المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إشكالية فهم النص القرآني! (قسم أول)



fadilov
16-11-2003, 11:53
كيف نفهم القرآن

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ،
في الحقيقة إنه سؤال ملح للغاية وخطير أيضا إذا لم تراعى أمور كلية عند الإجابة عليه ، ولتوضيح خطورته سنضرب مثالا حيا عليه ،
لقد احتج المعتزلة على أن العاصي مخلد في النار بقول الله تعالى في سورة الجن : (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) وبالنسبة لهم فهي آية واضحة لا تحتاج إلى شرح كثير وبالأخص أن الله أكد خلود العصاة بقوله أبدا ، إلا أن أهل السنة يعتبرون هذه الآية متشابهة تحتمل عدة معان من ضمنها أن يكون المقصود من المعصية المعصية في التوحيد وذلك لأن الآية المحكمة تقول :( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فبما أنه يغفر ما دون الشرك فلا بد أنه قصد بالمعصية في الآية التي احتج بها المعتزلة الشرك المنافي للتوحيد ، وللوهلة الأولى قد يظن المرء أن كلام أهل السنة منطقي جدا لكن لنحاول أن نقلب الصورة كما يفعل المعتزلة ؛ أي أن نعتبر أن الآية الثانية هي الآية المتشابهة لأنها تحتمل أكثر من معنى ، من ضمنها أن المراد بقول الله ( ما دون ذلك لمن يشاء ) صغائر الذنوب لا الكبائر وذلك مثل قوله تعالى: ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) فالسيئات هي ما دون ذلك ، أما كبائر الذنوب فهي المعاصي التي ذكرها الله في الآية الأولى ، والله يخلد بها في نار جهنم لأنها من الشرك الذي لا يغفره الله .
وهكذا تكون الآية المتشابهة عند أهل السنة هي الآية المحكمة عند المعتزلة والعكس صحيح وبهذا سنكون أمام مشكلة وهي كيف سنفهم القرآن ؟ ولماذا فهمه كل فريق على خلاف الآخر ؟
قد يسارع البعض إلى القول بأننا سنفهم القرآن على وفق نصوص السنة ، إلا أن هذا الجواب سيوقعنا في نفس المشكلة بالإضافة إلى مشكلة أخرى ؛ ذلك أن نصوص السنة فيها ذات التعارض ، وتحتمل نفس طريقة التأويل ، فنحن نقرأ قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" من تجرع سما فسمه في يد يتجرعه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " كما نقرأ أحاديث الشفاعة التي تتكلم عن خروج مرتكبي الكبائر من نار جهنم فكل طرف يستدل بالحديث الذي يؤيد مذهبه ويجعله محكما بينما يأول الحديث الآخر ويجعله متشابها، هذا بالإضافة إلى أن من شروط صحة حديث الآحاد أن لا يخالف الأصول وهذا عند الطرفين، فكيف سنستدل به على شرح الأصول أو إثباتها ! هذه نقطة، بالإضافة إلى أن بإمكان كل فريق إن يضعف الأحاديث التي تخالف مذهبه لأنها أخبار رواها الآحاد من الناس خالفت آيات القرآن التي ظن كل فريق أنها محكمة قطعية في الدلالة ، هذا هو الإشكال الأول حول جعل السنة هي الحاكمة في تحديد ما هو المتشابه وما هو المحكم من القرآن .
أما الإشكال الثاني : فهو أن القرآن نص في غير ما موضع على أنه كتاب هداية وبيان كقوله تعالى :(بلسان عربي مبين) مما يدل على أن القرآن واضح الدلالة لا يحتاج إلى شرح بل يستقل بنفسه في إيصال المعنى الذي أراده؛ وإلا لما كان بينا، وعليه فكيف سنجعل من السنة مبينا للقرآن ، وربما اعترض أحدهم بقوله تعالى : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فالرسول – صلى الله عليه وسلم – مبين لما في القرآن، وهذا في حقيقة الأمر زيادة للإشكال وليس حلا له إذ كيف وما هي الحاجة إلى بيان ما هو بين ! وجواب هذا أن السنة تبين ما لم يذكر في القرآن من أحكام كأوقات الصلاة أو عدد الركعات لا أنها تشرح ما هو مبين في القرآن أو أنها تبين أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب، وهذا الأخير يلزم منه لا أن يخرج القرآن عن كونه بيانا فقط بل أن يكون كتاب تلبيس وإضلال للأمة –عياذا بالله– إذ إنه أفهم المخاطبين به خلاف مراده ، وهذا الأمر يجب أن يتنزه عنه أفصح الكلام وأبلغه وأحسنه ، وعليه فلا يمكن أن نلجأ إلى السنة في حل هذا الإشكال – أي في معرفة المحكم من المتشابه في القرآن – فما هي الوسائل الأخرى المقترحة ؟
فهم الصحابة ،
في حقيقة الأمر يمكن أن نقبل بهذا الاقتراح في حالة أن أجمع الصحابة رضي الله عنهم على فهم واحد للمسألة التي تطرح للنقاش ، لكن إذا أتينا إلى واقع الحال فإننا سنصطدم بكثير من المسائل التي لا يعلم لأحد من الصحابة خوض فيها ، فضلا عن أن نثبت الإجماع ، أما في حالة أن علم لبعض الصحابة رضي الله عنهم خوض في المسألة المختلف فيها من غير أن يعلم بينهم خلاف فإن العصمة غير لازمة لهذا البعض وإذا كان الخطأ جائزا عليهم فلا حجة في قولهم.
وهنا سيبقى السؤال قائما وهو كيف سنفهم القرآن هل سنقول كما قالت بعض المتصوفة بأننا سنفهمه بالفيض والإلهام ! فليس لهذا الفيض والإلهام ضابط فيدعي من شاء ما شاء من التفاسير، أم أننا سنفهمه بالقواعد العقلية والمنطقية وعندها لن يستقل القرآن ببناء العقائد بل سيكون تابعا للعقل ، وعندها لن تكون الهداية آتية من القرآن بل من العقل وهذا سيخرج القرآن عن كونه كتاب هداية ، فضلا على أن كثيرا من المسائل ليس للعقل قدرة على الحكم فيها بشكل قاطع كالمسألة المفروضة، إذ يجوز أن يخلد الله العصاة في جهنم كما يجوز أن يخرجهم منها، وعلى أي حال فإن الأدلة العقلية ليست أدلة قطعية لجميع فئات الناس في الإيصال إلى المطلوب، وقد اختلف فيها كبار الفلاسفة والمتكلمين على مر العصور، فضلا على أن العامة لا ينفعهم الدليل العقلي بل الوعظ والخطابة، وهذا أمر يمكن للجاهل أن يتقنه أكثر من العالم، وخير أحوال العامة أن يكونوا تبعا للعلماء المختلفين اختلاف تضاد لا تنوع.


فكيف سيفهم القرآن ؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال أحب أن أشير إلى نقطة مهمة ، وهي أن الإشكال المطروح يحوي إشكالا آخر ، وهو أن القرآن يحمل حكمين في ذات المسألة أي أنه بناءا على آليات فهم الخطاب التي ناقشناها سيبدو أن في القرآن تعارضا ظاهريا وهو ما لا يمكن وجوده في خطاب الله ، وهذا سينقلنا إلى سؤال آخر وهو : هل يمكن أن يحمل القرآن حكمين على ذات المسألة من غير أن يكون فيه اختلاف! قبل الإجابة عن السؤال المطروح دعونا نطرح سؤالا آخر وهو : إذا كان النص واحدا فلماذا اختلفت الفرق في فهمه ؟
إن آليات فهم النص تتحدد بعدة أمور منها الثقافة التي فهم القارئ النص من خلالها بالإضافة إلى نفسية القارئ التي تتعامل مع النص ثم طبيعة النص ذاته ، فعلى سبيل المثال الثقافة التي يبرز فيها مفهوم الظلم المفتعل من قبل أصحاب السلطة سيؤدي بالضرورة إلى إفراز نمطين من الناس من يعاني من هذا الظلم ومن يؤيده وفي حالة أن كان الطرفان يستندان إلى مرجعية واحدة فإن كل فريق سيحاول أن يجد في هذه المرجعية ما يدعم موقفه ، وسيقرأ في النص رأيه هو ، وقد يقرأ بعض من يتعرض للظلم الرأي المقابل إذا اشتد الظلم عليه لتبرير استكانته وتخاذله ، وفي المسألة المفروضة فإن الطرف الذي يشعر بقسوة الظلم سيسترعي انتباهه النص الذي يتكلم عن تخليد مرتكب المعاصي في النار أكثر من غيره من النصوص وسيصبح – حتى ينسجم شعوره مع النص المقدس الذي يؤمن به – هو النص الأصلي البارز الذي تفهم من خلاله كل النصوص الأخرى ، إن هذا النص اللغوي تتجسد دلالاته اللغوية الظاهرة بعمق كبير في واقع هذا المخاطب ، بينما سنجد الطرف الآخر تسترعيه النصوص التي تهون له من شأن فعلته إذ إنها تشكل مبررا لممارساته يقنع به نفسه ويستغله في إقناع الآخرين جنبا إلى جنب مع القمع الذي يمارسه ضدهم وعندها سيصبح النص – عند بعض أفراد الطرف المقابل - كما ذكرنا مبررا للاستكانة والتخاذل.
هذا بالنسبة إلى العامل الأول مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الثقافة ستفرز داخل هذين النوعين أنواعا أخرى كثيرة تميل في أصل فكرتها إلى أحد الطرفين على وفق العامل الثاني وهو الحالة النفسية للمخاطب فإذا كان المخاطب ذا طبيعة قاسية عابدة حادة متسرعة أو فلنقل متفجرة فإنه سيتفاعل مع النصوص التي تحمل في دلالاتها هذا الطبع أكثر من تفاعله مع النصوص الأخرى، بينما سنجد الإنسان الرقيق الهادئ الذي ربي على اللين والرفق والرحمة ستسترعي انتباهه النصوص التي تحوي في طياتها هذه المعاني جاعلا منها نصوصا محكمة فهو يجسدها لا في سلوكه فقط بل في شعوره كذلك .
إلا أني لا أقصد إهمال دور النص وهنا تأتي المسألة الثالثة وهي قصدية النص .
إن النص القرآني بل أي نص يستطيع أن يدلل على المعنى المحدد الذي أراده ( هذا على فرض وجود معنى محدد مراد للنص ) وذلك باجتناب ذكر ما قد يوهم خلاف المراد وتحديد المعنى المراد بشكل أكبر - هذا بشكل عام – إلا أن النص القرآني وكما رأينا تعرض لتأويلات مختلفة جعلته يظهر وكأنه فقد صفة البيان التي نسبها لنفسه إلا أننا سنلاحظ أن هذا الأمر قد حدث عندما خرج النص عن الإطار الثقافي والجو النفسي الذي كان يعيشه من يشاهد ويعايش أسباب التنزيل ، لذا فإن دلالات النص القرآني كانت تحتمل معنا واحدا محددا عند المخاطبين به في وقت نزوله - هذا في الجملة – وكان القرآن بينا لهم فإذا أردنا أن نفهم القرآن فعلينا أن نفهمه من خلال الثقافة والجو الذي نزل فيه، لكن فهم الثقافة أمر يحتاج لا إلى القراءة عنها فقط بل إلى العيش فيها أيضا حتى يدرك لا مجرد العادات والتقاليد بل مقدار عمقها في المجتمع ، والقراءة لوحدها لن تفي بهذا الغرض ، هذا بالإضافة إلى أن فهم النص المقروء عن تلك الثقافة سيتم من خلال ثقافتنا نحن – أي سيخضع دون قصد منا إلى تأويلاتنا كما خضع النص الديني- ، فكيف إذا أضفنا إلى ذلك أن أسباب النزول لمعظم النصوص مجهولة ، فضلا عن شعور المخاطبين بسبب النزول ومقدار تأثرهم به ، وإذا كان الوصول إلى مثل هذا متعذرا فإن الوصول إلى مراد الله متعذر؛ وبالتالي فستكون النتيجة عند البعض أن النص القرآني نص للمخاطبين به فقط لا يصلح لكل زمان لاستحالة الوصول إلى المراد منه .
إلا أن الطرح الذي يتكلم عن ديمومة الشريعة بوصفه أمرا مسلما وحقيقة راسخة يستدل على خطأ هذا التحليل بمخالفته لحقيقة ديمومة الشريعة وبقائها القطعية - برأيه - التي دلت عليها النصوص دلالة واضحة ، ومارسها الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، بينما يعتبر من يؤيد هذا التحليل أن عدم تعارض القرآن أمر مقطوع به وأن مراده الدلالة على معنا واحد كذلك وهذا لا يمكن أن يكون إذا قلنا بديمومة الشريعة، أي أن كل فريق استند إلى مسلمة جعلها أساسا لآليات تعامله مع النص، وأهدر المسلمة الأخرى.
وهنا خرج فريق ثالث قال بديمومة النص ولكن بتعدد دلالاته على وفق المخاطب وثقافته ، هذا الطرف اعتبر ديمومة الشريعة أمرا مقطوعا به كما أنه اعتبر عدم تعارض القرآن كذلك ، إلا أنه ذهب إلى أن النص لا يحمل دلالة واحدة، وهنا أثير إشكال حول هذا الفهم وهو: كيف يمكن لنص أن يحمل عدة آراء لنفس المسألة من غير أن يكون متعارضا مع نفسه !

يمكن أن يقال إن النص لا يمكن أن ينفك عن قارئه في دلالته إذ من غير اعتبار وجود المرسل إليه ما حاجة الرسالة! لذا فإن دلالة النص للقارئ الواحد ستتم من خلال ثقافة ذلك القارئ ونفسيته وستفسر النصوص التي تتعارض في ظاهرها مع هذه الثقافة بطريقة يزول فيها هذا التعارض ، وعندها لن تكون النصوص متعارضة فيما بينها بالنسبة لهذا القارئ ، وهكذا سيكون النص نصا قادرا على مواكبة تغير الثقافات والنفسيات المختلفة ويكتب له الخلود في أحكامه ، وقد يذهب بعض من يتبنى هذا الرأي إلى القول بأن في هذا دلالة على إعجاز القرآن من حيث أنه استطاع البقاء مع تغير الأزمان والأماكن.
إن هذا الرأي وإن كان يحمل حلولا لبعض المشاكل إلا أنه يواجه بدوره ثغرات أخرى إذ إن تحكم الثقافة في فهم النص الديني سيهدر قيمته وفائدته ، وسيجرد النص من هدفه التغييري الذي أنزل من أجله ، وبعبارة أخرى سيصبح النص جزأ من الثقافة مفعولا فيه بدلا من أن يكون فاعلا فيها مغيرا لها كما هو معلوم ضرورة من حال النص مع الجاهلية .

وهنا جاء من قيد فهم الثقافة للنص بقيود شرعية لا يجوز للثقافة مع تغيرها أن تتعداها ، وبالطبع فإن هذه القيود ليست نصوصا جزئية وإلا فإنها ستخضع بدورها إلى ما يخضع له أي نص لغوي من تغير دلالته باختلاف الثقافات وقراءته من خلال شخصية القارئ ، إن هذه القيود هي كليات الشريعة التي تضافرت النصوص على إثباتها وقام عليها الدليل العقلي الفطري فضلا عن نقلها نقلا يغني عن إثباتها ، ومحاولة السؤال عن دليل جزئي عليها أشبه بمحاولة السؤال عن الأمور البدهية كالسؤال عن دليل وجود شخص اسمه محمد –صلى الله عليه وسلم- قال إنه رسول من الله، نعم قد تحتاج آحاد الكليات إلى من يبين أنها على هذا القدر من الوضوح ، أو فلنقل على بيان أنها كلية، وهذا لا ضير فيه.
يمكننا أن نختصر هذه الكليات في كلية واحدة وهي "تحقيق مصالح العباد، ورفع الظلم والحرج عنهم" وبهذه الكلية سيتحقق مقصد الشريعة الذي عبر عنه الشاطبي بقوله : "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه ، حتى يكون عبدا لله اختيارا كما أنه عبد لله اضطرارا" وهو معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله.
نعم يلزم من هذا الحل أن تفقد النصوص الجزئية قيمتها الدلالية الفردية، وتراعى الأمور الكلية؛ لا لأن الكلي يلغي الجزئي إذ لا تعارض بينهما أصلا، ولكن لأن الجزئي مرتبط بالواقع المعاش وبطبيعة المخاطبين به مباشرة، وبهذا يمكن أن نحل التعارض الظاهري فيما يبدو لنا بين آيات القرآن كالمسألة المطروحة إذ تحمل كل آية على مخاطبتها لحالة معينة تريد الآية تحقيق التوازن فيها ابتغاء جلب مصلحة أو دفع مفسدة محققة بذلك مقصد الشريعة، هذه الآية التي ستؤدي إلى نوع تلبيس أو إضلال للمخاطب إذا أهدرنا كونها دليلا جزئيا.
قد تتداخل هذه التيارات فيما بينها وبالأخص عند تنزيلها على الواقع، وربما كان ذلك لعدم وجود أصول واضحة عند كثير ممن ينتسب إلى أي منها ، لكنني عرضتها منفصلة ذاكرا أدلتها الكلية على فلسفاتها من غير الدخول في الأدلة الجزئية ، وإن كان في المسألة كلام كثير لا حاجة لذكره إذ مقصود هذه المقالة رسم الخطوط العريضة في المسألة المطروحة، ومن أراد التحقيق حققنا معه.

جلال علي الجهاني
18-11-2003, 21:41
أخي الكريم ..

علوم العقائد الإسلامية، وعلم أصول الفقه، هما الكفيلان بضبط فهم النص القرآني فهماً صحيحاً، حيث يؤصلان القواعد التي يمكن من خلالها التعامل مع النص القرآني والنبوي أيضاً ...

ولي عندك سؤال: ما كتبته أهو لك أم أنت ناقل لكلام نصر أبو زيد ومن جرى على طريقته ؟

كما أني توقعيك فيه إشكالية في فهم النص ;) .. فهلا أزلت عنه الإشكال !!!!!!

fadilov
19-11-2003, 02:43
أخي في الإنسانية :)

إذا علوم العقائد الإسلامية وأصول الفقه هما الكفيلان بفهم النص القرآني، والله هذه العبارة ذكرتني بأحد المشايخ عندما سألوه عن رأيه في الحداثة؟ أجاب: وما هي هذه الحداثة إن كانت في كتاب الله أو سنة رسوله فهي صواب وإلا فلا.

الجواب المذكور أعلاه مجرد دعوة عارية عن أي دليل، هل حقا سنجد في علوم العقائد وأصول الفقه طريقا صحيحا لفهم القرآن؟ إن كان ما تقوله حقا فقد كان عليك أن تبين لنا كيف يمكن من خلال هذه العلوم أن نحل الإشكال الموجود في المثال المطروح فضلا عن غيره من الإشكالات المطروحة في المقالة. وأرجو أن لا تكون ممن قيل فيهم:

يقولون أقوالا ولا يعلمونها
ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا

وأنا بانتظار جواب أرجوا أن لا تكون قراءته مضيعة للوقت.

أما عن سؤالك فإني لا أدري ما هو الهدف منه؟ ولكن على أي حال اسمح لي أن أقول لو أنك قرأت نصرا ومن سار على طريقته كما ينبغي أن يقرأ وتأملت في المقالة لعرفت الفرق في أصول الاستدلال بينهما.

أما عن الإشكال في التوقيع فلا أدري عن أي إشكال تتكلم فإني لا أرى أي إشكال، ولكن يظهر لي أن غاية ما قدرت عليه في جوابك هو الكلام العام أو المبهم. على أي حال إن كان عندك إشكال في التوقيع فأنصحك أن تفهمه مستعينا بأصول الفقه وعندها سيزول الإشكال فتأمل!

بلال النجار
19-11-2003, 08:42
بسم الله الرحمن الرحيم

تعليقات على كيف نفهم القرآن

إلى الرقيق الهادي فادي، الذي ربِّيَ على اللين والرفق والرحمة

أما بعد، فقد رماك بي من لا تسعني مخالفته، أن أتباحث معك، أعانك الله. فافترصت من انشغالي في ليلة هذا اليوم فرصة وتأملت كلامك، شكراً لبعض أياديه. فأجبتكما كلّ إلى طلبه:
أما والله إني مولع بالتفاصيل وحريص على تناول وذكر أدقها، لما أنه يكشف عن العلم بالمبحوث. فكائن سمعت وقرأت للناس، فوجدت الأغلب يتعلق بعموم الكلام، مما يتيح له المجال رحباً للمغالطة والسفسطة، ثم أراه عند تحرير محالّ النزاع، والكلام في الأدلّة والبحث في المسائل ينكص على عقبيه. وإني لأنزع لتدليل الخصم دلالاً فلا أبين معه في المطالع، إذ لست أهوى شعراءها اللاهثين من أوّل العدو، الباصقين جلّ محفوظاتهم مما لا يعقلون عند أطراف أقدامهم، قاصداً استظهار تحقيقهم المدّعى. وإذ أسأل الله أن لا تكون ممن وصفت، لأرجو منك على كل حال أن تواصل الكلام معي في كل مسألة نتطرّق إليها، ولا تزيد في انتشار المسائل قبل الخلوص إلى نتيجة في المسألة المبحوثة. ليكون لبحوثنا ثمرة، إن كان مثلك يسعى لقطفها، وأرجو أن تلزم نفسك بالإجابة عن كلّ كلام أقوله، كما ستراني أفعل إن شاء الله تعالى الموفق للسداد، وهو حسبي ونعم الوكيل.

قوله: (لقد احتج المعتزلة على أن العاصي مخلد في النار بقول الله تعالى في سورة الجن: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) وبالنسبة لهم فهي آية واضحة لا تحتاج إلى شرح كثير وبالأخص أن الله أكد خلود العصاة بقوله أبداً)
أقول: نعم هذه الآية مما استدلوا به على ذلك. إذ قالوا: العاصي اسم يتناول الكافر والفاسق، فلزمهما نفس الحكم الوارد في الآية وهو الخلود في النار. وأقول القرآن الكريم قد أسيء فهم بعض آياته بأنظار فاسدة. إذ لم يراع في فهمها مثلاً النظر في باقي النصوص الشرعية التي قد تخصص الحكم أو تقيده، وغير ذلك من قواعد فهم النصوص. ونحن لا نسلم ذلك الفهم للمعتزلة، كما لا نسلم تمسك الخوارج بالآية نفسها وحملها على مطلق المعصية، مكفرين مرتكب الصغيرة منكرين وجودها، حاكمين بأن الكل كبيرة. وهذا محل خلاف بين المعتزلة والخوارج أيضاً. فالكبيرة عند المعتزلة ما يكون عقاب فاعلها أكثر من ثوابه محققاً أو مقدّراً. تحرزاً عن الكافر ومن ليس له جنس الطاعة. وهو محبط لثواب الطاعة، بخلاف الصغيرة التي لا يصل عقابه عليها حدّ إحباط العمل، ولا يجاوز مقدار ما له من ثواب، بمعنى أن ما أتى به من المعصية مغتفر في جنب ما فعله من حسنات، فيكفّره ما له من ثواب.
قوله: (فهي واضحة لا تحتاج إلى شرح كثير)، ليس صحيحاً البتّة، بل لقد صارعوا الأمرّين مع أهل السنّة لقولهم بذلك، وانظر كم يحتجون على هذا الموضع ويحتجون لكي يتم لهم كلامهم الظاهر الضعف في مقابل الأدلة المتظاهرة التي تشهد لقول أهل السنة بعدم خلود أهل الكبائر وأهل الصغائر من المؤمنين في النار. ويمكننا بحث الموضوع إذا أردت. غير أني أنبّه على أن قول المعتزلة بخلود الفساق في النار مشروط بشرطين أولهما عدم التوبة من الكبيرة، والثاني عدم ارتكاب طاعة أعم ثواباً منها. وهذا الشرط يجعل جملة كلامهم في الإحباط مضطرباً. فتأمله. ومعتمدهم في الاستدلال قوة العموم، إذ أكّد كما أشرتَ بأبداً ففضل غيره من العمومات. وهو عندي ليس بشيء إذ ليس هو في محل النزاع.
وبعض أجوبتنا تسلطت على تخصيص العموم فلا أثر للتأبيد وعدمه في توكيد جوابهم عن سؤالنا. وأخرى أوردت الاحتمال فأبطلت الاستدلال، أي لم يعد المعنى الذي يدعونه للآية قاطعاً موجباً لاعتقادهم اليقيني الذي يوجبونه. لنا أن الأدلة خصصت عموم الموضوع المحكوم عليه وهو العصاة بإخراج المؤمنين منهم سواء كانوا من أهل الكباير أو الصغاير لانتفاء الخلود عنهم من دليل آخر. ورد أهل السنة استدلالهم بوجوه أخرى إن شئت استعرضتها وإياك.

قوله: (إلا أن أهل السنة يعتبرون هذه الآية متشابهة تحتمل عدة معان من ضمنها أن يكون المقصود من المعصية المعصية في التوحيد وذلك لأن الآية المحكمة تقول :(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فبما أنه يغفر ما دون الشرك فلا بد أنه قصد بالمعصية في الآية التي احتج بها المعتزلة الشرك المنافي للتوحيد)
أقول: مسلم على شرح البعض للمتشابه، واعتبار أن المعصية في التوحيد المشار إليها هي الشرك بالله على المعنى الذي يفهمه أهل السنة منه. وتمام الكلام أنه ما دام قد جاز غفران ما هو أدنى من الشرك، ولا خلود في العذاب مع المغفرة على الأقل، فيلزم أنه لا خلود في العذاب مع ما دون الشرك. ولا يظنّ ظانّ أن هذا هو الدليل الوحيد لأهل السنّة على قضيّتهم هذه. ولكنّا في سائر هذه المناقشة سوف نجاري الكاتب لنحرر مواضع الاتفاق والاختلاف بيننا وبينه، ونبين للقارئ الكريم ما نسلمه من كلامه سواء على إطلاقه أو مع تقييده، وما نعترض عليه بعندنا أو بمجرد الاحتمال القادح في صدق قوله مطلقاً. إنجازاً لما وعدنا من الملاطفة، فليتنبّه.

قوله: (وللوهلة الأولى قد يظن المرء أن كلام أهل السنة منطقي جدا)
أقوله: يوهم أنه مع الروية يظهر خلافه. ولا يسلّم لما ستعلم. فلنر كيف يستدل للامنطقية قولهم.

قوله: (لكن لنحاول أن نقلب الصورة كما يفعل المعتزلة؛ أي أن نعتبر أن الآية الثانية هي الآية المتشابهة لأنها تحتمل أكثر من معنى، من ضمنها أن المراد بقول الله (ما دون ذلك لمن يشاء) صغائر الذنوب لا الكبائر وذلك مثل قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) فالسيئات هي ما دون ذلك، أما كبائر الذنوب فهي المعاصي التي ذكرها الله في الآية الأولى، والله يخلد بها في نار جهنم لأنها من الشرك الذي لا يغفره الله)
أقول: لا يسلّم جوازه، إذ يلزم عند اعتبار ما دون الشرك هو الصغاير، أن يكون الشرك مشتركاً في الكبائر وضد التوحيد، وهو خلاف الظاهر. ولئن سلّم وليس كذلك، فحمل الشرك على الحقيقة أولى من حمله على الاشتراك فيقدّم. وتمثيله بقوله تعالى (إن تجتنبوا) لا يسلّم تقريباً للدليل. إذ الشرك معدود في الكباير وداخل في عمومها بالاتفاق، وهذه الآية أطلقت الكبائر فعمّت الشرك، والأولى أطلقت الشرك ولم تصرح بالكبائر فلا تدل على المراد من جعل الشرك عاماً للكبائر أو مشتركاً فيهما ليتم التمثيل. ثم إن الآية محل البحث أطلقت (ما دون ذلك) فيلزمك الاستدلال بأن (ما دون ذلك) معناها السيئات التي دون الكبائر، فلا ينفعك أن تثبت أن معنى (السيئات) هو الصغائر لأن الآية لم تطلق السيئات. ولعمري كيف يسلّم أن قوله: (إلا بلاغاً من الله ورسالاته، ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنّم خالدين فيها أبداً) محكماً حال كون قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) متشابهاً؟
ثم إن دليل أبي القاسم الكعبي هذا بعد تضافر أدلّة السنّة على إسقاطه بات واهياً لا يتعلّق به إلا من لم يطلع على أدلّتهم. ومما فيه، أنّ جهة الاستدلال بالآية إما من حيث إنّه تعالى لما ذكر أن اجتناب الكبائر مكفّر للسيئات، وجب أن عدم اجتنابها لا يكفّرها، لأن ذكر الحكم للبعض خاصة يدل على انتفاء الحكم عما عداه، وهو باطل على أصول المعتزلة فلا يصح استدلالهم به. وعندنا سبب في مظنّة واهية. وإما من حيث إن ما علّق على شرط إنْ عدم عند عدم ذلك الشرط. وهو واهٍ. ومعارض بآيات كثيرة جداً. كقوله تعالى: (واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) فالشكر واجب (لا عند من يسقط التكليف طبعاً كما هو ظاهر- فلا يلزم الحمر المستنفرة شيء منه) سواء عبد الله تعالى أو لا. وقوله (فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته) وأداؤها واجب على كلّ حال وإن فقد الشرط. وقوله: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصّناً)، (وإن يتفرّقا يغن الله كلاً من سعته)، (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان)، ومثل هذا كثير جدّاً في القرآن الكريم فثبت أن المعلّق على شرط إنْ لا يلزم عدمه عند عدمه. وقتل صاحب الأصول الخمسة نفسه استدلالاً ثمّة والعجب أن مذهبه في أصول الفقه هو عين قولنا ههنا في المعلّق على شرط إن، فإنه يقول إنه لا يلزم عدم المعلّق بعدم المعلّق عليه. فثبت أن الطريقين المسوّغين للتبجح بقول الكعبي طريقان ضعيفان عندنا، وأحدهما على خلاف أصل المستدل، والثاني منقوض بدليلنا وعلى خلاف أصل قاضي قضاة المعتزلة. وأتحدّاك أن تأتي بطريق ثالث، أو أن تستطيع أن تنصر أحد الطريقين. وإن شئت أن أتكلّم في وجوه كثيرة أخرى وأدلة أخرى تقدح في هذا الاستدلال فعلت. وخلاصة الكلام أن مراد الكاتب من إمكان فهم الآيتين على خلاف فهم أهل السنّة لهما، وإن قالته المعتزلة، وإن اعتبرت أنت أن له وجهاً، فهو غير جائز ولا مسلّم. أمّا الكلام في قلب المتشابه محكماً، وهو متشابهاً فهو مجرّد كلام، ومهاترة، وكلّ إنسان يمكنه أن يقول أي كلام يريد، فها أنت ذا مثلاً تحمد الله أن أسقط التكليف. فهل دفعت للجمارك شيئاً على كذبك هذا على الله تعالى؟ ولكن قليل هم الذين يستطيعون أن يثبتوا صحة ما يدّعونه. وعلى كلّ فقد أناقش قضية هذا الانقلاب عند الإجابة عن سؤال وحيد قرن دهره كيف نفهم القرآن، حيث اعتبر مناقشته الهزيلة والإجابات الجزئية التي لا يجيب بها المبتدي، بحثاً كافياً، وحصر الجواب فيما أجاب به. ولا أريد أن أستبق الكلام، فسيأتي الكلام فيه في محلّه إن شاء الله.

قوله: (وهكذا تكون الآية المتشابهة عند أهل السنة هي الآية المحكمة عند المعتزلة والعكس صحيح وبهذا سنكون أمام مشكلة وهي كيف سنفهم القرآن؟ ولماذا فهمه كل فريق على خلاف الآخر؟)
أقول: هذا الكلام ليس دقيقاً على إطلاقه. فهنالك ضوابط للتشابه والإحكام، ولا يسلّم قول كل قائل بتشابه الكلام. وإلاّ لم ينضبط علم ديني مطلقاً. ألم تر إلى البعض يدّعي التشابه في قوله تعالى (خالق كلّ شيء)، وفي قوله تعالى (ليس كمثله شيء)، فهل يعتدّ بهذا الفهم وهذا الخلاف. ومبدئيّاً وبلا مزيد تفصيل أقول: إن اللفظ الذي يحتمل في سياقاته لمعنى فإمّا أن يحتمل غيره أو لا. الثاني النصّ. والأوّل إمّا أن يكون دلالته على ذلك الغير أرجح أو لا، الأول المجمل، والثاني المؤوّل، فالمشترك بين النصّ والظاهر المحكم، وبين المجمل والمؤوّل هو المتشابه. وعليه فقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ظاهرة في الشرك المكفّر فتكون آية محكمة، ويؤخذ منها جواز غفران ما دونه ومنه الكبائر لأنها دون الشرك معصية بالاتفاق. ومن ينعق بخلافه فليأت بدليل يحملنا على خلاف هذا الظاهر. أمّا أن يلقى الكلام هكذا على عواهنه على أنّه قول معتبر مقبول لمجرد حركة الشفاه به ويسمّى كلاماً، فلم نرهم يدونون نقيق الضفادع.

قوله: (قد يسارع البعض إلى القول بأننا سنفهم القرآن على وفق نصوص السنة ، إلا أن هذا الجواب سيوقعنا في نفس المشكلة بالإضافة إلى مشكلة أخرى؛ ذلك أن نصوص السنة فيها ذات التعارض، وتحتمل نفس طريقة التأويل)
أقول: هذه مغالطة ظاهرة. إذ الكلام في أنّه هل من شأن السنّة بيان المجمل ورفع الإشكال وتوضيح المبهم أو لا، وليس الكلام في أنّ مجمل السنّة فيها جملة من التعارضات الموهومة. وقوله: (نصوص السنّة فيها ذات التعارض) يوهم أن القرآن متعارض حقيقة ولا يسلّم، ويوهم أن السنّة متعارضة حقيقة ولا يسلّم. وتعميمه عدم صلوح السنّة طريقاً لتفسير القرآن مطلقاً إن سلّم عدم صلوحها لتفسير بعض مواضعه، تحكّم ظاهر. وينبغي أن نحرر موضع النزاع أكثر قبل الاستطراد في الكلام. فهل كلام بديع الزمان في كلّ آية من آيات القرآن، أنها لا يمكن شرحها بالسنّة. أم في المتشابه من القرآن فحسب. الأول ظاهر الفساد. فإن كان الثاني أو بعضه فلم يطلق الحكم بعدم صلوح السنّة لذلك؟
لا نقول كلّ موضع مشكل فقد حلّه نصّ واضح من السنّة، ولكنّا نقول إن الآثار حلّت وشرحت بعض القرآن على الأقل، ولا ندّعي أن الآثار وحدها كافية لتفسير القرآن الكريم –كما سيأتي الكلام فيه- ليحتجّ علينا بهذا الكلام الركيك. ثم إن سياق الكلام يفهم منه أنّ كلّ موضع مشكل في القرآن الكريم فإن كلام السنّة فيه متعارض محيّر فلا يصلح لحلّه. وهذا كذب ظاهر منقوض بشواهد كثيرة جدّاً، وهو مناف للموضوعية المطلوبة من الباحث. ثم إنا نقول إن المواضع المشكلة في القرآن الكريم والسنة النبوية لو طرحت جميعها، أعني أن الإنسان لو قرأها وفوّض علمها تفويضاً مطلقاً لله تعالى ولرسوله، لاستطاع أن يجد فيما تبقى له من هذين الأصلين التشريعيين وهو القدر الأعظم منهما ما يكفيه للاعتقاد والعمل. وأتحدّى صاحب الزمان أن يأتي لنا بموضع مشكل في القرآن أو السنّة يحتاج إليه أي يتوقف عليه معرفة عقيدة أو عمل أمر المكلفون باكتسابه، ووقف فيه أهل السنّة حائرين في تلك العقبة الكأداء؟ هل سمعتني أتحدّاك! فما بالك توهم بكلامك أن العلماء يتخبطون ولا يعرفون الكثير عن هذا القرآن وهذه السنة بالقدر الذي يكفيهم في الاعتقاد والعمل، ثمّ أنت تريد أن تجد لهم الحلّ، فتدلّهم على الطريقة المثلى لفهم القرآن والسنّة، ومئات الألوف من أساطين الفكر والعلم من عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم إلى اليوم غافلون عنها؟

قوله: (فنحن نقرأ قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من تجرع سما فسمه في يد يتجرعه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". كما نقرأ أحاديث الشفاعة التي تتكلم عن خروج مرتكبي الكبائر من نار جهنم فكل طرف يستدل بالحديث الذي يؤيد مذهبه ويجعله محكماً بينما يأوّل الحديث الآخر ويجعله متشابها)
أقول: أجبنا عنه فيما مضى بأنه لا يسلّم قول كل من قال بالتشابه. ثم ننقل الكلام في كلّ مسألة مسألة. فإن كان لديك موضع في القرآن الكريم أو السنّة المشرّفة تريد أن تتناوله بالبحث فهاته مثالاً على كلامك، والأدلّة بيني وبينك. وإلا فلا طائل من كلّ كلامك الذي تطلقه. وإن أردت الكلام في هذه المسألة بالذات أعني مصير قاتل نفسه وتفاصيلها فقرّرها على نحو يظهر التعارض في أخبارها لأحلّ لك أي إشكال عندك فيها.

يتبع لطول الرسالة

بلال النجار
19-11-2003, 09:10
تكملة....

قوله: (هذا بالإضافة إلى أن من شروط صحة حديث الآحاد أن لا يخالف الأصول وهذا عند الطرفين، فكيف سنستدل به على شرح الأصول أو إثباتها! هذه نقطة)
أقول: هذه مغالطة أخرى، فإنا نقول إن خبر الواحد من حيث هو كذلك لا يثبت به أصل من أصول الدين، فلا بدّ للأصل لكي يكون كذلك أن تدلّ عليه القواطع دلالة قطعية. ويتعجب الكاتب من فعلنا لأمر لا نفعله، عجبا!
ثم إن الكلام في القرآن الكريم وتفسيره، فما بالك تقفز للكلام في إثبات أصول الدين بالظنيّات. فهل تورد الكلام ههنا على القرآن الكريم واصفاً إياه بالأصل على ما جرى عليه الناس بمعنى أنه من مصادر التشريع، ثم تستخدمه بمعنى أصل الدّين الذي لا يجوز أن يثبت بخبر الواحد الذي لا يفيد غير الظنّ. إن كنت تفعل هذا فهي مغالطة وسفسطة ظاهرة. وأقلّ ما يقال فيه إنه خطأ في القياس من جهة اللفظ. وعلى أيّ حال، لنحقق المسألة فنقول: إن الآية القرآنية في سياقها إذا أفادت معنى واحداً جليّاً فنعلم أنه مراد الله تعالى منها. فما كان من هذا القسم فهو معلوم لكلّ أحد بالضرورة. وهذه كما ترى آية كريمة استقلت بنفسها بمعنى أنها تفهم دون حاجة إلى البحث في غيرها. وبقي بالسبر قسمان: ما لا يعلمه إلا الله ولا يعلمه أحد غيره، وما يعلمه البعض دون كل واحد ونعني بهم العلماء.

فأمّا ما لا يعلمه إلا الله تعالى فهو يجري مجرى الغيب، ولا يجتهد فيه، ولا طريق إلى معرفته إلا بالتوقيف بنص من القرآن أو الحديث الشريف أو الإجماع على تأويله. ولا يخفى أنّ نص القرآن وإجماع الأمة يكشفان عن معناه قطعاً. وأما الحديث الصحيح فيفيد معرفة معناه على سبيل الظنّ. فإن كانت الآية في باب العمليّات كفى الحديث مبيّناً لها اتفاقاً. وإن كانت في الاعتقاديات اعتقدت على غلبة الظنّ. فأين الإشكال في هذا القسم. والكاتب ههنا يغالط إذ يصف هذا الأمر بأنّه استدلال بالمظنون على الأصول، وهو ليس كذلك البتّة. وإن الصورة التي يتكلّم عنها وهو أن يكون هنالك أصل من أصول الشريعة مختلف فيه فيلجأ إلى حديث صحيح لترجيح أحد القولين على الآخر. فهو وهم وقع فيه، لأنّ ما كانت هذه حاله فلا يمكن أن يكون أصلاً من أصول الدّين. وإن كان كلامه في تفسير القرآن الكريم أنه لا يجوز بالحديث الصحيح فهو مهاترة. فكونه قرآناً مفسّراً بالحديث على نحو ما ذكرنا فما الإشكال في ذلك؟ وسنزيد الأمر بياناً الآن عند الكلام في ما يعلمه البعض.
فما يعلمه العلماء، فيرجع فيه إلى اجتهادهم. ولا يجوز عندنا لغير العلماء أن يجتهدوا في أي لفظ قرآني يحتمل أكثر من معنى. وعليهم الاعتماد على الشواهد والدلائل دون مجرّد الرأي. فإن كان أحد المعنيين أظهر وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم دليل على أن المراد خلاف الظاهر. وفصّل العلماء في كل حالة بالقسمة. فقالوا: إن استوى المعنيان في الظهور والخفاء والاستعمال فيهما حقيقة لكنه في أحدهما لغوية أو عرفية وفي الآخر شرعية قدّمت الشرعية عليهما إلا أن يدل دليل على إرادة اللغويّة، ولو كان في أحدهما عرفية وفي الآخر لغوية، فيحمل على العرفية، وإن اتفقا في ذلك، فإن لم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالّة عليه، فما ظنّه فهو مراد الله في حقّه، لا أنّه مراد الله في نفس الأمر فانتبه للفرق. وإن لم يظهر له شيء فهل يتخيّر في الحمل أو يأخذ بالأغلظ حكماً، أو بالأخف حكماً. أقوال. والمحققون منا على أنه إن أمكن إرادتهما معاً فالحمل عليهما. وكل ذلك بأدلته مفصّل في محلّه. وإذا أردت مناقشة هذه الأقوال بالتفاصيل، فلا مانع لديّ، فإنا لم نقل شيئاً بعد من تحقيقات فحول علماء الأصول. فقوله (هذه نقطة)، ففي عين كلامه، ولم تبلغ أخمصنا.

قوله: (بالإضافة إلى أن بإمكان كل فريق أن يضعف الأحاديث التي تخالف مذهبه لأنها أخبار رواها الآحاد من الناس خالفت آيات القرآن التي ظن كل فريق أنها محكمة قطعية في الدلالة، هذا هو الإشكال الأول حول جعل السنة هي الحاكمة في تحديد ما هو المتشابه وما هو المحكم من القرآن)
أقول: قد بان للعاقل مما مضى أن هذا الكلام في غاية الركاكة. فلا نزيد.

قوله: (أما الإشكال الثاني: فهو أن القرآن نص في غير ما موضع على أنه كتاب هداية وبيان كقوله تعالى: (بلسان عربي مبين) مما يدل على أن القرآن واضح الدلالة لا يحتاج إلى شرح بل يستقل بنفسه في إيصال المعنى الذي أراده؛ وإلا لما كان بينا)
أقول: كونه عربياً مبيناً وهادياً إلى الحق لا ينافي كون بعضه غير واضح الدلالة. وكذلك لا تلازم بين كونه كذلك وبين كوننا بحاجة إلى علم التفسير لنفهمه، وهو علم كباقي العلوم وله استمداده. ومن يقول خلاف ذلك فهو لا يعرف ما هو القرآن. وإذا كنت تتمسك بلفظ المبين فلم لا يحمل على أنه مبين لطرق الهدى من طرق الضلالة، ومبين لما تحتاجه الأمة، أو مبين خيرة وبركته، أو مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام، أو مبين نبوة سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم، ومبين قصص بعض الأنبياء والأمم السابقة. وغيرها من المعاني التي ذكرتها الآيات التي ذكر فيها لفظ البيان. ثم إن الله تعالى يقول (ليدّبروا آياته) ولو كان بيّناً بالمعنى الذي تقوله بمعنى أنه يفهمه كلّ أحد بمجرّد معرفة لغة العرب بالمتبادر من سياقاته لم يكن بحاجة إلى تدبر. ثم إن في القرآن متشابه بالاتفاق. وهو إما أنه لا يعلمه إلا الله أو لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، وهذا ينافي كونه بيّنا لكل أحد، لأن الراسخين في العلم أخصّ من أهل اللغة أو علمائها. ثم دعني أسلّم لك أن القرآن كلّه من أوله إلى آخره مبين بنفسه عن مرادات الله تعالى دون الحاجة إلى شيء غير العربية لفهمه مع أنه لا يجوز تجاهل أوضاع الشريعة في فهم القرآن فأقول: إن البيان مشكّك ويشهد له قوله تعالى (لا يكاد يبين)، فلا مهرب من التسليم بأنه يفهم على مستويات متفاوتة بناء على ما لقارئه من ملكات وما يملكه من أدوات الفهم، مع القطع بأن هذه الفهوم المتعدّدة لا يمكن أن تتعارض على الحقيقة، لقيام الدليل على عدم الاختلاف. فيكون القرآن في غاية الإبانة عن نفسه. وليمكنه أن يحمل كلّ هذه المعاني الكثيرة جدّاً جله الله تعالى في غاية البلاغة. فاحتيج إلى آلات قوية ودربة عظيمة لاستكناه معانيه، وتبيّنها. ثم كلامك هذا يقتضي أن يكون القرآن نصّاً بالمعنى الأصوليّ، ولا أعرف عاقلاً يقول بذلك. والمشهور أن الحكمة في أن العلم بمراد الله تعالى مستنبط بأمارات ودلائل من القرآن الكريم نفسه ومن العلوم الأخرى التي سأذكرها عمّا قليل، وذلك لأن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده بكتابه، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتنصيص على المراد في جميع آياته، ولا يخفى أنه لو فعل لانسدّ باب الاجتهاد والنظر والتدبّر وغير ذلك مما لا يخفى.

قوله: (وعليه فكيف سنجعل من السنة مبينا للقرآن، وربما اعترض أحدهم بقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فالرسول – صلى الله عليه وسلم – مبين لما في القرآن، وهذا في حقيقة الأمر زيادة للإشكال وليس حلا له إذ كيف وما هي الحاجة إلى بيان ما هو بين! وجواب هذا أن السنة تبين ما لم يذكر في القرآن من أحكام كأوقات الصلاة أو عدد الركعات)
أقول: أجبنا عن هذا الكلام المتهافت فيما مضى فلا نعيد. وما أود زيادته ههنا أن قصر بيان السنّة على تبيين المجمل تحكّم ظاهر. ولا يستقيم مع قوله فيما سيأتي ظاهر لغة العرب، إذ ظاهر لغة العرب التي يتحدّث عنه تشرح البيان بأعم من كشف المجمل بحيث يمكن بناء العمال عليه. تأمّل. ثمّ إن النظر في علم الأثر لفهم القرآن لا يقول إنه يزيد الإشكال إلا جاهل، وكل من يقرأ في التفاسير يعرف مقدار تهافت هذا الكلام.

قوله: (لا أنها تشرح ما هو مبين في القرآن أو أنها تبين أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب، وهذا الأخير يلزم منه لا أن يخرج القرآن عن كونه بياناً فقط بل أن يكون كتاب تلبيس وإضلال للأمة –عياذا بالله– إذ إنه أفهم المخاطبين به خلاف مراده، وهذا الأمر يجب أن يتنزه عنه أفصح الكلام وأبلغه وأحسنه، وعليه فلا يمكن أن نلجأ إلى السنة في حل هذا الإشكال – أي في معرفة المحكم من المتشابه في القرآن– فما هي الوسائل الأخرى المقترحة؟)
أقول: أريد منك أن تحقق لنا معنى قولك: (لا أنّها تبيّن أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب) التي يبدو أنك تلمز بها تفسيراً معيّناً لآية ما. ثمّ إنا بيّنا فيما مضى على أنه لا تلازم بين كونه بيّناً وبين النظر في علم الأثر لفهمه. فنسألك أين التلازم بين كون السنّة مما يستمدّ منه علم التفسير وبين كون الكتاب كتاب تلبيس وإضلال؟ ثم ألا ترى أنّه يلزمك أن تردّ كلّ حديث صحيح ورد في تفسير آية؟ ثمّ ما معنى التلبيس والإضلال وقد سقط عنك التكليف؟ ثمّ على سبيل المعارضة أقول: أهل اللغة يقولون هذا أمر بيّن وسنزيده بياناً، فما معنى قولهم سنزيده بياناً وكيف وما الحاجة إلى ذلك؟ فعلى تسليم أنه بيّن بنفسه فلم لا يقال تزيده السنّة بياناً؟ وهل زيادة المبيّن بياناً يلزم منها الإضلال، وإفهام المخاطبين بخلاف المراد؟ ثم إنّك تفضّلت علينا قبل سطور بشرح المراد من قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فهل ترى في تفسيرك لها إضلالاً لنا، وإفهاماً على خلاف المراد. ولمَ لم تنزّه كلام الله تعالى عن بيانك؟
قوله: (فهم الصحابة، في حقيقة الأمر يمكن أن نقبل بهذا الاقتراح في حالة أن أجمع الصحابة رضي الله عنهم على فهم واحد للمسألة التي تطرح للنقاش، لكن إذا أتينا إلى واقع الحال فإننا سنصطدم بكثير من المسائل التي لا يعلم لأحد من الصحابة خوض فيها، فضلا عن أن نثبت الإجماع، أما في حالة أن علم لبعض الصحابة رضي الله عنهم خوض في المسألة المختلف فيها من غير أن يعلم بينهم خلاف فإن العصمة غير لازمة لهذا البعض وإذا كان الخطأ جائزاً عليهم فلا حجة في قولهم)
أقول: إن هؤلاء الصحابة يساعدنا فهمهم أيضاً على تفسير القرآن لأنهم ورثة العلم بعد النبيّ صلى الله عليه وسلّم، كما هي حال علماء الدّين من الأئمة في كلّ زمان، فإن لم تجد عندهم الحكمة التي أوحاها الله تعالى إلى نبيّه فأين تجدها؟ وكونهم غير معصومين لا مدخليّة له في جواز الأخذ عنهم، والاستنارة بمروياتهم عن رسول الله واعتبار أقوالهم وفهومهم، لا سيّما مع معرفتنا بشدّة ورعهم عند الكلام في الدّين، على خلاف أهل هذا العصر، حيث يمكن لتارك صلاة لم يحقق بعد أي علم من العلوم، كان بالأمس سلفياً، وأضحى مجترّاً لسقط متاع سوقة الأدب والفكر في زمن رجالات عبده، أن يتكلّم في القواعد الكليّة لتفسير القرآن العظيم، ويكذب على الله جهاراً، وفيما مضى من التفصيل في كفاية لمن كان له قلب ليميز أن هذا الكلام متهافت لا يلتفت إليه.

قوله: (وهنا سيبقى السؤال قائما وهو كيف سنفهم القرآن هل سنقول كما قالت بعض المتصوفة بأننا سنفهمه بالفيض والإلهام! فليس لهذا الفيض والإلهام ضابط فيدعي من شاء ما شاء من التفاسير)
أقول: كلام المفسرين من أهل التصوّف ينظر. نعم لا يعتد به علماً إن كان مستنداً إلى الإلهام فحسب لكون الإلهام ليس من أسباب العلم عندنا، لا لاستحالته بل لعدم انضباطه كما ذكر. وتقييده المتصوّفة بالبعض جيّد، لكونه لا يخفى أن لأهل التصوف جهداً طيّباً معتبراً، ولمحات دقيقة وذوق عال لا يمكن إهماله في التفسير إذا كان مؤيّداً بالعلوم الأخرى سائغاً في اللغة.

قوله: (أم أننا سنفهمه بالقواعد العقلية والمنطقية وعندها لن يستقل القرآن ببناء العقائد بل سيكون تابعا للعقل، وعندها لن تكون الهداية آتية من القرآن بل من العقل، وهذا سيخرج القرآن عن كونه كتاب هداية ، فضلا على أن كثيرا من المسائل ليس للعقل قدرة على الحكم فيها بشكل قاطع كالمسألة المفروضة، إذ يجوز أن يخلد الله العصاة في جهنم كما يجوز أن يخرجهم منها ....إلى قوله اختلاف تضاد لا تنوع)
أقول: لا تلازم بين فهم القرآن بالعقل واستقلاله ببناء العقيدة. لأنّه أوّلاً ليست كلّ عقيدة فهي مذكورة تفصيلاً في القرآن الكريم ومن أين يجب أن تكون كذلك. وبفساد اللازم فسد الملزوم. وثانياً أن الدليل العقلي من أدلّة الشرع، لما أن الشرع ثبت به ثمّ أناط به التكليف، ولاستحالة تنافيهما لأن العلوم لا تتنافى. وثالثاً لأن العقل حين يفسّر للقرآن فهو ههنا آلة للفهم، فلا يفرّخ العقايد من تلقاء نفسه، بل يدرك الموجود، كما أن العين السليمة كآلة للبصر لا تخترع موجودات خارجية بل تستقبل صورة رمزيّة معيّنة عن ذلك الموجود بالفعل. ثمّ هب أن القرآن الكريم كتاب مفتوح من نصوص يقينية قاطعة مكتوبة بلغة ميسّرة للجميع، فإدراك معنى هذه النصوص كيف يتم إن لم يتمّ بالعقل. ولا علم للنفس مطلقاً إلا من حيث ما هي عاقلة أي كاسبة ومنفعلة. فارجع وتأمل تخبطك ههنا. قوله: (ليس للعقل قدرة على الحكم فيها بشكل قاطع..). أقول: العقل عندما ينظر في تفسير القرآن لا يستقلّ بفكره ليقول في المسألة المفروضة حكمه، لأنه سيتوقّف فيها قطعاً، لتساوي الأمرين عنده. ولكنه ينظر في الدلائل الأخرى ليعلم علماً يقينياً إن استطاع أو ظنيّاً بأحد المحتملين كما بيّناه سابقاً. وعليه فأستطيع القول إن القرآن لا يفهم إلا بإعمال العقل فيه، لأنه لا آلة لنا لفهمه إلا العقل، وكل آلة أخرى لا بدّ للعقل أن يفهمها جيداً ليحسن استخدامها. وقولك هذا مجرّد مغالطة توهمت فيها أن تفسير القرآن بالعقل أو ما يسمونه بالرأي يكون بأن يظل العقل يتأمّل فيها وحدها ليصل إلى نتيجة، وهذا وإن كان متصوّراً حصوله في تفسير بعض الآيات إلا أنه لا يمكن حصوله دائماً. وأخيراً أقول إن النظر إلى السنة أو أقوال الصحابة أو غير ذلك مما ذكرت، إن كنت تقصد به أن أيّاً منها لا يكفي وحده لتفسير جميع القرآن الكريم فمسلّم، وإن كنت تقصد أن أيّاً منها أو كلّها لا يفيد في تفسير بعض القرآن فهو ممنوع. واعلم أن استمداد التفسير عندنا من المجموع الملتئم من كلّ من علوم اللغة العربيّة وعلم الآثار، ومن أخبار العرب، وعلم القراءات، وأصول الفقه بجميع مباديه التي منها علم الكلام والمنطق وغيرهما مما ذكر في محلّه.
وبقية كلامك ههنا لا قيمة له. وهكذا أكون قد استعرضت مقالتك من أوّلها إلى الموضع الذي ستبدأ بالإفاضة فيه علينا بكلامك المنضبط الذي يمثل الخطوط العريضة والقواعد الكليّة التي يجب أن نفهم بها القرآن الكريم. وا حرّ قلبي عليك يا عبد القاهر. وسأتناول كلامك كلمة كلمة وأناقشه معك حين أحتسي قهوتي بعد إفطار غد، إن شاء الله تعالى، في رسالتي القادمة. فانتظره.
وكنت آليت على نفسي أن ألتزم معك أدب الحوار وما زلت، ولكن أغضبني ما قرأت من ردك على المولى جلال الجهاني، ولو كنت تعرف ما عنده من علم وأدب، لما تطاولت عليه قبل أن تعرف منزلته، وهو يلاطفك فيقول لك إن في توقيعك إشكالا أي لعلك تراعي مشاعر الناس، مع أنه من أسس المنتدى وكان بوسعه أن يحذف مشاركتك بطرفة عين، فلا يقرأ كلماتك الباطلة أحد منّا ولكن كل ميسر لما خلق له.
وأنا ردّاً لاعتبار مولاي الشيخ جلال على الجهاني أمتع الله الخلايق بعلمه وصحبته أدعوك للمناظرة في أي مكان وزمان تريده، كتابة أو وجهاً لوجه، في هذا المنتدى أو غيره، وعلى رؤوس من تشاء من الأشهاد، وأتحداك بأن تثبت أن الله تعالى أسقط التكليف سواء عنك وحدك، أو عنك وعن غيرك ممن هم أمثالك، أو عن جميع الخلق. وإن كنت رجلاً اقبل التحدّي والمناظرة، لأريك أنك أنت الذي لا يفهم ما يقوله.

وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

سامح يوسف
20-11-2003, 01:07
السلام عليكم أهل السنه والجماعه
أكرم الله الشيخين سيدي جلال وسيدي بلال خيرا جزاء ما ردا علي هذا المتشبع بما لم يعط فهو كما يقول في توقيعه ساقط عنه التكليف وحبيبنا صلي الله عليه وسلم قال"رفع القلم عن ثلاثه عن النائم حتي يستيقظ وعن الصبي حتي يبلغ الحلم وعن المجنون حتي يعقل" رواه أهل السنن وحسنه الترمذي
فهذا المدعي فادي أحد الثلاثه لا محاله فيا فادي عندما تفيق أو تبلغ الحلم أو تعقل ساعتها ستعلم إن شاء الله أن ما قاله لك الشيخان جلال وبلال حفظهما الله هو الحق الصراح
وإن أبيت إلا أن تظل علي حالتك من تخبط النائم أو تفاهة الصبي أو هذيان المجنون فها هو شيخنا بلال حفظه الله أعلنها صريحه فتعال يا من سقط عنه التكليف لتحاوره و أهل السنه ولا طاقه لك بهم يا هذا
وعذرا أهل السنه إن وجدتم في ردي بعض القسوه فهو من بدأ وما فعلت إلا أن ألزمته ببعض ما قال
والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته

سعيد فودة
20-11-2003, 11:20
الأخ فادي-لوف وباقي الإخوة الكرام،

مهما كنت تريد -يا فادي- أن تعرض من أفكار، فإنك يمكنك أن تعرضها بأسلوب مطرد مع آداب البحث والنظر، وأرجو أن لا تستخف بأحد يحاورك، وأنت لا تعرفه. ولا تنس أنك أنت من يخالف المعروف والمقرر عند المسلمين فلا تظن نفسك قائلا بالبين الواضح، حتى تتكلم بهذا النفَسِ.
فالتزم بهذا لكي نستطيع إكمال ما تريد المحاورة فيه.
وقد أحدثتُ بعض التغييرات التي لا تضر على جزء مما كتبه الأستاذ بلال والأخ الفتى المصري، راجيا أن يغفرا لي ذلك.
وهدفي من ذلك، هو الاستمرار في هذه المناظرة والمحاورة إلى نهايتها، وعدم غتاحة الفرصة للأخ فادي أن ينهي هذا الحوار الذي بدأه بحجة السباب والاستخفاف، ولكي لا نفتح له بابا لذلك أيضا، وإن كان هو الذي بدأ به.
لأني أرى أن فادي مهما كان يظن أفكاره قوية أو أنها تخلخل بناءً أمضاه ورفعه علماء أقلهم لا يدانيه أعلى فلاسفة الغرب، فإنا قادرون بإذن الله تعالى على أن نبطل ما يقوله فادي بالحوار والنظر، وذلك بتحليل كلامه إلى مقدماته الأولى حتى نوصله إلى بديهيات إما أن يقر بها أو يناقضها، فيكون سوفسطائيا، ويبطل الكلام معه حينئذ.
أنا أعرف أن هذا الأسلوب صعب وطويل، ولكن هذا هو المقصود عندي بإقامة الحجة على الخلق.
فأرجو أن تتمهلوا في المباحثة معه، وكلامه الذي يقول به ليس جديدا فكثير يقول به.
أرجو أن يوفقه الله تعالى إلى الحق والصواب، وأن لا يبقى في حوزة الشك والريب فإن هذا مقتل للإنسان، وإن ظنه الكثير مفخرة لهم.
وأدعوكم جميعا أيها الأخوة إلى إكمال الحوار معه بالتي هي أحسن. حتى تقيموا الحجة عليه. فهذا هو أسلوب سادتنا المتكلمين، وانظروا كم التزموا بذلك حتى اقترحوا طرقا لمناقشة السوفسطائية واختلفوا في أقسامهم.
وليت شعري من أعظم جرما، آلذي ينكر وجود الله تعالى ونبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أم من يخالف في مثل هذه الفرعيات؟
فإن وجب علينا شرعا مناقشة أولئك، أفلا يجب علينا مناقشة هؤلاء وإفحامهم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

عمر شمس الدين الجعبري
09-07-2019, 22:43
"لأني أرى أن فادي مهما كان يظن أفكاره قوية أو أنها تخلخل بناءً أمضاه ورفعه علماء أقلهم لا يدانيه أعلى فلاسفة الغرب، فإنا قادرون بإذن الله تعالى على أن نبطل ما يقوله فادي بالحوار والنظر، وذلك بتحليل كلامه إلى مقدماته الأولى حتى نوصله إلى بديهيات إما أن يقر بها أو يناقضها، فيكون سوفسطائيا، ويبطل الكلام معه حينئذ.
أنا أعرف أن هذا الأسلوب صعب وطويل، ولكن هذا هو المقصود عندي بإقامة الحجة على الخلق.
فأرجو أن تتمهلوا في المباحثة معه، وكلامه الذي يقول به ليس جديدا فكثير يقول به.
أرجو أن يوفقه الله تعالى إلى الحق والصواب، وأن لا يبقى في حوزة الشك والريب فإن هذا مقتل للإنسان، وإن ظنه الكثير مفخرة لهم.
وأدعوكم جميعا أيها الأخوة إلى إكمال الحوار معه بالتي هي أحسن. حتى تقيموا الحجة عليه. فهذا هو أسلوب سادتنا المتكلمين، وانظروا كم التزموا بذلك حتى اقترحوا طرقا لمناقشة السوفسطائية واختلفوا في أقسامهم. "

بارك الله في ساداتنا المشايخ