المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال



جلال علي الجهاني
20-11-2003, 18:34
الأخوة الكرام .. السلام عليكم ورحمة الله

هذه رسالة جميلة كتبها الشيخ أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله ...

وموضوع الكتاب واضح من عنوانه، فيها تحقيق مسألة إخراج زكاة الفطر بالمال ...

أرجو فيها الفائدة لإخواننا .. وهي منسوخة عن طبعة الأخ نظام اليعقوبي ... وبالنسبة للهوامش ستكون في ملف الوورد الملحق إن شاء الله تعالى ...






تحقيق الآمال
في إخراج زكاة الفطر بالمال

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى ،

أما بعد : فمن يعلم أن أفعال المكلفين لا تخلو من أحكام لله ، ويعلم أن نصوص الشرع الدالة على الأحكام محصورة متناهية، والأفعال والحوادث غير محصورة ولا متناهية: - وما لا ينحصر ولا تناهى، لا يضبطه ما ينحصر ويتناهى - يعلم قطعاً أن الاجتهاد واجب الاعتبار، وأن الزمان لا يجوز عقلاً خلوه من مجتهد قائم لله بالحجة على خلقه. وذلك باستنباط حكم أفعالهم المحدثة، ووقائعهم المتجددة، حتى يكون لكل حادثة اجتهاد يبين حكم الله فيها بطريق النظر والاستدلال. وإلا لزم تعطيل الأحكام في كثير من الحوادث والأفعال، وترك الخلق سدى يعمهون في بحار الهوى والضلال، واجتماع الأمة على الخطأ والباطل، وذلك محال! .
ولهذا حكم الأئمة وفقهاء الإسلام من سائر المذاهب بأن الاجتهاد فرض كفائي، وأنه يجب أن يكون في كل قطر من تقوم به الكفاية، وأن الفرض لا يتأدى بالمجتهد المقيد، بل لابد من المجتهد المطلق. وحكوا الاتفاق على هذا، بل حكى الإمام الشافعي وغيره الإجماع عليه( ).
والاجتهاد هو : استعمال النظر في النصوص، واستفراغ الوسع والطاقة في استخراج الأحكام منها، بقياس ما لم يذكر فيها على ما ذكر بعلة جامعة، مع مراعاة الأصول والمقاصد( ). وبهذا كانت شريعتنا مستمرة إلى قيام الساعة، وعامة لكافة الناس فكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس كافة، وختم به النبيئون( ) فلا نبئ بعده؛ لأن شريعته صالحة لكل جيل، في كل مكان وزمان، متكفلة بسعادة الخلق ومصالحهم الدينية والدنيوية في كل عصر وأوان.
فما من حادث يحدث في قطر على اختلاف عوائده وطبيعته، ولا في زمان على تبدل أطواره وتغير حالته: إلا وفي نصوص الشريعة وأصولها ما يبين حكم الله تعالى في تلك العوائد المختلفة، والحوادث المتجددة، والوقائع النادرة المتبانية:  مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء ( ). ولولا ذلك لكانت الأمة مضطرة إلى وضع القوانين وتغييرها بتغير الأزمان وتبدل الأطوار، كما [هو]( ) شأن الأمم الأخرى على اختلاف الملل والنحل والأديان. فما من أمة - بل ولا دولة - إلا وتغير قوانينها الشرعية والسياسية، وتدخل عليها من الزيادات والتعديلات ما يناسب الظروف والأحوال، كلما تغيرت الحوادث وتبدلت الأطوار، وربما وقع لهم ذلك في السنة الواحدة مرات.
أما الشريعة الإسلامية فمنذ جاء بها نبيها الأكرم، ورسولها الأشرف الأعظم - صلى الله عليه وسلم - وهي مستمرة خالدة عامة شاملة لكل الوقائع والحوادث والقضايا والنوازل، في كل العصور والأزمان، لا تتغير ولا تتبدل:  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ( ). فمن رجع إلى كتب الفقه والنوازل( ) الشرعية، يجد أحكام القضايا المحدثة والنوازل المستجدة، لا تخرج عن قواعد الشريعة وأصولها، مهما كثرت النوازل وتباينت أنواعها، وتعددت الوقائع واختلفت أجناسها، لا فرق( ) فيها بين ما صدر في القرن الأول والثاني، أو السابع والثامن، أو الثالث عشر والرابع عشر، على اختلاف هذه الأزمان وتباينها وتغير حوادثها وأطوارها!.
وهذا أيضاً من أعظم الحجج وأوضح البراهين على عدم انقطاع الاجتهاد وخلو الزمان من المجتهدين. فإن كتب النوازل والفتاوى، على المذاهب الأربعة وغيرها، بالغة آلاف المجلدات، وجل ما اشتملت عليه صادر عن غير الأئمة الأربعة، بل وعن غير أصحابهم وأصحاب أصحابهم، إنما هو استنباط من جاء بعدهم من الفقهاء والمفتين، في كل عصر إلى وقتنا هذا، الذي هو مع ضعف همم أهله، وقلة عنايتهم بالعلم ورغبتهم فيه، قلما يخلو فيه بلد أو قبيلة من مفت أو مفتين، يستنبطون لكل حادثة حكمها من النصوص الفقهية، والقواعد المذهبية، أو ما تقدم لها من الأشباه والنظائر التي حكم فيها أمثالهم من المفتين السابقين. فهذا عين الاجتهاد الذي ينكره جهلة العصور المتأخرة، ويدَّعون استحالته وعدم قدرة أهل الزمان عليه، مع أنهم مجتهدون حتى في إنكارهم الاجتهاد الذي لم ينكره أئمتهم، بل عدُّوه من فروض الكفاية والواجبات التي لا يجوز خلو الزمان منها، وهم بهذا الاجتهاد لا يشعرون! .
  
ومن أمثلة ذلك: الحوادث العامة التي حدثت في هذه الأزمان مما لم يسبق له مثيل في عصر الشارع والقرون السالفة، حتى المتأخر منها. بل منه ما لم يحدث إلا في هذا القرن الرابع عشر، مما نشأ عن الاختراعات الحديثة، والخوارق المدهشة التي كانت من زمن قريب تعد من المستحيل، فأصبحت اليوم من المألوفات العادية: كالتصوير (الفوتغرافي) ، والصوت
(الفونغرافي)، وحبس القرآن في اسطواناته، وقراءته في (الراديو)( )وسماعه منه، وقبول أخبار (التلغراف) و (التليفون) بثبوت هلال رمضان والعيد، وحصول الميراث بخبر الوفاة منها، وركوب الطيارة والغواصة، وحكم الصلاة فيهما، وطبع الكتب والمصاحف بالمطابع، والتعامل بالأوراق المالية والبنكية، وضمان السلع المعروف بالسكورتاه( )، والتداوي بالإبر للصائم؛ وغير ذلك من الحوادث المستجدات التي بين حكمها علماء العصر القائلون بانقطاع الاجتهاد واستحالة وجوده، والحاكمون بضلال من يدعيه مع أنهم مجتهدون! .
  
ومن أمثلة ذلك أيضاً ما حدث في هذه الأزمان المتأخرة - بسبب وجود آلات الطحن البخارية والكهربائية - من انتشار الدقيق في الحواضير انتشاراً أغنى عن اقتيات الحبوب، حتى قل وجودها وانقطع بسبب ذلك وجود الأرحاء( ) الحجرية من البيوت، ولم يبق إلا الآلات المذكورة التي يتعذر فيها طحن القليل من الحب كالصاع ونصفه، كما هو معلوم. فاكتفى الناس بالدقيق الموجود بكل دكان، وأعرضوا عن الحب لما يحصل فيه من التعب والمشقة. فنشأ عن ذلك ما يدعو إلى النظر في زكاة الفطر: هل من ينتقل فيها من الوارد المنصوص عليه إلى ما جرت به العادة وهو الدقيق؟ أو لابد من المنصوص عليه ولو مع جريان العادة بعدم اقتياته؟ .

ثم حصل في هذه السنة، بسبب الحرب العالمية وانقطاع المواصلات، قلة الحب والدقيق معاً، وصارت الحكومة توزع على الناس الخبز، ومنعت بيع الدقيق، ولم يبق في المتناول إلا القمح بثمن مضاعف على الخبز سبع مرات بل أزيد! .

فكثر سؤال الناس عن زكاة الفطر، مع ارتفاع القمح إلى الثمن المذكور. فأفتيناهم بجواز إخراج المال والدقيق لمن كان متيسراً لديه. وقلنا : إن المال أفضل من الدقيق نظراً لحال الوقت ومصلحة الفقراء. وكان هذا في السنة الماضية حيث كان الدقيق لا زال متيسر الحصول عليه. أما في هذه السنة التي انقطع فيها الدقيق بالكلية فأفتيناهم - لما تكرر السؤال - بإخراج المال. ووافقنا على ذلك بعض أهل العلم، فأفتى أهل بلده بجواز إخراج المال، فقامت قيامة طلبتها، وكادت السماوات يتفطرن، أو تنشق الأرض، أو تخر الجبال هدا، إن خالف المذهب وأفتى موافقة لنا بجواز إخراج المال!! فطلب مني أن أبين له مستند ما ذهبت إليه، وأذكر له ذلك مبسوطاً، فأجبته بهذا الجزء، وسميته :
(تحقيق الآمال في جواز إخراج زكاة الفطر بالمال)
فقلت وبالله التوفيق:

  

جلال علي الجهاني
20-11-2003, 18:36
فصل

أما استنادنا في إخراج الدقيق،

فقال النسائي( ): أخبرنا محمد بن منصور، حدثنا سفيان، عن ابن عجلان قال: سمعت عياض بن عبد الله يخبر عن أبي سعيد الخدري قال: (لم نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من دقيق، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من سلت)( )، ثم شك سفيان فقال: دقيق أو سلت.
ورواه أبو داود فقال( )، حدثنا حامد بن يحيى، أخبرنا سفيان،ح وحدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن بن عجلان، سمع عياضاً قال: سمعت أبا سعيد [الخدري] يقول: ( لا أخرج أبداً إلا صاعاً. إنا كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، صاع تمر، أو شعير، أو أقط، أو زبيب). هذا حديث يحيى، زاد سفيان: أو صاعاً من دقيق. قال حامد: فأنكروا عليه فتركه سفيان.
قال أبو داود( ): فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة! قلت: ابن عيينة متأكد من هذه الزيادة، غير واهم فيها، كما بينه الدارقطني في سننه، فقال( ): حدثنا إبراهيم بن حماد، حدثنا العباس بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله [بن أبي السرح]( )، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: (ما أخرجنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا صاعاً دقيق أو صاعا من تمر، أوصاعاً من سلت ، أو صاعاً من زبيب ، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط).

قال أبو الفضل : فقال له علي بن المديني - وهو معنا - يا أبا محمد ! [أحد] لا يذكر في هذا الدقيق !! قال: بلى ! هو فيه ! فهذا يدل على [أن] ابن عيينة متأكد مما رواه، وهو إمام من أئمة الحديث، وأحد كبار الحفاظ الثقات الأثبات، فزيادته مقبولة.
ورواه الدارقطني بسياق آخر من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال( ): حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا أحمد بن العباس بن أشرس، حدثنا سعيد بن الأزهر الواسطي، حدثنا ابن عيينة عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم في صدقة الفطر: »صاع من زبيب، صاع من تمر ، [صاع]( ) من أقط، صاع من دقيق« .

* ويشهد له ورود الدقيق في حديث ابن عباس، وزيد بن ثابت، وجابر ابن عبد الله، وإن كانت أسانيدها ضعيفة.

* أما حديث ابن عباس، فقال الدارقطني( ): حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا أبو الأشعث، حدثنا الثقفي [ثنا هشام]( )، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس قال: (أمرنا أن نعطي صدقة رمضان، عن الصغير والكبير، والحر والمملوك، صاعاً من طعام: من أدى براً قبل منه، ومن أدى شعيراً قبل منه، ومن أدى زبيباً قبل منه، [ومن أدى سلتاً قبل منه] قال: وأحسبه قال: ومن أدى دقيقاً قبل منه، ومن أدى سويقاً قبل منه« ( ).

* وأما حديث زيد بن ثابت فقال الحاكم في المستدرك( ): حدثنا أبو الوليد العنزي، حدثنا عباد بن زكرياء، حدثنا سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت، قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: »من كان عنده طعام فليتصدق بصاع من بر، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو صاع من دقيق، أو صاع من زبيب، أو صاع من سلت«.
ورواه الدراقطني( ) من هذا الوجه، ثم قال: »لم يروه بهذا الإسناد وهذه الألفاظ إلا سليمان بن أرقم وهو متروك« اهـ.
أما الحاكم فقال( ): إنه إسناد يخرج في الشواهد.

* وأما حديث جابر، فرواه الطبراني في المعجم الأوسط( ) عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: »صدقة الفطر على كل إنسان: مدان من دقيق أو قمح، ومن الشعير صاع، ومن الحلواء - زبيب أو تمر - صاع« وفي سنده الليث بن حماد، وهو ضعيف.

جلال علي الجهاني
25-11-2003, 00:21
فصل
وإخراج الدقيق هو مذهب الحنفية( ) والحنابلة( )، وقول أبي القاسم الأنماطي( ) من الشافعية، وابن حبيب( ) وأصبغ( ) وجماعة من المالكية. بل قال ابن حبيب: »إنما منع مالك من أجل الريع، فإذا أخرج بمقدار ما يريع فهو جائز عل قوله كما يفهم منه« .
ويخرج أيضاً على قولهم أن الفطرة تخرج من غالب قوت البلد، ومن قوت المزكي نفسه، ثم من القوت الذي كان يقتاته في رمضان، لا في سائر السنة، كما قال ابن العربي( ) وغيره. فعلى هذا من كان يقتات الدقيق في كل هذه الأحوال، فالواجب عليه إخراجه، لا غيره، على ما تقتضيه هذه الأقوال.
فصل
* وأما إخراج المال فهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز. وهو مذهب الثوري، وأبي حنيفة، وأبي يوسف. واختاره من الحنفية الفقيه أبو جعفر( ). وبه العمل والفتوى عندهم في كل زكاة، وفي الكفارات، والنذر، والخراج، وغيرها( ). وهو أيضاً مذهب الإمام الناصر، والمؤيد بالله، من أئمة أهل البيت الزيدية( ). وبه قال إسحاق بن راهويه، وأبو ثور، إلا أنهما قيدا ذلك بالضرورة، كما هو مذهب بقية أهل البيت( )، أعني جواز القيمة عند الضرورة، وجعلوا منها: طلب الإمام المال بدل المنصوص.
* وهو قول جماعة من المالكية كابن حبيب، وأصبغ، وابن أبي حازم، وابن دينار( )، وابن وهب( )، على ما يقتضيه إطلاق النفل عنهم في تجويز إخراج القيم في الزكاة، الشاملة لزكاة المال وزكاة الرؤوس، بخلاف ما نقلوه عن ابن القاسم وأشهب، من كونهما أجازا إخراج القيمة في الزكاة إلا زكاة الفطر وكفارة الإيمان.
  
* قال الدارقطني( ): حدثنا يزداد بن عبد الرحمن، ثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا يونس بن بكير، عن أبي حنيفة قال: (لو أنك أعطيت في صدقة الفطر أهليلج لأجزأ).
* وقال ابن أبي شيبة في مصنفة( ):
(باب إعطاء الدراهم في زكاة الفطر)
1 - حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون، قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بالبصرة: (يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم، عن كل إنسان نصف درهم)، يعني زكاة الفطر.
2 - حدثنا وكيع، عن قرة قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر: (نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته: نصف درهم)( ).
3 - حدثنا وكيع، عن سفيان، عن هشام، عن الحسن( ) قال: (لا بأس أن تعطي الدراهم في صدقة الفطر).
4 - حدثنا أبو أسامة، عن زهير قال: سمعت أبا إسحاق يقول: (أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر( ) الدراهم بقيمة الطعام).
قلت: وأبو إسحاق هذا هو عمرو بن عبد الله السبيعي( )، من الطبقة الوسطى من التابعين. أدرك علياً - عليه السلام - وجماعة من الصحابة، فهو يحكي عنهم ويثبت أن ذلك كان معمولاً به في عصرهم، وسيأتي تعيين بعضهم.
  
فصل
فمن كان مقلداً فحسبه تقليد هؤلاء الأئمة، ولو من غير مذهبه. فإن الانتقال من مذهب إلى مذهب، ولو في بعض النوازل، جائز على الصحيح المشهور في كل المذاهب.
* وأما من كان من أهل العلم والنظر وقبول الحجة والدليل، فليعلم أن استدلالنا لهذه المسألة من وجوه:
الوجه الأول:
إن الأصل في الصدقة المال، قال تعالى:  خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة  .
والمال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، وأطلق على ما يقتنى من الأعيان مجازاً. وأكثر ما يطلقه العرب على الإبل لكونها أكثر مالهم.
وبيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنصوص عليه، إنما هو للتيسير ورفع الحرج لا لتقييد الواجب وحصر المقصود فيه. لأن أهل البادية وأرباب المواشي تعز فيهم النقود، وهم أكثر من تجب عليه الزكاة، فكان الإخراج مما عندهم أيسر عليهم. فلذلك فرض على أهل المواشي أن يتصدقوا من ماشيتهم، وعلى أهل الحب أن يتصدقوا من حبهم، وعلى أهل الثمار من ثمارهم، وعلى أهل النقد من نقدهم، تيسيرا على الجميع، ولئلا يكلف أحد استحضار ما ليس عنده، مع اتحاد المقصد في الجميع وهو: مواساة الفقراء.
الوجه الثاني :
أن أخذ القيمة في الزكاة ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن جماعة من الصحابة في عصره وبعد عصره.
* قال يحيى بن آدم القرشي في كتاب »الخراج«( ): حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس قال: قال معاذ باليمن: (ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة).
* وقال أيضاً: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، قال: قال معاذ باليمن: (ائتوني بخميس( ) أو لبيس( ) آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة)( ).
* وقال ابن أبي شيبة في »المصنف« حدثنا عبد الرحيم، عن الحجاج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معاذاً إلى اليمن، فأمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير، فأخذ العروض والثياب بدل الحنطة والشعير)( ).
* حدثنا جرر بن عبد الحميد، عن ليث، عن عطاء: (أن عمر كان يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيرها)( ).
* حدثنا ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، فذكر مثل ما رواه يحيى بن آدم عن سفيان في الخميس واللبيس ثم قال :
* حدثنا وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس: (أن معاذاً كان يأخذ العروض في الصدقة)( ).
* حدثنا وكيع، عن أبي سنان، عن عنترة: (أن علياً عليه السلام كان يأخذ العروض في الجزية من أهل الإبر الإبر، ومن أهل المال المال، ومن أهل الحبال الحبال)( ).
* وقال أبو عبيد في كتاب »الأموال«( ): قد جاء الثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر معاذاً حين خرج إلى اليمن بالتيسير على الناس، وأن لا يأخذ كرائم أموالهم. ثم جاء مفسراً عن معاذ في حديث آخر، أنه قال هناك: ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة. فالأسنان بعضها ببعض أشبه من العروض بها، وقد قبلها معاذ.
وروي عن عمر وعلي مثله في الجزية أنهما كانا يأخذان مكانها غيرها.
* حدثني يحيى بن بكير، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر: (أنه كان يأتيه من الشام نعم كثيرة من الجزية) ( ).
* حدثنا محمد بن ربيعة، وأبو نعيم، عن سعيد بن سنان، عن عنترة، عن علي عليه السلام: (أنه كان يأخذ الجزية من أصحاب الإبر الإبر…)( ) فذكر مثل ما رواه ابن أبي شيبة، ثم قال: (قد رخصا في أخذ العروض والحيوان مكان الجزية، وإنما أصلها الدراهم والدنانير والطعام). قال : (وكذلك كان رأيهما في الديات من الذهب والورق والإبل والبقر والغنم والخيل. إنما أرادا التسهيل على الناس ، فجعلا على أهل كل [بلد]( ) ما يمكنهم) اهـ.
  
* وقال البخاري في صحيحه: (باب العروض في الزكاة)( ): (وقال طاوس: قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمدينة) ثم استدل البخاري بما سيأتي من الأحاديث.
* وقال البيهقي في سننه( ): (باب من أجاز أخذ القيم في الزكاة) ، ثم أخرج حديث معاذ من طريق يحيى بن آدم القرشي بروايتي عمرو بن دينار وإبراهيم ابن ميسرة عن طاوس.
ومعلوم أن معاذاً كان يرسل ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه متولي الصدقة ومفرقها على الفقراء بالمدينة. وقد قبل ذلك وأقره عليه. مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما وجهه إلى اليمن قال له: (خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر) . كما رواه البيهقي فقال( ):
* أخبرنا أبو علي الروذباري وأبو عبد الله الحافظ( )، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى اليمن فقال: (خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر) .
ومع هذا التعيين الصريح قال معاذ للناس: ائتوني بعرض ثياب بدل الشعير والذرة؛ لعلمه أن المراد سد حاجة الفقراء لا خصوص هذه الأعيان. ولذلك قال: ( فإنه أهون عليكم، وخير لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة) . وأقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك. ولو كان خلاف الشرع المفترض لما أقره ولأمره برد ذلك إلى أهله ونهاه عنه كما وقع في غيره.

فصل
ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (في خمس من الإبل شاة)( ). وكلمة »في« حقيقة للظرف، وعين الشاة لا توجد في الإبل، فلما أجاز إخراجها من الإبل وليست منها، دل ذلك على أن المراد قدرها من المال.
* وكذلك رأي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إبل الصدقة ناقة كوماء( ) فغضب على المصدق وقال: »ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس؟«( ) فقال الساعي: (أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة !) فقال: »نعم إذا !«.
كما رواه ابن أبي شيبة في »مصنفه« ( ): حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن مجالد، عن قيس بن أبي حازم، عن الصنابحي الأحمسي[عن الأعمش]( )قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبصر ناقة مسنة( )في إبل الصدقة فغضب وقال: »قاتل الله صاحب هذه الناقة!« ( ). فقال : يا رسول الله ! إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الصدقة( ). قال: »فنعم إذاً« .
وأخذ البعير ببعيرين إنما يكون باعتبار القيمة. فهذا أيضاً يدل على أن التنصيص على الأسنان المخصوصة، والشاة، إنما هو لبيان قدر المالية التي هي الأصل، وأن التخصيص المذكور إنما هو للتيسير على أرباب المواشي.
  

جلال علي الجهاني
25-11-2003, 00:22
فصل
* ومن ذلك ما رواه أبو داود( ): حدثنا محمد بن منصور، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق( )، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن عمارة بن عمرو بن حزم، عن أبي بن كعب قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصدقاً، فمررت برجل، فلما جمع لي ماله، لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض. فقلت: أد ابنة مخاض فإنها صدقتك. فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر. ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها. فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت عليَّ فافعل! [فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليك رددته]( ) قال: فإني فاعل. فخرج معي بالناقة( ) التي عرض عليَّ، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر له القصة، ثم قال: وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله، خذها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: »ذاك الذي عليك. فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه، وقبلناه منك« . قال: فها هي ذه( ). فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضها ودعا له في ماله بالبركة.
* وجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أخبر أن بعض الناقة تطوع وبعضها فرض مكان بنت مخاض، وليس في فروض الصدقة بعض ناقة! فثبت أنه عليه الصلاة والسلام أخذها على وجه البدل مراعاة لمصلحة الفقراء.
فصل
ومن ذلك ما استدل به البخاري، فقال في صحيحه( ): حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، قال حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدقة( ) فقيل: منع ابن جميل( ) وخالد بن الوليد، والعباس بن عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: »ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله وأما خالد، فإنكم تظلمون خالداً! قد احتبس أدراعه واعتده في سبيل الله...« ( )الحديث.
* وجه الدلالة منه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجاز لخالد أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه، فدل على جواز إخراج القيمة في الزكاة.
* واستدل البخاري أيضاً بما رواه فقال( ) : حدثنا محمد بن عبد الله، حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة، أن أنس بن مالك حدثه: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب له التي( ) أمر الله رسوله: (ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما، أو شاتين. فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه، وليس معه شيء).
* وقال أيضاً( ): حدثنا محمد بن عبد الله، حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة: أن أنساً رضي الله عنه حدثه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة [وليست عنده جذعة]( ) وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرت له( )، أو عشرين درهما...) الحديث.
* وهو صريح في أخذ القيمة بدل الواجب.
  
* واستدل البخاري أيضاً بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للنساء يوم عيد الفطر، كما ورد مصرحاً به في مسند أحمد: (تصدقن ولو من حليكن)( ). فجعلت المرأة تلقي الخرص، والخاتم، والشيء( ).
قال البخاري: فلم يستثن صدقة الفرض من غيرها( ).
وتتبع مثل هذه الأحاديث يطول. قال العيني في »شرح البخاري«( ): (واعلم أن دفع القيمة في الزكاة جائزة عندنا، وكذا في الكفارة، وصدقة الفطر، والعشر، والخراج، والنذر. وهو قول عمر، وابنه عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ، وطاوس. وقال الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها. وهو مذهب البخاري، وإحدى الروايتين عن أحمد. ولو أعطى عرضاً عن ذهب وفضة قال أشهب: يجوز( ). وقال الطرطوشي: هذا قول بين في جواز إخراج القيم في الزكاة. قال: وأجمع أصحابنا على أنه لو أعطى فضة عن ذهب أجزاه. وكذلك إذا أعطى درهماً عن فضة عند مالك. وقال سحنون: لا يجزئه. وهو وجه للشافعية. وأجاز ابن حبيب دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين. وقال مالك والشافعي: لا يجوز وهو قول داود).
قال العيني: (وحديث الباب حجة لنا لأن ابن لبون لا مدخل له في الزكاة إلا بطريق القيمة، لأن الذكر لا يجوز في الإبل إلا بالقيمة. ولذلك احتج به البخاري أيضاً في جواز إخراج( ) القيم مع شدة مخالفته للحنفية) اهـ. قلت: وكذلك قبول بنت لبون مكان بنت مخاض، مع أخذ عشرين درهماً من المصدق، دليل على جواز القيمة، لأن الواجب بعض بنت لبون، لا هي كلها.
• وإذا ثبت ذلك في الزكاة فهي شاملة لزكاة الفطر، إذ لا فارق أصلاً، والقيمة كما تكون عرضاً، تكون نقداً، بل هو الأصل فيها.
  
الوجه الثالث:
إذا ثبت جواز أخذ القيمة في الزكاة المفروضة في الأعيان، فجوازها في الزكاة المفروضة على الرقاب من باب أولى. لأن الشرع أوجب الزكاة في عين الحب،والتمر، والماشية، والنقدين، كما تقدم في حديث معاذ الذي قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه لما بعثه إلى اليمن: »خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر « فهو حق ثابت في أعيان هذه الأشياء، خلافاً لمن قال إنه ثابت في الذمة.
* أما زكاة الفطر فإنها ثابتة في الرقاب، ولذلك وجبت على الذكر والأنثى، والحر والعبد، والكبير والصغير، والغني والفقير. ولهذا أيضاً كان الصحيح وجوب إخراجها على الزوجة نفسها لا على زوجها، لتعلقها بالرقاب. وما كان كذلك ، فلا ينوب فيه أحد عن أحد، إلا من خصه الدليل ممن لا يستقل بتموين نفسه كالصبي والمملوك.
* قال أبو داود( ): حدثنا مسدد، وسليمان بن داود العتكي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن عبد الله ابن أبي صعير، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: »صاع من بر أو قمح عن كل اثنين: صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى. أما غنيكم فيزكيها لله( )، وأما فقيركم، فيرد الله عليه أكثر مما أعطى)( ).
* فهذا يدل على أن الفقير يعطيها عن نفسه، ويأخذها من غيره، فدل على وجوبها على الفقير.
وقال أبو داود أيضاً( ) حدثنا محمود( ) بن خالد الدمشقي، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، قالا: حدثنا مروان بن محمد، ثنا أبو يزيد( )الخولاني، ثنا يسار بن عبد الرحمن الصدفي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الصدفي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طهره للصائم من اللغو والرفث، وطعمه للمساكين. من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات). فعلل وجوبها بكونها طهره للصائم من اللغو والرفث، فدل على أنها واجبة على كل صائم غنياً كان أو فقيراً لأن كل صائم محتاج إلى التطهير، غنياً كان أو فقيراً. وإذا اشتركوا في العلة، اشتركوا في الوجوب.
* والمقصود أنها مفروضة في الرقاب ولذلك سميت زكاة الفطر: لأنها مأخذوة من الفطرة التي هي أصل الخلقة، كما قال ابن قتيبة، ونص عليه صاحب الحاوي والنووي وغيرهم.
بل ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسميتها زكاة الرؤوس، في حديث رواه الطبراني في الأوسط من حديث زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: »يا زيد! أعط زكاة رأسك مع الناس، وإن لم تجد إلا خيطاً«( ).
ولما كان الحال فيها كذلك، اقتضت حكمة الشرع البالغة، أمر الناس بإخراج الطعام، ليتمكن جميعهم من أداء ما فرض عليهم، ولا يحصل لهم فيه عسر ولا مشقة قد يؤديان بالكثير منهم إلى تركه وتفويته لمشقته أو عدم القدرة عليه. وذلك لأن النقود كانت نادرة الوجود في تلك الأزمان ببلاد العرب، لا سيما البوادي منها، وخصوصاً الفقراء.
فلو أمر بإعطاء النقود في الزكاة المفروضة على الرؤوس، لتعذر إخراجها على الفقراء بالكلية، ولتعسر أيضاً على كثير من الأغنياء الذين كان غناهم بالمواشي، والرقيق والطعام كحال أهل باديتنا وغيرها إلى اليوم. فإن الكثير من أغنياء البادية لا توجد بيدهم النقود، إلا على سبيل الندرة، لعدم احتياجهم إليها في غالب أحوالهم. حتى إن من يحتاج منهم إلى شيء من النقود، يخرج بعض الطعام أو الماشية ليحصل عليه، كما هو معلوم من حالهم، خصوصاً البوادي البعيدة من المدن.
أما الطعام فإنه متيسر للجميع، ولا يخلو منه منزل، إلا من بلغ به الفقر منتهاه.
فكان من أعظم المصالح، وأبلغ الحكم، العدول عن المال النادر العسر إخراجه، إلى الطعام المتيسر وجوده وإخراجه لكل الناس.
وقد أشار إلى مثل هذا أبو بكر بن العربي، فقال في »العارضة«( ): (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رتب ذلك على حكمة بديعة، وهي أن زكاة الفطر وجبت في الأموال طهرة للأبدان، ورفعة للغط الصيام، وكانت في كل أحد على قدر ما عنده، كما كانت الزكاة الأصلية على كل أحد في ماله، لا يكلف غيره. ولذلك قلنا فيما اختلف فيه علماؤنا من أن زكاة الفطر يعطيها من قوته لا من قوت أهل بلده، لأنها وجبت في ماله، فتكون بحسب حاله، كما قال أشهب عنه [وكما قاله ابن القاسم عنه]( ) وما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما بلغ إلا التوسعة على كل أحد من غير تكلف، ليجمع بين أداء العبادة ورفع الحرج والكلفة) اهـ.
* ومعلوم أن رفع الحرج والكلفة في الحواضر اليوم إنما هو في دفع المال، لا في إخراج الحب، بالنسبة لكل من الآخذ والمعطي. كما أن العلة التي من أجلها أمر الشارع بإخراج الطعام، وهي قلة النقود وعدم تيسرها للجميع، قد زالت وانعكس الحال، فصارت النقود ميسرة للجميع بخلاف الحب. فوجب أن يدور الحكم مع العلة، وينتقل إلى الأسهل الأيسر وهو المال، الذي هو أيضاً الأصل في دفع الصدقات، كما تقدم.
  

ياسين محمد ياسين
12-10-2007, 10:35
سيدي جلال هل يمكنك وضع الرسالة كاملة في ملف وورد للتحميل ؟

هلال بن عبد الله بن عمر
14-10-2007, 21:33
كنت ومازلت اخرج الدقيق ومعي جماعة من المالكيين ولا اجد اي حرج ،والرأي عندي انما هو في اقتناع المسلم انها السنة التي لامناص منها الا لضرورة كمن يسكن بلاد الكفار
ابونصر