيمناً هو عليها إذا عرّضناه لما اقترح من التغيير والتبديل في أحكامه بحسب الأهواء المصالح.

قوله: (وهنا جاء من قيد فهم الثقافة للنص بقيود شرعية لا يجوز للثقافة مع تغيرها أن تتعداها، وبالطبع فإن هذه القيود ليست نصوصاً جزئية، وإلا فإنها ستخضع بدورها إلى ما يخضع له أي نص لغوي من تغير دلالته باختلاف الثقافات وقراءته من خلال شخصية القارئ، إن هذه القيود هي كليات الشريعة التي تضافرت النصوص على إثباتها وقام عليها الدليل العقلي الفطري فضلا عن نقلها نقلا يغني عن إثباتها، ومحاولة السؤال عن دليل جزئي عليها أشبه بمحاولة السؤال عن الأمور البدهية كالسؤال عن دليل وجود شخص اسمه محمد –صلى الله عليه وسلم- قال إنه رسول من الله، نعم قد تحتاج آحاد الكليات إلى من يبين أنها على هذا القدر من الوضوح، أو فلنقل على بيان أنها كلية، وهذا لا ضير فيه"
أقول: أوافق على جميع هذا الكلام دون تحفّظ. ولكني أستفهمك عن مقصودك من قولك (الدليل العقلي الفطري) فإني بحسب فهمي وعلمي فليس للعقل الفطريّ أدلّة تستطيع أن تنتهض لتثبت هذه الكليّات الشرعية الضابطة لفهم نصوصها.

قوله: (يمكننا أن نختصر هذه الكليات في كلية واحدة وهي "تحقيق مصالح العباد، ورفع الظلم والحرج عنهم" وبهذه الكلية سيتحقق مقصد الشريعة الذي عبر عنه الشاطبي بقوله : "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا كما أنه عبد لله اضطرارا" وهو معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله."
أقول: أما نحن فلا يمكننا أن نختصر كليّات الشريعة في هذه الكليّة المذكورة. ونطلب أن تشرح لنا عبارة الشاطبي هذه بحيث تبين كيف فهمت منها أنّ هذه هي الكليّة الوحيدة التي يمكنها ضبط فهم النصوص الشرعيّة. ثمّ لنسلّم لك هذه الكليّة، أي أنّه ما من تشريع وضعه الله تعالى إلا وهو يتحقق لعباده بتطبيقه مصلحة ويرتفع عنهم به ظلم وحرج، حسناً. فكيف تستخرج من هذه القضيّة الكليّة ضابطاً لتفسير النصوص الشرعية على مرّ الأزمان يكون غير مخالف للشريعة.
ودعنا نتأمل القضية أكثر ولنجمل ما ذكرته على سبيل الاختصار في تحقيق المصلحة. فتكون القضية التي سلّمناها لك مفادها:
كلّ حكم شرعيّ فهو موضوع لمصلحة.
ولا أظنّك تقول إن هذه المصلحة هي المصلحة الفرديّة في الدنيا على الأقلّ، لأن كل مظلمة ففيها ظالم ومظلوم، ولا يمكن أن يتحقق رفع الظلم بتحقيق مصلحة الطرفين. فيكون مقصودك هو المصلحة العامّة إلا أن تعترض على فهمنا فيلزمك بيانه. فقضيّتك هي:
كلّ حكم شرعيّ فهو موضوع لتحقيق مصلحة مجموع المكلّفين.
فإذا سلّمناها لك، فيجب أن تسلّم لنا عكسها المستوي وهو:
بعض ما يتحقّق به مصلحة المجموع ليس بحكم شرعيّ.
فهل تسلّم ذلك أو لا؟
إن ما تدور عليه حضرتك هو التأسيس لنقيض هذا القول، وهو:
كلّ ما تتحقّق فيه المصلحة فهو حكم شرعيّ. أو أنه يمكن اتخاذه دليلاً لإسقاط حكم شرعيّ أو حتّى قاعدة شرعيّة تعتبرها جزئيّة خاصّة بذلك العصر، وإنّك مع تسليمك بأنها لا تتعارض مع كليّتك الكبرى هذه، إلا أنك كأنك تقول مع عدم تعارضها إلا أنني أودّ طرحها لأنها لا تناسب المصلحة في هذا الزمان على فهمته من كلامك اللاحق.
فكيف تريدني أن أسلّم لك قضيّتك المستلزم لتسليم عكسها، وأن أسلّم لك في نفس الوقت نقيض عكسها المستوي؟ هلا تفضّلت بالإجابة؟ ثمّ بعد ذلك يكون لنا بعد ذلك تحقيق أكثر في قضيّتك الكليّة هذه ولوازمها.

قوله: (نعم يلزم من هذا الحل أن تفقد النصوص الجزئية قيمتها الدلالية الفردية، وتراعى الأمور الكلية؛ لا لأن الكلي يلغي الجزئي إذ لا تعارض بينهما أصلا، ولكن لأن الجزئي مرتبط بالواقع المعاش وبطبيعة المخاطبين به مباشرة، وبهذا يمكن أن نحل التعارض الظاهري فيما يبدو لنا بين آيات القرآن)
أقول: حقّ كلامه أن يكون (أن تفقد النصوص الجزئية قيمتها الدلاليّة التعميميّة أي بالنسبة لما يتعدّى تلك الواقعة، لأنّ كونها متعلّقة بأفراد معيّنين ثابت لا مشاحة فيه حال كونها جزئية. وعلى كلّ حال، إن كلامك هذا يقتضي نفي القياس الشرعيّ الذي من نوع التمثيل كما يسمّى في المنطق، وهو حمل جزئي على جزئيّ لعلّة مشتركة معرّفة للحكم، هذا أوّلاً. وهو خلاف المعلوم بالضرورة من سيرة علماء أهل السنّة الذين اعتبروا القياس دليلاً شرعيّاً. ثمّ ثانياً: كيف تسلّم أن الجزئي لا يتعارض مع الكليّ، وفي نفس الوقت تريد أن تلغي ذلك الجزئي. أي ما هو مسوّغ هذا الإلغاء شرعاً. إنه إذا كان الجزئيّ واحداً من مصاديق الكليّ، وكلامنا ههنا في القواعد، فإنه أولاً ما هو الدليل الشرعيّ على جواز طرح القاعدة الجزئيّة وعدم تطبيقها على واحدة من مصاديقها؟ وثانياً: لا بدّ أن يكون هنالك مسوّغ من الشرع يبيح هذا الانتقال من قاعدة جزئية إلى أخرى، ولا يمكن أن يكون هنالك مسوّغ لكلّ حادثة حادثة، فهذا لا ينضبط، فما هو الضابط الكليّ الذي يبيح هذا الانتقال؟ إن كان هو عينه المصلحة فقد بيّنا تناقض دليلك فيه، ونزيد بأنه من أين لك العلم بأن ما تراه أنت مصلحة العباد هو مصلحة لهم في نفس الأمر. إننا نعلم أن الله حكمة الله تعالى من التشريع قد تكون بعيدة جدّاً وخفيّة وقد لا نتمكّن من دركها، فكيف نعطّل حكماً شرعياً ثبت بالدّليل أو نستبدله بغيره لمجرّد وقوعه من وجهة نظرنا الإنسيّة الظنيّة تحت كليّتك المتعلّقة بالمصلحة؛ وإن كان غيره فبيّنه لنا كي ننظر فيه. وثالثاً: إن تجويزك لطرح واحدة من جزئيّات القواعد الشرعيّة، لماذا ترتكبه إلا إذا أردت استبدالها بقاعدة أخرى. والمعنى أنّه إما أن تكون القاعدة الجزئيّة التي ستبدل بها الأولى لتطبقها على الواقعة التي تعاصرها هي إحدى مصاديق القاعدة الكليّة الكبرى أو لا. إذا لم تك من مصاديقها فبأيّ حق تدخل على الدين ما ليس منه؟ وإن كانت من مصاديقها فلماذا اخترت هذا المصداق الجزئي الجديد دون الأوّل ودون ما عداه من المصاديق؟ ولم لم تحكم في الواقعة الجزئية بحكم القاعدة القديمة؟ ومن أين لك العلم بأن هذه القاعدة الجزئية الجديدة ليس هنالك ما هو أصلح منها؟ إن ذلك إما أن تعرفه بدليل قطعي أو ظنيّ. إن كان الأوّل، فلا يجوز العدول عنه إلى غيره على أصلك المسلّم بعليّة المصلحة معرّفاً للحكم، فلا يجوز أن يكون هنالك قاعدة أخرى تصلح للحكم في تلك الواقعة بعد القطع بصلاحها هي دون ما عداها. وإن كان ظنّياً فكذا كان الحكم في الأول فما مرجّح العدول عنه إلى الثاني؟
أرجو التفصيل في مرادك في هذا المحل، ولعلّه يفيد أن تأتي لنا بمثال تطبق عليه هذا الكلام. وهل كلامك في مطلق الأحكام الشرعيّة أو في بعضها دون البعض؟ إن كان الأوّل فقل لنا مثلاً كيف تحققت لديك المصلحة التي تعرّف حكماً يقضي بالمنع من الصلاة أو على الأقل نقلها من الوجوب إلى الندب أو الإباحة بحيث جاز لك تركها وتعطيل الدليل القطعي على إقامتها. وإن كان الثاني فقل لنا ما هو ضابط التمييز بين الحكم الذي يجوز تغييره وذلك الذي لا يجوز تغييره؟

قولك: (كالمسألة المطروحة إذ تحمل كل آية على مخاطبتها لحالة معينة تريد الآية تحقيق التوازن فيها ابتغاء جلب مصلحة أو دفع مفسدة محققة بذلك مقصد الشريعة، هذه الآية التي ستؤدي إلى نوع تلبيس أو إضلال للمخاطب إذا أهدرنا كونها دليلا جزئيا)
أقول: أرجو توضيح كيف تؤدي هذه الآية للإضلال عند النظر إليها كدليل كلّيّ. ثم كيف فهمت أن هذه الآية دليل جزئيّ؟

قولك: (قد تتداخل هذه التيارات فيما بينها وبالأخص عند تنزيلها على الواقع، وربما كان ذلك لعدم وجود أصول واضحة عند كثير ممن ينتسب إلى أي منها)
أقول: اذكر لنا بعض هؤلاء الذين ليس لديهم أصول واضحة، وهل أهل السنّة الأشعريّة والماتريديّة منهم؟ فإن كان كذلك فمثّل لنا على بعض أصولهم غير الواضحة عند كثير منهم.

قولك: (لكنني عرضتها منفصلة ذاكراً أدلتها الكلية على فلسفاتها من غير الدخول في الأدلة الجزئية، وإن كان في المسألة كلام كثير لا حاجة لذكره إذ مقصود هذه المقالة رسم الخطوط العريضة في المسألة المطروحة)
أقول: لم أر في كلّ ما كتبته أدلّة كليّة على اقتراحك الممتع بتفسير النصوص القرآنية على أساس من المصلحة كما يراها أهل كلّ زمان. بل لم أرَ أدلّة كليّة في كلّ ما كتبت على شيء مما ادعيت. فهلاّ بيّنت لنا ماذا تعني بالدليل الكليّ. وجرّدت لنا هذه الأدلّة على شكل قضايا محددة لنناقشها معك. لا سيّما وأنّه قد حان إنجاز ما وعدت من التحقيق، وبرزت الحاجة لقول هذا الكلام الكثير الذي يرسم الخطوط الدقيقة ويبرز التفاصيل النهائية بحيث يتعدّى ما اسكيتشته من خطوط عريضة.

قوله: (ومن أراد التحقيق حققنا معه)
أقول: وأنا أردته. وسأحاورك فيه وأصبر إن شاء الله ولو استغرق مني ذلك عمري.

قوله: (الحمد لله أن أسقط التكليف)
أقول: إن كان ساقطاً عنك فلم تتكلّف عناء حمد الله والصلاة والسلام على نبيه، والكلام في الدّين. لماذا تهتمّ بالقرآن وفهمه؟ وماذا يعنيك من ذلك؟ إن هذا وأيم الله ليذكرني ببعض المدافعين عن الماركسية اللينينية حين كنّا نحس منهم من أحد أو نسمع لهم ركزاً. فقد كان يتكلّم في الكفاح المسلّح وضرورة التضحية بالغالي والنفيس ليستتب الحكم للبروليتاريين. فقلت له: إن الله يعدنا بالجنّة إن متنا في نصرة دينه، فبماذا تعدنا أنت؟ فتسفسط حتّى انتهى النقاش ولم يجب بشيء.
وهذا فادي يدّعي أن الله أسقط التكليف؟
أي أنّه يسلّم أن الله تعالى أثبته أوّلاً ثمّ وضعه عنه وحده على الأقل. فهلاّ استدلّ لنا على سقوطه فلعلّنا نأتي الله تعالى بسلطان مبين، وبرهان إذا سألنا لماذا تركتم ما كلّفتكم به. ولا نمسِّك بعد اليوم بمعالي الأمور، إذا أقمنا الحجّة على الله بأنه ليس ثمّة تكليف كلّفناه. إن نفوسنا الرديّة لتتوق لترك التكاليف، والغرق في حمأة الوضاعة، والغوص في الملذّات فلماذا نحرمها من هاته الأمور. ألا ترى أن بحث هذا الأمر من أهم المهمّات، ويجب أن يسبق كلامنا في القرآن الكريم وفي كلّ شيء. لأنك وإن كنت تترف نفسك وتتلذذ ببحث هذه الأمور، فأنا لا أجد في ذلك متعة البتّة، فلعلّي إن سقط عنّي التكليف لا أرغب في أن أصحو من خمري ومنادمة شياطين شعري، ومخادنة النساء ناظراً ومقبلاً ومخاصراً ومواقعاً.

هذا ما أردت قوله تعليقاً على جميع ما كتبه فادي في مقالة إشكالية فهم النصّ القرآني. ثم رأيته قد شرع في الإجابة، مسمّياً ما كتبه هنالك تحقيقاً. حسناً، سأكون في شغل أيام العيد، وربما يكون لديه الفراغ ليتمم التعليق على جملة ما كتبت، والإجابة عن أسئلتي التي طرحتها عليه. وسأبدأ فور فراغي من واجبات العيد بالنظر في كلّ ما سيكتبه فادي، في مستوى أعمق من هذا المستوى إن شاء الله تعالى.
تقبل الله تعالى من جميع المسلمين طاعاتهم في هذا الشهر الفضيل الذي ذهب وظلّ مواطناً في خواطرنا
لا أوحش الله منك يا رمضان
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

بلال النجار
27-11-2003, 22:14
بسم الله الرحمن الرحيم
استدراك
جاء في القسم الأخير من مناقشتي لفادي ما يلي:
قلت: (فإذا سلّمناها لك، فيجب أن تسلّم لنا عكسها المستوي وهو:
بعض ما يتحقّق به مصلحة المجموع ليس بحكم شرعيّ)
أقول: لقد وقعت ههنا في خطأ منطقيّ فأعتذر من فادي وجمهور القرّاء، والحق أن العكس المستوي لهذه القضيّة هو: بعض الموضوع لمصلحة حكم شرعيّ.
أما القضيّة التي صرّحت بها فيمكن أخذها من العكس المستوي التصحيح بتوسط مفهوم المخالفة. وأظنّ المعنى الذي أردته بات واضحاً، وهو أن المصلحة أو الصلاح التي هي المنفعة المستوجبة لتحصيل لذة أو دفع ألم، أو هي نفس اللذة تحصيلاً أو إبقاء، يغلب أن يصدق فيها أن بعضها بهذا المعنى موجود ولا يتعلّق بتحصيله حكم شرعيّ، وربما لذلك سبق لساني إلى القضيّة المثبتة قبل التصحيح. ولكن الإلزام لا يكون بهذه المقدّمات قطعياً. ويمكن لمحاورنا أن ينفكّ عنه بقوله: إن ذلك لا يلزمني) لذا اقتضى التنويه. وعلى أي حال سأجري كثيراً من البحوث المنطقيّة على القضايا التي أجرّدها من كلام فادي في المنقاشات القادمة إن شاء الله.
جلّ من لا يسهو، والسلام عليكم.

بلال النجار
29-11-2003, 14:32
بسم الله الرحمن الرحيم
مناقشة رد فادي على تعليقي على مقاله إشكالية فهم النص القرآني

قوله: (وقبل الشروع في التعليق على جوابك أرغب في شكرك على الوقت الثمين والجهد الكبير الذي وهبته للرد على المقالة في زمنٍ كثرت في المشاغل، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على فضلك وحرصك على نصرة دين الله والله أعلم)
أقول: العفو فلا شكر على واجب، ثم إنه لمن دواعي غبطتي أن تنظر إلى ردّي على أنّه نصرة لدين الله، وأما مقالك فقد دلّني على أشياء كثيرة أود الاحتفاظ بها لنفسي بعض الوقت. وقد أقولها لك في نهاية حواراتنا أو في رسالة خاصة يوماً ما. وفقنا الله وإياك إلى ما يجب ويرضى.

قولك: (وإن كنت تقصد أنهم صارعوا الأمرين لتفسيرهم هذه الآية الكريمة على وجه التحديد بما قالوه، فهلا بينت لي أين صارعوا الأمرين إذ فسروا الآية بما ذكر؟)
أقول: إن عبارتي كانت هكذا: "ليس صحيحاً البتّة، بل لقد صارعوا الأمرّين مع أهل السنّة لقولهم بذلك، وانظر كم يحتجون على هذا الموضع ويحتجون لكي يتم لهم كلامهم الظاهر الضعف في مقابل الأدلة المتظاهرة التي تشهد لقول أهل السنة بعدم خلود أهل الكبائر وأهل الصغائر من المؤمنين في النار" تعليقاً على عرضك لاستدلال المعتزلة بقولك: (وبالنسبة لهم فهي آية واضحة لا تحتاج إلى شرح كثير وبالأخص أن الله أكد خلود العصاة بقوله أبداً).
فكلامي واضح معناه، ومعنى مصارعة المعتزلة الأمرين مشروح فيه. وهو تعليق مناسب على قولك الذي يصوّر أن استدلال المعتزلة ظاهر القوّة، وأنه قول معتبر يسوغ فيه الخلاف، وليس ذلك صحيحاً. ذلك أنّا ندّعي أن الخوارج ثم المعتزلة هم أوّل من خالفوا أهل السنّة والجماعة في هذه المسألة، فقولهما في الكفر بالصغيرة أو الكبيرة التي دون الشرك قول شذوا به عن إجماع الأمة على عدم التكفير بهما قبل الخلاف. ويذكر الإجماع عدد كبير من العلماء، انظر سيف الدين الآمدي في أبكار الأفكار، في محلّه. هذا ما أردت لفت نظر القارئ إليه، فلم يكن يوماً من يخالف الإجماع أو المشهور من مذهب أهل السنّة يتلقّى شخصه بالأحضان والبشاشة، وقوله بالقبول والتملّق إلا في زمان الحقّ الضائع هذا، زمان ضعف المشيخة، واستخذاء كثير من المنتسبين إلى السنّة، ألا قبّح الله الدّعة. بل حقّاً كانوا يصارعون الأمرّين، واقرأ في سيرة الشيخ أبي الحسن، والباهليّ، وابن فورك والباقلاني وغيرهم من الأئمة تعلم ما فعلوه بمن كان يخالف مذهب أهل السنّة وعلى رأسهم المعتزلة. هذا كلّ ما هنالك، ثمّ لا تبتئس، دليل المعتزلة وقولهم مفهوم وواضح، ولا يستأهل الأمر منك عناء الإشارة إلى ذلك.
قولك: (والله إني لأعجب كيف تطلق القول بظهور الضعف في كلامهم، ثم لمن ظهر هذا الضعف أللعلماء فهل تظن أن ظهور ضعفه سيخفى على مثل القاضي عبد الجبار والزمخشري؟ أم أنك ستنزلهم عن رتبة العلماء؟ ثم اعلم أن ظهور الضعف أمر نسبي إذ قد يظهر الضعف لشخص ولا يظهر لآخر وذلك إما لسعة علم هذا الشخص أو لجهله، فلا ينبغي أن تطلق الحكم على هذا الوجه)
أقول: لا تعجب، فأنا أصر على ظهور ضعفه. ولا يقدح ذلك في تقديري للشيخين الجليلين المذكورين قطعاً، بل سلني أنت عن قدرهم عندي، وشدّة احترامي لهم، لنبوغهم ولمشاركتهم في العلوم. ولكن ذلك لا يغير حقيقة ضعف قولهما. وأنت المسلّم أنه لا أحد بمعصوم بعد الأنبياء، ولا أظنّ أحدهما وقف علمه عند أعتاب باب واصل رحمه الله تعالى، فهو من قيل فيه أنّه لم ير قطّ مثله، ولكنّه قال بالصلاح والأصلح، وغير ذلك من الأقوال السّاقطة الظاهرة الضعف. ولم يدّع أحد أنه ليس بعالم أبداً. ثمّ إن مجرّد قولك إن ظهور الضّعف أمر نسبيّ يكفي مسوّغاً لقولي بذلك، فمع أنه قول بعض عظماء المعتزلة، إلا أنه ظاهر الضّعف عندي، فإن كان لسعة علمي بهذه المسألة ففضل الله يؤتيه من يشاء. وإن كان لجهلي فقد سألناك أن تعلّمنا مما علّمت رشداً، فبالله لا تضنّ علينا، وأيّ باخل أضنّ من كاتم علم! أمّا أنه لا ينبغي أن يطلق هذا الحكم على هذا الوجه، فمتى يطلق إذاً إن لم يكن حين يظهر للواحد شدّة ضعفه، وهزاله، أم أنّك تقول إنّه لا يجوز إطلاق هذه العبارة مطلقاً من أيّ واحد بحجّة ما ذكرت؟ أم أنّك تبيحها لغيري وتحظرها عليّ خاصّة؟ وعلى كلّ حال، فلا يغضبّنّك قولنا، أيرضيك أن نقول إنه دليل ضعيف بدل ظاهر الضّعف! إن كان يرضيك، فإني أختاره تقليلاً للبعد عن صلب المسائل إلى مقصوداتها بالعرض وحواشيها. فما اجتماعنا ههنا لذلك.

قولك: (والأدلة متظاهرة على إثبات قول المعتزلة كذلك. وكل يدعي ما يريد فتأمل!)
أقول: إن اصطلاح العلماء في إطلاقهم (فتأمّل) ما هو إلاّ إشارة منهم إلى ضعف جوابهم، بخلاف قولهم تأمّل بلا فاء إشارة إلى الجواب القويّ. فإن كنت تشير إلى ضعف جوابك هذا فإني أكتفي بإشارتك. وإن كنت تخرج عن عرفهم وتدعوني للتأمل، فإني لا أنفكّ أفعل، وتقضّ مضجعي شدّة وطأته عليّ كلّ ليلة. سلّمنا تعدّد حجج المعتزلة، ولكنّا نراها شبهاً. فأظهر قوّتها أنت، وانصرها، وناقشها معنا لتغلبنا بها إن كنت تستطيع. نعم كلّ يدّعي ما يريد، ولكن الأقلّين هو من يتمّ لهم ما يريدون. ولا نرى أن المعتزلة قد تمّ لهم ذلك، ولن يتمّ لك ذلك إن كنت تنصر قولهم إلا وأنت عابر فوق قبري وقبر كلّ من سأعطيه علم الكلام. ونزيدك على ما قلت قوله تعالى: (قل كلّ يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً)

قولك: (هات ما عندك فإني أدعي تكافأ الأدلة في المسألة)
أقول: ما عندي كثير، وقد أتيتك ببعضه، ولم تقل رأيك فيه بعد. فلا نزيدك حتّى تقدح في ردّنا.

قولك: (لقد تأملته فلم أتبين الاضطراب المزعوم فهلا بينته؟)
أقول: ما عنيته، هو أنّهم قائلون بأن السبب في خلود فاعل الكبيرة في النّار أنّ الكبيرة تحبط جميع الأعمال، ثم إّنهم يشترطون كما ذكرت لك للخلود في النار شرطين اثنين منهما هذا أي أن لا يكون للعبد طاعة أعظم منها، والمعنى أن لا يكون للعبد طاعة بعد الكبيرة أجرها أكبر من إثم الكبيرة. وهذا هو محل الاضطراب، فإنهم إما أن يقولوا بأنّ الكبيرة محبطة لكلّ عمل سابق ولاحق مطلقاً بحيث يستوجب صاحبها الخلود في النار مهما فعل، أو أن يقولوا إنّها تحبط فقط سوابق الصالحات. فإن كان الأوّل لم يصحّ هذا الشرط، وإن كان الثاني، فإن أهل السنّة يقولون إن بعض الأعمال تحبط جميع العمل الصالح كما في ظاهر بعض الآثار، ويقولون إن المرء يمكنه أن يعوّض ما فاته من التقصير بالتوبة والعمل والقضاء ونحوه، ويمنعون مع الإيمان النقيّ من دنس الشرك الخلود في النار، فأيّ معنى لهذا الشرط عند قولهم بأنّ العلّة الموجبة للخلود هي انحباط العمل المعلول عن فعل الكبيرة؟ هذا ما أشرت إليه بكلامي السابق. والمعنى أنّي لا أسلّم لهم السببيّة الموجبة بين فعل الكبيرة وانحباط جميع العمل، ولو سلّم على العادة فلا يسلّم لهم التلازم السببيّ الموجب بين انحباط العمل والخلود في النّار. ولو سلّم على العادة أو حتّى على الإيجاب فقد ظهر الاضطراب. وظهور الاضطراب في قولهم ناشئ من تنافي قولهم بأن الكبيرة موجبة للإحباط والإحباط موجب للخلود، وقولهم فعل خير أكثر ثواباً من الكبيرة يمنع الخلود ويدخل الجنّة. من جهة أن الجمع بين القولين يقتضي طرح وجوب الخلود، وإمكان التعذيب فترة ثم المآل إلى الجنّة لمن لم يتب، وإمكان المغفرة بالشفاعة للتائبين ودخول الجنة بلا عذاب، وهذا يؤول إلى تصحيح قول أهل السنّة بعدم وجوب شيء من ذلك لذاته، بل كلّ شيء بإرادة الله تعالى ولا يجب عليه تعالى فعل شيء. تأمّل.

قولك: (حسن أن خصصت الكلام بقولك "عندي" إذ قد ينازع في ذلك بعضهم)
أقول: نعلم أن المعتزلة ينازعون، ولكنا نقول إن ما قرروه من كلامهم في المنازعة لا يفيدهم، لأن استدلالنا لا يلتفت إلى كلمة أبداً كما بيّنته. لأدائها عندنا نفس المعنى الذي يريدونه من الخلود، ولكن ما تفيده من حكم التخليد ليس بواقع على غير المشركين بألوهيّة الله تعالى. فماذا تريد أنت من قولك: (إذ قد ينازع فيه بعضهم) من أي جهة ينازعونني، إنني أسلم لهم زمخشريّة أبداً كلنّهم، فماذا يفيدهم التأكيد إذا سلمته لهم وخالفتهم في محلّه. فعليك إذا كان لك معارضة أن تنصبّ على إثبات أن حكم أبداً عامّ لا في كلّ معصية مطلقاً بل عام في الكبائر خاصة وهو صعب المجتنى عليك وعليهم. فإننا نقول إن المعصية ههنا هي الشرك بالله، والخوارج قالوا هي مطلق المعصية وقولهم أقرب عندي بالنظر في هذه الآية وحدها من قول المعتزلة، والمعتزلة قالوا هي الكبيرة بما فيها الشرك. ودليلنا خصوص هذا العموم بآية ما دون ذلك، ودليل الخوارج عموم المعصية لكل المذكور، فكيف ظهر للمعتزلة أن (يعصِ) هي في الكبائر؟ إنّهم لجأوا أيضاً إلى التخصيص من آية (إن تجتنبوا) فكيف تنكر علينا تخصيص هذا العام كما سيأتي، ولا تنكره على حضراتهم؟
ثمّ قل لي: ماذا تتبنّى أنت في فاعل الكبيرة أو المعصية مطلقاً، أهو مؤمن أم لا؟ أهو خالد في النار أم لا؟ أم أنّك تقول إن جميع هذه الأقوال صحيحة؟ أم تقول إن أحدها صحيح ولا يمكننا أن نعرفه؟ أم تقول إنّ بعضها صحيح وكان يمكن معرفته في الزمن الذي نزل فيه القرآن، ثمّ الآن علينا أن نفهمه فهماً جديداً مناسباً لهذا العصر؟ وإن لم يكن شيء مما ذكرنا، فبيّن لنا ما قولك.

قولك: (هلا بينت الاحتمال الذي بطل به الاستدلال؟)
أقول: نعم. هذا الاحتمال مأخوذ من سياق الآية محل البحث، قال الله تعالى:
(قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً. قل إني لا أملك لكم ضرّاً ولا رشداً. قل إني لن يجيرني من الله أحدٌ ولن أجد من دونه ملتحداً. إلا بلاغاً من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنّم خالدين فيها أبداً)
والمعنى أنّا إذا نظرنا إلى جري الحديث نجده في التبليغ عن الله تعالى، فلم لا يكون معنى رسول الله جبريل، ومعنى (يعص) أي من الرسل في تبليغ رسالاتهم وأداء ما أمروا بتبليغه. وهذا الوجه الذي يظهر الله تعالى فيه سلطانه وجبروته وقهره وربوبيته حتى على أشرف الخلق محمد صلّى الله عليه وسلّم، ليس ببعيد، وهو موجود في القرآن الكريم كقوله تعالى: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا. إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا). وقوله: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا. إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا). وقوله تعالى: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فمنا منكم من أحد عنه حاجزين) وغيرها من الآيات، فهذا الأسلوب من خطاب الله لأنبيائه الكرام موجود في القرآن الكريم معلوم للمتدبر. فإذا جاز أن تحمل الآية على هذا المعنى بطل استدلال المعتزلة الذي جعلوه أصلاً من أصول الدين. وغايته ظنّهم لذلك المعنى. وعندي وجوه أخرى متعدّدة كما ذكرت لك سابقاً، لا أريد أن أذكرها لك الآن. وحين يأتي حينها سأجيبك عن كلّ الوجوه والعمومات التي تمسّكوا بها. فأمهلنا حتّى يبلغ الهدي محلّه.

قولك: (نعم وأظن هذا أحسنَ أجوبتهم، والإشكال عليه أن ما ظنوه مخصصاً لا يصلح للتخصيص ومثاله الآية الكريمة: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، وسيأتي الكلام عليها قريبا. والجواب العام على كل هذه المخصصات المذكورة في القرآن أنها مخصوصة فلا تصلح للتخصيص. ثم إني أرجو منك حتى أزيد في توضيح الكلام أن تذكر الأدلة القرآنية على التخصيص. إذ سيأتي الكلام لاحقا على أدلة السنة وغيرها)
أقول: قد ذكرت أولاً أن هذه الآية (إن تجتنبوا) لا يصحّ احتجاجهم بها لما بيّنته من المآخذ على استدلالهم ثمة في رسالتي الأولى، فلا يصحّ أن تعود إلى اعتبارها دليلاً ههنا حتّى تردّ كلامي هناك، وأنت لم تفعل بعد. ثمّ لماذا تقول إن آية (ما دون ذلك) لا تصلح للتخصيص لأنها مخصوصة والمعتزلة فعلوا نفس فعلنا كما ذكرته لك. ثمّ بيّن لنا كيف تردّها كمخصص بكلام مفيد، فإن سلّمناه لك أتيناك بغيرها من القرآن والسنّة.

على قولي: (وردّ أهل السنة استدلالهم بوجوه أخرى إن شئت استعرضتها وإياك)، قلت: افعل.
فأقول: قلت لك إني سآتيك بكلّ شيء في أوانه، ولكن عليك أن ترد ما أستدلّ به بشكل واضح قبل أن أفعل ذلك، لا أن تتكلّم بكلام علام دون أن تفصّل دليلك، وتطالبني دائماً بأن آتي بالمزيد من الأدلة قبل أن تفسد عليّ استدلالي بأدلتي الأولى. فهذا لا يتفق مع آداب البحث. ثم اعلم أنّي أفكّر فيما أقول قبل أن أكتبه، ولا أدّعي ما لا أملكه. فأرجو أن تدع هذه الطريقة الاختباريّة في الكلام معي، وتتواضع لا لي ولكن للبحث والقرّاء فمنهم الشيخ العلامة سعيد فودة على الأقل الذي تشهد أنت بأستاذيّته، وذكائه. فأعط البحث حقّه، وعلّق على مفاصل كلامي، وتكلّم في الأدلّة، وستجدني إن شاء الله في غاية السخاء معك ومع القرّاء. واعلم أنّه لا يلزمني أن أفيض في التوضيح كما هو معلوم، بل أن آتي فقط بالمطلوب دون إخلال. ولكنّي أجيبك عما تسأل بكلام مفهوم لك، مراعياً ما استطعت من يقرأنا ويتابعنا. والخبير في الكلام يعلم مفاصله، وما يعنيه منه، وما يجدر به أن يعلّق عليه ويتعلّق به. وما لا طائل من التشبّث به.

على قولي: (ولا يظنّ ظانّ أن هذا هو الدليل الوحيد لأهل السنّة على قضيّتهم هذه). قلت: (لم يقل أحد هذا، وأنا أنتظر أن تبين أدلتهم على هذه القضية)
أقول: وأنا لم أقل إن أحداً قال بذلك. بل غايته رفع الظنّ الفاسد وما دونه من شك ووهم وتكذيب عمّن قد يخالجه من عدم كلامي في غيره من الأدلّة. أما الأدلّة فعجل لنا في الجواب عما قلناه حتّى الآن، نعجّل لك في بيان غيره. ولعمري ما سرّ هذا التعطّش لمعرفة الأدلّة في مسألة صاحب الكبيرة والأمر كلّه لا يعني من لم يرى أنّه مكلّف بشيء من الله. لا بل إن من سقط عنه التكليف لا يعنيه حتّى أوّل الواجبات وهو معرفة الله تعالى في الأصح. فحريّ بك أن تحقّق هذا المقام لنا كما سألتكه من قبلُ، وحريّ بنا أن نسأله لشدّة داعيته.
على قولي: (ولكنّا في سائر هذه المناقشة سوف نجاري الكاتب لنحرر مواضع الاتفاق والاختلاف بيننا وبينه، ونبين للقارئ الكريم ما نسلمه من كلامه سواء على إطلاقه أو مع تقييده، وما نعترض عليه بعندنا أو بمجرد الاحتمال القادح في صدق قوله مطلقاً). قلت: (أرجو أن ينصب كلامك على الأجوبة والمناقشة العلمية)
أقول: ألا تقول لنا ما يزعجك في هذه العبارة. إنني أراها في صلب المناقشة العلميّة. إذ معلوم أن تحرير محل النزاع، ومحل الاتفاق مما يسلّم مطلقاً أو بقيد أو شرط، وكذا محلّ الاختلاف مطلقاً بدليل يبين فساد القول أو من وجه ما مع تصحيح وجه آخر.. إلخ من هذه الأشياء لهي أوّل ما يجب البدء به قبل المناظرة، لكي تتوارد الأحكام من المتناظرين جميعاً على محلّ واحد.

قولك: (تأمل عظيم ملاطفتك "فلا يلزم الحمر المستنفرة شيء منه")
أقول: نعم الحمير ليست بمكلّفة فلا يلزمها شكر المنعم. فلم أقل إن كلّ من سقط عنه التكليف ولا كلّ من اعتقد بسقوط التكليف فهو حمار حقيقة أو مجازاً. فتدبّر.
قولك: (فهل دفعت للجمارك شيئاً على كذبك هذا على الله تعالى؟)
أقول: أنا أعتقد أن من قال إن الله أسقط التكليف عنه فهو يكذب على الله تعالى. فحريّ بك أن تقول لي إنك لا تكذب على الله تعالى بدليل كذا وكذا، وأنك على أيّ حال لم تدفع كمركاً على هذا القول. كما لم أدفع أنا كمركه الآن. ولكنّا جميعاً سوف نسأل من الله تعالى عن كلّ ما نقوله، حيث لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به. اللهمّ اجعلني خصيم كلّ من يقول بهذا القول في الدنيا، وشاهداً على ما قال به عندك يوم يقوم الحساب. واهد أمّة محمّد صلى الله عليه وسلّم لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك.
أما قولك: (فهل هذه هي الملاطفة التي وعدت بها! وأنا إن كنتُ معتدياً فإني ما تفوهت بشيء يقرب من ملاطفتك، وربُّكَ يقول:"من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان اليهود يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم يقولون عليك السام ففطنت عائشة لقولهم فقالت عليكم السام واللعنة فقل النبي صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله فقالت يا نبي الله أولم تسمع ما يقولون قال أولم تسمعي أني أرد ذلك عليهم فأقول وعليكم" على أن ربَّ فادي ربٌ رحيم وخصم فادي خصمٌ كريم فما شأنك بيننا سامحك الله)
أقول: لا ليست هذه الملاطفة التي وعدت بها، بل الملاطفة التي وعدت بها هي أن لا أقهر قول الخصم بكلّ ما لديّ من أدلّة دفعة، بل أتدرّج في قوة الاستدلال وبيان تهافت قول الخصم حتى يعلم كلّ منصف أنه ما يأتينا بحديث إلا ونأتينه بأحسن منه أو بمثله. أما أنّ ربّ فادي ربّ رحيم فوالله إنّ. وما أنت بأعلم منّي بخصم فادي. وأما شأني بينكم فليس أزيد من شأن واحد بصديقه العزيز وأخيه في الله. ولعلّ ما قاله الشيخ كان فصل الخطاب، ولربما كان الأولى أن أنظر الله تعالى يدافع عن الذين آمنوا. والأخذ به لم يكن واجباً عليّ. فإن صفحت ودعوت فخلق من استشهدت بقوله فلا تنه وتأتِ، وإن أبيت وتمنّعت فإنا سائلوها أكرم الأكرمين الذي يعلم ما في نفسي مما أتوسّل له به.

قولك: (هذا إن سلمنا أن الشرك حقيقة فيما ينافي التوحيد فقط، وللمعتزلة أن يخالفوا في هذا، أما من حيث اللغة فإنه ظاهر أن الشرك ليس موضوعا في أصل اللغة للدلالة خصوصا على منافاة التوحيد، وأما بالشرع فإن الشارع قد سمّى عظيم المعصية شركاً... فالشارع الحكيم أطلق الشرك على ما ينافي التوحيد وعلى عظيم الذنب فحمله على أحدهما دون الآخر في الآية الكريمة تحكم دون دليل)
أقول: قولي إن الشرك حقيقة أي شرعيّة أي وضع من الشارع. سلّمنا أن الشرك في اللغة لم يوضع للكفر بالله بالشريك الأعمّ والشبيه والقسيم أي الإيمان بمشارك في الذات أو الصفات أو الأفعال، ولكنّنا لا نسلّم أن هذا ليس هو الوضع الشرعيّ. ثم الشارع نقله إلى بعض الكبائر مبالغة في تعظيم أمر من أذنبها. ولقائل أن يقول أيضاً إن المثالين المذكورين وكل ما سمّاه الشارع شركاً إمّا أن يكون شركاً على الحقيقة الشرعيّة وكما سننوعه الآن، أو أنّه ظاهر في تجوّزه فيه لوضوح علاقة المجاز فيه بين المعنى المراد وبين معنى الشرك الحقيقي. قال أبو البقاء: الشريك المشارك. قلت: وهو لا ينفعك ههنا. وقال: أكثر الفقهاء يحملون المشركين على الكافرين جميعاً. وقيل هم عدا أهل الكتاب لقوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذي هادوا والصابئين والنّصارى والمجوس والذين أشركوا) فأفرد المشركين عنهم. والشرك أنواع: شرك الاستقلال: وهو إثبات إلهين مستقلين كشرك المجوس. قلت: أي لقولهم بوجود إلهين إله للنور تأتي منه الخيرات وإله للظلمة تأتي منه الشرور. ثم قال: وشرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى. وشرك التقريب: وهو عبادة غير الله ليقرّب إلى الله زلفى، كشرك متقدّمي الجاهليّة. وشرك التقليد: عبادة غير الله تبعاً للغير كشرك متأخري الجاهليّة. وشرك الأسباب وهو إسناد التأثير للأسباب العاديّة، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك. وشرك الأغراض وهو العمل لغير الله تعالى.
قلت: وكلّ كلامه أدلّة لي كما ترى. أما الطيرة ففي معنى الشرك الحقيقي من اعتقاد تأثير بعض الأشياء في تغير مجريات الأمور والأقدار. وكانوا ينهرون الطير فإذا طار يمنة فعلوا لاعتقادهم أن مآل الأمر خير، وإن طار يسرة أعرضوا عن عزمهم لاعتقادهم أنه ما دام الطير سعى شمالاً فلا بد أن عاقبة الأمر سوءاً، وهذا ما أنزل الله به من سلطان، إذا لا مدبّر ولا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى. وأمّا ترك الصّلاة فدليل لنا، إذ لولا ظهور الشرك في الكفر وتبادره عند إطلاقه علامة على هذه الحقيقة الشرعيّة لما اشتبه على بعض الفقهاء تكفير تاركها مشياً مع الظاهر. وعلى قولنا بالمجاز عن عظيم الذنب المرتكب فعلاقته مسببيّة لأن من كفر ترك الصلاة، وقد يقال غير ذلك من علاقات المجاز.
يتبع إن شاء الله تعالى ...
وصلّى الله وسلّم وبارك على خير ما اكتحلت بمرآه العيون، سيدي ونور قلبي محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين

بلال النجار
04-12-2003, 14:30
بسم الله الرحمن الرّحيم
القسم الثاني من مناقشتي لردّ فادي على مناقشتي العامة لمقالته (إشكالية فهم النصّ القرآني)
قوله: (على أنني لو سلمت أن هذا الكلام غير صحيح فلن أسلم لك أن الآية غير متشابهة)
أقول: قوله: (إن هذا الكلام غير صحيح) يعني لو أنّه سلّم أنّ الشرك ليس حقيقة في ضد التوحيد فإنه لا يسلّم أن الآية محكمة غير متشابهة. وكلامه في قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). فدعونا نتأمل هذه الآية من وجوه عدّة لنرى هل معنى الشرك ههنا هو ضد التوحيد وأنّه ظاهر فيه لكونه المتبادر والحقيقة الشرعية له أم أنّها تحتمل معنى الكبيرة كما يدّعي فادي وينسبه إلى المعتزلة احتمالاً راجحاً أو على الأقل مساوياً، بحيث ينكر ظهور ضد التوحيد ويقرر إجمال الآية على الأقل أي احتمالها لكلا المعنيين احتمالاً متساوياً. فأقول إن الشرك ككلمة مفردة مستقلّة عن سياقها، وباعتبار سياقها هذا فإنها حقيقة شرعيّة في ضدّ التوحيد، ولنا على ذلك وجوه:
أولاً: أنّ المعتزلة أنفسهم لم يخالفوا في هذه الآية بأن الشرك ههنا ليس ضدّ التوحيد، انظر صاحب الكشاف يقول في تفسيره لقوله تعالى: (ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين..) البقرة 105: (.. لأنّ الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب، والمشركون، كقوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين). وقال عند تفسيره للآية السابقة: "فإن قلت: قد ثبت أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قول الله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفيّ والمثبت جميعاً موجّه إلى قوله تعالى (بمن يشاء) كأنّه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك، على أنّ المراد بالأوّل من لم يتب، وبالثاني من تاب. ونظيره قولك: إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء. تريد: لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله". اهـ بتمامه.
فأقول: أما الموضع الأول من كلامه فواضح. وأما الثاني الذي حاول فيه أن يحرف الآية عن معناها المتبادر الظاهر كما سيأتي تفصيله فهو ههنا ينصّ فيه نصّاً على أن الشرك هو ضد التوحيد. فالمعتزلة لم يستطيعوا أبداً أن يدّعوا ههنا بأنّ الشرك في هذه الآية هو الكبائر لشدّة ظهور معناه في ضدّ التوحيد، فلا أدري هل تتوهم أن صاحب الكشاف في هذا الموضع يقول ذلك. وسيأتيك على أي حال تعليق عليه عمّا قليل يظهر لك ضعف تفسيره. ولقد تابعته في أكثر وأهم المواضع التي وردت فيها كلمة الشرك أو أحد مشتقاتها في القرآن الكريم فلم أجده أشار ولو إشارة أن الشرك حقيقة في الكبائر فلعلّك تدلّني أين قالها.
ثانياً: إن الكبيرة أعمّ من الشرك قطعاً. وغير الشرك من الكبائر هو دون الشرك معصيةً وذنباً، يوافقنا على ذلك الزمخشريّ نفسه حيث بين أن مما هو دون الشرك الكبائر: (دون الشرك من الكبائر). وهذه الآية قد ذكرت فيها جميع الذنوب بالاتفاق، فصار المعنى إن الله لا يغفر الشرك وحده ويغفر كلّ ذنب دونه إذا شاء. والآية لم تذكر التوبة أبداً فصار كل منصف يعرف ما ينبغي أن يكون موضع اتفاق بيننا وبين المعتزلة ألا وهو: أن الله لا يغفر للمشرك الذي لم يتب، وأنه إذا أراد أن يغفر للمؤمن الذي ارتكب ما دون الشرك والذي منه الكبائر فعل، وإذا شاء لم يفعل. أما إدخال الزمخشريّ للتوبة وتقسيمه المذكور بأعلاه، فتحكّم من محض رأيه. وتخصيص لمعنى الآية بلا وجه حقّ إذ لم ترد التوبة في سياقها فيعلم أن الأصل أن الكلام فيمن لم يتب، فلا جرم طالبناه بدليل على قسمته هذه التي جعل مقسمها التوبة، وهو لو كان مقصوداً لكانت البلاغة تقتضي ذكره لكونه أساس فهم التقسيم.
ولا يخفى أن تفسيره يقتضي تقدير محذوفين هما (من لم يتب) وقصد به المشرك، و(من تاب) وقصد به من تاب على ما قيّده. وفهم الآية بلا تقدير محذوف أولى من فهمها مع تقديره. لأن الأصل عدم التقدير.
ثمّ إن الزمخشريّ راوغ أو أنه ذهل عن أصل المعتزلة في إيجاب المغفرة والعقاب على الله تعالى، لأنه على أصلهم فإن التوبة سبب موجب في المغفرة، وفعل الكبيرة سبب موجب للإحباط والخلود في النار، فتعليقه نفي المغفرة وإثباتها على المشيئة لا معنى له البتّة. فإن المعتزلة يوجبون عليه تعالى المغفرة للمطيع وإثابته وعقاب العاصي على فعله على أصلهم في العدل والتوحيد. فكيف يعلقها على المشيئة ههنا؟! أجبنا أنت عنه إن كنت تؤيد قولته.
وتأمل تجد معنى كلامه: إن الله لا يغفر للمشرك الذي لم يتب إذا شاء، ويغفر للتائبين من غير المشركين ما كان دون الشرك إذا شاء. فكيف يستقيم هذا الكلام وهم القائلون بأن المشيئة لا يمكن أن تتعلق بخلافها. وهذا موضع غاية في الأهميّة ومن يفهمه يعلم قدر تهافت كلامهم في هذا المحلّ، وسأشرحه إن شاء الله قريباً شرحاً لا يبقى معه شكّ في اضطراب كلامهم وفساده.
وقولهم إن الله يجب أن لا يغفر للمشرك الذي لم يتب، فما معنى قولهم ههنا إذا شاء لا يغفر. إننا لا نفهم من هذه المشيئة إلا أنّه تعالى إذا شاء غفر وإذا شاء لم يغفر. وهذا يقتضي أن يغفر الله إذا شاء للمشرك الذي لم يتب، وهو باطل على أصل المعتزلة كما بيناه، كما أنه باطل على أصلنا لا لعدم جوازه عقلاً عندنا بل لأنّه خلاف قول الله تعالى المحكم (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنّم خالدين فيها أولئك هم شر البريّة) وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا. خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) والمشركون كافرون بالإجماع والاتفاق. وقوله تعالى: (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) والمشركون من هؤلاء بالإجماع والاتفاق، لأن الشرك أعظم معصية، وهو أعظم كبيرة حتى على قول المعتزلة بأن المقصود بالمعصية ههنا الكبائر. فقد علمنا من قول الله القاطع الدلالة مشيئة الله تعالى في المشركين محلّ الكلام وهم من لم يتوبوا اتفاقاً من هذا الخبر المستيقن، وهذه المشيئة هي خلودهم في جهنّم، فلا معنى لقول الزمخشري ههنا إذا شاء، لأنّها تقتضي أن الأمر غير معلوم لنا، فبان ضعف تعليقه النفي الوارد بالمشيئة لكونه معلوماً قطعاً. فيكون المعلّق على المشيئة المعنيّ بهذه الآية هو غفران ما دون الشرك بما فيه الكبائر الأخرى. فإن قيل فإن كلّ فعل فهو متعلّق بمشيئة الله تعالى، فلم تمنعون تعليق النفي والإثبات على المشيئة؟ قلنا: نعم إن الكلّ بمشيئة الله، ولكنّا نفهم من قوله تعالى (لمن يشاء) أن الأمر مردود إلى الله وإن كانت مشيئته قديمة، وإن كان المعلوم لنا أنّه قطعاً سيغفر لبعض أهل الكبائر من دليل آخر، ولكنّا لا نستطيع أن نعرف هل سيغفر لكلّ واحد واحد أو لواحد معيّن أم لا، وهذا هو المعني بقوله (لمن يشاء) وجعلها في عقب قوله (ويغفر ما دون ذلك) أي يغفر لمن يشاء ممن فعل دون ذلك. وهذا الخلاف في المشركين من غير أصحاب التوبة وإلاّ لو جاز دخولهم في المغفرة على قول الزمخشري كما فهمه بتعليقه النفي بالمشيئة لناقض مقطوعاً به أو لم يفد تفويض الأمر لعدم المعلوميّة للكلّ أو لواحد على التعيين كما أفاده في صاحب الكبيرة، والله تعالى أعلم بكتابه. فتأمّل. وقد تأملته والحقّ أن تعليق الأمرين على المشيئة مستقيم على مذهب السنّة لا على مذهب المعتزلة القاضي بالإيجاب، ونفي الاختيار عن الله تعالى. ولعلّي أبين هذا الموضع لاحقاً عند بحث أصولهم.
والكلام نفسه يجري في فاعل الكبيرة فهو يقول ما معناه: إن فاعلي الكبائر وغيرها مما هو دون الشرك إذا تابوا فإن الله يغفر لهم إذا شاء، وهذا جزء قول أهل السنّة فإننا نقول إن الكبائر وبأولى ما دونها جائز أن تغتفر بالتوبة والشفاعة إذا أراد الله ذلك فعفا سبحانه عن العبد. ولا يجب بالشفاعة ولا بالتوبة العفو. فكيف يستقيم هذا الكلام مع قول المعتزلة بوجوب الثواب والعقاب على الله. والحاصل أنه لا معنى لتعليقه النفي والإثبات بالمشيئة على أصله فيسقط تمسّكه به. ومن جملة قوله يؤخذ أنه يمكن أن يغفر الله تعالى للمشرك الذي لم يتب، ولا يغفر للمؤمن فاعل ما دون الشرك إذا تاب، وهذا القول لا يرضاه واحد من المعتزلة. تدبّر.
وتطبيق الآية على نظيره الذي أتانا به لنفهمها من خلاله، يقتضي أن يكون معنى القنطار هو الشرك والدينار هو الكبيرة وما دونها، والبذل المغفرة. أي: إن الله لا يغفر الكبيرة لمن لا يستأهل تلك المغفرة، ويغفر الشرك لمن يستأهل المغفرة على حدّ قيده بالاستئهال. فنسأله ما معنى استئهال المغفرة إذا لم يكن هو التوبة. فإن سلّمه، فالمعنى: إن الله لا يغفر الكبيرة لمن لم يتب منها، ويغفر الشرك لمن تاب منه. أما في الشرك فمسلم قوله فيمن كان مشركاً وتاب على الجواز لا الإيجاب الذي يقتضيه قوله بالتأهّل، وأما في الكبيرة فلا نسلّمه لأنّا نقول يجوز شرعاً أن يغفر الله لصاحب الكبيرة وإن لم يتب، وليس هذا إرجاءً لأن المرجئ موجب ونحن نفوّض الأمر إلى الله ونتعلّق بمطلق الجواز تصديقاً لقوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وغير ذلك من الآيات والأحاديث. فإن أراد بالقنطار دون الشرك وبالدينار الشرك لم يسلّم له التشبيه. ولئن سلّم صار المعنى: إن الله لا يغفر الشرك لمن لم يتب منه، ويغفر ما دونه لمن تاب منه. ولا يسلم أنّه يشترط التوبة لحصول المغفرة في ما دون الشرك كما قلناه. لأن مدار كلامهم على الإيجاب والاستحقاق، وليس ثمّة حقّ للعبد على الله تعالى، فإنه إن شاء عذّبه عدلاً، وإن شاء غفر له فضلاً. فكيف يجمع لنا الزمخشريّ بين قوله (إذا شاء) وقوله (الذي يستأهل ولا يستأهل) فضلاً عن اشتراطه التوبة! وعلى أيّ حال فربما لن يتضّح معنى هذه الإلزامات بما يكفي إلا إذا فهم الواحد أصول قول المعتزلة. فالمسألة في نظري ليست كما يصوّرها فادي أن المعتزلة وغيرهم من المبتدعة نظروا في الشريعة فظهر لهم هذا القول الذي يمسّكون به، بل الواقع أن لهم أصولهم العقليّة التي خرّجوا عليها بأوهامهم وظنونهم هذه المقالات ثم صاروا يتعلّقون بالقرآن الكريم ويدّعون التشابه في المحكم، ويتعلّقون بالمتشابه، ويلبسون الآيات والأحاديث الظاهرة خلاف ظاهر معانيها ليحتجوا لأقوالهم. وبياناً لهذا الأمر سأعقد فصلاً لتبيين أصل الخلاف بين المعتزلة وأهل السنّة، ومنشأ أقوال المعتزلة ليطمئن قلب فادي أن المعتزلة لم يبدؤوا بفهم القرآن الكريم والسنّة الشريفة فظهرت لهم هذه المقالات استنباطاً منها، بل قرروا مقالاتهم باستدلالات عقليّة فيها من الضعف ما لا يخفى للمنصف المتأمّل ثم ألبسوها للقرآن والسنّة، وليت استدلالاتهم كانت قطعيّة، فلو كانت كذلك ما عارضت الكتاب ولا السنّة أبداً. فلنرجي الكلام في هذا إلى محلّه فسيأتي إن شاء الله.
ثالثاً: أن ضدّ التوحيد لغة الإشراك وليس ترك الصلاة أو الزنا أو شرب الخمر وغير ذلك من الكبائر تصلح لأن تكون ضدّاً. كما أنّ ضدّ الإيمان الكفر. وبضدّها تتميّز الأشياء. فصار المعنى الشرعيّ الحقيقيّ للشرك هو ضد التوحيد، فحمله على المعنى المجازي تأويل يحتاج إلى دليل منفصل إمّا أن يكون لفظيّاً أو عقليّاً. وهذه المسألة ليس لهم عليها دليل عقليّ قطعيّ كما هو معلوم، وغاية ما يأتونا به بعض الأدلة العقليّة الهزيلة أو اللفظيّة التي لا تسلّم لهم. ولو سلّمت لكان غايتها الظنّ كما تقرر في علم الأصول أن الدلائل اللفظيّة موقوفة على نقل اللغات ونقل وجوه النحو والصرف وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار وعدم المعارض النقليّ والعقليّ، وكلّ ذلك مظنون، فالموقوف عليه بأولى أن يكون مظنوناً. فغاية ما يستطيعه المعتزلي أن يجد دليلاً ظنيّاً لشيء يدّعيه أصلاً في الدّين، والاستدلال بالدليل الظنّي على أصول الدّين لا يجوز. وهذا المحلّ من إيجاب القطع على الناس فيما غايته الظنّ أحد أهمّ وأكثر مزالق المعتزلة التي أوقعتهم في البدع.
رابعاً: قال أبو البقاء: "والظاهر والمفسَّر والنصّ سواء من حيث اللغة لأنّ ما هو معنى اللفظ في الكلّ –قلت: أي مشترك في أنه- لا يخفى على السامع إذا كان من أهل اللسان" اهـ وأقول إن كل إنسان يعرف العربية إذا سألته ما معنى الشرك؟ أشار لك بما هو ضدّ التوحيد والإيمان ولم يذكر كبائر المعاصي. وقال الجوهريّ: الشرك الكفر. وفي اللسان بحث الشرك بحثاً طويلاً لم أجد فيه شاهداً يذكر على ما تقول، ومثله القاموس، والفروق لأبي هلال العسكري، وكذا الراغب، وغاية ما أشار إليه الراغب ونقله عنه صاحب اللسان الشرك الخفيّ من الرياء وأشباهه وهو لا ينفعك لأنه من جنس عدم التوحيد على التنويع الذي ذكرناه فيما مضى. وقد بحثت فيما لدي من كتب لأجد واحداً من العلماء يقول بأن الشرك حقيقة في الكبائر فلم أجد، فإن كنت تعرف محلاً تدلّني عليه فاذكره ولك من الله خير الجزاء.
ولكي لا أطيل أود الاكتفاء ههنا بعرض الآيتين الكريمتين التي ورد فيهما (دون ذلك) في سياقهما في سورة النساء، وفائدة ذلك أنّه لو سلّم لك أن لفظة يشرك تطلق إطلاقاً شرعياً حقيقياً بالاشتراك على ضد التوحيد وعلى الكبائر، ولا أسلّمه، فعلى فرض هذا التساوي في الإطلاق فدعنا ننظر في سياق الآيتين ونتدبر القرائن اللفظية المحتفّة بالكلمة لنرى ما هو المعنى الذي يظهر لنا من كلمة (يشرك) هل هو فعل الكبيرة أم ضد التوحيد.
في السياق الأول، قال الله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (44) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا (45) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً (47) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (51) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا).

وفي السياق الثاني في سورة النساء، يقول تعالى:
(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (116) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا (117) لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118)
ومن يفهم العربية ويتجرّد للإنصاف يظهر له أن سياقي الآيتين في الكفار وليس في المؤمنين. وهذا ليطمئن القلب فإن قيل إن العبرة في عموم اللفظ لا في خصوص السبب. قلنا هذا حقّ، ولكنّ هذا العموم المدّعى معارض بكثير من العمومات الواردة في الوعد، وكل متدبّر للقرآن يعلم أن آيات الوعد التي فيها عمومات صريحة أكثر بكثير من آيات الوعيد، وكثرة الأدلّة دليل معتبر في الأصول على رجحان القول. فهذا دليل يحسب لنا. فضلاً عن أن هذه العمومات أنفسها التي تعلّق بها المعتزلة لم يسلّم لهم شيء منها وقد أجاب متكلّموا أهل السنّة عن كلّ موضع تعلّقوا به، وإذا يسّر الله تعالى من الفراغ ما يكفي نقلناها وفنّدناها على ما وعدنا.
قوله: (إذ غاية ما يمكن أن تثبته هو أن الدلالة في الآية على ما ذكرت دلالة ظاهر لا نص، وهذا الظاهر معارض بظاهر الآية التي استدل بها المعتزلة وهي قوله تعالى: "ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً" وتخصيص هذا الظاهر بظاهر معارض تحكم بلا دليل، فإنا إن عكسنا وخصصنا الآية التي استدل بها الأشاعرة بالآية التي استدل بها المعتزلة لكان صنيعناً بمنزلة صنيع المخالف، فهلا بينت لي كيف يمكن أن تحل هذا التعارض بناء على أصولك المنضبطة؟)
أقول: إذا سلّمت أنت أن آية (ويغفر ما دون ذلك) ظاهرة في جواز مغفرة الكبيرة وعدم الخلود في النار كفاني ذلك لاعتبارها محكمة لا متشابهة، فإن قلت إن آية (من يعص) متشابهة وجب عليك أن ترد المتشابه إلى المحكم فتحمل عموم الثانية على خصوص الأولى. وإن قلت إنّها ظاهرة في الكبائر لم يسلّم لك ذلك لا المعتزلة ولا نحن ولا أحد من العقلاء. فإن الظاهر هو الذي يدلّ على معنى راجح، فكيف تدلّ المعاصي على الكبائر ههنا بالرجحان. فإن كان من جهة لفظ المعاصي فإنها حقيقة في كلّ ذنب صغير وكبير، فلا ينفعك ذلك في ادعاء ظهورها في الكبيرة فحسب، وإن كان لقرينة الخلود صار مصادرة على المطلوب، وبناء منك على قول لم يسلّم لك، لأن مطلوبك إثبات الخلود لفاعل الكبيرة، فكيف تسدل على كون المعاصي ههنا بمعنى الكبيرة باقتران الخلود جزاء لفاعلها. وحاصل الكلام أني لا أسلّم لك أنّ تخصيصنا هو تخصيص ظاهر بظاهر مطلقاً بل إنا ندّعي أن الآية نصّ في جواز المغفرة لأهل الكبائر والمعاصي وخلود المشكين في النار يبيّن مجمل قوله تعالى (من يعص) بأن المقصود منه أهل الشرك ممن لم يتب. ثم إني أريد أن أسلّم لك أنها تتناول صاحب الكبيرة فلم لا يقال على سبيل المعارضة إن المراد بالخلود والتأبيد ههنا المكث الطويل في النار، سواء كان معه دوام أو لا احترازاً عن المجاز أو الاشتراك، أي إن يعص إذا قلنا إنها تناولت صاحب الكبيرة والمشرك اللذين لم يتوبا على قول المعتزلة وتناولت المشرك الذي لم يتب على قولنا، فلم لا يكون الخلود حقيقة في طول المكث، فيكون طول المكث لفاعل الكبيرة كما يقال حبس مخلّد ومؤبّد، وخلّد الله ملكه أبداً، ووقف مؤبّد ومخلّد أبداً.. إلخ، والمراد طول المكث في الاستعمال الشايع بالاتفاق. ويكون الكلام صحيحاً في المشرك بمعنى أنّه خالد على الدوام اتفاقاً. لأنّ طول المكث قدر مشترك فيهما، فهذا حلّ للإشكال. أفلا تأمّلته.

على قولي: (ثم إن دليل أبي القاسم الكعبي هذا بعد تضافر أدلّة...) قلت: (كلام صحيح لا ينبغي أن يفكر بالاعتراض عليه غير أنه غير لازم لي إذ لم أستدل به، وقد بينت لك سبب ذكر الآية)
أقول: إن ما أوردتُه على استدلال المعتزلة بآية (ومن يعصِ) مسقط لظهور المعنى الذي يريدونه فيها، وأنت ما زلت تتعلّق بهذه الآية وتستخدمها في محالّ النزاع، فكيف تفعل ذلك وأنت ترى أن اعتراضي على استدلالهم بها صحيح تماماً ولا يفكّر في الاعتراض عليه. فإما أن تجيب عما توجّه عليها من إيرادات لكي يحقّ لك أن تتعلّق بها في كلامك في محلّ النزاع أو أن تضرب عن ذلك صفحاً فلا تعود لاستخدامها. ثمّ إن سبب إتيانك بها هو تسويغ قول المعتزلة، لكي تقول بعد ذلك هذا موضع من القرآن مشتبه يحقّ لكلا الفريقين أن يتعلّقوا به، وبإفسادنا لاستدلالهم لم يعد هذا الموضع مشتبهاً، فائتنا بغيره للنظر فيه إن كنت لا ترغب في ردّه.
يتبع......

بلال النجار
04-12-2003, 15:11
بسم الله الرحمن الرحيم

القسم الأخير من مناقشة ردّ فادي على تعليقاتي على كلامه

قولك: (أما خلاصة الخلاصة فهي أن إمكان فهم الآية الأولى وهي (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) على خلاف فهم المخالف مازال قائماً)

أقول: إننا في كل ما مضى من الكلام استدللنا على أنّ هذه الآية ظاهرة في المعنى الذي نقوله وهذا المعنى مدعّم بكثير من الأدلّة الأخرى في القرآن الكريم والسنّة. ونحن نتحدّى أن يأتينا المعتزلة باستدلال لا نقوى على ردّه. ولكنّك حين تقول هذا الكلام فإنك لا تستدلّ عليه. أي إذا كنت تقول إن الآية السابقة تحتمل أن الشرك هو الكبائر وما دون ذلك هو الصغائر فاستدلّ لهذا القول. ثم اعلم أنّا لا نحتاج إلى غير إثبات أنها محكمة في المعنى الذي قررناه أي أنّ مجرّد كونها محتملة لو سلّمناه فلا يفيدك، فنحن لا نحتاج لكي نثبت أنها نصّ في غفران الكبائر ليتمّ كلامنا بل يكفينا ظهور هذا المعنى للتعلّق بها كقول محكم نفسّر ونبيّن به ما أجمل وأشكل من المتشابهات الأخرى، أمّا أنت فهل يمكنك أن تثبت أنها ظاهرة في عدم مغفرة الكبائر؟ أو هل يمكنك أن تردّ استدلالاتنا على ظهورها في المعنى الذي قررناه؟ أو هل يمكنك أن تأتينا بنصّ أو دليل عقليّ يفهم منه ما تريد؟ هكذا يكون النظار لا أن تقول قولتك هذه: (أما خلاصة الخلاصة...إلخ) فإن هذا الكلام لا وزن له. فكأنك تقابل استدلالنا بقولك: هذا الكلام غير مقنع لي، دون أن تأتينا بما يردّه. فزد من بحثك ونظرك وقل لي ماذا ترى؟

قولك: (إن كنت تقصد بقولك "بتشابه الكلام" القرآن فالمقالة تدور على عدم وجود الضابط المضبوط ونحن لا زلنا نبحث فيما تدعيه من ضوابط)

أقول: ذكرنا لك ضابط المتشابه والمحكم فيما مضى، وقلنا إن المتشابه هو المجمل والمأوّل مما يمكن علمه احترازاً عن موعد الساعة وكثير من الغيوب والحقايق التي لا يمكن النفاذ إلى معرفتها بالنظر إجماعاً، والمحكم هو النص والظاهر. وهذا القدر كاف للتميز بين المحكم والمتشابه. إذا علم أنه يجب ردّ المتشابه إلى المحكم إجماعاً. لأنّ النص ما لا خلاف فيه. والظهور له ضوابطه وأسبابه، وكذا الإجمال والتأويل. ولا تخرج نصوص الشريعة عن ذلك لتمام القسمة التي ذكرناها فيما مضى. فإن اتفق على ظهور معنى سلّم ظهوره وعلى من يدّعي إمكان ظهور خلافه فليأت بمرجح لظهور ما يدّعي ظهوره. ونحن نبين المجمل على مذهب أهل السنّة فمن أراد أن يبيّنه على نحو يخالفهم فيه فليأتنا بأدلته لننظر فيها، وكذا الكلام في تأويلات علمائنا رحمهم الله تعالى. ولا عبرة بالكلام العام، فكلّ موضع تستشكله من كلام علماء أهل السنّة فائتنا به، وسنجتهد في توضيحه ومناقشته إن شاء الله. نحن لا ننفي أن كلّ من خالف أهل السنّة والجماعة في الفهم وبخاصة في المسائل الاعتقاديّة فقد تعلّق بآيات جعلها محكمة وبأخرى جعلها متشابهة على نحو يخالف نظرة أهل السنّة لها، ولكنّا نقدر على بيان فساد نظره، وعدم استقامته في طريقته، وعدم اطراده مع أصوله، فلذلك قلنا إنه لا يسلّم قول كل من قال إن هذه الآية متشابهة وهذه محكمة حتّى تكون منضبطة مع ما ذكرناه. ولا نقول إننا لا نسلّم ذلك تشهّياً، بل لأن ما لا نسلّمه من القول ضعيف أو مردود. فلا يقال وهم لا يسلّمون لكم ذلك، فاستوى حالكما. لأنا نقول: بل إن بيننا وبين من يخالفنا الدليل، فهات ما تريد من المسائل وللنظر هل يمكنك أن ترد أدلتنا أوْ لا يمكنك. ومن لا يريد الاحتكام إلى الدليل فلا كلام لنا معه، كما هو معلوم، لأنّه إنما يتّبع هواه. وسنزيد الأمر بياناً ونشرح المحكم والمتشابه وضابط ذلك بما فيه الشفاء إن شاء الله تعالى قبل أن نشرع في بيان أصل الخلاف في هذه المسألة، فانتظره.

على قولي: "وإلاّ لم ينضبط علم ديني مطلقاً" قلت: (هذا اللازم الذي جعلته دليلا مُلتَزَمٌ، فالمقالة تدور على عدم انضباط فهم القرآن بناء على الطرق التقليدية في الفهم فتأمل! )

أقول: يبدو أنّ عليّ أن أفصّل في كلّ دليل دليل لكي لا يشتبه عليك المراد من كلامي. فإنك لم تدرك المقدمات الناقصة من هذه العبارة الموجزة فسارعت بالتزام شيء في غاية القبح، وهو عدم انضباط شيء من العلوم الدينيّة. وتمام الدليل أن يقال: إنّ الله تعالى وصف كتابه كلّه بأنّه محكم فقال: (تلك آيات الكتاب الحكيم)، وقال: (كتاب أحكمت آياته)، ووصف كتابه كلّه بأنّه متشابه فقال: (كتاباً متشابهاً مثاني) والمعنى ههنا أنّه يشبه بعضه بعضاً في الحسن، ويصدّق بعضه بعضاً، وهو المشار إليه بقوله تعالى: (لوجدوا فيها اختلافاً كثيراً). ووصف كتابه بأنّ بعضه متشابه وبعضه محكم، فقال: (منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات). وهذا بالاتفاق. وسنأتي إلى بحث هذه الآية بتفصيل إن شاء الله تعالى.
ونحن ندّعي أنّه حين يجتهد أصحاب المذاهب في البحث تصير المحكمات مفسّرة للمتشابهات، فيتخلصون من الباطل ويصلون إلى الحق.
فلو تعلّق واحد بأنّ القرآن كلّه متشابه بمعنى أنّه غير مفهوم ولا معلوم المراد منه على التعيين، لم ينضبط علم ديني، ولكنّ الواقع بخلافه، فإنّا نعلم معلومات دينية يقينيّة مأخوذة من القرآن بالاتفاق، إذاً فاللازم باطل، فالملزوم مثله. فثبت أنّه لا بد أن لا يكون كلّ القرآن متشابهاً قطعاً. فمنه المحكم الذي يفسّر المتشابه. وهذا القدر ضروري واضح متفق عليه بين المذاهب. فكيف تقول بأنّك تلتزم أنّه لا ينضبط علم دينيّ البتّة، ولا تجد في نفسك غضاضة بالتزام هذا القول الشنيع. وإن كان هذا هو دليلك في إسقاط الكلفة عن نفسك فإني أعظك أن تكون من الجاهلين فقد بيّنا لك فساده وما ذكرنا بعد إلا القليل. وقد سمعت من بعض الناس شيئاً قريباً من هذا كيف يكلّف الله المبالغ في اجتهاده إذا لم يهتد إلى الإسلام ولم تلح له دلائل الحق، فإنّه معذور. فإن كان هذا ما تتعلّق به فإني لا أسلّم أنّك اجتهدت في البحث بما يكفي وأنه لم يقع منك التقصير. والكلام في ذلك يطول وقد عرضت عليك من قبل وأكرر ذلك الآن أنه يسعدني أن أتباحث معك في هذا الأمر في موضوع مستقلّ. فاكتب في ذلك لأني أراه من أهمّ المهمات، ولا أرى من كان مثلك معذوراً أبداً، فثب لرشدك هداك الله تعالى.

على قولي: (ألم تر إلى البعض يدّعي التشابه في قوله تعالى (خالق كلّ شيء)، وفي قوله تعالى (ليس كمثله شيء)، فهل يعتدّ بهذا الفهم وهذا الخلاف) قلت: (الكلام ليس في هذه المسائل على أن الأدلة عندي متكافئة فيها أيضاً بالنظر إلى طرق الاستدلال التقليدية.)

أقول: نعم الكلام ليس في هذه المسألة، وإن أردت أن لا نتكلّم فيها لم نفعل تقليلاً للانتشار. ولكن لتعلم أن الدليل العقليّ القطعيّ قام على استحالة التشابه بين الخالق والمخلوق، وهنالك أدلّة تنصّ على أنّه تعالى ليس له شبه ولا عدل، فكيف تدّعي أنّ الأدلّة في هذا الأمر متكافئة؟ ثمّ إن من شبّه الله بخلقه مستنداً إلى هذه الآية قال إن الله تعالى نفى المثل ولم ينف الشبيه. واعلم أنّه لو اجتمع أهل الأرض والسماء منذ خلق الله الخلق إلى اليوم وأنت معهم وابن تيميّة من جملتهم فلن يتمكّنوا من إثبات شبيه لله تعالى لاستحالة ذلك عليه سبحانه، فما وجه قولك إن الآية متشابهة؟ إن كان ميلاً إلى تسويغ القول بالشبيه فانثر ما في كنانتك من أدلّة لنريك كيف يكون الكلام والاستدلال.

أمّا قولك: (بالطرق التقليدية) فهذا الوصف ماذا تريد منه فإني لا أهضمه. إن الطريق العلميّ يبقى حجة قائمة سواء كان تقليدياً جرت الناس عليه من ألف عام أو كان من بنات أفكار هذه اللحظة. فلِمَ تُوسَمُ الأشياء بالتقليدية على جهة الذمّ وعدم الصلوح؟ إن كان من نقض أو نقد متّجه لبعض طرائق العلماء في البحث والنّظر فليتكلّم فيه، وإن لم يكن فلا حاجة لأمثال هذا الكلام الذي لا فائدة فيه. ثمّ إن من يعارض طرقنا فليقدّم البديل. فما هو البديل غير التقليدي الذي تقدّمه لنا لنفهم الدين بدلاً لقواعد علم أصول الفقه، أهو قاعدتك الكليّة للمصلحة فقط؟ فمصلحة من؟ فإن تعارضت المصالح؟ ثم إن تعارضت المصلحة مع الدليل؟ فما العمل بحسب طريقتك غير التقليدية؟ وإنّا لا ندّعي أن أيّ علم من العلوم الحادثة فهو كامل تام لا يتطرّق إليه النقد والتنقيح في جملته، فلا تحسبنّ أنّي ضد البحث في قواعد العلوم وزيادة تحريرها وتنقيحها وتقعيدها وتعميمها .. إلخ وهذا ما أسمّيه بالتجديد، وليس التجديد طرح ما ثبت علماً قطعاً. ولا أظنّ أن عالماً من علماء أهل السنّة ادّعى كمال البحث في علم من العلوم الشرعيّة، وإنّا إن شاء الله سائرون على طريقهم نبذل جهدنا، ونأمل أن نشارك في هذه العلوم ولو بإضافة يسيرة نشرح بها كلمة صغيرة، ولا نقف موقف المرجفين المشككين طابوراً خامساً نكثر من الكلام في النقد السلبيّ ولا نشارك في العمل البنّاء، فمن كان لديه اقتراح فليأتنا به، ويدفع في سير هذه العربة ولو بخطوة صغيرة للإمام، وإلا فليصمت. وليس الكلام موجّهاً إليك فتعود علينا باللوم وتدعو لنا بأن يسامحنا الله على ما نتهمك، فكلّ إنسان يعرف نفسه إن كان مقصوداً بهذا الكلام أو لا. والله تعالى الموفق.

قولك: (أظن أن في الكلام سقطاً وصوابه أن تقول والأول إما أن تكون دلالته على الغير راجحة أو مساوية أو مرجوحة. الأول الظاهر، الثاني المجمل ، والثالث المؤول. أليس هذا الذي قصدته؟)

أقول: نعم كلامك صحيح، فقد نسيت الظاهر في القسمة.

على قولي: (فالمشترك بين النصّ والظاهر المحكم، وبين المجمل والمؤوّل هو المتشابه. وعليه فقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ظاهرة في الشرك المكفّر فتكون آية محكمة، ويؤخذ منها جواز غفران ما دونه ومنه الكبائر لأنها دون الشرك معصية بالاتفاق) قلت: (... سأجيب مستعينا بالصبر فأقول مضيفا إلى ما سبق إن الله قيد مغفرته لما دون الشرك بمشيئته، ولم يخبرنا في الآية إن كان شاء أم لم يشأ بعدُ أن يغفر لمرتكب الكبيرة فإن كان قد شاء أن لا يغفر له ولم يخبرنا فكيف تقول إنه يجوز أن يغفر له؟ كان حرياً بك أن تتوقف لا أن تجوز؟ ألم تر إلى قوله تعال: (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)

أقول: أما هذا الكلام فمن العجب العجاب. فإننا لا نتألّه على الله تعالى ولا نقول إنه يجب أن يعفو ويغفر ويثيب ويعاقب، بل نعتبر في ذلك كلّه مشيئته تعالى ولا نوجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات بخلاف المعتزلة. وعلى أي حال، نعم نحن لا نعلم أن الله تعالى هل شاء مغفرة ذنب ما لفلان من الناس أو لم يشأ، ونتوقّف في تعيين ذلك أي لا نقول بأن الله تعالى لا بدّ أن يغفر لفلان أو لا بدّ أن لا يغفر له، لأنّ هذا تألّه على الله تعالى. ولكننا مع ذلك لا يجب أن نتوقف في قولنا إنّه تعالى يجوز أن يغفر لفلان كما يجوز عليه أن لا يغفر له، وكذا أن نقول: إنه إن شاء غفر الله له، وإن شاء لم يغفر وعذّبه. وليس حريّاً بنا أبداً أن نتوقّف في هذا الأمر لأنّه من الجائزات على الله تعالى، أمّا عقلاً فالبديهة لأنه فعل جائز في نفسه، وكل ما كان كذلك فهو جائز على الله تعالى أن يفعله، وأمّا شرعاً فلما سقته من كلام الله تعالى: (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)، ولقوله تعالى: (ولا تيأسوا من روح الله)، و(لا تقنطوا من رحمة الله)، و(إن الله يغفر الذنوب جميعاً)، و(توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم ترحمون)، ولو لم يكن للتوبة فائدة في جواز المغفرة بل كان بمجرّد فعل الكبيرة يختم على عمل المرء ويحبط ويدخل في النار خالداً مخلّداً فيها لما كان إلى غير القنوط من سبيل، ولما كان لأمره تعالى عباده بالتوبة من فائدة. أفتأخذ علينا تصديقنا لقول الله تعالى، وتدعونا للتوقف فيما قرّره الله تعالى في محكم كتابه؟

قولك: (ثم أخبر جل شأنه أنه شاء أن لا يغفر للمشركين، فهل يجوز لأحد أن يقول إنه يجوز أن يغفر للمشركين -وقد شاء خلاف ذلك- قبل أن يعلمنا عن مشيئته؟ وللمعتزلة أن يقولوا أنه أخبرنا بأنه لن يغفر لهم وذلك في الآية التي استدلوا بها على خلود العصاة، ومن هنا يتبين أن الآية لا تصح دليلا لمذهب الأشاعرة)

أقول: نعم إن الله تعالى أخبرنا أنّه لا يغفر للمشركين، ولكنّ محلّ الكلام في من لم يتب من شركه سواء كان كافراً ثم تاب بالإيمان والمداومة عليه وعلى الإسلام، أو كان مؤمناً ثم أشرك ولم يتب من شركه، بالاتفاق بيننا وبين المعتزلة.

سؤالك: (فهل يجوز لأحد أن يقول إنه يجوز أن يغفر للمشركين -وقد شاء خلاف ذلك- قبل أن يعلمنا عن مشيئته؟) فجوابه لو كان شاء بالفعل أن لا يغفر لهم ولم يخبرنا بذلك فإننا نبقى على أصلنا العقليّ في مطلق التجويز وعدم القطع والتعيين، ونفوض أمر هؤلاء إلى الله. لأن مطلق المغفرة جائزة عقلاً، ولكنا أيضاً إلى جانب ذلك نرى المغفرة ثابتة شرعاً لكلّ من كان مشركاً بالله ثم أسلم، لأنّ الإسلام يجب ما قبله بالاتفاق. وقد كان عمر وأبو بكر وعثمان وأبو عبيدة وغيرهم مشركين ثم تابوا فتاب الله عليهم. وشهد لهم الرسول الكريم بالجنّة. وأما من بقي على شركه، أو أشرك بعد إسلامه ولم يتب، فقد أخبر الله تعالى في محكم كتابه بأنّه لا يغفر له فمع قولنا بجواز ذلك عقلاً جوازاً محضاً إلاّ أننا لا نمنعه للخبر. وأمّا من أشرك بعد إسلامه وتاب من شركه، فإن أمره إلى الله تعالى إن شاء قبل منه توبته وغفر له وأدخله الجنّة، وإن شاء لم يفعل. فأين الإشكال في هذا الكلام؟

قولك: (الفاضل بلال أقترح أن ننهي الكلام في دلالة القرآن قبل أن نشرع في الحديث عن السنة، فإن كان عندك دليل محكم من القرآن يبين عدم تكافؤ خلود مرتكب الكبيرة في النار فبينه وإلا انتقلنا للحديث عن سائر الأدلة، فما رأيك؟)

أقول: مع أنّ الأصل أن ينظر في جميع أدلّة الشريعة من كتاب وسنّة وإجماع وقياس ولزوم الأخذ من مجموعها، ولا يلزمني أن أقبل ذلك إلا أنني موافق، وليس عندي أي مانع. وقد ذكرت طرفاً من عدم تكافؤ الأدلّة حتّى الآن، وأنتظر جوابك عليه، وحين يأتيني، فإني بحول الله سأعرض جميع أدلّة المعتزلة وأردّها، وآتي بأدلّة أهل السنّة في عرض مبين إن شاء الله تعالى.
وبهذا نكون قد انتهينا من مناقشة كلّ ما كتبته حتّى الآن، وأتمنّى أن تتفاعل معنا يا فادي ولا تبقى صامتاً، وأن تكتب رأيك فيما قرأت حتّى الآن. ولكن سواء فعلت أم لم تفعل فإني إن شاء الله سأنشر ما وعدت به من تحقيق مذهب المعتزلة وذكر أصولهم فيه ونقضها، وبسط مذهب أهل السنّة حين أنهي كتابته. والله تعالى الموفّق.
وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون. والحمد لله ربّ العالمين.

fadilov
04-12-2003, 21:47
الفاضل جلال،
قبل الشروع في إتمام التعلق على ما تفضلت به، أحب أن أنبه على النقاط التالية:
1- عليك أن تستحضر أن المقالة لا ترد على من ينتسب إلى الأشاعرية أو أهل السنة فقط، وإنما على كل من ينتسب إلى الإسلام مدعيا أن الشريعة يمكن أن تفهم بناءا على العلوم الإسلامية السابقة كأصول الفقه وعلوم القرآن وعلوم الحديث بل والعقائد، فهي موجهة للمعتزلة والإباضية بل وحتى اليسار الإسلامي، وعليه فإن ذكر قول في المسألة لا يلزم منه أن يكون قول للأشاعرة وما يمكن أن يكون اعتراض على أحدهم لا يجب بالضرورة أن يكون اعتراضا عليك والعكس صحيح، ثم إن ذكري لدليل أحدهم لا يلزم منه ضرورة أن أكون مؤيدا له، وإنما يمكن أن أذكره إشارة إلى تكافؤ الأدلة فتنبه.
2- المقالة تدور حول عجز العلوم الإسلامية عن فهم الشريعة، ولإثبات هذا سلكتْ طريقين الأول بيان أن تطبيق العلوم الإسلامية كأصول الفقه لفهم النص لن يؤدي إلى حل جميع أنواع التعارض الظاهري بين النصوص الشرعية وإن أدى إلى حل البعض، وعليه فسيثبت المطلوب وهو قصور هذه العلوم. الثاني أننا لو سلمنا إمكان رفع الإشكال عن جميع النصوص المتعارضة بالاستعانة بالعلوم الإسلامية وهو غير مسلم، فلا يلزم من هذا بالضرورة أن تكون هذه العلوم صالحة لفهم النص إذ إنها قد أهملت أمورا أخرى ذكرت في المقالة يجب مراعاتها للوصول إلى الفهم الصحيح. وعليه فلا يلزم من بيان فساد الطريق الأول فساد الثاني والعكس صحيح.
وها أنا أشرع في إتمام الإجابة فأقول:
قلتَ (قوله: (قد يسارع البعض ...
أقول: هذه مغالطة ظاهرة. إذ الكلام في أنّه هل من شأن السنّة بيان المجمل ورفع الإشكال وتوضيح المبهم أو لا، وليس الكلام في أنّ مجمل السنّة فيها جملة من التعارضات الموهومة.)
السؤال في هذا القسم من المقالة هو هل من شأن السنة رفع التعارض الظاهر بين نصوص القرآن ومعرفة المحكم من المتشابه؟ الجواب لا وذلك لعدّة وجوه أُعيدُ بيانها لتوهمك وجودَ مغالطة في الكلام. إن نصوص السنة اللتي تتكلم عن ذات المسألة فيها ذات الإشكال أي أن نصوص السنة اللتي تتكلم عن حكم مرتكب الكبيرة ليست بينة في دلالتها فهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها الخلود في النار وهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها عدم الخلود، فكيف سنعرف المحكم من المتشابه في القرآن في مسألة ما (حكم مرتكب الكبيرة) بواسطة السنة إن كنا لا نعرف المحكم من المتشابه في نصوص السنة في ذات المسألة؟ فأين المغالطة اللتي تتكلم عنها؟ وما هو جوابك عن الإشكال؟

قلتَ (وقوله: (نصوص السنّة فيها ذات التعارض) يوهم أن القرآن متعارض حقيقة ولا يسلّم، ويوهم أن السنّة متعارضة حقيقة ولا يسلّم.)
غاية ما ذكرته المقالة أن السنة فيها ذات التعارض أما إن كان هذا التعارض حقيقيا أو متوهما فهذا شأن آخر، ولا أدري كيف فهمت هذا من العبارة!

(وتعميمه عدم صلوح السنّة طريقاً لتفسير القرآن مطلقاً إن سلّم عدم صلوحها لتفسير بعض مواضعه، تحكّم ظاهر. وينبغي أن نحرر موضع النزاع أكثر قبل الاستطراد في الكلام. فهل كلام بديع الزمان في كلّ آية من آيات القرآن، أنها لا يمكن شرحها بالسنّة. أم في المتشابه من القرآن فحسب. الأول ظاهر الفساد. فإن كان الثاني أو بعضه فلم يطلق الحكم بعدم صلوح السنّة لذلك؟)
أرجو أن تأذن لبديع الزمان أن يسأل إمام العربية وخطيبها ومن إليه المنتهى في معرفة بلاغتها أين عمم بديع الزمان حكمه بعدم صلوح السنّة طريقاً لتفسير القرآن مطلقاً؟ وما هي العبارة اللتي فهم منها إطلاقه لهذا الحكم؟
قلتَ (لا نقول كلّ موضع مشكل فقد حلّه نصّ واضح من السنّة، ولكنّا نقول إن الآثار حلّت وشرحت بعض القرآن على الأقل، ولا ندّعي أن الآثار وحدها كافية لتفسير القرآن الكريم –كما سيأتي الكلام فيه- ليحتجّ علينا بهذا الكلام الركيك. ثم إن سياق الكلام يفهم منه أنّ كلّ موضع مشكل في القرآن الكريم فإن كلام السنّة فيه متعارض محيّر فلا يصلح لحلّه. وهذا كذب ظاهر منقوض بشواهد كثيرة جدّاً، وهو مناف للموضوعية المطلوبة من الباحث.)
الفاضل بلال الكلام فيما إن كانت السنة يمكن أن تبين أن ظاهر القرآن غير مراد وإنما المراد المعنى الخفي، وليس الكلام فيما إن كانت السنة تصلح لتفسير مجمل ألفاظ القرآن، ولو قرأت المقالة بإنصاف لظهر لك هذا بوضوح، والقول بأن السنة لا تصلح لهذا هو مذهب الأحناف كما لا يخفى عليك، نعم الأحناف يقبلون الترجيح بين ظواهر القرآن المتعارضة بالسنة المحكمة، وهذا غير مقبول في المسالة المطروحة (حكم مرتكب الكبيرة) لما سبق. ومن زعم أن السنة تصلح لهذا فليأت بمثال يصلح دليلا على ما يدّعيه. فتبين المراد قبل أن تقول أن الحكم كذب ومناف للموضوعية. على أن الحديث عن موضوعية الباحث أمر ليس هذا محل الكلام فيه. ثم إن إطلاق الكذب على من خالف الصواب أمر غير مقبول عند الفضلاء وحريٌّ بهم أن يقولوا خطأ أو مجانب للصواب، وليس مثلي من سيعلم أديبا مثلك حسن الكلام، وأنا مذكِّر لك بما تفهمه من قوله تعالى: (قل لعبادي يقولوا اللتي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم).

قلتَ (ثم إنا نقول إن المواضع المشكلة في القرآن الكريم والسنة النبوية لو طرحت جميعها، أعني أن الإنسان لو قرأها وفوّض علمها تفويضاً مطلقاً لله تعالى ولرسوله، لاستطاع أن يجد فيما تبقى له من هذين الأصلين التشريعيين وهو القدر الأعظم منهما ما يكفيه للاعتقاد والعمل. وأتحدّى صاحب الزمان أن يأتي لنا بموضع مشكل في القرآن أو السنّة يحتاج إليه أي يتوقف عليه معرفة عقيدة أو عمل أمر المكلفون باكتسابه، ووقف فيه أهل السنّة حائرين في تلك العقبة الكأداء؟ هل سمعتني أتحدّاك!)
أما أن أهل السنة وقفوا حائرين فهذا ما لا أقوله ولا غيرهم من الفرق وقفوا حائرين بل ولا النصارى ولا اليهود، ولا يلزم من ذلك أنهم مصيبون فيما فهموه، أو توهموه صالحا لحل الإشكال، أما أن آتي بأمر من العقيدة فقد فعلت وليس هذا هو الموضع الوحيد بل أضف عليه القول في الأسماء والصفات، وتعذيب الكفار في نار جهنم بل أضف أصل الأصول وهو معنى كلمة التوحيد، وغيرها من المسائل اللتي لا يمكن القطع بمعرفة حكم الله فيها إن فهمنا الشريعة مستعينين بالعلوم الإسلامية ، وأما الفقه فلا تسأل عن عدد الأحكام اللتي تشكل كوجوب الحجاب وحكم النبيذ المسكر وتعدد الزوجات وزواج المتعة والزواج من الكتابية والجهاد والسحاق وغيرها من الأحكام اللتي لا حصر لها على أنني أرجئ الكلام في كل هذا لحين الفراغ من مسألة مرتكب الكبيرة. أما عن التحدي فأربع على نفسك يا أخي فوالله ما شاركت في هذا المنتدى لأتحدى أحدا، ولكن أعرض ما عندي وأقرأ ما عند غيري ، فإما أن أخضع لقول المخالف وأفرح به أو أفرح بما منَّ الله علي من علم.

قلتَ (فما بالك توهم بكلامك أن العلماء يتخبطون ولا يعرفون الكثير عن هذا القرآن وهذه السنة بالقدر الذي يكفيهم في الاعتقاد والعمل، ثمّ أنت تريد أن تجد لهم الحلّ، فتدلّهم على الطريقة المثلى لفهم القرآن والسنّة، ومئات الألوف من أساطين الفكر والعلم من عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم إلى اليوم غافلون عنها؟ )
أنا لا أقول أن العلماء يتخبطون، وأعجب كيف توهمته! بل بينت أنهم يعتقدون أن أصولهم صحيحة لا غبار عليها، وليتهم تخبطوا إذ لو فعلوا لبحثوا وما ركنوا، ولكن الله يفعل ما يريد.

قلتَ (قوله: (فنحن نقرأ قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من تجرع سما فسمه في يد يتجرعه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". كما نقرأ أحاديث الشفاعة التي تتكلم عن خروج مرتكبي الكبائر من نار جهنم فكل طرف يستدل بالحديث الذي يؤيد مذهبه ويجعله محكماً بينما يأوّل الحديث الآخر ويجعله متشابها)
أقول: أجبنا عنه فيما مضى بأنه لا يسلّم قول كل من قال بالتشابه. ثم ننقل الكلام في كلّ مسألة مسألة. فإن كان لديك موضع في القرآن الكريم أو السنّة المشرّفة تريد أن تتناوله بالبحث فهاته مثالاً على كلامك، والأدلّة بيني وبينك. وإلا فلا طائل من كلّ كلامك الذي تطلقه. وإن أردت الكلام في هذه المسألة بالذات أعني مصير قاتل نفسه وتفاصيلها فقرّرها على نحو يظهر التعارض في أخبارها لأحلّ لك أي إشكال عندك فيها.)
قد أتيت بالموضع وذكرت مسألة مرتكب الكبيرة ثم أتيت بمسألة قاتل نفسه لأنها تندرج تحت هذه المسألة وذكرت بعض النصوص المتعارضة فيها، ولا أظنك تجهل أحاديث الشفاعة، فهلا أزلت الإشكال بدلا من أن تطلب بيان ما قد بُين، أما إن كانت لا تدرك وجه التعارض بين حديث قاتل نفسه وأحاديث الشفاعة فإن الأول ظاهر في خلود كل من تجرع سما في نار جهم، وأحاديث الشفاعة تخرج كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فهل سنقول أن كل من قتل نفسه مهو مخلد في النار حاشا من كان مؤمنا لما جاء في أحاديث الشفاعة؟ أم سنقول ان كل من كان مؤمنا فسيخرج من النار إلا إن كان قاتلا لنفسه بتجرعه السمَّ كما جاء في حديث تجرع السمِّ؟ أم لا هذا ولا ذاك فبينه؟

يتبع لطول الرسالة

تكملة....

قلتَ (قوله: (هذا بالإضافة إلى أن من شروط صحة حديث الآحاد أن لا يخالف الأصول وهذا عند الطرفين، فكيف سنستدل به على شرح الأصول أو إثباتها! هذه نقطة)
أقول: هذه مغالطة أخرى، فإنا نقول إن خبر الواحد من حيث هو كذلك لا يثبت به أصل من أصول الدين، فلا بدّ للأصل لكي يكون كذلك أن تدلّ عليه القواطع دلالة قطعية. ويتعجب الكاتب من فعلنا لأمر لا نفعله، عجبا! )
ليس الكلام مع من لا يستدل بخبر الآحاد في إثبات الأصول فليس هناك أي مغالطة فتنبه! ولا أظنك تجهل أن من أهل السنة من يستدل بخبر الواحد في العقيدة. بهذا يعلم الجواب على ما ذكرته فيما بعد وقد أطلت الإجابة مأجورا من غير عظيم فائدة، ولو اختصرت وقلت: لا نقول به فلا يلزمنا لكفاكَ.

قلتَ (وفصّل العلماء في كل حالة بالقسمة. فقالوا: إن استوى المعنيان في الظهور والخفاء والاستعمال فيهما حقيقة لكنه في أحدهما لغوية أو عرفية وفي الآخر شرعية قدّمت الشرعية عليهما إلا أن يدل دليل على إرادة اللغويّة، ولو كان في أحدهما عرفية وفي الآخر لغوية، فيحمل على العرفية، وإن اتفقا في ذلك، فإن لم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالّة عليه، فما ظنّه فهو مراد الله في حقّه، لا أنّه مراد الله في نفس الأمر فانتبه للفرق. وإن لم يظهر له شيء فهل يتخيّر في الحمل أو يأخذ بالأغلظ حكماً، أو بالأخف حكماً. أقوال. والمحققون منا على أنه إن أمكن إرادتهما معاً فالحمل عليهما. وكل ذلك بأدلته مفصّل في محلّه.
وإذا أردت مناقشة هذه الأقوال بالتفاصيل، فلا مانع لديّ، فإنا لم نقل شيئاً بعد من تحقيقات فحول علماء الأصول. )
لو كان كلامي معك في هذا لبينت ما أختلف معك فيه، ولكن سأتركه لحينه طالما أنك ستستمر في المناظرة إلى حين دنو الأجل كما ألزمت نفسك.
قلتَ(فقوله (هذه نقطة)، ففي عين كلامه، ولم تبلغ أخمصنا. )
بل في عين كلام من يستدل بالظني في إثبات الأصول.

قلتَ (قوله: (بالإضافة إلى أن بإمكان كل فريق أن يضعف الأحاديث التي تخالف مذهبه لأنها أخبار رواها الآحاد من الناس خالفت آيات القرآن التي ظن كل فريق أنها محكمة قطعية في الدلالة، هذا هو الإشكال الأول حول جعل السنة هي الحاكمة في تحديد ما هو المتشابه وما هو المحكم من القرآن)
أقول: قد بان للعاقل مما مضى أن هذا الكلام في غاية الركاكة. فلا نزيد. )
ولن أزيد أنا كذلك.

قلتَ (أقول: كونه عربياً مبيناً وهادياً إلى الحق لا ينافي كون بعضه غير واضح الدلالة. وكذلك لا تلازم بين كونه كذلك وبين كوننا بحاجة إلى علم التفسير لنفهمه، وهو علم كباقي العلوم وله استمداده. ومن يقول خلاف ذلك فهو لا يعرف ما هو القرآن. )
أسلم لك صحة كل هذا.

قلتَ (وإذا كنت تتمسك بلفظ المبين فلم لا يحمل على أنه مبين لطرق الهدى من طرق الضلالة، ومبين لما تحتاجه الأمة، أو مبين خيرة وبركته، أو مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام، أو مبين نبوة سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم، ومبين قصص بعض الأنبياء والأمم السابقة. وغيرها من المعاني التي ذكرتها الآيات التي ذكر فيها لفظ البيان. )
اعلم أن الحجة مركبة من كونه مبينا ومن كونه هاديا، والأعتراض موجه على وجه الخصوص إلى أنه هل من شأن السنة أن تخرج القرآن عن ظاهر لفظه وتحيل محكمه إلى متشابه، فإن أجبت بنعم خرج القرآن عن كونه مبينا وهاديا، بل قولك هذا سيجعله خفيا مضلا، وذلك لأنه بيّن أمرا وأفهم حكما غير مراد له. وما ذكرتَه من وجوه للإبانة إما أن يكون قد أفهم غير الظاهر فيها فلا يسلم لك كونه مبينا هاديا وإما أن يكون أراد الظاهر منها ولم يرد الظاهر في بعض ما سواها من الأشياء اللتي لم تذكرها فلن يكون القرآن مبينا ولا هاديا ولا أحسن الحديث ولا أفصحه وأبلغه بل لا يكون بليغا في هذا البعض إذ أفهم خلاف مراده وعجزنا عن فهم مراده حتى احتجنا إلى السنة، فهل تلتزم هذا أم ماذا تجيب؟

قلتَ (ثم إن الله تعالى يقول (ليدّبروا آياته) ولو كان بيّناً بالمعنى الذي تقوله بمعنى أنه يفهمه كلّ أحد بمجرّد معرفة لغة العرب بالمتبادر من سياقاته لم يكن بحاجة إلى تدبر.)
المعنى الذي أقصده من البيان أنه لا يفهم المخاطبين به خلاف مراده حتي نحتاج إلى غيره كالسنة حتى تبين لنا أن ما أفهمنا إياه خطأ أو ضلال أو كفر. أما التدبر فيجب على المخاطبين أن يتدبروه ويستنبطوا المعاني والأحكام على أن لا يكون شيئ من ذلك مخالفا لظاهر القرآن أو لظاهر شيئ منه وإلا لزم أن لا يكون ذلك الجزء مبينا ولا هاديا فضلا عن أن يكون فصيحا بليغا. أما أن يفهمه كل أحد بمجرد معرفة لغة العرب بالمتبادر من سياقاته فلا شكَّ أن زيادة المعرفة بلغة العرب ستزيد من معرفة دقائق النظم، ولا نقول أنها ستقلب المعنى الظاهر وتبين أنه غير مراد.

قلتَ (ثم إن في القرآن متشابه بالاتفاق. وهو إما أنه لا يعلمه إلا الله أو لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، وهذا ينافي كونه بيّنا لكل أحد لأن الراسخين في العلم أخصّ من أهل اللغة أو علمائها.)
لم يقل أحد أنه بين لكل أحد بهذا الإطلاق، ووالله إني لأعجب منك تخترع القول وتضعه في سياق دعوى المخالف ثم ترد عليه! سامحك الله.

قلتَ (ثم دعني أسلّم لك أن القرآن كلّه من أوله إلى آخره مبين بنفسه عن مرادات الله تعالى دون الحاجة إلى شيء غير العربية لفهمه مع أنه لا يجوز تجاهل أوضاع الشريعة في فهم القرآن)
هذا اللذي سلمته لي لا أقول به، بل لقد بينت أم في القرآن مجملا، على أنني إن كنت قلته فأنا أرجع عنه حتى لا أطيل النقاش من غير فائدة.

قلتَ (فأقول: إن البيان مشكّك ويشهد له قوله تعالى (لا يكاد يبين)، فلا مهرب من التسليم بأنه يفهم على مستويات متفاوتة بناء على ما لقارئه من ملكات وما يملكه من أدوات الفهم، مع القطع بأن هذه الفهوم المتعدّدة لا يمكن أن تتعارض على الحقيقة، لقيام الدليل على عدم الاختلاف. فيكون القرآن في غاية الإبانة عن نفسه. وليمكنه أن يحمل كلّ هذه المعاني الكثيرة جدّاً جعله الله تعالى في غاية البلاغة. فاحتيج إلى آلات قوية ودربة عظيمة لاستكناه معانيه، وتبيّنها.)
أوافق على جميع هذا، وأنبه إلى أن تفاوت إدراك البيان لا يعني أن نفهم خلاف الظاهر، وأن نعتقد الضلال في المعنى الظاهر.
قلتَ (ثم كلامك هذا يقتضي أن يكون القرآن نصّاً بالمعنى الأصوليّ، ولا أعرف عاقلاً يقول بذلك. والمشهور أن الحكمة في أن العلم بمراد الله تعالى مستنبط بأمارات ودلائل من القرآن الكريم نفسه ومن العلوم الأخرى التي سأذكرها عمّا قليل، وذلك لأن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده بكتابه، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتنصيص على المراد في جميع آياته، ولا يخفى أنه لو فعل لانسدّ باب الاجتهاد والنظر والتدبّر وغير ذلك مما لا يخفى. )
كيف يقتضي هذا وأنا أقول أن السنة تبين مجمل القرآن، أيقتضي تصريحي بوجود المجمل في القرآن أن يكون القرآن نصاً!

قلتَ (قوله: (وعليه فكيف سنجعل من السنة مبينا للقرآن ... وما أود زيادته ههنا أن قصر بيان السنّة على تبيين المجمل تحكّم ظاهر. ولا يستقيم مع قوله فيما سيأتي ظاهر لغة العرب، إذ ظاهر لغة العرب التي يتحدّث عنه تشرح البيان بأعم من كشف المجمل بحيث يمكن بناء العمال عليه. تأمّل. ثمّ إن النظر في علم الأثر لفهم القرآن لا يقول إنه يزيد الإشكال إلا جاهل، وكل من يقرأ في التفاسير يعرف مقدار تهافت هذا الكلام. )
صدقتَ لا يجوز قصر بيان السنة على ذلك وكان صواب العبارة أن أقول (وجواب هذا أن السنة تبين ما لم يذكر في القرآن من أحكام كأوقات الصلاة أو عدد الركعات وتشرح ما هو مبين في القرآن لا أنها تبين أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب) ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.

قلتَ (أريد منك أن تحقق لنا معنى قولك: (لا أنّها تبيّن أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب) التي يبدو أنك تلمز بها تفسيراً معيّناً لآية ما.)
اعلم أن القرآن نزل منجما مفرقا وعليه فما كان أحد زمن التنزيل يفهم القرآن بالنظر إلى مجموع آياته فإنها لم تكن قد أنزلت بعدُ، وعليه فما كان يفهمه السامع من المعنى الظاهر في الآية عندما تتلى عليه هو مراد الله منها دون الحاجة إلى النظر في غيرها، ونخن إن نظرنا إلى القرآن على أنه كلٌّ متكامل خالفنا ما كان عليه الحال زمن التنزيل. وعليه فكل فهم يخالف المعنى المفهوم من الآية إن وضعت في سياقها القرآني والتاريخي اللذين نزلت فيهما فهو فمهم مجانب للصواب. عليه فآيات العقيدة كآيات الصفات وآيات الأحكام وغيرها كلها على ظاهر المعنى المفهوم منها، ومن زعم أن شيأ من ذلك يحتاج إلى آية أخرى نزلت فيما بعد أو حديث نبوي حتى يفهم فهما صحيحا، وأن ظاهر المعنى سيكون خطأ أو ضلالا أو كفرا من غير ذلك، فهذا يلزمه أن الصحابة الكرام قد فهموا الآية فهما خاطأ وما زالوا قائمين على هذا الفهم لا يمكنهم معرفة أنهم مخطؤون حتى نزلت الآية الأخرى أو جاء الحديث، ويلزم منه أيضا أن لا تكون الآية بليغة إذ إنها أفهمت غير المراد منها.

قلتَ (ثمّ إنا بيّنا فيما مضى على أنه لا تلازم بين كونه بيّناً وبين النظر في علم الأثر لفهمه. فنسألك أين التلازم بين كون السنّة مما يستمدّ منه علم التفسير وبين كون الكتاب كتاب تلبيس وإضلال؟ ثم ألا ترى أنّه يلزمك أن تردّ كلّ حديث صحيح ورد في تفسير آية؟)
قد بينت متى يكون الكتاب كتاب تلبيس وإضلال فلا أزيد، أما ردُّ الأحاديث الصحيحة اللتي تفسر القرآن، فأقول إن كان هناك حديث صحيح يبين أن ظاهر آية من القرآن غير مراد فإني سأقطع بضعف هذا الحديث إذ إنه قد جعل الآية مضلة لمن يقرأها من المخاطبين بها، هذا لو سلمنا وجود حديث هذا شأنه ليس على إسناده غبار. أما إن أردتَ غير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي وردت في تفسير آية فهذا غير لازم لي.

قلتَ (ثمّ ما معنى التلبيس والإضلال وقد سقط عنك التكليف؟)
قد بينتُ المعنى (بقولي إذ إنه أفهم المخاطبين به خلاف مراده)، وقولك (وقد سقط عنك التكليف) فإني أقول على سبيل المعارضة: إن كنت فهمت هذا من قولي (الحمد لله أن أسقط التكليف) فإني لم أصرح في العبارة لا من قريب ولا من بعيد عن المخلوقات التي أسقط الله عنها التكليف، أفلا يجوز أن أكون مريدا لمن فقد عقله، على أني لو أردت نفسي كما فهمتَهُ أنت من العبارة فهل تظن أني لا أنام ولا يغمض لي جفنٌ، فلا شك أن الله أسقط عني التكليف حينها، وأنت فهمت من الفعل الماض أسقطَ أنهُ جلَّ وعلا مازال مسقطا للتكليف في كل وقتٍ، فهلا بينت لي كيف فهمت هذا، وإني والله لأعجب من اعتراضكم على حمدي الله على إسقاطه التكليف! وأنا عندما طلبت من الفاضل جلال أن يفهم العبارة مستعينا بأصول الفقه ما كنت أقصد استخفافا ولا استهزاءا، وإنما أردت أن أبين أنه يمكن أن نحمل العبارة على محامل كثيرة موافقة لما يفهمه وتفهمه من ديمومة الشريعة، وبقاء التكليف.

قلتَ (ثمّ على سبيل المعارضة أقول: أهل اللغة يقولون هذا أمر بيّن وسنزيده بياناً، فما معنى قولهم سنزيده بياناً وكيف وما الحاجة إلى ذلك؟ فعلى تسليم أنه بيّن بنفسه فلم لا يقال تزيده السنّة بياناً؟ وهل زيادة المبيّن بياناً يلزم منها الإضلال، وإفهام المخاطبين بخلاف المراد؟)
إن كانت السنة ستزيده بيانا بتأكيد معناه أو شرحة فحق وإن كانت ستزيده بيانا بأن تبين أن ظاهره غير مراد أو أن الظاهر ضلال أو كفر فلا أسلم أنه يجوز أن نقول أن السنة ستزيده بيانا إذ ليس هو ببيّن في شيئ من ذلك حتى تزيده بيانا.

قلتَ (ثم إنّك تفضّلت علينا قبل سطور بشرح المراد من قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فهل ترى في تفسيرك لها إضلالاً لنا، وإفهاماً على خلاف المراد. ولمَ لم تنزّه كلام الله تعالى عن بيانك؟)
قد بينت ما أخطأتُ فيه، فلا يلزمني الإجابة عن هذا الاعتراض الآن.

قلتَ (أقول: إن هؤلاء الصحابة يساعدنا فهمهم أيضاً على تفسير القرآن لأنهم ورثة العلم بعد النبيّ صلى الله عليه وسلّم، كما هي حال علماء الدّين من الأئمة في كلّ زمان، فإن لم تجد عندهم الحكمة التي أوحاها الله تعالى إلى نبيّه فأين تجدها؟ وكونهم غير معصومين لا مدخليّة له في جواز الأخذ عنهم، والاستنارة بمروياتهم عن رسول الله واعتبار أقوالهم وفهومهم، لا سيّما مع معرفتنا بشدّة ورعهم عند الكلام في الدّين، على خلاف أهل هذا العصر،)
الكلام هنا على وجهين الأول: فيما إن كان فهم الصحابة حجة في الدين، فهل تعتقد حجية قول الصحابة وأنه قاطع للنزاع؟ فإن أجبت بالإيجاب فيلزمك الدليل وإلا صرت إلى قولي ولا خلاف بيننا، وأنا سأسلم تنزلا أن إجماعهم حجة بشرط أن يثبتَ الإجماع من يدّعيه
الثاني: أنا لو سلمنا أن قول آحادهم حجة فهو لن ينفعنا فيما نحن بصدده إذ إن كثيرا مما وقع فيه الخلاف لا يعلم للصحابة رأي فيه مثل القول في حكم مرتكب الكبيرة، ومعرفة الآية المحكمة من المتشابهة في ذلك. وعليه فلن يكون قول الصحابي معين في فهم جميع مختلف القرآن إن سلمنا أنه صالح لبعضه.
أما معرفة شدة ورعهم عند الكلام في الدين فإن قصدت جميعهم على التعريف المشهور في علم الحديث للصحابي وهو من لقي الرسول صلى الله عليه وسلم وآمن به ومات على ذلك فلا يسلم لك وأطلب منك دليلا عليه وأنا وإن كنتُ لا أنفي ما ذكرتَه غير أني لا أثبته ولا أقول ما لا أعلم، وإن كنت تقصد غيره من التعاريف فبينه وبين كيف أثبتَّ شدة الورع المذكورة.

قلتَ (حيث يمكن لتارك صلاة لم يحقق بعد أي علم من العلوم، كان بالأمس سلفياً، وأضحى مجترّاً لسقط متاع سوقة الأدب والفكر في زمن رجالات عبده، أن يتكلّم في القواعد الكليّة لتفسير القرآن العظيم، ويكذب على الله جهاراً، وفيما مضى من التفصيل في كفاية لمن كان له قلب ليميز أن هذا الكلام متهافت لا يلتفت إليه. )
من قصدتّ بذلك؟ ولماذا لم تقل كان في البداية أشعريا وبالأمس سلفيا ... أم أنك تظن أن الأشاعرة لا يتركون مذهبهم لمذهب آخر. رحم الله الإمام الغزالي حجة الإسلام.

fadilov
04-12-2003, 21:52
تابع الرد على كلام الفاضل بلال

قلتَ (أقول: لا تلازم بين فهم القرآن بالعقل واستقلاله ببناء العقيدة. لأنّه أوّلاً ليست كلّ عقيدة فهي مذكورة تفصيلاً في القرآن الكريم ومن أين يجب أن تكون كذلك. وبفساد اللازم فسد الملزوم.)
الكلام هنا على العقائد المذكورة في القرآن هل يجوز فهمها ومعرفتها بالعقل ثم الرجوع إلى كتاب الله فإن كان اللذي فيه موافقا أخذنا به وإن كان مخالفا أوّلناهُ، فإن قلتَ بهذا والأشاعرة قائلون به فيلزمكم أن لا تكون الهداية آتية من القرآن بل من الأدلة العقلية اللتي قبلتموها، مثال ذلك القول في وصف الله بأن له يدا ووصفة بالمجيئ والعلو ونحوه. ويكون اللذي جاء من النص القرآني التلبيس والإضلال، ولا يكون القرآن هاديا ولا مبينا بنفسه. وليس الكلام عن كل عقيدة كما ظننتَ. فإن زعمت أن الأشاعرة أوّلوا ظاهر هذه الآيات لمخالفتها للنص في آيات أخرى كقوله تعالى: (ليس كمثله شيئ) فلنا حديث عن هذه الآيات بعد أن تسلم لي عدم جواز التأويل لمجرد مخالفة الدليل العقلي.

قلتَ (وثانياً أن الدليل العقلي من أدلّة الشرع، لما أن الشرع ثبت به ثمّ أناط به التكليف، ولاستحالة تنافيهما لأن العلوم لا تتنافى.)
أسلم أنه من أدلة الشرع.
أما أن الشرع ثبت به فإن أردت أنه ثبت بأدلة المتكلمين على وجود الله واللتي ألزمتهم تأويل آيات الصفات فلا أسلم لك صحة الأدلة وعليك الإثبات، لكن لا أطالبك به الآن حتى لا نشعب المسائل، وإن أردت أنه ثبت بإثبات صدق الرسل عليهم صلوات الله وسلامه فإن سلمتُ صحتَ الدليل العقلي هنا فإنه لا يلزم منه أن نخرج الآيات عن ظاهرها إن استعنا به.
أما أنه أناط به التكليف على وجه أنه آلة الفهم عن الله لا على وجه تأسيس العقائد والأحكام وبنائها وإن كانت مخالفة لظاهر القرآن فمسلم إلا أنك لا تقصره على ذلك.
وأما أنه لا تنافي بين العلوم فهو مسلم لكن لو وقع التعارض في عندنا لا في الواقع فهل نتهم القرآن بعدم البيان ونزعم أن ظاهر معانيه كفر وضلال، ونخرجه عن بلاغته ونتبع ما ظنناه دليلا عقليا صحيحا ملتزمين القول بأن القرآن لم يبين أمور العقيدة بيانا شافيا وأنه لا يكفي لمعرفة الصواب من الخطأ فيها أم نتهم دليلنا العقلي اللذي اختلف فيه كبار المتكلمين والفلاسفة ونسلم للشرع بعد أن ثبت صدقه بأدلة عقلية غير اللتي عارضت ظاهره، ونفهمه على ظاهره معتمدين عليه في فهم العقيدة وبناءها؟
قلتَ (وثالثاً لأن العقل حين يفسّر للقرآن فهو ههنا آلة للفهم، فلا يفرّخ العقايد من تلقاء نفسه، بل يدرك الموجود، ...تخبطك ههنا.)
ليس هذا محل الخلاف ولا عليه الإعتراضُ وهذا مقبول عندي إلا أنك لا تعتبر العقل مجرد آلة لفهم القرآن بل هو يفرخ العقائد من تلقاء نفسه ويؤول النصوص اللتي لا توافق تفريخه. وقد تأملت فلم أر تخبطا.

قلتَ (قوله: (ليس للعقل قدرة على الحكم فيها بشكل قاطع..). أقول: العقل عندما ينظر في تفسير القرآن لا يستقلّ بفكره ليقول في المسألة المفروضة حكمه .... وهذا وإن كان متصوّراً حصوله في تفسير بعض الآيات إلا أنه لا يمكن حصوله دائماً.)
ليس هناك أي مغالطة فقد قالت المعتزلة أن العقل يؤسس حكم مرتكب الكبيرة ويدركه، والكلام للرد عليهم، وزعمت الأشاعرة أن العقل يدرك نفي حلول الحوادث في الله وغيرها، وأوَّل الفريقان آيات القرآن اللتي تعارضت مع العقائد اللتي أسسوها بعقولهم. وأنت يا صاحب الأشعري تنكر معرفة حكم مرتكب الكبيرة بالعقل إلا أن يكون فاهما عن الله هذا الحكم، وحتى يتم لك هذا الفهم عن الله تستعين بالعلوم الإسلامية كأصول الفقه وأنا أنفي أن تصلح هذه العلوم آلة عقلية صحيحة للإعانه.

قلتَ (وأخيراً أقول إن النظر إلى السنة أو أقوال الصحابة أو غير ذلك مما ذكرت، إن كنت تقصد به أن أيّاً منها ... وغيرهما مما ذكر في محلّه. )
بل أقول إن مجموع هذه العلوم اللتي ذكرتها لا يكفي لاإزالة التعارض الظاهر بين بعض آيات القرآن، وقد تكلمنا على ذلك وأنا أنتظر جوابك، ولو سلمنا أن مجموع هذه العلوم يكفي في إزالة كل تعارض فإنا لا نسلم أنه سيحصل بتحصيلها فهم صحيح وهو ما سنتكلم عليه قريبا.

قلتَ (وبقية كلامك ههنا لا قيمة له. وهكذا أكون قد استعرضت ... فانتظره. )
أما أنه لا قيمة له فحري بمن يجيب بهذا أن يحرم بيان الحجج في لكلام، وقد استعرضت جوابك أيضا وسأستعرض القسم الثاني منه كذلك فانتظره.

قلتَ (وكنت آليت على نفسي أن ألتزم معك الأدب .... أن مائة ممن هم بسعرك لا يعدلون عشر معشار ما عنده من علم وأدب.... فيه)
سامحك الله ، وأما أني لا أعرف ما عند الفاضل جلال من علم وأدب فحقٌ، ولا أنت تعرف ما عندي منهما فلا ينبغي لك أن تطلق الحكم على هذا الوجه)

قلتَ (وأنا ردّاً لاعتبار مولاي الشيخ جلال على الجهاني أمتع الله الخلايق بعلمه وصحبته أدعوك للمناظرة في أي مكان وزمان تريده، كتابة أو وجهاً لوجه، في هذا المنتدى أو غيره، وعلى رؤوس من تشاء من الأشهاد، وأتحداك بأن تثبت أن الله تعالى أسقط التكليف سواء عنك وحدك، أو عنك وعن غيرك من ... وإن كنت رجلاً اقبل التحدّي والمناظرة .... تقوله)
وأنا قبلت المناظرة وقد جعلتَ أمر مكانها وزمانها على وفق إرادتي فإني أدعوك إلى المناظرة في مدينة يونسو الكائنة في فنلندا في بناية أرورا التابعة لجامعة يونسو عند المدخل الرئيسي وذلك في آخر يوم من هذه السنة الميلادية 2003 في الساعة الخامسة بعد منتصف النهار. وإن كنت رجلا الزم كلامك. هوّن على نفسك هوّن على نفسك يا أخي، سامح الله أخي بلال فقد كلف نفسه ما لا يطيق أو ما يشقُّ عليهِ. ووالله ما ذكرتُ هذا الموعد هروبا من مناظرتك ولا ستهزاءا بك، ولكن لأقول لك بعد اللذي رأيته من حرصك على نصرة دين الله وهو ما أعظمه وأجله أربع على نفسك فها نحن نتحاور والله عظُمت رحمته يقول: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ويقول: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) ويقول: (يريد الله أن يخفف عنكم) فسبحانه من إله يُحَبُّ.

قلتَ (وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.)
وعلينا وعلى جميع المسلمين.

fadilov
05-12-2003, 05:30
تابع الرد على كلام الفاضل بلال
القسم الثاني من التعليق على إشكالية فهم النص القرآني
بسم الله الرحمن الرحيم

قلتَ ( وليت شعري أليس قبل سطور قال: (وإذا كان الخطأ جائزا على الصحابة فلا حجة في قولهم). أما هو فتصوّره للحل سيكون لكم أيها المسلمون فصل الخطاب. لأن فادي لا يجوز عليه الغلط. أفهكذا تورد الإبل؟ إنّ أهل السنّة يقولون من قبل أن تفيض عليهم: إنّ كل من لم يجب له الصدق، جاز عليه الخطأ. ولكن مجرّد جواز الغلط ليس بداعية كافية لردّ الكلام. وهذا موقف سقط فيه الشّيعة القائلون بعصمة الأئمة أيّما سقوط. ومن جاز عليه الغلط عندنا فلا تقبل منه القضايا إلا مقترنة بالدليل. وعليه فالمسوّغ الوحيد عندنا لقبول القضايا أو ردّها هو مقدار علميّتها، فكلّما قوي الدليل ازداد اعتدادنا بالمدلول. وكلّ ما قام عليه الدليل القاطع اندرج في العلوم، وكلّ ما ثبت علماً فلا يجوز عندنا القول بخلافه. وأمّا القضايا التي قامت على إثباتها أو نفيها أدلّة ظنيّة، فالخلاف فيها سائغ، ولكن بشروط وقيود وليس على إطلاق هذا القول كما هو مبحوث في محلّه. )
الفاضل بلال أنت تغالط مغالطة بينة، وذلك أن الحديث عن حجية قول الصحابي إنما هو من حيث أنه قول للصحابي لا من جهة أنه مقترن بدليل، وبما أنه يجوز الخطأ على الصحابة فلا يجوز قبول قولهم لمجرد أنهم هم القائلون به، أما إن كان هناك دليل على قولهم فإننا سنقبله لا لأن الصحابة قالوا به ولكن لما رافقه من دليل صحيح وعليه فنحن في حقيقة الأمر نقبل دليلهم وهنا لا يكون هناك فرق بين الصحابة وغيرهم ممن لهم دليل على صحة قولهم، وعلماء الأصول عندما يتكلمون عن حجية قول الصحابي فنهم يناقشون ذلك بناءا على أن ول الصحابي حجة بنفسه وأصل من الأصول اللتي نبني عليها الحكم الشرعيَّ، لا من حيث قبول قولهم إذا اقترن بدليل صحيح، وأنت تغالط وتخلط بين هذا وذاك وتنسب إلى القول برد كلامهم إذا اقترن بدليل لمجرد أنه يجوز الخطأ عيهم، وتلزمني القول بعدم جواز الخطأ عليّ لأني أقول أن بوجوب الأخذ بقولي إذا اقترن بدليل صحيح!
ثمّ قولك إن أهل السنة يقولون إنّ كل من لم يجب له الصدق، جاز عليه الخطأ.... ومن جاز عليه الغلط عندنا فلا تقبل منه القضايا إلا مقترنة بالدليل. غير صحيح بهذا الإطلاق إذ أهل السنة مختلفون في حجية قول الصحابي ومن كان له أدنى اطلاع على أصول الفقه علم هذا. فلماذا توهم بكلامك اتفاق أهل السنة على ما تقول به!

قلتَ (وعلى أيّ حال، لنعد إلى الإشكال الذي طرحه. وهو في الحقيقة إشكال مبني على قضيّة وهميّة، وهي وجود تعارض في القرآن الكريم، أو قضيّة غير مسلّمة عندنا مفادها أن القرآن الكريم قد يحمل حكمين في المسألة الواحدة. فأي مسألة هذه التي تعلّق بها في كتاب الله تعالى حكمان. أهي مسألة عقائديّة أم عمليّة؟ فليأتنا بها حتى ننظر فيها. )
صواب الكلام أن تقول قضيّة غير مسلّمة عندنا مفادها أن القرآن الكريم قد يحمل حكمين في المسألة الواحدة إذا فهمناه بالعقل المحض وعلوم الآلة. أما المسألة فقد أتيتك بواحدة وسآتيك بغيرها الكثير إن لزم الأمر.

قلتَ (وإن كان قد بنى كلامه هذا على المثال الذي قدّم به كلامه في صاحب الكبيرة على ما يظهر. فنقول:
علينا وقبل أن نجيب عن سؤالك أن نستثني كلّ خبر في القرآن من حيث هو كذلك .... فليرجع إليه من أراد الاستزادة. )
التناقض ليس في خبره ولكن في الطريقة التي تفهم بها خبره، والقول في وجوب الصدق لله ليس هذا محله، وقد رجعت إلى كلامك في الموضع الذي أشرت إليه فما أعجبني ولي عليه مآخذ ليس هذا محل الكلام فيها.
قلتَ (فصاحب الكبيرة إن كان مؤمناً فهو إما خالد في النار أو ليس بخالد فيها. ولا ثالث بين النفي والإثبات. وكما يستحيل اجتماع هذين الأمرين على القابل لهما، فكذا يستحيل ارتفاعهما عنه، لكون القضية المسلّمة ههنا منفصلة حقيقيّة أي مانعة جمع وخلوّ.)
إنما يصح هذا الحصر لو كان صاحب الكبيرة شخصا واحدا وكانت الكبيرة غير متنوعة وكلا الأمرين غير صحيح فإنه يجوز أن يخلد الله بعض أصحاب الكبائر ولا يخلد البعض الآخر إما لاختلاف مرتكبيها أو لاختلاف نوع الكبيرة وعليه فيكون بين النفي والإثبات ثالث ورابع.

قلتّ (فإذن الحق في هكذا مسألة لا يمكن أن يتعدد. ونحن ندّعي أن كلّ من خالف قول أهل السنّة فيها، فقد نظر نظراً فاسداً. فليقرر لنا المخالف استدلاله. وعلينا إظهار فساده. وأنت إما أن تسلّم قولنا فلا يصح بعدُ الاستناد إلى هذه القضية فيلزمك لتثبت الحكم بتوارد حكمين ثابتين في القرآن على محلّ واحد أن تأتي بدليل آخر. أو لا تسلّمه فتنتصر لقول المعتزلة بدليل، ونأتيك نحن بنقضه. فماذا تقول في ذلك؟)
وأنا أدعي تكافؤ الأدلة في المسألة بناءا على أصول الاستدلال عندكم، وقد بينت استدلالي وما زلنا نتحاور فيه حتى الآن، وأما غير ذلك من المسائل فهي كثيرة جدا وأرجئ الكلام فيها لحين الفراغ من الحديث عما نحن بصدده، هذا إن أظهرت صحة دعواك وإلا فلا حاجة من ذكر غرها من المسائل.

أما في آيات الأحكام أي العمليّة، فإنا نقول: الحق عند الله تعالى واحد لا يتعدد مطلقاً خلافاً للمصوّبة كما هو مقرر في محلّه. فإن قلت فماذا نفعل بالتعارض؟

قلتَ (أقول: قبل ذلك، أريدك أن تدقق في عبارة العلامة المحقق صاحب جمع الجوامع حيث يقول: "يتحصّل من النصّين المتعارضين" أي ظاهراً "ستّة وثلاثون نوعاً" أي من أنواع التعارض "لأنّه لا يخلو إمّا أن يكونا عامّين أو خاصّين، أو أحدهما عامّاً والآخر خاصّاً، أو كلّ منهما عامّ من وجه خاصّ من وجه. فهذه أربعة أنواع كلّ منهما ينقسم ثلاثة أقسام. لأنّها إمّا معلومات أو مظنونات. أو أحدهما معلوم والآخر مظنون. يحصل اثنا عشر. وكلّ منهما إمّا أن يعلم تقدّمه أو تأخّره، أو يجهل. فيحصل ست وثلاثون". )
أذكر أني دققت في هذه العبارة قبل ما يقرب من خمس سنوات، وتلك أيام ولَّت وانقضت بحمد الله وفضله.

قلتَّ (وهذه الطريقة من النظر التي اتبعها علماؤنا، وهي القسمة التامّة في كلّ مسألة، لتحصيل جميع الاحتمالات الممكنة، ثمّ البحث في كلّ احتمال....وليكن هذا الاستطراد حاشية على قول فادي: (لكن إذا أتينا إلى واقع الحال فإننا سنصطدم بكثير من المسائل التي لا يعلم لأحد من الصحابة خوض فيها) اهـ مثل ماذا يا فادي؟)
عجبي منك يزيدُ كلما قرأت كلامك، فها أنت تعترض على أمر ما كان ينبغي لك أن تعترض عليه لو فهمت العبارة على ما ينبغي أن تفهم، فإن قولي لا يعلم لأحد من الصحابة خوض فيها، لا يلزم منه أنهم لم يخوضوا فيها، إذ يمكن أنهم تكلموا فيها ولم ينقل إلينا كلامهم، فلا أدري كيف فهمت من نفي العلم عدم الخوض! ثم أعجب منك كيف تنتقل من الحديث عن طريقة الأشاعرة في اتباع القسمة التامة عند النظر في المسائل إلى الحديث عن أقوال الصحابة وكأنك تقول أن لصحابة رضي الله عنهم كانوا يستخدمون طريقة القسمة التامة عند النظر في المسائل كما تفعل الأشاعرة، ولا أدري من أين أتيت بأن هذه الطريقة هي طريقة الصحابة! ثمَّ أنت تسأل مثل ماذا يا فادي؟ هلا أخبرتني بالنقل الصحيح ماذا يقول الصحابة في حكم مرتكب الكبيرة وفي مسألة حلول الحوادث في ذات الله و في التسلسل وفي الجوهر الفرد وغيرها من المسائل التي لا يعلم ما قولهم فيها إن كان لهم قول؟

قلتَ (إن سبر الاحتمالات بالقسمة أمر عقلي محض، وإذا تعلّقت المسألة بأمر نظريّ محض لا يتوقّف تحصيله على توفر أجهزة القياس أو تطوّرها، فلا شكّ أن الباحث سيجد فيه تطوّراً كبيراً جدّاً عند القدماء. بل إنهم كانت عندهم علوم ومواهب ليست موجودة لدينا اليوم)
كيف تدعي أن سبر الاحتمالات أمر عقلي محض ثم تقول إنهم كانت عندهم علوم ومواهب ليست موجودة لدينا الآن فإن كنت تقصد بالعلوم والمواهب أمرا يتبع النظر العقلي المحض فقد نقضت كلامك، وإن كنت تقصد أمرا غير ذلك فليس هذا مقام الحديث ولا يصلح الاستدلال.

قلتَ (وإني والله أرى كلّّ الضجّة الفلسفيّة القائمة في العالم اليوم هي تكرار لما بحث في الماضي، ويندر أن يضاف شيء جديد حقيقي، وإن الذين يمكننا أن ننظر في مقالاتهم بالإعجاب والتقدير قليل ما هم، من بين كثير من أدعياء الفلسفة والنظر والتجديد فيها أو في الدين.)
حُقَّ لي أن أخضع لك وأن يخضع لك كل من أعرف إن بلغ علمك معرفة كل الضجة الفلسفية القائمة في العالم اليوم، ويا فخري أن أحاور رجلا على هذا القدر من العلم والتبحر فهل حقا وقفت على كل ذلك وقرأت المترجم وغير المترجم مما حرره الفلاسفة الكبار في هذا العصر من أمثال غاديمير وبول ريكو وغيرهم الكثير ونظرت فيه واستوعبته فعرفت أنه تكرار لما بحث في الماضي؟ أم أنك تلقي الكلام الخطابي من غير حسيب ولا رقيب؟

قلتَ (ثم إنّي لا أفتأ أقول إنه من الغريب النظر إلى الصحابة على أنّهم مجموعة من الناس المنعزلين فكريّاً عن كلّ ما سبقهم من الأفكار، وكلّ ما يعاصرهم من الثقافات كأنّهم سقطوا من السماء. فلا تكاد تتكلم بشيء إلا وترى من يقفز لك ليقول إن الصحابة لم يعرفوا بذلك، أو لم يشتغلوا به وغير ذلك من المقالات الغريبة. ثمّ إن زمانهم كأي زمان، ما يدوّن من تفاصيله شيء يسير بالنسبة إلى تفاصيله الهائلة. )
ومن هذا الجاهل الذي يقول إن الصحابة كانوا منعزلين عن كل ما سبقهم من الأفكار وكل ما يعاصرهم من الثقافات بهذا التعميم؟ على أنه لايلزم من نفيي لذلك أن أقول بعكسه، بل أقول عرفوا شيئا وجهلوا أشياء، وليس هذا بعيب، فهذا حال كبار الفلاسفة والمثقفين ومن انقطعوا للعلم والقراءة والدرس يجهلون أكثر مما يعلمون. فهل تريد أن تقول لنا أن الصحابة خاضوا في جلِّ المسائل العقائدية والفلسفية التي كانت مطروحة في زمانهم؟ لا أظنك ستقول نعم. إذا فما هي الحاجة إلى مثل هذا الكلام؟
أما قولك ثمّ إن زمانهم كأي زمان، ما يدوّن من تفاصيله شيء يسير بالنسبة إلى تفاصيله الهائلة. فهو حجة عليك لا لك. إذ إن كثيرا من هذا النذر اليسير اللذي دون يتحدث عن الأحكام الفقهية، فلو كان خوضهم في مسائل الاعتقاد كخوضهم في مسائل الأحكام لنُقل لنا على الأقل الكثير من أقوالهم في أصول الدين كما نقل في غيرها من المسائل بل حريٌّ أن ينقل العلماء أقوالهم في أصول الدين ويعتنوا بذلك أكثر من اعتنائهم بمسائل الأحكام، لخطورة الخطأ في الأولى على خلاف الثانية!

قلتَ (وعلى أي حال، فقد حقق العلماء هذه التعارضات الظاهريّة بين آيات ......ثمّ أقول إما أنّك تعتقد بوقوع التعارض بالفعل أو لا. فإن كان الأول فبيّنه لنحلّه. وإلا فإنك لا بدّ أن تسلّم معنا الثاني. والحلّ عند وجوده ظاهراً هو فيما ذكرنا في المقالة السابقة وهذه على سبيل الإجمال. )
قد أتيتك بشيء منه وما زلنا نتحدث فيه. وكلام الفاضل بعد هذا لا حاجة لي بالتعليق عليه.

قلتَ (أقول: الاختلاف الذي نفاه الله تعالى في القرآن الكريم جاء في معرض الاستدلال على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم. .... وإن أردت أن تناقش المسألة أكثر، فإن ذلك مما يسرّني، إذ لدي وجوه أخرى تتدافع الآن إلى ذهني لأثبتها، وأضرب عن ذكرها صفحاً خشية التطويل.)
لا أريد أن أناقش المسألة أكثر، فليست هي محور البحث الآن، وربما تكلمنا عليها في المستقبل، وقد ذكرتني بابن حزم رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه وكتبه في الفردوس الأعلى آمين.

قلتَ (وأختم التعليق على هذا الموضع بكلمة، هي أني أستغرب منك ومن كثير غيرك ممن يحاولون تصوير الخلاف بين العلماء بطريقة توهم أنّ الدين لا يعرف رأسه من رجله، وقد ضاع الحق وتفرّق ولا يعلم أين هو، ولذا فإن علينا أن نعيد النظر لصياغة جميع مسائله، ونحكم فيها أحكاماً تتناسب مع فهمنا الموضوعي وظرفنا التاريخي. وهذا في الحقيقة مغالطة كبيرة جدّاً. ويمكن معرفتها بالبحث عن جواب سؤال صغير، وهو أنه من المعلوم أن أئمة الدين المقلَّدين لهم أقوال في الأغلب الأعم من المسائل الاعتقادية والعملية وفي جميع المسائل التي احتيج إليها في عصرهم مما عرض عليه. وعصرهم لا يختلف كثيراً عن عصرنا كما يحاول البعض إيهامه. فكم عدد المسائل التي قال فيها أحدهم إنها حرام والآخر قال إنها حلال. وكم مسألة قال فيها عالم بقول وكفّره أو فسّقه أو بدّعه عالم آخر... وما هي تلك المسائل، وكم بلغت من الأهميّة والانتشار في حياتنا اليوم. )
أما أن الدين لا يعرف ما هو فحقٌ وصدق ولا حول ولا قوة إلا بالله فإن كبار علماء الإسلام اختلفوا في أصوله فما ظنك بفروعه، وعظيم المصاب أن اختلافهم اختلاف تضاد لا تنوع وللنظر مثالا أصل الإسلام وأهم شيء فيه وهو كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فقد وقع خلاف عظيم في تفسيرها ومعناها بين العلماء الكبار واختلافهم اختلاف تضاد كما ذكرت لك فالغزالي حجة الإسلام ومن تبعه يقول أن معناها لا واجب في الوجود إلا الله أو لا خالق إلا الله والخالق عنه هو الموجد من العدم أما ابن تيمية شيخ الإسلام فيقول أن معناها لا معبود بخق إلا الله وعليه فلا يكفي عنده لمن أراد الدخول في الإسلام أن يقرَّ بوجود الخالق أو واجب الوجود بل عليه أن يقرَّ بعبادته وأن يقوم بهذه العبادة، وأما ابن رشد قاضي قضاة الأندلس فهو وإن أقرَّ بأنه لا خالق إلا الله إلا أن معنى الخلق عنده هو الصنع ولي هو الإيجاد من العدم وينفي تعلق القدرة بالإيجاد من العدم، وابن حزم إمام أهل زمانه يعتقد أن وجوب الاعتقاد بوحدانية الله ليس لمطابقة ذلك للواقع وإنما لأن الله أمرنا أن نعتقد هذا ولو أمرنا أن نعتقد التثليث أو وجود إلهين لوجب علينا ذلك، أما ما هو الأمر في في الحقيقة فلا يمكن لنا معرفته، وابن عربي إمام أهل الحقائق يفهمها على مذهب القائلين بالوحدة فالعبد ربُّ والربُّ عبد، ولكل من هؤلاء العلماء دليل عقلي ونقلي إلى ما ذهب إليه، فإن كان كبار علماء الإسلام اختلفوا في فهم أصل الأصول وكل منهم يمثل مدرسة من مدارس الفكر الإسلامي فما بالك بالعوام اللذين تنصَّر منهم أكثر من عشرة ملايين نسمة في أندونيسيا وحدها في السنوات العشرين الماضية، والنصارى يستخدمون حججا من القرآن لإثبات ألوهية المسيح في تنصيرهم ولا أقول أن جميعهم تنصر لأجل ذلك، وأعجب من هذا أني ناظرت إثنين ممن يشتغل بطلب العلم أحدهم أشعري والآخر سلفي في هذه المسألة فما استطاع أيٌّ منهم أن ينفي حجة النصارى بأدلة من القرآن فأي دين هذا اللذي تتحدث عن وضوحه؟ وفي ماليزيا حدثني من أثق به أنه رأى في أحد القرى أن جماعة ممن ينتسبون إلى الإسلام بنوا كعبة يحجون إليها ويطوفون حولها بدلا من الكعبة المشرفة، ولو أردت أن أبين لك أن عوام المسلمين بل وعلماءهم يفهمون الدين بطرق مختلفة لطال بي المقام، فأين هو هذا الدين الواضح البين؟ والله لقد فتحت جرحا انلأم منذ زمن، اللهم إني أسألك بأنك أنت أنت أن ترحمني.
أما إعادة النظر وصياغة مسائل الدين من جديد فأنا لا أريد هذا ولا أقدر عليه، ولا يريده رب العالمين مني فله الحمد والمنَّة.

قلتَ (هل فعلاً وجوب احتجاب المرأة أمر مختلف فيه بين العلماء، بحيث لو بعث الأئمة والصحابة الآن من قبورهم ومشوا في شوارع العواصم العربية والإسلاميّة ورأوا هذا السفور والتشليح المقرف في الملابس الذي يصممه مصممون أكاد أحلف أنه ليس لأحد منهم أخت أو زوجة أو ابنة يغار عليها، سينظر هؤلاء الأئمة إلى ذلك بعين الرّضا، ولا يجدون في أنفسهم غضاضة ولا حرجاً. ويهزون رؤوسهم أن الحمد لله هذا هو دين الله الذي أمر؟ إن كلّ واحد يعلم من نفسه علماً ضرورياً بأنّ ذلك ليس صحيحاً. )
أما أن جميع الأئمة سيقفون راضين عن هذا فلا أقول به، وأما أن بعضهم سيقف راضيا فممكن، واعلم أن لبعضهم أقوالا أشنع وأبشع في نظر الناس من هذا اللذي ذكرتَه هنا ولا حاجة لي بذكرها. وأما أنك تكاد تحلف فناشدتك الله لا تفعل، واعلم أن مفهوم الغيرة مختلف في بعض الدول الغربية عنه في بلدك، فلا تعجب من أن يكون لأكثرهم أخت وزوجة وبنت.

fadilov
05-12-2003, 05:37
تابع الرد على كلام الفاضل بلال

قلتَ (أقول: وحدة النص لا تقتضي فهماً واحداً ليسأل عن ذلك. ...)
وهل من الخطأ أن نسأل، على أن السؤال لم يكن لأجل الاعتراض ولا لأجل الاستفهام بل لتبيه القارئ إلى سبب الختلاف في الفهم فلماذا التعليق؟

قلتَ (أقول: إذا سلّمنا أن للنص في نفس الأمر معنى معّيناً سواء كان واحداً أو متعدّداً، ولنسمّه المعنى المقصود بصرف النظر عن وحدته وتعدّده، فالسؤال المهمّ .... أمور كلّية على مستوى أعلى بكثير من الذي ستقرأونه الآن في كلام فادي.)
أما جواب سؤالك اللذي تدق له الأوتاد فهو أنه أسلم وجود أدوات تمكّن من فهم النص لكن لا أسلم أن هذه الأدوات متاحة لنا ولا أن بإمكاننا معرفتها وسيأتي تفصيل ذلك في محله، أما العقل المحض وعلوم الآلة فلا أوافق على كونها كافية في فهم النص وعلى هذا تدور المقالة ومازلنا نتحاور وكلامك هنا عري عن الدليل بل هو مجموعة من الدعاوى. ولو كان موضوع الحديث عن كيفية فهم العقل للأشياء لسمعت مني عجبا وليس هذا محل الحديث كما أخبرتك.

قلتَ (ثمّ إني أدعو فادي والإخوة القرّاء إلى تناول بعض الكتب التي تتكلّم في البلاغة القرآنية أو الإعجاز أو أصول التفسير، أو مقدّمات بعض التفاسير كعشر مقدّمات الإمام العلاّمة ابن عاشور قبل شروعه في تفسيره التحرير والتنوير. وأنا أعد كلّ من يفعل ذلك أن يجد نفسه أمام عقول كبيرة، ومستوى عال من الفكر في تناول الكليّات...)
أما الكتب اللتي تتكلم عن بلاغة القرآن وإعجازه فلي من قراءتها حظ لا يستهان به، ولي عليها بعض الانتقادات وليس هذا محل الحديث عنها، أما مقدمات ابن عاشور فلم أقف عليها، وإن كنت قرأت شيئا من تفسيره. وسأحاول الوقوف على المقدمات إن أتيح لي ذلك.

قلتَ (فتأملوا كلامه: يقول: (منها الثقافة التي فهم القارئ النص من خلالها بالإضافة إلى نفسية القارئ التي تتعامل مع النص ثم طبيعة النص ذاته، فعلى سبيل المثال الثقافة التي يبرز فيها مفهوم الظلم المفتعل من قبل أصحاب السلطة سيؤدي بالضرورة إلى إفراز نمطين من الناس من يعاني من هذا الظلم ومن يؤيده وفي حالة أن كان الطرفان يستندان إلى مرجعية واحدة فإن كل فريق سيحاول أن يجد في هذه المرجعية ما يدعم موقفه، وسيقرأ في النص رأيه هو، وقد يقرأ بعض من يتعرض للظلم الرأي المقابل إذا اشتد الظلم عليه لتبرير استكانته وتخاذله) أقول: نعم يمكن أن يسقط الإنسان ثقافته وأهواءه ومآربه على نصوص الشريعة وخصوصاً القرآن الكريم .... فالقافلة تسير والكلاب تنبح.)
الثقافة بما تحويه من تيارات فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية ستؤثر في فهم النص وستخلق فهوما متعددة له، وما أظنك تنكر هذا، فهو واقع مشاهد بل أستطيع القول بأن كلامك يتضمن هذا، ومحل النزاع بيني وبينك كما أراه هو أنك تقول أنه لا يجب أن نعتبر الثقافة إذا أردنا أن نفهم النص بل علينا الاعتماد على العقل المحض وأدوات الآلة، وإلا لزم من هذا تعدد الفهوم بناءا على تنوع الثقافات، وقبل الجواب عن هذا أقول عند الحديث عن تأثير الثقافة في فهم النص فإني لا أقصد الكلام عن الذي يفهم النص فهما مخالفا لما يراه صوابا لمجرد تأييد مذهبه، وإنما أتكلم عن تأثير الثقافة الذي يجعل القارئ يظن أن ما هو عليه هو الحق اللذي لا تجوز مخالفته. ولنعد الآن إلى محل النزاع فنقول إنما يجب علينا الاعتماد على العقل المحض وما بني عليه في فهم النص لو سلمنا أن النص لم يراع حين نزل ثقافة الصحابة والأوضاع اللتي كان يعيشها المجتمع وتأثير ذلك في فهم النص، وأنت مطالب بإثبات هذا وإلا بطل قولك فإنه إن قلنا بمراعاة النص لذلك علمنا يقينا أن للثقافة مدخل في فهمه وهو خلاف قولك. أما لازم هذا لقول فإن للخصم أن يلتزمه مقرا بأن التكليف منحصر بما يراه الإنسان صوابا من فهمه للنص. أو يقول لا ألتزم بأنا مكلفون أصلا لاستحالة إثبات وجوب استخدام القواعد المشتركة في فهم النص بمعزل عن الثقافة. أو يلتزم عدم التكليف لعدم معرفة كيفية الفهم الصحيحة. وأرجو أن تكون قد أدركت الفرق بين تأثير الثقافة في فهم النص وهو ما لا أظن أحدا ينكره، وبين اعتبار هذا التأثير عند إرادة الفهم وهو ما تنكره من غير أن تبين دليلا على الإنكار حتى الآن. تأمل.
أما نباح الكلاب فقد حدثتك بأني لا أحب المناظرة به. وقد جاء في الأثر "المؤمن ليس باللعان ولا الطعّان ولا الفاحش البذيء"
قلتَ (لأنّ كلّ قول غير مأصّل وغير مقترن بدليل له وجهه فسوف ينتهي به الأمر إلى مزبلة التاريخ، وسيندثر ولن يلتفت إليه أحد. والأدلّة على ذلك من التاريخ لا تكاد تحصى وقصارى الكلام، فليقل كلّ من يشاء ما يشاء، ولكن من يقدر على إثبات مقالاته هو الذي سيخلّد.)
لو كان الأمر كذلك لانتهى قول النصارى وقول اليهود إلى مزبلة التاريخ، بل لانتهى قول البوذيين والهندوس وغير ذلك من الأديان اللتي سبقت الإسلام بآلاف السنين، إلا أن الأمر ليس على هذا النحو لأن حصرك الدليل بما بني على ما تسميه بالعقل المحض غير صحيح. ولو قرأت كلام علماء اللسانيات في تأثير اللغة على طريقة فهمنا وعقلنا للأشياء، وكلام علماء الإجتماع في تأثير المجتمع على طريقة فهمنا وعقلنا للأشياء، لعلمت خطأ ما تدعيه. وأنصحك بكتاب (الاستعارات اللتي نحيا بها) لجورج لايكوف ومارك جونسون فقد جمع بين الأمرين وفيه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

قلتَ (وبكل موضوعيّة، وأمانة، وبلا تعصّب أقول: ... تستدر عطف بعض مشاهديه للانتصار له. )
أما الموضوعية التي تظن وجودها فهي شيء غير موجود في الواقع البشري، وأقول كما قلت في غير ما موضع لو كان هذا هو محل الكلام على الموضوعية لتكلمت فيها، ولن أجيب عن سائر الكلام إلا بقولي سنتبين من هم العصافير بعد أن نفرغ من النقاش.

قلتَ (والجواب عن كلامك يتلخّص بكلمة واحدة، وهي أنه سلّمنا أن أصحاب المآرب يحاولون فهم الدين بحسب تلك المآرب، من حيث يشعرون بذلك ويقصدون إليه أو من حيث لا يشعرون ولا يقصدون أي في لا وعيهم كما يطيب للبعض أن يسمّيه، وهي تسمية تحتاج إلى تحقيق. فإنا لا نسلّم إمكان إثبات كلّ مدّع لدعواه، بل نقطع بأنه إذا سلّطنا معايير النقد على هذه المقالات فإنها ستتهاوى تحت معاولنا.)
ذكرنا وجه الخلاف فيما سبق فلا نعيد.

قلتَ (فماذا يريد فادي من هذا الكلام، هل يريد تبرير مقالة كلّ قائل مهما كانت خاطئة، لمجرّد أن قائلها يرى أنّها صحيحة. إن كان هذا ما يريده فلا أظنّ عاقلاً في العالم يوافقه على هذا الكلام. لأنّ هذه النسبيّة والعنديّة لا ينصرها غير فرقة منبوذة من السفطائية. وإن كان يوحي لنا بغير ذلك فليبيّنه لنعطي رأياً فيه. )
أما أني أريد ذلك فلا وأنا حتى الآن لا أريد إلا بيان فساد ما يدعيه الخصم، وأما أن هذه النسبية والعندية لا ينصرها غير فرقة منبوذة من السفسطائية فغير مسلم أبدا، فإن فلسفة ما بعد الحداثة تقوم على هذه النسبية والعندية، ولا أظنه يخفى على مثلك أن الفلاسفة المنسوبين إلى هذه المدرسة كفوكو وديريدا ليسوا فرقة منبوذة، بل هذه الفلسفة هي حاملة لواء الفلسفة الغربية في هذا العصر بعد أن تهاوت فلسفة الحداثة القائمة على تمجيد العقل المحض والموضوعية تحت وطأت الانتقادات التي وجهة لها من تيارات ما بعد الحداثة. بل إن مناهج البحث في المراكز الأكاديمية في الغرب أخذت تميل منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي إلى التركيز على البحوث النوعية لا الكمية بسبب التأثر بهذه التيارات. فإن كنت تعرف هذه الأشياء فلماذا تدعي أنها فرقة منبوذة؟ وإن كنت لا تعرفها فلا تلقي الكلام على عواهنه من غير تحقيق ولا تدقيق. واعم أيها الفاضل الكريم أن العالم أكبر من المحيط اللذي تعيش فيه بكثير. تأمل!
أم طلبك بيان ما أريد الإيحاء به فإني ما أوحيت ولكن بينت ما أريد وزدتك البيان بيانا فيما سبق.

قلتَ (أقول: لو كنت في رائق زماني الفائت حين كنت أطرّز القصص، وأديلكتكها لكتبت مسلسلاً .... ومصالحهم الشخصيّة.)
دعك من تطريز القصص، وكتابة المسلسلات، وتكلم بما يفي بالغرض، وعجبي منك تقول " وكلامه كلّه معارض بالكثير من الشواهد على مظلومين ومقهورين لم يتعلّقوا بالنصوص التي يجب أن يتعلّقوا بها من وجهة نظر فادي" وكأنك تقرأ كلاما آخر غير الذي كتب في المقالة، ألم تقرأ العبارة التالية " وقد يقرأ بعض من يتعرض للظلم الرأي المقابل إذا اشتد الظلم عليه لتبرير استكانته وتخاذله" ومع ذلك فالمقالة لم تقصد حصر قراءة النص بهذه الوجوه بل ذكرت هذه الوجوه كأمثلة على الواقع فاعتراضك ليس في محله، ثم إنك تعاملت مع هذا العامل الثقافي في فهم النص وكأنه العامل الوحيد، فأخذت تعترض عليه بقولك "، وكذا هنالك كثير من أصحاب السلطان قد تبنوا المواقف والعقائد التي تتعارض مع أهوائهم ومصالحهم الشخصيّة" وليس كذلك بل هناك العامل النفسي أيضا وكأنك لم تقرأ ما جاء في المقالة بعد ذلك " مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الثقافة ستفرز داخل هذين النوعين أنواعا أخرى كثيرة تميل في أصل فكرتها إلى أحد الطرفين على وفق العامل الثاني وهو الحالة النفسية للمخاطب" وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على تسرعك في الحكم وعدم التدقيق فيما هو بينٌ، فأين الإنصاف يا صاحب الأشعري؟ أهكذا تورد الإبل؟ ثم أنك تريد أن تتعامل مع القرآن كأنه كتاب يخاطب العقل المحض من غير أن يعتني بأحوال المخاطبين وثقافتهم والبيئة التي يعيشون فيها، وإن كان الحال على هذا فلماذا نجد اختلافا بين أسلوب القرآن المكي والمدني؟


قلتَ (وأقلّ ما يسأل عنه ههنا: كيف تريدنا أن نستخرج من هذا الكلام قواعد منضبطة لفهم الشريعة. أي هل لك أن ترينا كيف نفعل ذلك؟ ثمّ إن كنت قد سقت هذا الكلام لتبرير مواقف الناس الاعتقادية أو العمليّة، فلا نرى في كلامك قاعدة منضبطة يمكن تسليمها كعلم. والنفس الإنسانيّة أعقد بكثير مما حاولت تصويره ههن )
ومن قال أنني أبني بهذا الكلام القواعد المنضبطة، بل المقالة في هذا الموضع تبين فساد ما ظننته أنت قواعد منضبطة لفهم النص، وإني ما سقت الكلام لهذا الذي ذكرته، أما بشأن النفس الإنسانية فلو دققت في المقالة لوجدت الإشارة إلى شدة تعقيد النفس الإنسانية.

قلتَ (.أما أن يسوّغ التفسير بناء على حالة المفسّر، أي وجهة نظره من حيث ما هو جزء من تركيبة اقتصادية اجتماعية ثقافية ... إلخ مخصوصة، فأنا أطلب منك أن تقرر قضاياك في الاستدلال على جواز فهم نصوص الشريعة بحسب ما يقتضيه كلّ عصر من مصلحة أو منفعة فرديّة أو عامّة، وسأريك كيف أهدم لك هذا الكلام من أركانه. أريد فقط أن أستمتع بقراءتك تستدل على جواز ذلك، ثم يكون لي الحديث).
المقالة لا تقول بجواز فهم الشريعة بحسب ما ذكرت هنا، وأعجب كيف فهمت هذا؟ أم أنك تريد الاعتراض لمجرد الاعتراض؟ وعذرا على هذه الكلمة ولكنك تخترع القول وتنسبه لي ثم ترد عليه وهذا لا يقبل من الفضلاء.

قلتَ (ثم قال: (هذا بالنسبة إلى العامل الأول مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الثقافة ...إلى قوله: بل في شعوره كذلك) أقول: لم يزد ههنا شيئاً جديداً يستحقّ الكلام عليه. فلا يزال يدور حول أثر العامل الذاتي أو النفسي أو البيئة والتربية ومختلف الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بالمفسّر. وقد تكلّمنا في ذلك فلا نعيد. )
بل زادت المقالة أمورا، ولكن قصر عقلك عن فهمها، وقد بينت شيئا من ذلك فلا أعيد. وأنصحك بأن تعيد القراءة بقلب يقظ.

قلتَ (هذا الكلام ليس صحيحاً، ولا يسلّم أبداً. فالقرآن الكريم مبين عن نفسه بالتشكيك كما حقّقناه، والفهوم المتفاوتة في شموليتها وخصوصيتها وكلّيتها وجزئيّتها لا تتعارض تعارضاً حقيقياً كما أثبتناه إذا كانت فهوماً صحيحة، فلم يفقد هو مطلقاً صفة البيان. وتعارض الفهوم سببه فساد بعض الأنظار. )
ومازلنا نناقش إن كان سبب تعارض الفهوم فساد بعض الأنظار أم فساد شيء آخر.


قلتَ (يتبع... والعذر إذا كنت أتأخر في الكتابة فالبكاد أجد وقتاً لذلك في أواخر رمضان، بارك الله تعالى لنا في أوقاته. وأنا والله أفترص الفرصة لأكتب بعض الملاحظات ثمّ أنشغل، ويمكن لفادي أن يبدأ بالإجابة والمناقشة ولا اطلب منه انتظار كلّ ما سأقوله. فسأوافيه بكلّ ما يريد وزيادة، فلا يعجل عليّ. ثمّ إني في شوق لقراءة رأيه وتحقيقاته فيما كتبنا. )
أشكرك مرة أخرى على وقتك وهو بناءا على معتقدك في ميزان حسناتك إن شاء الله، وأما أنك ستوافيني بالزيادة فقد عفوت لك عن ذلك ولا أطلب منك إلا موافاتي بما أريد.

قلتَ (وصلّ اللهمّ على سيّدنا العظيم محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم)
وعليَّ وعلى جميع المسلمين.

قلتَ (ملحوظة للإدارة: لقد وجدت خيار إضافة رد ملغى من مقالة فادي فلم ذلك؟)
نعم لم ذلك؟ فإني أنتظر الجواب.

بلال النجار
08-12-2003, 15:58
بسم الله الرحمن الرحيم
يا فادي،
إنك تدعي: (عجز العلوم الإسلامية عن فهم الشريعة) وتقول إنك سلكت لإثبات هذا طريقين... إلخ)
فأقول لك: إنني حين أتكلّم فلا أعبّر إلا عن وجهة نظر السنّة فأرجو ألا تحتجّ علي بغير مقالاتهم. ويمكنك أن تتكلّم مع المعتزليّ وغيره في ما ذهبوا إليه، فإن ما ذهب إليه غير أهل السنّة من المقالات إذا أتيت به فإنه لا يلزمني لأنه ليس مذهبي، كما أنك ستجدني أقول بفساد نظرهم فيه فلن تستفيد شيئاً من ذلك. وقد أجبناك عن بعض الأشياء فقلت: إن هذا لا يلزمني وهذا ليس مذهبي وليس بالضرورة أنني أتبنى ما أعرض من مقالات وأدلّة وأنا أنتقد جميع المسلمين ومذاهبهم ولا أخص الأشعرية أهل السنّة. فاعلم أن المناظر عليه أن يقول رأيه في المسألة المطروحة لا أن ينتقد أقوال الآخرين فقط ولا يعرف قوله هو، فإنني بإمكاني أن أبقى دائراً معك بنفس الأسلوب كلّما قلت شيئاً تعلّقت ولو بقشّة وانتقدت كلامك فيه دون أن أبين حقيقة قولي في المبحوث، وعلى هذا النحو لن يكون لكلامنا فائدة.
فإن قولي هو قول الأشعريّة في الأصلين، وفي كلّ مسألة من المسائل التي تناولناها ورأي الأشعريّة أشهر من نار على علم، ويمكنك بسهولة أن تتطلع عليه من الكتب، وقد قلنا لك بعض أدلّتهم على ما ذهبوا إليه في مسألة فاعل الكبيرة. ونقضنا أدلّة مخالفينا التي أتيتنا بها، فإما أن تبيّن بأدلّة واضحة فساد قولنا وفساد قول المعتزلة جميعاً بما أنّ أساليب فهمنا للنصوص ليست صحيحة أو على الأقل أنها لا تكفي، أو أن تسلّم بقولنا ولا نطالبك عندها بشيء، أو تسلّم بقول المعتزلة فتنصر قولتهم وتحاورنا بالأدلّة، أو أن ترينا كيف يصح قولنا وفي نفس الوقت يصحّ قولهم! فهذه هي الاحتمالات الممكنة في هذه المسألة. وأنت لا تفعل أكثر من الكلام الذي لا يؤدي إلى نتيجة.
وانظر لنفسك كيف تقول: (إنما يصح هذا الحصر لو كان صاحب الكبيرة شخصا واحدا وكانت الكبيرة غير متنوعة وكلا الأمرين غير صحيح فإنه يجوز أن يخلد الله بعض أصحاب الكبائر ولا يخلد البعض الآخر إما لاختلاف مرتكبيها أو لاختلاف نوع الكبيرة وعليه فيكون بين النفي والإثبات ثالث ورابع) اهـ
فإن الأقوال في فاعل الكبيرة محصورة فإما أن لا يدخل النار مطلقاً وجوباً لكونه مؤمناً ولا يضره مع إيمانه معصية وهو قول المرجئة، أو يدخل النار قطعاً لكون الكبيرة علة موجة في الإحباط والخلود وإذا تاب وجبت له المغفرة معلّقة على المشيئة والاستئهال وهو قول مضطرب جدّاً على ما بيّنا ومن قرأ تفاصيل كلامهم وجدهم يضعون للتوبة شروطاً كثيرة وبعضها تعجيزيّة يستحيل تحقيقها كوجوب استحضار الندم دائماً وغير ذلك وهو قول المعتزلة، أو أنه كافر وخالد في النار وهو قول الخوارج، أو أنّه ليس بكافر لأنّه لا يخرج العبد من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه وعليه فله من الرسول وغيره من الشفعاء الشفاعة وقد يعفى عنه بها فيدخل الجنة دون عذاب، وقد يعذّب قدراً معيّناً طويلاً أو قصيراً ثم يدخل الجنة ولكنّه لا يخلّد في نار جهنّم. ومحلّ كلامي في الموضع الذي علّقتَ عليه بهذا الكلام هو أنّ في فاعل الكبيرة الذي اتفقنا نحن والمعتزلة والخوارج على دخوله في النار، فهو إمّا أنّه خالد في النّار أو ليس بخالد ولا ثالث بين النّفي والإثبات.. فما معنى قولك هنالك ثالث ورابع.. ما هو الثالث والرابع؟ هل تريد أن ترد لمجرّد الردّ والكلام أم تريد أن تفصح عمّا تريد قوله؟
أما أن العلوم الشرعيّة عاجزة عن فهم نصوص الشريعة على إطلاق هذا القول فها إنك أنت نفسك لا تسلّمه. فالكلام لا بدّ أن يكون مقيّداً فلنتفق على شيء: عن أي نصوص أنت تتكلّم. إنه على مذهبي فلا يوجد أصل من أصول الدّين لم تستطع آلات العلوم الإسلاميّة أن تستنبطه من جملة الشريعة. فهل كلامك إذاً في فروع الدّين من الاعتقاديّات التي لا يضر الجهل بها ومن العمليّات التي لم يجمع عليها، وما زالت تقبل النظر والاجتهاد فيها؟ إذن يسوغ الخلاف فيها، ويقبل من الواحد أيها يختار سواء كان مجتهداً أو متّبعاً لمجتهد، ولا نفسّق ولا نبدّع من خالفنا فيها.
وقد قلت لك إن العلوم ما تزال بحاجة إلى مزيد تنقيح وتحرير واستدلال على بعض قضاياها وأنها لم تكتمل بعد، ولن يبلغ علم حادث رتبة الكمال مهما علا. وههنا أمر وهو قولك: (أنه لو سلمنا إمكان رفع الإشكال عن جميع النصوص المتعارضة بالاستعانة بالعلوم الإسلامية وهو غير مسلم، فلا يلزم من هذا بالضرورة أن تكون هذه العلوم صالحة لفهم النص إذ إنها قد أهملت أموراً أخرى ذكرت في المقالة يجب مراعاتها للوصول إلى الفهم الصحيح)
فأقول: ولا يلزم أيضاً أنه بمراعاة هذه الأمور التي ذكرتها في مقالتك اختلاف فهمنا للنصّ. ولكي يكون الكلام نافعاً، وبخاصة بعدما تحرر موضع النزاع أكثر أن مقصودك إنما هو في بعض المواضع من الشريعة، فأرجو أن تأتي لنا بنصوص شرعية تفهم من خلال علومنا على وجه، ثم باعتبار ومراعاة ما ذكرته في مقالتك تفهم على وجه مخالف يكون صحيحاً استناداً للقدر المشترك من القواعد المسلّمة بيننا، والتي تمكّنّا من خلالها أن نحكم على الأوّل بأنه غير صحيح. وقبل ذلك عليك أن تقول لنا ما هو القدر الذي تسلّمه دليلاً، أتسلّم علّم المنطق أم أنك تعتبره غير صالح للاحتكام له؟ أتسلّم علم الأصول أم تراه غير صالح للاحتكام له؟ أتسلّم علوم العربيّة أم تراها غير صالحة للاحتكام لها؟ وهكذا... قل لنا ما الذي ترتضينا أن نحتكم له وما الذي لا ترتضيه، وإن كنت تسلّم قدراً منها وتردّ قدراً فما هو القدر الذي تسلّمه لكي نبدأ منه، وما هو الذي تردّه لنستدلّ عليه لإثباته، فإن سلّمته زادت قواعد الاحتكام والاتفاق بيننا وإلا اجتنبناه في كلامنا معك.
وإنك تعلم أنه لا يقبل منك أن لا تسلّم شيئاً مطلقاً، ولا أن تقبل جميع الأقوال. لأن هذين مذهبين سفطائيين يعبر عنهما باللاأدرية والنسبية أو العندية. وليس أحد من المسلمين بعنديّ أو لاأدريّ. بل هما طائفتان لا يمكن أن ينتسبا إلى دين الإسلام لكونهما كافرتين قطعاً. فعليك إذا أن تقول لنا ما الذي تنتقده من قواعد أصول الفقه أو أي علم شرعيّ آخر.
وبخصوص الحالة النفسيّة للإنسان فعليك أن تفهمنا كيف توظف ذلك بقواعد تفهم بها القرآن الكريم. لأنه لا يقبل من أي واحد أن يفسّر القرآن على هواه. بل لا بدّ أن يأتينا بقاعدة منضبطة تبيّن كيف فهم ذلك المعنى المعيّن من القرآن. وكذلك الحال بالنسبة للثقافة، وقد سألناك على فرض تسليم أن الثقافة لها مدخليّة في تحديد معنى النصوص، كيف تريدنا أن نفهم القرآن على أساس من الثقافات الموجودة الآن، الثقافة العربية مثلاً، أو الثقافة الأمريكية، أو الثقافة الأوروبية، أو أي ثقافة تختار، أرنا كيف يفهم نصّ قرآنيّ من خلال تلك الثقافة أي ما هي مداخل تلك الثقافة في فهم ذلك النص بقواعد نستطيع تعميمها وضبط فهمنا على وفقها؟ وأنت لم تجبنا عن ذلك حتّى الآن، ولا تفعل شيئاً غير التعلّق بكلام لا يفيدك.
ثم إنك تقول: (السؤال ... هو هل من شأن السنة رفع التعارض الظاهر بين نصوص القرآن ومعرفة المحكم من المتشابه؟ الجواب لا وذلك لعدّة وجوه أُعيدُ بيانها لتوهمك وجودَ مغالطة في الكلام. إن نصوص السنة التي تتكلم عن ذات المسألة فيها ذات الإشكال أي أن نصوص السنة التي تتكلم عن حكم مرتكب الكبيرة ليست بينة في دلالتها فهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها الخلود في النار وهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها عدم الخلود، فكيف سنعرف المحكم من المتشابه في القرآن في مسألة ما (حكم مرتكب الكبيرة) بواسطة السنة إن كنا لا نعرف المحكم من المتشابه في نصوص السنة في ذات المسألة؟ فأين المغالطة التي تتكلم عنها؟ وما هو جوابك عن الإشكال؟)
فأقول: المحكم بيّن والمتشابه بيّن في القرآن والسنّة بالضوابط التي أعدناها على مسمعك مرّتين. وهي أن النص والظاهر محكم، والمجمل والمؤوّل متشابه. وهنالك ضوابط للنص والظاهر والمجمل والمؤوّل. والآيات والأحاديث الواردة في مرتكب الكبيرة كافية في معرفة أنه إذا كان مؤمناً فهو ليس بخالد في النار ولكنك أنت تتوهم أن شيئاً منها لا يرفع الإشكال. فإنه ثبت أنه سيخرج من النار كل من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من إيمان، وأن الله يغفر الذنوب جميعاً، وأن الشفاعة ثابتة في الحديث لأهل الكبائر من المؤمنين سواء تابوا أم لم يتوبوا وبفضل الله وبرحمته فقد يغفر للبعض كبائرهم فيدخلون الجنّة. ولغير ذلك من الأدلّة. وأحاديث الشفاعة كثيرة جدّاً، وهنالك شفاعة للأنبياء، وللعلماء، وللشهداء، وللملائكة كلّ بحسب مرتبته ودرجته. أما المغالطة التي تضمنها كلامك فهو أنّه ليس همّك في المقالة بيان أنه هل فاعل الكبيرة خالد في النار أو ليس بخالد، بل مسألة فاعل الكبيرة لا تعدو كونها مثالاً ضربته على بيان أن القرآن لا يمكن فهمه باستخدام العلوم الشرعيّة الحاليّة. فحتّى على تسليم أنّ في السنّة تعارضاً في هذه المسألة، فإنك انتقلت من هذا المثال إلى القول بعدم صلوح السنّة لتفسير القرآن على الأقلّ في متشابهه، وفرق كبير بين قولك (نصوص السنّة فيها ذات التعارض) ثم تعقيبك بالسؤال (فكيف نفهم القرآن) وبين أن تقول: إنني نظرت في القرآن فوجدت الآيات الواردة في شأن فاعل الكبيرة متعارضة ولم أستطع أن أخلص منها برأي، ثمّ نظرت في السنّة فوجدت ذات التعارض هنالك فلم يفدني النظر فيها شيئاً أو على حدّ تعبيرك (زادت الأمر تعقيداً)... وبين تعبيرك الأوّل الذي جاء تحت عنوان (إشكالية فهم النصّ القرآني) ولم يختصّ أصلاً بالمتشابه. وفي المقالة يفهم منك أن تقول: لا يمكن أن يخلص الناظر في القرآن برأي محدد فلا يستطاع فهم القرآن، ويفهم منك أنه يمكن الخلوص منه بكلّ رأي، وأنه لا السنّة ولا أقوال الصحابة ولا قواعد الأصول وغيرها من العلوم تستطيع فهم القرآن وفي نفس الوقت تقول: إن القرآن مبين عن نفسه. وهذه أقوال لا أقدر على جمعهما معاً إلا بتصحيح القول بالسفسطة. فهذا هو المدّعى فلماذا تراوغ وتتهمنا أننا لا نفهم ما تقول، وأننا نقوّلك ما لا تقوله؟

إنك تنفي أولاً صلوح السنّة للبتّ في أمر المتشابه مطلقاً، وإن كنت تدّعي أن كلامك في هذه المسألة بالذات وأنت تعرف أن في السنّة نصوصاً على خروج أهل الكبائر من النار فلم لا تحمل المتشابه في السنّة على المحكم، وما لنا والنّاس الذين في قلوبهم زيغ ولا يريدون أن يفهموا ويلتزموا بجميع أدلّة الشريعة، إذا كان في حديث ما إجمال بشأن فاعل الكبيرة فهنالك أحاديث تبيّن أنّ المؤمن تاب أو لم يتب فغايته دخول الجنّة سواء دخل النار ثم خرج أو غفر له ولم يدخلها أصلاً.
ثمّ أنت تقول: (وربما اعترض أحدهم بقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فالرسول – صلى الله عليه وسلم – مبين لما في القرآن، وهذا في حقيقة الأمر زيادة للإشكال وليس حلاً له إذ كيف وما هي الحاجة إلى بيان ما هو بين! وجواب هذا أن السنة تبين ما لم يذكر في القرآن من أحكام كأوقات الصلاة أو عدد الركعات لا أنها تشرح ما هو مبين في القرآن أو أنها تبين أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب) ثم تقول: (بالإضافة إلى أن بإمكان كل فريق إن يضعف الأحاديث التي تخالف مذهبه لأنها أخبار رواها الآحاد من الناس خالفت آيات القرآن التي ظن كل فريق أنها محكمة قطعية في الدلالة)، ثمّ إنك تزيد على ذلك بقولك: (من شروط صحة حديث الآحاد أن لا يخالف الأصول وهذا عند الطرفين، فكيف سنستدل به على شرح الأصول أو إثباتها!) فلا تقبلها من هذه الجهة بياناً للكتاب. ثم تقول: (وعليه فلا يمكن أن نلجأ إلى السنة في حل هذا الإشكال – أي في معرفة المحكم من المتشابه في القرآن)
وتتهمني الآن بأنني لم أفهم كلامك. إنك تنفي أن تصلح السنّة لشيء من بيان المتشابه، وتسأله أنت بالنص فتقول: (السؤال في هذا القسم من المقالة هو هل من شأن السنة رفع التعارض الظاهر بين نصوص القرآن ومعرفة المحكم من المتشابه؟)
ثم تجيب: (الجواب لا وذلك لعدّة وجوه أُعيدُ بيانها لتوهمك وجودَ مغالطة في الكلام. إن نصوص السنة التي تتكلم عن ذات المسألة فيها ذات الإشكال أي أن نصوص السنة التي تتكلم عن حكم مرتكب الكبيرة ليست بينة في دلالتها فهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها الخلود في النار وهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها عدم الخلود، فكيف سنعرف المحكم من المتشابه في القرآن في مسألة ما (حكم مرتكب الكبيرة) بواسطة السنة إن كنا لا نعرف المحكم من المتشابه في نصوص السنة في ذات المسألة؟)
وهذا لا يصلح دليلاً على ما تقول أبداً، فأنت أخذت حالة واحدة هي مسألة الكبيرة، على فرض تسليم كون السنّة لا تشرح الكتاب فيها ولا يسلّم ذلك، وعمّمت منها عدم صلوح السنّة لرفع الإشكال عن متشابه الكتاب مطلقاً. وهذا غلط فاحش. وفرق كبير كما قلنا لك بين كون السنّة لا تحلّ بعض المتشابه على فرض تسليمه، وبين عدم صلوحها مطلقاً لحلّ المتشابه. فإن كنت لا تفهم هذا الفرق فهذا غريب!
قولك: (غاية ما ذكرته المقالة أن السنة فيها ذات التعارض أما إن كان هذا التعارض حقيقيا أو متوهما فهذا شأن آخر، ولا أدري كيف فهمت هذا من العبارة!)
أقول: بل هو فرع هذا الشأن، من نزّه دين الله تعالى عن التعارض اجتهد في الفهم وفي أن يجد حلاّ لما توهمه متعارضاً لأنّه يحكم على نفسه بالغلط حين يلمح هذا التعارض، ويقول لا بدّ أنني واهم في فهمي، فينثر جميع ما ورد من آيات وأخبار وأقوال في المسألة، ثمّ بتطبيق القواعد الشرعيّة سيصل إلى الحلّ والجواب، وهذه هي طريقة أئمتنا وعلمائنا، ولا يتعلّق بالمتشابه وحده ويذر الكثير من المحكم إلا زائغ، فالله تعالى حذّر من التعلّق بالمتشابه بقوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله). ولا يقال لم وضع الله تعالى المتشابه في كتابه، فالله تعالى فعّال لما يريد. ومع ذلك فقد ذكر العلماء حكماً كثيرة لوجود المتشابه، ولخصّ الإمام الرازي في تفسيره لهذه الآية كثيراً منها على وجه حسن. ولم لا يقال كما قال كثير من العلماء إن الله ابتلى بها قلوب العباد، فمن كان في نفسه هوى وزيغ تراه اتّبعها وترك المحكم، ومن أراد الاهتداء والاستقامة على الصراط السويّ ردّ المتشابه إلى المحكم، أو انتهى عن النظر في المتشابه إن لم يكن أهلاً لذلك وخشي الفتنة، فذلك أسلم لدينه، ولو طرح الواحد كلّ متشابه في القرآن والسنّة لوجد في محكمهما مندوحة له ليستقيم على الطريقة المثلى لا يضرّه تركها -مع الإيمان بها على مراد الله- شيء. خبّروني أين توقف الائتمار بأمر الله والانتهاء بنواهيه على متشابه القرآن الكريم؟ وإن لله خيلاً كرّارة في رحاب الشرع فليترك لهم. قال إمامنا الشافعي في الرسالة وهو الحجّة في لغة العرب وأحد أكبر أذكياء العالم: (فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها، على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها. وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عامّاً ظاهراً يراد به العامّ الظاهر، ويستغنى بأوّل هذا منه عن آخره، وعامّاً ظاهراً يراد به العامّ الخاصّ، فيستدلّ على هذا ببعض ما خوطب به فيه. وعامّاً ظاهراً يراد به الخاصّ. وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره. فكلّ هذا موجود علمه في أوّل الكلام أو وسطه أو آخره. وتبتدئ الشيء من كلامها يبيّن أول لفظها فيه عن آخره، وتبتدئ الشيء يبيّن آخر لفظها فيه عن أوّله. وتكلَّم بالشيء تعرّفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ، كما تعرّف الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها. وتسمّي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمّي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة، وكانت هذه الوجوه التي وصفتُ اجتماعَها في معرفة أهل العلم منها به –وإن اختلفت أسباب معرفتها- معرفة واضحة عندها، ومستنكراً عند غيرها، ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنّة، فتكلّفَ القولَ في علمها تكلُّفَ ما يجهلُ بعضه. ومن تكلّف ما جهل وما لم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب –إن وافقه من حيث لا يعرفه- غير محمودة والله أعلم. وكان بخطئه غيرَ معذور إذا ما نطق فيما لا يحيطُ علمُهُ بالفرقِ بين الخطأ والصّواب فيه) اهـ كلامه رحمه الله
فهذه هي الحال على ما وصف الإمام.
وأنت يا فادي تقول إن كتاب الله كتاب مبين بنفسه، فما معنى هذا البيان؟ هل معناه أن كلّ من نظر فيه وفهمه بفهمه الخاص ففهمه صحيح؟ إذا كان كذلك فقد قلت إن المعتزلة فهموا منه خلود فاعل الكبيرة في النار، والسنة فهم خلاف ذلك، فهل يصحّ عندك أن يكون كلا الطرفين مصيب في فهمه؟ إن كان كذلك فما معنى كونه مبيناً؟ أريدك أن تشرح لنا معنى كونه مبيناً من وجهة نظرك أنت.

قولك: (أرجو أن تأذن لبديع الزمان أن يسأل إمام العربية وخطيبها ومن إليه المنتهى في معرفة بلاغتها أين عمم بديع الزمان حكمه بعدم صلوح السنّة طريقاً لتفسير القرآن مطلقاً؟ وما هي العبارة التي فهم منها إطلاقه لهذا الحكم؟)
أقول: إن كلامك السابق كما بيّنته لك عام في كل ما تشابه، وهو المجمل والمؤوّل. لأنّك ادعيت أن السنّة في كلّ موضع متشابه لن تصلح لحلّه لأن السنّة متعارضة فيه. وهذا لا مهرب لك منه لأنه تصرّح به بالنصّ، فهذا أوّلاً. ثمّ قصرت فائدة السنّة على بيان ما لم يرد فيه نص قرآني، لأنّك تدّعي أن القرآن مبين بنفسه، ويجب تنزيهه عن أن تبيّنه السنّة فضلاً عن أي كلام آخر من كلام الصحابة أو غيرهم. فمن هذين الموضعين من كلامك يؤخذ من منطوقهما ومن الموافقة القطعيّة ما ألزمناك به. ولعمري إن كانت السنّة لا تصلح للمتشابه، فماذا بقي غير المحكم الذي لا تفيد السنة التي هو أدنى من كلام القرآن بلاغة لبيانه على حسب قولك، وهو أصلاً بيّن بنفسه لكونه محكماً بالاتفاق. فهذا بيان ما فهمنا لتعميمك عدم صلوح السنّة لتفسير القرآن. فإن كنت لا تقصد ذلك، فأنت لا تبين بكلامك عن مراداتك، فتلك مشكلتك.

قولك: (الكلام فيما إن كانت السنة يمكن أن تبين أن ظاهر القرآن غير مراد وإنما المراد المعنى الخفي، وليس الكلام فيما إن كانت السنة تصلح لتفسير مجمل ألفاظ القرآن، ولو قرأت المقالة بإنصاف لظهر لك هذا بوضوح)
أقول: ها أنت تخصص كلامك أكثر، فتدّعي الآن أن مقالتك لا تتناول إلا ما كان ظاهر الكتاب فيه غير مراد أن السنّة لا تبيّنه. وقد قرأت مقالك بإنصاف فلم أجدك تخصص عدم صلوح السنّة لبيان أن ظاهر القرآن غير مراد وإنما المراد المعنى الخفي، نعم ذكرت مقالتك أن السنة لا تصلح لبيان أن ظاهر القرآن غير مراد ولكنها لم تخصّه وحده كما ادعيت بل أضافت له أشياء أخرى، ودعني أذكرك بكلامك، فيبدو أنك تنسى ما تكتب، أنت قلت: إن السنة لا تشرح ما هو مبين في القرآن، ولا تبين أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب، فإذا أضفنا ذلك إلى قولك بعدم صلوحها لبيان ما هو متشابه كما زعمته، صارت السنّة لا تبيّن شيئاً من القرآن. وغاية ما ألزمناك به في هذا الموضع الذي علّقت عليه أن قلنا: (إن سياق كلامك يفهم منه أنّ كلّ موضع مشكل في القرآن الكريم فإن كلام السنّة فيه متعارض محيّر فلا يصلح لحلّه) وهو كذلك، فلم تدّعي بأنّا نقوّلك لا تقول.
قولك: (ومن زعم أن السنة تصلح لبيان أن ظاهر القرآن غير مراد فليأت بمثال يصلح دليلا على ما يدّعيه)
أقول: إن ما قلته هنالك حيث طالبتني بدليل على وجود ظاهر في القرآن بيّنت السنّة أن المراد خلاف هذا الظاهر هو: (لا نقول كلّ موضع مشكل فقد حلّه نصّ واضح من السنّة، ولكنّا نقول إن الآثار حلّت وشرحت بعض القرآن على الأقل، ولا ندّعي أن الآثار وحدها كافية لتفسير القرآن الكريم –كما سيأتي الكلام فيه- ليحتجّ علينا بهذا الكلام الركيك. ثم إن سياق الكلام يفهم منه أنّ كلّ موضع مشكل في القرآن الكريم فإن كلام السنّة فيه متعارض محيّر فلا يصلح لحلّه) والمقصود بالكلام الركيك ما جئت به لتثبت عدم صلوح السنّة لحلّ المتشابه وتفسير القرآن على ما بيّناه من أنك رتّبت دليلك على أن السنة لا تصلح ثم أقوال الصحابة لا تصلح... إلخ، فلماذا تطالبني بدليل على شيء لم أقله موهماً أني أقول إن السنة جاءت لبيان أن بعض الظاهر الكتاب معناه خلاف ما يظهر منه؟
ثمّ إن ههنا بحث صغير لكي لا يفهم منّا خلاف ما نريد، فقد جاء في القرآن: (وهو معكم أينما كنتم)، و(فأينما تولّوا فثمّ وجه الله)، وغير ذلك من الآيات أمثالها. فهذه لا نسلّم أصلاً أنها تعبيرات تحمل على الحقيقة، بل يجب حملها على الاستعارات والمجاز وهذا تحتمله لغة العرب، وإذا نظر إلى أمثال هذه الآيات في سياقاتها فيفهم أن المراد منها ليس المعيّة المكانية والوجه المعهود في المخلوق، وبذلك يرتفع الإشكال في أنا لا نسلّم أنّ هذا هو المعنى الظاهر منها. وأما إذا قلت بأن هذه الآيات الظاهر منها الوجه الحقيقي والعين الحقيقية والمعيّة المكانية.. إلخ، فعندها نقول على تسليم أن هذا هو الظاهر منها فإن السنّة وغيرها من الأدلّة كالقرآن والأدلّة العقليّة تقتضي صرف هذه الآيات عن معناها الظاهر إلى معنى خفيّ ونسمّي ذلك مؤوّلاً. مع أنّ السياقات على ما استقريته في كثير من المواضع كافية لبيان أن ظاهر الكلام غير مراد.
قولك: (ولا يلزم من ذلك أنهم مصيبون فيما فهموه، أو توهموه صالحاً لحل الإشكال، أما أن آتي بأمر من العقيدة فقد فعلت ... أضف عليه القول في الأسماء والصفات، وتعذيب الكفار في نار جهنم بل أضف أصل الأصول وهو معنى كلمة التوحيد، وغيرها من المسائل التي لا يمكن القطع بمعرفة حكم الله فيها إن فهمنا الشريعة مستعينين بالعلوم الإسلامية، وأما الفقه فلا تسأل عن عدد الأحكام التي تشكل كوجوب الحجاب وحكم النبيذ المسكر وتعدد الزوجات وزواج المتعة والزواج من الكتابية والجهاد والسحاق وغيرها من الأحكام التي لا حصر لها)
أقول: أما قولك لا يلزم أنهم مصيبون فيما فهموه فهو مجرّد كلام، كما أقول إن كل أحد غير الأنبياء المعصومين فإنه لا يلزم أن يكون مصيباُ فيما فهمه. فإن لم تستدلّ على أنهم ليسوا مصيبين فلا قيمة لكلامك. وكذا الكلام في قواعدهم التي استنبطوا على وفقها فإن لم تبيّن فسادها فلا عبرة بقولك ربمّا توهّموا، فلغيرك أن يقول ربّما أصابوا، وقطع ذلك يكون بالاحتجاج لا بمجرّد الكلام الذي نراك تكثر منه بلا فائدة. أمّا المسألة الاعتقاديّة التي أتيتنا بها وهي مسألة الكبيرة فقد بينّا لك قولنا فيها، فبين فساد قولنا إن استطعت. وقولك الأسماء والصفات وتعذيب الكفار ... إلخ مما ذكرت فأنت تعرف أن ذلك يطول الكلام فيه جدّاً ولا أظنّك تدعوني الآن لأؤلف كتباً أحلّ فيها الخلاف. ولمثل ذلك وجد الكلام في القواعد والأصول الكليّة، فإن الخصوم إذا اتفقوا على الأصول انحلّت الخلافات المندرجة تحتها. فتكلّم معنا في الأصول. ما هي مصادر التشريع، ما الذي تسلّمه منها وما الذي لا تسلّمه، ولماذا لا تسلّمه؟ ما هو المأخذ الأصولي الذي تأخذه علينا في نظرنا في آيات الصفات، أو في غيرها من المسائل الاعتقادية أو العمليّة. ثمّ إذا اتفقنا على الأصول التي نتحاكم إليها بحثنا في كلّ مسألة بسهولة. فمثلاً إذا كانت حجّتي الوحيدة هي الإجماع على حرمة المتعة، فإن كنت تخالفني في أنّ الإجماع حجّة فسنبقى ندور في حلقة مفرغة ونتحاور حوار الطّرشان. وكذلك الحال في كلّ مسألة مما طرحتها.

قولك: (أنا لا أقول أن العلماء يتخبطون، وأعجب كيف توهمته! بل بينت أنهم يعتقدون أن أصولهم صحيحة لا غبار عليها، وليتهم تخبطوا إذ لو فعلوا لبحثوا وما ركنوا، ولكن الله يفعل ما يريد)
أقول: من يعتقد أن أصوله التي يرتكز عليها صحيحة لا غبار عليها في حين لا يُعرف ما إذا كانت صحيحة أم لا فهو هائم على وجهه لا يدري شيئاً. فإن العلماء حين يؤصلون يحتجون لأصولهم بقواطع الأدلّة، وبذا يعلمون يقيناً أنّها صحيحة في نفس الأمر لا أنّهم يعتقدون ذلك فحسب قد يكون عن وهم. وكلامك معناه أنهم لو شكّوا في صحتها واستمرّوا في البحث ربّما تبيّن لهم خلاف ما هم عليه. وهذا الكلام متناقض غير مستقيم، لأن من شرط الأصل أن يكون مستيقناً مقطوعاً به، فكيف تتمنّى أنهم شكّوا في أصولهم حال قطعهم بها. وإنّك لتدور دائماً في كلامك على التشكيك في العلوم الدينيّة، وصحّة الأصول فلماذا لا تبيّن فساد قاعدة من قواعدهم بدل هذا الكلام الذي لا تنتهي.
يتبع....

saadmohammed
08-12-2003, 22:02
الاستاذين بلال وفادي
أتابع حواركما المتميز والعميق ونأمل أن يكون للشيخ سعيد فودة مشاركة في هذا الحوار
وأرجو من الاستاذ فادي أن يدلنا على مكان طبع الكتاب الذي أشار إليه في الحوار ( الاستعارات التي نحيا بها ) واسم دار النشر وهل ترجم إلى العربية؟

saadmohammed
08-12-2003, 22:36
ملاحظة
أتمنى على الأخوين المتحاورين أن يوثقا ما يعتقداه من أقوال للفرق أو للعلماء من مصادرها فالحوار علمي والتوثيق أمر مهم
والله الموفق

fadilov
09-12-2003, 01:05
الفضل سعد

أشكرك ابتداء على مشاركتك واهتمامك

أما عن الكتاب فقد ترجم إلى العربية بواسطة عبد المجيد جحفة، وقد طبعت الترجمة دار توبقال في الدار البيضاء- المغرب سنة 1996

أما عن التوثيق فسأوثق ما أقدر عليه، إذ معظم المراجع ليست متوفرة بين يدي في هذا الوقت ولا في المستقبل القريب.

بلال النجار
09-12-2003, 15:59
بسم الله الرحمن الرحيم،
قولك: (وجه التعارض بين حديث قاتل نفسه وأحاديث الشفاعة فإن الأول ظاهر في خلود كل من تجرع سماً في نار جهم، وأحاديث الشفاعة تخرج كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فهل سنقول إن كل من قتل نفسه فهو مخلد في النار حاشا من كان مؤمناً لما جاء في أحاديث الشفاعة؟ أم سنقول إن كل من كان مؤمناً فسيخرج من النار إلا إن كان قاتلاً لنفسه بتجرعه السمَّ كما جاء في حديث تجرع السمِّ؟ أم لا هذا ولا ذاك فبينه؟)

أقول: إن الجنّة لا يدخلها إلا المؤمن بالاتفاق. أمّا النار فأهل السنّة على أنّ الله تعالى وعد بها الكافر خالداً فيها خلوداً دائميّاً في العذاب بلا موت. وأما المؤمن فكما هو موعود بالنعيم على الطاعات فمتوعّد بالعقاب على المعاصي. ولا تخرجه معاصيه مهما بلغت عن أصل الإيمان إلا أن يجحد ما أدخله في الإيمان وهي كلمة الشهادة بمقتضياتها. فمعنى لا إله إلا الله عند الأشعريّة لا مستغني عن كل ما سواه ومحتاج إليه كلّ ما عداه إلا الله سبحانه، وهي جامعة لمعاني العقيدة المطلوبة من المسلم مما يجب له تعالى، وما يستحيل في حقّه وما يجوز كما حققه العلامة السنوسي رحمه الله. ويقتضي الإيمان بثبوت الرسالة لسيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم معرفته بالعين والمنزلة أي معرفة ما يجوز في حقه وما يستحيل وما يجوز، والتصديق بما جاء به من أركان الإيمان وأركان الإسلام، وما أخبر به عن ربّه من كتاب وحكمة. والإيمان من حيث هو كيفيّة نفسانيّة فإنه قابل للزيادة بالأعمال الصالحة والنقصان بالمعاصي. ونفيه عن المتلبس بالمعصية محمول على نفي كماله.

فأهل السنّة فهموا من قوله (لا يزني الزاني وهو مؤمن..) وأشباهه من الأحاديث أن معناه لا يفعل المؤمن هذه المعاصي وهو كامل الإيمان. فإنه يجوز أن يطلق اللفظ في نفي شيء ويراد به نفي كماله، كما تقول: لا علم إلا ما نفع. ولا مال إلا الإبل. واللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة. وتأوّلنا لظاهر هذا الحديث لحديث أبي ذر وغيره: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنّة، وإن زنى وإن سرق) ولحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور: (أنهم بايعوه على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا.. ثم قال: فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذّبه".

قال الشيخ النووي في شرح الحديث: وهذان مع نظائرهما في الصحيح مع قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) مع إجماع أهل السنّة على أنّ الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك، لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرّين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنّة أوّلاً، وإن شاء عذّبهم ثمّ أدخلهم الجنّة. وكلّ هذه الأدلّة تضطرّنا لتأويل الحديث وشبهه. ثمّ إن هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل كثيراً، وإذا ورد حديثان مختلفان ظاهراً وجب الجمع بينهما، وقد وردا هنا، فيجب الجمع، وقد جمعنا. وتأوّل بعض العلماء الحديث على من فعل ذلك مستحلاً له مع علمه بورود الشرع بتحريمه. وقال الحسن والطبري: معناه أنه ينزع منه اسم المدح الذي يسمّى به أولياء الله المؤمنين، ويستحقّ اسم الذمّ فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق. وحكي عن ابن عباس أن معناه ينزع منه نور الإيمان، وفيه حديث مرفوع. وقال المهلّب: ينزع منه بصيرته في طاعة الله. وذهب الزهريّ إلى أنّ هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمرّ على ما جاءت، ولا يخاض في معناها، وإنا لا نعلم معناها، وقال: أمرّوها كما أمرّها من قبلكم.

ثم قال النووي: وهذه الأقوال التي ذكرتها في تأويله كلّها محتملة. والصحيح في معنى الحديث ما قدّمناه أولاً، والله اعلم. اهـ

فهذا تقرير لقول أهل السنّة في هذه المسألة على وجه حسن. وكلّ من قال بواحد من هذه الأقوال الواردة سواء من أوّل ومن فوّض، ومن أتى بأيّ قول مقبول من التأويل في فهم الحديث بحيث لا يخرج الفاعل إذا اعتبره مؤمناً بفعل المعصية من حدود أصل الإيمان الذي هو التصديق اليقيني بأركانه، ولا يدخله في حدود الكفر، فقوله موافق لأهل السنّة. وإلا فقوله على خلاف قولهم. وكما أنّ الإيمان يطلق على أصله وعلى كماله، فكذا الكفر والشرك يطلقان على الحقيقة وعلى المجاز. فقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلّم على عديدين يقطع بعدم كفرهم بهذا الفعل حقيقة، كقوله: (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتّى يرجع إليهم)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقوله: (اثنان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميّت، وقوله: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) فقد قاتل عليّ من خرج عليه من المسلمين وهو من العشرة فلا يقال عنه رضي الله عنه أنه كفر بالإجماع. وقوله: (ليس رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر...)، وكذا من كان فيه خصلة من النفاق الواردة في الأحاديث فلا يلزم أن يكون كافراً. وهذا واضح.

وأمثال هذه الأحاديث كثيرة جدّاً محمولة على كفران النعمة وتغليظ التحريم والتشبه بأفعال الكافرين... وغير ذلك مما يدرس معناه في محلّه مع الأحاديث والآيات المشابهة له في الموضوع بحسب قواعد اللغة والأصول بحيث يتوصّل إلى قول فيها، أو يتمسّك بالمحكم الواضح منها ويترك المشكل إعراضاً عن التأوبل. وهذه صنعة أهل السنّة سواء في آيات وأحاديث الصفات والعقائد عامّة أو في الفقه. على أنّهم في أصول الاعتقاد لا يقبلون إلا الدليل القطعي، ولذا تسامحوا مع المعتزلة في فروع الاعتقاد وما لهم عليه شبهه فلم يكفّرهم من أهل السنّة إلا نفر قليل على بعض إلزامات ألزموها لعلمائهم. ومعلوم تحرّز أهل السنّة في تكفير أحد من أهل القبلة. ولا يلزم أبداً من إطلاق حكم الكفر عندهم على أحد أنّه خالد في جهنم مكذّب بالله ورسوله كما يتوهّمه البعض. ولكنّهم يجرون عليه أحكام الكفر من الاستتابة والحد وغير ذلك كما هو مفصّل في أحكام المرتدين وأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في كتب الفقه. بل للغزالي رضي الله عنه أنه لا يجوز سب مؤمن ولا كافر بعينه ... إلخ إلا أن يكون مقطوعاً بكفره كما في حالة أبي لهب وغيره، وكلّ ذلك تحرّزاً عن أن يكون مصدّقاً بدعوة سيدنا محمّد محققاً لأصل الإيمان.

إذا تقرّر هذا فنقول: حديث أبي هريرة في مسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وإن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّاً بها في بطنه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه فهو يتحسّاه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً). وكذا عند الترمذي في الطب باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسم أو غيره، وابن ماجة مختصراً في الطب باب النهي عن الدواء الخبيث.

وفي الباب نفسه عند مسلم ثلاث روايات بلفظ: (من حلف على يمين بملّة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه) يزيد فيها وينقص، وليس فيه ذكر الخلود وإنما التعذيب بما قتل الواحد به نفسه.
وهو عند الشيخين من حديث ثابت بن الضحاك، وفي موضع من البخاري: (ومن قتل نفسه بشيء عذّبه الله به يوم القيامة) في الأيمان والنذور باب من حلف بملّة سوى الإسلام. وكذا عند الترمذي وأبي داوود والنسائي أيضاً.

قال ابن حجر عند تفسير قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس التي حرم الله إلا بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيّئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيماً). وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً أليماً): "وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنّة ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا معنى قوله فجزاؤه جهنّم أي إن شاء الله أن يجازيه تمسّكاً بقوله تعالى في سورة النّساء أيضاً (قلت قوله أيضاً ربما كان إشارة إلى الاستثناء الوارد في سورة الشعراء إلا من تاب، أو الإجماع الذي ذكره أو هما معاً فهي إشارة منه إلى أن هذا دليل زائد عليهما والله أعلم): (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن الحجّة في ذلك حديث الإسرائيليّ الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم أتى تمام المائة فقال له لا توبة فقتله فأكمل به مائة ثم جاء آخر فقال ومن يحول بينك وبين التوبة. الحديث. وهو مشهور.... وإذا ثبت ذلك لمن قبل من غير هذه الأمة فمثله أولى لهم لما خفّف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم" اهـ

وعند تفسير قوله تعالى (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) قال ابن حجر: بعدما ذكر قصة وحشي قاتل حمزة حين نزلت (إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً) فقال إن هذا شرط شديد فنزلت (قل يا عبادي الذين أسرفوا) الآية. قال ابن حجر: في رواية الطبراني فقال الناس: يا رسول الله إنا أصبنا ما أصاب وحشي، فقال: هي للمسلمين عامّة. وروى أحمد والطبراني في الأوسط من حديث ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أحب أن لي بهذه الآية الدنيا وما فيها – يا عبادي الذي أسرفوا على أنسهم- الآية). فقال رجل: ومن أشرك فسكت ساعة ثم قال: (ومن أشرك ثلاث مرّات). واستدلّ بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب كبيرها وصغيرها (قلت: أي جواز ذلك وردّه إلى المشيئة) سواء تعلّقت بحقّ الآدميين أم لا. والمشهور عند أهل السنّة أن الذنوب كلّها تغتفر بالتّوبة وأنّها تغفر لمن شاء الله ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود وأما خصوص ما وقع منه فلا بدّ من ردّه لصاحبه أو محاللته منه، نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يعوّض صاحب الحقّ عن حقّه ولا يعذّب العاصي بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). والله أعلم.

قلت: وتبويب مسلم يبيّن رأيه في حديث الخلود الوارد في بابه. والله أعلم. ويشهد لذلك تبويبه بعد باب التغليظ السابق، قال: (باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر). وروى حديث جابر أن الطفيل بن عمرو الدّوسي أتى النّبي صلى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟
-قال: حصن لدوس في الجاهليّة- فأبى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، للذي ذخره الله عزّ وجلّ للأنصار. فلمّا هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا في المدينة، فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتّى مات. فرآه الطّفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطّياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربّك عزّ وجلّ؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلّم، فقال: ما لي أراك مغطّياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصّها على الطفيل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (اللهمّ وليديه فاغفر).

قال النووي في شرحه: "أما أحكام هذا الحديث، ففيه قاعدة عظيمة لأهل السنّة، أنّ من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنّار، بل هو في حكم المشيئة، وقد تقدّم بيان القاعدة وتقريرها. وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النّفس وغيره من أصحاب الكبائر في النّار، وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، ففيه ردّ قول المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ. والله أعلم" اهـ

فهذا تقرير حسن لمذهب السنّة في هذه المسألة، وهو ما نقول به وإنا إن شاء الله تعالى مصيبون. فهذه بعض أدلّة السنّة وأقوالهم فيها، ولقد وقفت في الكتب الستّة على أحد عشر حديثاً في الشفاعة لو أردنا سردها وذكر رواياتها وما جاء فيها من لفتات العلماء لطال المقام. أذكر منها:
- حديث مسلم: (لكل نبيّ دعوة قد دعا بها في أمّته، وخبّأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة).
- وحديث الشيخين ومالك: (لكل نبي دعوة يدعوها، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة...) الحديث. وعندهما أيضاً بلفظ: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً).
- وحديث الترمذي وأبي داوود وابن ماجة: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي)

وهذه الأحاديث كلّها صحيحة وهنالك غيرها صحيحة وحسنة مشهورة في الباب. فليرجع لكتب شروح الأحاديث لمعرفة تفاصيل توجيهات العلماء لها، وللتفاسير في المواضع ذات العلاقة بالموضوع.
فهذا ما أمكنني إياه الله من الوقت والجهد هذا اليوم، فإن كان من تعليق يضيفه فادي فسوف نزيد الكلام في استدلالنا على قولنا إن شاء الله إذا أتانا بشيء جديد، وإلا فما قوله فيمن قتل نفسه؟ وهل لك من اعتراض على توجيه أهل السنّة لهذه الأحاديث وطريقتهم الأصلية في الاستدلال، هات ما لديك.
ثم الحمد لوليّ الحمد.

fadilov
10-12-2003, 01:45
تابع الرد على كلام الفاضل جلال.

قلتَ (لا يسلّم أنّ خروج النصّ عن الإطار الثقافيّ والجوّ النفسيّ إذا جاز التعبير بذلك أي على فرض وجود مجموعة كبيرة جدّاً من الناس بين نفوسهم هذا التناغم العجيب المدّعى، فلا يسلّم أن اختلاف هذه الظروف وإن ألقت بظلالها على النصّ أنّه لا يمكن فهم النصّ إلا بالعودة إلى تلك الظروف.)
تعجبك من هذا المدعى يلزم منه أنك تنكر شيئا اسمه ثقافة ولا أظنك تقصد ذلك! على أنه لا يلزم من وجود إطار ثقافي وجو نفسي لمجموعة من الناس أن يكون كل من يعيش في هذا الجو متناغم مع الآخرين في كل شيء، ولا يلزم أيضا عدم وجود شيء مشترك بين جمهور من ينتمي إلى هذه المجموعة، فلا شك أن هناك جوا عاما وشعورا شائدا يعيشه المجتمع في زمن الظلم أو في زمن الحرب مثلا مختلفا عن الجو الذي يعيشه المجتمع في زمن العدل أو الحرب. أما أنه لا تسلم عدم إمكان فهم النص بغير العودة إلى تلك الظروف فإن سلمته لك وهو غير مسلم حتى الآن فيلزمك القول بأن الله أراد من الصحابة أن يفهموه بالعودة إلى الظروف الثقافية اللتي عاشوها أو من غير العودة إليها فإن رجحت أحدهما على الأخرى لزمك الدليل.

قلتَ (وبماذا يختلف النص القرآني من حيث ما هو كلام عربي له دلالاته عن قصائد الشعر الجاهليّ والألواح الفرعونيّة والبابليّة والجداريات الهيروغليفيّة لحضارة .... بصرف النظر عن سبب كتابة تلك النصوص التي بلا شكّ تعين على فهم النص من بعض الجهات)
ومن قال أننا استطعنا أن نفهم معتقدات تلك الأمم ونعرف دلالات تلك النصوص؟ فأنا لا أسلم هذا حتى أسلم لك صحة النتيجة، بل أنا على يقين أن كثيرا من معتقداتهم مجهولة لدينا، وعلماء الآثار والأنثروبولوجيا ينسبون إلى تلك الأمم هذه المعتقدات على وجه التكهن لا على وجه اليقين وعليه ينقلب الدليل حجة عليك لا لك فأنت تثبت فهم النصوص على وجه اليقين على الأقل في أصول الدين وعلى غلبة الظن في فروعه، ثمَّ إن هناك تفسيرات كثيرة متضاربة لما كانت عليه تلك الأمم من اعتقاد.

قلتَ (ولكن أين التلازم بين معرفة سبب النزول وفهم النص من حيث ما هو كذلك. إن أيّ نصّ مكتوب بلغة منقولة لنا أي معروفة مواضعاتها ومنقولاتها فإننا إذا تعلّمنا تلك اللغة فكيف تمنع أن نفهم النص المكتوب به؟)
الكلام ليس فقط عن سبب النزول بل عما هو أعم منه بكثير وهو الثقافة بما تحويه من تيارات فكرية واجتماعية وسياسية ودينية وغيرها وأما سبب النزول فهو أمر له علاقة بسياق مخصوص وليس بإطار عام. على أنني لا أسلم أنه من غير معرفة سبب النزول يكمن أن أفهم النص إذا عرفت مواضعات اللغة ومنقولاتها، فإن سبب النزول من شأنه أن يخصص العام أو يعمم الخاص وغير ذلك، وإلا فكيف ستفهم قوله تعالى: (لا تحسبن اللذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن بحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب)، وقوله تعالى: (يا أيها اللذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَّ إن اهتديتم) وغير ذلك من الآيات اللتي خُصصت بسبب نزولها. وأنت لو تأملت في حياتك وما تستخدمه من لغة علمت يقينا كيف يخصص سبب الحديث الكلام أو يبين المراد منه، فلو أمرت الأمُّ ابنها العاقل بأن يأتي لها برزٍ وهي تعدُّ الطعام لمأدبة علم الابن يقينا أن طلب أمه على الفور ولو أمرته بذات الأمر قبل أن تخلد إلى النوم علم الابن يقينا أن طلبها على التراخي، وكذا لو أمرته بأن يدرس والوقت وقت امتحانات فسيحمل الابن أمرها على الوجوب، ولو أمرته أن يدرس في وقت آخر كعطلة الصيف فسيحمل الابن أمرها على الاستحباب.

قلتَ (إنّ عدم معرفة سبب النزول وغير ذلك مما ذكرت من الظروف التي ظهر فيها النصّ لا تقتضي مطلقاً أن لا يفهم النص.)
إن كنت تقول أنه لا يقتضي ذلك أن لا يفهم النص فهما صحيحا وأعني بالفهم الصحيح المطابق لمراد الشارع فهذا غير مسلم، وقد تكلمت عن أسباب النزول، أما غيرها من الظروف فإن فهم الشريعة مرتبط بفهم المخاطبين بها فما يفهمه شخص من عبارة قد يفهمه آخر على وجه مختلف وفقا لظروف الشخص ونفسيته، وهذا أمر مقرر مشاهد في الواقع لا يخاف فيه عاقل، لهذا كان الصحابة يفهمون فهوما متنوعة متضاربة من الآيات والأحاديث على وفق طبائعهم، ألم تر أن عمر فهم من قوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) لنهي عن الاستغفار مطلقا حتى بلغ به الأمر أن أخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد منعه من ذلك ثم بين له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مخير في ذلك غير منهي، فهل تظن أن عمر رضي الله عنه ما كان يعرف أن "أو" في الآية الكريهة للتخيير، لكنه ما فهم هذا وأخذ بثوب رسول الله لشدته في دين الله، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأشدهم في دين الله عمر"، وكذا أيضا عندما فهم أنهم سيأتون مكة في العام اللذي تمَّ فيه صلح الحديبية. ولهذا كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنوع في نفس السؤال لاختلاف حال السائلين كجوابه على سؤال أي العمل أفضل؟ فمرة أجاب الصلاة على وقتها وأخرى أجاب إيمان بالله. وكذا عندما دخل عليه عثمان رضي الله عنه وعنده أبو بكر وعمر وهو كاشف عن ساقيه فغطاهما وقال إن عثمان تستحي منه الملائكة، وغير ذلك من الحوادث الكثير تدل كلها على أن طبيعة المخاطب تؤثر في فهم النص وأن الشارع راعى حين خطابه طبيعة المخاطبيي، وتدل أيضا أن من لم يتنبه إلى هذا فسيفهم الشريعة على غير ما أريد منها كما حدث مع عمر رضي الله عنه.
أما إن كنت تقول أنه لا يقتضي ذلك أن يفهم النص فهما يزيل الإشكال عن التعارض الظاهر بين نصوصه فإنا إن سلمنا لك إمكان هذا الفهم فإنا لا نسلم لك صحته أي أنه موافق لما أراده الشارع.
وأنا أضرب مثالا على احتمال أن يكون الفهم منطقيا مع عدم مطابقته لمراد الله فأقول، قوله تعالى: (ولا يسأل عن ذنوبهم المشركون) وقوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) فالآيتان متعارضتان فالأولى أثبتت عدم السؤال عن الذنوب، والثانية أثبتت السؤال للجميع المشركين وغيرهم عن الأعمال التي تدخل فيها الذنوب. ويمكن أن نجيب عن هذا التعارض بأجوبة كثيره منها أن نقول سيسأل الجميع حاشا المشركين من باب الخاص والعام، أو سيسأل الجميع بما في ذلك الشركون غير أنهم لن يسألوا عن ذنوبهم من باب المقيد والمطلق، أو نقول سيسأل المشركون في مواقف ولا يسألوا في مواقف أخرى فإن يوم القيامة مواقف وليس موقفا واحدا. وهذه الفهوم كلها رافعة للإشكال بطريقة منطقية صحيحة، إلا أن هذا غير مفيد أبدا إذ أن هذه الفهوم متعارضة فيما بينها فالفهم الأول يلزم منه عدم سؤال المشركين مطلقا والثاني سؤالهم والثالث سؤالهم وعدم سؤالهم، فأي فهم منها هو الذي أراد الشارع منا معرفته، أي ما هو الفهم المطابق لمراد الشارع؟ وعليه فإن وجود طريقة منطقية لا خطأ فيها لفهم النص لا يلزم منه أن يكون الفهم صحيحا. تأمل.
وأكرر سؤالا ذكرته فيما سبق وهو هل راعى الشارع الثقافة وطبيعة المخاطبين عندما أنزل النص أم لا إن كان الأول فإنه يلزم منه أن لا يصح الفهم من غير تلك الأمور وهو ما تقوله المقالة وإن كان الثاني فما الدليل؟

قلتَ (فكأنّك تقول إن كلّ آية فهي مرتبطة بمناسبة خاصّة معيّنة، ولا دلالة لتلك الآية إلا على تلك الواقعة المحدّدة، بحيث لا يمكننا أن نقيس على تلك الواقعة شيئاً آخر، أو أن نفهم من النص شيئاً آخر إذا لم يكن ذا صلة بتلك الحادثة. ولا أعرف عاقلاً يقول بذلك. )
إن قصدت مناسبة النزول فلا، وإن قصدت ظرفا ثقافيا فنعم، ولا أقول بأن دلالة تلك الآية مقتصرة على تلك الواقعة المحددة بل لو عرفنا الظروف المحيطة بنزول الآية وحال من خاطبت أمكننا معرفة المراد منها وجوزنا تعميم الحكم على غيرها من الوقائع المشابهة لها. أما من غير معرفة الظروف أو علة الحكم فلا يصح القياس وأنت تصححه.

قلتَ (فلا نسلّم أن معنى القرآن يتحدّد ويختصّ بسبب النزول. وسواء عرف السبب أو جهل، فلا نسلّم أن دلالته الخاصّة تلك، لا يمكن تعميمها. بل الأصل عمومها إذا كانت عامّة أو قابليّتها للقياس عليها إذا كانت خاصّة، وبالتالي تعميمها على نحو ما. وخصوصها مطلقاً بحيث لا يجوز تعديتها لا يعتبر فيه قول كل من قال ذلك، بل يجب أن يرد فيه دليل شرعيّ منفصل يشهد لتك الخصوصيّة المطلقة. )
أسلم أن الأصل في العموم أن يكون عاما ولكن لا أسلم أن الأصل في العموم الذي ورد في سياق خاص التعميم، بل قد يكون عاما وقد يكون خاصا وأنت مطالب بالدليل ولا ينفعك القول بأن الأصل عمومها إن كانت عامة فإن محل النزاع فيما إن كان عمومها إن كانت عامة في سياق خاص. أما قابليتها للقياس إن كانت خاصة فأنا لا أقول بالقياس الشرعي وأقل ما يقال أن إثباته موقوف على النص ونحن نتكلم عن فهم النص فلا يصح الاستدلال بالنص الآن حتى نسلم صحته، ثم إن سلمت أن القياس الشرعي حق فأقول يجب أن تكون العلة منصوصة وإلا فلا يصح القياس، وهو قول جماعة من الأصوليين منهم الفخر الرازي في كتابه المحصول إن لم تخني ذاكرتي.
ثم كلامك هنا معارض بما جاء في تفسير قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) وقصة الرجل الذي أصاب من امرأة قبلة وفي نهايتها أن الصحابة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أله وحدهُ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل لسائر أمتي، فها هم الصحابة لم يفهموا أن الأصل في العموم إذا جاء في حادثة خاصة التعميم وإلا لما سألوا أله وحدهُ، ولا أنكر عليهم رسول الله حطأ سؤالهم بقوله أن الأصل التعميم في كل آية وردت في مناسبة خاصة، بل اكتفى بقوله أن الآية لسائر الأمة مقرا لهم صحة سؤالهم. تأمل.

قلتَ (ثم إنه كما كان القرآن مبيناً في زمان نزوله، فهو مبين اليوم بالاتفاق. ولكن آلات فهمه في ذلك العصر والتي أهمها معرفة اللغة العربيّة واصطلاحات الشارع، قد نقلت وهي موجودة عند العلماء، فلا حجر على فهومهم اليوم بحجة عدم المعاصرة.)
أما أنه مبين اليوم بالاتفاق فلا أدري عن أي اتفاق تتكلم، وأنا أنازع في ذلك لأن آلات فهمه غير منقولة لنا كما تدعيه وهي عندي غير محصورة فيما ذكرت بل الثقافة وحال المخاطبين وأسباب النزول كلها من أدوات الفهم وهي غير منقولة على العموم. وكلامك هنا غريب حقا فإني أنازع في معظمه وأنت تغفل هذا.

قلتَ (وقد أشرنا في المقالات السابقة .... وخواصّهم كانت معرفتهم واحدة وفهمهم لدقائق القرآن الكريم متساوياً. )
إعادة من غير إفادة.

قلتَ (ثمّ إن ادّعاء أن النصّ القرآنيّ كان بيّناً لجميع المخاطبين به في وقت نزوله فضلاً حصول فهم واحد لديهم جميعاً وإفادته دلالة واحدة عندهم، لهو كلام غريب مخالف للعادة والظاهر مخالفة واضحة. ولعمري كيف لأحد أن يعرف ذلك أو يستدلّ عليه، إذ هو بحاجة لاستقراء تامّ لكلّ واحدٍ واحد منهم، وهو محال. والباحث يجد في الآثار معارضات كثيرة لهذا القول، من الحوادث التي اختلف فيها الصحابة في تفسير مواضع من القرآن. فكيف تدّعي أن مجرّد اشتراك الناس في ظرف تاريخيّ معيّن كافٍ في تحصيل فهمٍ واحد لدى الجميع في أمرٍ يحتاج فيه إلى أكثر من مجرّد الحاسّة والعقل المحض. ألا وهو فهم القرآن الكريم؟)
المقالة لا تذكر أن النص كان بينا لجميع المخاطبين به بهذا التعميم، بل تقول إنه كان بينا لجميع المخاطبين به على الجملة، ثمَّ اعلم أن المخاطبين عندي وفي اللغة أيضا أخص من المعاصيرن وعليه فأنا لا أقول إن جميع الصحابة مخاطبون بكل آية وحديث، واختلاف الصحابة في تفسير القرآن حجة لي لا علي إذ إنهم لم يعتمدوا في تفسيرهم دائما على معرفة الظرف المحيط بالآية ولا عرف جميعهم كل آية متى نزلت وفيما نزلت، وإنما اعتمدوا في بعض الأحيان على ما فهموه من لغة العرب وهم أهل اللغة وغير ذلك مما يساعد على الفهم لهذا وقع الخطأ والتعارض في بعض تفسيرهم، وأنا لم أدَّع أن مجرد اشتراك الناس في ظرف تاريخي كاف في تحصيل فهم واحد، وأرجع عنه إن قلت به، لكن معرفة هذا الظرف يعين على الفهم ويساعد في بيان دلالة اللفظ.


قلتَ (قوله: (لكن فهم الثقافة ....
أقول: لا يسلّم أن معرفة الثقافة بالقدر الذي يكفي لفهم نصّ خوطبت به تلك الثقافة، أمرٌ يحتاج إلى العيش في تلك الحضارة. وندّعي أن المعرفة من طريق الخبر تكفي في نقل ذلك القدر المحتاج إليه في الفهم.)
هذا الذي لا تسلمه منقوض بالواقع، ونحن لا نتكلم عن مجرد معلومات يمكن أن تنقل بالخبر بل عن تجربة وشعور نتج عن تلك التجربة أدى إلى فهم معين وهذا أمر لا يمكن أن ينقل بالخبر، وأنا أسألك فأجبني لو حدثك أحدهم عما لاقاه بعض المسلمين من ألوان العذاب المختلفة في سجون بعض الطغاة فهل سيكون إدراكك للأثر لنفسي والفكري الذي يتركه هذا الظلم على هؤلاء المعذبين مساويا في درجة عمقه للدرجة اللتي يدركها المعذبون أنفسهم، وهل ستفهم من قولي لا يعذب مؤمن مؤمنا ذات ما سيفهمه من عاين وعايش وذاق هذا العذاب؟ ما أراك إلا ستفهم نفي كمال الإيمان بينما سيفهم الآخر نفي مطلق الإيمان. وكما تقول العامة "يلي إيدو بالمي مش زي يلي إيدو بالنار" ألم يكن أحد الأسباب الرئيسية في نشوء جماعات الهجرة والتكفير ما لاقوه من صنوف العذاب؟ وأدى ذلك بهم إلى فهم النص فهما معينا، إن التجربة اللتي عاشها هؤلاء تحت نير العذاب هي اللتي أدت إلى نشوء هذا الفهم الذي وجد له مستندا ليس فقط في النصوص الشرعية بل في أقوال العلماء، ولو تأملت كيف تطور حكم القيام على الحاكم الظالم في الفقه الإسلامي من الوجوب إلى الحرمة لعرفت كيف تؤثر الثقافة في فهم النص وكيف أنه لا يمكن إدراك الأثر النفسي لهذه الظروف بمجرد الخبر. وكا قال السادة (من ذاق عرف). على أني أسلم أن في الثقافة ما يمكن فهمه عن طريق الخبر. لكن لا أسلم أن كل شيء نحتاج معرفته من الثقافة لفهم النص يمكن معرفته بالخبر.
قلتَ (ولولا ذلك لما كان الأمر بالتبليغ ذا قيمة. لأنّ كلّ مبلّغ فإنّه سيحتجّ بما تحتجّ به فلا تقوم عليه حجّة. وما معنى قوله صلى الله عليه وسلّم: (فربّ مبلغ أوعى من سامع)، أيّ وعي يعيه المبلغ بأفضل من السامع إذا كان فاقداً لشرط الفهم الأصيل عندك ألا وهو السماع والمعاصرة على حدّ ادعائك.)
أنت تحتج علي بالخبر وهذا لا يستقيم فأنا أدعي عدم إمكان فهم النص من غير معرفة الظروف اللتي نزل بها وأدعي عدم إمكان معرفة تلك الظروف وبالتالي عدم إمكان فهم النص فلا يصح لك أن تحتج علي بما نتنازع فيه، وهناك أجوبة أخرى يمكن أن يجاب بها هنا أدعها لحين الضرورة. أما أن شرط الفهم الأصيل هو السماع والمعاصرة فأنا لا أقول بهذا/ وإنما شرطه أن يكون الشخص مخاطبا، فالسامع لا يشترط أن يكون مخاطبا لإمكان فقدان العقل، والمعاصر لا يشترط أن يكون مخاطبا لاحتمال عدم السماع.

قلتَ (ثمّ إنك لو تفحّصت قليلاً لتنبهت أنه لا فرق بين شخص يعيش في اليمن بمعزل عن الحوادث والجوّ النفسانيّ، والبيئة بجميع عناصر نظامها كما هي في المدينة المنورة، ....السامع لا يمكنه أن يفهم القرآن الذي أنزل في تلك الواقعة التي عاينها الأوّل؟ إن هذا كلام ظاهر البطلان. )
قد بينت أني لا أقول إن جميع العاصرين مخاطبون.

قلتَ (قوله: (إلا أن الطرح الذي يتكلم عن ديمومة ... لا يحمل دلالة واحدة) أقول: أنا أريد منك أن تحدد ما تسلّمه من هذه القضايا...... فأرجو أن تقول لي أنت ماذا تعتقد. هل القرآن كلّه مقطوع به عندك أنّه من عند الله أوْ لا؟ وهل هو منزّه عن التعارض الحقيقيّ أو لا؟)
إن كنت تقصد بالقرآن ألفاظه فقد وقع خلاف بين علماء القراءات فيما إن كانت القراءات جميع وجوه القراءة توقيفية أم توفيقية، ولو طلبت منك إثبات التواتر على نقل بعض وجوه القراءة لما استطعت، وعليه فلا أسلم أن جميع اللفظ مقطوع بأنه من عند الله، ولهذا كان الطبري رحمه الله وهو من هو في معرفة القراءات يضعف بعض القراءات ويصوب البعض الآخر.
وإن كنت تقصد بالقرآن معانيه فالخلاف في المعاني أكبر بكثير من الخلاف في الألفاظ وأنا أقطع بأن المعاني هي اجتهادات الناس وليست من عند الله. وإن كنت تقصد بالقرآن غير ذلك فبينه.
أما إن كان منزها عن التعارض الحقيقي فهو مبني على جواز الكذب على الله، وما أعتقده أن الله يفعل ما يريد والكذب لمصلحة ممدوح شرعا في بعض المواطن على قولكم.

قلتَ (وهل الدّين كما أنزله الله تعالى على رسوله صالح لكلّ زمان ومكان سواء في أحكامه الاعتقاديّة والعمليّة أو لا؟ بمعنى أنّه إذا ثبت حكم اعتقاديّ أو عمليّ معيّن بدليل من نصّ قاطع أو إجماع فهل هذا عندك قابل للتغيّر بحسب الظروف الزمانيّة والمكانيّة وغيرها من الظروف أو لا؟ وما هو القدر المسلّم عندك من الدّين؟ خبرنا به ولو على سبيل الإجمال حتى نتّخذه مستندنا الذي نبني عليه الكلام.)
جميع الأحكام مبنية على المصالح وأنا أقصد التعميمَ، وعليه جميع الأحكام قابلة للتغير على وفق المصلحة، وكما قال أحدهم "أينما وجدت المصلحة فثمة حكم الله". وأضيف إلى ذلك ليس في الشريعة شيء يمكن فهمه على وجهه الحق إلا أن الشريعة مبنية على تحقيق المصلحة.

قلتَ (وهل ترى أن كلّ الذين ذكرتهم ممن اختلفوا في ديمومة الشريعة والنصّ، وصلاحيّة الشريعة لكل زمكان ... إلخ مما ذكرت، هل ترى أن أقوال جميع هؤلاء معتبرة وسائغة عند علماء الشريعة؟)
من تقصد بعلماء الشريعة؟
وكلٌّ يدَّعي وصلا بليلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاك

قلتَ (وما العلاقة بين المخاطَب والمعاصِر لنزول النصّ؟)
العلاقة أن بعض المعاصرين ليسوا مخاطبين.

قلتَ (كأنّك تحمل أحدهما حملاً تامّاً على الآخر، وكيف لعمري يسلّم هذا؟ فكل أحد يعرف أننا الآن مخاطبين بأوامر القرآن والنواهيه مع أننا لم نكن ثمّة حين نزل القرآن الكريم.)
لا أحمل أحدهما على الآخر بل أدعي ما هو أخص، أما أن كل أحد يعرف أننا مخاطبون فلا أدري من أين جئت به إلا أن تقصد أهل السنة، وحتى هذا يمكن أن لا يسلم لك إذ أذكر أن منهم من قال بأننا مكلفون بالإجماع لا بالخطاب أن لم يكن هذا قول جمهورهم فإنه في اللغة لا يكون إلا للحاضر وراجع إن شئت شرح مختصر الروضة للطوفي.

قلتَ (وكل عاقل يعرف أنّه يمكن أن يخاطب الواحد ورثته بوصيّة مكتوبة، وما المانع من أن يفصل بين كتابة الوصيّة وتنفيذها طبق النعل للنّعل مائة سنة أو أزيد؟ بالله حقّق لنا هذا الموضع، فإنا لا نكاد نسيغة)
كل من يعرف علم الأصول يعرف أن كثيرا من العقلاء يقولون أن تكليف المعدوم ليس من جهة شمول الخطاب له لغة وإنما من جهة النص أو الإجماع أو القياس، بل مقرر في علم الأصول أن أصل الوضع اللغوي لا يشمل المعدوم ولا حتى الغائب. وإن كنت تنكر ذلك أتيتك بالنقول، وأما القول بأن التكليف ثابة بالنص فهو لا يفيد إذ يصح التكليف به لو كان غير الحاضر مخاطبا به وأما القياس والإجماع مهما إنما يثبتان بالنص فلا يصح الاحتجاج بهما كذلك. وقد ذكرتني بمسألة هل يصح تعلق الكلام النفسي بالمعدوم؟ وهي من عظيم ما أشكل على المذهب الأشعري ولو كان الملان هنا فيها لبينت ما وجه الإشكال عليهم من قبل المعتزلة ولكن أُرجي الكلام لحين الفراغ مما نحن فيه.

قلتَ (أقول: إننا لم نسلّم أن اختلاف الثقافة يستوجب اختلاف فهم النصّ كما تقدّم. فمثّل لنا على نصّ يتغيّر معناه بتغيّر الزمان. ثمّ وضّح لنا بمثال كيف أنّ تغيّر الظرف النفسي والثقافي حين يحصل معه تعارض بين الثقافة الجديدة والنصّ الشرعيّ، أنّ ما يزيل هذا التعارض هو بالفعل نفسيّة قارئه؟ )
قد أجبتُ عليه فيما سبق.

قلتَ (أنا شخصيّاً أرى فرقاً كبيراً بين ديمومة النص من حيث ما له من قدرة على إقناع الإنسان أينما كان وفي أي زمان وجد....ففي حين أرى ثبات الأحكام ومناسبتها لكل زمان ومكان دليلاً على إعجاز القرآن....نعتقد بأن ما يصلح به الإنسان من لدن آدم حتّى آخر شخص يولد على الأرض قبل القيامة هو ذات الأمر. وهو القانون الإلهيّ الذي يختاره الله تعالى لعباده الذين خلقهم والذي هو أعلم بما يصلحهم. )
أنت تتكلم عن ثبات الأحكام ومناسبتها لكل زمان ومكان، ولا أدري عن أي ثبات تتكلم فالشريعة زمن التنزيل كانت تتغير دائما، ألا ترى أن زواج النتعة حرم ثم أبيح ثم حرّم؟ والتدرج في تحريم الخمر. وتحريم ادخار لحوم الأضاحي ثمَّ اباحة ذلك، والامتناع عن هدم الكعبة لقرب عهد الناس بالجاهلية كما في حديث البخاري ثم ابن الزبير رضي الله عنه هدمها بعد أن ثبت الإسلام في نفوس الناس وغير ذلك كثير جدا. فالأحكام لم تكن صالحة لجميع الأزمان والأماكن خلال 23 سنة وكانت تتغير دائما بما يناسب الظرف الجديد، فهل يعقل أن الأحكام بعد ذلك صارت صالحة لجميع الأزمان والأماكن؟ هل يعقل أن حكم تحريم الخمر الذي لم يصلح لأن يكون للمجتمع قبل أن تحرم الخمر سيصبح صالحا للمجتمع أبَدَ الدهر؟ وهل توقفت المجتمعات عن التغير؟ إذا كانت الأحكام بهذه العظمة وهذا الإعجاز الذي وصفت أنها تصلح لجميع الأزمان والأماكن فلماذا لم تكن صالحة طوال مدة البعثة؟
ثمَّ أنت تقول أن ما يصلح حال الإنسان هو القانون الإلهي الذي يختاره الله لعباده وفي هذا إغفال لأمر مهم وهو أن القانون الإلهي غير موجود في الحقيقة وإنما فهم الناس لهذا القانون الإلهي وهو مختلف حتى بين أهل السنة أنفسهم، فأي فهم هو الذي يصلح لحال العباد؟ لا يصح لك القول بأن أي فهم منها فهو صالح وأنه سيحقق المصلحة إذ أن الأفهام متناقضة، وإني سائلك هل القانون الألهي الذي يُصلح حال العباد هو ما يحرم شرب النبيذ المسكر كما قال جمهور العلماء أم هو الذي يبيحه كما قال أبو حنيفة وتلاميذه وسفيان الثوري وغيرهم من السلف؟ وهل الربا يدخل في الفلوس من غير الذهب والفضة كما هو مذهب الأحناف أم لا كما هو مذهب الباقين؟ وعليه فلا ربا في الأوراق النقدية وكذا القول ي الزكاة. فأين هو المذهب الإلهي الذي تتكلم عنه؟ إن هي إلا فهوم البشر.

قلتَ (قوله: (وهنا جاء من قيد فهم الثقافة للنص بقيود شرعية ....أقول: أوافق على جميع هذا الكلام دون تحفّظ. ولكني أستفهمك عن مقصودك من قولك (الدليل العقلي الفطري) فإني بحسب فهمي وعلمي فليس للعقل الفطريّ أدلّة تستطيع أن تنتهض لتثبت هذه الكليّات الشرعية الضابطة لفهم نصوصها. )
أريد بالعقل الفطري أن كل إنسان مركوز فيه ميله إلى جلب المصلحة ودفع المفسدة عن نفسه. وهذا ما تدور عليه كليات الشريعة.

قلتَ (قوله: (يمكننا أن نختصر هذه ....
أقول: أما نحن فلا يمكننا أن نختصر كليّات الشريعة في هذه الكليّة المذكورة. ونطلب أن تشرح لنا عبارة الشاطبي هذه بحيث تبين كيف فهمت منها أنّ هذه هي الكليّة الوحيدة التي يمكنها ضبط فهم النصوص الشرعيّة.)
أنا لم أنسب هذا إلى الشاطبي هذا الذي فهمته وإنما قلت أن هذه الكلية ستحقق مقصود الشريعة الذي تكلم عنه الإمام الشاطبي فكل ما نسبته للشاطبي هو تفسير مقصود الشريعة وهو نص كلام الشاطبي في الموافقات. تأمل. أما كيف ستحقق هذه الكلية مقصود الشريعة المذكور فإن الأنسان بسعيه إلى تحقيق مصالح العباد وإن كان ذلك على حساب مصلحته الشخصية فإنه ولا شك سيخرج عن داعية هواه وسيكون عابدا لله بدلا من أن يكون عابدا لهواه إذ أنه ما ترك هواه إلا لعلمه بأن مراد الله تحقيق مصالح العباد.

قلتَ (ثمّ لنسلّم لك هذه الكليّة، أي أنّه ما من تشريع وضعه الله تعالى إلا وهو يتحقق لعباده بتطبيقه مصلحة ويرتفع عنهم به ظلم وحرج، حسناً. فكيف تستخرج من هذه القضيّة الكليّة ضابطاً لتفسير النصوص الشرعية على مرّ الأزمان يكون غير مخالف للشريعة. )
أنا لا أقول أننا بهذه الكلية سنستخرج ضابطا لتفسر النصوص الشرعية بشكل صحيح، ولهذا قلت فيما بعد ستفقد النصوص الجزئية قيمتها ...... لأن الجزئي مرتبط بالواقع المعاش، أي أنه ليس بإمكاننا فهم النصوص. وفائدة النصوص الجزئية أنها تدل بمجموعها على مراعات الشريعة لمصالح العباد، ولو أخذت آحادها منفردة لما دلت على شيء، ويمكن أن أمثل ذلك بالخبر المتواتر اللذي يفيد القطع بالنظر إلى مجموع رواته بينما لا يفيد النظر إلى أحد المجاهيل اللذين رووه شيئا.

قلتَ (ودعنا نتأمل القضية أكثر ولنجمل ما ذكرته على سبيل الاختصار في تحقيق المصلحة. فتكون القضية التي سلّمناها لك مفادها:
كلّ حكم شرعيّ فهو موضوع لمصلحة.....جلّ من لا يسهو، والسلام عليكم.)
بعد أن بينتَ الخطأ الذي وقعت فيه هلا بينت لي مزيد التحقيق الذي وعدت به حول هذه الكلية ولوازمها، أم أن كل ذلك ذهب أدراج الرياح بعد تبين الخطأ؟

fadilov
10-12-2003, 01:49
إكمال الرد على التعليق الأولي للفاضل بلال

قلتَ (قوله: (نعم يلزم من هذا الحل أن تفقد النصوص الجزئية قيمتها الدلالية الفردية، وتراعى الأمور الكلية؛ .....أقول: حقّ كلامه أن يكون (أن تفقد النصوص الجزئية قيمتها الدلاليّة التعميميّة أي بالنسبة لما يتعدّى تلك الواقعة، لأنّ كونها متعلّقة بأفراد معيّنين ثابت لا مشاحة فيه حال كونها جزئية)
إنما قصدت بالفردية أي لو أخذت منفصلة فلن يفهم منها شيء لارتباط فهمها بالواقع المعاش وهو ما لا يمكن معرفته. وهذا لا يعني عدم وجود قيمة أبدا بل قيمتها بالنظر إلى مجموع النصوص.
قلتَ (وعلى كلّ حال، إن كلامك هذا يقتضي نفي القياس الشرعيّ الذي من نوع التمثيل كما يسمّى في المنطق، وهو حمل جزئي على جزئيّ لعلّة مشتركة معرّفة للحكم، هذا أوّلاً. وهو خلاف المعلوم بالضرورة من سيرة علماء أهل السنّة الذين اعتبروا القياس دليلاً شرعيّاً.)
كلامك هنا يوهم أن علماء أهل السنة متفقون على الأخذ بالقياس الشرعي وهو كلام لا قيمة له فالظاهرية ينفونه كما هو معلوم وكثير من التابيعين والبخاري بوَّب بابا في الرد على القياس، فكلامك هنا شبه الريح، ثم لو سلمت لك اتفاق أهل السنة على اعتبار القياس لما كان ذلك حجة علي فأنا لا أنتسب إليهم، ولا أقول أن الإجماع حجة، ثم القول بالقياس فرع عن إمكان فهم الدليل الجزئي وأنا أنفيه.
قلتَ (ثمّ ثانياً: كيف تسلّم أن الجزئي لا يتعارض مع الكليّ، وفي نفس الوقت تريد أن تلغي ذلك الجزئي. أي ما هو مسوّغ هذا الإلغاء شرعاً. إنه إذا كان الجزئيّ واحداً من مصاديق الكليّ، وكلامنا ههنا في القواعد، فإنه أولاً ما هو الدليل الشرعيّ على جواز طرح القاعدة الجزئيّة وعدم تطبيقها على واحدة من مصاديقها؟)
أنا لا أطبقها على أحد مصاديقها لعدم إمكان فهمها وبالتالي تطبيقها.
قلتَ (وثانياً: لا بدّ أن يكون هنالك مسوّغ من الشرع يبيح هذا الانتقال من قاعدة جزئية إلى أخرى، ولا يمكن أن يكون هنالك مسوّغ لكلّ حادثة حادثة، فهذا لا ينضبط، فما هو الضابط الكليّ الذي يبيح هذا الانتقال؟ إن كان هو عينه المصلحة فقد بيّنا تناقض دليلك فيه)
هو عين المصلحة وقد بيَّنتَ وجه الخطأ الذي وقعتَ فيه هناك ورجعتَ عنهُ.

قلتَ (ونزيد بأنه من أين لك العلم بأن ما تراه أنت مصلحة العباد هو مصلحة لهم في نفس الأمر. إننا نعلم أن حكمة الله تعالى من التشريع قد تكون بعيدة جدّاً وخفيّة وقد لا نتمكّن من دركها،)
لا أستطيع الجزم بهذا ولسنا مأمورين بالوصول إلى ما هو مصلحة في ذات الأمر بل بالوصول إلى ما نراه مصلحة وإن لم يكن كذلك في نفس الأمر فمقصود الشريعة ليس هو الوصول إلى الحق في نفس الأمر، وإنما إخراج المكلف عن داعية هواه، وهذا الذي تعترض به وارد على اجتهادات جميع علماء الإسلام. تأمل.

قلتَ (فكيف نعطّل حكماً شرعياً ثبت بالدّليل أو نستبدله بغيره لمجرّد وقوعه من وجهة نظرنا الإنسيّة الظنيّة تحت كليّتك المتعلّقة بالمصلحة؛ وإن كان غيره فبيّنه لنا كي ننظر فيه.)
أنا لا أقول أن الحكم ثبت بالدليل على الوجه الذي تقول أنت به، فأنت تقول على سبيل المثال الدليل أثبت حكم قطع يد السارق، وأنا أقول الدليل أثبت حكم قطع يد السارق في ظرف معين ولمصلحة معينة، فإذا لم أعرف المصلحة من ذلك الحكم فلا أستطيع القول بأن الحكم ثابت الآن لاحتمال أن تكون ذات المصلحة اللتي شرع الحكم لأجلها غير موجودة الآن، وعليه فأنا لا أخالف الحكم الثابت بالدليل، وما علينا فعله هو أن نبذل جهدنا في وضع تشريع يناسب مصلحة الناس في الظرف الجديد معتمدين على ما أوتينا من عقل، فإذا أصبنا فبها ونعمت وإن أخطأنا فقد أخطأ قبلنا المعصوم عليه الصلاة والسلام، ونزلت الآيات منبهةً له على خطأه كما يقوله علماء الأصول فلا بأس في أن يخطأ المرء.
قلتَ (وثالثاً: إن تجويزك لطرح واحدة من جزئيّات القواعد الشرعيّة..... وإن كان ظنّياً فكذا كان الحكم في الأول فما مرجّح العدول عنه إلى الثاني؟)
فيما تقدم جواب على هذا، وأزيد بيانا ليس هناك حكمُ أصلح بهذا العموم، فالأصلح أمر نسبي يرتبط بالأشخاص والظروف، فما يمكن أن يكون أصلحا الآن قد لا يكون أصلح في وقت آخر وما كان أصلح لإنسان فليس ضروريا أن يكون أصلح لآخر.

قلتَ (أرجو التفصيل في مرادك في هذا المحل، ولعلّه يفيد أن تأتي لنا بمثال تطبق عليه هذا الكلام. وهل كلامك في مطلق الأحكام الشرعيّة أو في بعضها دون البعض؟ إن كان الأوّل فقل لنا مثلاً كيف تحققت لديك المصلحة التي تعرّف حكماً يقضي بالمنع من الصلاة أو على الأقل نقلها من الوجوب إلى الندب أو الإباحة بحيث جاز لك تركها وتعطيل الدليل القطعي على إقامتها. وإن كان الثاني فقل لنا ما هو ضابط التمييز بين الحكم الذي يجوز تغييره وذلك الذي لا يجوز تغييره؟)
الكلام في مطلق الأحكام الشرعية، أما مسألة الصلاة فالدليل القطعي أن الله فرض الصلوات الخمس لحكمة ومصلحة ولم يفرضها عبثا ومن غير فائدة، فإذا سلمت هذا فلا شك أنك ستسلم أن الحكمة والمصلحة قبلة أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء كانت بعدم فرضها وإلا لفرضها الله قبل ذلك لأن أفعاله حكيمة وأحكامه تحقق المصالح. ثمَّ الله جلَّ وعلا لم يخبرنا عن الحكمة والمصلحة من عدم فرضه الصلاة قبل الإسراء والمعراج ولا هو أخبرنا عن الحكمة والمصلحة من فرضها بعد ذلك، ثم بعد انقطاع خبر السماء كيف لي أن أعرف إن كانت الحكمة والمصلحة من الصلوات الخمس باقية إلى هذا الزمن أم لا، فإن كانت الحكمة والمصلحة لم تصلح لفرض الصلوات الخمس قبل الإسراء مدة 12 سنة فكيف لنا أن نجزم أن الحكمة والمصلحة مازالت مستمرة إلى الآن؟ ولا ينفعك أن تقول عرفنا ذلك لأن الشريعة أمرت بها، فإني أقول الشريعة أمرت بها في ظرف معين ولم تأمر بها في ظرف آخر وأنا لا أستطيع معرفة أمر الشريعة في ظرفنا الآن. تأمل.

قلتَ (أقول: أرجو توضيح كيف تؤدي هذه الآية للإضلال عند النظر إليها كدليل كلّيّ. ثم كيف فهمت أن هذه الآية دليل جزئيّ؟)
إذا لم نعتبر الآية دليلا جزئيا فيجب علينا أن نفهمها كما هي من غير تأويل إذ لا يصح تأويل كليات الشريعة وإلا لما كانت كليات على حد وصفنا للكليات فيما سبق في المقالة. ونحن إن لم نأوول الآيات في مسألة مرتكب الكبيرة لتوهمنا أنها أدلة كلية تعارضت الآيات وأدى هذا إلى التلبيس والإضلال للمخاطب. أما كيف فهمت أن هذه الآيات دليل جزئي فلأن كل آية في كتاب الله هي دليل جزئي على وصفنا للدليل الجزئي.

قلتَ (قولك: (قد ... لعدم وجود أصول واضحة عند كثير ممن ينتسب إلى أي منها) أقول: اذكر لنا بعض هؤلاء الذين ليس لديهم أصول واضحة، وهل أهل السنّة الأشعريّة والماتريديّة منهم؟ فإن كان كذلك فمثّل لنا على بعض أصولهم غير الواضحة عند كثير منهم. )
الأصول الواضحة غير موجودة عند كثير ممن ينتسب إلى هذه التيارات، وليس عند هذه التيارات، ومن هذ التيارات العلمانية واليسار الإسلامي والإسلاميين بما في ذلك الأشاعرة والماتيريدية والسلفية وغيرهم.

قلتَ (أقول: لم أر في كلّ ما كتبته أدلّة كليّة على اقتراحك الممتع بتفسير النصوص القرآنية على أساس من المصلحة كما يراها أهل كلّ زمان.)
المقالة لم تقترح تفسير القرآن على أساس من المصلحة كما يراها أهل كل زمان، بل اقترحت اهدار النصوص الجزئية، أي عدم تفسير آيات القرآن بشكل فردي لاستحالة معرفة التفسير الصحيح، وإنما دلَّ مجموع آيات القرآن على مراعات الشريعة لمصالح العباد، ولا يلزم عدم فهم الآحاد عدم فهم أي شيء من المجموع.

قلتَ (بل لم أرَ أدلّة كليّة في كلّ ما كتبت على شيء مما ادعيت. فهلاّ بيّنت لنا ماذا تعني بالدليل الكليّ.)
الدليل الكلي هو الدليل اللذي تبنى عليه طريقة مخصوصة متكاملة للتعامل مع موضوع ما. مثال ذلك قول العلمانيين إذا أردنا أن نفهم القرآن فعلينا أن نفهمه من خلال الثقافة والجو الذي نزل فيه، وعلينا معرفة أسباب النزول، وشعور المخاطبين بسبب النزول ومقدار تأثرهم به واختلاف طبائعهم، وإذا كان الوصول إلى مثل هذا متعذرا فإن الوصول إلى مراد الله متعذر؛ وبالتالي فستكون النتيجة أن النص القرآني نص للمخاطبين به فقط لا يصلح لكل زمان لاستحالة الوصول إلى المراد منه .
وكذلك مذهب الإسلاميين الذي يتبنا الطرح الذي يتكلم عن ديمومة الشريعة بوصفه أمرا مسلما وحقيقة راسخة يستدل على خطأ هذا التحليل بمخالفته لحقيقة ديمومة الشريعة وبقائها القطعية - برأيه - التي دلت عليها النصوص دلالة واضحة ، ومارسها الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، بينما يعتبر من يؤيد هذا التحليل أن عدم تعارض القرآن أمر مقطوع به وأن مراده الدلالة على معنا واحد كذلك وهذا لا يمكن أن يكون إذا قلنا بديمومة الشريعة، أي أن كل فريق استند إلى
مسلمة جعلها أساسا لآليات تعامله مع النص، وأهدر المسلمة الأخرى.
وأنا قصدت أدلة كلية على المذاهب التي عرضتها، ولا ضير إن لم تتفق معي هنا، وإن أردت حذف الفقرة فلك هذا، فليس فيها ما يفيد في مقامنا.

قلتَ (وجرّدت لنا هذه الأدلّة على شكل قضايا محددة لنناقشها معك. لا سيّما وأنّه قد حان إنجاز ما وعدت من التحقيق، وبرزت الحاجة لقول هذا الكلام الكثير الذي يرسم الخطوط الدقيقة ويبرز التفاصيل النهائية بحيث يتعدّى ما اسكيتشته من خطوط عريضة. )
ها نحن نرسم ونفصل وسيظهر بعد الفراغ من الحوار من كان رسمه أدقُّ وتفصيله أبدع. والله يعلم كم هو بارد على قلبي أن تحسن ذلك أكثر مما أحسنه ويظهر فساد قولي إن كان فاسدا فإنه لا يخشى الحق ويكرهه إلا من كان على بصره غشاوة.

قلتَ (أقول: وأنا أردته. وسأحاورك فيه وأصبر إن شاء الله ولو استغرق مني ذلك عمري. )
لك ما أردت، وسأللاطفك كما تلاطفني، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

قلتَ (أقول: إن كان ساقطاً عنك فلم تتكلّف عناء حمد الله والصلاة والسلام على نبيه، والكلام في الدّين. لماذا تهتمّ بالقرآن وفهمه؟ وماذا يعنيك من ذلك؟)
عناء حمد الله والصلاة والسلام على نبيه، والله ما أظن هذا الكلام يخرج ممن خالطة قلبه لذة حمد الله والصلاة على رسوله، فإن كان ذلك عناءا عندك فهو على صدري أبرد من الثلج وفي قلبي أحب من الأهل وعلى لساني أحلى من شهد العسل، وهل لغير حبي لله عانيتُ في حياتي أصعب ما عانيت؟ فحمدا له على كل حال وفي كل زمان، فإن كان من أحد يحبُّ لذاته فهو هو لا إله إلا هو.
قلتَ (إن هذا وأيم الله ليذكرني ببعض المدافعين عن الماركسية اللينينية حين كنّا نحس منهم من أحد أو نسمع لهم ركزاً. فقد كان يتكلّم في الكفاح المسلّح وضرورة التضحية بالغالي والنفيس ليستتب الحكم للبروليتاريين. فقلت له: إن الله يعدنا بالجنّة إن متنا في نصرة دينه، فبماذا تعدنا أنت؟ فتسفسط حتّى انتهى النقاش ولم يجب بشيء. )
لشتان ما بين اليزيدين في الوغى يزيد ابن عمرو والأغرِّ ابن حاتم
فهمُّ الفتى الأزدي إنفاق ماله وهم الفتى السهمي جمع الدراهم

قلتَ (وهذا فادي يدّعي أن الله أسقط التكليف؟ .... ولا نمسِّك بعد اليوم بمعالي الأمور، إذا أقمنا الحجّة على الله بأنه ليس ثمّة تكليف كلّفناه.)
مثلك يقيم الحجة على الله، ما أظن أن بوسعك فعل هذا فلله الحجة البالغة ولو شاء لهداكم أجمعين.
قلتّ( إن نفوسنا الرديّة .... فلعلّي إن سقط عنّي التكليف لا أرغب في أن أصحو من خمري ومنادمة شياطين شعري، ومخادنة النساء ناظراً ومقبلاً ومخاصراً ومواقعاً. )
لا لا أرى ذلك، ثمَّ من سأجد لمناظرتي إن سقط عنك التكليف مطلقا؟ فستكون عندها في شغل عني بخمورك ونسائك وشياطين شعرك.

قلتَ (هذا ما أردت قوله تعليقاً .... بالنظر في كلّ ما سيكتبه فادي، في مستوى أعمق من هذا المستوى إن شاء الله تعالى. )
وأنا أنتظر المستوى الأعمق في بعض النقاط وأنتظر مستوى في بعضها الآخر. وعذرا على هذه الغلظة غير أنه أساءني ما ذكرتَه في نهاية الجواب.

قلتَ (تقبل الله تعالى من جميع المسلمين طاعاتهم في هذا الشهر الفضيل الذي ذهب وظلّ مواطناً في خواطرنا لا أوحش الله منك يا رمضان والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.)
وبهذ آتي إلى ختام الجواب، والحمد لله رب العالمين فما ثمَّة إلا هو.

fadilov
10-12-2003, 02:27
جواب مناقشة الفاضل بلال لردي على تعليقه على مقاله إشكالية فهم النص القرآني

-اعلم أنني ما طلبت مزيدا من أدلتك إلا بعد أن تفضلت وعرضت ذلك في أكثر من موضع كقولك: " ورد أهل السنة استدلالهم بوجوه أخرى إن شئت استعرضتها وإياك" غير أني سأطوي صفحا عن التعليق عن كل هذا وما شابهه وسأبذل جهدي أن أقصر ردي وكلامي بعد الآن على المسائل العلمية مبتعدا عن الحواشي وما يخرج عن صلب الموضوع، فإن أغفلتُ أمرا ترى أنه كان لزاما عليَّ الإجابة عليه فنبهني بارك الله فيك، فإما أن أجيبك عليه أو أقرَّ لك بصحته وأطلب منك أن تلتزم جميع هذا الذي ذكرته هنا كذلك. ثم إني لن أجيب بشىء بعد الآن عما ستكتبه حاشا ما هو متعلق بمسألة حكم مرتكب الكبيرة في القرآن حتى إذا فرغنا من ذلك انتقلنا للحديث عما بعده وأرجو أن لا تكتب شيئا في غيرها من المسائل لحين الفراغ منها.

قلتَ (أقول: ما عنيته، هو أنّهم قائلون بأن السبب في خلود فاعل الكبيرة في النّار أنّ الكبيرة تحبط جميع الأعمال، ثم إّنهم يشترطون كما ذكرت لك للخلود في النار شرطين .... بل كلّ شيء بإرادة الله تعالى ولا يجب عليه تعالى فعل شيء. تأمّل. )
قد تأملت ولا أوافق على الإضطراب المذكور فإن لهم أن يقولوا نلتزم إحباط العمل إن مات من غير توبة صحيحة أو من غير عمل صالح يزيد على إثم الكبيرة أي إنه عند الحساب إن غلبت حسناته دخل الجنة من غير عقاب وإن غلبت سيئاته خلد في النار وحبط عمله الصالح. وليس إحباط العمل مما يحصل في الدنيا أثناء بقاء التكليف، وإن سلموا إحباط بعض المعاصي للعمل كما فعل أهل السنة. بل لو قال قائل إن كلام أهل السنة هنا مضطرب لما أبعد، ذلك أنه لا يخلو العاصي من أن تغلب حسناته فيحاسب حسابا يسيرا أو تغلب سيئاته فيحاسب حسابا عسيرا ويخلد في نار جهنم كما جاء في الخبر. وأهل السنة يثبتون وزن الحسنات ولا يلتزمون النتيجة المترتبة على ذلك! ثم للمعتزلة أن يقولوا سلمنا أنها تحبط ثواب سوابق الصالحات ولا يلزم من هذا موافقتهم لقول أهل السنة فإن أهل السنة يقولون أنه مع إحباط سوابق الأعمال فإن مآله إلى الجنة وإن عذب في النار لوجود الإيمان، والمعتزلة يقولون مآله الخلود في النار. تأمل

قلتَ (قولك: (حسن أن خصصت الكلام بقولك "عندي" إذ قد ينازع في ذلك بعضهم)
أقول: نعلم أن المعتزلة ينازعون)
لم أقصد المعتزلة بل قصدت أن من أهل السنة من ينازع في إفادة قوله تعالى: (خالدين فيها أبدا التأبيد) وهذا من أعجب العجب. فأنا لم أقصد المعتزلة على أني لا أذكر التفسير اللذي قرأت فيه هذا الكلام فإن ذلك كان قبل 14 سنة أي عندما كان عمري حوالي 13 سنة، وأنا لا أملك من المراجع الآن ما أستطيع من خلاله إثبات النقل لذلك قلت قد ينازع في ذلك بعضهم بصيغة التشكيك. ثم رأيتك بعد هذا تذكر هذا الوجه من وجوه التأويل، وتردُّ ما لم ترتضيه هنا، وسيأتي كلامي على هذا التأويل.

قلتَ (ثمّ قل لي: ماذا تتبنّى أنت في فاعل الكبيرة أو المعصية مطلقاً، أهو مؤمن أم لا.... )
لا أدري

قلتَ (أقول: نعم. هذا الاحتمال مأخوذ من سياق الآية محل البحث، قال الله تعالى: (قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً. قل إني لا أملك لكم ضرّاً ولا رشداً. قل إني لن يجيرني من الله أحدٌ ولن أجد من دونه ملتحداً. إلا بلاغاً من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنّم خالدين فيها أبداً) والمعنى أنّا إذا نظرنا إلى جري الحديث نجده في التبليغ عن الله تعالى، فلم لا يكون معنى رسول الله جبريل، ومعنى (يعص) أي من الرسل في تبليغ رسالاتهم وأداء ما أمروا بتبليغه....وحين يأتي حينها سأجيبك عن كلّ الوجوه والعمومات التي تمسّكوا بها. فأمهلنا حتّى يبلغ الهدي محلّه. )
أما أن الرسول جبريل عليه السلام فلا بأس وأما أن "يعص" هي في تبليغ الرسالة وأداء ما أمروا بتبليغه وعليه فهي خاصة في الرسل وفي معصية عدم تبليغ الرسالة فهذا غير مسلم أبدا إذ هو خلاف ظاهر لفظ العموم، والسياق اللذي ذكرته لا يلزم منه إخارج اللفظ عن العموم. فإن كان عندك شيئ تضيفه على هذا الاحتمال فبينه وإلا هات غيرهُ.

قلتَ (أقول: قد ذكرت أولاً أن هذه الآية (إن تجتنبوا) لا يصحّ احتجاجهم بها لما بيّنته من المآخذ على استدلالهم ثمة في رسالتي الأولى...)
عذرا منك فهذا خطأ وقعت فيه وطلبت تصحيحه من الأستاذ قبل أن تكتب ردك بأيام إلا أنه لم يفعل ، ولعله بل أجزم بأن عنده عذرا، والصواب أن أقول: ( ومثاله الآية الكريمة (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).

قلت (فحريّ بك أن تحقّق هذا المقام لنا كما سألتكه من قبلُ، وحريّ بنا أن نسأله لشدّة داعيته. )
عذرا منك غير أني لم أفهم ما هو المقام اللذي تريد مني تحقيقه؟

قلتَ (ولكنّنا لا نسلّم أن هذا ليس هو الوضع الشرعيّ. ثم الشارع نقله إلى بعض الكبائر مبالغة في تعظيم أمر من أذنبها.)
ما هو الموجب اللذي دفعك إلى القول بأن الشارع نقله إلى بعض الكبائر مجازا؟ ولماذا لا تقولُ أن الشارع أطلقه على كبائر الذنوب حقيقة كما أطلقه على ما ينافي التوحيد؟

قلتَ (ولقائل أن يقول أيضاً إن المثالين المذكورين وكل ما سمّاه الشارع شركاً إمّا أن يكون شركاً على الحقيقة الشرعيّة وكما سننوعه الآن.)
أفهم من كلامك أنك تقولوا أن الشرك لا يمكن أن يكون حقيقة شرعية إلا إن كان منافيا للتوحيد فما موجب هذا القول؟

قلتَ (أو أنّه ظاهر في تجوّزه فيه لوضوح علاقة المجاز فيه بين المعنى المراد وبين معنى الشرك الحقيقي. قال أبو البقاء: الشريك المشارك. قلت: وهو لا ينفعك ههنا. وقال: أكثر الفقهاء يحملون المشركين على الكافرين جميعاً. وقيل هم عدا أهل الكتاب لقوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذي هادوا والصابئين والنّصارى والمجوس والذين أشركوا) فأفرد المشركين عنهم. والشرك أنواع: شرك الاستقلال: وهو إثبات إلهين مستقلين كشرك المجوس. قلت: أي لقولهم بوجود إلهين إله للنور تأتي منه الخيرات وإله للظلمة تأتي منه الشرور. ثم قال: وشرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى. وشرك التقريب: وهو عبادة غير الله ليقرّب إلى الله زلفى، كشرك متقدّمي الجاهليّة. وشرك التقليد: عبادة غير الله تبعاً للغير كشرك متأخري الجاهليّة. وشرك الأسباب وهو إسناد التأثير للأسباب العاديّة، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك. وشرك الأغراض وهو العمل لغير الله تعالى. وكلّ كلامه أدلّة لي كما ترى.)
والله لم أر ذلك بل رأيت خلافه وإني سائلك ماذا تقول في رجل صام النافلة ليقول الناس عنه صائم أهو مشرك عندك أم لا؟ ظاهر كلام أبي البقاء أنه مشرك شرك الأغراض إذ قد عمل لغير الله تعالى وأنت لا تثبت أنه مشرك خارج عن دين الإسلام هذا ما أظنه برجل ينتسب إلى أهل السنة، فإن قلت أنه مشرك مجازا فقد خالفت ظاهر كلام أبي البقاء فهو لم يفرق هذا التفريق على الأقل فيما نقلته عنه.
فأنا ألتزم أن كل عمل مما يبتغى به وجه الله عمل ابتغاء غير الله فهو شرك حقيقة كما جاء في الحديث:"أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" ولا يلزم من هذا أن كل شرك مخرج من ملة الإسلام بل ما جعله الشارع مخرجا من ملة الإسلام جعلناه وما جعله من الشرك معصية جعلناه، وهو شرك حقيقة لا مجازا كما وصفه الله ورسوله إذ لا موجب علينا أن نقول بالمجاز الشرعي. تأمل

قلتَ (أما الطيرة ففي معنى الشرك الحقيقي من اعتقاد تأثير بعض الأشياء في تغير مجريات الأمور والأقدار. وكانوا ينهرون الطير فإذا طار يمنة فعلوا لاعتقادهم أن مآل الأمر خير، وإن طار يسرة أعرضوا عن عزمهم لاعتقادهم أنه ما دام الطير سعى شمالاً فلا بد أن عاقبة الأمر سوءاً، وهذا ما أنزل الله به من سلطان، إذا لا مدبّر ولا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى.)
أسألك هل تلتزم أن أي نوع من أنواع الطيرة شرك مخرج من الملة؟ فإن قلت لا فيكون كلامك على الحديث تخصيص له في بعض أنواع الطيرة من غير مخصص، وإن قلت نعم لزمك أن تثبت أن كل من تطير من غير أن يكون معتقدا أن هناك مدبر ومؤثر غير الله مشرك خارج من دين الإسلام، ولا قائل به! فيلزمك أن تثبت أن كل طيرة شرك وأن من الشرك ما لا يخرج من الإسلام وهو ما أقول به. فإن قلت أن الشرك حقيقة في بعض الطيرة مجاز في البعض الآخر فنسألك ما دليل وجود المجاز في الاصطلاح الشرعي في معنى الشرك؟ وكيف جاز لك أن تحمل ذات اللفظ على المعنى الحقيقي والمجازي في ذات الوقت؟

قلتَ (وأمّا ترك الصّلاة فدليل لنا، إذ لولا ظهور الشرك في الكفر وتبادره عند إطلاقه علامة على هذه الحقيقة الشرعيّة لما اشتبه على بعض الفقهاء تكفير تاركها مشياً مع الظاهر.)
من هم هؤلاء الفقهاء اللذين اشتبه القول عندهم؟ أهم فقهاء أهل السنة فلا حجة في قولهم على المعتزلة إذ إنهم يبنون فروعهم على أصولهم، هذا إن سلمتُ أن جميع أهل السنة يطلقون الشرك على ما ينافي التوحيد على سبيل المجاز وعدم النقل لا يلزم منه نقل العدم. ولقائل أن يعارضك ويقول لولا أن الشرك حقيقة فيما هو مخرج من الملة وعظيم الذنب لما أخرج جمهور علماء أهل السنة الحديثَ عن ظاهره لأدلة عامة لم تسق للدلالة على حكم تارك الصلاة خصوصا.
وصلّى الله وسلّم وبارك على خير ما اكتحلت بمرآه العيون، سيدي ونور قلبي محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين

بلال النجار
10-12-2003, 13:48
بسم الله الرحمن الرحيم

تنبيهان سريعان

جاء في كلام فادي: (...فهل تظن أن عمر رضي الله عنه ما كان يعرف أن "أو" في الآية الكريهة للتخيير، لكنه ما فهم هذا وأخذ بثوب...)
وأظنه يقصد الآية الكريمة وقد أخطأ في طباعتها. فأرجو من مشرف الموقع أن يعدلها لئلاّ تبقى على هذه الصورة الشنيعة.

ثم جاء في كلام فادي: (وأنا أضرب مثالا على احتمال أن يكون الفهم منطقيا مع عدم مطابقته لمراد الله فأقول، قوله تعالى: (ولا يسأل عن ذنوبهم المشركون) وقوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) فالآيتان متعارضتان فالأولى أثبتت عدم السؤال عن الذنوب، والثانية أثبتت السؤال للجميع المشركين وغيرهم عن الأعمال التي تدخل فيها الذنوب. ويمكن أن نجيب عن هذا التعارض بأجوبة كثيره منها أن نقول سيسأل الجميع حاشا المشركين من باب الخاص والعام، أو سيسأل الجميع بما في ذلك المشركون غير أنهم لن يسألوا عن ذنوبهم من باب المقيد والمطلق، أو نقول سيسأل المشركون في مواقف ولا يسألوا في مواقف أخرى فإن يوم القيامة مواقف وليس موقفا واحدا. وهذه الفهوم كلها رافعة للإشكال بطريقة منطقية صحيحة، إلا أن هذا غير مفيد أبدا إذ أن هذه الفهوم متعارضة فيما بينها فالفهم الأول يلزم منه عدم سؤال المشركين مطلقا والثاني سؤالهم والثالث سؤالهم وعدم سؤالهم، فأي فهم منها هو الذي أراد الشارع منا معرفته، أي ما هو الفهم المطابق لمراد الشارع؟ وعليه فإن وجود طريقة منطقية لا خطأ فيها لفهم النص لا يلزم منه أن يكون الفهم صحيحا. تأمل. وأكرر سؤالا ذكرته فيما سبق وهو هل راعى الشارع الثقافة وطبيعة المخاطبين عندما أنزل النص أم لا إن كان الأول فإنه يلزم منه أن لا يصح الفهم من غير تلك الأمور وهو ما تقوله المقالة وإن كان الثاني فما الدليل؟)

وجوابه أنه أتعب نفسه من غير فائدة لأنّ الآية الكريمة تقول: (قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوّة وأكثر جمعاً ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) وليس في القرآن الكريم آية أخرى فيها (ولا يسأل عن ذنوبهم ...) إلا هذه. فلعلك تتعب نفسك فتراجع الآيات الكريمة التي تحتجّ بها ولا تعتمد على محفوظاتك مذ كنت ابن 13 سنة، فمحلّ الاحتجاج هو كلمة (المشركون) فإذا كانت الآية تقول المجرمون فقد سقط كلامك كلّه. لأن المجرمين هم الكفرة الطغاة المبالغون في كفرهم وظلمهم وإجرامهم، وهؤلاء يخبر الله تعالى عنهم في هذه الآية أنه سيدخلهم النار بلا حساب، كما أنّ بعض الناس من المؤمنين سيدخلون الجنّة بلا حساب، فارتفع الإشكال.

ثمّ إن أيّ احتجاج لك بآية من القرآن فلا يجوز لك على مذهبك من الآن فصاعداً بعد ما قلته: (....إن كنت تقصد بالقرآن ألفاظه فقد وقع خلاف بين علماء القراءات فيما إن كانت القراءات جميع وجوه القراءة توقيفية أم توفيقية، ولو طلبت منك إثبات التواتر على نقل بعض وجوه القراءة لما استطعت، وعليه فلا أسلم أن جميع اللفظ مقطوع بأنه من عند الله، ولهذا كان الطبري رحمه الله وهو من هو في معرفة القراءات يضعف بعض القراءات ويصوب البعض الآخر.
وإن كنت تقصد بالقرآن معانيه فالخلاف في المعاني أكبر بكثير من الخلاف في الألفاظ وأنا أقطع بأن المعاني هي اجتهادات الناس وليست من عند الله. وإن كنت تقصد بالقرآن غير ذلك فبينه.
أما إن كان منزها عن التعارض الحقيقي فهو مبني على جواز الكذب على الله، وما أعتقده أن الله يفعل ما يريد والكذب لمصلحة ممدوح شرعا في بعض المواطن على قولكم)

فإذا كنت تعتقد بكلامك هذا فقد ارتفعت الثقة بالقرآن الكريم جملة وتفصيلاً كمصدر للتشريع. فكيف يجوز لك أنت أن تحتج به؟ ثمّ كلامك الذي تشير فيه إلى جواز الكذب على الله ثم حاولت إلزامنا به في حق الله تعالى بحجة جواز الكذب للمصلحة لهو مما يضحك الثكالى... فاترك هذا الأسلوب الهزليّ في النقاش، وتكلّم بعقلانية لا لمجرّد تسويد الصفحات، فإن الأمر جدّ خطير وهو يتعلّق بأهمّ ما تبذل الأنفس من أجله، وأراك لا تدقق تأتي بالكلام كيفما اتفق، ثمّ لا يضيرك شيء، فليكن خطأ كما تقول: (... فإن المعصوم قد أخطأ...) ... فهل هذا كلام يقبله العقلاء، أن يخطئ معصوم، فلو أخطأ لم يكن معصوماً.... ثم بعد كلّ هذا الكلام الذي تخالف فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام عبر العصور تتكلّم معي كمسلم... أنا أقبل أن تكلّمني كأي شيء تريد لكن لا تقل إنك مسلم ثم تخالف في أمور أجمع المسلمون كلّهم عليها كعصمة الأنبياء وتواتر ألفاظ القرآن الكريم.... وهي من الأمور البديهية عندهم.

وسيأتي بيان ما وقعت فيه من تناقضات وسفسطة في حينه، ولكني أحببت أن أنبه ههنا على هذين الأمرين لتعلّقهما بكتاب الله تعالى. لعلّك تراجع ما تكتبه قبل نشره.
والحمد لله رب العالمين

fadilov
10-12-2003, 20:11
أرجو تصحيح الخطأ اللذي أشار إليه الفاضل بلال. وأعتذر عنه وعن الخطأ الذي تلاه أيضا.

أما قوله (فمحلّ الاحتجاج هو كلمة (المشركون) فإذا كانت الآية تقول المجرمون فقد سقط كلامك كلّه.)
لو فهمت الإشكال لعرفت أنه سواء أكانت الآية تقول المجومون أو المشركون فسيبقى الإشكال كما هو، ومحل الاحتجاج ليس ما ذكرت ولكن أن الآية الأولى أثبتت السؤال للجميع من غير استثناء والثانية نفته عن فئة من الناس ولا يهم من هي هذه الفئة وجوابك أحد الأجوبة المذكورة وما عليك إلا أن تضع كلمة المجرمين مكان كلمة المشركين. تأمل.

بلال النجار
11-12-2003, 10:05
بسم الله الرحمن الرحيم

فهمت الإشكال أكثر منك يا فادي، ولم يغب عني ما تقول، ولكن يبدو أنك أنت لا تفهم ما تقرأ. فالضمير في قوله تعالى (لنسألنهم) في هذه الآية لا يعمّ كلّ إنسان لتقول لي فالمشركون في ضمنهم فيلزم التعارض أو المجرمون في ضمنهم فيلزم التعارض. لأن الله تعالى في هذه الآية يتكلّم عن المقسّمين الذين اتخذوا القرآن عضين. وهؤلاء فيهم قولان الأوّل أنّهم اليهود، والثاني أنّهم بعض مشركي قريش منهم العاص بن وائل وغيره، ومع مرجوحيّة القول الثاني إلا أني أحسنت الظنّ بفهمكّ فقلت لعله اعتبر من في الآية من المشركين، فرأى تعارضاً بين هذه الآية التي سيسأل فيها المشركون عما يعملون، والآية التي توهّم أنها لن يسأل فيها المشركون. فلذلك قلت: إن محل الاحتجاج هو المشركون. فإذا كانت الآية الأولى تتحدث عن قوم مجرمين فهي تتكلم عن نوع خاص من الكفار سيدخلهم الله تعالى النار بلا سؤال ولا حساب، والآية الثاني تتكلم عن سؤال طائفة خاصّة من المشركين هم الذين اتخذوا القرآن عضين فلا تعارض البتّة بين الآيتين، فسقط كلامك كلّه، وبخاصّة أنّه من أوّله إلى آخره يتكلّم عن المشركين. هل فهمت الآن ما معنى أن محلّ الاحتجاج هو كلمة المشركين. وحتّى لو وضعت المجرمين فلا تعارض بين تينك الآتين مطلقاً. فافهم وفكر فيما تقول قبل أن تبادر إلى الاعتراض ودعوتي إلى التأمّل وأنت بعيد عنه.

fadilov
12-12-2003, 15:21
الفاضل بلال
لم يغب عنك ما أقول ولا أنا غاب عني ما تقول أيها الفاضل، وقولك إن الآية فيمن جعل القرآن عضين وليست في كل أحد مخالف لعموم الآية والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وحملك الآية على الخصوص هو أحد وجوه التأويل المحتملة، ولكن لا يخرج عن أن يكون وجها محتملا مُعارض بباقي الوجوه على أن هذه الآية ليست الآية الوحيدة اللتي تدل بعمومها على سؤال جميع المشركين، واعلم أن اللذي قلتُه إنما هو كلام العلماء وليس كلامي أنا، وإليك ما ذكره القرطبي في تفسيره للآية الكريمة:
"قلت : والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم كافرهم ومؤمنهم , إلا من دخل الجنة بغير حساب على ما بيناه في كتاب ( التذكرة ) . فإن قيل : وهل يسأل الكافر ويحاسب ؟ قلنا : فيه خلاف وذكرناه في التذكرة . والذي يظهر سؤاله للآية وقوله : " وقفوهم إنهم مسئولون " [ الصافات : 24 ] وقوله : " إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم " [ الغاشية : 25 - 26 ] . فإن قيل : فقد قال تعالى : " ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون " [ القصص : 78 ] وقال : " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان " [ الرحمن : 39 ] , وقال : " ولا يكلمهم الله " [ البقرة : 174 ] , وقال : " إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " [ المطففين : 15 ] . قلنا : القيامة مواطن , فموطن يكون فيه سؤال وكلام , وموطن لا يكون ذلك فيه . قال عكرمة : القيامة مواطن , يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها . وقال ابن عباس : ( لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا ; لأن الله عالم بكل شيء , ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم : لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه ؟ واعتمد قطرب هذا القول . وقيل : " لنسألنهم أجمعين " يعني المؤمنين المكلفين ; بيانه قوله تعالى : " ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم " [ التكاثر : 8 ] . والقول بالعموم أولى كما ذكر . والله أعلم ."
وقال في تفسير الآية الثانية:" أي لا يسألون سؤال استعتاب كما قال : " ولا هم يستعتبون " [ الروم : 57 ] " فما هم من المعتبين " [ فصلت : 24 ] وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لقوله : " فوربك لنسألنهم أجمعين " [ الحجر : 92 ] قاله الحسن وقال مجاهد : لا تسأل الملائكة غدا عن المجرمين , فإنهم يعرفون بسيماهم , فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون وقال قتادة : لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها , بل يدخلون النار بلا حساب وقيل : لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا وقيل : أهلك من أهلك من القرون عن علم منه بذنوبهم فلم يحتج إلى مسألتهم عن ذنوبهم".
وكنت قد أحسنت بإحسانك الظن بي، وأسأت بظنك أني أدعوك إلى التأمل وأنا بعيد عنه، على أي حال الإشكال ما زال قائما وأنت ما فعلت إلا أنك أضفت أحد وجوه التأويل. تأمل

بلال النجار
13-12-2003, 02:06
بسم الله الرحمن الرحيم

أولاً: إن كلامك كان في هاتين الآيتين، وليس في آيات أخرى قد يتوهّم منها التعارض، فلو قلت كلامك دون الاحتجاج عليه بهاتين الآيتين لقبلناه منك لأنا نعرف هذه المواضع التي يتوهم فيها التعارض بشأن السؤال. أما حين تكلّمت عن هاتين الآيتين فقد أردنا أن نريك خطأ التمسك بهما كآيتين متعارضتين في هذا المحلّ. وغاية ما ذكرناه أنّ هاتين الآيتين ليس بينهما تعارض مطلقاً.

ثانياً: أنت تعيد على مسمعي قاعدة أحفظها وأقرّها وهي أن العبرة في عموم اللّفظ وليس في خصوص السّبب. فأسألك أين هو اللّفظ الدالّ على العموم في قوله تعالى: (فوربّك لنسألنّهم أجمعين عمّا كانوا يعملون)؟ إنني أدّعي أنه ليس في هذه الآية لفظاً عامّاً يستغرق جميع العباد مؤمنهم وكافرهم حكم عليه بهذا السّؤال، فهلا أشرت لي على هذا اللّفظ العام؟ ثمّ إذا كان القرطبيّ رحمه الله قد قال إنّ هذه الآية تدلّ على سؤال جميع الخلايق فهلاّ أريتني كيف فهم منها ذلك؟ ولا عبرة بقولك إن هذا ليس كلامي، لأن مجرّد احتجاجك به مع كونه كلام غيرك فيلزمك أن تبيّن وجه الاستدلال فيه وإلا سقط. لأن كلام القرطبي رحمه الله تعالى ليس بحجّة عليّ من حيث كلامه. وهو وإن سلمّناه ضعيف على ما سيأتيك بيانه حين تريني وجه كلامه في العموم. وأما القاعدة التي ذكرتها فلا محلّ للاحجتاج بها حتّى الآن لأنّك لم تبيّن العموم المدّعى بعد. فالضمير لا يفيد العموم من حيث هو كذلك، بل ينظر إلى أيّ شيء يعود. وهو يعود ههنا إلى المقسّمين فيستغرقهم هم لا جميع المكلّفين. فلا يقال العبرة في عموم اللفظ لا في خصوص السبب، لأنّا نقول هذا خاصّ أصلاً وليس بعام. وتطبيقك القاعدة على هذه الآية قبل إثباتك لعمومها المكلّفين يظهر منه بعدك عن التأمّل الذي ما زلت تدّعيه لنفسك. فإنه لو كانت الآية تقول: لنسألنّ الناس (أو ما في معناه) أجمعين عمّا كانوا يعملون ثمّ احتججت عليك بأنها عامّ أريد به خاص هم المقسمون الذين نزلت فيهم الآية لجاز لك أن تقول هذه القاعدة في الجواب. ولكنّ الضمير ينوب عن الاسم، فكأن الآية تقول: لنسألن المقسمين أجمعين عمّا كانوا يعملون. ولا يعمّ لفظ المقسّمين أصلاً جميع الناس. بل هو خاصّ بهم يخرج به غيرهم من الناس. ولا يلزم من سؤالهم سؤال غيرهم أو عدمه بل لا بدّ من إثباته لغيرهم أو نفيه عنهم من دليل آخر وهو ليس موجوداً في هذه الآية.

ثالثاً: الجواب عن هذا التعارض الموهوم معلوم لكلّ من يقرأ في التفاسير، وقد ذكرت أنت بعض الوجوه المحتملة لفهمه، وهي وجوه تحتملها اللغة العربيّة وقواعد الأصول، لذلك فقد قال بها العلماء منذ نزل القرآن الكريم وحتّى اليوم، فما هو اعتراضك على هذه الوجوه من جهة أصوليّة أو بأعمّ عقليّة؟ وإذا كان قد أجيب عن هذه الآيات إجابات سائغة عقلاً، كما أجاب به العلماء من وجوه، فقد اندفع التعارض المدّعى، فكيف تقرأ هذه الوجوه في الجواب ثمّ تصرّ على وجود التعارض؟ ثمّ ماذا يضرّك أنّك مسؤول أو غير مسؤول؟ أي أنه إذا تعذّر بالفعل أن نعرف من من الناس سوف يسأل عمّا اقترف ومن منهم سوف لن يسأل، فما هو الأمر الذي كلّفنا به ويتوقّف فعله على معرفة أنّنا سنأل أو لا عمّا اقترفنا؟ لماذا تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل هكذا أمور وأنت تخالفني في الأصول التي هي أعلى منها.

رابعاً: أني أعجب من احتجاجك عليّ بآي القرآن وقد قلنا إنّه لا ينبغي لك بعد قولك بعدم صلوحه لذلك. وكذا بنتفٍ من قواعد الأصول وأنت ترى قصورها عن درك مرادات الكلام. والذي يجب عليك أن تتعب نفسك فيه هو الإتيان بأدلّة أخرى خارجة عمّا لا تعتقد صوابه وعلميّته، لأنّ احجاجك عليّ بما لا تسلّمه أنت من القواعد يظلّ مندفعاً حتّى لو لزمني على مذهبي لكونه ليس بشيء عندك. نعم لا يُلزم المرء إلاّ على مذهبه، ولكن بدليل صحيح على قواعد المختصمين، وإلاّ لم يثمر غير بيان اندفاع دليل الملتزِم دون إثبات كلام خصمه. وأنت لا تأتي بشيء يفيد، فلا استفدنا منك إثبات شيء مما ادعيته حتّى الآن بدليل يعتبره العقلاء، ولا نقضت لنا دليلاً من أصولنا، ولا تقوى إلا على ذكر ما لا يفيد. وأراك في أخيرات ما كتبت تطلب مني أن لا أتكلّم في شيء سوى مسألة الكبيرة بعد أن ذكرت وأشرت إلى أنك لا تقبل القرآن ولا السنّة ولا الإجماع ولا القياس ولا الأصول ولا اللغة ولا حتى الأدلة العقلية حكماً. فإلى أيّ شيء تريدني أن أحاكمك لتلتزم؟ ثمّ في أثناء ذلك تستدلّ عليّ بما يحلو لك من كلّ ما ذكر. أفيرضى عاقل أن أحقق مسألة فاعل الكبيرة وأكتب فيها الصفحات، وحين أنتهي تقول لي إنّ القرآن الذي تستدلّ به لا يسلّم تواتر ألفاظه، والسنة متعارضة، والنبي يجوز عليه الغلط، واللغة لم ينقل منها ما يكفي للفهم، والفهم ابن الثقافة، والأحكام أقوال العلماء وليست أحكام الله، والعقل مختلف فيه وهو تركيبة ثقافية وليس صحيحاً مطلقاً. والإجماع وهم غير موجود، والقياس غير صحيح عندي. إن البحث في مسألة الكبيرة فرع ثبوت مصادر التشريع، وكلّ الدين فرع عصمة النبيّ عليه السلام، ومعرفة نبوّته يكون بدليل العقل.
إنني بعد كلامك الأخير صرت أفكر في أنه هل من جدوى من الكلام مع شخص مثلك؟ إن كلّ دليل مرّ لي ببالٍ فإما أن يكون من الكتاب أو السنّة أو الإجماع أو العقل وما توصّل إليه العلماء من إثبات لقوانين العلوم. ويمكنك ببساطة أن تقول إني أنكر دليلك لأنك أنت تفهمه على هذا الوجه، ولكنّي أنا أفهمه على وجه آخر. وكلّ قول يمكن أن أقوله فلا مقياس لصحته وخطئه...ولا أدري ما هو الصواب...
إن القضايا النظريّة تحلّل إلى أوليّاتها، حتى إذا استلزمت مناقضاً لحكم بدهيّ أو بأعمّ مسلّم بين المتناظرين حكم بخطئها، وإلا فإذا انتهت إلى بدهيّات مصدّق بها فهي صحيحة مطلقاً، أو مسلّمة فهي صحيحة عندهما على الأقلّ. وهذا كلّه فرع تسليم طريق النظر العقليّ، الذي هو فرع تسليم حجيّة العقل بكونه مصدراً من مصادر المعرفة. فإذا لم يعترف به الخصم حجّة عليه وعلى الجميع مطلقاً، لم يمكن لنظيره أن يقنعه. ولذلك، فإني لا أقوى على إقناعك مهما فعلت إذا كنت لا تسلّم لي حجيّة مصادر أدلّتي، بل لا أقوى على إقناع أحد بأي شيء حتّى لو أفحمته في كلّ ما يقوله، لأنه فرق كبير بين الاقتناع وبين الإلزام. فمن يصل به الحال إلى إنكار البدهيّات (ولا تستغرب فكلامك منه ما يؤول إلى إنكار البدهيّات)، ولقد تكلّمت مع شخص أنكر كلّ شيء، حتّى شكك لتعنته في أن ما يراه فإنه يراه وغير ذلك من أحكام الحواس السليمة التي تفيد لكلّ واحد نفس الحكم الضروريّ بأن ما أحسّه فقد أحسّه، فبالله قل لي، كيف يمكنني أن أتكلّم معك بلا مقياس واضح مسلّم بيننا نتحاكم إليه لنعرف من هو المصيب من المخطئ. إنّك إذا لم تذكر لي على وجه التحديد مقياس الخطأ والصّواب عندك، بحيث يكون مقياساً علميّاً منضبطاً فلا يمكنني أن أتكلّم معك مطلقاً في شيء من الأمور. لأن كلّ كلام عندئذ فلا جدوى منه. وبإمكان أي شخص أن ينكر أي شيء، ويلقي الكلام كيفما يريد، ويشكك في أقوال الآخرين بمغالطات وتمحلات، ولا يثبت هو شيئاً ولا ينفي شيئاً على وجه القطع ليبقى حافظاً لخط الرجعة كما يقولون فأيّ جدوى من الكلام معه حينئذٍ. ثم بعد أن تريني مقياسك المنضبط للصحة والغلط، يمكنك أن تتكلّم معي في أصول المسائل التي تنبني عليها كثير الفروع التي تتكلّم أنت بها.
هدانا الله وإياك إلى الصواب، وجعلنا من الراشدين آمينٍ، ولعلّي أثقل على شيخي المحقق العلامّة الفاضل سعيد فودة بطلب إضافة كلمة صغيرة يوجّه بها هذه البحوث نحو ما ينفع، فلدينا ههنا بعض المشاكل التي نواجهها، فإن فادي قد طرح مسائل وشبهاً كثيرة جدّاً للبحث، وكلّها شبه متداولة ولكن منها ما لا يجاب عنه بكلمة صغيرة كما تعلمون، فإن لم يلتزم كلانا بضوابط صارمة في البحث والمناظرة مخلصين لله ربنا وللبحث الذي نحن بصدده، ويتعاون كلانا على الوصول إلى نتيجة بأقصر الطرق، فلن يمكننا أن نحقق المسائل ونفيها حقّها من الجواب. ولا أريد أن يفهم من ذلك عدم رغبتي في المضي قدماً في البحث، ولكنّي بتّ لا أدري من أين أبدأ الكلام بعد ما كتبه فادي مؤخراً مما أشرت إليه ولا يخفى عليكم، فإذا انضبطت الأمور بشكل جيّد، فإن وظيفتي أنني طالب علم، فلن أملّ إن شاء الله تعالى من القراءة والكتابة والبحث والمناظرة. والله تعالى الموفّق للسداد

fadilov
13-12-2003, 08:54
الفاضل بلال
أما وقد أثبت التعارض في السؤال، فلا أرى مبررا للخوض في طريقة الوصول إليه، ووالله ليس هذا لعجز مني عن بيان العموم في الآية، ولكن حتى لا نطيل فيما لا ينفع طالما أنك موافق على وجود أصل التعارض.
ثم ذكرتَ أن العلماء قد أجابوا على التعارض بوجوه مقبولة في الأصول واللغة وسألتني عن وجه اعتراضي عليهابما أنها سائغة، وخلصت إلى نتيجة وهي اندفاع التعارض المدعى. أقول إن هذا يبين عدم فهمك لوجه الاعتراض ومحل الإشكال، وأرجو أن تقرأ كلامي مرة أخرى فإن محل الإشكال واضح فيه وأنا أعيد جزءا منه هنا، قلتُ "وأنا أضرب مثالا على احتمال أن يكون الفهم منطقيا مع عدم مطابقته لمراد الله ..... وهذه الفهوم كلها رافعة للإشكال بطريقة منطقية صحيحة، إلا أن هذا غير مفيد أبدا إذ أن هذه الفهوم متعارضة فيما بينها فالفهم الأول يلزم منه عدم سؤال المشركين مطلقا والثاني سؤالهم والثالث سؤالهم وعدم سؤالهم، فأي فهم منها هو الذي أراد الشارع منا معرفته، أي ما هو الفهم المطابق لمراد الشارع؟ وعليه فإن وجود طريقة منطقية لا خطأ فيها لفهم النص لا يلزم منه أن يكون الفهم صحيحا. تأمل. وأكرر سؤالا ذكرته فيما سبق وهو هل راعى الشارع الثقافة وطبيعة المخاطبين عندما أنزل النص أم لا إن كان الأول فإنه يلزم منه أن لا يصح الفهم من غير تلك الأمور وهو ما تقوله المقالة وإن كان الثاني فما الدليل؟) وبهذا يتبين لك أن محل الاعتراض هو أن الفهوم سائغة وفقا لقواعد الأصول واللغة ومع ذلك فهي متعارضة ولا يصح أن تكون جميعها صحيحة في نفس الأمر لتعارضها، وعليه فإن بناء الفهم على قواعد الأصول واللغة لا يُنتج بالضرورة فهما صحيحا، ثمَّ ماذا أراد الله منا أن نفهم من هذه الآيات إذا أردنا فهم القرآن بقواعد الأصول واللغة فقط؟ هل سيسأل المشركون أم لا أم بعضهم سيسأل؟ فهذا هو محل الإشكال.

أما أني لا أحتج بالقرآن أو أحتج به فليس هذا أصل الإشكال المطروح في المقالة، إن أصل الإشكال يدور حول عدم صلوح أصول الفقة كأداة لفهم القرآن وذلك لأصلين الأول أننا إن طبقنا قواعد الاستدلال في أصول الفقة لفهم القرآن تكافأت الأدلة واستحال معرفة حكم الله في بعض المسائل وظهر القرآن كما لو أنه متناقض، والاستدلال بهذا الأصل لا يتم إلى بضرب مثال على هذا، وقد مثلت له بمسألة مرتكب الكبيرة. وأنا عندما أسلك هذا الطريق سألتزم بقواعد الاستلال في أصول الفقه حتى أبين تناقضها وقصورها. الأصل الثاني أن أصول الفقه لم تراع أمورا أخرى يجب مراعاتها لفهم القرآن وهذه الأمور لا يمكن الوصول إليها. هذا إجمال لأصل الإشكال.
أما أني طلبت أن لا نتكلم إلا في مسألة صاحب الكبيرة وحكم ذلك في القرآن، فليس ذلك لمعرفة حكم مرتكب الكبيرة فهذه مسألة فرعية إذا ما قورنت بالإشكال المطروح في المقالة، وإنما أردت الحديث عنها لأبين صحة الاستدلال بالأصل الأول. وإنما أردت أن تبين حكم مرتكب الكبيرة في القرآن وأن نحصر الكلام فيه مبتعدين عن الحديث عن غيره من أصول التشريع كالسنة لأني لاحظت أن المسألة ستتشعب جدا والأفضل أن نحصر الكلام فيها وجها وجها أي بعد أن نفرغ من الاستدلال بالقرآن، انتقلنا للحديث عن غيره من الأصول كالسنة وغيرها، وأنا ما أردت بذلك إلا محاولة ضبط النقاش حتى يكون مثمرا ومركزا أكثر.

جاء في آخر كلامك قولك: "فإن لم يلتزم كلانا بضوابط صارمة في البحث والمناظرة مخلصين لله ربنا وللبحث الذي نحن بصدده...."، أما أنا فلا أريد أن أكون مخلصا لله والبحث وإنما أخلص لله وحده رب العالمين وعلمي به أنه إله يغار، وهذا عندي من الشرك اللذي لا يخرج من ملة الإسلام بل ولا يأثم فاعله ولكنه يحبط ثواب العمل الذي أشرك به مع الله غيره.

fadilov
13-12-2003, 10:08
تابع الرد على القسم الثاني من مناقشة الفاضل بلال لردّي على مناقشته العامة لمقالة (إشكالية فهم النصّ القرآني)

قلتَ (فدعونا نتأمل هذه الآية من وجوه عدّة لنرى هل معنى الشرك ههنا هو ضد التوحيد وأنّه ظاهر فيه لكونه المتبادر والحقيقة الشرعية له أم أنّها تحتمل معنى الكبيرة كما يدّعي فادي ... فأقول إن الشرك ككلمة مفردة مستقلّة عن سياقها، وباعتبار سياقها هذا فإنها حقيقة شرعيّة في ضدّ التوحيد، ولنا على ذلك وجوه: أولاً: أنّ المعتزلة أنفسهم لم يخالفوا في هذه الآية بأن الشرك ههنا ليس ضدّ التوحيد.... إشارة أن الشرك حقيقة في الكبائر فلعلّك تدلّني أين قالها.)
قولك أن المعتزلة لا يقولون أن الشرك في هذه الآية يشمل كبائر الذنوب يحتاج إلى إثبات، وما نقلته عن الإمام الزمخشري لا يلزم منه أن يكون قول جميع المعتزلة في تفسير الآية، فإن عدم النقل عن أحدهم لا يلزم منه نقل العدم كما هو مقرر، ثمَّ سلمتُ لك أن المعتزلة لا يقولون بهذا وأنك تستطيع أن تثبت النقل عن جميعهم فإن مجرد عدم قولهم بأن الشرك في الآيه يشمل كبائر الذنوب ليس حجة علي، إذ المعتبر عندي دليلهم لا قولهم. وأرجو أن لا تطالبني بإثبات النقل عن أحد المعتزلة أنه يقول أن الشرك في الآية يشمل الكبائر فأنا لا أحتج بقولهم في تفسير الآية وإنما أحتج لتصحيح قولهم في أن الآية غير ظاهرة في إثبات قول أهل السنة أو أنها ظاهرة في ذلك غير أنها تحتمل التأويل فهي ليست نصا، وسيأتي التعليق على كلامك أن الآية نص في إثبات مذهب أهل السنة وليست ظاهرا.

قلتَ (ثانياً: إن الكبيرة أعمّ من الشرك قطعاً. وغير الشرك من الكبائر هو دون الشرك معصيةً وذنباً، يوافقنا على ذلك الزمخشريّ نفسه حيث بين أن مما هو دون الشرك الكبائر: (دون الشرك من الكبائر). وهذه الآية قد ذكرت فيها جميع الذنوب بالاتفاق، فصار المعنى إن الله لا يغفر الشرك وحده ويغفر كلّ ذنب دونه إذا شاء.)
أما أن الكبيرة أعم من الشرك قطعا فأنا لا أسلم لك هذه المقدمة ابتداءا بل هي محل الخلاف بيني وبينك إذ إني أقول أن كل كبيرة هي شرك كما أن كل شرك فهو كبيرة، ثمَّ أقول إن من الشرك ما يخرج من ملة الإسلام وهو ما كان منافيا للتوحيد ومنه وما لا يخرج من ملة الإسلام وهو ما كان دون ذلك من الكبائر. وموافقة الزمخشري لك لا تنفعك فأنا لا ألتزم قوله، فبالله كيف تستدل بهذه المقدمة اللتي أنازعك بها على إثبات ذات الشيء اللذي أنازعك به وهو أن الشرك حقيقة في كل كبيرة؟

قلتَ (والآية لم تذكر التوبة أبداً فصار كل منصف يعرف ...... ولا يخفى أن تفسيره يقتضي تقدير محذوفين هما (من لم يتب) وقصد به المشرك، و(من تاب) وقصد به من تاب على ما قيّده. وفهم الآية بلا تقدير محذوف أولى من فهمها مع تقديره. لأن الأصل عدم التقدير.)
أما أن فهم الآية من غير تقدير محذف أولى فهو صحيح ولكن أهل السنة أنفسهم يقدرون محذوفين لفهمها، كما أن تفسير الزمخشري فية تقدير محذوفين، وبيان ذلك أن ظاهر لفظ الآية يفهم منه أن الله لا يغفر أن يشرك به مطلقا سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم وجود التوبة، ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة، وعليه فإن أهل السنة قدروا محذوفا على موضعين في الآية فيكونوا في حقيقة الأمر قدروا محذوفين والزمخشري ما فعل إلا أنه وافق أهل السنة على المحذوف المقدر في القسم الأول وخالفهم في المحذوف المقدر في القسم الثاني، وتفسيري للآية فيه تقدير محذوف في موضعين مثل اللذي قدره أهل السنة. تأمل.

قلتَ (ثمّ إن الزمخشريّ راوغ أو أنه ذهل عن أصل المعتزلة في إيجاب المغفرة والعقاب على الله تعالى، ..... ومن يفهمه يعلم قدر تهافت كلامهم في هذا المحلّ، ..... اضطراب كلامهم وفساده.....لا يرضاه واحد من المعتزلة. تدبّر. )
ليس الكلام فيما إن كان غفران الذنوب واجبا على الله بالعقل أم بالشرع، فلا أريد الحديث عنه وأرجو منك أن لا تفعل. أما كيف ذهل الزمخشري عن أصل المعتزلة بوجوب عقاب الكافر والذي لم يتب وإطالتك الكلام في هذا ونسبته إلى المراوغة وتهافت الكلام فهذا لا ينبغي أن يقال في حق إمام مثل الزمخشري قبل التحقق من كلامه، والحق أن الزمخشري لم يخالف أصوله ولا تناقض وإنما قصر فهمك عن إدراك عبارته فتوهمت التناقض والتهافت، فإن المشيئة عند الإمام هي مشيئة العاصي وليست مشيئة الله، وتأمل عبارته ": إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك" فكأنه يقول اللذي يشاء الشرك لا يغفر الله له، واللذي يشاء ما دون الشرك يغفر الله له، فالمشيئة عنده كما حدثتك هي مشيئة العبد وليست مشيئة الله، فلا تناقض في كلامه، وبهذا يستقيم كلامه مع أصوله، وإني والله لأعجب كيف تظن بإمام مثل الزمخشري أن يبلغ به الغباء هذا المبلغ حتى يأتي رجل مثلك ليبين تهافت كلامه ويطيل الكلام في ذلك؟ رحم الله من فهم ما يقرأ.

قلتَ (وتطبيق الآية على نظيره الذي أتانا به لنفهمها من خلاله، يقتضي أن يكون معنى القنطار هو الشرك والدينار هو الكبيرة وما دونها، والبذل المغفرة....... الكلام في هذا إلى محلّه فسيأتي إن شاء الله. )
ليس الدينار أو القنطار هو الشرك أو الكبيرة بل بذل الدينار هو بذل المغفرة وبذل القنطار هو بذل المغفرة الأعظم، وعليه فمعنى الكلام إن الله لا يبذل المغفرة لمن شاء ارتكاب الكبيرة ولم يتب ويبذل المغفرة الأعظم لمن شاء ارتكاب الشرك وتاب. وبه يتضح معنى الاستئهال. هكذا أفهم كلام الإمام والله أعلم.
أما استدلالك بآية (قل يا عبادي) فهو غير مفيد إذ الآية مقيدة بالتوبة ولا شك، فإن الذنب يشمل الشرك، وعليه فإن قوله تعالى (ان الله يغفر الذنوب جميعا) إن أراد من غير توبة دخل الشرك فيما يغفره الله من غير توبة وأنت لا تقول به، وإن أراد بتوبة لم تنفع الآية في الاستدلال. تأمل.
أما كلامك عن أصول المعتزلة فأنا والله أعرفها ومثل هذا لا يخفى على مثلي، وأرجو منك أن لا تشعب الكلام.

قلتَ (ثالثاً: أن ضدّ التوحيد لغة الإشراك وليس ترك الصلاة .... وأكثر مزالق المعتزلة التي أوقعتهم في البدع. )
أما أن ضد التوحيد الإشراك فأنا أسلم هذا، وليس هذا محل النزاع إنما محل النزاع ما هو الإشراك؟ هل هو أن تقول أن هناك خالقا آخر مع الله أو أن هناك من يشابه الله في صفاته أو من عبد غير الله أو من قصد بعبادته أحدا غير الله أو من أطاع نفسه وهواه بدلا من طاعة الله أو من عصى الله بدلا من معصيته لنفسه وهواه أو هو كل هذا مجتمعا أو أيُّ واحدة من هذه أو بعض هذا؟ فإن في كل هذا الذي ذكرته لك إشراك مناف للتوحيد لغة ولكن اختلف محل الإشراك، أنا أقول أي واحدة من هذه هي إشراك لغة فالعبد إن أطاع غير الله فقد أشرك في طاعته هذا الغير ولم يفرد الله في الطاعة وعليه فدليلك حجة لي لا علي، وأنت تزعم أن بعض اللذي ذكرته لك إشراك وبعضه ليس كذلك، فما دليلك على هذا التفريق؟ أرجو أنت تتأمل هذا فهو نافع.

قلتَ (رابعاً: قال أبو البقاء: "والظاهر والمفسَّر والنصّ سواء من حيث اللغة لأنّ ما هو معنى اللفظ في الكلّ –قلت: أي مشترك في أنه- لا يخفى على السامع إذا كان من أهل اللسان" اهـ وأقول إن كل إنسان يعرف العربية إذا سألته ما معنى الشرك؟ أشار لك بما هو ضدّ التوحيد ..... فإن كنت تعرف محلاً تدلّني عليه فاذكره ولك من الله خير الجزاء. )
ما هو ضد التوحيد هل هو فقط ما يخرج من ملة الإسلام أم يمكن أن يدخل فيه من أشرك بنيته في العبادة غير الله؟ لا شك أن الثاني يدخل فيه وأنت توافق على الشرك الخفي، وهذا الشرك لا يخرج من ملة الإسلام وإن سلمت أنه يخرج أحيانا فلا أسلم أنه يخرج دائما، ثم أليس من ضد التوحيد أن لا أوحد الله في طاعته فأشرك معه نفسي وهواي وأطيعهما بدلا من طاعة الله في بعض الأحيان؟ ثم القول إن الشرك هو الكفر ليس مفيدا لك إذ إني أقول أن الكفر يطلق حقيقة على غير ما يخرج من ملة الإسلام. ثم أعود إلى الكلام عن الرياء فأقول إن العلماء يطلقون عليه الشرك الأصغر وعلى الشرك المخرج من الملة الشرك الأعظم، وذلك أن الرياء ليس مخرجا من ملة الإسلام عندهم أو على الأقل عند من يطلق ذلك منهم، وأنت تسلم أن الرياء من الشرك حقيقة هذا ظاهر كلامك، وعليه يسقط كلامك في أن الشرك إنما هو فقط فيما أخرج من ملة الإسلام.

قلتَ (ولكي لا أطيل أود الاكتفاء ههنا بعرض الآيتين الكريمتين التي ورد فيهما (دون ذلك) في سياقهما في سورة النساء، .....في السياق الأول، قال الله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (44) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا (45) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً (47) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (51) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا).

وفي السياق الثاني في سورة النساء، يقول تعالى:
(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (116) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا (117) لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118)
ومن يفهم العربية ويتجرّد للإنصاف يظهر له أن سياقي الآيتين في الكفار وليس في المؤمنين. وهذا ليطمئن القلب)
أسلم أن السياق في الحديث عن المشركين ولكن إن سلمت لك أن الشرك في الآية إنما هو حقيقة في المشركين وأن ما دون ذلك هو في كبائر الذنوب وصغائرها فإن السياق يكون حجة عليك لا لك، وبيان ذلك أن سياق الكلام إنما هو عن المشركين وليس في المؤمنين وعليه فإن الله لا يغفر للمشركين الشرك إن بقوا على شركهم ويغفر لهم ما دون ذلك من الكبائر والصغائر إن أسلموا فإن الإسلام يجب ما قبله فالله جل وعلا يريد أن يبين لهم خطورة بقائهم على الشرك ويحثهم على الإسلام وهو نظير قوله تعالى:" قل للذين كفروا إن ينتهو يغفر لهم ما قد سلف". وكما قلتَ (من يتجرد للإنصاف يظهر له أن سياقي الآيتين في الكفار وليس في المؤمنين. وهذا ليطمئن القلب) فالآية إذا لا تتكلم عن توبة المؤمن من الكبيرة، فهي لا تتحدث عنهم ابتداءا، وإنما تتكلم عن توبة المشركين وهي لا تتم إلا بالإسلام والإسلام يغفر كل شيء، ويجب ما قبله.

قلتَ (فإن قيل إن العبرة في عموم اللفظ لا في خصوص السبب. قلنا هذا حقّ، ولكنّ هذا العموم المدّعى معارض بكثير من العمومات الواردة في الوعد، وكل متدبّر للقرآن يعلم أن آيات الوعد التي فيها عمومات صريحة أكثر بكثير من آيات الوعيد، وكثرة الأدلّة دليل معتبر في الأصول على رجحان القول. فهذا دليل يحسب لنا..... وفنّدناها على ما وعدنا. )
أما أن آيات الوعد التي فيها عمومات صريحة أكثر بكثير من آيات الوعيد فإن كنت تقصد عمومات صريحة في عدم خلود أهل الكبائر فأنت منازع في أن العمومات صريحة ومنازع في أن الآيات أكثر بكثير وأرجو أن تبين صحة ادعائك فاذكر لنا ما هي هذه العمومات الكثيرة الصريحة. وإن كنت تقصد مجرد آيات الوعد من غير شمول أهل الكبائر فهذا لا يصلح دليلا لك أو كنت تقصد الآيات اللتي شملت أهل الكبائر كما شملت الخارجين من الملة من غير ذكر التوبة كقوله تعالى: (لا تقنطوا من رحمة الله) فهي غير صالحة للاحتجاج كما بيناه فإن العموم مقيد بوجود التوبة، وتخصيص التوبة في بعض العموم دون بعض يحتاج إلى دليل منفصل فإنه خلاف الأصل.
ثم القول بالترجيح بين الأدلة بالكثرة لا يسلم بالإطلاق، أولا لأنا إن قلنا بوجود 5 أدلة على الخلود لأهل الكبائر و 10 أدلة على عدم الخلود فلا أسلم جواز الترجيح بالكثرة، نعم يمكن أن أسلم الترجيح بالكثرة إن كان هتاك دليل أو دليلان على الخلود و عشرة على عدمه، وعلى أي حال أنت مطالب بحصر الأدلة ليسلم لك الترجيح.
وثانيا لأن القرآن إنما نزل مفرقا وقد تختلف الكثرة من وقت إلى وقت فتقل وتكثر وقد تتغير وعليه فالرسول الأكرم والصحابة ما كانوا يفهمون الآيات ويرجحون بين العمومات وقت النزول بناءا على الترجيح بالكثرة.

قلتَ (قوله: (إذ غاية ما يمكن أن تثبته هو أن الدلالة في الآية على ما ذكرت دلالة ظاهر لا نص، وهذا الظاهر معارض بظاهر الآية التي استدل بها المعتزلة ....) أقول: إذا سلّمت أنت أن آية (ويغفر ما دون ذلك) ظاهرة في جواز مغفرة الكبيرة وعدم الخلود في النار .... فكيف تسدل على كون المعاصي ههنا بمعنى الكبيرة باقتران الخلود جزاء لفاعلها.)
سأبين وجه الاعتراض وأرجو أن تتأمل في الإشكال من جديد فإنه على غاية من الأهمية. إن سلمتُ أن آية (ويغفر ما دون ذلك) ظاهرة فيما ذكرتَ فإني أقول بل ويقول كل عاقل إن آية (ومن يعص) ظاهرة في كل ذنب سواء أكان مخرجا من الملة أو كبيرة أو صغيرة، هذا ظاهر عموم الشرط إن قرأنا الآية لوحدها، أي لو أتينا إلى من يفهم العربية ولا يعرف شيئا من القرآن أو شيئا عن حكم مرتكب الكبيرة وقرأنا عليه الآية وطلبنا منه بيان ما يفهم منها فسيقول لنا إن فاعل أي معصية مخلد في نار جهنم غير خارج منها. إن تبين هذا فعلينا أن ننظر في معنى الآية إن وضعناها مع سائر آيات القرآن وعندها سنجد أن هذا الظاهر معارض بآيات أخر كقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) فأخرجنا صغائر الذنوب من عموم قوله تعالى: (ومن يعص) وبقي كل ذنب سوى ذلك موجبا الخلود في النار سواء أكانت المعصية كبيرة أو معصية مخرجة من الملة، ثمَّ أتينا إلى قوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فوجدناه عاما في كل ما هو دون الشرك سواء أكان كبيرة أو صغير، على تسليم أن الشرك هو ما يخرج من الملة، وعليه فإن عموم (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) معارض بما تبقى من عموم (ومن يعص)، فهل نقول إن عموم (ما دون ذلك) مخصوص بالصغائر لمعارضته لما تبقى من عموم قوله تعالى (ومن يعص)؟ أم نقول إن (ومن يعص) مخصوصة بالمعصية المخرجة من الملة لمعارضتها لعموم (ما دون ذلك)؟ هذا ما قصدته بقولي معارضة ظاهر بظاهر. أرجو أن يكون وجه الاعتراض واضحا الآن.

قلتَ (وحاصل الكلام أني لا أسلّم لك أنّ تخصيصنا هو تخصيص ظاهر بظاهر مطلقاً بل إنا ندّعي أن الآية نصّ في جواز المغفرة لأهل الكبائر والمعاصي وخلود المشكين في النار يبيّن مجمل قوله تعالى (من يعص) بأن المقصود منه أهل الشرك ممن لم يتب.)
القول بأن الآية نص في جواز المغفرة قول عجيب فإن النص هو ما لا يحتمل التأويل أبدا، ولهذا قال العلماء أن النصَّ عزيز في القرآن، وقد أنكر وجوده بعضهم، على أي حال عموم الآية (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) مخصوص بالاتفاق بمن لم يتب فإن من تاب غير داخل تحت المشيئة. وقد تكلمت عن سياق الآية الذي أقل ما يقال فيه إن لم توافقني عليه أنه تأويل مرجوح فكيف تدعي أن الآية نص؟ إن النص هو ما لا يحتمل حتى التأويل المرجوح، وأكتفي بهذا فإن بطلان كلامك هنا أوضح من أن نزيد في الرد عليه.
ثمَّ أنت تدعي أن قوله تعالى (ومن يعص) مجمل وهو مما يتعجب منه حقا وكأنك تجهل أو تتجاهل معنى المجمل، فإن المجمل ما تساوت معانيه كالقرء يحتمل الطهر والحيض، أما العموم فلا يمكن أن يكون مجملا بل هو شامل لما عمَّهُ ظاهرٌ في جميع أفراده، ثم هذا الظاهر إما أن يخص وإما أن يبقى على عمومه. أنا لست في مقام تعليم مبادئ أصول الفقه بل في مقام المناظرة، فإن كنت لا تحسن الكلام في الأصول فأنا أستقيل من مناظرتك، وإن كنت تحسنه وتغالط فهذا أمرُّ وأدهى، وإني والله أللاطف الخصم وأجله وأعظمه ما لم يغالط مغالطة بيّنة انتصارا لمذهبه، فعندها تسقط حرمت تعظيمه وإجلاله من عيني.

قلتَ (ثم إني أريد أن أسلّم لك أنها تتناول صاحب الكبيرة فلم لا يقال على سبيل المعارضة إن المراد بالخلود والتأبيد ههنا المكث الطويل في النار، سواء كان معه دوام أو لا .... فهذا حلّ للإشكال. أفلا تأمّلته. )
القول بأن الخلود هو المكث الطويل خلاف ما يعلم من ظاهر لغة العرب قال صاحب اللسان: " الخلد دوام البقاء في دار لا يخرج منها ، خَلَدَ / يَخْلُد / خُلْداً وخلوداً بقي وأقام ، ودار الخلد الآخرة لبقاء أهلها فيها ، وخلده الله وأخلده تخليداً وقد أخلد الله أهل دار الخلد فيها وخلدهم. ومنه قوله تعالى : (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مِتَّ فهم الخالدون)" وهذا اللذي ذكرتَه من معنى الخلود هو اللذي ذهب إليه الرازي وأبو السعود وغيرهم، وهم مطالبون بالإثبات، ثم إن هؤلاء يجعلون الخلود بمعنى البقاء الدائم إذا جاء محتفا بقرينة كلفظ الأبد، هذا ما أذكره أما أن هناك من يقول إن الخلود يأتي بمعنى المكث الطويل من غير أن يلزم الدوام والبقاء وإن وجدت قرينة الأبد فهذا ما لا أعلم دليلا عليه من لغة العرب، فحري بك أن تأتينا بشاهد لإثبات هذا، ثمَّ لو سلمنا وجود شاهد فإنه ينبعي حمله على المجاز لا على أنه أصل الاستعمال. ولو ادعى أحدهم أن الآية نص في حكم الخلود الذي لا ينقطع لوجود قرينة لفظ الأبد لما أبعد، وفي مثل هذا يمكن أن قبل القول بأنه نص، لا فيما ادعيته في قوله تعالى: (ما دون ذلك)، وعجبي كيف تدعي النص هناك، والاشتراك هنا، أفيقبل هذا منصفٌ؟ على أنك كفيتني الرد على هذا فيما سبق من كلامك، فقد قلتَ: "نعلم أن المعتزلة ينازعون، ولكنا نقول إن ما قرروه من كلامهم في المنازعة لا يفيدهم، لأن استدلالنا لا يلتفت إلى كلمة أبداً كما بيّنته. لأدائها عندنا نفس المعنى الذي يريدونه من الخلود، ولكن ما تفيده من حكم التخليد ليس بواقع على غير المشركين بألوهيّة الله تعالى. فماذا تريد أنت من قولك: (إذ قد ينازع فيه بعضهم) من أي جهة ينازعونني، إنني أسلم لهم زمخشريّة أبداً كلنّهم، فماذا يفيدهم التأكيد إذا سلمته لهم وخالفتهم في محلّه. فعليك إذا كان لك معارضة أن تنصبّ على إثبات أن حكم أبداً عامّ لا في كلّ معصية مطلقاً بل عام في الكبائر خاصة وهو صعب المجتنى عليك وعليهم." وهذا الكلام اللذي ذكرته على سبيل المعارضة لا ينبغي أن نذكره ولا ينبغي أن يرد عليه لظهور ضعفه عند من يشتغل بطلب العلم ولولا خشية أن تلبس هذه الشبهة على العوام لما تكلفت عناء الإجابة عنها، وما أراك موافقا على الاعتراض اللذي ذكرتَه وذلك لإحساني الظن بك.

قلتَ (على قولي: (ثم إن دليل أبي القاسم الكعبي هذا بعد تضافر أدلّة...) قلت: (كلام صحيح لا ينبغي أن يفكر بالاعتراض عليه غير أنه غير لازم لي إذ لم أستدل به، وقد بينت لك سبب ذكر الآية)
أقول: إن ما أوردتُه على استدلال المعتزلة بآية (ومن يعصِ) مسقط لظهور المعنى الذي يريدونه فيها، وأنت ما زلت تتعلّق بهذه الآية وتستخدمها في محالّ النزاع، فكيف تفعل ذلك وأنت ترى أن اعتراضي على استدلالهم بها صحيح تماماً ولا يفكّر في الاعتراض عليه...لا ترغب في ردّه. )
إن اعتراضك الذي أوافق عليه هو على استدلالهم بقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، وأنا لا أوافق على اعتراضك على استدلالهم بآية (ومن يعص) فارجع إلى كلامي يتبين لك هذا بوضوح.

بلال النجار
14-12-2003, 06:17
بسم الله الرحمن الرحيم،

قال فادي: (.... وإني والله لأعجب كيف تظن بإمام مثل الزمخشري أن يبلغ به الغباء هذا المبلغ حتى يأتي رجل مثلك ليبين تهافت كلامه ويطيل الكلام في ذلك؟ رحم الله من فهم ما يقرأ)

أقول: الزمخشريّ رحمه الله تعالى عالم كبير، ولا تقوّلني ما لم أقل، فليس غبيّاً ولا بلغ مبلغاً من الغباء، وإنما الرجل مخطئ ومتهافت في هذه المسألة ومسائل أخرى غيرها. أما أنت فأراك كلّما كتبت أكثر بان جهلك بالعلوم، وزاد تهافتك، والعجب من شدّة اغترارك بنفسك، وشدّة تبجّحك ومزايدتك عليّ في العلم والفهم والدّين. وسأريك كلّ ما أصفك به من كلامك في وقته إن شاء الله تعالى. وقد شغلت يوم أمس عن الردّ، وهذه الليلة، وربما استمرّ الحال ليومين أو ثلاثة تأتي، لأمرين طارئين مهمّين. وبعد ذلك لكلّ حادث حديث.

والحمد لله تعالى على عظيم منّه

fadilov
14-12-2003, 14:44
الفاضل بلال

قلتَ (أما أنت فأراك كلّما كتبت أكثر بان جهلك بالعلوم، وزاد تهافتك، والعجب من شدّة اغترارك بنفسك، وشدّة تبجّحك ومزايدتك عليّ في العلم والفهم والدّين. وسأريك كلّ ما أصفك به من كلامك في وقته إن شاء الله تعالى.)
يا هذا أنا لا أهتم بما تصفني به من التبجح والاغترار وغير ذلك، فلست أنت من مدحه زين وذمُّه شين، وأنا لست هنا حتى تثبت لي هذا اللذي تذكر من صفتي، وأرجو أن لا أكون هذا الشخص المهم في نظرك حتى تتكلف إثبات هذه الصفات لي، وإنما أنتظر منك جوابا علميا على ما أوردهُ، فإن كنت تحسنهُ فهاته وإن كنت لا تحسنه فلا تأتيني بغيره فإن في ذلك خروجا عن المطلوب وفيه إضاعة للوقت اللذي تذكرنا بضيقه بين الفينة والأخرى، وصدقني العمر أثمن من أن تضيعه في إثبات اغترار شخص بنفسه أو تبجحهُ. ولا تظنن أني في فراغ وسعة من الوقت بل اقتطعتُ جزءا من وقت نومي لكتابة معظم ما كتبت، ولولا أن الاستاذ حدثني بأني سأجد منك ما يسرني لما صبرت عليك حتى الآن، وأرجو أن لا يطول صبري، وأن تكون عند حسن ظن الأستذ بكَ.

fadilov
14-12-2003, 16:39
تابع الرد على القسم الأخير من مناقشة الفاضل بلال لردّي على تعليقاته على كلامي

قلتَ (أقول: أما هذا الكلام فمن العجب العجاب. فإننا لا نتألّه على الله تعالى .... فأين الإشكال في هذا الكلام؟)

يبدوا أنني بحاجة إلى أن أعيد شرح الحجة من جديد فإني لإحساني الظن بك أقول إنك لم تفهمها، وربما كان هذا لضعف بياني أو لقصور فهمك فأقول
أولا: كلامنا ليس في التائب من ذنبه سواء أكان هذا الذنب كبيرة أو شركا.
ثانيا: الكلام عن حكم مرتكب الكبيرة شرعا لا عقلا فأنا لا أتكلم عما إذا كان واجبا على الله أن يغفر لمرتكب الكبيرة عقلا أم لا.
ثالثا: إذا تقرر ما تقدم فإن الله أخبر أنه (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) وهذا عموم يدخل فيه المشرك وغيره سواء من تاب ومن لم يتب. ثمَّ أخرج الله كل تائب وأوجب له المغفرة بكثير من الآيات وبقي المشرك اللذي لم يتب وغيره تحت المشيئة في جواز المغفرة، ثم أخرج الله المشرك اللذي لم يتب من هذا العموم وأوجب له النار بقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) وأبقى كلَّ ما عداه ممن لم يتب تحت مشيئته سبحانه وأكد ذلك بقوله: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، والكلام هنا على تسليم أن ما دون ذلك يشمل الكبائر، ثمَّ أخرج الله جل جلاله مرتكب الصغيرة اللذي اجتنب الكبائر ولم يتب من عموم (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) ومن عموم (ما دون ذلك) وأوجب له المغفرة بقوله: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، ثمَّ أخرج الله ما تبقى من العموم الداخل تحت المشيئة وهو من ارتكب كبيرة ولم يتب وأوجب له الخلود في النار بقوله: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنـم خالدين فيها أبدا) وقوله: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) وقوله: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما) وغير ذلك من الآيات، وهكذا فقد أعلمنا الله مشيئته في كل صنف من العصاة، وما مصيرهُ. وبهذا يسقط كلام أهل السنة.
وبهذا أكون قد أتممت الكلام على ما علقه الفاضل بلال، على حكم مرتكب الكبيرة في القرآن، وأنا أنتظر جوابه وسأمهله حتى يفرغ مما يشغله، وأرجو أن يكون خيرا.

وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون. والحمد لله ربّ العالمين.

بلال النجار
15-12-2003, 04:06
بسم الله الرحمن الرحيم

قال لي فادي: (ثمَّ أنت تدعي أن قوله تعالى (ومن يعص) مجمل وهو مما يتعجب منه حقا وكأنك تجهل أو تتجاهل معنى المجمل، فإن المجمل ما تساوت معانيه كالقرء يحتمل الطهر والحيض، أما العموم فلا يمكن أن يكون مجملاً بل هو شامل لما عمَّهُ ظاهرٌ في جميع أفراده، ثم هذا الظاهر إما أن يخص وإما أن يبقى على عمومه. أنا لست في مقام تعليم مبادئ أصول الفقه بل في مقام المناظرة، فإن كنت لا تحسن الكلام في الأصول فأنا أستقيل من مناظرتك، وإن كنت تحسنه وتغالط فهذا أمرُّ وأدهى، وإني والله ألاطف الخصم وأجله وأعظمه ما لم يغالط مغالطة بيّنة انتصارا لمذهبه، فعندها تسقط حرمت تعظيمه وإجلاله من عيني)

أقول: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء. فالعام قد يكون مجملاً، ومن أسبابه تردد اللفظ بين مجازاته عند تعذّر حمله على حقيقته، وقد يكون بسبب تخصيص العموم بصورة مجهولة، أو بصفة مجهولة، أو باستثناء مجهول، أو بسبب إخراج اللفظ في عرف الشّرع عمّا وضع له في اللغة قبل بيانه لنا. فعد لكتب الأصول التي عندك وأعد المذاكرة، فإن انتهيت إلى أنه يستحيل أن يكون العامّ مجملاً كما قرّرته أنت فيما نقلته عنك، فسلني أن أشرحه لك، فإنه أمر لا يتعلّمه الطالب في مبادئ الأصول بل في مستوى أعلى قليلاً من ذلك. وإن ثبت لك جواز ذلك، فجد لنفسك ألفاظاً لائقة تخرجك من هذا الموقف الذي تضع نفسك فيه بقولك: (أنا لست في مقام تعليم مبادئ أصول الفقه بل في مقام المناظرة، فإن كنت لا تحسن الكلام في الأصول فأنا أستقيل من مناظرتك....إلخ كلامك).

واعلم أنّ الآية مجملة وعلى ما اخترته أنت من تساوي الأدلّة. فأنا أقول بأن قوله تعالى: (من يعص... فإن له نار جهنم خالداً فيها) عام أريد به خاص هو الكافر، وأنت تجيز ذلك وتجوّز معه أيضاً كون الكلام عاماً أريد به الكافر وفاعل الكبيرة، لأنّك ترى تساوي أدلة التخصيص التي عندنا مع التي عند المعتزلة. فصار قوله تعالى (من يعصِ) الآية، مستغرقاً لكلّ صاحب معصية، ومتردّداً بين دليلي تخصيص متساويين على قولك. وهذا نوع من العام علم قطعاً أنه قد خص منه بعضه، ولكن بقي المخصوص منه مجهولاً لكونه محتملاً، فيسمّى مجملاً. فتعبيري بأن الآية مجملة صحيح.

وقد احتججت عليّ بأنني حين أخص قوله تعالى (ومن يعصِ) بقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به..). فإنني أخص ظاهراً بظاهر. فاكتفيت منك بالتسليم بظهور المعنى الذي يقوله أهل السنّة من قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) لأردّ تلك المجملة إلى هذه الظاهرة. فكأني أقول إنني أرد المتشابه إلى المحكم وهي الطريق المرضيّة عند أهل الحق في المتشابه.
وليت لدي الآن وقتاً كافياً لأرد على جميع ما كتبت، فقد اختلست هذه الساعة أيضاً من وقت نومي كما تفعل أنت لأقرأ آخر ما كتبته في المنتدى، ولكن على أي حال فهذه مواضع لفتت نظري في آخر ما كتبت:

أولاً: قال فادي: (وبيان ذلك أن ظاهر لفظ الآية يفهم منه أن الله لا يغفر أن يشرك به مطلقا سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم وجود التوبة، ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة، وعليه فإن أهل السنة قدروا محذوفا على موضعين في الآية فيكونوا في حقيقة الأمر قدروا محذوفين والزمخشري ما فعل إلا أنه وافق أهل السنة على المحذوف المقدر في القسم الأول وخالفهم في المحذوف المقدر في القسم الثاني، وتفسيري للآية فيه تقدير محذوف في موضعين مثل الذي قدره أهل السنة. تأمل)

أقول: والحق أن أهل السنّة قدّروا محذوفاً واحداً لاستثناء من تاب من أهل الشرك من حكم الخلود، والزمخشريّ قدّر اثنين، وتقدير واحد أولى من تقدير اثنين. قول فادي: (ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة) أقول: حقّ كلامه أن يكون (..يفهم منه أنه يمكن أن يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمها) وهو قول أهل السنّة، لا من جهة الجواز العقليّ فقط بل لقوله تعالى (يقبل التوبة عن عباده) و(يغفر الذنوب جميعاً) ولغير ذلك من الآيات والأخبار. قول فادي: (فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة) أقول: أهل السنّة ما قدّروا ههنا شيئاً بل ردّوا ذلك كلّه إلى مشيئة الله تعالى، ولم يشترطوا التوبة لغفران ما دون الشرك، ويبدوا أنّك لم تقرأ أو لم تدقق في الموضع الذي قررت فيه مذهب السنة في فاعل الكبيرة وقاتل نفسه بكلام النووي وغيره. فارجع إليه.

ثانياً: قال فادي: (.... والحق أن الزمخشري لم يخالف أصوله ولا تناقض وإنما قصر فهمك عن إدراك عبارته فتوهمت التناقض والتهافت، فإن المشيئة عند الإمام هي مشيئة العاصي وليست مشيئة الله، وتأمل عبارته ": إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك" فكأنه يقول الذي يشاء الشرك لا يغفر الله له، والذي يشاء ما دون الشرك يغفر الله له، فالمشيئة عنده كما حدثتك هي مشيئة العبد وليست مشيئة الله، فلا تناقض في كلامه، وبهذا يستقيم كلامه مع أصوله، وإني والله لأعجب كيف تظن بإمام مثل الزمخشري أن يبلغ به الغباء هذا المبلغ حتى يأتي رجل مثلك ليبين تهافت كلامه ويطيل الكلام في ذلك؟ رحم الله من فهم ما يقرأ)

أقول: أما أنا فما فهمته من كلام الزمخشري فقد قلت لك بعضه في مقالي. فأمّا أولاً: فأنا أقبل تعريضك بي بأني لا أفهم ما أقرأ برحابة صدر، على شرط أن تلتزم أن كلّ من فهم مثل فهمي عن الزمخشريّ فهو لا يفهم. فماذا تقول؟ وثانياً: هل هذا الذي قلته يا من أحسنت فهم الزمخشريّ فهمك الخاصّ لقوله أم أنك تنقله عنه من كلامه في مواضع أخرى؟ وثالثاً: قولك: (ليس الكلام فيما إن كان غفران الذنوب واجبا على الله بالعقل أم بالشرع، فلا أريد الحديث عنه وأرجو منك أن لا تفعل...) فهل هذه المسألة التي نحن بصددها فرع أصلهم في وجوب الثواب والعقاب على الله تعالى أم لا؟ رابعاً: أنت تقول إن المعتزلة يقولون إن مغفرة الله للذنوب معلّقة على مشيئة العبد لا على مشيئة الله تعالى، فمن أين علمت ذلك؟ خامساً: هل تلتزم أن: (كل من يشاء الشرك لا يغفر الله له، وكل من يشاء ما دون الشرك يغفر الله له) دائماً على مذهبك أنت؟ ثم هل تلتزمه على مذهب المعتزلة عموماً أو حتّى على مذهب الزمخشري خاصّة؟

ثالثاً: كنت في معرض ردي على فادي قد قلت بأن القرآن الكريم كما كان مبيناً حين أنزله الله تعالى على نبيه فهو مبين اليوم بالاتفاق. فرأيت فادي في جوابه عليّ يقول: (أما أنه مبين اليوم بالاتفاق فلا أدري عن أي اتفاق تتكلم، وأنا أنازع في ذلك لأن آلات فهمه غير منقولة لنا كما تدعيه وهي عندي غير محصورة فيما ذكرت بل الثقافة وحال المخاطبين وأسباب النزول كلها من أدوات الفهم وهي غير منقولة على العموم. وكلامك هنا غريب حقا فإني أنازع في معظمه وأنت تغفل هذا)
وإني والله قبل أن أثبت قولي بالاتفاق كنت قد وقفت في أول مقالة كتبها على كلامه التالي، قال: (أما الإشكال الثاني : فهو أن القرآن نص في غير ما موضع على أنه كتاب هداية وبيان كقوله تعالى :(بلسان عربي مبين) مما يدل على أن القرآن واضح الدلالة لا يحتاج إلى شرح بل يستقل بنفسه في إيصال المعنى الذي أراده؛ وإلا لما كان بينا، وعليه فكيف سنجعل من السنة مبينا للقرآن، وربما اعترض أحدهم بقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فالرسول – صلى الله عليه وسلم – مبين لما في القرآن، وهذا في حقيقة الأمر زيادة للإشكال وليس حلا له إذ كيف وما هي الحاجة إلى بيان ما هو بين! وجواب هذا أن السنة تبين ما لم يذكر في القرآن من أحكام كأوقات الصلاة أو عدد الركعات لا أنها تشرح ما هو مبين في القرآن أو أنها تبين أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب، وهذا الأخير يلزم منه لا أن يخرج القرآن عن كونه بيانا فقط بل أن يكون كتاب تلبيس وإضلال للأمة –عياذا بالله– إذ إنه أفهم المخاطبين به خلاف مراده، وهذا الأمر يجب أن يتنزه عنه أفصح الكلام وأبلغه وأحسنه، وعليه فلا يمكن أن نلجأ إلى السنة في حل هذا الإشكال (
فأقول: من يقرأ تقريرك لهذا الإشكال يا فادي، ألا يفهم أنّك توافق على أنّ القرآن الكريم مبين. فهل يمكنك أن تشرح لي تعجبك مرّة من قولهم بأن السنة تبيّن القرآن لأنه مبين بنفسه، ثمّ استنكارك عليّ قولي بأنّك توافقني بأن القرآن مبين؟ وحين أعود إن شاء الله قريباً للكتابة سأريك عدداً لا بأس به من المواضع في كلامك، والتي أقلّ ما يقال فيها أنّها مشكلة.

والحمد لله رب العالمين

بلال النجار
17-12-2003, 15:57
بسم الله الرحمن الرّحيم

قال فادي ما معناه أن ثبات الأحكام الشرعية لا يتّفق مع صيرورة الحياة وتغيّر المصالح... إلخ. فنقول إن معنى الصيرورة أو السيرورة هو أن مادة الكون وموجوداته في حركة مستمرة وفي تغيّر دائم. وهذه المقالة ليست اكتشافاً علميّاً حديثاً كما يتوهم البعض، فهي مقولة هيروقليط الذي عاش قبل ستة قرون من الميلاد. وهي حقيقة علميّة أثبتها المتكلمون المسلمون، واعتمدوا عليها في أحد أهم براهينهم في إثبات حدوث العالم بأسره، واحتياجه الدائم للمخصّص المستلزمان لإثبات وجود الله تعالى وقدرته وإرادته وإمداده غير المنقطع لهذا الكون ليبقى على هذه الصورة التي نراها. وهي أيضاً حقيقة أكّدتها الاكتشافات والنظريّات العلميّة الحديثة كما هو معلوم.

ويستخدم بعض الذين يريدون التفلّت من قيود الدّين هذه الحقيقة العلميّة كمقدّمة أولى، ثمّ يقولون فما دام كلّ ما في العالم في تغيّر دائم فكيف يناسب الطبيعة المتغيّرة للعالم بما فيه من حيوان ونبات وجماد أن يحكم بأحكام وقوانين شرعيّة ثابتة. فهي مقولة لا يريد بها العلمانيون وجه الله تعالى، ولا أنّهم يحرصون على الدّين كما يوهمون النّاس. بل الهدف الأساسيّ هو إبعاد الناس عن الدّين وعدم الاحتكام له. ولكن الطريقة المباشرة مع المسلمين لا تنفع، كما هو معلوم من التاريخ، فلا آلة الحرب ولا كثير من أساليب التبشير والتنصير نفعت معهم، وهذه محاولة كغيرها من محاولات أعداء الدّين والله وحده يعلم ماذا سيكون بعد ذلك. فتجدهم يطلقون مقولات كمقالة شاخت الشهيرة: (إن الدين مجرّد فهم علماء الدين)، وبعد ذلك هؤلاء العلماء مختلفون فيما بينهم أشد الاختلاف فما أدرانا ما هو الصحيح من الغلط، وبعد ذلك الطرق التي يفهم بها القرآن ليست مستقيمة بما أنها مختلف فيها، وبعد ذلك اللغة لم تنقل لنا فكيف نفهم القرآن، ثمّ القرآن نفسه متعارض وكلّ وسيلة لفهمه متعارضة بما في ذلك السنّة والصحابة والأصوليون وغير ذلك، ثمّ القرآن ليس متواتراً وألفاظه مختلف فيها، ثمّ لو ثبت شيء من القرآن والسنّة فالنبي يجوز عليه الغلط وقد أخطأ والله لم لا يجوز أن يكذب علينا مراعاة لمصلحتنا، والإجماع مجرّد وهم فالإمام أحمد يقول من ادّعى الإجماع فهو كاذب، ثمّ القياس لا يجوز فنحن نمنعه مشياً على قول البعض، ثمّ لو كان كلّ ما وصلنا من الشريعة ثابتاً فالأحكام الشرعيّة بلا استثناء موضوعة لمصالح العباد، ومصلحة العباد فوق كلّ شيء ولا اعتبار لكلّ دليل دليل يؤخذ منفرداً، فإنه دليل جزئيّ، والمقصد الكليّ الذي يمكن استخلاصه من جملة القرآن والسنّة هو مراعاة مصالح العباد، ثمّ مصالح العباد متغيّرة وحياة الناس تتغيّر وليس من المعقول أن الذي يحيا اليوم تناسبه نفس الأحكام التي كانت تطبق قبل ألف سنة... إلخ من هذه المغالطات التي هي أساليب مكشوفة لا تجوز على المسلم الفطن، فالمقصود هو شيء واحد وهو إبعاد الناس عن الدّين عن طريق التشكيك في مصادر التشريع، وعلماء الدين وأسباب فهم الشريعة، وثبات الأحكام... إلخ مما يطول ذكره، فما نثره المستشرقون من شبه كثيرة يذكّرني بمثل شهير يقول: (.. مجنون يرمي حجراً في بئر، يحتاج لمائة عاقل حتّى يخرجه)، ولكنّ من يلقوا هذه الشبه ليسوا بمجانين ولا سذّج مطلقاً فأهدافهم مكشوفة ومعروفة، ويردّها القرآن وتردّها السنّة، ويردّها العقل السليم حين يتأملّ فيها منصفاً متدبّراً لكتاب الله تعالى، ولكنّ من يقتنع بهذه الشّبه ويعلكها ويدعو إليها في كلّ مجلس لهو السّاذج المسكين، الذي ضلّ سعيه في الحياة الدّنيا وهو يحسب أنّه يحسن صنعاً، وإني أعظ كلّ من يتجرّأ على الله ورسوله ودينه أن يتّبع مثل هذه المقالات ويأخذها على عواهنها وينجرف معها، أن يكون من الجاهلين، فيقضي حياته في هدم الدّين، يدّعي الحرص على الإسلام وهو في الحقيقة يهدمه. وليتذكر قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ).

وعلى أي حال، تلاحظ أيها القارئ أنّ كلام فادي مبنيّ على هذه المقولة، مقولة الصيرورة. ولكنه يعبر عنها بطرق مختلفة. فهو لا يرى أن الشرع الذي ناسب الناس الذين كانوا يعيشون قبل أربعة عشر قرناً أنّه يناسب عصرنا هذا. ولإثبات ذلك يتعلّق تارة بتغيّر الثقافة، وتارة يتعلّق بتغيّر اللغة التي هي أداة الفهم الأولى للشريعة، وتارة يتعلّق بتغيّر التركيبة العقليّة التي يساهم في بنائها الظروف المحيطة بالعاقل، وتارة يتعلّق بتغيّر المصلحة. أما الذي يبعث على الضحك فهو استدلاله على وجوب تغيّر الأحكام الشرعيّة مشياً مع الحركة الدائمة بالتدرّج في نزول الأحكام الشرعيّة، فلا أجد وصفاً مناسباً لهذه المغالطة.
وعلى كلّ حال، تكلّم فادي في ذلك كلّه من جهات مختلفة بأسلوبه الخاص، ويتكلّم فيه كثير من المتفلسفين في هذا العصر، وليس هذا بالأمر الجديد.

فإذا فهمنا إشكال فادي ومن اغترّ بأفكارهم. فلنحقق المقام أكثر لننظر هل ثمّة متغيّر يستوجب تغيّر الحكم الشرعيّ، أم أن هذه المقولة مجرّد مغالطة من المغالطات. ما هو هذا الشيء المتغيّر الذي يتكلّم عنه العلماء. إن العلماء يتكلّمون عن مادة الكون وما فيه من موجودات أنها في تغيّر دائم، ولا يتكلّمون عن الأنظمة والقوانين التي تحكم هذه التغيرات. فصحيح أن الكون متغيّر، ولكنّه يتغيّر على وفق قانون علميّ ثابت، ولو شاء الله تعالى لجعل تغيّره على وفق نظام آخر، ولكنّه أراده أن يسير ويتغيّر على وفق هذا النظام الكليّ بعينه. ومن ينكر ثبات القوانين التي تحكم الكون، فهو لا يعرف في العلم شيئاً. وهذا القدر واضح. فمهما تغير العالم من حول الإنسان وتغيّر شكل وحجم الإنسان ...إلخ ومهما تطوّر في مدنيّته وأسباب حياته فسيبقى يجوع فيأكل ليشبع جوعه، ويعرى فيلبس لباساً يقيه البرد والحر، ولن يزال الرجل يحب المرأة والأبناء والأموال قال تعالى: (زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب)، وسيبقى مغروزاً في الإنسان حبّ الاجتماع والحاجة إليه، ولن يقوَ على الحياة وحده بلا تعاون مع أبناء نوعه، وسيظلّ بحاجة إلى أن يعرف الله تعالى ويعبده لتطمئن نفسه ولا تمزّقه أسئلته المحيّرة عن وجوده وجدوى حياته، قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى). وهكذا فهذه الأمور لا تتغيّر وإن صار العالم قريّة صغيرة بسبب وسائل المواصلات الحديثة، وإن صعد الناس إلى الفضاء، وإن فعلوا كل ما بوسعهم فعله لتحقيق التقدّم والرخاء وتطويع المادة لخدمة الإنسان. وفيه يقول الله تعالى: (سنة الله في الذين خلو من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلا) وهي آية تتكرر في القرآن الكريم في مواضع عدّة وأحياناً بألفاظ مختلفة، وهي في كلّ موضع تبعث على التأمل الشديد، وهنيئاً لمن تدبّرها.

ولننظر إلى شرع الله تعالى ما هو. إن الشرع هو وضع إلهيّ مساوق لذوي العقول السليمة للخير بالذات. فأصحاب العقول السليمة حين ينظرون في هذا الدين فهم يجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً. وحين يتّبعونه فإن تطبيق أحكامه تسوقهم إلى خير دنياهم وآخرتهم. أي أنّ الله تعالى كما وضع قوانين تحكم الكون كلّه كذوات موجودة لها حقائقها فإنه أيضاً أنزل شرعاً ينظّم العلاقات التي ترتبط بها هذه الموجودات.

فأراد الله تعالى أن الماء يغلي حين يصبح ضغطه البخاريّ مساوياً لضغطه الجويّ، وأنّ الحيوان والنبات إذا لم يتغذّ مات، وإذا اختلّ شيء من الأنظمة التي تعمل بها أجهزته المختلفة اعتلّ، وهكذا لو تفكّرت في كلّ مخلوق لوجدت أنّه خاضع لقوانين ركّبها الله تعالى فيه، وهذه القوانين هي ما أنفق علماء الطبيعة أعمارهم في الكشف عنها للعلم الضروريّ بوجودها.

وأراد الله تعالى أيضاً أن يبعث الرسل عليهم الصلاة والسلام بالشرائع. وهذه الشرائع من شأنها أن تجعل متّبعها منسجماً مع الكون تمام الانسجام في عبوديّته وانصياعه التّام إلى أوامر الله سبحانه وتعالى. فمن شأنها أن تنظّم العلاقة بين الإنسان والله تعالى. فعرّفته بالحقائق التي تجيبه عن الأسئلة المحيّرة له المتعلّقة بوجوده فما دام قد ثبت أن هنالك علاقة بين الخالق والمخلوق فلا بدّ أن نفهم ماهيّة هذه العلاقة وكيف نتعامل مع الله تعالى بناء على تصور تلك العلاقة. ثمّ إن من شأنها أن تنظّم العلاقة بينه وبين الموجودات الأخرى التي يتعايش معها من إنسان وحيوان وجماد، فكانت أحكام الزواج والطلاق والبيوع والملكيّة وغير ذلك من فقه المعاملات. وهذه الأحكام وضعها الله تعالى لا لكي تتغيّر بل لتبقى، لأنّها لا تتعلّق بأشياء تتغيّر كما يدّعى بل تنظّم علاقات لا تتغيّر حقيقتها مهما اختلفت في أشكالها، فسواء كان البيع نقديّاً أو بشيك أو ببطاقة ائتمان بالبيع المباشر أو من طريق شبكة الإنترنيت أو باعتماد مستندي، فلن يخرج عن ماهيّة كونه عقد بيع له شروطه وأركانه وأحكامه، وكذلك الرّبا والاحتكار فمهما طال الزّمن فإنه لن يصبحا حلالاً وإن جرّا الفائدة على البعض، فإن الرّبا مهلك للاقتصاد بشهادة من خبراء الاقتصاد أنفسهم، فتجدهم يقولون عن الرّبا مثلاً إن المال لا يلد المال، والقيمة إنما تتولّد من المنفعة، فالمنفعة هي الأصل والقيمة ظلّ المنفعة، وحين تتنامى المنفعة يقابلها تنامٍ للقيمة، فإذا انفصلت القيمة عن المنفعة وتركت الأموال تتنامى بلا منفعة تقابلها فإن تراكم ذلك يجرّ ويلات على اقتصاد المجموع ومشاكل اجتماعيّة خطيرة. وسواء كان الرّبا من طريق أفراد في المجتمع كما كان ذلك معروفاً في اليهود غالباً على مرّ التاريخ وغيرهم جملة، أو كان من طريق قروض البنوك ذات الأشكال المختلفة، فإن ذلك لن يغيّر حقيقة الرّبا ولوازمه الاجتماعيّة ونتائجه الاقتصاديّة الخطيرة، وبالتالي ليس هنالك من داعٍ أصلاً للتفكير في تغيير حكمه الشرعيّ الذي وضعه الله تعالى بإزائه. ومثل ذلك الكلام في الحجاب الذي يستر المرأة وتحريم السفور وتحريم النظر إلى الأجنبيّات، فإن النظر كان وما زال وسيبقى من مقدّمات الزّنا، ومن لا يعرف ما جرّه سفور المرأة وعرضها على شاشات التلفزة بهذه الصورة المشهيّة من ويلات على الأسر فهو إما أنه أعمى وأصمّ أو أن يسوق علينا الهبل، فما هو السبب وراء تفجّر الطاقة الهائلة المخزونة في الشباب بالشهوة حتّى رأينا ما يحصل الآن في الجامعات وعلى الإنترنيت، واعجب أيها القارئ الفاضل من أناس يمارسون ما يدعى بـ Cyber Sex، يقضون فيه الساعات وهم يتغازلون ويتكلمون ويتأوّهون ويحترقون كلّ على طرف شاشته تفصلهم مسافات شاسعة يتخيّلون أنهم يتضاجعون بشتّى الصور. فهل هذا إلا من وراء ظهور المرأة سافرة في الأماكن العامّة، ولو لم يكن لحرمة السفور سبباً إلاّ سدّ الذرائع لكفاه دليلاً للتحريم. وسأناقش موضوع الحجاب في هذا المنتدى إن شاء نقاشاً لا يبقى معه شبهة في حكمه الشرعيّ قريباً جدّاً حين ننتهي من كشف هذه المغالطات التي يتعلّق بها فادي ههنا. ويحضرني الآن كلام لكولون ويلسون حيث يقول في بعض كتبه تعجّبت يوماً من قصر تنّور إحداهنّ، فسألتها أن تجيبني بصراحة لماذا تلبس هذه التنّورة القصيرة جدّاً وتظهر فخذيها بهذا الشكل المغري، فقالت: لكي يراني الرجال، ويعجبوا بجمالهما.

فهذه هي الحقيقة التي يتعامى عنها الناس أيما تعامي، إن بنت الجامعة السافرة تقف ساعات أمام المرآة قبل أن تخرج، وما ذلك إلا لأنها تريد أن يراها الرجال في أجمل صورة فتلفت أنظارهم وتغريهم ويعجبوا بها، واخترع شياطين الإنس والجنّ مفاهيم جديدة وسمّوا الأشياء بغير مسمّياتها للضحك على عقول تلك الفئة من الشباب قليلي العقول، فتكلّموا في الحريّة الشخصيّة، وسمّوا الزنا ممارسة حب، أو الحب العملي على رأي أحد الظرفاء، كما سمّوا الخمر مشروباً روحيّاً، وكتبوا على الحشيشة التي صارت تباع في بلادنا كاللبان تفرح ولا تسكر، ولكن الأسماء الجديدة التي يخترعها هؤلاء الشياطين لا يمكن أن تغيّر حقيقة أن هنالك اختلاطاً وسفوراً يثير الشهوة فيؤدي إلى الزنا وكراهية الأزواج لأزواجهم لما يعقدونه من المقارنات بين ما حظوا به وبين ما هو متوفّر في السّوق، فلا تقرّ لهم نفس ولا يقنعون بما قسمه الله لهم. ويدعو ذلك الشباب إلى الزواج العرفيّ المحرّم، وهتك الأعراض، وتضييع الأوقات والأعمار الثمينة التي سيسألنا الله عنها فيما أبليناها، وكم تضيّع الأموال على شراء هدايا أعياد الميلاد وأعياد الحب، وأعياد وأعياد... ولا يدري التافه الذي قد يستدين ليشتري دبّاً ظريفاً لحبيبته -كما كنا نرى أيام دراستنا- أنّ هنالك من يضحك على عقله باختراع أمثال هذه المناسبات واستغلالها ليدفع الناس إلى مزيد من الاستهلاك وهدر الأموال لتستقرّ في آخر المطاف في جيبه.. وماذا أقول أكثر، فلقد انخدع كثير من شبابنا بهذه الأفكار وهم يرددونها في مجالسهم ولا يخجلون من الكلام فيها.

وهكذا لو تفكّرتم في أيّ حكم شرعيّ ستجدون الشريعة الغرّاء علّقت أحكاماً ثابتة على الأمور الثابتة وعلّقت أحكاماً متغيّرة على الأمور المتغيّرة. وليس صحيحاً أن الشريعة علّقت أحكاماً شرعيّة ثابتة على أمور متغيّرة فهذه إحدى المغالطات، ومن أراد الاستزادة في فهم وتبيّن هذا الأمر فعليه بكتب مولانا العلاّمة محمّد سعيد رمضان البوطي نفع الله المسلمين بعلومه في الدارين آمين، ورضي الله عنه بما وفّقه للسهر حارساً على دين الإسلام، وجزى بمثل ذلك وأضعافه لشيخي المحقق الفهامة سعيد فودة الذي طوّق عنقي بفرض لا يقضى، إذ له علي دعوة خير بكلّ فكرة تلمع في ذهني لما علّمني هذه العلوم، وأرشدني إلى طريق أهل الحقّ غفر الله تعالى له ولوالديه ولمن علّمه وأحسن إليه. آمين.

وخلاصة الكلام، أن الله تعالى خالق كلّ شيء وهو على كلّ شيء وكيل، يدبر الأمر في السماوات والأرض، وكلّ شيء عنده بمقدار. وهو الذي يقول (إن الحكم إلا لله)، وأوّل ما يقرأ في الأصول أن الحاكميّة لله تعالى وحده، فيجب أن يلاحظ أن الأحكام الشرعيّة موضوعة من الله. لأن الحاكميّة لله تعالى وليست لأيّ أحد سواه. ومن حكم بغير ما أنزل الله تعالى فإنّه متردّد بين الفسق والكفر والظلم، وكلّ ما كان فسقاً أو كفراً أو ظلماً فهو حرام، فعلم أنّه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. ولذلك لا بدّ قبل دعوة الناس إلى ارتكاب أيّ فعل أن نعلم حكم الله تعالى فيه. وكلّ فعل فإنه واقع في دائرة الأحكام الشرعيّة الخمسة المعروفة، لأن كلّ فعل فلا يخلو إمّا أن يكون واجباً أو مندوباً إليه أو مباحاً أو مكروهاً أو حراماً. ولعمري ماذا يكون نبذ الأحكام الشرعيّة الثابتة وتغييرها بحسب ما يرتئيه العقل البشريّ من موافقة المصلحة إلا حكماً بغير ما أنزل الله. ولعمري ما هي القاعدة الكليّة المنضبطة التي يمكن أن يتوصّل إليها الإنسان بحيث إذا اتّبعت جلبت المصلحة وإذا تركت جلبت المفسدة، وقد ناقش الشيخ البوطي محاولات بنتام في كتابه أصول الشرائع وستيوارت ميل وذكر كيف انتهى بهما الأمر إلى الاعتراف بأنه لا يمكن وضع قانون عامّ للمصالح.

إذاً فالقضيّة أن أصحاب هذه الدعاوى يريدون منّا في الحقيقة نبذ الكتاب والسنّة وترك الغبار يتراكم عليهما، ثمّ استبدال أحكامهما الثابتة بقوانين وضعيّة سرعان ما يلاحظ عدم ملاءمتها للواقع فيسعون إلى تغييرها وهكذا لا إلى نهاية. فأين سيصل بهم المقام في البعد عن الشرع الحنيف.

يتبع..

بلال النجار
17-12-2003, 15:58
متابعات...

ويغالط فادي فيقول إن جميع الأحكام الشرعيّة بلا استثناء يمكنها أن يطرأ عليها التغيير، ويلاحينا حتّى في أركان الإسلام، اسمع إليه يقول: (الكلام في مطلق الأحكام الشرعية، أما مسألة الصلاة فالدليل القطعي أن الله فرض الصلوات الخمس لحكمة ومصلحة ولم يفرضها عبثا ومن غير فائدة، فإذا سلمت هذا فلا شك أنك ستسلم أن الحكمة والمصلحة قبلة أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء كانت بعدم فرضها وإلا لفرضها الله قبل ذلك لأن أفعاله حكيمة وأحكامه تحقق المصالح. ثمَّ الله جلَّ وعلا لم يخبرنا عن الحكمة والمصلحة من عدم فرضه الصلاة قبل الإسراء والمعراج ولا هو أخبرنا عن الحكمة والمصلحة من فرضها بعد ذلك، ثم بعد انقطاع خبر السماء كيف لي أن أعرف إن كانت الحكمة والمصلحة من الصلوات الخمس باقية إلى هذا الزمن أم لا، فإن كانت الحكمة والمصلحة لم تصلح لفرض الصلوات الخمس قبل الإسراء مدة 12 سنة فكيف لنا أن نجزم أن الحكمة والمصلحة مازالت مستمرة إلى الآن؟) اهـ

فيا فادي إن الله تعالى يقول: (إن الدين عند الله الإسلام) فما هو هذا الإسلام الذي يتكلّم عنه ربّنا سبحانه في هذه الآية، ما نوع (ال) في قوله الإسلام. ويقول تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)، ويقول تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكّيتم وما ذبح على النّصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)
ويقول تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين)، ويقول تعالى حكاية عن الجنّ: (وأنّا منّا المسلمون ومنّا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحرّوا رشداً * وأما القاسطون فكانوا لجهنّم حطباً)، وقال تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون)، وقال: (وأمرت لأن أكون أوّل المسلمين).
عن أيّ إسلام يحدّثنا الله تعالى في هذه الآيات، أوليس هو الإسلام الذي قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم إنه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمّداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً. وهذه الأركان معلومة من الدين بالضرورة متواتر وجوبها على كلّ مكلّف شرعاً. فكيف تقول إنه يجوز أن تسقط هذه الأركان ومع ذلك تسمّي ما يبقى بعد سقوطها إسلاماً. وأريد أن أسألك سؤالاً سألتكه من قبل وأعيده بصيغة أخرى:
أرني حكماً شرعيّاً واحداً ثابتاً في الشريعة كيف تتغيّر المصلحة على مرّ الزمن بحيث تقتضي أن لا يعود في هذا الفعل مصلحة بل مفسدة. كيف اقتضت المصلحة مثلاً ترك الحجاب، أو ترك الصلاة؟ وحين سألتك أوّل مرّة عن ذلك، أجبت بكلامك السابق أنّك لا تجزم بأن الحكمة والمصلحة من الصّلاة ما زالت موجودة. فهب أنّ المصلحة والحكمة من الصلاة ما زالت موجودة فماذا سيكون مصيرك يوم القيامة؟ ألم تقرأ قول الله تعالى: (فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، وقوله: (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ)، وقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)، وقوله: (وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)، وقوله: (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وقال: (قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ)، وقوله تعالى حكاية عن يحيى: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) فهذا يحيى أمره الله بالصلاة طيلة حياته بقيت الصلاة فيها مصلحته وفيها حكمة الله تعالى، وقوله: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، وقوله: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، وقوله: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) وقوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)، وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقوله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) فالله تعالى يبيّن فائدة لا تنقطع مهما تطاول الزمن لأنّ الفحشاء والمنكر لن تنقطع من ابن آدم إلى يوم القيامة ومن شأن الصلاة أن تنهى العبد عنهما. فأجبنا يا فادي بأصول الفقه التي تتقنها وترغب عن تعليمنا إيّاها في مقام المناظرة، كيف فهمت من هذه الآيات أن الصلاة يمكن أن لا تكون واجبة على المكلّفين طالما هم على قيد الحياة. أو كيف ترى إمكان انقطاع المصلحة من فعلها أو لحوق المفسدة بفعلها فيرفع عنها حكم الوجوب.
وحين سألتك يا فادي ما هو دليلك على سقوط التكليف عنك فلعلنا نقيم الحجّة على الله تعالى فنعرف ما نجيب حين نسأل عن تركنا للتكاليف الشرعيّة؟ أجبتني بهذا الجواب، مستنكراً علي: (مثلك يقيم الحجة على الله؟ ما أظن أن بوسعك فعل هذا فلله الحجة البالغة ولو شاء لهداكم أجمعين)
فهل هذا يا فادي هو النمط من الجواب العلمي الذي تطالبني بأن ألتزم به. إن الله تعالى يقول: (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربّه إنه لا يفلح الكافرون)، ويقول: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، ويقول: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرّسل وكان الله عزيزاً حكيماً). فإني ما قلت شيئاً أذمّ به شرعاً، ولا طالبتك بمحال، أما إجابتك هذه فما هي إلا التفاف على السؤال وتهرّب من الإجابة وكم تفعل ذلك وكم تغالط يا فادي وتوهم القارئ أن كلامي متهافت ويكون ردّك غير متوّجه أصلاً على محلّ الكلام. وحين سألتك: (إن كان التكليف ساقطاً عنك فلم تتكلّف عناء حمد الله والصلاة والسلام على نبيه، والكلام في الدّين. لماذا تهتمّ بالقرآن وفهمه؟ وماذا يعنيك من ذلك؟) لأن هذه تكاليف شرعيّة وأنت تقول بسقوطها، أجبتني مستنكراً حتى حسبتُني قلت هذا الكلام أمام مولانا الجنيد رضي الله عنه، فقلتَ: (عناء حمد الله والصلاة والسلام على نبيه؟ والله ما أظن هذا الكلام يخرج ممن خالط قلبه لذة حمد الله والصلاة على رسوله، فإن كان ذلك عناء عندك فهو على صدري أبرد من الثلج وفي قلبي أحب من الأهل وعلى لساني أحلى من شهد العسل، وهل لغير حبي لله عانيتُ في حياتي أصعب ما عانيت؟ فحمداً له على كل حال وفي كل زمان، فإن كان من أحد يحبُّ لذاته فهو هو لا إله إلا هو)، أفتزايد عليّ في الدّين بدل أن تجيبني عمّا سألتك عنه، وهو أنّك تقوم بكلفة شرعيّة، فإذا سقط التكليف عنك فلم تتكلّف عناء ذلك؟ فأجبني لم صلّيت على النّبيّ والتكليف عنك ساقط؟ فهزئت بي بهذه المزايدة الفارغة كأنّ الدّين اختلط بلحمك ودمك فلم تعد تشعر بالكلفة حين تقوم بالواجبات الشرعيّة، وأنت ما زلت لم تأت بعد بأوجب الواجبات وهو معرفة الله تعالى بالمنزلة، فتجيز في حقّه تعالى الكذب وتحتمله بالفعل في بعض الآيات. فلا تزكّي نفسك يا فادي، فإن الله تعالى يزكّي من يشاء.
ومرّة سألناك فقلت لعلّي أقصد أن التكليف ساقط عن المجانين أو شيء من هذا القبيل، فافهموا ما أقول بأصول الفقه. فهذا جواب من لا أدري إن كان يستهبلنا أم هو بالفعل مقتنع بما يقول. فإنا نفهم من هذه العبارة يا أبا اللغة العربيّة وأصول الفقه، أن التكيف كان ثابتاً ثمّ سقط، وهذا يتناول كلّ تكليف، والأصل فهم الكلام بدون تقدير محذوف، فيصير المعنى أنك تحمد الله تعالى على أنّه رفع التكاليف الشرعيّة بعد أن كان قد وضعها، فمن أين عرفت ذلك والشريعة مليئة بالتكاليف الشرعيّة والتكليف الشرعيّ معلوم من الدّين بالضرورة؟ ثمّ لو كان في الكلام شيء محذوف فيجب أن تدلّ عليه القرائن. ولم يكن لدينا سياقات لنفهم كلامك فسألناك ماذا تقصد بذلك، إننا نرى الكلام مشكلاً، فقلت افهموها بأصول الفقه. وها نحن نفعل. فبعد ما علمنا ما علمنا من مقالتك وسألنا الناس عن أحوالك، ورأينا ما رأينا من بعضها. فإني قد سمعتك يوماً بأذني تقول: (.. إن التكليف ساقط عنّي ... وإنني أعتقد أنني لست مكلّفاً...) ورأيتك وقد أذّن المغرب فصلّينا وأنت لم تحرّك ساكناً أنت، ثم دخل وقت العشاء. فهل تكفي هذه القرائن أن نفهم أنّك تقصد فعلاً ما فهمناه منك. وبعد أن غلب على الظنّ أنّك فعلاً كذلك، سألناك كيف عرفت ذلك، فبدأت تزايد علينا في ديننا، وتتهرّب من الجواب. ومع أنّ المكتوب مقروء من عنوانه كما يقولون وأظنّ أني أعرف ماذا ستكون حجّتك، ولكنّا نحب أن نستمع إليها، فلعلنا نقتنع بها فنترك التكاليف، وإن لم نفعل ذلك، فعلى الأقلّ نعلم ما هي حجّتك في ذلك، فالمرء يعيش حياته وهو يتعلّم.

وما أردنا أن نبلغ إلى هذا المبلغ في الكلام، ولكنّ للحديث شجونا. وكلّ ما أردنا التنبيه إليه في هذه المقالة هو أنّا لو سلمنا أن علّة كلّ حكم شرعيّ هي مصلحة مجموع العباد بحيث إذا انتفت تلك العلّة الموجبة ارتفع الوجوب، أو المحرّمة ارتفعت الحرمة وهكذا. فإنه يعترض عليه بما يلي:
- إن القطع بأن المصلحة علّة كلّ حكم شرعيّ ليست بالأمر الهين، ومدّعي ذلك عليه أن يبرهن عليه. وفادي ادّعاه ولم يبرهن عليه فلا يقبل قوله بلا دليل.
- إن اعتبار المصلحة علّة لكلّ حكم بحيث تعرّف الحكم كما بيّناه يستدعي معرفة قانون عامّ للمصلحة، وهو مما احتار فيه البشر، ولا نعلم أحداً من النّاس استطاع أن يكتشف هذا القانون العام الذي تصلح به أحوال المجموع، فعلى من يدّعي أنّه يعرفه أن يأتي به، ويثبت أنّه كذلك. فإذا كان تقدير المصلحة مختلفاً فيه فإنه يبعد جدّاً أن يسلّم العقلاء لبعضهم ما تتفتق عنه أذهان البعض. وفادي لم يأتنا بشيء من ذلك.
- إن المصلحة في الشريعة يعتبر فيها أحوال النّاس في الآخرة، واعتبار أمر الدنيا دون اعتبار أمور الآخرة وهي الحيوان كما قال الله تعالى عنها، وهي الحياة الحقيقية والأهم بالنسبة للمؤمن، يجعل من تقدير المصلحة من البشر أمراً عسيراً جدّاً. فالله تعالى قد يوجب أحكاماً لا يعلم البشر الحكمة من ورائها، ويكون فيها صلاح أمورهم الدنيويّة والأخرويّة، فمن أين يعرف الإنسان المصلحة في رفع إصبعه في التشهّد أو في تقبيل الحجر الأسود أو الإشارة باليد نحوه، أو السجود ثنتين بدلاً من ثلاثة ولو أردت أن أعدّ في العبادات وحدها لعددت حتّى سئمت العدّ.
- إن الانتقال من حكم شرعيّ ثابت بدليل قطعيّ إلى حكم آخر يختاره الناس ظنّاً منهم أنّ فيه المصلحة، لهو غاية الضلال. لأنّ ظنّهم المصلحة في فعل ما مقابل الدليل القطعيّ على حرمته ما هو إلا ترجيح للدليل الظنّي على القطعيّ. وهو غير جائز. وقول فادي بالمعنى (.. نظنّ وليس هنالك إشكال في أن نخطئ، فإن الرسول المعصوم أخطأ...) لهو من السخف بمكان بحيث لا أجد كلاماً أردّ به عليه، وإنه والله لقول كبير أدعوه أن يراجع نفسه فيه.
- إن الإجماع والقياس عندنا مستندان إلى أصل شرعيّ، ولكنّ مقدّري المصلحة حين يهملون الأدلّة الشرعيّة وينظرون بعقولهم لبلوغها، وحتّى على تقدير اتفاقهم على معرفتها، فلا يستطيع أحد أن يعتدّ باتفاقهم. وسيكون أشبه بإجماع الكونغرس الأمريكي أو مجلس العموم البريطاني على سنّ قانون معيّن، فلا اعتبار به شرعاً. لا يقال لا تشابه بين الحالين لأنا مسلمون وأولئك كفرة. لأنّا نقول: لا يعتد بإجماع إن لم يستند إلى دليل شرعيّ سواء كان من مجتهدي المسلمين أو من غيرهم. على أنّا نقول إن مجتهدي الأمّة لا يمكن أن يحصل بينهم هكذا اتفاق بلا أصل من الشريعة.
- إن الأدلة في القرآن والسنّة كثيرة جدّاً على وجوب اتباع أوامر الله ورسوله، فما معنى هذا الاتباع إذا تركناهما وراءنا ظهريّاً وأخذنا برأينا فيما يعرض لنا من الأمور. فذلك يؤول بنا إلى في نهاية المطاف إلى أن لا نحمل من الإسلام الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلّم سوى اسمه.
- أنا لا نسلّم أن المصالح المقترنة ببعض المأمورات الشرعيّة أنّها تتغيّر، فليس صحيحاً أنّ كلّ مصلحة فهي متغيّرة. وغاية ما سيفعله الذين سيفكرون في معرفة المصلحة أنهم سيحاولون الاستدلال على قولهم، ومهما بلغت أدلّتهم فلن تقوَ على معارضة النصّ القرآنيّ المتواتر فيها. إذ الخبر اليقينيّ هذا سبب للعلم، فكيف يجرؤ أحد أن يقول إنه لم يعد في الصلاة مصلحة، والله تعالى يقول إنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. ما نوع الدليل الذي يقابل به كلام الله القطعيّ الدلالة هذا ويظهر به عليه.
يتبع......

وقد كانت هذه الكتابة إيذاناً منّي بانتهاء مهلتي التي أمهلنيها فادي مشكوراً، وقد انقضت ثلاثة الأيام التي طلبتها، فأرجو من الله أن يوفّقني في أن أكمل ما بدأت من الردود والكتابة. وأريد من فادي أيضاً أن يتابع حديثه الذي بدأه، فقد وصلنا في حوارنا إلى نقطة لم يجبني بعد عليها.

والحمد لله ربّ العالمين

fadilov
18-12-2003, 23:42
آخر ما أجيب به على كلام الفاضل بلال

قلتَ (أقول: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء. فالعام قد يكون ....واعلم أنّ الآية مجملة وعلى ما اخترته أنت من تساوي الأدلّة.... فصار قوله تعالى (من يعصِ) الآية، مستغرقاً لكلّ صاحب معصية، ومتردّداً بين دليلي تخصيص متساويين على قولك. ... ولكن على أي حال فهذه مواضع لفتت نظري في آخر ما كتبت: )

بعد أن قررت كيف تكون الآية مجملة، لا أملك إلا أن أعتذر منك فأنا لا أريد مناظرة من لا يحسن تطبيق مبادئ علم أصول الفقه وأنا أتكلم عن المبادئ لا عن المستوى الأعلى بقليل، على أني سأبين ختاما الخلط اللذي وقعتَ به ليعرفَه من لا يحسن النظر في علم الأصول ممن يقرأ كلامنا من الأفاضل.
أقولُ: لو سلم لي الفاضل بلال أن الآية مجملة على الوجه اللذي أوردتُهُ لسقط بعض كلامه في الدفاع عن أصول الفقه، إلا أن وجه الإجمال اللذي يقول به مختلف تماما عن وجه الإجمال اللذي أقول به وعليه فهو يغالط مغالطة بينة، وهذا إن دلني على شيء فإنه يدلني على أنه لا يحسن تطبيق علم الأصول، وقد توهم الفاضل بلال أني أقول إن الآية ظاهرة ثم هذا الظاهر مخصوص بدليلين منفصلين متعارضين، وهو ما لم أقلهُ ولا خطر لي على بال لكن قصور تمكنه من مبادئ الأصول أفهمهُ هذا، أنظر إليه يقول: (فأنا أقول بأن قوله تعالى: (من يعص... فإن له نار جهنم خالداً فيها) عام أريد به خاص هو الكافر، وأنت تجيز ذلك وتجوّز معه أيضاً كون الكلام عاماً أريد به الكافر وفاعل الكبيرة، لأنّك ترى تساوي أدلة التخصيص التي عندنا مع التي عند المعتزلة. فصار قوله تعالى (من يعصِ) الآية، مستغرقاً لكلّ صاحب معصية، ومتردّداً بين دليلي تخصيص متساويين على قولك. وهذا نوع من العام علم قطعاً أنه قد خص منه بعضه، ولكن بقي المخصوص منه مجهولاً لكونه محتملاً، فيسمّى مجملاً.) فأين هي أدلة التخصيص اللتي عند المعتزلة؟ إن المعتزلة لا يحتاجون إلا دليل تخصيص لأن عموم الآية يشمل مرتكب الكبيرة وهي ظاهرة في هذا. ودليل التخصيص اللذي يحتاجون إليه هو ما يخرج مرتكب الصغيرة وهو ليس متعارضا مع دليل تخصيص أهل السنة بل هم متفقون في ذلك. فلا يوجد دليل تخصيص أقول به ودليل تخصيص مخالف يقول به أهل السنة حتى نحتاج إلى آية أخرى ترفع إجمالا لا أصل له وترجح أحد أدلة التخصيص. إذا تبين هذا فإن وجه الإجمال عندي أن آية (ومن يعص) ظاهرة في مرتكب الكبيرة وهذا الظاهر معارض بظاهر آخر وهو (ما دون ذلك) فتكون كل آية معارضة بالأخرى، وكل آية تدل بالظاهر على معناها فلا نستطيع الترجيح بين الظاهرين، وكذا لو أردنا النظر في كل آية تتكلم عن حكم مرتكب الكبيرة في القرآن، وعليه فتطبيق قواعد أصول الفقه لا ينفع لحل الإشكال. ومن قرأ كلامي في الأجوبة السابقة بان له هذا بوضوح.

أما قولك أن العموم يمكن أن يكون مجملا ردا على قولي إن العموم لا يمكن أن يكون مجملا ثمَّ قولك: (وإن ثبت لك جواز ذلك، فجد لنفسك ألفاظاً لائقة تخرجك من هذا الموقف الذي تضع نفسك فيه) فهذا الموقف اللذي يريدني أن أخرج منه موجود في عقله لا في كلامي، وما ذلك إلا لعدم فهمه لمرادي فأنا لا أتكلم عن مطلق العموم وإنما أتكلم عن العموم في الآية اللتي هي محل الحديث وسياق الحديث عن الآية، فالعموم هنا لا يمكن أن يكون مجملا على الوجه اللذي قررهُ هو، وأنا أتكلم عن مبادئ الأصول لا عن المستوى الأعلى بقليل كما توهمَه، وأما المستوى الأعلى بقليل وأن من العموم ما يمكن أن يكون مجملا فكنت أدرسه لطلبة في سن 16.

أما قولك: (قول فادي: (ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة) أقول: حقّ كلامه أن يكون (..يفهم منه أنه يمكن أن يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمها) وهو قول أهل السنّة....)

فأنا قصدت ما كتبتُ، ولكن يبدوا أن الفاضل بلال لم يفهم ما قرأ، فأنصحه أن يعيد القراءة ويتأمل في الكلام، فإن بقي غير فاهم فليسأل من يفهم العربية ويحسن فهم مذهب أهل السنة أن يفهمَهُ، وعذرا منهُ فأنا لست في مقام تعليم كيف يفهم المرء ما يقرأ أو تعليم مذهب أهل السنة.
وقولك إني لم أدقق فيما نَقلتَهُ من مذهب أهل السنة (الأشاعرة) وكلام الإمام النووي فأنا اللذي أعرف مذهبهم في المسألة، ومن مذهبهم أنهم يجيزون أن يضع الله ماركس ولينين وستالين في الجنة من غير عذاب عقلا وشرعا بل وكذلك أن يضع شامير وشارون وغيرهم من أئمة الكفر في الجنة من غير عذاب، وكل من لم ينص الله عليه بالاسم أنه خالد في نار جهنم، وفي ذات الوقت يجيزون أن يضع الله الإمام الرازي والإمام الغزالي والسنوسي بل والإمام مالك والشافعي في نار جهنم خالدين فيها أبدا عقلا وشرعا، ولماذا أذهب بعيدا فإن الإمام النووي اللذي ينقل الفاضل بلال كلامه محتجا به يمكن أن يخلد في نار جهنم كذلك وكذا كل أحد لم يخبرنا الله أنه من أهل النجاة. تأملوا يا عباد الله. هذا المذهب اللذي إذا نظر إليه أصحاب العقول السليمة فسيجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً على حد تعبير الفاضل بلال. كم هو سائغ هذا الفهم للإسلام -ولا اقول الإسلام- عند ذوي العقول السليمة! وأنا أعلم أن المناظرة العلمية لا تكون بمثل هذه الحجج، لكن هذا هو مذهب الأشاعرة حقيقةً وبمثل هذه الحجج أكمل الفاضل بلال مناقشته.

وقولك (أقول: أما أنا فما فهمته من كلام الزمخشري فقد قلت لك بعضه في مقالي.... ثم هل تلتزمه على مذهب المعتزلة عموماً أو حتّى على مذهب الزمخشري خاصّة؟ )

لا حاجة لي بعد الآن أن أجيب عن هذه الأسئلة، فالإجابة عنها لا تقدم ولا تأخر بعد الآن.

أما قولك: (فأقول: من يقرأ تقريرك لهذا الإشكال يا فادي، ألا يفهم أنّك توافق على أنّ القرآن الكريم مبين. فهل يمكنك أن تشرح لي تعجبك مرّة من قولهم بأن السنة تبيّن القرآن لأنه مبين بنفسه، ثمّ استنكارك عليّ قولي بأنّك توافقني بأن القرآن مبين؟ وحين أعود إن شاء الله قريباً للكتابة سأريك عدداً لا بأس به من المواضع في كلامك، والتي أقلّ ما يقال فيها أنّها مشكلة. )

المشكلة عندك هي أنك لا تفرق بين الأصلين اللذين تعتمد عليهما المقالة في إثبات مدَّعاها، فإنا حين أناظر مستخدما أصول الفقه لبيان قصور الأصول ألتزم المقرر في علم الأصول وقواعد الاستدلال فيه فألتزم أن القرآن مبين لبيان فساد الأصول وتناقضها، وهذا الكلام ستجده بالقسم الأول من المقالة، أما عندما أريد أن أبين ما يجب أن يضاف حتى يفهم النص فهما صحيحا فأنا لا ألتزم بالقواعد المقررة في علم الأصول، لهذا ستجدني أتكلم عن عدم بيان القرآن إن أهملنا فهمه بناءا على الثقافة وغيرها وهو ما ستجده في القسم الثاني من المقالة.

هذا آخر ما أجيب به عليك أيها الفاضل على أي حال كنت مترددا بين أن أكمل المناظرة معك بعد اللذي رأيته من عدم تمكنك من أصول الفقه، وبين أن أستقيل من مناظرتك وزاد ترددي أنك أبنت بوضوح ضعفك في تطبيق حتى مبادئ الأصول وذلك في جوابك هنا وأضفت إلى هذا مصيبة أخرى وهي أنك بدأت تشتت الكلام بأخذك نُتَفا من هنا وهناك، دون أن تركز الكلام في مسألة معينة كما طلبتُ منك، والعجب أنك كنت تشكو من تشتيت الكلام وتشعيبه، ثمَّ رأيتك تتقصد فعل ذاك، ولم أزل مترددا حتى قرأت آخر مشاركتين لك، واللذي يظهر فيهما عظيم تخبطك فقد تركت الأسلوب المرضي بالمناظرة وذلك بأن تورد أقوال الخصم متتالية ثم تردُّ عليها تباعا، وسلكت أسلوبا أقرب ما يكون إلى الخطابة، فأوردت كلاما عاما، وأجبت عن أشياء لم يوردها الخصم أصلا، وقررت حجة الخصم بغير ما قررها هو، وأخذت تورد أقوالا للخصم من هنا وهناك وتجيب عنها من غير أن تضعها في سياقها اللذي يبرز قوة الحجة فيها، وأعجب من ذلك أنك تورد حجة الخصم وتعلق عليها من غير أن ترد على وجه الاعتراض ومحله، ورأيتك تتكلم عن مسألة الحجاب وليس هذا محل الكلام عنها ولو سلَّمت أنه محله فليس هو وقت الكلام فيها، وليتك تكلمت بشيء جديد غير مجاب عليه في مقالة الحجاب، لوجدت لك شيئا من العذر عندها. وبدأت الحديث عما أراه أمورا شخصية لا يبنى على معرفتها قيمة علمية ولا يَحسُن الكلام فيها، وتتكلم عن بنات الجامعات والجنس على الإنترنت وفوائد البنوك ، وغيرها من الأشياء مما لا شأن لنا به.
فبعد كل هذا عزمت على الاستقالة من مناظرتك وعذرا منك، وأعتذر من الأستاذ اللذي حثني على مناظرتك، وإن كان من الأخوة الأفاضل في هذا المنتدى أحدٌ يحسن الكلام في الأصول وتطبيقها ويحسن المناظرة، ويخالفني فيما قررتهُ، فيسعدني أن أكمل المناظرة معه.

والحمد لمن استحق الحمد أزلا فما ثمَّة إلا هو.

جلال علي الجهاني
19-12-2003, 00:40
ما أراه أنا العبد الضعيف جلال، أن المثل العربي القائل: رمتني بدائها وانسلت، ينطبق عليك أخ فادي .. فأنت لم تطرح مسألة واحدة للناقش، وإنما طرحت قضية كلية، وكنت في كل مرة تشير أو تطرح مسألة من مسائل الاعتقاد .. فحق من يجيبك أن يبين هذه المسائل في مجال التعليم ..

أما بالنسبة للمناظرة وشروطها، فأنت لم تلتزم بأي شرط منها، فلم تكن المعلل ولا السائل، ولم تلتزم بالبحث في مسألة واحدة .. وما أراده محاورك هو بيان المسائل، ولعله يستمر في ذلك، ليس لك ولكن لغيرك

والله المستعان

بلال النجار
20-12-2003, 12:24
بسم الله الرحمن الرحيم
يا فادي إن كنت تريد ترك الحوار فانصرف لشأنك، وإن كنت تودّ الاستمرار فلا داعي لهذه الأساليب البائسة وكل هذه الزيطة والتهويل، وتذكر حديث العصفور الذي يكثر من الصياح حين يقبض عليه، فها أنت لا تحسن غير ذلك. ولو أردنا أن ننهي الكلام معك لأنهيناه في بدايته ملزمين إياك بالسفسطة وإنكار البدهيات، ولكنّا نحن من صبر عليك.

فإذا قرأت جيّداً ما كتبته من البداية حتّى بلغنا هذا الموضع تجدني تكلّمت عن هذه الآية عدّة مرّات. وتجدني أصلاً لا أقول بأنها آية عامّة في كلّ صاحب كبيرة. وهذا ما ذكرته لك في أوائل الرّدود. وقد أشرت عندها إلى أن الوعيد في هذه الآية لا بدّ أن يكون متناولاً صورة ترك التبليغ الواقعة في سياقها، ولا شكّ أن ترك التبليغ عن الله تعالى من الرّسل لو تصوّر وقوعه لكان من أعظم الذنوب، لأنّ الذنوب المتفاوتة في الصّغر والكبر معلوم بالضّرورة أنّه لا يكون عقوبتها متساوية. فإذا ثبت أن الخلود يسوغ أن يكون على هذا الذّنب العظيم، وثبت أنّ ما كان عقوبة على هذا الذّنب فلا يكون عقوبة على جميع الذّنوب، علمنا أنّ هذا الحكم مختصّ بهذا الذّنب وغير متعد بهذه الآية إلى جميع الذّنوب.
واعلم أنّي إنما جاريتك في أن الآية عامّة تتناول كلّ مكلّف مجرّد مجاراة بعدما قلت مذهبي أوّلاً فيها، وما ذلك إلاّ لألزمك بلوازم قولك. وإلاّ فإنني لا أسلّم ابتداءً أن صيغة (مَنْ) في سياق الشّرط تفيد العموم لجواز دخول لفظتي الكلّ والبعض عليها، ولو كانت تفيد الاستغراق فعلاً لكان دخول كلّ عليها تكراراً، ودخول بعض عليها ينقضها، وليس الأمر كذلك.
فثبت أن جميع العمومات الواردة بصيغة من في معرض الشرط لا تفيد العموم بذلتها. والحقّ أن هذه الصيغة وصيغة الجمع المحلّى بأل في كتاب الله تعالى جاءت والمراد منها تارة الاستغراق وأخرى البعض، وأكثر العمومات في الكتاب العزيز مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في المشترك بين العموم والخصوص، وذلك بحمله على الأكثر من غير بيان أنّه يفيد الاستغراق أو لا يفيده.
ثمّ إن هذه الصيغة لو أفادت العموم إفادة قطعيّة لاستحال إدخال التأكيد عليها لأن ذلك يكون عندئذٍ تحصيل الحاصل، وهو محال. فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم.
ولمّا جاريتك في كونها عامّة بعد عدم تسليمي بذلك، كان عليك أن تفهم أن جواباتي عليك فيما احتججت به مبنيّة على تسليم كونه عامّاً لغاية الإلزام لا التحقيق.
وإني أرتّب لك الاعتراضات على استدلالك بعموم الآية كما يلي:
أولاً: لا نسلّم أن من في معرض الشرط تفيد العموم، وانظر ما تقدّم، فلا يتمّ استدلالك.
ثانياً: سلّمنا أن من تفيد العموم؟، ولكنّ إفادتها للعموم إما أن تكون قطعيّة أو ظنيّة. الأوّل باطل لأنّه معلوم أن أهل اللسان كثيراً ما يعبّرون عن الأكثر بلفظ الكلّ والجميع على سبيل المبالغة، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام: (وأوتيت من كلّ شيء). فإذا كانت هذه الألفاظ تفيد العموم إفادة ظنيّة لم يجز التمسّك بها لإثبات مسألة قطعيّة لا سيّما عند المعتزلة الذين جعلوها أصلاً من أصول الدّين.
ثالثاً: سلّمنا أنها تفيد العموم إفادة قطعيّة، ولكن يشترط أن يوجد شيء من المخصّصات لهذا العموم، فإنا وإياك متفّقون على جواز تخصيص العموم. فلماذا يتمسّك من يخالفنا بهذا العموم ويرفضون تخصيصه حين يريدون إثبات ما حكم به على العام على بعض ما اندرج في ضمنه؟ ثم نراهم يلجأون إلى التخصيص بعد ذلك لرد الاعتراضات على دليلهم. فلم لا يقبلون بتخصيص أهل السنّة لهذه العمومات وهي مخصّصات معتبرة؟ وقد ذكرت لك في أكثر من موضع أن آيات الوعيد مخصوصة بآيات الوعد. وإن نسبة آيات الوعد إلى آيات الوعيد هي نسبة الخاصّ إلى العام، والخاصّ مقدّم على العامّ، فالترجيح معنا.
رابعاً: سلّمنا أنّه لا يوجد مخصّص لتلك العمومات لكن عمومات آيات الوعيد معارضة بعمومات آيات الوعد، ولا بدّ من الترجيح لاستحالة التعارض على الحقيقة. وهذا الترجيح معنا لوجوه: الأوّل كثرة آيات الوعد على آيات الوعيد كما قلناه وذلك معلوم لمن يتدبّر القرآن، والثاني: أنّه قد اشتهر في الأخبار أنّ رحمة الله تعالى سابقة على غضبه وغالبة عليه، فكان ترجيح عمومات الوعد أولى من هذه الجهة، والثالث: أن الوعيد حق الله تعالى، والوعد حق العبد على قول المعتزلة وقولك بالاستحقاق والاستئهال، وحقّ العبد أولى بالتحصيل من حقّ الله تعالى.
خامساً: سلمنا أنه لا يوجد معارض، ولكنّا نقول إن هذه العمومات نزلت في حقّ الكفّار، فلا تكون قاطعة في عمومها لجميع المكلّفين. فإن قيل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قلنا: هب أنّه كذلك، ولكن لمّا رأينا كثيراً من الألفاظ العامّة وردت في الأسباب الخاصّة، وأنّ المراد تلك الأسباب الخاصّة فقط، علمنا أنّ إفادتها للعموم لا يكون قطعيّاً. فهذه جملة الاعتراضات المتوجهة على الاستدلال بعموم الآية، كنت قد نثرت أغلبها في أثناء كلامي معك. رتّبتها ههنا لك على وجه حسن، فرّدها إن استطعت على الترتيب وبأدلّة معتبرة، لننظر ماذا ستقول يا فحل الأصول.
أمّا ما جاء في كلامك الأخير فجوابه ما يلي:
قولك: (وقد توهم الفاضل بلال أني أقول إن الآية ظاهرة ثم هذا الظاهر مخصوص بدليلين منفصلين متعارضين، وهو ما لم أقلهُ ولا خطر لي على بال)
أقول: إني لم أتوهم ذلك، بل إنّك بنصّ كلامك تقول إن المعتزلة يحتاجون إلى دليل تخصيص. ولا أدري ما هو المقصود من سؤالك: (فأين أدلّة التخصيص التي عند المعتزلة؟) حال كونك معترفاً باحتياجهم لدليل تخصيص يخرج صاحب الصّغيرة ليتمّ استدلالهم بالعموم!!
أمّا أني لم أتوهّم فلأن أهل السنّة حين سلّموا العموم على نحو ما ذكرناه أوّلاً، قالوا إنّها مخصوصة بآيات الوعد. والمعتزلة لا بدّ أن يكون لهم أدلّة تخصيص لإخراج صاحب الصغيرة من أن يحكم عليه بالخلود في النار. وقولك: (لا يوجد دليل تخصيص أقول به، ودليل تخصيص تقول به المعتزلة) غير صحيح، إذ دليل أهل السنّة أخرج صاحب الكبيرة والصغيرة وأبقى الكافر، ودليل المعتزلة أخرج صاحب الصغيرة فحسب، وهذان دليلان وليسا دليلاً واحداً. وهما متعارضان. وحتّى لو كان احتجاج الفريقين بنفس الآية المخصصة لهذا العموم، فإن النظر إليها وقع من جهتين مختلفتين، بحيث حصل بها تخصيصين مختلفين، وهاتان حجّتان وليستا دليلاً واحداً. وما قلته من أنّ دليل السنّة نفسه متفق عليه بين الفريقين، بحيث استعملته السنّة لإخراج صاحب الصغيرة والكبيرة، واستعملته المعتزلة لإخراج صاحب الصغيرة فقط لا يفيدك. لأن التعارض وقع بين ما فهمه كلّ واحد من الفريقين بحيث استدلّ به كلّ فريق على شيء مختلف. ولو كانا دليلاً واحداً كما تدّعي لاتفق الفريقان إما على قول السنّة أو على قول المعتزلة بعد اتفاقهما على عموم الآية. والحال ليست كذلك. فعلم منه اختلاف دليليهما. ولا معنى لتساوي قوّة أدلّة الفريقين بحسب قولك عند تسليم السنّة لعموم الآية إلا أنّ أدلّة تخصيص الفريقين في نفس القوّة. فعاد الكلام في أن هذه الآية مجملة فيجب ردّها إلى أخرى ظاهرة. وهذا مجرّد إلزام لا أكثر، فأنا لا أقول بعموم الآية أصلاً كما هو معلوم من أوّل كلامي فيها. وأنت تماديت في التشنيع علينا بلا موجب. فلا أدري لماذا كلّ هذه الزيطة التي أحدثتها كأنّا أجرمنا، فإنك بكلامك هذا لم تثبت بأن الآية ليست مجملة على المعنى الذي قلته أنا. وأنا ما زلت مصرّاً بأنه إذا سلّمت لك عموم (مَن) وكلّ ما ذكرته أوّلاً قاطعاً معك بأنها تتناول المؤمن والكافر، فقد خرج بها بالتخصيص فاعل الكبيرة والصغيرة وبقي الكافر، والمعتزلة قالوا بل خرج بالتخصيص فاعل الصغيرة فحسب، فهذان دليلان متعارضين متساويين في القوّة تواردا على عامّ فتبقى الآية مجملة في حكايتها لقول كلّ واحد من الفريقين.

قولك: (فإن وجه الإشكال عندي أن آية (ومن يعص) ظاهرة في مرتكب الكبيرة وهذا الظاهر معارض بظاهر آخر وهو (ما دون ذلك) فتكون كل آية معارضة بالأخرى، وكل آية تدل بالظاهر على معناها فلا نستطيع الترجيح بين الظاهرين، وكذا لو أردنا النظر في كل آية تتكلم عن حكم مرتكب الكبيرة في القرآن، وعليه فتطبيق قواعد أصول الفقه لا ينفع لحل الإشكال).
أقول: إذا استطعت أن تجيب على الاعتراضات التي أوردتها على استدلالك بالعموم، وبلغت رابعاً، وسلّمت لك كلّ ما ذكرته دونه، فإن الجواب على ترجيح الظاهر على الظاهر يكون بما قلته هناك.

قولك: (فالعموم هنا لا يمكن أن يكون مجملا على الوجه الذي قررهُ هو، وأنا أتكلم عن مبادئ الأصول لا عن المستوى الأعلى بقليل كما توهمَه، وأما المستوى الأعلى بقليل وأن من العموم ما يمكن أن يكون مجملا فكنت أدرسه لطلبة في سن 16)
أقول: بل هو كذلك بتسليم عموم من وتسليم تعارض أدلّة التخصيص كما بينّاه، والوجه الذي ذكرته أنت لردّ كلامي غير صحيح كما بينّاه.

قولك: (فأنا قصدت ما كتبتُ، ولكن يبدوا أن الفاضل بلال لم يفهم ما قرأ، فأنصحه أن يعيد القراءة ويتأمل في الكلام، فإن بقي غير فاهم فليسأل من يفهم العربية ويحسن فهم مذهب أهل السنة أن يفهمَهُ، وعذرا منهُ فأنا لست في مقام تعليم كيف يفهم المرء ما يقرأ أو تعليم مذهب أهل السنة.
وقولك إني لم أدقق فيما نَقلتَهُ من مذهب أهل السنة (الأشاعرة) وكلام الإمام النووي فأنا الذي أعرف مذهبهم في المسألة، ومن مذهبهم أنهم يجيزون أن يضع الله ماركس ولينين وستالين في الجنة من غير عذاب عقلا وشرعا بل وكذلك أن يضع شامير وشارون وغيرهم من أئمة الكفر في الجنة من غير عذاب، وكل من لم ينص الله عليه بالاسم أنه خالد في نار جهنم، وفي ذات الوقت يجيزون أن يضع الله الإمام الرازي والإمام الغزالي والسنوسي بل والإمام مالك والشافعي في نار جهنم خالدين فيها أبدا عقلا وشرعا، ولماذا أذهب بعيدا فإن الإمام النووي الذي ينقل الفاضل بلال كلامه محتجا به يمكن أن يخلد في نار جهنم كذلك وكذا كل أحد لم يخبرنا الله أنه من أهل النجاة. تأملوا يا عباد الله. هذا المذهب الذي إذا نظر إليه أصحاب العقول السليمة فسيجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً على حد تعبير الفاضل بلال. كم هو سائغ هذا الفهم للإسلام -ولا أقول الإسلام- عند ذوي العقول السليمة! وأنا أعلم أن المناظرة العلمية لا تكون بمثل هذه الحجج، لكن هذا هو مذهب الأشاعرة حقيقةً وبمثل هذه الحجج أكمل الفاضل بلال مناقشته).
أقول: إن الأئمة الذين ذكرتهم نحسبهم على الله تعالى في الإيمان والتقوى، والعلم والعمل ونحسبهم ماتوا على ذلك، ونرجو أن يجمعنا الله تعالى بهم في دار السّلام خالدين فيها أبداً شرعاً لا عقلاً، لأنّ الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولأنه وعد عباده الصالحين بدرجات في الجنة ومغفرة وأجر عظيم. ولا نقطع بدخول أحد منهم في الجنّة حتّى نراه من الفائزين إن شاء الله يوم الحساب. وأمّا الكفرة الذين ذكرتهم فمن مات منهم على الكفر كما نظنّه فيمن مات منهم فهو خالد في جهنّم أبداً شرعاً لا عقلاً. وأمّا من لم يمت بعد كشارون فلا نعلم بأيّ أرض يموت ولا ماذا يكسب غداً. ولا نقلق أنفسنا بمصائر العباد، لأنّا نعلم أنّ الله تعالى لا يظلم مثقال ذرّة، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً، وأنّ من يعمل مثقال ذرّة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره.
أمّا أنّك تفهم مذهب أهل السنّة في هذه المسألة أكثر منّي فذلك بعيد جدّاً عن مدى بصرك، واعلم أنّ من يقول إن العبد الصالح إذا مات على ذلك يجوز أن يدخل النار شرعاً فهو حمار. وارجع إن شئت إلى كتابنا التصريح المنشور في موقع الرّازي حيث فصّلت في هذه المسألة لحمار انتقل من مذهب السنّة إلى مذهب الإماميّة وكان لا يفهم ما يقوله في تقرير هذه المسألة على مذهب أهل السنّة. وعلى أيّ حال، فلا حجّة في مجرّد قولك هذا، بل عليك لإثباته أن تنقل النقول عن أئمة مذهبنا أو تلزمهم على أقوالهم بهذه اللوازم وتبيّن أنّ حقيقة مذهبهم هو ما تقول. فافعل إن كنت تقوى عليه لننظر بم ترجع إلينا.
قولك: (لا حاجة لي بعد الآن أن أجيب عن هذه الأسئلة، فالإجابة عنها لا تقدم ولا تأخر بعد الآن)
أقول: هذا احتجاج الخائب. وهكذا أنت في كلّ مسألة تتخبّط فيها فنلزمك نراك تتهرّب بكلام لا يقدّم ولا يؤخّر.
قولك: (المشكلة عندك هي أنك لا تفرق بين الأصلين اللذين تعتمد عليهما المقالة في إثبات مدَّعاها، فإنا حين أناظر مستخدما أصول الفقه لبيان قصور الأصول ألتزم المقرر في علم الأصول وقواعد الاستدلال فيه فألتزم أن القرآن مبين لبيان فساد الأصول وتناقضها، وهذا الكلام ستجده بالقسم الأول من المقالة، أما عندما أريد أن أبين ما يجب أن يضاف حتى يفهم النص فهما صحيحا فأنا لا ألتزم بالقواعد المقررة في علم الأصول، لهذا ستجدني أتكلم عن عدم بيان القرآن إن أهملنا فهمه بناءا على الثقافة وغيرها وهو ما ستجده في القسم الثاني من المقالة)
أقول: المشكلة أنّك لم تستطع أن تثبت أن أصول الفقه قاصرة ومتناقضة، ولا استطعت أن تثبت احتياجها إلى قدر يضاف إليها، وكلّ كلامك في ذلك لم يجاوز توهّمات لا وجود لها إلا في رأسك أنت، وبخصوص القدر الذي تفتقر إليه الأصول فقد سألناك أن تبيّنه وتقرّره بشكل نقاط واضحة وتستدلّ عليه، وأوردنا عليك بخصوصه إشكالات متعدّدة، ولكنّك إما أنّك التففت عليها أو أهملتها، ولم نرك تستدلّ عليها بأدلّة منطقيّة كافية، وثق أنّه لو كان في كلامك أدلة حقيقيّة لوقفنا معها وقفة تأمل طويلة، لا سيّما وقد سلّمنا لك أنه ما من علم حادث بلغ الكمال. ولكنّ طلامك كان ركيكاً مدخولاً مشكّكاً متردّداً بين النّفي والإثبات ومهاجماً بضعف وبلا وجه حقّ... إلخ. فإن كنت تريد خدمة الأصول فعلاً وقلبك على الدّين فعلاً فبعد أن تتقن هذا العلم وجّه إليه النّقود العلميّة البنّاءة، وتأكّد أنّك لو فعلت فستجد العلماء يتلقونها بالقبول، وتذكّر بأنّ العلم القليل شيء خطير يا فادي.
غير أن كلّ ما ذكرته لا علاقة له بكون القرآن الكريم مبيناً. وإنكار كونه مبيناً على إطلاق هذا القول كفر صراح، لكونه تكذيباً لله تعالى. فيلزمك أن توضّح معنى كونه مبيناً ثمّ تقول ما هو وجه البيان الذي تنفيه عن كتاب الله تعالى، وعليك أن تكون حذراً جدّاً في ذلك أشدّ الحذر، مستيقناً مما تقول، لأنّك ستصف قول الله تعالى بوصف يظهر منه خلاف ما وصف الله تعالى به كتابه العزيز.

قولك: (أبنت بوضوح ضعفك في تطبيق حتى مبادئ الأصول وذلك في جوابك هنا وأضفت إلى هذا مصيبة أخرى وهي أنك بدأت تشتت الكلام بأخذك نُتَفا من هنا وهناك، دون أن تركز الكلام في مسألة معينة كما طلبتُ منك، والعجب أنك كنت تشكو من تشتيت الكلام وتشعيبه، ثمَّ رأيتك تتقصد فعل ذاك، ولم أزل مترددا حتى قرأت آخر مشاركتين لك، والذي يظهر فيهما عظيم تخبطك فقد تركت الأسلوب المرضي بالمناظرة وذلك بأن تورد أقوال الخصم متتالية ثم تردُّ عليها تباعا، وسلكت أسلوبا أقرب ما يكون إلى الخطابة، فأوردت كلاما عاما، وأجبت عن أشياء لم يوردها الخصم أصلا، وقررت حجة الخصم بغير ما قررها هو، وأخذت تورد أقوالا للخصم من هنا وهناك وتجيب عنها من غير أن تضعها في سياقها الذي يبرز قوة الحجة فيها، وأعجب من ذلك أنك تورد حجة الخصم وتعلق عليها من غير أن ترد على وجه الاعتراض ومحله، ورأيتك تتكلم عن مسألة الحجاب وليس هذا محل الكلام عنها ولو سلَّمت أنه محله فليس هو وقت الكلام فيها، وليتك تكلمت بشيء جديد غير مجاب عليه في مقالة الحجاب، لوجدت لك شيئا من العذر عندها. وبدأت الحديث عما أراه أمورا شخصية لا يبنى على معرفتها قيمة علمية ولا يَحسُن الكلام فيها، وتتكلم عن بنات الجامعات والجنس على الإنترنت وفوائد البنوك ، وغيرها من الأشياء مما لا شأن لنا به)
أقول: أما ضعفي في الأصول فلا أنكره، وقد صرّحت في هذا المنتدى أنني ما زلت أتعلّمه وأوغل فيه برفق، ولكنّي لم أر أنّي أخطأت في تطبيق مبادئ الأصول كما تقول، وأراك تكرر ذلك مراراً فبيّن لي تلك المواضع من كلامي التي أخطأت فيها، وإن وجدت كلامك صحيحاً فسأدعو لك بالخير، إن لم يكن من أجل المناظرة فمن أجل أن أتعلّم من أخطائي، ورحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي.
أمّا التشتيت والتشعيب إلخ ما ذكرت، فأثني على قول مولانا الفاضل جلال الجهاني، وأزيد بأنّ المشاركتين الأخيرتين لا يظهر فيهما عظيم تخبطي كما توهّمت، فإن فيهما أولاً ردّاً على شبهتك القائلة بتغيّر مظاهر الحياة المستلزم لتغير الأحكام الشرعيّة، ومنه انتقلت إلى مقدّمة إلى مقدّمة في المصلحة وختمت الكلام بإيرادات صغيرة لكي تعلّق عليها فنبحث باستفاضة ذلك الموضوع الذي تساءلت أنت إن كان قد ذهب مع أدراج الرّياح. والمرء يكتب أحياناً فيركّز على الاستدلال ولا يعرض للخطابة، وأحياناً تأخذه العاطفة فيميل إلى ذلك، وقد راوحنا بين الأمرين في كلامنا. غير أنّا ما قلنا فيما نعلم شيئاً خاطئاً. وقد نبّهت سابقاً في أوّل مناقشاتي إلى أنّي أكتب لك مراعياً وجود قرّاء تتفاوت مستوياتهم العلميّة، وقلت لك سابقاً ركّز على مفاصل الكلام وخذ منه ما يفيدك في كلامك معي. ونحسب كلامنا متكاملاً ولو ظهر لك مشتتاً، فكلّ ما ذكرته من أمور وحذّرت منه متّصل في حلقة واحدة كبرى تهدف إلى هدم الدّين وإبعاد أهله عنه، وليس التعلّق بكلام ابن تيميّة وكلام سليمان الطّوفي، وكلام ابن رشد إلا جزءاً من مؤامرة كبيرة على الدّين يرفع فيها المتهافتون إلى رتبة الأئمة، وتوضع مقالات هؤلاء في مقابل مقالاتهم، ليسهل التلبيس على النّاس. وسيأتي الكلام في الطّوفيّ تحديداً لما أنّ كلامه كالعسل على قلوب العلمانيّة، وما هو إلا متهافت متخبّط تبرأ منه كلّ من نسب إليهم.
وعلى أيّ حال إن كنت لا تزال راغباً في المناظرة على أصولها، فبإمكاننا دائماً أن نبدأ من جديد، وسأناظرك في كلّ مسألة مسألة بحسب قواعد المناظرة المقرّرة، ولا أخرج عن ذلك بعون الله قيد أنملة. فافتح صفحة جديدة ولنبدأ من جديد، وإن كنت تفضّل الانصراف عنّا فأنت وشأنك، مع السّلامة والقلب داعيلك، وأرجو أن تقول يوماً أنّك دخلت حصن أهل السنّة المنيع فخربته على رؤوس أهله، وما استطاع أحد أن يردّ عليك، ثمّ لمّا تكلّم معك أحدهم ترفّعت عن الكلام معه لبلادته. دعني أحسن بك الظنّ وأقول إنّك لن تقول ذلك. والحمد لله أنّي تصدّرت الكلام معك قبل أن ينفذ صبر الشيخ فيكلّمك، وربّما لو فعل لجعل منك ضحكة بين أعضاء المنتدى وزوّاره، لفرّط ما تماديت في الغلط.
هذا ما أردت قوله، والحمد لله ربّ العالمين.

سعيد فودة
20-12-2003, 14:26
أنا لم أكن أريد أن أشترك في هذه المناظرة التي أراها لطيفة طريفة لولا ما يتخللها أحيانا من ادعاءات غير مسلمة أصلا من البعض، وبناء على ما لم يثبته بعد، ولكن ما رأيته مؤخرا من أخطاء وربما جاز لي أن أسميها تطاولات، دفعني إلى أن أقول هذه الكلمات

يا أستاذ فادي
ثق أنني أقدر لك حق التقدير كل ما تريد القيام به على حسب فكرتك ومفهومك وما تعتقده كما أعرفه منك شخصيا، وهذا مع خلافي لك جملة وتفصيلا في أكثر ما تقول به من حيث الطريقة والأهداف والأحكام،
ولذلك أرجو أن تأخذ ملاحظاتي التالي كدليل لإعادة تقويم هذا الحوار الذي أراه مفيدا بحسن التقدير، وتقوم بتركيز الكلام بناء عليها

أولا: أنت في آخر كلامك ادعيت أن الأشاعرة يجوزون إدخال ماركس ولينين (الذين عرفنا نحن كفرهم وثبت عندنا) الجنةََ شرعا وعقلا.
فأريد منك أن تدلل على جواز ذلك، ولا تقل لي أنك تفهم مذهب الأشاعرة أكثر مني! ولكن بين لي ادعاءك، بأسلوب قوي وواضح. كوضوح هذا السؤال، واختصاره. وأخص بذلك الجواز الشرعي لأنه محل الاعتراض هنا.

ثانيا: أنت قلت إنك تعتقد أن مبادئ وقواعد أصول الفقه لا تكفي في النظر والاستدلال، وهذا ما تقصده عندما تقول إنها غير مبينة. فأرجو أن تبين لي الدليل على ذلك.

ثالثا: أنت تقول إن القرآن أصلا غير مبين، وهذا ادعاء كبير وعظيم فعلا كما قال لك الأخ بلال لأن القرآن ما أنزل إلا للبيان. فأرجو أن تدلل على صحة ادعائك هذا.

رابعا: ما تدعيه دائما من أن بلال ليس على اطلاع بالمستوى الابتدائي من الأصول، مجرد ادعاء منك، كنت أنا أحمله منك أولا على ما يتخلل المناظرات أحيانا من نحو هذه الادعاءات، ولكن إذا بنيت على ذلك جواز انسحابك من هذه المناظرة، فهذا يعني أنك تعتقد فعلا ذلك، ولكن لا أعتقد أحدا عاقلا يرى ما تراه، ولا أنت أيضا، وإلا لم تطل بينكما المناظرة إلى هذا الوقت. لكنتَ قطعته مثلا من أول الكلام، ولم يستطع أن يجاريك .
والذي أراه أنه حتى مع ما نسبته أنت إليه من اتهامات ومع ما تلبست به من تطاولات، لا يزال يحلل كلامك ويلزمك به على ما يبدو ظاهرا أنه مستقيم. وإلا فبين بطلانه.

خامسا: إذا شككت في أصول الفقه بجميع طرقها، أعني الاعتزالية منها والأشعرية وطريقة الفقهاء وغيرهم مما كتب فيها كما يروق له، فأنت تقول إذن إن البيان من الله تعالى فعلا لم يحصل للناس حتى الآن، وكيف يستقيم هذا والله تعالى أنزل القرآن بيانا وهداية للناس؟؟ وما حال هؤلاء الذين كفروا بالله العظيم وبرسوله الكريم معتمدين على ما تدعيه أنت من عدم وقوع البيان، ألا يلزمك القول بعذرهم جميعا أعني الكفار والمؤمنين العصاة منهم وغيرهم. على كل حال.

سادسا: وأشكر الأخ جلال على ملاحظاته الموجزة المفيدة كعادته.

سابعا: أنا أطلب منك يا أخ فادي أن تعيد ترتيب مقولاتك التي تريد اعتمادها في هذا الحوار، وتختصرها لتبين لنا، ولكن كيف يحصل البيان منك لنا وأنت تقول إن القرآن غير بين أصلا. وعلى كل حال، فحاول أن تبين لنا ما تريده باختصار وبوضوح، وذلك لكي تقيم الحجة على القراء المخالفين لك والموافقين!

ثامنا: أين يكمن الخطأ في عدم البيان سواء في أصول الفقه أو في القرآن.
تاسعا: أنا أسألك: هل تقول أيضا إن كلامنا الذي نتبادله بيننا غير مبين أيضا ولا يحصل به انتقال للمعاني ودلالة عليها بين المتحاورين، وبأي درجة. فإن كان بينا ومبينا، فما بالك تقول إن القرآن غير مبين، وإن كان غير بين فكيف تريد بكل قواك وأنت تعتقد عدم البيان في الكلام الدائر بينك وبين بلال أن تثبت له خطأ دعاويه وبطلان أحكامه وفساد اعتراضاته، فإن كان الكلام غير بين أصلا فلا تقوم حجة من أحد على أحد، ولا ينبغي إتمام الحوار في عقيدته ومبدئك أصلا.

أرجو أن تجيبني على ما سألتك عنه باختصار ووضوح وبيان.

fadilov
21-12-2003, 16:17
الأستاذ سعيد
قال الأستاذ (أولا: أنت في آخر كلامك ادعيت أن الأشاعرة يجوزون إدخال ماركس ولينين (الذين عرفنا نحن كفرهم وثبت عندنا) الجنةََ شرعا وعقلا.
فأريد منك أن تدلل على جواز ذلك، ولا تقل لي أنك تفهم مذهب الأشاعرة أكثر مني! ولكن بين لي ادعاءك، بأسلوب قوي وواضح. كوضوح هذا السؤال، واختصاره. وأخص بذلك الجواز الشرعي لأنه محل الاعتراض هنا. )

أولا: لست أنا فقط من ينسب هذا إلى الأشاعرة، بل والفاضل بلال كذلك أنظر إليه يقول تعليقا على كلامي (وأمّا الكفرة الذين ذكرتهم فمن مات منهم على الكفر كما نظنّه فيمن مات منهم فهو خالد في جهنّم أبداً شرعاً لا عقلاً) وقوله عندما نقل كلام الإمام النووي (ولا يلزم أبداً من إطلاق حكم الكفر عندهم على أحد أنّه خالد في جهنم مكذّب بالله ورسوله كما يتوهّمه البعض. ولكنّهم يجرون عليه أحكام الكفر من الاستتابة والحد وغير ذلك كما هو مفصّل في أحكام المرتدين وأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في كتب الفقه. بل للغزالي رضي الله عنه أنه لا يجوز سب مؤمن ولا كافر بعينه ... إلخ إلا أن يكون مقطوعاً بكفره كما في حالة أبي لهب وغيره). فلماذا وجهت السؤال إليَّ ولم توجه للفاضل بلال كذلك؟

ثانيا: كان حريا بك أن تعرض مذهبك وما تعتقد من قول الأشاعرة في أمثال هؤولاء قبل أن تطالبني بإثبات صحة ما نقلته عن الأشاعرة.

ثالثا: أنا لا أرى عظيم فائدة في الكلام على هذه المسألة الآن، وليست هي محل النزاع، وقد يسأل أحدهم عن سبب طرحي لها إن لم يكن هذا مقام الحديث عنها؟ فأقول: من قرأ الفقرة اللتي ذكرت فيها هذا الكلام عرف السبب، وذلك عندما قلت (وبمثل هذه الحجج أكمل الفاضل بلال مناقشته).

رابعا: إن كنت تعتقد أنه من الأهمية بمكان تحقيق مذهب الأشاعرة في هذه المسألة في هذا المقام فإليك هذا النقل عن الإيجي في شرحه للمواقف (من صدق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك سجد للشمس ينبغي أن يكون مؤمنا والإجماع على خلافه قلنا هو دليل عدم التصديق ... فلذلك حكمنا بعدم إيمانه لا لأن عدم السجود لغير الله داخل في حقيقة الإيمان، حتى لو علم أنه لم يسجد لها على سبيل التعظيم واعتقاد الإلهية بل سجد لها وقلبه مطمئن بالإيمان لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله وإن أجري عليه حكم الكفر في الظاهر) وعليه فإن جميع أفعال أئمة الكفر المذكورين وإن دلت على كفرهم ظاهرا إلا أنه لا يلزم منها أن تدل على كفرهم في حقيقة الأمر، وعليه يجوز عند الأشاعرة أن يدخلهم الله الجنة. وهذا مبني على اعتقادهم أن الإيمان هو التصديق أو تصديق مخصوصٌ. وهناك من أمثال هذا النقل الكثير. على أنني افضل عدم الكلام في هذه المسألة الآن.

قال الأستاذ (ثانيا: أنت قلت إنك تعتقد أن مبادئ وقواعد أصول الفقه لا تكفي في النظر والاستدلال، وهذا ما تقصده عندما تقول إنها غير مبينة. فأرجو أن تبين لي الدليل على ذلك. )

أولا: أنت تطالبني هنا بأن أعيد كثيرا مما ذكرته في السابق وهو كثير.

ثانيا: بإمكاننا أن نبدأ الحديث عن قصور علم أصول الفقه عن حل التعارض الظاهر بين آيات القرآن وبهذا يظهر قصوره كأداة لفهم النص. فإذا فرغنا من هذا ورُدَّ قولي انتقلنا إلى غيرها من الحجج. وقد طرحت مسألة حكم مرتكب الكبيرة مسألة من المسائل اللتي تعجز أصول الفقه عن حل التعارض الموجود بين أخبارها.

قال الأستاذ (ثالثا: أنت تقول إن القرآن أصلا غير مبين، وهذا ادعاء كبير وعظيم فعلا كما قال لك الأخ بلال لأن القرآن ما أنزل إلا للبيان. فأرجو أن تدلل على صحة ادعائك هذا. )

أولا: إن ثبت وجود تعارض بين آياته لا يمكن رفعه كمسألة مرتكب الكبيرة، ثبت عدم بيانه لنا، إذ عجزنا عن فهم المراد منه.

ثانيا: ثم إن ثبت عجز أصول الفقه وقصورها وهو أحد العلوم اللتي يفهم بها القرآن، ثبت عدم بيان القرآن لنا.

قال الأستاذ: (رابعا: ما تدعيه دائما من أن بلال ليس على اطلاع بالمستوى الابتدائي من الأصول، مجرد ادعاء منك، كنت أنا أحمله منك أولا على ما يتخلل المناظرات أحيانا من نحو هذه الادعاءات، ولكن إذا بنيت على ذلك جواز انسحابك من هذه المناظرة، فهذا يعني أنك تعتقد فعلا ذلك، ولكن لا أعتقد أحدا عاقلا يرى ما تراه، ولا أنت أيضا، وإلا لم تطل بينكما المناظرة إلى هذا الوقت. لكنتَ قطعته مثلا من أول الكلام، ولم يستطع أن يجاريك .
والذي أراه أنه حتى مع ما نسبته أنت إليه من اتهامات ومع ما تلبست به من تطاولات، لا يزال يحلل كلامك ويلزمك به على ما يبدو ظاهرا أنه مستقيم. وإلا فبين بطلانه. )

أولا: حنانيك لا تقولني ما لم أقل، وأرجو أن تتأمل في عبارتي قبل أن تنسب إلى القول، فأنا لم أدع أبدا عدم اطلاع الفاضل بلال بالمستوى الابتدائي من الأصول، وإنما قلت أنه لا يحسن تطبيق مبادئ أصول الفقه، وأراه كلما زاد في الكتابة زاد في بيان ضعفه في التطبيق، وبالأخص في آخر كلام لهُ، وفرق بين الاطلاع وبين التطبيق.

ثانيا: سلمتُ أني ادعيتُ هذا فلن أسلم لك أني أدعيهِ دائما.

ثالثا: إن كنت تقصد بقولك (ولكن لا أعتقد أحدا عاقلا يرى ما تراه) ما نسبته لي فقد بينت خطأ النسبة، وإن كنت تقصد أن أحدا من لا يرى ما أراه من ضعفه، فأنا أعلم أن بعض الأصحاب اللذين لا يشك أحد بعقلهم أنهم يرون ما أرى، ثم إن كنت لا تعتقد أن أحدا من العقلاء يرى ما أراه فيلزم منه أن لا أكون عاقلا عندك، فلماذا توجه الحجة والسؤال إلي؟

رابعا: لا يلزم أن ينقطع من هو مطلع على علم الأصول من غير أن يحسن تطبيق مبادئه من أول المناظرة، ثمّ قولك من أول المناظرة ماذا تقصد به؟ أتقصد من أول اعتراض أو إشكال أم ماذا؟ فإن المناظرة بيني وبينه كانت ومازالت في أولها بالنسبة لي، فلا يوجد قول أطلنا فيه الكلام بين الأخذ والرد، وأكثر ما أخذناه ورددناه هو القول في آية (ومن يعص) وقد بان ضعفة فكففتُ عن مناظرته.

قال الأستاذ (خامسا: إذا شككت في أصول الفقه بجميع طرقها، أعني الاعتزالية منها والأشعرية وطريقة الفقهاء وغيرهم مما كتب فيها كما يروق له، فأنت تقول إذن إن البيان من الله تعالى فعلا لم يحصل للناس حتى الآن، وكيف يستقيم هذا والله تعالى أنزل القرآن بيانا وهداية للناس؟؟ وما حال هؤلاء الذين كفروا بالله العظيم وبرسوله الكريم معتمدين على ما تدعيه أنت من عدم وقوع البيان، ألا يلزمك القول بعذرهم جميعا أعني الكفار والمؤمنين العصاة منهم وغيرهم. على كل حال. )

أولا: إن كنت تقصد أن البيان لم يحصل من الله لأي أحد فأنا لا أقول بهذا بل حصل البيان للمخاطبين بالقرآن أو لمعظمهم، وإن كنت تقصد أن البيان لم يحصل لنا فهذا ما أقوله.

ثانيا: إن كنت تسأل عن حال اللذين كفروا بالله ورسوله ممن لم يحصل لهم البيان، فإني أقول إن حالهم وحال من آمن بالله ورسوله ممن لم يحصل لهم البيان موكول إلى الله، هذا إن سلمتُ لك أن هناك كفرا أو إيمانا في حق من لم يحصل لهم البيان، فإن هذه الأوصاف أوصاف شرعية فلا يجوز إطلاقها مع عدم وجود الشرع.

قال الأستاذ (سادسا: وأشكر الأخ جلال على ملاحظاته الموجزة المفيدة كعادته. )

(إن الله يأمركم أن تأدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ولم يذكر أحد منكم أي نقد للفاضل بلال، فلماذا؟ أتراه لم يخرج عن شروط المناظرة في أي شيء؟ أم أنه لا ينبغي أن تذكر أخطاء الموافقين في المذهب؟ أم ماذا؟ والعجب أن الفاضل بلال أقرَّ بأنه راوح بين أسلوب المناظرة والخطابة، وهو ما لا يجوز في مقامنا هذا، ولم يهمس أحدكم ببنت شفة في حقه.

قال الأستاذ: (سابعا: أنا أطلب منك يا أخ فادي أن تعيد ترتيب مقولاتك التي تريد اعتمادها في هذا الحوار، وتختصرها لتبين لنا، ولكن كيف يحصل البيان منك لنا وأنت تقول إن القرآن غير بين أصلا. وعلى كل حال، فحاول أن تبين لنا ما تريده باختصار وبوضوح، وذلك لكي تقيم الحجة على القراء المخالفين لك والموافقين!

أولا: لا فائدة من ترتيب المقالات هنا إذ لو أردنا مناقشتها جميعا لتشعب الكلام، وقد ذكرت أحد هذه المقالات في جوابي على النقطة الثانية فإن فرغنا منها أتينا إلى اللتي تليها.

ثانيا: قولك (ولكن كيف يحصل البيان منك لنا وأنت تقول إن القرآن غير بين أصلا.) سيأتي الجواب عليه في النقطة الأخيرة.

قال الأستاذ (ثامنا: أين يكمن الخطأ في عدم البيان سواء في أصول الفقه أو في القرآن. )

سؤالك هذا غير بين بالنسبة لي فإني اعتقد بأنه تكرار للنقطة الثانية، إلا أن تقصد شيئا آخر فاشرحه.

قال الأستاذ (تاسعا: أنا أسألك: هل تقول أيضا إن كلامنا الذي نتبادله بيننا غير مبين أيضا ولا يحصل به انتقال للمعاني ودلالة عليها بين المتحاورين، وبأي درجة. فإن كان بينا ومبينا، فما بالك تقول إن القرآن غير مبين، وإن كان غير بين فكيف تريد بكل قواك وأنت تعتقد عدم البيان في الكلام الدائر بينك وبين بلال أن تثبت له خطأ دعاويه وبطلان أحكامه وفساد اعتراضاته، فإن كان الكلام غير بين أصلا فلا تقوم حجة من أحد على أحد، ولا ينبغي إتمام الحوار في عقيدته ومبدئك أصلا. )

أولا: أقول بعض كلامنا غير مبين فربما أعجز عن فهم بعض ما تسألني عنه أو أفهم خطأ ومع الحوار أتبين المراد ويتضح القصد، وقد يحدث هذا لك أيضا.

ثانيا: بالنسبة للقرآن فإنه لا مجال لنسأل الله أو رسوله عن مراد الله، وأدوات الفهم اللتي عندنا لا تكفي، ثم في الفرآن آيات متعارضة لا يمكننا أن نرفع الإشكال عنها بما نملكه من أدوات للفهم، وعليه فهم غير بين لنا، ولو وجد تعارض في كلامنا لذهبنا وسألنا لنرفع التعارض.

قال الأستاذ (أرجو أن تجيبني على ما سألتك عنه باختصار ووضوح وبيان.)

أظنني أبنتُ عما سألتني، وأنا أنتظر جوابك، ةإن كان من شيء غير مبين بعدُ فاسألني أن أبينهُ.

سعيد فودة
22-12-2003, 10:58
أنا لا أريد أن أقطع مناقشتك مع بلال، ولكني أعلق باختصار على ما أجبتني به أنت
أولا: أنا طالبتك بالدليل على أن قول الأشاعرة أن الله تعالى يغفر للكافر، وعندما نقول الكافر، فإننا نقصد الكافر الحقيق، لا الذي حكمنا عليه نحن بالكفر، فالتكفير غير الكفر، ومحل الكلام هو الكافر عند الله تعالى أو ما قطعنا نحن بكفره كأبي لهب، فهذا كافر عندنا وعند الله تعالى.
وأنت نسبت للأشاعرة القول بأن الكافر يمكن أن يغفر له الله ويدخله الجنة شرعا. وهذه نسبة ليست صحيحة.
وبلال لم يخالف في ذلك لو راجعت كلامه.
أما أنا فقد طالبت بالدليل -خصوصا- على زعمك أن الأشاعرة يجوزون إدخال الكافر القطعي في الجنة شرعا.
ولم تأت بجواب على ذلك،
أما عقلا فلا كلام فيه.
والفرق واضح بين الجواز العقلي والشرعي؟
فتبقى نسبتك هذا القول للأشاعرة غير صادقة عليهم ومجرد اتهام باطل. وأنت مطالب بالدليل على نسبتك.
وعدم فهمك لعبارة شرح المواقف، دليل كبير على أمور أخرى كثيرة.

ثانيا: واحتجاجك على ما زعمته بفقرات من كلام بلال، ليس سديدا، لأنه إنما كان يتكلم على رجل حكم الشرع ظاهرا بكفره، فهل نجزم بأنه كافر خالد في النار عند الله تعالى.
وبلال صرح في قوله الذي نقلته أنت عنه في جاوبك الأخير بأن الكافر خالد شرعا، لا عقلا بمعنى أن العقل لا يوجد على الله تعالى تخليد الكافر في النار، بل هذا بإرادة الله فقط، وأنت نسبت للأشاعرة ومنهم بلال أنهم يقولون بجواز إدخال الكافر الجنة شرعا وعقلا.
ألا ترى أنك تناقضت وغالطت في كلامك الأصلي وفي جوابك الأخير علي، وفي نسبة هذا القول إلى بلال. وفي نسبته إلى الأشاعرة.

ثالثا: أما مذهبي في الكفار فهو ما نقلتَه أنت عن بلال (وأمّا الكفرة الذين ذكرتهم فمن مات منهم على الكفر كما نظنّه فيمن مات منهم فهو خالد في جهنّم أبداً شرعاً لا عقلاً). أي إن وجوب خلوده في النار إنما هو بالشرع لا بالعقل.
فهل تخالف أنت في ذلك. وهل تشك أن هذا هو مذهب الأشاعرة.
وما زلت أطالبك بالدليل على أن الأشاعرة يجوزون إدخال الكافر في الجنة شرعا، وأنت لغاية الآن لم تجب على هذا السؤال السهل الواضح المباشر، فلماذا يا ترى؟!
أعطني واحدا من الأشاعرة المعتد بأقوالهم من العلماء يقول إن مذهب الأشاعرة هو جواز إدخال الكافر جنة شرعا.
رابعا: أولا الإيجي هو صاحب نفس كتاب المواقف، وأما الشارح فهو للشريف الجرجاني.
وما نقلته عنه لا يعارض ما قلته لك سابقا لو كنت عقلته، وهو ليس دليلا على ما نسبته للأشاعرة في كلامك أولا.
خامسأ: أنا لا أريد أن أعلق على كل نقطة جزئية مما تقوله وتحتمله، لأن كثيرا منها لا يستحق الرد عندي ولكني أركز الكلام على بعض المهم منها، فأقول لك قولك(أولا: إن كنت تقصد أن البيان لم يحصل من الله لأي أحد فأنا لا أقول بهذا بل حصل البيان للمخاطبين بالقرآن أو لمعظمهم، وإن كنت تقصد أن البيان لم يحصل لنا فهذا ما أقوله.) يفهم منه ظهورا قويا أنك تقول أن البيان لم يحصل لك(هذا على الأقل فعبارتك -لنا-ولا أدري أقلتها لمجرد التعظيم أم أردت بها حقيقة الجميع).
وإن أردت منها حقيقة الجمع، فأنت وضعته هذا في مقابل قسم المخاطبين بالقرآن، فهل تعتبر أحدا لم يخاطب بالقرآن في هذا الزمان أو في زمان قبله، حتى تقول أو غير المخاطبين بالقرآن.
ولا تقل لي إنك أردت بغير المخاطبين ما خرج من التكليف في حمك الشريعة، لأن الكلام ليس عليهم. بل الكلام في من دخل ولم يخاطب في زعمك.
أرجو أن تجيب على هذا السؤال بوضوح، لأنه في نظري أصل عظيم تدور أنت حوله وتنطلق منه.
سادسا: قولك (بالنسبة للقرآن فإنه لا مجال لنسأل الله أو رسوله عن مراد الله، وأدوات الفهم اللتي عندنا لا تكفي، ثم في الفرآن آيات متعارضة لا يمكننا أن نرفع الإشكال عنها بما نملكه من أدوات للفهم، وعليه فهم غير بين لنا، ) يظهر منه أنك تقول إن القرآن لا يكون مبينا إلا إذا استطعنا أن نسأل الله ورسوله مباشرة(هذا بالنص منك)، وأن أدوات الفهم المتوفرة لنا لا تكفي للبيان(وهذا أيضا بالنص منك). وأنت تقول إنه لا يحصل تكليف إلا مع البيان(وهذه المقدمة أسلمها لك).
فالنتيجة عندك أن لا تكليف واقعا علينا، لما ادعيته أنت من عدم وجود البيان وعدم آلاته.
ألا يستلزم هذا الكلام نقيض ما صرح به الله تعالى من أن القرآن فيه بيان للناس، وأنه أنزل بيانه وهدى، والله تعالى قال إنه بيان للناس أي للناس جميعا، أي إن كل من يتوجه للفهم منه فإنه يمكنه أن يفهم. وأما خطؤه وعدم فهمه فلتقصير منه، ولذلك يحاسبه الله تعالى إن كان مقصرا.
ولو توجه إنسان غير مؤهل للفهم من القرآن، وفهم فهما باطلا منه، أو ادعى أنه لم يفهم أمرا بالمرة، ثم استلزم على ذلك رفع التكاليف، فقوله هذا باطل. ولا يرفع التكليف عنه ولو ادعى هو ذلك.

ولهذا أستطيع أن أفهم الآن عبارتك التي تحمد الله تعالى فيها أن أسقط التكليف.
وأما ما ذكرته عن بعض التفاصيل الأخرى، الجزئية فلا أتلكم معك فيها، لأني لا أريد أن أحرف النقاش أن أصوله. وأرجو أن تلتزم أنت بذلك أيضا.

ولي عودة أخرى بعد أن أرى ما تقوله.
أنا بانتظار جواب على الأسئلة المهمة التي ذكرتها لك هنا، ولا أريد أن تفرع الكلام حول أمور جزئية وتفصيلات لفظية لا تفيد.

fadilov
22-12-2003, 13:55
قال الأستاذ (أنا لا أريد أن أقطع مناقشتك مع بلال، ولكني أعلق باختصار على ما أجبتني به أنت
أولا: أنا طالبتك بالدليل على أن قول الأشاعرة أن الله تعالى يغفر للكافر، وعندما نقول الكافر، فإننا نقصد الكافر الحقيق، لا الذي حكمنا عليه نحن بالكفر، فالتكفير غير الكفر، ومحل الكلام هو الكافر عند الله تعالى أو ما قطعنا نحن بكفره كأبي لهب، فهذا كافر عندنا وعند الله تعالى. ... ما نسبته للأشاعرة في كلامك أولا. )

الأستاذ سعيد أنت نسبت لي أني أزعم أن (الأشاعرة يجوزون إدخال الكافر القطعي في الجنة شرعا.) وأنا والله لا أعلم أين قلتُ هذا ولا كيف فهمته من عبارتي فإن عبارتي تقول (ومن مذهبهم أنهم يجيزون أن يضع الله ماركس ولينين وستالين في الجنة من غير عذاب عقلا وشرعا بل وكذلك أن يضع شامير وشارون وغيرهم من أئمة الكفر في الجنة من غير عذاب، وكل من لم ينص الله عليه بالاسم أنه خالد في نار جهنم) فأين قلتُ الكافر القطعي؟ بل إن ظاهر عبارتي (وكل من لم ينص الله عليه بالاسم أنه خالد في نار جهنم) تدل على أنني لا أتكلم عن الكافر القطعي، وإني سائلك هل هناك كافر تقطع بكفره من غير أن ينص الله عليه. فإن قلت لا فقد أقمت الحجة على نفسك في أني لا أتكلم عن الكافر القطعي إذ أني لا أتكلم إلا عمن لم ينص الله عليه، وإن قلت نعم فأسألك كيف قطعت بكفره في حقيقة الأمر؟ ثمَّ إني أسألك هل تقطع بأن أحدا ممن سميتهم لك من أئمة الكفر خالد في نار جهنم؟ أو أنه لن يدخله الله الجنة؟ وقبل كل هذه الأسئلة هل توافق على القول بأنه يجوز أو يجب أن نقول بأن ماركس كافر وأن لينين كافر وأن ستالين كافر أو أن كل واحد منهم من أئمة الكفر بهذا الإطلاق؟ فإن كنت تقول لا يجوز فبين لي اتفاق الأشاعرة على قولك. ثم أمر آخر وهو قولك (وعندما نقول الكافر، فإننا نقصد الكافر الحقيق) عندما تتكلم بصيغة الجمع فمن تقصد؟ أنا وأنت فلا يصح منك فأنا لا أقول به بل أقول يجوز أن نقول الكافر ونقصد الكافر فيما يظهر لنا، أم تقصد الأشاعرة فبين لي هذا من كلامهم وأنهم متفقون على ذلك.
وبعد كل هذا فإن اللذي أعتقده من مذهب الأشاعرة هو عين ما قاله الفاضل بلال، وأنا أرى كلامه غير متناقض مع كلامي
وأنصحك إحسانا مني إليك أن لا تتسرع في إصدار الحكم بتناقضي. وأرجو أن لا تكون هذه الأسئلة من النقاط اللتي لا تستحق الرد.

قال الأستاذ (خامسأ: أنا لا أريد أن أعلق على كل نقطة جزئية مما تقوله وتحتمله، لأن كثيرا منها لا يستحق الرد عندي ولكني أركز الكلام على بعض المهم منها.....أرجو أن تجيب على هذا السؤال بوضوح، لأنه في نظري أصل عظيم تدور أنت حوله وتنطلق منه. )

أظن أن إجابتي كانت واضحة أنا أعتقد أننا (أنا وأنت وكل من في زماننا) لسنا مخاطبين بالقرآن.

قال الأستاذ (سادسا: قولك (بالنسبة للقرآن فإنه لا مجال لنسأل الله أو رسوله عن مراد الله، وأدوات الفهم اللتي عندنا لا تكفي، ثم في الفرآن آيات متعارضة لا يمكننا أن نرفع الإشكال عنها بما ....ألا يستلزم هذا الكلام نقيض ما صرح به الله تعالى من أن القرآن فيه بيان للناس، وأنه أنزل بيانه وهدى، والله تعالى قال إنه بيان للناس أي للناس جميعا، أي إن كل من يتوجه للفهم منه فإنه يمكنه أن يفهم. وأما خطؤه وعدم فهمه فلتقصير منه، ولذلك يحاسبه الله تعالى إن كان مقصرا....)

لا لا يستلزم هذا، وبيان ذلك أنه يصح لك الاستدلال لو سلمت لك إمكان فهم القرآن بما عندنا من أدوات، أما وأنني لا أسلمه فلا أسلم لك ما فهمته من القرآن وما توهمت أن القرآن صرح به. وقد أعرضت عن التعليق عن بعض النقاط هنا إذ لا فائدة من التعليق عليها.

قال الأستاذ (ولي عودة أخرى بعد أن أرى ما تقوله.
أنا بانتظار جواب على الأسئلة المهمة التي ذكرتها لك هنا، ولا أريد أن تفرع الكلام حول أمور جزئية وتفصيلات لفظية لا تفيد.)

اعلم أنه ليس من طبعي أن أدقق في التفصيلات اللفظية حاشا إن نسب إلى أحد قولا لا أقول به، أو أردت أن أستفصل عن مذهب المخالف فعندها يجب التدقيق.

بلال النجار
23-12-2003, 10:19
بسم الله الرحمن الرحيم

كان أصل المسألة أني قلت إن فهم أهل السنّة لقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) أولى من فهم الزمخشريّ، لأن الزمخشريّ قدّر محذوفين وهما من تاب ومن لم يتب، والسنّة ما قدّروا شيئاً أي على اعتبار أن الآية في المشرك الذي لم يتب.

فأجبتني بقولك: (أما أن فهم الآية من غير تقدير محذوف أولى فهو صحيح ولكن أهل السنة أنفسهم يقدرون محذوفين لفهمها، كما أن تفسير الزمخشري فيه تقدير محذوفين، وبيان ذلك أن ظاهر لفظ الآية يفهم منه أن الله لا يغفر أن يشرك به مطلقا سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفاً وهو مع عدم وجود التوبة، ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفا وهو مع عدم التوبة، وعليه فإن أهل السنة قدروا محذوفا على موضعين في الآية فيكونوا في حقيقة الأمر قدروا محذوفين والزمخشري ما فعل إلا أنه وافق أهل السنة على المحذوف المقدر في القسم الأول وخالفهم في المحذوف المقدر في القسم الثاني، وتفسيري للآية فيه تقدير محذوف في موضعين مثل الذي قدره أهل السنة. تأمل)

فأجبتك: (أقول: والحق أن أهل السنّة قدّروا محذوفاً واحداً لاستثناء من تاب من أهل الشرك من حكم الخلود (أي كأنني أقول لو نزلت عند قولك بأن الكلام في كلّ مشرك تاب أو لم يتب فيلزم أهل السنّة تقدير محذوف ههنا لاستثناء التائب من الخلود ولكنّ) الزمخشريّ قدّر اثنين، وتقدير واحد أولى من تقدير اثنين. (أي فيبقى فهم أهل السنّة أولى من فهم الزمخشريّ).

وقولك: (ثم إنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر اللفظ يفهم منه أنه يمكن أن لا يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمه فقدر أهل السنة محذوفاً وهو مع عدم التوبة) أقول: حقّ كلامه أن يكون (..يفهم منه أنه يمكن أن يغفر ما دون ذلك سواء مع وجود التوبة أو عدمها) وهو قول أهل السنّة، لا من جهة الجواز العقليّ فقط بل لقوله تعالى (يقبل التوبة عن عباده) و(يغفر الذنوب جميعاً) ولغير ذلك من الآيات والأخبار. قول فادي: (فقدر أهل السنة محذوفاً وهو مع عدم التوبة) أقول: أهل السنّة ما قدّروا ههنا شيئاً بل ردّوا ذلك كلّه إلى مشيئة الله تعالى، ولم يشترطوا التوبة لغفران ما دون الشرك، ويبدوا أنّك لم تقرأ أو لم تدقق في الموضع الذي قررت فيه مذهب السنة في فاعل الكبيرة وقاتل نفسه بكلام النووي وغيره. فارجع إليه)

أي كأني أقول لك إن ظاهر اللفظ يفهم منه أن الله تعالى يمكن أن يغفر ما دون الشرك مطلقاً سواء لمن تاب منه فاعله أو لم يتب، وعقّبت بأنّ هذا هو مذهب أهل السنّة، كما كنت قد شرحته عند بيان مذهبهم في فاعل الكبيرة عموماً وقاتل نفسه خاصّة من كلام الشيخ النووي غيره.
ويبدو أنّي توهّمت بأنّك تقول إن أهل السنّة يشترطون التّوبة فيما دون ذلك، لكونك قدّرت لهم محذوفاً، ولكنّ الحال أنّهم إذا لم يشترطوا لا التّوبة ولا عدمها فليسوا بحاجة إلى تقدير شيء، بل مطلق فاعل ما دون الشرك يمكن أن يغفر له، فلم قدّرت هذا المحذوف؟

وكان الجدير بك أن تنبهني بكلمة صغيرة تقول فيها إنك ما قدّرت التوبة بل عدم التّوبة. وحتّى لو فعلت فيبقى كلامي مستقيماً فيما يتعلّق بأن قول أهل السنّة أولى كما بيّنته. لأنّه لا حاجة إلى تقدير شيء، وبدلاً من ذلك أجبتني بقولك:
(فأنا قصدت ما كتبتُ، ولكن يبدو أن الفاضل بلال لم يفهم ما قرأ، فأنصحه أن يعيد القراءة ويتأمل في الكلام، فإن بقي غير فاهم فليسأل من يفهم العربية ويحسن فهم مذهب أهل السنة أن يفهمَهُ، وعذرا منهُ فأنا لست في مقام تعليم كيف يفهم المرء ما يقرأ أو تعليم مذهب أهل السنة)

فأقول لك: ليست القضيّة قضية عدم فهم، ولا تستأهل منك كلّ هذا التشنّج، فقد قرأت قولك عدم التوبة (التوبة)، ولو كان هنالك تقدير لكان تقديراً للتوبة لا لعدمها، لأن عدم التوبة ليس بحاجة إلى تقدير. ولا أدري لماذا استطردت في التعريض بي وبأهل السنّة على هذا الوجه، وكل إنسان عرضة لأن يسهو، وقد سهوت أنت وصححت لك مواضع من كلامك قبل ذلك وأنت اعتذرت عنها، منها ما كان من آي القرآن الحكيم، وما فعلنا يومها ما فعلت ههنا، حيث أجبتنا:

)وقولك إني لم أدقق فيما نَقلتَهُ من مذهب أهل السنة الأشاعرة: وكلام الإمام النووي فأنا الذي أعرف مذهبهم في المسألة، ومن مذهبهم أنهم يجيزون أن يضع الله ماركس ولينين وستالين في الجنة من غير عذاب عقلا وشرعا بل وكذلك أن يضع شامير وشارون وغيرهم من أئمة الكفر في الجنة من غير عذاب، وكل من لم ينص الله عليه بالاسم أنه خالد في نار جهنم، وفي ذات الوقت يجيزون أن يضع الله الإمام الرازي والإمام الغزالي والسنوسي بل والإمام مالك والشافعي في نار جهنم خالدين فيها أبدا عقلا وشرعا، ولماذا أذهب بعيدا فإن الإمام النووي الذي ينقل الفاضل بلال كلامه محتجا به يمكن أن يخلد في نار جهنم كذلك وكذا كل أحد لم يخبرنا الله أنه من أهل النجاة. تأملوا يا عباد الله. هذا المذهب الذي إذا نظر إليه أصحاب العقول السليمة فسيجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً على حد تعبير الفاضل بلال. كم هو سائغ هذا الفهم للإسلام -ولا أقول الإسلام- عند ذوي العقول السليمة! وأنا أعلم أن المناظرة العلمية لا تكون بمثل هذه الحجج، لكن هذا هو مذهب الأشاعرة حقيقةً وبمثل هذه الحجج أكمل الفاضل بلال مناقشته) اهـ

فأقول: لم يكن ثمّة من داع لكلّ هذا الصياح، والكلام الفارغ، الذي يظهر للقارئ أنّك تخالفني في فهمي لمذهب أهل السنّة، وتدّعي بأنك تفهم مذهبهم أكثر منّي... إلخ. بل ظاهر كلامك في الكافر الحقيقيّ ولهذا استطردت أنت في الخطابة (... تأملوا يا عباد الله، هذا المذهب الذي إذا نظر إليه أصحاب العقول السليمة فسيجدونه متفقاً مع عقولهم أي لا تحيله عقولهم، فيجدونه مفهوماً ومنطقياً وسائغاً على حد تعبير الفاضل بلال. كم هو سائغ هذا الفهم للإسلام...) أي كأنّك تقول إن مذهبنا هو جواز خلود الصالح في النار وجواز خلود الطالح في الجنّة شرعاً وعقلاً، ولذلك عرضت بهذا المذهب بأنه مذهب تحيله العقول.... وأنا لمّا رأيتك تفعل ذلك بيّنت مذهبنا على نحو ما قرأته من عبارتي، ونقله عنيّ الشيخ.

فإنك إن كنت لا تخالفني ولا تنسب إلى أهل السنة ما فهمه الشيخ منك من أن كلامك في الكافر الحقيقيّ، فلم تشنّع على مذهبي وتعرّض به بأنّه تحيله العقول وأنه غير سائغ. وإن كنت تخالفني فما وجه هذه المخالفة التي استحقّت هذا التشنيع؟ إنك بحسب ما يلزم من كلامك ترى لينين وماركس وأئمة الدين سواء لكونهم معذورين بأنّهم غير مخاطبين، أو أنّهم لم يبيّن لهم الشرع، فأي الرأيين أولى بالتشنيع بعباراتك السابقة مذهبنا نحن أم مذهبك؟

وملاحظتي الأخيرة ههنا، هي أنك لم تجب عن الأسئلة التي سألتها لك في آخر ثلاث أو أربع مشاركات، فهل فعلاً ما زلت تريد أن لا تتكلّم معي لأنّك ترى أنّي لا أحسن تطبيق مبادئ أصول الفقه، إن كان الأمر كذلك، فبيّن لي هذه المواضع، وأقم الحجّة عليّ، أما أن تستمر بنعتي بأني لا أفهم ولا أحسن تطبيق مبادئ الأصول دون بيان هذه الأخطاء التي وقعت فيها، فهذا الكلام لا يجوز لك، ولا يعفيك من مناقشتي. فإن كان لك من سبب آخر سائغ لتنصرف عنّا فهاته لننصرف عنك.
والحمد لله ربّ العالمين

سعيد فودة
23-12-2003, 12:14
أنت ما زلت تدعي أنك لم تتناقض يا فادي، والتناقض بادٍ واضح في كلامك.
أولا: أنت قلت في كلامك الأول مذهب الأشاعرة أنه يجوز أن يدخل اللهُ تعالى ماركس ولينين وغيرهم من أئمة الكفر الجنة شرعا وعقلا، وقلت إن الله يجوز أن يدخل الرازي والإمام الشافعي ومالك النار شرعا وعقلا.
وذكرت ذلك في معرض الذم والاعتراض والتشنيع على هذا القول.
فأين الدليل على نسبتك هذا القول إلى الأشاعرة، أنت لغاية الآن لم تأت بشيء.

ثم لما اعترضنا عليك، صرت تحاول تسويغ عبارتك بكلام لا قيمة له.
ولكن أسألك مرة أخرى، على ما اعتمدت عندما قلت إن الله تعالى يمكن أن يدخل هؤلاء في الجنة، هل لأنهم معذورون، أو لأنهم قد يكونون قد آمنوا في آخر حياتهم.

ثانيا: ما الذي اعتمدت عليه عندما حكمت بأن الله تعالى يجوز أن يدخل الإمام الرازي والغزالي والشافعي ومالك وغيرهم النار شرعا وعقلا، هل لأنهم ربما يكونون قد كفروا في آخر عمرهم. أم ماذا؟؟؟

أرجو أن تجيب على ذلك لكي نعرف حقا هل أنت تفهم ما تنسبه إلى مذهب الأشاعرة فعلا.
ثم أنت مطالب بأن تبين لنا لماذا قلت في الحالتين إن هذا جائز عقلا وشرعا، ما فائدة التقييد هنا بالجواز العقلي، والأهم من ذلك ما فائدة التقييد بالجواز الشرعي.

ثالثا: أما سؤال من أين جئت أنا بكلمة قطعي، فأقول لأن أصل المسألة المبحوث عنها في علم التوحيد والتي كانت موضع الكلام وهي عدم وجوب الثواب للمؤمن عقلا وكذلك عدم وجوب العقاب للكافر عقلا، هو الكافر الذي تحققنا من كفره، وهو الذي يعبر عنه بالكافر في علم الله أي الذي علم الله تعالى أنه كافر فعلا، هذا ما يتعلق بالعقاب، وأما الثواب فكذلك أصل القول بالجواز العقلي فيها إنما هو أصالة للمؤمن الذي علمنا قطعا أنه مؤمن عند الله. لأن هذا هو موضع الخلاف بين الفرق الإسلامية، أما الكافر القطعي وأنه يعاقب، فهذا اطرد رأي المعتزلة على أن خلوده في النار واجب عقلا، بناء على الحسن والقبح العقليين، ومن هنا خالفهم الأشاعرة بناء على نفي الحسن والقبح العقليين. وكذا يقال في المؤمن مع عكس الأحكام.
وعند ملاحظة هذا المقام لا يصح لك أن تتوقف بالحكم على خلود الكافر شرعا في النار، وخلود المؤمن شرعا في الجنة.
أما إذا قلت إنه في هذا المقام أي مع ملاحظة القطع في الحكم، فإنه يجوز الأمران، فاعلم أنه يوجد عندك إشكال.
وأما لا مع ملاحظة القطع، فيجب البناء على الظاهر. والظاهر يقول إن الأصل في الكافر الخلود في النار، والأصل في المؤمن الخلود في الجنة. ولكن إذا قلت في هذه الحال بجواز عدم ذلك في الحالتين، فيوجد إشكال، لأن الاحتمال المخالف ليس ظاهرا خارجا، بل هو احتمال عقلي بأنه قد مات قطعا إما على الكفر في حالة المؤمن ظاهرا أو مات على الإيمان في حالة الكافر ظاهرا، وقد تكلمنا عن الحكم في حالة الاحتمال العقلي، فلا وجه لقولك هنا إنه يجوز أن يدخل الله الإمام الشافعي النار عقلا وشرعا.
أما جوازه العقلي، فإنما يكون لا مع ملاحظة حكم الشرع المبني على الظاهر، وأما جوازه الشرعي فإنما يكون مع ملاحظة الشرع لظاهر حال الإمام الشافعي، وظاهر حال الشافعي هو الإيمان، فكيف يصح قولك بأنه يجوز شرعا إدخال الشافعي في النار وخلوده فيها شرعا.
ألا ترى التناقض الكامن في عبارتك.
وأما إذا ادعيت أنك تجمع بين الحالتين وتفرق بين الاعتبار وجهة بناء الحكم لكي تخرج من هذا الإشكال، فأقول لك: إن هذا الادعاء غير صحيح أولا لأنه غير ظاهر، بل الظاهر هو الاتحاد في مأخذ الحكم، وأيضا فلا يصح لك الجمع في الحالتين هنا لأن الأصل التفصيل.
حكم الشريعة أيها الناصح إنما يبنى على الظاهر، وقولك بجواز دخول الشافعي النار شرعا، لا يصح لك لأن الظاهر من الشافعي هو موته على الإيمان، ومن مات ظاهرا على الإيمان فلا يقال فيه إنه يجوز شرعا أن يخلد في النار.
هل ترى وجه الخلط عندك؟؟؟

إن المغالطة يا فادي أتتك من عدم تحديد الجهة، وهونا على نفسك، وتلطفا بها، ولست أنا الذي يتسرع في الحكم. وإنما تصح النصيحة منك في هذا المقام بعد إقامة الحجة، ولا أراني بحاجة إلى نصحك، وإن أديت النصيحة لمن يناقشك قبل أن يسلم لك الحجة، أو قبل بيانها بيانا تاما، لجواز العناد، كان هذا منك مخالفة لآداب المحاورة والنظر!
وبانتظار حل هذا الإشكال المتوجه عليك أقول

وأيضا: هل تستطيع أن تصرح مرة أخرى هنا أنك تقول إن القرآن لا بيان فيه، ولا حتى القدر الذي قلته لك من أنه فيه بيان للناس!!
هل تستطيع أن تقول إن القرآن لا هداية ولا بيان فيه للبشر الآن.
وأيضا: أنت قلت إننا غير مخاطبين بالقرآن الآن، هل يلزم من ذلك عندك رفع التكاليف؟؟ أم لا يلزم
فإن قلت لا يلزم، فهل يوجد تكليف بلا خطاب.
وعلى القول بأنا غير مخاطبين بالقرآن، عرِّف لي ما تعني بالخطاب والمخاطبة. ووجه لي عدم كوننا مخاطبين بالقرآن في هذا الزمان على حسب تصريحك.
وأنت لم تسلم لي إمكان فهم القرآن بالأدوات الموجودة عندنا، بل صرحت بعدم إمكان فهم القرآن بالأدوات المتوفرة الآن، فعلى أي شيء تعتمد عندما تحاول إثبات التناقض في آيات القرآن، وهل يمكن أن يوجد تناقض قبل أن يوجد فهم للقرآن؟؟ ولو بوجه من الوجوه.
أنت تزعم وجود التناقض بين الآيات في زعمك بالاعتماد على أدوات فهم خاصة عندك، وتسلم بوجود التناقض حقيقة، لتتوصل بذلك إلى القول بعدم البيان، وعدم كفاية أدوات الفهم عند المسلمين جميعا لفهم القرآن، فيرتفع الخطاب عندك.
ولكن لا الأشاعرة قالوا بالتناقض الذي تزعمه، ولا المعتزلة، ولا غيرهم من فرق الإسلام، بل كل فرقة وفقت بين الآيات بحسب ما تراه من الدلالة، أما أن يقولوا بالتناقض والعجز عن الفهم، فهذا لم يقل به أحد من أهل الإسلام، بل الذي زعم التناقض المطلق فيه وعدم إمكان الفهم هم بعض الزنادقة فقط، والخارجون عن الإسلام والدين أصلا. وإذا علمت يا فادي أحدا من أهل الإسلام قال بالتناقض الحقيقي غير المقدور على حله، فأرجو أن تعينه لي.

أما سؤالك عن حكم من سألت عن حكمهم فإنه يتبين لك من كلامي السابق.

وأخيرا فأنا لي عودة أخرى بعد أن أرى ما عندك الآن، ولكن أريد منك أن تجيب على أسئلة بلال، فإنه لا يزال يسألك سؤالا بعد سؤال وأنت لا تجيب، لئلا يفهم عدم جوابك عليه هروبا منه.

fadilov
24-12-2003, 02:21
قال الأستاذ (ثم لما اعترضنا عليك، صرت تحاول تسويغ عبارتك بكلام لا قيمة له. )

أهكذا يكون الجواب يا أستاذ؟ هلا بينت لي هذا الكلام اللذي لا قيمة له، ثم بينت لي عدم قيمته، هكذا يكون الكلام عند المناظرة لا باطلاق مثل هذه العبارات دون أي بيان.

قال الأستاذ (ولكن أسألك مرة أخرى، على ما اعتمدت عندما قلت إن الله تعالى يمكن أن يدخل هؤلاء في الجنة، هل لأنهم معذورون، أو لأنهم قد يكونون قد آمنوا في آخر حياتهم.

ثانيا: ما الذي اعتمدت عليه عندما حكمت بأن الله تعالى يجوز أن يدخل الإمام الرازي والغزالي والشافعي ومالك وغيرهم النار شرعا وعقلا، هل لأنهم ربما يكونون قد كفروا في آخر عمرهم. أم ماذا؟؟؟

أرجو أن تجيب على ذلك لكي نعرف حقا هل أنت تفهم ما تنسبه إلى مذهب الأشاعرة فعلا. )

أن لا أتكلم عن المعذوريين ولا عمن كفر أو آمن قبل موته، بل أتكلم عمن يظهر الإيمان وهو كافر في الباطن ومن يظهر الكفر وهو مؤمن في الباطن، وكلاهما عند الأشاعرة جائز وجوده في الواقع، إذ الإيمان عندهم هو التصديق أو تصديق مخصوص ومحله القلب وعليه يجوز أن يكون مؤمنا في الباطن ومع هذا يلبس الصليب ويقتل المسلمين ويعذبهم وينتهك أعراضهم ويسلب وأموالهم بل ويذبح للأصنام، فإن هذه الأعمال وإن دلت على كفره فإنها لا تدل على كفره في حقيقة الأمر عند الله تعالى لجواز أنه فعل كل هذا مع عدم اعتقاده تعظيم الصليب واستحلال القتل وانتهاك أعراض وأموال المسلمين، وإنما اغتصب نساء المسلمين لأنه يستلذ بهذا الفعل ويقضي به شهوته، ولاذبح للأصنام لأنها تضر أو تنفع ولكن هذه عادة أبيه المشرك وهو على عادة أبيه من غير أن يعتقد ذات المعتقد. فهذا عند الأشاعرة كافر في الدنيا نجري عليه أحكام الكفار في هذه الدار أما عند الله في الآخرة فجائز أن يكون مؤمنا وأن يغفر الله له ويدخله الجنة من غير عذاب. أليس هذا مذهب الأشاعرة يا أستاذ؟ فإن قلت لا فبين لي خطأ قولي من كلامهم.هل يقطع الأشاعرة بكفر من فعل هذه الأشياء في الدنيا والآخرة؟ أي هل يقولون بكفره في حقيقة الأمر لا في الظاهر فقط؟ وهل يحكمون بخلوده بعينه في نار جهنم؟ إن ما نقلته سابقا عن الجرجاني يدل في رأيي على هذا فبين لي خطأ الاستدلال إن كنت تقول به.

قال الأستاذ (ثم أنت مطالب بأن تبين لنا لماذا قلت في الحالتين إن هذا جائز عقلا وشرعا، ما فائدة التقييد هنا بالجواز العقلي، والأهم من ذلك ما فائدة التقييد بالجواز الشرعي. )

إنما قلت شرعا حتى لا يتوهم من يقرأ كلامي أنهم يقولون بجواز ذلك عقلا فقط، وقلت شرعا حتى لا يتوهم أحد أنهم لا يقولون بالجواز عقلا.

قال الاستاذ (ثالثا: أما سؤال من أين جئت أنا بكلمة قطعي، فأقول لأن أصل المسألة المبحوث عنها في علم التوحيد والتي كانت موضع الكلام وهي عدم وجوب الثواب للمؤمن عقلا وكذلك عدم وجوب العقاب للكافر عقلا، هو الكافر الذي تحققنا من كفره)

إذا أنت فهمت أني أتكلم عن الكافر قطعا لأجل أن أصل المسألة المبحوثة في علم التوحيد تتكلم عن الكافر قطعا واللتي كانت موضوع الكلام، هذا لا ينفعك هنا لأته وببساطة شديدة قولك إن المسألة المبحوثة في علم التوحيد هي موضوع الكلام مجرد وهمٍ لا أدري كيف وقع لك، فإني لم أتباحث مع بلال في حكم الكافر قطعا وإنما كان كلامي معه في السابق يدور حول حكم مرتكب الكبيرة في الشرع، وأيضا لم أتكلم عن الوجوب والجواز العقلي معه بل عن الشرعي، فارجع واقرأ الكلام ثم تعال وأخبرني أين كانت هذه المسألة موضوعا للكلام، ولا أظنك ستقول أنها كانت موضوعا للكلام في علم التوحيد فإنه لا شأن لي بما كتب هناك. ثم إني أعيد قولي مرة أخرى إن ما نسبته لي من قولي أني أتكلم عن حكم الكافر قطعا مخالف لظاهر عبارتي (وكل من لم ينص الله عليه بالسم أنه خالد في نار جهنم) وكذلك مخالف لأمثلة اللتي ضربتها فإن جميع من سميت لك من الكفرة لا يقطع الأشاعرة بأنهم كفرة في حقيقة الأمر وذلك لما تقدم من إمكان أن يكون المرء عند الأشاعرة كافرا في الظاهر مؤمنا في الباطن. فلو سلمت لك أن الكلام كان عن المسألة اللتي ذكرتها فلن أسلم لك أنني لم أخصص الكلام فيمن لم يعلم كفره يقينا.

قال الأستاذ (أما جوازه العقلي، فإنما يكون لا مع ملاحظة حكم الشرع المبني على الظاهر، وأما جوازه الشرعي فإنما يكون مع ملاحظة الشرع لظاهر حال الإمام الشافعي، وظاهر حال الشافعي هو الإيمان، فكيف يصح قولك بأنه يجوز شرعا إدخال الشافعي في النار وخلوده فيها شرعا.
ألا ترى التناقض الكامن في عبارتك. )

لا لا أرى التناقض الكامن في عبارتي، أما الكلام عن الجواز الشرعي فإننا عندما نتكلم عن أحكام الدنيا نأخذ بالظاهر، وعندما نتكلم عن حكم الشرع في الشافعي وغيره في الآخرة فإننا لا نأخذ بالظاهر بل نكل علم ذلك إلى الله على وفق المذهب الأشعري، وبهذا يصح شرعا أن اقول بجواز دخول الشافعي النار عند الأشاعرة، وإنت إما أن تقطع بأن الشافعي من أهل النجاة عند الأشاعرة فبين لي هذا من كلامهم أو لا تقطع فيصح قولي بالجواز.

قال الأستاذ (وأما إذا ادعيت أنك تجمع بين الحالتين وتفرق بين الاعتبار وجهة بناء الحكم لكي تخرج من هذا الإشكال، فأقول لك: إن هذا الادعاء غير صحيح أولا لأنه غير ظاهر، بل الظاهر هو الاتحاد في مأخذ الحكم، وأيضا فلا يصح لك الجمع في الحالتين هنا لأن الأصل التفصيل. )

إن كنت تقصد بقولك (تجمع بين الحالتين وتفرق بين الاعتبار وجهة بناء الحكم) أني أقول أنه كافر ظاهرا مؤمن باطنا وعليه يدخل الجنة رغم ظهور كفره، فهذ اللذي عنيته، ولست أدعي هذا خوجا من الإشكال كما تقول بل هذا مرادي، وإن كنت تقصد غير هذا فبينهُ، وقولك الظاهر الاتحاد في مأخذ الحكم وقولك الأصل التفصيل، أقول لقد فصلتُ بذكري الأسماء اللتي لا يقطع الأشاعرة بحكم أحد منها أهو في الجنة أم في النار ألا ترى أني لم أذكر أبا لهب ولا فرعون موسى؟ وكذا فصلت بقولي وكل من لم ينص الله عليه بالاسم.

قال الأستاذ (حكم الشريعة أيها الناصح إنما يبنى على الظاهر، وقولك بجواز دخول الشافعي النار شرعا، لا يصح لك لأن الظاهر من الشافعي هو موته على الإيمان، ومن مات ظاهرا على الإيمان فلا يقال فيه إنه يجوز شرعا أن يخلد في النار. )

أن لا أتكلم عن أحكام الشريعة في الدنيا حتى تقول لي أنها تبنى على الظاهر، وإنما أتكلم عن أحكام الشريعة في الآخرة وهي عند الأشاعرة تبنى على الباطن أي لو كان الإمام الشافعي منافقا خَلُدَ في النار، ولا أحد من الأشاعرة يستطيع أن يحكم بأن الشافعي لم يكن منافقا وذلك لأنه لا استلزام عندهم بين الظاهر والباطن، أي يجوز أن يكون المرء في غاية الصلاح ظاهرا ويكون كافرا في باطنه، وقولك (ومن مات ظاهرا على الإيمان فلا يقال فيه إنه يجوز شرعا أن يخلد في النار. ) إن كنت تنسبه إلى الأشاعرة فبين لي هذا من كلامهم حتى تقيم الحجة علي.

قال الأستاذ (هل ترى وجه الخلط عندك؟؟؟)

لا لم أر وجه الخلط عندي ولكن رأيت شيئا آخر.

قال الأستاذ (أما سؤالك عن حكم من سألت عن حكمهم فإنه يتبين لك من كلامي السابق. )

الأستاذ سعيد أرجوا ان تجيبني عن الأسئلة اللتي سألتها لك في المشاركة السابقة بوضوح أكثر فإن جوابك هذا لا يفيد في شيء، لقد كانت أسئلتي واضحة ومحددة فأرجو أن تكون الإجابة كذلك، أُذكر السؤال واذكر جوابه لو تكرمت.

وأنا بانتظار جوابك ثمَّ بعد أن أفرغ من هذه المسألة آتي إلى المسألة اللتي تليها.

جلال علي الجهاني
24-12-2003, 12:03
تم فتح صفحة جديدة لهذا النقاش، تحت عنوان: القسم الثالث من التعليق على إشكالية فهم النص القرآني، لاستكمال النقاش هناك في المسائل الجديدة
وأول مسألة هي للكلام حول :مسألة العموم في قول الله تعالى(ومن يعص الله)
، أما فيما يتعلق بما هو مطروح هنا فيمكن استكمال النقاش فيه

سعيد فودة
24-12-2003, 14:23
أنت أولا لم تجب على كثير مما سألتك عنه، خاصة ممما يتعلق بكون القرآن مبينا. فأرجو أن تجيب عليها أولا لأنها أمور أصلية في حقيقة الأمر، لأن من لا يعتقد بإمكان فهم القرآن أصلا فهما تقوم به الحجة علينا فكيف يمكن النقاش والكلام معه؟؟ومع ذلك أقول لك:
أولا: أنت رجعت تقول أنك كنت تتكلم عن غير الكافر القطعي،
أعيد عليك الكلام لعله يزداد بيانا لك،
أنت قلت إنه الشافعي يجوز عقلا وشرعا أن يخلده الله تعالى في النار. فأخذت الحكم بالجواز من العقل ومن الشريعة.
أما من ناحية العقل فلا خلاف حتى الآن، ومعنى أنه عقلا يمكن ذلك، أي أنه لا يجب شيء على الله تعالى. أعتقد أنك توافقني على ذلك.
أما إسنادك الجواز إلى الشريعة، فينبغي أن يكون معناه، أن أدلة الشريعة تجيز القول بأن من علمناه أنه الإمام الشافعي يجوز خلوده في النار. أليس كذلك؟
حسنا، إن حكم الشريعة يبنى على الظاهر من الإنسان، والظاهر من الشافعي الإسلام، ولم نعرف أنه كفر ولا ارتد في نهاية عمره. فعلى ماذا اعتمدت عندما قلت إنه يجوز شرعا أن يخلد في النار، هل على ظاهر حال الشافعي، أم على باطنه، لا يصح لك إسناد الحكم الشرعي بناء على ما في باطن الشافعي، لأنك لا تعرفه. أما ظاهره فهو مؤمن.
فكان الصواب أن تقول، إن الحكم الشرعي في الشافعي أنه مؤمن، بناء على ظاهر الشافعي، ولا يجوز أن تقول إن الشريعة تجوز أن تخلد الشافعي في النار الذي ظاهره عندنا الإيمان. فالحكم الشرعي يبنى على الظاهر فقط.
وأما احتمال كفره باطنا، فلا يبنى عليه حكم شرعي أصلا، بل هو مجرد احتمال عقلي. ثم إن هذا الاحتمال العقلي بكونه كافرا، مرجوح عقلا أيضا.
ثم ألا تعلم أن من شهد له المسلمون في حال الدنيا بحسن الإيمان، وتواترت احوالهم على ذلك، فقد حقق كثير من علماء الأشاعرة-الذين تدعي أنت أنك تحقق مذهبهم- أنه كذلك في الآخرة. واحتجوا بأحاديث كثيرة.
هذا هو مذهب الأشاعرة، يا فادي وليس ما تتصوره أنت في ذهنك.
ولذلك فإن الأمة كلها تترضى على هؤلاء العلماء وتترحم عليهم وتقتدي بهم.
إنه لا يستقيم قولك، إنه يجوز شرعا تخليد الشافعي في النار، حال حكم الشريعة نفسها بإيمان الشافعي. أليس هذا تناقضا في كلامك.
أما تجويز التخليد في النار، فإنما هو مع ملاحظة احتمال عقلي لا مع ملاحظة حكم شرعي.
وأكرر لك مرة أخرى يا فادي، لعلك تتبين ما أقول:
هناك فرق بين الحكم بالخلود في النار، وبين الحكم بالإيمان. والحكم بالخلود في النار تنيجة للحكم بالإيمان، والحكم بالإيمان حكم شرعي، يبنى على أمر ظاهر بعلامات شرعية لا على مجرد احتمالات عقلية، فإن ضوابط الحكم الشرعي أيضا شرعية، فلا يجوز أن تقول إنه شرعا يجوز إدخال سيدنا عمر بن الخطاب النار، لأن نفس الشريعة حكمت عليه بأنه مؤمن، وهو في الجنة، وكذلك الحكم الشرعي على إنسان بالإيمان له ضوابط شرعية لا مجرد احتمالات عقلية.
إذن لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا يجب أن تحكم عليه أولا أنه مؤمن شرعا، ولكي تحكم عليه أنه مؤمن شرعا، يجب أن تضبط حكمك بما اعتبرته الشريعة من ضوابط ولا تضبط حكما الشرعي باحتمال عقلي مخالف للظاهر.
فنحن حكمنا على الشافعي بالإيمان، بضوابط شرعية، بل في حق الشافعي، تظاهر أكثر من دليل على ذلك منها شهادة الأمة لها وقبولها له.
ثم لما رجعنا إلى الشريعة، رأينا الشرع يقول كل من حكمتم عليه بالإيمان، بضوابط شرعية، مبنية على ظواهر معتبرة شرعا، فهو في الجنة ولا يخلد في النار، أي إن حكم الشريعة في حقنا أننا يجب الاعتقاد بمن حكمنا عليه أنه مؤمن أنه في الجنة على حسب حكم الشريعة.
هذا هو مناط الحكم أن فلانا في الجنة، أو أنه في النار شرعا.
فعلى ماذا اعتمدت أنت على القول بأنه شرعا يجوز تخليده في النار؟
ألم تعتمد على مجرد احتمال عقلي مردود شرعا أصلا بأنه يمكن أن يكون باطنه كافرا؟؟ فإذا كان هذا الاحتمال مردودا شرعا، فكيف أجزت أن تقيم حكما نسبته إلى الشريعة بأنه يجوز تخليده في النار. فهل تجيز الشريعة تخليد من حكمت عليه أنه مؤمن- في النار؟
ولذلك فإننا نشهد عموما لمن مات على الإيمان أنه في الجنة، ظاهرا، وهذا هو حكم الشرع، ولذلك نصلي على الجنازات ولو أقمنا الحكم على احتمال عقلي لما جاز الصلاة على أحد إلا إذا قطعنا بنهايته.
والصلاة على الجنازة هي صلاة على من هو في حكم الشريعة مؤمن، وكذلك الترحم لا يجوز إلا على مؤمن في حكم الشريعة. ولا يقال إن حكم الحكم الشرعي بالإيمان مبني على الظاهر، ولا اعتبار للاحتمال العقلي هنا في مقابلة ظاهر شرعي وحسي.
فإن قلت لم لا يجوز أن نجزم على أحد بأنه خالد في الجنة، بل إنما نقول الظاهر أنه كذا، والعلم عند الله.
الجواب: لأن الشريعة إنما أجازت لك الظن بذلك بناء على ما ظهر لك بتقييد وضبط الشريعة نفسها. وأما إذا سئلت عن القطع، به، فلا تقطع إلا بدليل شرعي.
فإن قلت ألا يجوز عقلا كفر من ظاهره الإسلام،
فالجواب: نعم هذا جائز، ولكن جواز كونه كافرا في باطنه، إنما هو جواز عقلي، لا شرعي، لأن الشريعة حكمها على الظواهر. ومتعلق الحكم الشرعي إنما هو الظاهر هنا. فلا يقال إن الاحتمال العقلي بكونه كافرا في باطنه، هو شرعي أيضا. فحتى الاحتمال فهو عقلي.
أرجو أن تكون المسألة واضحة الآن.

ثانيا: وأما كفر الكفار ظاهرا بحسب الشريعة، فنحن نكفر من كفرتهم الشريعة بحسب الظاهر.
ثالثا: هذا هو معنى الحكم الشرعي يا فادي.


أرجو أن تجيبني وتعلق لي على هذه النقطة وباقي الأسئلة التي سألتها لك. وخاصة ما يتعلق منها ببيان القرآن وقولك هل قال به أحد من المسلمين، وما يتعلق بالتكليف هل نحن مكلفون في حال انعدام البيان. وغير ذلك مما سألتك عنه.
ولنا عودة أخرى.

fadilov
25-12-2003, 13:08
قال الأستاذ (أنت أولا لم تجب على كثير مما سألتك عنه، خاصة ممما يتعلق بكون القرآن مبينا. فأرجو أن تجيب عليها أولا لأنها أمور أصلية في حقيقة الأمر، لأن من لا يعتقد بإمكان فهم القرآن أصلا فهما تقوم به الحجة علينا فكيف يمكن النقاش والكلام معه؟؟)

نعم أنا لم أجب عن هذا وذلك لأني لا أريد الكلام في أكثر من مسألة في ذات الوقت، وأنت جعلت ما نسبتُهُ إلى الأشاعرة أول مسألة طرحتَها في أسئلتك فإذا فرغنا منها انتقلنا إلى غيرها، وإن كنت تريد الانتقال إلى غيرها قبل أن نفرغ منها فلك هذا هذه المرة على أن لا نكرره في المستقبل، وأنا لن أجيب بأي شيء على ما تفضلت به حتى تحدد لي المسألة اللتي تريد الكلام فيها مع التنبيه على أنك لم تأت بأي قول للأشاعرة يثبت ما تنسبه إليهم. على أي حال أرجو منك يا أستاذ أن تحدد لي بالضبط المسألة اللتي تريد الكلام فيها وتبين مذهبك فيها حتى نبدأ.

سعيد فودة
27-12-2003, 13:45
كلامك غريب جدا يا فادي، وجوابك هذا غير متوقع منك.
أما أولا: فلأن المسألة التي ندير فيها الكلام أساسا هو نسبتك أنت أنه على مذهي الأشاعرة يجوز لك أن تقول إن الله تعالى يجوز أن يخلد الشافعي والإمام مالك وغيرهم مما ذكرت أنت في النار، وذلك شرعا وعقلا.
فأنت من يجب عليه أن يثبت أن هذا هو مذهب الأشاعرة.
وأما أنا فمع أنني انكرت عليك نسبة هذا القول، إلا أنني مع ذلك تبرعت ببيان الوجه الذي اعتمدت عليه في نفي ذلك من الناحية الشرعية. وبينته لك بتفصيل.
فقولك أنني أنا من يجب عليه بيان ذلك مخالفة لأصول البحث يافادي، لأنك أنت أصلا من نسب هذا للأشاعرة وقلت إن هذا جائز شرعا عندهم. ومعنى جائز شرعا أنه جائز في حكم الشريعة.
وأما عقلا فقد قلت لك أنه لا خلاف فيه حتى الآن، وأقصد حتى أتبين منك بعدُ كيف تفهم الجواز الشرعي.
فأنت من يجب عليه أن يبين هذه المسألة أو ترد على استدلالي وبياني الذي وضحته لك سابقا على أنه مطرد مع مذهب الأشاعرة.
وأرجو أن لا تستدل لي بنصوص تجوز ذلك عقلا كالنص الذي أوردته من المواقف وشرحها.

أما ثانيا: فإن مسألة البيان وما دار فيها، فإنها تابعة أصلا للكثير من الادعاءات التي تدعيها أنت حتى الآن ولا تأتي بدليل عليه سواء أثناء كلامك مع بلال أو مع كلامك معي. وأنا كنت قد سألتك أولا عن البيان فأجبتني أنك تقول نعم إن القرآن غير مبين، وقلت لي إننا غير مخاطبين بالقرآن، فكانت أسئلتي الأخيرة وإكمالا لما وصلنا إليه حتى الآن.
فلا وجه لقولك لي الآن أن نتكلم في مسألة واحدة فقط، لأن ما بيننا أكثر من مسألة.
والسبب في كلامنا في بيان القرآن، وتبيينه، هو أنك تعتمد هذا أصلا عندك، أو غاية لديك تريد إثباتها، أليس كذلك. فليس من الغريب أن نتكلم فيها، بل الغريب ألا نتكلم فيها.
وأنا الآن أطلب من الأخ جلال المشرف على الموقع، أن يقل مسألة بيان القرآن وما دار فيها ويضعه في محل خاص، لنكمل الكلام فيها جنبا إلى جنب مع مسألة الحكم الشرعي الذي تدعيه بتخليد الشافعي في النار وتنسبه إلى الأشاعرة.

بل سوف أفتح الكلام معك في كل مسألة فتحتها في هذا المنتدى على حدا، أي في باب خاص، وأطالبك بالإتيان بالأدلة التامة عليها. وكل واحدة في محل خاص بها كما فعل جلال في مسألة (ومن يعص..).

وبعد هذا البيان، أرجو أن تكمل وتجيب على ما سألتك عنه هنا وفي الموضع الآخر بما تعتقده وبوضوح.
وفي نظرين من الغريب أن تضيع علينا ثلاثة أيام من أجل ما كتبته أخبرا من طلبك تعيين المسألة التي نتكلم فيها، مع أنه من الواضح أننا نتكلم فيما أشرت لك إليه، ومحل كلامنا االحالي هو الحكم الشرعي. وأيضا مسألة بيان القرآن وعدم بيانه وكوننا مخاطبين الآن به أو لا كما تدعي أنت. فهاتان مسألتان حتى الآن. وسوف أبرز غيرهما مما أثرته أنت أثناء كلامك ونتكلم كل مسألة في محل خاص.
ولست أنا من أثار هذه المسائل بل أنت كنت تقولها أثناء كلامك ولم أفعل سوى أن أسألك عنها، فأنا السائل وأنت المجيب حتى أقر بجوابك أو تسكت، أو أعجز عن سؤالك.
هذه هي آداب البحث والنظر.

fadilov
28-12-2003, 00:56
الأستاذ سعيد،
أراك تريد إكمال الكلام هنا فيما نسبتُه إلى الأشاعرة، وتطلبُ إكمال الحديث عن قولي في بيان القرآن في مكان آخر، وهذا والله ما أردته وعذرا إن أفهمَت عبارتي غير ذلك، وأنا أنتظر معك أن يقوم الفاضل جلال متكرما بما طلبتَه منه.
وأما أنك ستفتح الكلام معي في كل مسألة طرحتها في المنتدى فإن هذا والله مما يفرحني، وأما أنك ستطلب مني الإتيان بالأدلة التامة على ما أقول في كل مسألة فسآتيك بها ولكن دليلا بعد الآخر أي عندما نفرغ من الدليل الأول سأنتقل إلى الثاني إن رددتَهُ، أو لا أفعل إن عجزتَ. وأرجو إن كان الحقُ معك أن يظهرهُ الله لي قبل أن يحين أجلي.
ودعني أكمل الكلام فيما نسبتُه للأشاعرة، وقد رأيتك في كلامك الأخير تذكرُ معنى قولي وتؤيده وذلك عندما قلتَ: (فإن قلت لم لا يجوز أن نجزم على أحد بأنه خالد في الجنة، بل إنما نقول الظاهر أنه كذا، والعلم عند الله.
الجواب: لأن الشريعة إنما أجازت لك الظن بذلك بناء على ما ظهر لك بتقييد وضبط الشريعة نفسها. وأما إذا سئلت عن القطع، به، فلا تقطع إلا بدليل شرعي. )
وأنا هذا عين ما قصدته عندما نسبتُ إلى الأشاعرة ما نسبتُ بل هذا هو ذات ما أرى أن عبارتي تدل عليه، فأنتَ تقول إن الشريعة أجازت لنا الظن بأن المؤمن خالد في الجنة، واسمح لي أن أجعل العبارة أكثر دقَّة فأقول أن الشريعة أوجبت علينا الظن بأن المؤمن خالد في الجنة كما أوجبت علينا أن لا نقطع بذلك إلا بدليل شرعي كما هو الحال في عمر رضي الله عنه.
فإن قبلتَ بهذا وهو ما دلتَ عليه عبارتك كما أفهمها فإن لازم ما أجازته الشريعة على حد تعبيرك أو ما أوجبته الشريعة كما عبرتُ أنا به هو جواز أن يدخل من ظاهره الإيمان النار، وهو جواز شرعي لا عقلي لأن هذا لازم لما جعلتهُ أنت أمرا شرعيا وهو جواز الظن بخلود المؤمن في الجنة. وبهذا يصح قولي. فعلى ماذا تعترض؟ وما الفرق بين ما قلتَهُ وما قُلتُه؟

سعيد فودة
28-12-2003, 14:33
أما إذا كنت فعلا توافقني ،فأهلا ومرحبا بذلك. ولكن عليك أن تعدِّلَ عبارتك الأولى محل الكلام. وهي جواز تخليد الشافعي شرعا في النار، إلى ما تقول به الآن، وهو وجوب الحكم على السافعي في الجنة.

ألم أقل لك سابقا:
(إن المغالطة يا فادي أتتك من عدم تحديد الجهة، وهونا على نفسك، وتلطفا بها)

وكان قصدي بالجهة كما هو معلوم :الوجوب والجواز بالمعنى الأعم والأخص والاستحالة، كما هو مبين في علم المنطق.
وهذا ما أراك صرت تحاول التنبه إليه في كلامك عندما أبدلت قولي بالجواز إلى الوجوب. (مع ان تفسيرك لعبارتي ليس تاما لاختلاف جهة تعلق الوجوب الذي ذكرتَه، فأنت علقته بالظن على الجميع بأنه في الجنة أو النار، وأنا فرقت بين الشافعي وغيره، والفرق هذا هو محل النزاع)
وأراك يا فادي تستدل بكلام قلتُه أنا لا على وجهه، فأنا عندما قلت لك إن الشريعة أجازت الحكم بأن الشافعي خالد في الجنة، وأنا أحمد الله تعالى على أنك فهمت من كلامي الوجوب، فإن الجواز الذي أطلقته في عبارتي أنا إنما هو بالمعنى الأعم، وأنت قلت إن الشريعة أجازت الحكم بتخليد الشافعي في النار.
وأصل كلامي معك إنما هو في التفريق بين نحو الشافعي ممن شهدت لهم الأمة وبين غيرهم.
فكيف تقول إن عبارتي (أجازت الشريعة الحكم على أحد الخلود في الجنة) وأنت فهمت منها أن الشريعة أوجبت الحكم عليه بالجنة والخلود فيها.
كيف تقول إن عبارتي هذه، مساوية لعبارتك الأصلية محل الكلام (وهي إن الشريعة أجازت الحكم على الشافعي بأنه خالد في النار)
فأين هذا من ذاك يا فادي؟؟ هل تقول إن معنى عبارتك إن الشريعة أوجبت على الشافعي الخلود في النار أيضا كما فسرتَ به عبارتي.
أم تقول إن معنى عبارتك إن الشريعة احتملت تخليده في النار، فما درجة هذا الاحتمال، هل هو الظن أم التساوي بين الأمرين أم ماذا؟
وعلى كل الوجوه فهل يستقيم قولك بجواز تخليده شرعا في النار مع قولي بجواز الظن بأنه في الجنة.
لاحظ إن عبارتي هنا (هي الشريعة أجازت الحكم على أحد بأنه في الجنة) وليس الكلام في عبارتي هذه على الشافعي!!
وأنت احتججت بها على محل النزاع وهو الشافعي، وهذا الاحتجاج لا يصح، للفرق بينهما.

ثم أين المساواة وأنا قلت لك سابقا
(فكان الصواب أن تقول، إن الحكم الشرعي في الشافعي أنه مؤمن، بناء على ظاهر الشافعي، ولا يجوز أن تقول إن الشريعة تجوز أن تخلد الشافعي في النار الذي ظاهره عندنا الإيمان. فالحكم الشرعي يبنى على الظاهر فقط.
وأما احتمال كفره باطنا، فلا يبنى عليه حكم شرعي أصلا، بل هو مجرد احتمال عقلي. ثم إن هذا الاحتمال العقلي بكونه كافرا، مرجوح عقلا أيضا.)
فأنا صرحت لك في حق الشافعي، أن نحكم على ظاهره شرعا، وظاهره هو الإيمان، ومقتضى ذلك الخلود في الجنة لا النار كما تزعم أنت.

ألا ترى يا فادي أنك تأخذ بعض العبارات من كلامي وتستدل بها في غير محلها.
كلامي معك إنما هو على من هو مثل الشافعي ومالك، أنت أجزت شرعا تخليدهما في النار في أصل كلامك.
وها هنا تقول إنك لا تقصد إلا أنهما يجب خلودهما في الجنة شرعا.
فهل يستوي جواز خلودهما في النار شرعا، مع وجوب خلودهما في الجنة شرعا كما تقول الآن.
ألا ترى أن في كلامك بعض الحيرة والتردد.
لا عليك يا فادي أن تعدل من عبارتك الأولى، والتي تقول فيها(يجوز شرعا أن يخلد الشافعي في النار)
فتقول الآن (يجب علينا أن نحكم شرعا بوجوب تخليد الشافعي في الجنة)
ولا تقل لي إن معنى العبارتين متساوٍ !!! لئلا تخالف البداهة في دلالات اللغة فيستحيل الكلام معك.
ولا تقل لي إنه يجوز عقلا كذا كذا، لأن أصل الكلام إنما هو في الجواز الشرعي.
ثم تنبه إلى أنني فرقت في كلامي في الحكم شرعا على نحو الإمام الشافعي وعلماء الأمة المشهود لهم، وبين أي أحد في الشريعة؟؟! ولا أراك إلا غير متنبه إلى ذلك، وتحسب أن حكم الجميع واحد، وبناء على ذلك تستدل بفقرة من هنا وبفقرة من هناك !!
وهذا تضارب.
وبناء على ذلك أقول:
قولك(فأقول أن الشريعة أوجبت علينا الظن بأن المؤمن خالد في الجنة كما أوجبت علينا أن لا نقطع بذلك إلا بدليل شرعي كما هو الحال في عمر رضي الله عنه. )
- أنت تستدل بحكمي على أي مؤمن على حكمي على الشافعي، والشافعي أخص من أي مؤمن، والاستدلال بالأعم على الأخص لا يجوز.
- إذا أردت أن تدل على خلاف ما قلته لك، فعليك أن تدلل على أن الشافعي يجوز تخليده في النار كما ادعيت في عبارتك الأولى. ويبدو أنك لغاية الآن لم تدرك وجه الاعتراض. أو أنك تغالط، وأرجو أن لا تكون مغالطا.
-أنت تقول إذن بأنك تقطع أن نحو عمر رضي الله عنه خالد في النار. فكيف ثبت لك خلود، هل بدليل متواتر أم آحاد؟ الحديث الوارد فيه ليس متواترا، فكيف قطعت بحكمه أنه في الجنة.
-وإذا قلت في حق عمر رضي الله عنه، إنه يجب القطع شرعا بأنه في جنة، فهل تجيز شرعا الحكم عليه بأنه في النار.
-
قولك (فإن قبلتَ بهذا وهو ما دلتَ عليه عبارتك كما أفهمها)
أما مطلق ما ذكرتَه أنت يا فادي، فلا أقبله، كما بينته لك، وليس هو ما دلت عليه عبارتي كما وضحته لك. وربما هذا هو ما فهمتَه أنت، وليس كل ما تفهمه أنت صحيحا. فتأمل قليلا.

وقولك(فإن لازم ما أجازته الشريعة على حد تعبيرك أو ما أوجبته الشريعة كما عبرتُ أنا به هو جواز أن يدخل من ظاهره الإيمان النار، وهو جواز شرعي لا عقلي لأن هذا لازم لما جعلتهُ أنت أمرا شرعيا وهو جواز الظن بخلود المؤمن في الجنة. وبهذا يصح قولي. فعلى ماذا تعترض؟ وما الفرق بين ما قلتَهُ وما قُلتُه؟ )
أنت لحد الآن لا تدرك الفرق بين كلامي وكلامك، ولعلك بما مضى تدركه.
-أرجو أن تتنبه إلى أن أصل كلامك ليس في أي مؤمن، بل هو في الشافعي خصوصا، وهذا هو أصل اعتراضي عليك. منذ البداية.
وأنت الآن تستدل بكلام عام على محل خاص وهذا لا يصح، كما تعرف في الأصول.
وأما ما قلته من أن الجواز هو جواز شرعي، فلا أسلمه لك، بل هو جواز عقلي مبني على احتمال. وأما الجواز الشرعي، فأنا ما زلت أقول لك إن من قلتَ فيه يجب أن يخلد شرعا الجنة، فلا يصح لك أن تقول يجوز أن يخلد شرعا في النار. فهذا تناقض.
واعتراضي عليك هو أنك أجزت على الشافعي الخلود في النار شرعا. فركز معي قليلا.


أرجو أن تعيد النظر في ذلك. فإن وافقت عليه، فَصَرِّحْ بالموافقة. وإلا
فأجب على ما يلي:
قولك في أصل الكلام
(يجوز تخليد الشافعي في النار عقلا وشرعا)
1- ماذا تريج بالجواز، هل هو الجواز الأعم أو الأخص.
2- ظاهر عبارتك يعني
-يجوز عقلا تخليد الشافعي في النار وَ
-يجوز شرعا تخليد السافعي في النار.
فهل معنى الجواز في العبارتين واحد.

ولكن إذا قلت إنك أردت بالجواز شرعا ما صرحت به أخيرا
ولي بقية من أسئلة على نفس هذه العبارة بعد أن تجيب.


وتعالى معي لأذكرك مرة أخرى بما ادعيته أصلا، فربما تكون نسيت:
أنت قلتَ:
(ومن مذهبهم أنهم يجيزون أن يضع الله ماركس ولينين وستالين في الجنة من غير عذاب عقلا وشرعا بل وكذلك أن يضع شامير وشارون وغيرهم من أئمة الكفر في الجنة من غير عذاب، وكل من لم ينص الله عليه بالاسم أنه خالد في نار جهنم، وفي ذات الوقت يجيزون أن يضع الله الإمام الرازي والإمام الغزالي والسنوسي بل والإمام مالك والشافعي في نار جهنم خالدين فيها أبدا عقلا وشرعا، )

فهل ما زلت تقول:
-إن من علمنا كفره شرعا كستالين ولينين فإنه يجوز شرعا أن يضعه الله في الجنة.
-وهل ما زلت تقول إن من علمنا إيمانه شرعا كالشافعي، يجوز أن يضعه الله في نار جهنم خالدين فيها أبدا. بحكم الشريعة كما تقول.
وهل ما زلت تقول إن هذا هو مذهب الأشاعرة.

أم تقول بعبارة صحيحة: "إن من حكمنا عليه شرعا بالكفر لظاهره، يجوز عقلا أن يكون مؤمنا حقيقة. ومن حكمنا عليه شرعا بالإيمان لظاهره فيجوز عقلا أن يكون كافرا."
وبناء على هذا الاحتمال، يكون ما يترتب عليه من الخلود في الجنة أو النار. وهذا مبني على ما أشرت إليه سابقا من الفرق بين التكفير والكفر.
ولا تقل إن هذه العبارة مساوية لعبارتك وما ادعيته أنت أولا. وإلا كنت مغالطا ومعاندا.

فأرجو أن تجيب على كل ذلك، وإن وافقت على هذا التحرير والتحقيق، فعليك أن تتراجع عن عبارتك الأولى محل النقاش.
وإلا فأجب عما سألتك عنه.

fadilov
29-12-2003, 03:07
الأستاذ سعيد،
حتى نحرر موضع النزاع أسألك هل خلافك معي في كل من ظاهره الإيمان أم في الشافعي وغيره ممن تدعي أن الأمة شهدت لهم بالإيمان؟ فإني تارة أراك تتكلم عن كل مؤمن وتارة أراك تتكلم عن الشافعي ومن مثله ممن شهدت لهم الأمة ثمَّ ترميني بالتناقض وعدم الفهم والتضارب والتخبط الحق أن كل عذا موجود في كلامك أنظر إلى ما تقول في أنك تتكلم فقط عن الإمام الشافعي ومن مثله وتفرق بينه وبين من سواه:

(ثم تنبه إلى أنني فرقت في كلامي في الحكم شرعا على نحو الإمام الشافعي وعلماء الأمة المشهود لهم، وبين أي أحد في الشريعة؟؟!)
(كلامي معك إنما هو على من هو مثل الشافعي ومالك، أنت أجزت شرعا تخليدهما في النار في أصل كلامك. )

ثم أنت تتكلم في مواضع أخرى عن كل مؤمن حكمنا عليه بالإيمان سواء أكان ممن شهدت له الأمة أم لا أنظر إلى قولك
(ثم لما رجعنا إلى الشريعة، رأينا الشرع يقول كل من حكمتم عليه بالإيمان، بضوابط شرعية، مبنية على ظواهر معتبرة شرعا، فهو في الجنة ولا يخلد في النار، أي إن حكم الشريعة في حقنا أننا يجب الاعتقاد بمن حكمنا عليه أنه مؤمن أنه في الجنة على حسب حكم الشريعة.)
(ما الذي اعتمدت عليه عندما حكمت بأن الله تعالى يجوز أن يدخل الإمام الرازي والغزالي والشافعي ومالك وغيرهم النار شرعا وعقلا، هل لأنهم ربما يكونون قد كفروا في آخر عمرهم. أم ماذا؟؟؟)
فكيف تزعم أنك تتكلم معي فقط فيمن هو مثل الشافعي؟

ثمَّ أنظر إلى قولك بأننا يجوز أن نحكم على واحد بأنه في النار شرعا بعد أن نحكم عليه بالإيمان شرعا (إذن لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا يجب أن تحكم عليه أولا أنه مؤمن شرعا، ولكي تحكم عليه أنه مؤمن شرعا، يجب أن تضبط حكمك بما اعتبرته الشريعة من ضوابط ولا تضبط حكما الشرعي باحتمال عقلي مخالف للظاهر.) ثمَّ أنت تنكر قولي وتنسبني إلى التناقض والاضطراب وكلامك أولى به. ووالله ما كنت أريد أن أستخدم مثل هذه الألفاظ معك احتراما لك ولكن أرى الأمر قد زاد عن حده.

وأعجب من هذا قولك: (أنت تستدل بحكمي على أي مؤمن على حكمي على الشافعي، والشافعي أخص من أي مؤمن، والاستدلال بالأعم على الأخص لا يجوز.) وهذا والله كنت أحمله على السهو منك ثمَّ رأيتك كررته بقولك (وأنت الآن تستدل بكلام عام على محل خاص وهذا لا يصح، كما تعرف في الأصول.) فمنذ متى كان العموم لا يستدل به على أفراده الخاصة؟ فإن قولك (لم لا يجوز أن نجزم على أحد بأنه خالد في الجنة) عام في كل أحد فهو يشمل الشافعي ولا شك إلا أن تخصصه وأنت لم تفعل إذ كان هذا الكلام آخر كلام لك في المسألة وكأنه خلاصة المسألة عندك.

ثمَّ أنت تقول أن كلامك معي منذ البداية كان في الإمام الشافهي ونحوه وهذا غير صحيح بل كلامك معي منذ البداية كان فيما نسبته لي من القول بجواز أن يدخل الكافر القطعي الجنة، وبعد أن رددتُ عليك وبينت خطأ فهمك وأنني لم أقصد الكافر القطعي وأن عبارتي لا تفهم ذلك وأنك أخطأت الفهم رأيتك تترك الكلام في هذه المسألة وتنتقل للكلام عن حكم الشافعي تارة وأي مؤمن تارة أخرى. فأين ذهب ما نسبتَهُ لي يا أستاذ ولماذا تركت الحديث عنه؟

وأما ما نسبته من القول بدخول عمر رضي الله عنه الجنة فهو غير معتمد كما توهمته على خبر الآحاد بل جاءت آيات القرآن في ذلك وهي تدل بعمومها على أنه رضي الله عنه من أهل النجاة، ثمَّ إني أسألك هل تجعل منزلة عمر رضي الله عنه وحكم القطع بخلوده في الجنة بمنزلة الحكم في حق الشافعي؟

على أي حال أنا أنتظر الجواب عن هذا حنى نحدد مواطن النزاع، وخلاصة الكلام هل تنازعني في كل مؤمن أم في الشافعي ومن كان مثله ممن شهدت له الأمة؟

fadilov
29-12-2003, 11:15
وسؤال آخر مهم هل تنازعني في كل من ظاهره الكفر أم في ستالين ولينين ونحوهم من أئمة الكفر أم لا تنازع في شيء من هذا؟

بلال النجار
29-12-2003, 11:24
ملحوظة سريعة

قال فادي للشيخ: (ثمَّ أنظر إلى قولك بأننا يجوز أن نحكم على واحد بأنه في النار شرعا بعد أن نحكم عليه بالإيمان شرعا (إذن لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا يجب أن تحكم عليه أولا أنه مؤمن شرعا، ولكي تحكم عليه أنه مؤمن شرعا، يجب أن تضبط حكمك بما اعتبرته الشريعة من ضوابط ولا تضبط حكما الشرعي باحتمال عقلي مخالف للظاهر.) ثمَّ أنت تنكر قولي وتنسبني إلى التناقض والاضطراب وكلامك أولى به. ووالله ما كنت أريد أن أستخدم مثل هذه الألفاظ معك احتراما لك ولكن أرى الأمر قد زاد عن حده)

فأقول: حين قرأت هذه العبارة، علمت أن الشيخ سها فقال: (لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا يجب أن تحكم عليه أولا أنه مؤمن شرعا)، بدل أن يقول: (لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا يجب أن تحكم عليه أولا أنه كافر شرعاً) لأنّ ما وقع في عبارته لا يقول به أحد من المسلمين، فضلاً عن عالم فاضل من أهل السنّة كالشيخ. وكذا بقرينة المقابلة التي عقدها فتكلّم أولاً عن الكافر شرعاً ثمّ عن المؤمن شرعاً، وأن الحكم الشرعيّ على كلّ واحد منهما بأنه في النار والجنّة على الترتيب، ينبغي أن يرجع فيه إلى الضوابط الشرعيّة التي بها يعرف الكافر والمؤمن شرعاً، ثم إن هذه الضوابط تعتبر أقواله وأفعاله وأحواله الظاهرة ولا تستند إلى مجرّد الاحتمال العقليّ.

هذا ما يفهمه كلّ منصف من كلام الشيخ. وأما أن تنسبه للتناقض لمجرّد سهوه في طباعة كلمة، فهذا لا يليق نسبته إلى عالم فاضل مشهود له بسعة العلم والعقل والتحقيق. وكان الأولى منك أن تحمله منه على هذا المحمل الذي بيّناه لشدّة ظهوره ولا تلتفت إلى ذلك، أو تقول حق العبارة أن تكون كذا..، أو على الأقل أن تنبهه عليه بالسؤال: بأنه هل فعلاً يقصد المطبوع أم أنه سها. فهل تريد منا يا فادي أن نتتبع كلامك ونرصد ما يمكن أن تقع فيه من ذلك، ونلزمك به ونبني عليه أحكاماً ونحاسبك عليه؟

هذا ما اقتضى أن أنوّه له. والعذر من تدخّلي في الكلام، ولكنّي استأذنت أن أتدخّل في هذا الحوار من قبل في القسم الثالث، ولم يعترض على ذلك. ولي رجعة قريبة حين أفرغ من بعض شغلي إن شاء الله تعالى.

والله تعالى الموفّق

fadilov
29-12-2003, 13:58
قال الفاضل بلال (حين قرأت هذه العبارة، علمت أن الشيخ سها فقال: (لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا يجب أن تحكم عليه أولا أنه مؤمن شرعا)، بدل أن يقول: (لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا يجب أن تحكم عليه أولا أنه كافر شرعاً) لأنّ ما وقع في عبارته لا يقول به أحد من المسلمين، فضلاً عن عالم فاضل من أهل السنّة كالشيخ. وكذا بقرينة المقابلة التي عقدها فتكلّم أولاً عن الكافر شرعاً ثمّ عن المؤمن شرعاً، وأن الحكم الشرعيّ على كلّ واحد منهما بأنه في النار والجنّة على الترتيب، ينبغي أن يرجع فيه إلى الضوابط الشرعيّة التي بها يعرف الكافر والمؤمن شرعاً، ثم إن هذه الضوابط تعتبر أقواله وأفعاله وأحواله الظاهرة ولا تستند إلى مجرّد الاحتمال العقليّ. )

هذا اللذي فهمتهُ من كلام الأستاذ خطر على بالي ولكن منعني من القول به أمران:
الأول أن الأستاذ في بداية الفقرة قال: (والحكم بالخلود في النار تنيجة للحكم بالإيمان) فقلت في نفسي لعله أراد بقوله الحكم بالإيمان أي الحكم فيما إن كان مؤمنا أو لا، وليس مراده الحكم الحكم بأنه مؤمن، وعلى هذا تأولتُ عبارته الأولى ثمُّ رأيت الأستاذ يقول بعد ذلك (لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا يجب أن تحكم عليه أولا أنه مؤمن شرعا) فقلت في نفسي إذا تأويلي كان خطأ، ثمَّ قلتُ لعله أراد هنا أن يقول (لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا يجب أن تحكم عليه أولا أنه كافر شرعاً) كما فهمته أنتَ ولكن لزمني من هذا أن أخرج كلامه الأول عن الظاهر اللذي تبادر لذهني وهو الذي أفهمه من السياق وأقول بوقوع السهو منه في كلامه الثاني وهذا بعيد.
الثاني أني تأملت في عبارته بعد أن قلتُ هذا في نفسي فوجدتُ القول بوقوع السهو منه على هذا النحو اللذي ذكرته بعيد إذ تمام العبارة (إذن لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا يجب أن تحكم عليه أولا أنه مؤمن شرعا، ولكي تحكم عليه أنه مؤمن شرعا، يجب أن تضبط حكمك بما اعتبرته الشريعة من ضوابط ولا تضبط حكما الشرعي باحتمال عقلي مخالف للظاهر.) فالظاهر أنه يرتب الأمور على بعض فكأنه يقول يجب أن تحكم عليه بأنه مؤمن شرعا وهذا يتمُّ أي الحكم بإيمانه شرعا بأن تظبط حكمك ... ،فهو كرر قوله الإيمان مرتين، ثمَّ الأستاذ في هذا الفقرة لا يتكلم إلا عن حكمين الحكم بالخلود في النار، والحكم بالإيمان ولم يذكر الحكم بالكفر أبدا، وهو بقوله (إذن لكي...) كأنه يريد أن يلخص القول الذي قاله في الفقرة، فلكل هذا بَعُدَ هذا التأويل عندي.
ثمَّ اعلم أيها الفاضل بلال أنه كان قد خطر في بالي تأويل آخر هو أحسن من هذا التأويل وهو أن يكون الخطأ في العبارة في قوله (إذن لكي تحكم على واحد أنه في النار شرعا) وصوابه أن يقول (أنه في الجنة شرعا) لكن رددته للسبب الأول ولأن سياق الحديث ليس فيه نص في الكلام عن الحكم بدخول الجنة وإنما فيه إشارة إلى ذلك بقوله (لأن نفس الشريعة حكمت عليه بأنه مؤمن، وهو في الجنة) ولو قال (وأنه في الجنة) بدلا من (وهو في الجنة) لقلت لقد تكلم عن حكم دخول الجنة. ولكن حتى هذا لا ينفع لوجود السبب الأول اللذي يدفع التأويل.

قال الفاضل بلال (هذا ما يفهمه كلّ منصف من كلام الشيخ. وأما أن تنسبه للتناقض لمجرّد سهوه في طباعة كلمة، فهذا لا يليق نسبته إلى عالم فاضل مشهود له بسعة العلم والعقل والتحقيق. وكان الأولى منك أن تحمله منه على هذا المحمل الذي بيّناه لشدّة ظهوره ولا تلتفت إلى ذلك، أو تقول حق العبارة أن تكون كذا..، أو على الأقل أن تنبهه عليه بالسؤال: بأنه هل فعلاً يقصد المطبوع أم أنه سها. فهل تريد منا يا فادي أن نتتبع كلامك ونرصد ما يمكن أن تقع فيه من ذلك، ونلزمك به ونبني عليه أحكاماً ونحاسبك عليه؟)
اعلم أيها الفاضل أني ما نسبته للتناقض لأجل أنه سها في طباعة كلمة وأظن أن ما كتبتُهُ يبين ذلك، ثمَّ التناقض واقع في كلامه ليس فقط في هذا الموضع فقد بينتُ مواضع أخرى ظهر فيها تناقضه كقوله بأنه ينازع فقط في الشافعي ونزاعه في موضع آخر في كل من حكمنا بإيمانه، وأنا والله ما كنتُ أريد أن أنسبه للتناقض والاضطراب وغيرها وإن كنتُ أراه في كلامه في السابق، وكنتُ أحاول أن أسأل عن رأيه وأعلق عليه بأسلوب لطيف بل كنت آتي على نفسي أن لا أنسبه للتناقض اللذي أراه في كلامه احتراما لهُ، وهو ما برح يتهمني بالتناقض والاضظراب وغير ذلك وأنا صابر عليه لما أنه الأستاذ وقد جاء في الأثر (أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم) حتى زاد الأمر عن حده فيمل يصفني به فوجب لذلك التنبيه على أن كلامه أولى بما يصفني به. وأرجو أن لا يفهم من كلامي أني تركتُ احترامهُ بل هو الأستاذ وعلى الرأس والعين.

قال الفاضل (هذا ما اقتضى أن أنوّه له. والعذر من تدخّلي في الكلام، ولكنّي استأذنت أن أتدخّل في هذا الحوار من قبل في القسم الثالث، ولم يعترض على ذلك. ولي رجعة قريبة حين أفرغ من بعض شغلي إن شاء الله تعالى. )
لا بأس عندي بالتنبيه إذ وجدت ضرورة، ولكن لا أدري إن كان الأستاذ يوافق على هذا، أعني على تصديك للدفاع عنه.
.

سعيد فودة
29-12-2003, 14:22
ادعاءاتك أكبر بكثير منك يا فادي،

أولا: أنا لا أشك أنك تعرف تماما ما تريد الوصول إليه يا فادي كما أعرفه أنا، ولستَ من الذين ارتفع عنهم الخطاب كما تَزْعُمُ، بدليل تتبعك لكلامي ومعرفتك لما تقول به، وبدليل اختيارك عن قصد أن تعلق على مواضع معينة وعدم تعليقك على مواضع أخرى فيها إحراج لك، فهذا دليل على تمييزك، ولا أقول عقلك إلا بمعنى التمييز، ولذلك فإنني سوف ألزمك بلوازم قولك القريبة، ولا أفترض أنك لم تُرِدْها إلا أن يكون خطأ طباعيا، كالذي نبه إليه الأخ بلال -وأشكره على ذلك-، ولكنك بنيت عليه مع وضوحه.

ثانيا: أعيد عليك الأصل في كلامي معك،
أنت نسبت إلى المذهب الأشعري الجواز الشرعي والعقلي بإدخال الشافعي ومالك وغيرهم من الأئمة في النار.
هذا هو محل النزاع، أصلا.

ونسبت إلى الأشاعرة أنهم يقولون بأن الحكم الشرعي في أي إنسان مؤمن مات على الإيمان في ظاهره، أنه يجوز تخليده في النار. وقلت إن جواز ذلك الحكم شرعي أي مأخوذ من الشريعة.
وأنا أخالفك في الإثنين لا في أمر واحد كما تتوهم.
ولذلك فنحن شرعا مأمورون بالترحم على أي مؤمن مع عدم القطع بخاتمته ومآله. وهذا لا يجيز لنا القول أن هذا المؤمن الذي عرفناه مؤمنا شرعا يجوز وهو على هذه الحال تخليده في النار.
وعدم جواز ذلك في حق الشافعي ونحوه أقوى من عدم جوازه في حق أي مؤمن.

ولذلك سألتك السؤال السابق الذي لم تجب عليه وهو ماذا أردت بالجواز في كلامك السابق. ولم تحدد أي شيء، ولعلك لا تعرف ما الذي تجيب به بعد كل هذا الكلام، لأنك في الواقع لم تعرف مدى فداحة الخطأ الذي وقعت فيه.

وأعيد عليك السؤال مبينا
قولك: يجوز عقلا أن يخلد الله الشافعيَّ في النار، هل الجواز هنا بالمعنى الأعم أو الأخص. يعني هل قولك: يجوز معناه يجب أو يمكن(على التساوي بين الأمرين)، أو أن كلا الأمرين (الوجوب والإمكان) ممكن على التساوي.
وقولك: يجوز شرعا تخليد الشافعي في النار.
ما معنى الجواز هنا، هل هو بالمعنى الأعم أو بالمعنى الأخص.
يعني هل قولك: يجوز معناه يجب، أو يباح أو غير ذلك. أو أن كل ذلك جائز.

هذا هو السؤال الذي لم تجب عليه حتى الآن.
ونفس السؤال أوجهه إليك في حال أي مؤمن آخر غير أئمة الدين في حال حكمت عليه بجواز تخليده شرعا في النار.

وأنا سألتك أكثر من مرة وأوضحت لك أن مجرد الاحتمال العقلي بنقيض الظاهر شرعا وعادة لا يجوز أن تقيم عليه حكما شرعيا. بل يبقى ما يقام عليه حكما عقليا لا شرعيا.
ولا تنس أن تبين ذلك كله على مذهب الأشاعرة لأنك ادعيت أولا أن ما نسبته إليهم، هو صحيح النسبة إليهم وأنا ما خالفتك إلا في ذلك.

ثالثا: والغريب أنك ما زلت لغاية الآن تستغرب أن يكون الحكم على الإمام الشافعي وغيره من أئمة الدين مغايرا للحكم على عوام المسلمين. في حين أن هذا هو أصل كلامي معك.

رابعا: أقول لك الآن، ما لم أكن أريد قوله لك سابقا، إن هناك فرقا في الحكم الشرعي بين نحو الشافعي ، وبين عوام المسلمين، وجهة الاختلاف هي في الظن والقطع، لا في مجرد الاحتمال.
وهذا هو أصل النزاع معك، من إحدى الجهات.
ومن جهة أخرى، أقول لك لا يصح لأي إنسان أن يقول في حق مؤمن مات على الإيمان ظاهرا: إن الشريعة تجوز تخليده في النار، فنسبة هذا الحكم إلى الشريعة لا يصح لك ولا لغيرك، ولكنك ما زلت تتجنب الكلام على هذه النقطة مع أنني وضحتها لك أكثر من مرة، وقلت لك لا يجوز بناء حكم شرعي على مجرد احتمال عقلي. بل الحكم الشرعي مضبوط بضوابط وقواعد شرعية.
وهذا هو أصل غلطك ، وأنت لغاية الآن لم تتنبه أو لا تريد التنبه إلى هذا الكلام مع وضوحه التام.

خامسا: أنت قلت في كلامك
(ولا أحد من الأشاعرة يستطيع أن يحكم بأن الشافعي لم يكن منافقا وذلك لأنه لا استلزام عندهم بين الظاهر والباطن، أي يجوز أن يكون المرء في غاية الصلاح ظاهرا ويكون كافرا في باطنه، )

وهذا من تهجمك على مذهب الأشاعرة ومن عدم تمييزك للفرق بين حكم الشريعة على نحو الشافعي وغيره من عوام المسلمين.
ومع ذلك كله تنسب ذلك إلى المذهب الأشعري.
وأنت استبعدت أن يكون أحد من الأشاعرة قاطعا بإيمان الشافعي ونحوه، وقد غلطت في ذلك أيها الفصيح، فاعلم أن من مذهب الأشاعرة أن هؤلاء العلماء هم هداة الأمة، ويستحيل الشك في هداة الأمة، ويستحيل القول إنهم بالاعتماد على قواعد الشريعة يمكن أن يكونوا كفارا أو منافقين!! فهذا الكلام لا يصدر إلا عن جاهل بأحكام الدين، هذا على وجه العموم.
وأما على وجه الخصوص، أقصد الحكم الخاص والنص على الشافعي ومالك بأعيانهم، فهل ما زلت تنكر وجود الفرق بينهما ومن مثلهما وبين عوام المسلمين، فإن كنت لا زلت تنكره وأنت كذلك كما يظهر من كلامك، فاعلم أن الأشاعرة يفرقون، وهذا ما أراك قد صرت تتنبه إليه في آخر كلامك حين قلتَ
(عام في كل أحد فهو يشمل الشافعي ولا شك إلا أن تخصصه وأنت لم تفعل)
فقد انتبهت أخيرا أيها الحاذق إلى احتمال وجود الفرق المذكور. مع أنني كنت قد نبهتك أكثر من مرة إلى ذلك سابقا، ومن ذلك قولي
(أما إسنادك الجواز إلى الشريعة، فينبغي أن يكون معناه، أن أدلة الشريعة تجيز القول بأن من علمناه أنه الإمام الشافعي يجوز خلوده في النار. أليس كذلك؟
حسنا، إن حكم الشريعة يبنى على الظاهر من الإنسان، والظاهر من الشافعي الإسلام، ولم نعرف أنه كفر ولا ارتد في نهاية عمره. فعلى ماذا اعتمدت عندما قلت إنه يجوز شرعا أن يخلد في النار، هل على ظاهر حال الشافعي، أم على باطنه، لا يصح لك إسناد الحكم الشرعي بناء على ما في باطن الشافعي، لأنك لا تعرفه. أما ظاهره فهو مؤمن.
فكان الصواب أن تقول، إن الحكم الشرعي في الشافعي أنه مؤمن، بناء على ظاهر الشافعي، ولا يجوز أن تقول إن الشريعة تجوز أن تخلد الشافعي في النار الذي ظاهره عندنا الإيمان. فالحكم الشرعي يبنى على الظاهر فقط.
وأما احتمال كفره باطنا، فلا يبنى عليه حكم شرعي أصلا، بل هو مجرد احتمال عقلي. ثم إن هذا الاحتمال العقلي بكونه كافرا، مرجوح عقلا أيضا.
ثم ألا تعلم أن من شهد له المسلمون في حال الدنيا بحسن الإيمان، وتواترت احوالهم على ذلك، فقد حقق كثير من علماء الأشاعرة-الذين تدعي أنت أنك تحقق مذهبهم- أنه كذلك في الآخرة. واحتجوا بأحاديث كثيرة.
هذا هو مذهب الأشاعرة، يا فادي وليس ما تتصوره أنت في ذهنك.
ولذلك فإن الأمة كلها تترضى على هؤلاء العلماء وتترحم عليهم وتقتدي بهم. إنه لا يستقيم قولك، إنه يجوز شرعا تخليد الشافعي في النار، حال حكم الشريعة نفسها بإيمان الشافعي. أليس هذا تناقضا في كلامك. )
ومع بياني لك لهذا الحكم، فأنت تدعي أنني لم أكن أفرق بين الشافعي وبين غيره.
وذلك مع أن خلافي معك في الجانبين، لأنني كما قلت لك: الجواز في غير الشافعي مبني على احتمال عقلي مرجوح، فلا يقال إن الشريعة تجوز تخليده النار، ولكن ذلك حكم عقلي مبني على جواز كفره عقلا وإن كان مرجوحا، وإسناد ذلك إلى الشريعة باطل، فكلامك باطل إذن يا فادي.

سادسا: أنت إذن تقول إن مذهب الأشاعرة عدم الفرق بين نحو الشافعي وغيره في الحكم الشرعي. وهذا باطل فمذهب الأشاعرة خلافه. وقولك بعدم الفرق كان ينبغي عليك أن تأتي بالدليل عليه، مع أنني أشرت لك بما سبق إلى أدلة بطلانه، ولكنك لم تفهم أو لم ترد أن تفهم ما أقول. فعليك الإتيان بالدليل على أنه لا فرق بين الشافعي وغيره، وسوف أعتبر عدم إتيانك بالدليل على ذلك أو محاولتك الالتفاف على السؤال، تهربا وحيدة وهو مخالف لأدب المناظرة، وخاصة أنني سألتك أكثر من مرة عن هذا الدليل. ولم تجب حتى الآن.
وسوف أعتبر مجرد سؤالك لي عن الدليل عليه أو طلبك الإتيان بواحد من الأشاعرة يصرح بالقطع بإيمان الشافعي وكفر من كفره، إفحاما لك، لأن هذا هو أصل الكلام الدائر بيني وبينك. وأما ادعاؤك لعدم وضوح محل النزاع، فلا أسلمه لك بعد كل هذا الكلام، فأنت جازفت بتسوية الشافعي مع غيره وحكمت بجواز تخليده في النار وأن هذا هو مذهب الأشاعرة. ومجرد هذا القول باطل، وهو الذي دار عليه الكلام.

سابعا: وأما مطالبتك بحكم نحو ستالين ولينين، فلا أدري لماذا تطالبني غير مرة بالحكم عليهم، وقد أجبتك على ذلك، ولعلك لم تفهم ما قلته لك.
وعلى كل حال فحكمي عليهم هو الكفر شرعا، ونحن نجزم بكفرهم، ونجزم شرعا أنهم في النار. وأما الاحتمال العقلي الذي تتوهمه أنت أنهم ربما يكونون قد آمنوا، فلا يُلْتفت إليه في حكم الشريعة، ويبقى مجرد احتمال عقلي يبنى عليه حكم عقلي. لا غير. وأما الحكم الشرعي فهو ما بينته لك.
وأقول لك أيضا: إن حكمي على بوش الرئيس الأمريكي الحالي هو الكفر جزما، وإذا بقي على حاله حتى موته، فيجب (لا أقول يجوز) الحكم عليه بأنه شرعا في النار، ولا يصح إسناد القول بجواز تخليده في الجنة إلى حكم الشريعةبأي حال من الأحوال. فالحكم الشرعي إنما يبنى على الظاهر.
وأقول أيضا: إن كل من يقول إن القرآن غير مبين أو أننا (أي جميع الموجودين الآن) في هذا الزمان غير مخاطبين بالقرآن، حال قوله بأنه لا تكليف إلا بخطاب، فهو كافر بلا شك ولا ريب. ولا أقبل أن يدعي الانتساب إلى الإسلام بعد قوله هذا، فأنا أكفر من قال بعدم بيان القرآن وأكفر من قال إنه لا توجد عند المسلمين آليات كافية لفهم القرآن على إطلاق قوله هكذا، لاستلزامه نفي كون القرآن بينا ومبينا ولو على سبيل الإجمال.
وأكفر كل من قال بأن في القرآن آيات متناقضة.

سابعا: وأما تساؤلك بأن الشافعي ونحوه من علماء الأمة المشهود لهم هل نقطع بإيمانهم، فيكونون من هذه الناحية، كمن جاء النص عليهم بأنهم في الجنة، فأقول لك نعم، وهذا هو معنى أنهم هداة الأمة المنصوص عليه في الجوهرة التي يحفظها الصغار من طلبة العلم من الأشاعرة وغيرهم. ولا أظن أحدا مؤمنا يقع في قلبه احتمال أن الشافعي منافق في باطنه إلا أن يكون هو منافقا، ولا أظن أحدا يقول إن الإمام مالكا ربما يكون كافرا ومنافقا، في باطنه إلا أن يكون هو الكافر المنافق.
ومن كفر الإمام الشافعي فهو كافر ومن كفر علماء الأمة المشهود لهم بالفضل فهو الكافر.
هذا هو حكم الشريعة عندنا. وليس حكما مبنيا على مجرد احتمال عقلي تافه لا قيمة له، ولا مجرد حكم متوهم في أوهام بعض السذج الناس.
وأنت استبعدت في كلامك السابق أن يوجد واحدٌ أشعري يقطع بإيمان الشافعي، ولا يشك فيه كما تشك أنت أنه في الباطن ربما يكون كافرا أو منافقا، وأقول لك إن هذا الاستبعاد مبني على عدم فهمك لمذهب الأشاعرة. وعدم فهمك لحقيقة الحكم العادي عند الاشاعرة، وأيضا مبني على عدم فهمك لأن الحكم الشرعي القاطع يبنى ليس فقط على حكم مقطوع به طردا وعكسا، بل يبنى على حكم مقطوع به طردا فقط، وهو الحكم العادي.

ثامنا: وأنا أنتظر جوابك على الاسئلة التي وجهتها إليك في كلامي السابق، وكلامي الحالي، وسوف أعتبر عدم جوابك الواضح الصريح، حيدة عن المناظرة.
وأقول لك مرة أخرى: أنا لا أقبل منك أن تقول إن محل النزاع غير واضح عندك، فمحل النزاع واضح تماما، كما بينته لك الآن وقبل الآن، بل إن محل النزاع واضح من أول عبارة قلتها لك.

ولي بقية من الكلام معك. بعد أن أرى جوابك على ما ذكرتُهُ.

سعيد فودة
30-12-2003, 13:27
أورد هنا تعليقا على ما قلتَه -يا فادي- معترضا ظانا أن ما تقوله هو الصحيح، وذلك من تسرعك وعدم فهمك لما أقوله لك
وهذا كلامك
(وأعجب من هذا قولك: (أنت تستدل بحكمي على أي مؤمن على حكمي على الشافعي، والشافعي أخص من أي مؤمن، والاستدلال بالأعم على الأخص لا يجوز.) وهذا والله كنت أحمله على السهو منك ثمَّ رأيتك كررته بقولك (وأنت الآن تستدل بكلام عام على محل خاص وهذا لا يصح، كما تعرف في الأصول.) فمنذ متى كان العموم لا يستدل به على أفراده الخاصة؟ فإن قولك (لم لا يجوز أن نجزم على أحد بأنه خالد في الجنة) عام في كل أحد فهو يشمل الشافعي ولا شك إلا أن تخصصه وأنت لم تفعل إذ كان هذا الكلام آخر كلام لك في المسألة وكأنه خلاصة المسألة عندك.)
كذا قلت معترضا على قولي إن الاستدلال بالعام على الخاص لا يصح.

فاعلم أن اعتراضك هذا غير صحيح، وكم من اعتراضاتك وتساؤلاتك ما هو غير صحيح. ولكن لا يتسع المقام للكلام عليها جميعها.
وتوضيحا لهذا أقول:
إذا أطلقنا حكما عاما (كالندب مثلا) على مفهوم معين، فهذا يصدق على جميع أفراده. من ناحية الإثبات.
ولكن إذا قلنا إن بعض أفراد هذا العام يختص بحكم معين (ولنقل أنه الوجوب مثلا).
فلا يكون إثباتنا للعام حكم الندب، كافيا لإثبات حكم الندب على هذا الفرد الخاص. فلا يصح أن يقال: بما أن هذا العام حكمه الندب، فهذا الفرد المعين الخاص حكمه الندب أيضا. لأن أصل الكلام واقع في أن هذا الفرد له حكم خاص به كالوجوب مثلا.
وهذا هو قياس ما ذكرتُهُ في كلامي السابق الذي سارعتَ أنت بالاعتراض عليه واعتباره تناقضا أو غلطا، وكم في كلامك من تسرعٍ.
فقولك(فمنذ متى كان العموم لا يستدل به على أفراده الخاصة؟)
دليل على عدم فهمك لما أقول، وكان الواجب عليك أن تسألني إذا لم تفهم قبل المبادرة بالقول أنني غلطت وخالفت قواعد الأصول.

وعدم تمييزك لتفريقي بين حكم الشافعي ونحوه من العلماء وبين حكم عامة المسلمين، دليل على أنك تخوض من أول هذه المناقشة بدون أن تفهم أصلا ما أعترض به عليك.
فكيف تدعي أنك تجتهد وأنت غير قادر على فهم كلامي أنا، وكيف تدعي كل هذه الادعاءات الضخمة وأنت ما زلت متكلساً على ما تعتقد أنه فهم بيِّنٌ عندك؟؟
ألا يدل هذا ولو بشيء من الدلالة على أن علة عدم البيان الذي تدعيه في القرآن، هو فيك أنت، لا في القرآن. وأن التناقض إنما هو فيك أنت لا في القرآن. وهذا يوجب عليك مراجعة ما تقوله قبل الجزم به.
وأنا لم يكن قصدي هنا أن أذكر جميع أغلاطك والتفافاتك في الكلام، لأنني ما زلت أحتمل فعلا عدم فهمك لحقيقة المسألة، وإن كان هذا الاحتمال ضئيلا جدا.
بل أردت التنبيه إلى ما ذكرته لئلا تغتر به أنت، وتحسبه شيئا كبيرا ظفرت به؟؟أما غيرك فأنا آمن بإذن الله عدمَ فهمهم لما تبادر إلى ذهنك.
وأنا ما زلت بانتظار جوابك على ما سألتك عنه من معنى الجواز في طرفي عبارتك محل الكلام.
وأرجو أن تبقي الكلام في أصل المسألة، ولا تتشتت -أنت- في أطرافها كما فعلت في هذا الموضع.