المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المعلوم من الدين بالضرورة (مسألة الحجاب)



fadilov
16-11-2003, 04:14
بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحديث عما هو معلوم من الدين بالضرورة أمر في غاية الصعوبة على خلاف ما قد يتوهمه كثير من المتدينين المسلمين، إذ لا أعلم أن أحدا من العلماء استطاع أن يضع قواعد مضبوطة نستطيع من خلالها أن نميز بين ما هو معلوم من الدين بالضرورة مما هو ليس على هذا النحو، ولهذا نجد علماء الإسلام مختلفين في تحديد المسائل اللتي علمت من الدين بالضرورة، وعليه فقد يتوهم أغلب المسلمين بل أغلب علمائهم أن مسألة ما هي مما علم من الدين بالضرورة، وقد يبنون على ذلك كفر المخالف فيها، إلا أنه بعد التحقيق في تلك المسألة نجد أن المسألة قابلة للأخذ والرد بل قد يكون الصواب في المسألة على خلاف ما توهم فيها، وستجد عند التحقيق أنه لا تحقيق. هذا ما نجده في مسألة الحجاب.
قد لا توافق بعد قراءة المقالة المكتوبة أدناه على الحكم الذي خَلُصَت إليه، إلا أنك قد تغير اعتقادك في أن القول بوجوب الحجاب هو مما علم من الدين بالضرورة، وقد تعتقد أنها من المسائل الاجتهادية اللتي يسوغ فيها الخلاف، وبعد ذلك لك أن تسترسل في مخيلتك كم هو عدد المسائل التي تعتقد أنها مما علم من الدين بالضرورة، وهي على خلاف هذا الحال.
مناقشة خطاب الحجاب عند التيار المحافظ
( نحو إنضاج الوعي الإسلامي )
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد،
فإن الفكرة الجديدة تحتاج إلى تكرار لفهمها، وإلى إنصاف للحكم عليها، وإلى كلا الأمرين لقبولها ، وتحقيق العبودية لله لا يمكن أن يتم إلا بالتسليم لأمره والرضى بحكمه كائنا ما كان ، ومن رحمة الله بعباده أن جعل حكمه غير معارض لمصالح البشر بل منسجما معها ؛ لذلك فإننا نجد أن كثيرا من الأحكام الشرعية جاءت مراعية لوقائع معينة ، ثم تغيرت هذه الأحكام بتغير هذه الوقائع ، مثال ذلك التدرج في تحريم الخمر ، حيث راعت الشريعة واقع المجتمع وانغماسه في شرب الخمر مما استلزم التدرج في التحريم ، ووجدنا أيضا من الأحكام ما كان سيشرع لو كان واقع الناس وحالهم مخالفا لما كان عليه إلا أنه لم يشرع مراعاة من الشريعة لأحوال الناس ، من ذلك الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها :" يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم –قال ابن الزبـير: بكفر- لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس ، وباب يخرجون ".
ولوضوح هذه المعاني في النصوص الشرعية وكثرتها صاغ بعض علماء أصول الفقه القاعدة التي تقول ( الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما ) أي إن وجدت العلة التي شرع الحكم من أجلها وجد الحكم ، وإن عدمت العلة عدم الحكم.
لذا وجب على من أراد أن يستدل بآية أو حديث على حكم ما أن ينظر إلى المصلحة التي شرع الحكم من أجلها، ليرى إن كان هذا الحكم سيحقق ذات المصلحة إذا شرع في زمن تغيرت فيه أحوال المجتمع وقيمه وعاداته ، فإن كان الحكم سيحقق ذات المصلحة حكمنا به وقلنا بديمومته ، وإن زال السبب أو المصلحة التي شرع الحكم من أجلها قلنا بزوال الحكم وتغيره إلى حكم آخر يراعي حال الناس الجديد ومصلحتهم.
وإن كانت طرق معرفة علة الحكم مختلفة ومتنوعة إلا أن أقواها أن ينص الله في كتابه أو رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه على أنه شرع هذا الحكم لأجل كذا.
وهذا ما نجده في الآية التي تتكلم عن حكم الحجاب حيث قال الله جل وعلا :" يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين " فقوله تعالى " ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين " هو العلة التي أمر الله النساء الحرائر بالحجاب من أجلها.
وعلى هذه العلة تحمل جميع الأدلة التي تتكلم عن موضوع الحجاب كقوله تعالى:" ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن" إذ لا يلزم أن تذكر علة الشيء في كل مرة يؤمر فيها به، وهذا ما لا أعلم خلافا فيه بين أهل العلم ، هذا إذا سلمنا أن هذه الآية تتحدث عن موضوع الحجاب أصلا.
وقد قلت إن هذه العلة مختصة بالنساء الحرائر لأن الأَمَةَ -غير الحرة- لا يجب عليها الحجاب -وإن كانت مسلمة- كما يجب على الحرة عند جمهور العلماء وقد جاء في الأثر الصحيح أن عمر رضي الله عنه لما رأى أمة متقنعة ضربها وقال لها: لا تشبهي بالحرائر ، وصنيع عمر هذا يدل على أنه لم يكن يشاهد الإماء في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم يلبسن مثل الحرائر ولا في زمن أبي بكر رضي الله عنه أي إن عادة المجتمع كانت بأن تحتجب الحرة بخلاف الأمَة ، ومن هنا قال الإمام ابن تيمية رحمه الله " والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ، أن الحرة تحتجب والأَمَة تبرز " ولهذا لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتزوج صفية رضي الله عنها قال المسلمون:" إن يحجبها فهي امرأته ، وإن لم يحجبها فهي أم ولد" - أي ليست حرة -، والحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه.
ولكن ما هو الأذى الذي شرع الأمر بالحجاب للحرائر من أجله؟!
أشهر أقوال المفسرين في ذلك أن النساء كن يخرجن في الليل لقضاء حوائجهن وكان المنافقون والفساق يخرجون ويتعرضون للنساء بالأذى فأمر الله الحرائر بلبس الحجاب حتى يعرفن بأنهن حرائر فلا يجرؤ المنافقون والفُسَّاق على التعرض لهن ، هذا ما قاله المفسرون ، وعليه فإن الأمر بالحجاب إنما كان لتتميز الحرة عن الأمة في زيها ومظهرها ، والذي يبدو أن المنافقين كانوا يتخذون من عدم تمييزهم بين الحرة والأمة ذريعة للتعرض للحرائر، فأراد الله أن يميز بينهن منعا للأذى فأمر الحرائر بالحجاب ، وليس الإيذاء متعلقا بجمال المرأة أو عدمه كما قد يتوهم البعض وإلا لأمر الله الجميلات بالاحتجاب سواء أكن حرائر أم إمَاء منعا للأذى عنهن إلا أن الأمر كان متعلقا بأذية الحرة ، كما هو ظاهر.
وعليه فلو فرضنا أن مجتمع الصحابة رضي الله عنهم كان مجتمعا خاليا من الإمَاء فلن يعود هنالك أي مبرر لأن تلبس الحرة الجلباب حتى تتميز به عن غيرها ، ولن يأمرها الله بالحجاب عندها.
وهناك من فسر الآية بقوله حتى يعرفن بأنهن عفيفات فلا يجرؤ الفساق والمنافقون على التعرض لهن بالإيذاء ، وهذا التفسير مجانب للصواب ، إذ لو احتجبت جميع النساء فلن يعود هنالك فارق بين العفيفة وغيرها ، وسيوجد بين المحتجبات من هي ليست بعفيفة ، وقد سمعنا عن أمثال هذا الصنف في زماننا الكثير ، ثم إني لا أتصور أن المرأة المسلمة العفيفة قبل أن يفرض عليها الحجاب لم تكن تعرف بأنها عفيفة.
ومن هنا يتبين خطأ من يقول إن المرأة المسلمة إن نزعت حجابها فقد نزعت عفتها وحياءها وطهرها، إذ لا يقال بأن المرأة المسلمة قبل أن ينـزل عليها الأمر بالحجاب كانت منسلخة عن العفة والحياء ، كما لا يقال أيضا إن الأمَة المسلمة التي لم يفرض عليها الحجاب أصلا ليست عفيفة ولا طاهرة عياذا بالله.
ومن هنا أيضا يتبين للقارئ خطأ من قال إن الأمر بالحجاب إنما كان دفعا للفتنة ، وسدا لذريعة الزنا التي يمكن أن تحدث بسبب نزع الحجاب ؛ إذ لا يمكن أن نتصور أن الفتنة كانت مستعرة في المجتمع الإسلامي قبل أن يفرض الحجاب ، وأن المجتمع كان مجتمعا منحلا من الناحية الأخلاقية ، وبالأخص أن جمعاً كبيرا من العلماء يقول بأن الأمَة لا تغطي رأسها حتى بعد أن نزل الأمر بالحجاب ، وقد بينا ذلك فيما سبق ، بل يقولون إن عورتها مثل عورة الرجل من السرة إلى الركبة ، فكيف يقال بعد ذلك إن الحجاب شرع وأمر به منعا للفتنة ، وهل تختلف الحرة عن الأمة في حصول الفتنة بها !
وتعليل الأمر بالحجاب للحرائر أنه لمنع الأذى عنهن ، وأنه إن زال الأذى زال الأمر لهن بالحجاب يدل عليه أيضا أن النساء لم يكن يلتزمن بالحجاب في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأوقات ، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه قوله :" كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا "، فقوله جميعا يدل على أنهم كانوا مجتمعين مع بعضهم البعض كما قال جمع من شرَّاح الحديث، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحه على صحيح البخاري:"جميعا ظاهره أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة " ثم رد على من قال: إن معنى الحديث أن الرجال كانوا يتوضؤون ويذهبون ثم تأتي النساء فيتوضأن فقال:"وهو خلاف الظاهر من قوله جميعا قال أهل اللغة الجميع ضد المفترق ، وقد وقع مصرحا بوحدة الإناء في صحيح ابن خزيمة ... عن ابن عمر أنه أبصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتطهرون والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهر منه"، واستخدامه لأل الجنسية في كلمتي النساء والرجال يدل على التعميم، قال الإمام ابن حجر :" ظاهره التعميم فاللام للجنس"، أي جميع النساء والرجال بشتى شرائحهم ، من غير أن نقيدهم بصنف معين كأن يكون الرجال محارم للنساء .
وقد ذهب بعض العلماء إلى القول بأن هذا الحديث منسوخ أي أن النساء والرجال كانوا يفعلون ذلك قبل أن تؤمر النساء بالحجاب ، فلما أمرن توقفن عن ذلك ، إلا أن قائل هذا القول لا يملك أي دليل واضح يدل على أنهم كانوا يفعلون ذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب ، فقوله بأن الحديث منسوخ مجرد دعوى لا دليل عليها ، وكافة العلماء متفقون على أنه لا يجوز أن يقال عن حديث إنه منسوخ إلا بعد أن نأتي بدليل واضح على ذلك .
ومن الأدلة التي تدل على أن الأمر بلبس الجلباب إنما كان لمنع الأذى عن النساء الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص قال:" استأذن عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن ، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقال: عمر أضحك الله سنك يا رسول الله ، قال: عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب ، قال: عمر فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن ثم قال: أي عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قلن: نعم أنت أفظُ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك" فهذا دليل يدل بوضوح على أن النساء لما خفن الأذى من عمر لبسن الحجاب ، وأنهن كن قد نزعنه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم قبل ذلك لرحمته بهن.
ويترتب على ما تقدم انتفاء الأمر بالحجاب في الزمان الذي تنعدم فيه الإماء ، إلا إن وجد في المجتمع سبب آخر يجعلنا نأمر بارتداء الحجاب ، من ذلك مثلا مراعاة أعراف الناس وعاداتهم في بعض المجتمعات فلا يمكننا أن نفتي بجواز نزع الحجاب في مجتمع مثل المجتمع السعودي لما سيترتب على هذا من مفاسد نتيجة عدم تقبل معظم المجتمع لهذا الرأي الغريب عنهم مما سيؤدي إلى إيذاء المخالف والحكم عليه بالضلال ، وقد جاء في المثل ( تزول الجبال عن أماكنها ولا تزول الناس عن عوائدها ) ، وفي مجتمع مثل المجتمع الأردني ينبغي أن تترك النساء على حالهن فمن شاءت منهن أن تحتجب فلا بأس،ومن شاءت أن لا تفعل فلا شيء عليها إذ ليس في الشريعة ما يوجب أيا من هذين الأمرين ، والعرف تغير حتى صار قابلا لهما ، أما في مجتمع مثل المجتمع التركي حيث تتعرض المتحجبة للإيذاء من قبل المتسلطين الذين يكبتون حرية الناس -وهو ما يحدث في السعودية ولكن من منظور آخر- فلا ينبغي أن يقال إلا إن الشريعة تأمر بنـزع الحجاب منعا للأذى عن المؤمنات ، والله هو ولي التوفيق.
على أن القول بعدم وجوب الحجاب أو كراهية كشف العورة ليس قولا جديدا في الفقه الإسلامي كما قد يتوهم الكثيرون بل هو رأي جمع من العلماء على خلاف بينهم، إذ أفتى الإمام أبو حنيفة رحمه الله بجواز أن تكشف المرأة عن قدمها، وأفتى الإمام أبو يوسف رحمه الله بجواز أن تكشف المرأة عن ذراعها، ونقل الإمام الماوردي عن الإمام الطبري والإمام داود رحمهم الله أن عورة المرأة الواجب سترها كعورة الرجل –القبل والدبر- ، وذهب الإمام البخاري رحمه الله وهو أعلم علماء المسلمين بعلم الحديث النبوي إلى أبعد من ذلك بكثير فقال بكراهية أن التعري حتى في الصلاة فقال في صحيحه :" باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها " وقوله (وغيرها ) يدل على كراهية التعري لا التحريم في جميع الأحوال في رأيه ، وقد سبقه إلى هذا الرأي من سبقه من العلماء فقال الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله في مصنفه " من كره أن ترى عورته" وروى أثرا صحيحا عن عبد الله بن عامر – وهو صحابي – قال فيه :" رآني أبي أنا ورجل يغتسل يصب علي وأصب عليه ، قال: فصاح بنا وقال: أيرى الرجل عورة الرجل والله إني لأراكما الخلف"وقول عامر رضي الله عنه لابنه " إني لأراكما الخلف " معناه أن هذا عيب مخالف لما هو عليه عرف الناس لا يليق بك فعله ، وهو ما يدل على أنه إنما أنكر عليه فعله لا لكون كشف العورة حراما وإنما لمخافته لما عليه العرف ، وفعل عبد الله بن عامر رضي الله عنه والرجل الذي معه يدل على أنهما لم يكونا يريان بأسا في أن ينظر أحدهم إلى عورة الآخر ، وليس في هذا الأثر أن عبد الله بن عامر رضي الله عنه وافق أباه على رأيه في أن كشف العورة عيب ، وقد ذكر الإمام الشوكاني في كتابه نيل الأوطار أن قوما ذهبوا إلى استحباب ستر العورة وعدم وجوب ذلك، وهذا الرأي – أي القول بكراهية التعري – وإن كان غريبا عن المجتمعات المحافظة إلا أنه مقبول جدا عند المجتمعات المنفتحة فلا ينبغي للمرء أن يرده لأنه يخالف ما تربى عليه وألفه ، والله هو الهادي والموفق .
وبعد هذا فإنني وإن كنت أعتبر رأي المخالف في هذه المسألة خطأ إلا أنني أحترم المخالف إن كان قصده الوصول إلى الحق ومعرفة حكم الله ، وأدعوه إلى أن لا يسعى إلى حمل الناس على مذهبه وإلزامهم به ؛ إذ لكل فريق من العلماء دليل إلى ما ذهب إليه ، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله :" لا ينبغي لفقيه أن يحمل الناس على مذهبه "، والعجب بعد هذه الأدلة وهذه النقول عن العلماء كيف يجرؤ أقوام على تضليل وتفسيق بل أحيانا تكفير غير المتحجبة، مع أن العلماء السابقين كالماوردي والشوكاني نقلوا آراء المخالفين لهم وناقشوها مع احترام أصحابها، من غير هذه الممارسات المتشددة التي تنم عن قلة علم مرتكبيها.
بقي أن يقال إنني لا أعلم حديثا يوجب ستر العورة إلا وفيه ضعف ، كما لا توجد آية تدل على هذا المعنى بوضوح فيما أعلم ، ولعل هذا هو السبب الذي دفع الإمام البخاري رحمه الله إلى تبني الرأي الذي ذكرناه عنه والله أعلم .
هذه خلاصة وعجالة سريعة حول موضوع الحجاب قصدت من خلالها إنضاج النظرة المتشددة عند بعض المسلمين عن طريق طرح بعض الأدلة التي قد تدفعهم إلى النظر في المسألة من زاوية أخرى غير تلك التي ينظرون من خلالها ، وقد سعيت إلى أن يكون النقاش من خلال المنطلقات الإسلامية التي يعترف بها الخطاب الإسلامي المعاصر بشكل عام ، وذلك لتحقيق الهدف الذي أشرت إليه ، وإلا فإنه كان بالمقدور بمعونة الله أن تطرح المسألة من خلال منطلقات أخرى هي أقوى وأدل على المطلوب من هذه المنطلقات ، والله هو ولي التوفيق وهو الهادي إلى الصواب ، أسأله هدايته وتوفيقه دائما ، وقد جاء في الحديث القدسي أن الله يقول :" يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم " لذا وجب على كل إنسان أن يطلب الهداية من الله دائما حتى لا يقع في الضلال ، ومن رحمة الله بنا أنه وعد بالإجابة.

جلال علي الجهاني
18-11-2003, 22:49
أخي فادي ..

لقد ذكرت في مقالك هذا مجموعة من الأمور التي أقل ما يقال فيها أنها ناتجة عن خلط في فهم طبيعة تركيب الأحكام الشرعية ..

فيا أخي .. الأحكام الشرعية تدور مع علتها، ولا تدور وتثبت وفقاً للمصالح، وإنما المصالح طريق لمعرفة العلة والكشف عنها من جملة من الاحتمالات ..

أما القول بأن المصلحة هي التي يبنى عليها الحكم الشرعي فقول مهجور غير مقبول .. والرد عليه وبيان فساده طويل، أرشدك إلى الكتاب الممتع الذي دبجته يراعة الدكتور البوطي، المسمى بضوابط المصلحة .. ففيه غنية عن الكلام في هذه المسألة وطرقها ..

على أنه يجب عليك أن ترجع إلى كتب الأصول وأخص بالذكر منها حاشية السعد التفتازاني على التلويح، ففيها بيان الفروقات الواجب معرفتها بين العلة والحكمة والمصلحة والفائدة .. وبها يزول عنك إشكالات كثيرة في هذا الباب .. وخاصة كلامك الذي فهمت فيه من ذكر الحكمة في الحجاب بعدم الأذى أنه علة للحكم، وشتان ما بينهما شتان.. وفقك الله ..

أما ذكرك لقول أبي حنيفة في مسألة جواز كشف المرأة ظاهر رجلها، وما نقلته عن أبي يوسف، فعليك أولاً الإثبات بذكر مصدر النقل، وعليك التفريق بين مسألة بطلان الصلاة بانكشاف شيء من العورة وبين مسألة العورة الواجب سترها للمرأة في حالة وجود أجنبي عنها ... فلا يجوز الخلط بين هذه المسائل ..

أما بقية النقول إن صحت عن بعض العلماء، فعليك لا لك، فإن كنت تأخذ بأقوال العلماء، فعليك إذا أن تبين الضابط الذي تقبل به قولاً دون قول .. وإن كنت تأخذ بالأدلة من حيث قوتها، فليس قول أحد من العلماء المجتهدين بدليل شرعي في مجال الأدلة الشرعية ..

على أن نصوص العلماء لها محامل وتأويلات أكثر من تلك التي تكلمت عنها في مسألة إشكالية النص القرآني، فكم من عالم من المتقدمين يعبر بالمكروه عن الحرام، وبذا اشتهر إمامنا مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وللحنفية اصطلاح يكون فيه المكروه في رتبة المحرم ..

على أني أطالبك بالإثبات أولاً .. ثم أناقشك في تلك النصوص .. والله الموفق ...

أما مسألة تكفير تاركة الحجاب فذلك أمر آخر، والمعروف من مذهب أهل السنة أنهم لا يكفرون المسلم بذنب ما لم يستحله .. أما الوصف بالفسق فذلك مما لا مراء فيه، فأمر القرآن النساء بالحجاب، وإجماع المسلمين على وجوبه على النساء جملة، لا شك فيه .. فلا يكن دفاعك عن النساء المتبرجاب بأولى من الدفاع عن الأمة وكيانها وأحكامها الشرعية .. فتكون كمن تمسك بالفرع بإبطال أصل ..

والله الهادي إلى سواء السبيل ...

fadilov
22-11-2003, 03:07
[الأخ الفاضل جلال
إليك تعليقي على ما تفضلت به، وقد كتبته على رسلي كما طلبت في عنوان ردك

فيا أخي .. الأحكام الشرعية تدور مع علتها، ولا تدور وتثبت وفقاً للمصالح، وإنما المصالح طريق لمعرفة العلة والكشف عنها من جملة من الاحتمالات ..
[COLOR=limegreen]هذا ادعاؤك ويعارضه النقول الآتية عن بعض أئمة علم الأصول
قال الزركشي في البحر المحيط - كتاب القياس - الباب السادس في أركان القياس - الركن الرابع العلة - مسألة لا بد للحكم من علة.
"مسألة [ لا بد للحكم من علة ] ونقل ابن الحاجب في الكلام على السبر والتقسيم إجماع الفقهاء على أنه لا بد للحكم من علة واستشكل ذلك بالأصل المشهور أن أفعال الله لا تعلل بالغرض . قلت : ولا منافاة بينهما لأن الأحكام غير الأفعال . قال الأصفهاني في " شرح المحصول " : ندعي شرعية الأحكام لمصالح العباد ولا ندعي أن جميع أحكام الله تعالى لمصالح العباد ، وذلك ليس في علم الكلام وندعي إجماع الأمة ، ولو ادعى مدع إجماع الأنبياء على ذلك ، بمعنى أنا نعلم قطعا أن الأنبياء صلوات الله عليهم بلغوا الأحكام على وجه يظهر بها غاية الظهور مطابقتها لمصالح العباد في المعاش والمعاد ثم انقسم الناس إلى موفق وغيره ، فالموفق طابق فعله وتركه للأحكام الشرعية ففاز بالسعادتين في الدارين ، والمخذول بالضد من ذلك ، والأمر فيهما ليس إلا لخالق العباد . انتهى" .
وقال صاحب كشف الأسرار شرح أصول البزدوي - باب وجوه الوقوف على أحكام النظم - الثابت بدلالة النص لا يحتمل الخصوص "من شرط القياس مساواة الفرع الأصل في المصلحة المناسبة للحكم"
وأنت تقول أن المصلحة لا يبنى عليها حكم شرعي وقد جعلوها شرطا من شروط القياس! والعلماء يرجحون بين الأقيسة باختلاف نوع المصلحة وأنت تقول أن الأحكام لا تبنى على المصالح!
قال في البحر المحيط - كتاب التعادل والتراجيح - الفصل الثاني في الترجيح - الكلام على تراجيح الأقيسة :" تنبيه لو تعارض قياسان كل منهما يدل بالمناسبة لكن مصلحة أحدهما متعلقة بالدين ، والأخرى بالدنيا" فماذا يقدم؟
وقد ذكر الزركشي في البحر مسألة لطيفة وهي:
"هل يجوز أن يقول الله لرسوله : احكم فكل ما حكمت هو الصواب ؟ أو يأمر عامة الخلق أن يحكموا بما عن لهم ، أو بعض العالم من غير اجتهاد ؟ فيه خلاف سيأتي . فقيل : لله أن يتعبد بذلك والصحيح خلافه ، فإن هذه الأحكام إذا وضعت لمصالح العباد يجوز أن يختار الفساد والصلاح جميعا وليس اختياره علما على الصواب ، وبمثله لم يجز ورود التعبد بتصديق نبي من غير أمارة ، فكما يجوز تفويض الأمر إلينا في الخبر على اتفاق الصدق فكذلك القول في المصلحة" البحر المحيط - كتاب القياس - الباب السادس في أركان القياس - الركن الرابع العلة - مسألة لا بد للحكم من علة
فهذا حبيبنا المصطفى وكافة المجتهدين يجب عيهم أن ينظروا في مصالح العباد إذا أرادوا الحكم، ثم أنت تقول أن الأحكام الشرعية لا تبنى على المصالح، واعجبي!

أما القول بأن المصلحة هي التي يبنى عليها الحكم الشرعي فقول مهجور غير مقبول .. والرد عليه وبيان فساده طويل، أرشدك إلى الكتاب الممتع الذي دبجته يراعة الدكتور البوطي، المسمى بضوابط المصلحة .. ففيه غنية عن الكلام في هذه المسألة وطرقها ..
قد تبين بعد الذي نقلتُه عن أئمة العلم ما هو القول المهجور وأزيد على تلك النقول نقولا أخرى علّ الله ينور بصيرتك بواسع فضله وبجاه حبيبه وحبيبنا عليه الصلاة والسلام فأقول: قال العطار في حاشيته على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - الكتاب الرابع في القياس من الأدلة الشرعية - مسالك العلة - الخامس من مسالك العلة المناسبة
"لأن الصحابة رضي الله عنهم قنعوا في إثبات الأحكام بمعرفة المصالح وفاقا ، ولم يلتفتوا إلى الشرائط المعتبرة عند فقهاء الزمان في القياس والأصل والفرع إذ المقصود من الشرائع المصالح كما علم بالاستقراء"
وقرر ابن رحال في " شرح المقترح " الإجمال بطريق آخر فقال : قال أصحابنا : الدليل على أن الأحكام كلها شرعية لمصالح العباد ، إجماع الأمة على ذلك" انظر البحر المحيط - كتاب القياس - الباب السادس في أركان القياس - الركن الرابع العلة - مسألة لا بد للحكم من علة.
وقال إلكيا : فصل : في أن الأحكام الشرعية هل وضعت لعلل حكمية أم لا ؟ ذهب بعضهم إلى امتناع أن يتعبد الله عباده بما لا استصلاح فيه . وهذا قول مرغوب عنه . ونحن وإن جوزنا أن يتعبد الله عباده بما شاء ، ولكن الذي عرفناه من الشرائع أنها وضعت على الاستصلاح ، دلت آيات الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ملاءمة الشرع للعبادات الجبلية والسياسات الفاضلة وأنها لا تنفك عن مصلحة عاجلة وآجلة". انظر المرجع السابق
الأخ الفاضل جلال هلا أخبرتني من هو هذا العالِم النحرير الذي يقول أن أحكام الشريعة لم تبنى على مصالح العباد؟

قلتَ
على أنه يجب عليك أن ترجع إلى كتب الأصول وأخص بالذكر منها حاشية السعد التفتازاني على التلويح، ففيها بيان الفروقات الواجب معرفتها بين العلة والحكمة والمصلحة والفائدة .. وبها يزول عنك إشكالات كثيرة في هذا الباب ..
وقال في البحر المحيط - كتاب القياس - الباب السادس في أركان القياس - الركن الرابع العلة - مسألة لا بد للحكم من علة:" وقال الفقهاء : الأحكام معللة ولم يخالفوا أهل السنة بل عنوا بالتعليل الحكمة"
قلتُ: إن سلمنا وجود فرق بين العلة والمصلحة عند كافة العلماء، وهو غير مسلم لما نقلناه سابقا، فهل يمكن للأحكام أن تتعلق بالمصلحة؟ هذا هو المهم معرفته وأظن أن النقول التي أوردُتها تبين الجواب عن هذا بوضوح فتأملها.

قلتَ
وخاصة كلامك الذي فهمت فيه من ذكر الحكمة في الحجاب بعدم الأذى أنه علة للحكم، وشتان ما بينهما شتان.. وفقك الله ..
أقول سمها حكمة سمها علة سمها ما شئتَ فليس الكلام فيما نسمها إنما الكلام في أن الآية المشتملة على حكم الحجاب إنما نزلت بسبب الأذى، فإن زال سبب الحكم زال الحكم ضرورة، قال القرطبي في تفسير الآية المذكورة:" وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرز للحاجة فيتعرض لها بعض الفجار يظن أنها أمة , فتصيح به فيذهب , فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية بسبب ذلك . قال معناه الحسن وغيره."

أما ذكرك لقول أبي حنيفة في مسألة جواز كشف المرأة ظاهر رجلها، وما نقلته عن أبي يوسف، فعليك أولاً الإثبات بذكر مصدر النقل، وعليك التفريق بين مسألة بطلان الصلاة بانكشاف شيء من العورة وبين مسألة العورة الواجب سترها للمرأة في حالة وجود أجنبي عنها ... فلا يجوز الخلط بين هذه المسائل ..
قلت أما إثبات النقل فسيأتي قريبا، وما كنت أظن أن أحدا ممن يشتغل بالعلم يجهله أو على الأقل سيصعب عليه التأكد منه، وأما التفريق بين مسألة بطلان الصلاة بانكشاف شيء من العورة وبين مسألة العورة الواجب سترها للمرأة في حالة وجود أجنبي عنها فالحمد لله أن قلة علمي لم تبلغ المبلغ الذي لا أفرق فيه بين هذه المسائل، ولو أردت أن أذكر في المقالة ما لا يبطل الصلاة من العورة حال كشفه لقرأت عجبا وخلاصة مذهب الأحناف في ذلك أن انكشاف أقل من ربع العضو من العورة المخففة أو المغلظة (القبل والدبر) لا يبطل الصلاة بل ذهب أحد علمائهم وهو الكرخي فيما أذكر إلى أنه لو انكشف أقل من الدرهم البغلي من العورة الغلظة لم تبطل الصلاة. فتأمل كم سينكشف من الفرج! وفي المسألة تفصيل لا حاجة لذكره.
أما إثبات النقل عن الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله فأقول: قال صاحب العناية شرح الهداية - كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة التي تتقدمها
"روى الحسن عن أبي حنيفة أنها ليست بعورة ، وبه قال الكرخي . قال المصنف ( وهو الأصح ) ؛ لأنها تبتلى بإبداء القدم إذا مشت حافية أو متنعلة فربما لا تجد الخف ، على أن الاشتهاء لا يحصل بالنظر إلى القدم كما يحصل بالنظر إلى الوجه ، فإذا لم يكن الوجه عورة مع كثرة الاشتهاء فالقدم أولى
وقال ابن الهمام في فتح القدير - كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة التي تتقدمها
"وتنصيص أيضا على أن الذراع عورة وعن أبي يوسف ليس بعورة . وفي المبسوط في الذراع روايتان ، والأصح أنه عورة ، وفي الاختيار لو انكشف ذراعها جازت صلاتها لأنها من الزينة الظاهرة وهو السوار وتحتاج إلى كشفه للخدمة وستره أفضل . وصحح بعضهم أنه عورة في الصلاة لا خارجها"
وفي تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق – كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
"( وبدن الحرة عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها) .... وفي القدم روايتان والأصح أنها ليست بعورة للابتلاء بإبدائها .
وعن أبي يوسف أن ذراعها ليس بعورة كذا في الخبازية والكاكي وفي المبسوط في الذراع روايتان والأصح أنها عورة"

أما بقية النقول إن صحت عن بعض العلماء، فعليك لا لك، فإن كنت تأخذ بأقوال العلماء، فعليك إذا أن تبين الضابط الذي تقبل به قولاً دون قول .. وإن كنت تأخذ بالأدلة من حيث قوتها، فليس قول أحد من العلماء المجتهدين بدليل شرعي في مجال الأدلة الشرعية ..
أقول الأخ الفاضل إنما أوردت كلام العلماء استئناسا واحتجاجا على من يعتبرها، لا أني أعتبرها دليلا على كل أحد، أضف إلى ذلك أني أردت أن أدلل على أن المسألة ليست من المعلوم من الدين بالضرورة كما يتوهم البعض ولا عليها إجماع الأمة كما ذكرتَه في آخر جوابك. وعليه فلا يلزمني شيئ مما ذكرتَه غفر الله لك.

على أن نصوص العلماء لها محامل وتأويلات أكثر من تلك التي تكلمت عنها في مسألة إشكالية النص القرآني، فكم من عالم من المتقدمين يعبر بالمكروه عن الحرام، وبذا اشتهر إمامنا مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وللحنفية اصطلاح يكون فيه المكروه في رتبة المحرم ..
تنبيه: أرجو منك أن لا تخلط بين هذه المسألة ومسألة إشكالية فهم التص القرآني إذ أصول الاستدلال في كل مسألة تختلف في مستواها عن الأخرى، وقد كنت أتيت على نفسي بعد ما ذكره بعض الإخوة من كلام سيئ لا يليق بالفضلاء من أمثالهم ذكره، وشرعت بكتابة رد علمي على ما قرروه، وكان قد زاد من تطييب خاطري ما ذكره وفعله الأستاذ في آخر تعليق على المسألة، وإن كان قد ذكر أنني بدأت بالسباب والشتم فإني لا أدري أين وقع هذا مني! على أنه إن وقع مني سباب أو شتم لك أو لغيرك فإني أعتذر منه والعذر عند كرام القوم مقبول، ثم إني توقفت عن إكمال كتابة الرد بعد أن رأيت أن الموضوع قد أقفل!
أما عن التعبير بالمكروه عن المحرم فهذا معلوم لا يخفى، وقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- أيضا يعبر عن المحرم بالمكروه، وقد كانوا رحمهم الله يفعلون ذلك على العموم فيما لم يقم دليل قطعي على تحريمه أو لم يذكر النهي عنه في كتاب الله؛ تورعا منهم رحمهم الله عن إطلاق القول بالتحريم والقول على الله بغير علم، وفي المسألة كلام لطيف لا حاجة لذكره هنا. على أن القول بأن المقصود من الكراهة التحريم لا ينفع فيما نقل في المقالة عن الإمام البخاري عند قوله "باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها" ولا كذلك فيما نقل عن الإمام ابن أبي شيبة تحت باب "من كره أن ترى عورته" إذ ما أورده الإمامان من حديث أو أثر تحت ما عنونوه يدل على أنهم قصدوا الكراهة لا التحريم فارجع إليه. وأنت إن أردت القول بأنهم قصدوا التحريم لزمك أن تأتي بالدليل فهو على الأقل خلاف ظاهر لفظهم.

على أني أطالبك بالإثبات أولاً .. ثم أناقشك في تلك النصوص .. والله الموفق ...
أما الإثبات الذي طلبته فقد مر جزء منه، وبقي ما نُقل عن الإمام الماوردي من نقله عن الإمام الطبري والإمام داوود رحمهم الله ومناقشته لأدلتهم فقد ذكره في كتابه العظيم (الحاوي الكبير – كتاب الصلاة – تحت مسألة شروطها) في المجلد الثاني إن لم أكن ناسيا فانظره هناك. وكلام الإمام الشوكاني رحمه الله ومناقشته ستجدها في كتابه الحسن (نيل الأوطار – في المجلد الأول – كتاب الصلاة – أبواب العورة) على ما أذكره. وإن كنت تريد أن ثبت لك غيرها من النقول فأسألك أن تحددها، وأنا بانتظار مناقشتك لهذه النقول. على أني بانتظار أن تبين مقصود الآية الكريمة والحديثين الشريفين أيضا حتى يكون الجواب عاما شاملا، وذلك إن كنت ثابتا على رأيك بعد ما قررته.
أما مسألة تكفير تاركة الحجاب فذلك أمر آخر، والمعروف من مذهب أهل السنة أنهم لا يكفرون المسلم بذنب ما لم يستحله .. أما الوصف بالفسق فذلك مما لا مراء فيه، فأمر القرآن النساء بالحجاب، وإجماع المسلمين على وجوبه على النساء جملة، لا شك فيه .. فلا يكن دفاعك عن النساء المتبرجاب بأولى من الدفاع عن الأمة وكيانها وأحكامها الشرعية .. فتكون كمن تمسك بالفرع بإبطال أصل ..
عجبا كيف توصف بالفسق فإن فعلها لا يخلُ من أن يكون كبيرة أصغيرة فإن كان الأول فقد يسلم جواز الوصف بالفسق وإن كان الثاني فلا ينبغي إطلاق الوصف بالفسق على هذا النحو، على أني لا أعلم دليلا يدل على أنها مرتكبة لكبيرة بفعلها، فالآية إنما أمرت بالحجاب دون تهديد أو ترتيب وعيد على المخالِفَةِ، وكذا سائر الآيات اللتي يُستدل بها على وجوب الحجاب، والأحاديث على هذا النحو أيضا حاشا حديث الكاسيات العاريات وهو حديث ضعيف وإن رواه الإمام مسلم، وأنت إن جمعت طرقه وبحثت في أسانيده تبين لك ضعفه. على أنه لو سلمنا صحته فإنه لا يصلح للإستدلال به إذ إن الوصف المذكور فيه لا ينطبق على التبرج عموما بل على حالة مخصوصوة منه. هذا كله إن سلمنا أن الأمر بالحجاب واجب. مع الأخذ بعين الاعتبار الخلاف في تعريف الكبيرة. وعليه فما ذكرته من أمر القرآن وإجماع المسلمين على الوجوب، لو سلمنا صحته وهو غير مسلم لما مرَّ، غير كاف لإطلاق الحكم بالفسق فتأمل وفقك الله.

والله الهادي إلى سواء السبيل ...
سَلهُ هدايته فإنه من واسع فضله وعظيم رحمته قد وعد بالإجابة.[/ALIGN][/SIZE]

بلال النجار
29-12-2003, 02:54
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت قد أعددت ردوداً على كثير مما جاء في مقالة فادي، وكنت أؤجل الحديث فيها حتّى ننتهي من الإشكالات التي طرحها بخصوص النص القرآني، وما تشعّب إليه الحديث هناك. ويبدو أن النقاش هنالك قد طال، بل بالكاد بدأت مع فادي مناظرة حول حكم فاعل الكبيرة، وقد فصلناه في موضوع مستقل. والحقّ أن هذه المقالة أيضاً تضمّنت عدداً من الأمور لعلّه يحسن نقاش كلّ منها على حدّة، كمسألة المعلوم من الدّين بالضرورة أعني أنه هل هنالك شيء في الشرع يسمّى بذلك، وهل هنالك ضوابط لمعرفته، وإذا ثبت وجوده فما حكم منكره.. إلخ. وكذلك موضوع المصلحة الذي بدأت بنقاشه في القسم الثاني من مناقشة إشكالية فهم النصّ القرآني، ثم انقطع بنا الحديث... وعلى أي حال، شجّعني كلام فادي الأخير في نقاشه مع مولانا المحقق العلامة سعيد فودة واستحسانه لمناقشة كلّ مسألة طرحها على حدة، أن أضع بعض الأسئلة والملاحظات على بعض مفاصل المقالة وأخص التي تتعلق بحكم الحجاب مباشرة لما أنّ المقالة تتحدّث فيه أصالة حال كونها مثيرة لكثير من المسائل من حوله. ولن أتبع طريقة الردّ الإجمالي، ثمّ انتظار الردّ والردّ على الردّ، وهكذا، فقد جرّبنا ذلك من قبل ولم نجده مجدياً بل زاد في تشعيب المواضيع، واشتكى الناس من عسر المتابعة، مما جعلنا نقتطع النصوص ونكررها لإثبات ما قيل ومناقشته. ولذا فأفضل أسلوب السائل والمجيب، بكلام واضح مختصر، لتحرير الأقوال، ومناقشة الأدلّة، وذلك أجدى وأوضح، وأسهل للقارئ غير المثابر. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى سبيل الرّشاد.

أولاً: ما هو الحجاب الذي نتباحث في حكمه الشرعيّ الآن؟ أهو تغطية جميع جسم المرأة الحرّة وشعرها إلا الوجه والكفّين حال كونها مختارة لوجودها في الأماكن العامّة التي يراها فيها غير محارمها، أم هو شيء آخر؟

ثانياً: قال فادي: (وقد قلت إن هذه العلة مختصة بالنساء الحرائر لأن الأَمَةَ -غير الحرة- لا يجب عليها الحجاب -وإن كانت مسلمة- كما يجب على الحرة عند جمهور العلماء)

أقول: إقرارك بأن جمهور العلماء على الأقلّ يقولون بوجوبه في أوّل سطور المقالة قدر جيّد يختصر علينا الكثير. ولكنه نفي للإجماع على وجوبه قطعاً. فأسألك:
أ- من هم العلماء الذين خالفوا الجمهور في وجوب الحجاب الذي عرّفته أنا بأنّه تغطية الشعر وجميع جسم المرأة إلا الوجه والكفّين.. إلخ؟ والذين خالفوا في وجوب هذا القدر، ما هي حدود مخالفتهم؟ وأرجو منك يا فادي أن تتحرّى وأن تذكر العلماء الذين خالفوا بالاسم وما هو القدر الذي خالفوا فيه بحسب اطلاعك؟
ب- أنت يا فادي تقول: (نقل الإمام الماوردي عن الإمام الطبري والإمام داود رحمهم الله أن عورة المرأة الواجب سترها كعورة الرجل –القبل والدبر-)؟

أقول: فهل أنت مستيقن بأن ما نقله الماوردي عن الإمام الطبري وغيره كان في عورة المرأة الواجب سترها أمام الرجال الأجانب وليس في تحديد العورة من الرجل أو نحوه. كما وقع في كلام الشوكاني في نيل الأوطار عند تعليقه على حديث أبي داوود وغيره: (لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميّت)، حيث قال: (....وعن أحمد ومالك في رواية العورة القبل والدبر فقط وبه قال أهل الظاهر وابن جرير والاصطخري...) فلعلّ الأمر اختلط عليك؟ لا سيّما وأن الإمام الطبري يقول بوجوب الحجاب وله رد على من خالف في أنّ الفخذ عورة. فهل أنت بهذا النقل تنسب للإمام الطبري وداوود الظاهري أم تنقل النسبة؟ إن كان الأول فلا يثبت قولهما بذلك بهذا النقل فقط إن ثبت، وإن كان الثاني فماذا تريد منه؟

ج- ما هو المخصص لقوله تعالى: (... نساء المؤمنين...) في اعتقادك؟
د- قولك: (وإن كانت مسلمة) لماذا أتيت به؟ فإنه لو وجب لوجب على الكافرة والمسلمة؟ أم أنّك تقول بأن الكافر غير مكلّف بالتكاليف العمليّة؟

ثالثاً: قلت إن علة إيجاب الحجاب هي قوله تعالى: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)، فما معناه عندك؟ أي ما هي بالضّبط هذه العلّة؟ وهل الآية نصّ قاطع فيه أم أنّها تحتمل معنى غيره؟

رابعاً: مع قولك: (إلا أن الأمر كان متعلقاً بأذية الحرة، كما هو ظاهر)
يصبح قولك: (وعليه فلو فرضنا أن مجتمع الصحابة رضي الله عنهم كان مجتمعاً خالياً من الإمَاء فلن يعود هنالك أي مبرر لأن تلبس الحرة الجلباب حتى تتميز به عن غيرها، ولن يأمرها الله بالحجاب عندها) ممنوعاً. لأن أذيّة الفسّاق للحرّة متصوّر بل واقع في كلّ عصر، وفي عصرنا مع انقطاع الإماء. ومعلوم لكلّ من يسير في الطرقات أنّ الأذيّة واقعة بالفعل عليهنّ اليوم، وأنّ الحجاب إن لم يمنعها بالكليّة فإنه يقيّدها إلى حدّ كبير جدّاً.

خامساً: أنت تقول: (وعليه فإن الأمر بالحجاب إنما كان لتتميز الحرة عن الأمة في زيها ومظهرها)
فأقول: هل كان لتمييزها أو لمنع أذيّتها، أم لتمييزها ومنع أذيتها؟
الأوّل منعناه لاحتمال الأذية. فإذا كانت القضيّة قضيّة تمييز لا أكثر ولا اتصال لها بالعفّة والاحتشام والتستر والامتناع عن السفور وسد كثير من الذرائع...إلخ من الأمور الكثيرة التي استنبطها العلماء من الأمر بالحجاب، إذا لم يكن ستر جسم المرأة وشعرها مقصوداً بالذات ومأموراً به من الشرع، وكان مجرّد علامة على الحرّة تميّزها عن الإماء التي عرف أنّ منهن بغايا، فلم لم تؤمر المرأة الحرّة بربط عصبة حمراء مثلاً على رأسها إلخ، والعصابة للعلامة شايعة عند العرب، كما اشتهر السادة والأشراف بعمائمهم السود والخضر، أعني لماذا هذه الطريقة المخصوصة في اللباس التي شرحها الإمام الطبري بتوسّع في الروايات التي ذكرها في وصف لباس النساء زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأنّهنّ كنّ يدنين الجلباب من أعلى الرّأس حتّى القدمين ويضربن الخمر على الجيوب، ويغطّين الوجه كاملاً والأنف إلا عيناً واحدة. وفي روايات يشددنه على الجبين ويقنعن عند الحاجب. وهذا اللباس أقرب ما يكون للباس نساء العراق إذا غطّين الوجه على ما وصف الطبريّ رحمه الله تعالى؟
وإن كان الثالث: فلا يسلّم ارتفاعه الموجب لارتفاع حكمه على التسليم العليّة المدّعاة. فلا يزال علامة على المسلمة المحتشمة، ومانعاً من احتمال أذيّتها.

قولك: (وقد ذكر الإمام الشوكاني في كتابه نيل الأوطار أن قوما ذهبوا إلى استحباب ستر العورة وعدم وجوب ذلك، وهذا الرأي – أي القول بكراهية التعري – وإن كان غريبا عن المجتمعات المحافظة إلا أنه مقبول جدا عند المجتمعات المنفتحة فلا ينبغي للمرء أن يرده لأنه يخالف ما تربى عليه وألفه، والله هو الهادي والموفق)

أقول: لقد بحثت في نيل الأوطار، فما وجدت غير هذا الموضع.
قال الشوكاني: (حديث أبي سعيد الخدري ثم مسلم وأبي داود والترمذي بلفظ لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد والحديث يدل على وجوب الستر للعورة كما ذكر المصنف لقوله احفظ عورتك وقوله فلا يرينها وقد ذهب قوم إلى عدم وجوب ستر العورة وتمسكوا بأن تعليق الأمر بالاستطاعة قرينة تصرف الأمر إلى معناه المجازي الذي هو الندب ورد بأن ستر العورة مستطاع لكل أحد فهو من الشروط التي يراد بها التهييج والإلهاب كما علم في علم البيان وتمسكوا أيضا بما سيأتي من كشفه صلى الله عليه وسلم لفخذه وسيأتي الجواب عليه والحق وجوب ستر العورة في جميع الأوقات إلا وقت قضاء الحاجة وإفضاء الرجل إلى أهله كما في حديث ابن عمر السابق وعند الغسل على الخلاف الذي مر في الغسل ومن جميع الأشخاص إلا في الزوجة والأمة كما في حديث الباب والطبيب والشاهد والحاكم على نزاع في ذلك باب بيان العورة وحدها عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت رواه أبو داود وابن ماجه الحديث أخرجه أيضا الحاكم والبزار من حديث علي) اهـ
وموضع الاستشهاد قوله: (وقد ذهب قوم إلى عدم وجوب ستر العورة وتمسكوا بأن تعليق الأمر بالاستطاعة قرينة تصرف الأمر إلى معناه المجازي الذي هو الندب)
فهل هذا الموضع الذي تقصده من كلام الشوكاني أم هو موضع آخر. فإن كان من موضع آخر فأت به، ثمّ يكون لنا كلام.

قولك: (بقي أن يقال إنني لا أعلم حديثا يوجب ستر العورة إلا وفيه ضعف، كما لا توجد آية تدل على هذا المعنى بوضوح فيما أعلم)
أقول: هل هذا الكلام الذي تقوله عن بحث واستقصاء واستقراء تام واجتهاد منك، أم أنّك تقوله تقليداً؟ ولعلّك تراجع نفسك فأنت تعترف على الأقل بأن جمهور العلماء يوجبون الحجاب، فهل أوجبوه عن هوىً منهم؟
فهذا ما أحببت أن أبدأ به، والتعليق على بقيّة المسائل التي أريد الكلام فيها سيأتي قريباً. ولا أريد أن نفتح أوراقاً كثيرة ونتكلّم في مسائل كثيرة فينتشر الكلام. ونطلب من الأخ فادي أن يجيبنا على هذه الأسئلة، لنحدّد اتجاه الكلام أكثر، إن شاء الله تعالى.

fadilov
29-12-2003, 03:56
سأل الفاضل بلال (أولاً: ما هو الحجاب الذي نتباحث في حكمه الشرعيّ الآن؟ أهو تغطية جميع جسم المرأة الحرّة وشعرها إلا الوجه والكفّين حال كونها مختارة لوجودها في الأماكن العامّة التي يراها فيها غير محارمها، أم هو شيء آخر؟)

هو هذا اللذي ذكرتَه.

سأل الفاضل بلال (أ- من هم العلماء الذين خالفوا الجمهور في وجوب الحجاب الذي عرّفته أنا بأنّه تغطية الشعر وجميع جسم المرأة إلا الوجه والكفّين.. إلخ؟ والذين خالفوا في وجوب هذا القدر، ما هي حدود مخالفتهم؟ وأرجو منك يا فادي أن تتحرّى وأن تذكر العلماء الذين خالفوا بالاسم وما هو القدر الذي خالفوا فيه بحسب اطلاعك؟)

الفاضل بلال لقد أجبتُ عن هذا في المقالة فلماذا يجب عليَّ الإعادة؟

سأل الفاضل بلال (ب- أنت يا فادي تقول: (نقل الإمام الماوردي عن الإمام الطبري والإمام داود رحمهم الله أن عورة المرأة الواجب سترها كعورة الرجل –القبل والدبر-)؟ أقول: فهل أنت مستيقن بأن ما نقله الماوردي عن الإمام الطبري وغيره كان في عورة المرأة الواجب سترها أمام الرجال الأجانب ....فلعلّ الأمر اختلط عليك؟ لا سيّما وأن الإمام الطبري يقول بوجوب الحجاب وله رد على من خالف في أنّ الفخذ عورة. فهل أنت بهذا النقل تنسب للإمام الطبري وداوود الظاهري أم تنقل النسبة؟ إن كان الأول فلا يثبت قولهما بذلك بهذا النقل فقط إن ثبت، وإن كان الثاني فماذا تريد منه؟ )

نعم أنا مستيقن وأرجوا أن لا تسأل مثل هذه الأسئلة مرة أخرى فأنا ما كتبت ما كتبت إلا وأقصدهُ.
أما ما قصدته فهو نقل النسبة وقصدتُ به أن أنقل وجود الخلاف في المسألة كما يعتقد الإمام الماوردي، ثمَّ أنا أقول أنه لو نقل إمام مثل الماوردي قولا عن أحد العلماء فإنه يجوز أن ننسب القول لمن نقل عنهم إذ الأصل من العلماء التحري عند النقل وهذا ما أظنه بالإمام الماوردي إلا أن يثبت خطأ النقل.

سأل الفاضل بلال (ج- ما هو المخصص لقوله تعالى: (... نساء المؤمنين...) في اعتقادك؟)

الأحاديث الدالة على جواز كشف الأمة لشعرها، وواقع الحال عند الصحابة والتابعين أن الأمة تبرز والحرة تستر، وكذلك الأحاديث الدالة على عدم ستر الحرائر في زمن الرسول الأكرم لعورتهن دائما. وكل ذلك مذكور في المقالة.

سأل الفاضل بلال (د- قولك: (وإن كانت مسلمة) لماذا أتيت به؟ فإنه لو وجب لوجب على الكافرة والمسلمة؟ أم أنّك تقول بأن الكافر غير مكلّف بالتكاليف العمليّة؟)

لأن كثيرا من عوام الناس يتوهم أن هذا الحكم مختص بالأمة الكافرة.

سأل الفاضل بلال (ثالثاً: قلت إن علة إيجاب الحجاب هي قوله تعالى: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)، فما معناه عندك؟ أي ما هي بالضّبط هذه العلّة؟ وهل الآية نصّ قاطع فيه أم أنّها تحتمل معنى غيره؟ )

العلّة أن تتميز الحرة عن الأمة في لباسها، هي ظاهرة فيه محتملة لغيره.

سأل الفاضل بلال (رابعاً: مع قولك: (إلا أن الأمر كان متعلقاً بأذية الحرة، كما هو ظاهر)
يصبح قولك: (وعليه فلو فرضنا أن مجتمع الصحابة رضي الله عنهم كان مجتمعاً خالياً من الإمَاء فلن يعود هنالك أي مبرر لأن تلبس الحرة الجلباب حتى تتميز به عن غيرها، ولن يأمرها الله بالحجاب عندها) ممنوعاً. لأن أذيّة الفسّاق للحرّة متصوّر بل واقع في كلّ عصر، وفي عصرنا مع انقطاع الإماء. ومعلوم لكلّ من يسير في الطرقات أنّ الأذيّة واقعة بالفعل عليهنّ اليوم، وأنّ الحجاب إن لم يمنعها بالكليّة فإنه يقيّدها إلى حدّ كبير جدّاً. )

الأمر كان متعلقا بأذية الحرة لأنه لا يمكن تمييزها عن الأمة لا لشيء آخر فإن أذيتها لجمالها غير معتبر في الشرع لإيجاب الستر وإلا لوجب على الأمة.

سأل الفاضل بلال (خامساً: أنت تقول: (وعليه فإن الأمر بالحجاب إنما كان لتتميز الحرة عن الأمة في زيها ومظهرها)
فأقول: هل كان لتمييزها أو لمنع أذيّتها، أم لتمييزها ومنع أذيتها؟
الأوّل منعناه لاحتمال الأذية. فإذا كانت القضيّة قضيّة تمييز لا أكثر ولا اتصال لها بالعفّة ...وإن كان الثالث: فلا يسلّم ارتفاعه الموجب لارتفاع حكمه على التسليم العليّة المدّعاة. فلا يزال علامة على المسلمة المحتشمة، ومانعاً من احتمال أذيّتها.)

بل المختار الثاني وأما اعتراضك لمَ لم تؤمو بلبس العصبة أو غيرها فإن الله يحكم لا معقب لحكمه، وهو قد أمر بلبس الحجاب لذلك وليس لنا إلا التسليم لأمره.

سأل الفاضل بلال (أقول: لقد بحثت في نيل الأوطار، فما وجدت غير هذا الموضع.
قال الشوكاني: (حديث أبي ....وموضع الاستشهاد قوله: (وقد ذهب قوم إلى عدم وجوب ستر العورة وتمسكوا بأن تعليق الأمر بالاستطاعة قرينة تصرف الأمر إلى معناه المجازي الذي هو الندب) فهل هذا الموضع الذي تقصده من كلام الشوكاني أم هو موضع آخر. فإن كان من موضع آخر فأت به، ثمّ يكون لنا كلام. )

بل هذا الموضع اللذي أردتُهُ.

قولك: (بقي أن يقال إنني لا أعلم حديثا يوجب ستر العورة إلا وفيه ضعف، كما لا توجد آية تدل على هذا المعنى بوضوح فيما أعلم)
سأل الفاضل بلال (أقول: هل هذا الكلام الذي تقوله عن بحث واستقصاء واستقراء تام واجتهاد منك، أم أنّك تقوله تقليداً؟ ولعلّك تراجع نفسك فأنت تعترف على الأقل بأن جمهور العلماء يوجبون الحجاب، فهل أوجبوه عن هوىً منهم؟)

بل هو عن بحث واستقراء تام واجتهاد وحاشا أن أقلد أحدا في مثل هذا الأمر، وأما لماذا أوجب العلماء ذلك فاعلم أن الإماء كانوا إلى وقت قريب منتشرين في المجتمع الإسلامي، وعليه فإن علة الأمر كانت موجودة وهذا أحد الأسباب اللتي جعلت جمهورهم يفتي بالجواز في رأيي. وإلا فلو عدمت الإماء في عصر الإمام النعمان أبا حنيفة أو الإمام الشافعي أو الثوري وغيرهم من الأئمة فلا أجزم ببقاء قولهم كما هو.

بلال النجار
03-01-2004, 11:32
بسم الله الرحمن الرحيم
لنقرر شيئاً واضحاً نستند إليه قبل الشروع في الكلام، على نحو ما فعلنا في إشكالية فهم النصّ القرآني، وهو أن المدّعى عندك أن أهل السنّة مختلفين في موضوع الحجاب، وأنّه في التحقيق لا تحقيق، بحسب ادعائك، وأنّ المتأمّل في الأدلّة يرى أنّ المسألة خلافيّة وتحتمل الأخذ والردّ وأنّها غير واجبة، وأنّ علّة إيجابه كانت تمييز الحرائر عن الإماء فإذا انقطعت الإماء لم يكن ثمّة من داع للحكم… إلخ كلامك.
فالمحاكمة لا بدّ أن تكون بالأدلّة المعتبرة عند أهل السنّة أولاً، وكذا بتحقيق المسألة في أقوال العلماء بحيث يعرف هل فعلاً المسألة خلافيّة على النّحو الذي توحيه مقالتك، أو أنه مجمع عليها. وإن كانت خلافيّة فما هو مقدار الخلاف فيها، وما هو القدر المجمع عليه.
وإذا اتفق على هذا، فنقول:
قولك: (الفاضل بلال لقد أجبتُ عن هذا في المقالة فلماذا يجب عليَّ الإعادة؟)
أقول: ليس المقصود من السؤال الإعادة. بل المقصود أن ما ذكرته هو أن فلاناً من العلماء مثلاً خالف في القدم، وفلاناً خالف في الذراعين، وغير ذلك. وما أريده هو أن أحصر قدر هذا الخلاف، لتحقيق القدر المجمع عليه عند المسلمين كما تراه أنت، ثمّ نتكلّم في القدر الزائد عليه الذي تدّعي فيه الخلاف. وبعبارة أخرى أسألك: على ماذا الذي ترى أنت أن العلماء مجمعون بشأن العورة الواجب سترها في المرأة؟ في الصلاة وخارجها؟
ولا أريدك أن تردّني إلى الكتب بقولك انظر في الكتب، أو انظر ماذا كتبت، لأنّك إنما أشرت إلى بعض الخلافات، ولم تحدّد بالضّبط إن كانت هذه هي فقط الخلافات وليس هنالك غيرها. وتدّعي أنّك بحثت المسألة بحثاً وافياً وتامّاً وخرجت بنتائج فيها. كما أنّي الآن أدّعي أنّني بحثت في المسألة وخرجت بنتائج معيّنة. فأسألك عن نتيجة بحثك، لخّص لنا نتيجتك على النحو التّالي:
فلان وفلان وفلان خالفوا في كذا
فلان وفلان خالفوا في كذا وكذا... إلخ
واحصر القدر المجمع عليه، والقدر والمختلف فيه. لنرى أنّه هل قال أحد من العلماء بجواز خروج النساء على هذا النحو الذي نراه في شوارعنا، حيث يبدو الصدر وطرف الثديين، والرقبة والنحر، والذراعان والإبط، والسرّة، والساقان، والفخذان... وغيره مما يندى له الجبين، وترفضه طبائع المسلمين، أم لا؟
أمّا بخصوص نقلك عن الماوردي فقد تحقّقت من صحّته. وهو عندي ليس بشيء لأنّ مقصودك ليس فقط النّسبة إلى الطبريّ رحمه الله تعالى وإظهار أن في المسألة خلاف كما تقول: (أنا أقول أنه لو نقل إمام مثل الماوردي قولا عن أحد العلماء فإنه يجوز أن ننسب القول لمن نقل عنهم إذ الأصل من العلماء التحري عند النقل وهذا ما أظنه بالإمام الماوردي إلا أن يثبت خطأ النقل)
أقول: بل مقصودك كان إظهار أنّ الإمام الطبريّ تحديداً يخالف، وذلك للقدح في الإجماع على الحجاب بمخالفة إمام كالطبريّ.
والحقّ أنّ الكلام الذي ذكره الماوردي يجب تأويله على العورة المغلّظة، أو القدر المتواطئ المجمع عليه أنّه عورة يجب سترها من كلّ مكلّف ذكراً كان أو أنثى عبداً كان أو أمة في الصلاة وخارجها. ويشهد لهذا ما وقع من عبارات العلماء في ذلك. أي التصريح بالقدر المشترك، أو قيد التغليظ، مما لا يخفى عليك مما وقع في كتب شروح الحديث، وكتب الفقه، من تفريقهم بين المغلّظة والمخففة.
وحتّى لو لم تؤوّل العبارة وحملت على ظاهرها، فلا يكفي نقل واحد أنّه نُقل عن الإمام الطبريّ أنّه يقول بهذا، لإثبات أنّ الطبريّ يقول به. فلا يعتدّ بمجرّد ذلك لإثبات أن الطبريّ يقول به بالفعل، لا سيّما وأنّه يرى وجوب الحجاب، ويرد في كتابه تهذيب الآثار على من يقول بأنّ الفخذ من الرّجل ليس بعورة. ومن يرى أن فخذ الرجل عورة لعمري كيف يقول إن فخذ المرأة ليس بعورة.
قولك: (وقصدتُ به أن أنقل وجود الخلاف في المسألة كما يعتقد الإمام الماوردي)
أقول: أرجو ألا يتوهّم أحد من القرّاء أن الإمام الماوردي يخالف في مسألة الحجاب ووجوب ستر العورة في الصلاة وخارجها، فهو يقول في الإقناع-شروط الصلاة: (والثاني ستر العورة بلباس طاهر. وعورة الرجل ما بني سرته وركبته. والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها. وعورة العبد كالحر وعورة الأمة كالرجل). لذا اقتضى التنويه. فالماوردي رحمه الله تعالى يذكر الخلاف، ولكن قوله في المسألة واضح.

قولك: (المخصص للآية: الأحاديث الدالة على جواز كشف الأمة لشعرها، وواقع الحال عند الصحابة والتابعين أن الأمة تبرز والحرة تستر، وكذلك الأحاديث الدالة على عدم ستر الحرائر في زمن الرسول الأكرم لعورتهن دائما. وكل ذلك مذكور في المقالة)
أقول: أنا لست جاهلاً بما وقع في مقالتك، ولكنّي أسألك عن مخصص الآية، لتصرّح بأن الكتاب يخصص بالحديث، وسيرة العلماء من الصحابة والتابعين وإجماعاتهم وهذا كلّه بشأن الإماء. وأمّا بشأن الحرائر فلا نسلّم كلامك على إطلاقه، وسيأتي مناقشته في حينه. ولكني أحببت أن أقرأك تصرح بأن القرآن يخصص بالسنّة وما ارتضاه الصحابة والتابعون.. إلخ ما قلت، لأتعجّب منك تارة تقبل بما ذكرت مخصصاً وتارة تأباه، فماذا تسمّي من يفعل ذلك؟
لم أرد في هذه المشاركة أن أرد على كلّ ما قلته في مقالة الحجاب، وكلّ ما جاء في جوابك عليّ وعلى الفاضل جلال، وإني أؤجل ذلك إلى حينه، ولكني أردت أن أستوضح منك نتائج بحثك بالتفصيل كما سألتكه أولاً، ثمّ يكون لنا كلام. وأردت أن أقول لك: إذا كان ما ذكرته في الحجاب هو مجرّد رأيك واجتهادك، فإن أقل ما نقوله فيه أنّه خلاف الإجماع، والحكم المخالف للإجماع مردود. وإذا كنت تدّعي وكما فهمته من جملة مقالتك أنّ هذا هو واقع الحال، وحقيقة الحكم الشرعيّ، وأنّ من قال بوجوب ستر ما ذكرناه هو البعض دون الجميع، وأن المسألة خلافيّة قابلة للأخذ والردّ، وأنّك تريد إنضاج الوعيّ الإسلاميّ فيما يتعلّق بالحجاب... فإنّ ما أفهمه من كلّ ذلك أنّك تقول: أنتم لا تفهمون حكم الشرع في هذه المسألة، وأنا أريد أن أفهمكم إياه، وأكشف لكم حقيقة الحكم فيه... وهذا لعمري لا يجوز لك، ولا يجوز لأيّ واحد أن يدّعيه مع ما نقله العلماء من إجماعات في هذه المسائل. وليت شعري كيف تعترف بأن وجوب الحجاب هو قول الجمهور وتريد أن تحمل الناس على قول الأقل، وجمهور الناس إن لم يكونوا كلّهم على قول الجمهور، وليسوا على قول البعض فضلاً عن كونهم متبّعين لشواذ الأقوال التي لا يجوز الإفتاء والعمل بها... أليس هذا الموقف غريباً.
وأما تعليل وجوب الحجاب بتمييز الحرائر كما تدّعي، حتى إذا ما انقطعن في مجتمع انقطع تعلّق وجوبه بالحرائر، فسيأتي الكلام فيه في حينه إن شاء الله. ولكني أسألك هل قرأت هذا الكلام لعالم من العلماء، فتنقله لنا. إذ أنا شخصياً لم أر أحداً يصرح بذلك. بل على العكس وجدت الشاطبي رحمه الله ينص في الموافقات نصّاً على أنّ وجوب ستر العورات، والنهي عن الطواف بالبيت على العري، وما أشبهه من العوائد الجارية في الناس وقد اعتبرها من جملة الأحكام الشرعيّة الثابتة التي لا تبديل لها بعد إقرار الشرع لها وأمره بها، واعتبر أن تصحيح تغير هذه الأحكام هو نسخ للأحكام المستقرّة المستمرّة، والنّسخ بعد موت النّبي صلى الله عليه وسلّم باطل، فرفع العوائد الشرعيّة باطل. فهذا كلام الشاطبيّ أبي المقاصد، فما بالك بكلام غيره من العلماء.
وأخيراً أردت أن أدافع عن الإمام الطبريّ فيما نسب إليه، بنقل هذا النصّ من تفسيره:
قال الإمام الطبري: (القول في تأويل قوله تعالى وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى لله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد وقل يا محمد للمؤمنات من أمتك يغضضن من أبصارهن عما يكره الله النظر إليه مما نهاكم عن النظر إليه ويحفظن فروجهن. يقول ويحفظن فروجهن على أن يراها من لا يحل له رؤيتها بلبس ما يسترها عن أبصارهم وقوله ولا يبدين زينتهن يقول تعالى ذكره ولا يظهرن للناس الذين ليسوا لهن بمحرم زينتهن وهما زينتان إحداهما ما خفي وذلك كالخلخال والسوارين والقرطين والقلائد والأخرى ما ظهر منها وذلك مختلف في المعنى منه بهذه الآية فكان بعضهم يقول زينة الثياب الظاهرة ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال ثنا هارون بن المغيرة عن الحجاج عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال الزينة زينتان فالظاهرة منها الثياب وما خفي الخلخالان والقرطان والسواران حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني الثوري عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن عبد الله أنه قال ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال هي الثياب حدثنا ابن المثنى قال ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الثياب حدثنا ابن بشار قال ثنا عبد الرحمن قال ثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله مثله قال ثنا سفيان عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن زيد عن عبد الله مثله قال ثنا سفيان عن علقمة عن إبراهيم في قوله ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الثياب حدثني يعقوب قال ثنا ابن علية قال أخبرنا بعض أصحابنا إما يونس وزغب غيره عن الحسن في قوله إلا ما ظهر منها قال الثياب حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله إلا ما ظهر منها قال الثياب قال أبو إسحاق ألا ترى أنه قال خذوا زينتكم ثم كل مسجد حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج قال ثنا محمد بن الفضل عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن زيد عن ابن مسعود إلا ما ظهر منها قال هو الرداء وقال آخرون الظاهر من الزينة التي أبيح لها أن تبديه الكحل والخاتم والسواران والوجه ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب قال ثنا مروان قال ثنا مسلم الملائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الكحل والخاتم حدثنا عمرو بن عبد الحميد الأملي قال ثنا مروان عن مسلم الملائي عن سعيد بن جبير مثله ولم يذكر ابن عباس حدثنا ابن حميد قال ثنا هارون عن أبي عبد الله نهشل عن الضحاك عن ابن عباس قال الظاهر منها الكحل والخدان حدثنا ابن بشار قال ثنا أبو عاصم قال ثنا سفيان عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير في قوله ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الوجه والكف حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال ثنا مروان بن معاوية عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي عن سعيد بن جبير مثله حدثني علي بن سهل قال ثنا الوليد بن مسلم قال ثنا أبو عمرو عن عطاء في قول الله ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الكفان والوجه حدثنا ابن بشار قال ثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة قال الكحل والسوران والخاتم حدثني علي قال ثنا عبد الله قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال والزينة الظاهرة الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال أماريك والخاتم والكحل قال قتادة وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لامرأة تومن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى ها هنا فأتى نصف الذراع حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن رجل عن المسور بن مخرمة في قوله إلا ما ظهر منها قال القلبين والخاتم والكحل يعني السوار حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس قوله ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الخاتم صبوب قال ابن جريج وقالت عائشة القلب والفتخة قالت عائشة دخلت علي ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة فدخل النبي فأعرض فقالت عائشة يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية فقال إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا فأتى على ذراع نفسه فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى وأشار به أبو علي قال ابن جريج وقال مجاهد قوله إلا ما ظهر منها قال الكحل والخضاب والخاتم حدثنا ابن حميد قال ثنا جرير عن عاصم عن عامر إلا ما ظهر منها قال الكحل والخضاب والثياب حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها من الزينة الكحل والخضاب والخاتم هكذا كانوا يقولون وهذا يراه الناس حدثني ابن عبد الرحيم البرقي قال ثنا عمر بن أبي سلمة قال سئل الأوزاعي عن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الكفين والوجه حدثنا عمرو بن بندق قال ثنا مروان عن جويبر عن الضحاك في قوله ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الكف والوجه وقال آخرون عنى به الوجه والثياب ذكر من قال ذلك حدثنا ابن عبد الأعلى قال قال يونس ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الحسن الوجه والثياب حدثنا ابن بشار قال ثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن في قوله ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الوجه والثياب

قال الطبري رحمه الله تعالى: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عني بذلك الوجه والكفان يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل والخاتم والسوار والخضاب وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته وأن المرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما روي عن النبي أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعا كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال لأن ما لم يكن حرام إظهاره وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره بقوله إلا ما ظهر منها لأن كل ذلك ظاهر منها

وقوله وليضربن بخمرهن على جيوبهن يقول تعالى ذكره وليلقين خمرهن وهي جمع خمار على جيوبهن ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن ....... إلخ ما رواه الإمام الطبري رحمه الله في هذا الباب)

وبعد هذا النصّ الواضح من كلام الإمام في تحديد ما هي العورة في الصلاة وخارجها للمرأة، ووجوب ستر هذه العورة، ونقله الإجماع على ذلك. فلا يجوز مطلقاً أن ينسب هذا القول إلى الإمام الطبريّ بحال من الأحوال. ولو أنصف محاورنا وهو الذي يدّعي كما جاء في كلامه أنّه بحث المسألة بحثاً وافياً كافياً، ولا بدّ أنّه اطلع على هذا الكلام من الإمام الطبريّ، لعمري لو أنصف لما نسب إلى الإمام الطبريّ هذا القول، حتّى بعد قراءته في كلام الماورديّ ما ذكر.
والحمد لله ربّ العالمين.

بلال النجار
06-01-2004, 15:01
بسم الله الرحمن الرحيم

قال فادي في ردّه على الشيخ جلال الجهاني: (أما عن التعبير بالمكروه عن المحرم فهذا معلوم لا يخفى... على أن القول بأن المقصود من الكراهة التحريم لا ينفع فيما نقل في المقالة عن الإمام البخاري عند قوله "باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها" ولا كذلك فيما نقل عن الإمام ابن أبي شيبة تحت باب "من كره أن ترى عورته" إذ ما أورده الإمامان من حديث أو أثر تحت ما عنونوه يدل على أنهم قصدوا الكراهة لا التحريم فارجع إليه. وأنت إن أردت القول بأنهم قصدوا التحريم لزمك أن تأتي بالدليل فهو على الأقل خلاف ظاهر لفظهم)

محلّ الكلام على ما حققناه وأقر به فادي هو ستر العورة من الرجل والمرأة. والمدّعى ههنا أنّ البخاريّ وابن أبي شيبة يريان كراهة التعرّي، لا حرمته، بمعنى أنّهما لا يقولان بوجوب أن يستر الرّجل والمرأة عورته، وهذا الحكم كما أفهمه من فادي سواء في الصلاة وفي غيرها. وبناء عليه فإن فادي يريد أن يثبت خلاف هذين العالمين في وجوب ستر العورة، مما يلزم عنه أن لا نستنكر عليه أنّه يقول: (حجاب المرأة ليس بواجب شرعاً).

وقد استدل أولاً بما نقله الماروديّ عن الطبريّ فرددناه عليه. وأثبتنا أن الطبريّ لا يرى ذلك. ثم استدل ههنا بتبويب البخاريّ، وسيأتي كلام خاصّ عن شرح تبويب الإمام البخاري (باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها) إن شاء الله. وكذا الكلام في الحديث الوحيد الذي أودعه تحت هذه الترجمة. وهو ما يحدث به جابر عن حادثة وقعت للنبي صلى الله عليه وسلّم قبل بعثته. ولعله سمعها من العباس رضي الله عنه، وكيف استنبط البخاريّ الحكم الذي ترجم له. وما المقصود من هذه الترجمة. كلّ ذلك سيأتي إن شاء الله لاحقاً، وأما الحديث لمن أراد أن يراجع قول الشراح فيه، فهو:

حدثنا مطر بن الفضل قال حدثنا روح قال حدثنا زكريا بن إسحاق حدثنا عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يحدث، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه يا بن أخي لو حللت إزارك فجعلت على منكبيك دون الحجارة، قال فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشياً عليه فما رؤي بعد ذلك عرياناً صلى الله عليه وسلم.
(انتهى الباب الذي عقده البخاريّ تحت هذه الترجمة)

أما ما نسبه إلى ابن أبي شيبة، فقد قرأت في مصنّفه ما وضعه تحت باب (من كره أن ترى عورته)، وهذه الأحاديث هي:

1127 حدثنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري قال أخبرني عروة عن أبيه أن أبا بكر الصديق قال وهو يخطب الناس يا معشر المسلمين استحيوا من الله فو الذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطياً رأسي استحياء من ربي.

1128 حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي موسى قال إني لاغتسل في البيت المظلم فأحني ظهري إذا أخذت ثوبي حياء من ربي.

1129 حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة والحارث بن فضيل عن عبد الرحمن بن أبي قراد قال حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم قال فذهب لحاجته فأبعد.

1130 حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن مولاه لعائشة عن عائشة أنها قالت ما نظرت أو ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط.

1131 حدثنا عبدة بن سليمان عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر قال رآني أبي أنا ورجل يغتسل يصب علي وأصب عليه قال فصاح بنا وقال أيرى الرجل عورة الرجل والله إني لأراكما الخلف.

1132 حدثنا وكيع عن مسعر عن أبي بكر بن حفص قال: قال عمر: لا يرى الرجل عورة الرجل أو قال لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل.

1133 حدثنا وكيع عن هشام بن الغاز عن عبادة بن نسي عن قيس بن الحارث عن سلمان قال لأن أموت ثم أنشر ثم أموت ثم أنشر ثم أموت ثم أنشر أحب إلى من أن أرى عورة الرجل أو يراها مني.

1134 حدثنا وكيع عن مغيرة بن زياد عن عبادة بن نسي عن أبي موسى قال لأن أموت ثم أنشر أحب إلى من أن ترى عورتي.

1135 حدثنا ابن علية عن ابن طاوس قال أمرني أبي إذا دخلت الخلاء أن أقنع رأسي قلت: لم التابعين بذلك. قال لا أدري.

1136 حدثنا زيد بن الحباب عن الضحاك بن عثمان قال أخبرني زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة.

1137 حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن المغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال يا مغيرة خذ الأداوة قال فأخذتها ثم خرجت معه فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توارى عني فقضى حاجته.

1138 حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرني إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتي البراز حتى يتغيب فلا يرى.

1139 حدثنا وكيع قال حدثنا الأعمش قال: قال عبد الله بن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة برز حتى لا يرى أحدا وكان لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.

1140 حدثنا ابن علية عن ابن عون عن ابن سيرين قال: قال أبو موسى: ما أقمت صلبي في غسلي منذ أسلمت. (انتهى الباب)

فأقول: لنفرض جدلاً أن ابن أبي شيبة رحمه الله ساق هذه الأحاديث ليقول إن المذكورين في الحديث كانوا يفعلون ما هو موصوف ههنا فقط لأنّهم يرون كراهة كشف العورة لا حرمتها، بمعنى أنّهم يرون استحباب الستر بالمصطلح الشرعي أو يكرهون كشف العورة لأنّ ذلك عيب على ما صرّح به فادي في مقالته الأولى، ولا يرون أنّه يجب على الرجل أو المرأة أن يستر عورته سواء وهو يقضي الحاجة، أو وهو يغتسل أو في أي مكان آخر سواء في الصلاة أو خارجها على ما هو المدّعى. وفي ذلك يقول فادي: (وذهب الإمام البخاري رحمه الله وهو أعلم علماء المسلمين بعلم الحديث النبوي إلى أبعد من ذلك بكثير فقال بكراهية أن التعري حتى في الصلاة فقال في صحيحه :" باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها " وقوله (وغيرها) يدل على كراهية التعري لا التحريم في جميع الأحوال في رأيه، وقد سبقه إلى هذا الرأي من سبقه من العلماء فقال الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله في مصنفه "من كره أن ترى عورته"). اهـ

ولا أريد أن أعلّق على شيء. فقط أقول حسناً، لنسلّم ذلك وللنظر ما أودعه ابن أبي شيبة في أبواب أخرى في مصنّفه. مثلاً في باب: (في المرأة تصلي ولا تغطي شعرها)
قال رحمه الله:
6212 حدثنا أبو بكر قال حدثنا محمد بن فضيل عن خصيف عن مجاهد قال أيما امرأة صلت ولم تغط شعرها لم تقبل لها صلاة.

6213 حدثنا أبو بكر قال حدثنا عيسى بن يونس عن عمرو عن الحسن رفعه قال إذا حاضت الجارية لم تقبل لها صلاة إلا بخمار.

6214 حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه أنه أرسل امرأة إلى عائشة فرأت جارية لها جمة فقالت لو استترت هذه كان أحرى بها فقالت إنها لم تحض ولا بدأ بعد الحيض.

6215 حدثنا أبو أسامة عن هشام عن محمد أن عائشة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي فتاة فألقى إلي حقوه فقال شقيه بين هذه الفتاة وبين التي ثم أم سلمة فإني لا أراهما إلا قد حاضتا.

6216 حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن عبد الكريم عن عمرو بن سعيد عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فاختبأت مولاة لهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حاضت؟ فقالوا: نعم. فشق لها من عمامته فقال اختمري بهذا.

6217 حدثنا وكيع قال: حدثنا شريك عن عثمان الثقفي عن ماهان عن أم سلمة قالت: إذا حاضت الجارية وجب عليها ما وجب على أمها من التستر.

6218 حدثنا وكيع قال حدثنا مرزوق بن عبد الله مولى بني زهرة قال سألت سعيد بن المسيب متى تكتب على الجارية الصلاة فقال إذا حاضت.

6219 حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم قال إذا حاضت الجارية وجب عليها ما وجب على أمها من التستر.

6220 حدثنا وكيع قال حدثنا ربيع عن الحسن قال إذا حاضت الجارية لم تقبل لها صلاة إلا بخمار.

6221 حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن خصيف عن مجاهد قال إذا حاضت الجارية لم تقبل لها صلاة إلا بخمار.
6222 حدثنا ابن إدريس عن الشيباني عن ماهان أبي سالم قال قالت عائشة إذا احتلمت الجارية وجب عليها ما وجب على أمها يعني من التستر.

6223 حدثنا يحيى بن آدم عن حماد بن سلمة عن قتادة عن ابن سيرين عن صفية عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار.

6224 حدثنا أبو بكر قال حدثنا الفاء عن هشام عن الحسن قال إذا بلغت المرأة الحيض فلم تغط أذنها ورأسها لم تقبل لها صلاة. (انتهى الباب)

فأقول لفادي: على ماذا تدلّ هذه الأحاديث؟ ألا تدلّ على وجوب ستر العورة في الصلاة وغيرها. والتصريح بلفظ الوجوب واقع في بعضها وهو في خارج الصلاة. وأما الذي في الصلاة فإن ما لا يتمّ الواجب المطلق إلا به وهو ههنا الصلاة، فهو واجب. والأحاديث صريحة في أنّه لا تقبل الصلاة إلا بستر العورة، فيكون سترها في الصلاة واجباً. فنعلم من ذلك أنّ ابن أبي شيبة لا يمكن أن يقول بكراهة كشف العورة في الصلاة بمعنى أنها لو صلت المرأة مكشوفة العورة لم تبطل صلاتها ولكن كرهت، إضافة إلى أنّه يروي وجوب ستر العورة في خارج الصلاة. فكيف تدّعي يا فادي على ابن أبي شيبة أنّه يقول بكراهة كشف العورة فحسب!
وقد وجدت في مصنّفه رحمه الله توصيفاً للباس المرأة وأنّها مأمورة بأن ترخي ثوبها شبراً أو ذراعاً بحسب الروايتين. ولذا أدعو الأخ المجتهد فادي، الذي بحث في المسألة بحثاً وافياً أن يعيد النظر فيما ينسبه إلى العلماء، ويتراجع عن ذلك. وهذا بشأن ابن أبي شيبة، وسيأتي الكلام عن البخاريّ، وتحقيق مذهب الأحناف فيما لا تبطل به الصلاة من كشف العورة. وأنّ ذلك ليس لأنّ ما ينكشف وتجوز معه الصلاة أنه ليس بعورة، أو لأنّ ستر العورة ليست بفرض عندهم سواء في الصلاة أو خارجها، ولكن لأمر آخر كما سنحققه إن شاء الله تعالى.
والله الموفّق

بلال النجار
08-01-2004, 14:01
بسم الله الرحمن الرّحيم

ادّعى فادي: (وذهب الإمام البخاري رحمه الله وهو أعلم علماء المسلمين بعلم الحديث النبوي إلى أبعد من ذلك بكثير فقال بكراهية أن التعري حتى في الصلاة فقال في صحيحه :"باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها " وقوله (وغيرها ) يدل على كراهية التعري لا التحريم في جميع الأحوال في رأيه).

ولعله لم يقرأ ما سننقله له الآن، من كلام البخاريّ الذي يسبق تبويبه هذا الذي ذكره هنا بثلاث صفحات فقط. والذي ما هو إلا باب واحد من جملة أبواب، سماها الإمام رضي الله عنه: (أبواب الصلاة في الثياب). فعجبي من بحثك يا فادي واستقصائك، وشدّة احترازك فيما تنسبه إلى العلماء!!!!!

قال الإمام البخاري رضي الله عنه في الجامع الصحيح:
(باب وجوب الصلاة في الثياب، وقول الله تعالى خذوا زينتكم. ثم كل مسجد. ومن صلى ملتحفاً في ثوب واحد. ويذكر عن سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يزره ولو بشوكة في إسناده نظر. ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه ما لم ير أذى وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يطوف بالبيت عريان)

ثم أورد البخاريّ تحت هذه الترجمة:

حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا يزيد بن إبراهيم عن محمد عن أم عطية قالت: ثم أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين وذوات الخدور فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزل الحيض عن مصلاهن.

قالت امرأة: يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب؟

قال: "لتلبسها صاحبتها من جلبابها"

وقال عبد الله بن رجاء حدثنا عمران حدثنا محمد بن سيرين حدثتنا أم عطية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بهذا.

فهذا ردّ على فادي في ما نسبه إلى الإمام البخاريّ من أنّه يرى كراهة التعرّي في الصلاة، بمعنى استحباب التستّر فيها لا وجوب ذلك. وهو كما ترى نصّ من الإمام البخاريّ في وجوب التستّر في الصلاة.
وسنأتيكم إن شاء الله بما يشرح الصدور في معنى ترجمة الإمام البخاري التي احتجّ بها فادي في الوقت المناسب إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين

fadilov
10-01-2004, 13:02
قال الفاضل بلال (والحقّ أنّ الكلام الذي ذكره الماوردي يجب تأويله على العورة المغلّظة، أو القدر المتواطئ المجمع عليه أنّه عورة يجب سترها من كلّ مكلّف ذكراً كان أو أنثى عبداً كان أو أمة في الصلاة وخارجها. ويشهد لهذا ما وقع من عبارات العلماء في ذلك. أي التصريح بالقدر المشترك، أو قيد التغليظ، مما لا يخفى عليك مما وقع في كتب شروح الحديث، وكتب الفقه، من تفريقهم بين المغلّظة والمخففة. )

أرجو منك أن تنقل لنا قول الإمام الماوردي كاملا فيما نسبه للإمام الطبري والإمام داوود بما في ذلك أدلتهم ورده عليها ثمَّ تبين لنا بوضوح كيف يمكن تأويل كلام الماوردي على نحو ما ذكرت. وأنا لو كان عندي كتاب الحاوي أو أستطيع الوصول إليه لكفيتك ذلك، فأرجو منك أن تفعل ذلك، مع التنبيه إلى أن الماوردي نقل الخلاف في الفخذ وهو العورة المخففة بعد ذلك. ووالله لقد أضحكتني لما قلت بوجوب تأويل الكلام على نحو ما ذكرت أضحك الله سنك، ثمَّ بعد أن تأتينا بوجه التأويل مفصلا يكون لي معك كلام آخر إن كنت مازلت تقول بوجوب التأويل على النحو اللذي ذكرتَ.

قال الفاضل بلال (وحتّى لو لم تؤوّل العبارة وحملت على ظاهرها، فلا يكفي نقل واحد أنّه نُقل عن الإمام الطبريّ أنّه يقول بهذا، لإثبات أنّ الطبريّ يقول به. فلا يعتدّ بمجرّد ذلك لإثبات أن الطبريّ يقول به بالفعل، لا سيّما وأنّه يرى وجوب الحجاب، ويرد في كتابه تهذيب الآثار على من يقول بأنّ الفخذ من الرّجل ليس بعورة. ومن يرى أن فخذ الرجل عورة لعمري كيف يقول إن فخذ المرأة ليس بعورة. )

أولا: الفاضل بلال تنبه إلى أن الماوردي لم يقل نُقل عن الطبري كما ذكرتَ هنا وإنما جزم بذلك عن الطبري وعن داوود.
ثانيا: أما أن الطبري يرى وجوب الحجاب وما نقلته له من كلام في التفسير، فهذا لم يخف علي، ولكن يبدو أنك نسيتَ أنه يمكن أن يكون للإمام أقوال كثيرة في المسألة الواحدة كما هو معلوم من سيرتهم ومثل هذا لا يخفى على طالب علم فكان حريا بك أن تنسب للإمام الطبري قولين في المسألة ذكر الماوردي أحدهما بدلا من أن تنسب إمام كالماوردي إلى الخطأ فيما نقله.
ثالثا: تأمل أن الإمام الماوردي لم ينقل مجرد الرأي وإنما ذكر أدلتهم أي الطبري وداوود وناقشها، وهو لم يبتكر لهم الدليل بل ذكر أنهم استدلوا بذلك، وعليه فيبعد أن يكون أخطأ في نسبة الرأي.
رابعا: أنت في حديثك تكلمت عن الإمام الطبري ولم تتكلم عما نقله الماوردي عن داوود، وأرجو أن لا تقول لي كما يقول البعض ممن لم يبلغ عندي منزلة داوود في العلم أن خلافه لا يعتد به، وقد قال أحد العلماء وقد نسيت من هو ووافقه على ذلك الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء "إنما الفقه فقه داوود والشافعي".
خامسا: لاحظ أن الإمام الماوردي نقل الخلاف في المسألة وناقش أدلة المخالفين، ومن يبين عدم صحة الإجماع المنقول فيها، ومن علم حجة على من لم يعلم، ولا أعلم أحدا من العلماء خطأ الإمام الماوردي فيما ادعاه من إجماع فإن كنت تعرف أحدهم فأخبرني.

قال الفاضل بلال (أقول: أنا لست جاهلاً بما وقع في مقالتك، ولكنّي أسألك عن مخصص الآية، لتصرّح بأن الكتاب يخصص بالحديث، وسيرة العلماء من الصحابة والتابعين وإجماعاتهم وهذا كلّه بشأن الإماء. وأمّا بشأن الحرائر فلا نسلّم كلامك على إطلاقه، وسيأتي مناقشته في حينه. ولكني أحببت أن أقرأك تصرح بأن القرآن يخصص بالسنّة وما ارتضاه الصحابة والتابعون.. إلخ ما قلت، لأتعجّب منك تارة تقبل بما ذكرت مخصصاً وتارة تأباه، فماذا تسمّي من يفعل ذلك؟)

الفاضل بلال يبدوا أنك لم تقرأ المقالة جيدا ولم تفهم جوابي أيضا
أولا: جاء في المقالة أنني أناقش المسألة من خلال المنطلقات اللتي يعترف بها الخطاب الإسلامي.
ثانيا: قولك أنني أخصص الآية بسيرة العلماء من الصحابة والتابعين وإجماعاتهم، يدل على أنك لم تفهم كلامي فارجع واقرأه وتأمل فيه ثم تعال وأخبرني أنك لم تفهم إلا اللذي نسبته إلي هنا حتى أخبرك كي ينبغي أن يفهم الكلام.
ثالثا: أنت أيها الفاضل تنسب إلي ما لم أقل بل أحيانا ما صرحتُ بخلافه ولولا أنني أحسن الظن بك أنك لا تحسن فهم الكلام كما أراه من حالك وتأخذك أحيانا العاطفة فتنسب إلي ما لم أقل لاتهمتك بالكذب أو الإفتراء علي، وأنا أضرب أمثلة على ذلك من كلامك فأقول:
1- " وإذا كنت تدّعي وكما فهمته من جملة مقالتك أنّ هذا هو واقع الحال، وحقيقة الحكم الشرعيّ، وأنّ من قال بوجوب ستر ما ذكرناه هو البعض دون الجميع" هذا نص عبارتك فأين قلتُ أن من قال بوجوب ستر ما ذكرتهُ هم البعض؟ والغريب أنك بعد أسطر تعترف بأني أقول إن هذا القول هو قول الجمهور فتقول " وليت شعري كيف تعترف بأن وجوب الحجاب هو قول الجمهور"، فماذا تسمي هذا أيها الفاضل؟؟؟
2- " وتريد أن تحمل الناس على قول الأقل، وجمهور الناس إن لم يكونوا كلّهم على قول الجمهور، وليسوا على قول البعض فضلاً عن كونهم متبّعين لشواذ الأقوال التي لا يجوز الإفتاء والعمل بها" وأنا لا أدري كيف فهمت من كلامي أني أريد أن أحمل الناس على قول الأقل؟ وقد ذكرتُ في المقالة قول الإمام أحمد "لا ينبغي لفقيه أن يحمل الناس على مذهبه" وصرحتُ بقصودي وهو إنضاج النظرة المتشددة عند التيار المحافظ. ثم أنت تتهمني أنني أريد أن أحمل الناس على هذا المذهب! منذ متى كان من يعرض مذهبه يريد أن يحمل الناس عليه؟؟؟
3- " فإنّ ما أفهمه من كلّ ذلك أنّك تقول: أنتم لا تفهمون حكم الشرع في هذه المسألة، وأنا أريد أن أفهمكم إياه، وأكشف لكم حقيقة الحكم فيه... وهذا لعمري لا يجوز لك" والله إن هذا لمن العجب كيف تفعم هذا من كلامي لمجرد أني خالفتُ في الحكم، هل يجوز أن نقول أن الإمام أحمد أو الشافعي كانا يريدان أن يقولا لنا إن الإمام مالك أو الإمام النعمان كانا لا يفهمان حكم الشرع في مسألة معينة .... إلى آخر كلامك لمجرد أنهم ذكروا قولا مخالفا لقولهم؟؟؟ أهكذا يفهم الكلام وهكذا تطلق الأحكام؟؟؟
اعلم أن هذا غيض من فيض ولو أردت أن أتتبع ما تنسبه لي مما لا أقول به لطال المقام فأرجو منك أن تتحرى الدقة فيما تنسبه لي وإلا فلا حاجة لي في مناظرة من لا يفعل ذلك.


قال الفاضل بلال (وبعد هذا النصّ الواضح من كلام الإمام في تحديد ما هي العورة في الصلاة وخارجها للمرأة، ووجوب ستر هذه العورة، ونقله الإجماع على ذلك. فلا يجوز مطلقاً أن ينسب هذا القول إلى الإمام الطبريّ بحال من الأحوال. ولو أنصف محاورنا وهو الذي يدّعي كما جاء في كلامه أنّه بحث المسألة بحثاً وافياً كافياً، ولا بدّ أنّه اطلع على هذا الكلام من الإمام الطبريّ، لعمري لو أنصف لما نسب إلى الإمام الطبريّ هذا القول، حتّى بعد قراءته في كلام الماورديّ ما ذكر. )

أولا: قد بينتُ أنه يجوز أن يكون للعالم أكثر من قول في المسألة.
ثانيا: ما ذكرتَهُ من أن الإمام الطبري نقل الإجماع على وجوب ستر العورة بهذا الإطلاق غير صحيح بل هو نقل الإجماع على وجوب ذلك في الصلاة، فارجع واقرأ كلامه وتأمل فيه ولا تتسرع في الفهم انتصارا لمذهبك حتى يتبين لك أنه لم ينقل الإجماع على ما وصفتَ.

وبهذا أنهي جوابي على ما تفضل به الفاضل بلال بشأن موضوع الحجاب فيما نسبته إلى الماوردي وكلام الطبري وداوود، وأرجي حديثي عن جواب الفاضل بلال على ما نقلته عن ابن أبي شيبة والبخاري إلى حين أن نفرغ من الحديث عن كلام الطبري وداوود حتى لا نطيل، وهي فرصة له أن يراجع جوابه بشأن ابن أبي شيبة والبخاري فقد غفل عن أشياء، وأرجوا من الفاضل بلال أن يجيب عما ذكرتُه هنا نقطة نقطة ولا يترك شيئا ولا ينتقي من كلامي ما يريد، ثم يكون لي معه حديث آخر. وأذكره بأن لا يعرض للخطابة ولا يشعب الكلام.

بلال النجار
11-01-2004, 11:43
بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً: قولك: (أرجو منك أن تنقل لنا قول الإمام الماوردي كاملا فيما نسبه للإمام الطبري والإمام داوود...)
أقول: حسناً: سأستعير كتاب الحاوي غداً مساء إن شاء الله وآتي بالنصّ وأحلله، حتّى ننتهي من ذلك نهائياً ولا نعود إليه، إذ ليس هو جوهر خلافنا لو أنصفت.

ثانياً: قولك: (ووالله لقد أضحكتني لما قلت بوجوب تأويل الكلام على نحو ما ذكرت أضحك الله سنك، ثمَّ بعد أن تأتينا بوجه التأويل مفصلا يكون لي معك كلام آخر إن كنت مازلت تقول بوجوب التأويل على النحو الذي ذكرتَ)

أقول: أنت تضحكني أكثر يا فادي. وما قولي بأنه يجب تأوّل النقل إلا ليقيني بأن الطبريّ لم يقل ذلك. بل ولاستبعادي بأن داوود أيضاً يقول ذلك، لما ستعلم بعد قليل، ولما ستعلم حين تأتيني بكلامك الذين سيكون لك معي.
وإني لفي شوق لأن تأتيني بشيء جديد، فإن كلّ ما أراك تفعله هو أنك تدور حول نفس كلامك الأول وتتعلق بعبارات نأتيك بها من هنا وهناك. ولو أنصفت لعلمت أن ردّي لم ينبن على وجوب تأويل العبارة. بل على ردّ نقل الماورديّ المنقطع في مقابل نص الطبريّ الواضح. وقد قرأت كلامك كلّه في مشاركتك الأخيرة هذه، فماذا عساك أضفت من فكرة مهمّة تثري بها هذا الحوار، إنك لم تأت بشيء سوى مجرّد الكلام الذي لا طائل من ورائه، وما لا ينفعك التعلّق به.

ثالثاً: قولك: (لم يقل الماوردي نُقل عن الطبري كما قلت وإنما جزم....)
أقول: الماوردي لم يجزم كما تدّعي إذ لم يسند. ولم يقل قرأت في كتاب الطبريّ أو نحو ذلك... بل قال: قال الطبري وداوود؛ وهذا لا يستلزم يقينه بحال، بل لا يستلزم شهرة المنقول عن المنسوب إليه. فهل تدّعي بأن كلّ عالم قال في كتاب له: قال فلان، أنّ المنقول صحيح وثابت عن المنقول عنه؟!!!

رابعاً: قولك: (أما أن الطبري يرى وجوب الحجاب وما نقلته له من كلام في التفسير، فهذا لم يخف علي، ولكن يبدو أنك نسيتَ أنه يمكن أن يكون للإمام أقوال كثيرة في المسألة الواحدة كما هو معلوم من سيرتهم ومثل هذا لا يخفى على طالب علم فكان حرياً بك أن تنسب للإمام الطبري قولين في المسألة ذكر الماوردي أحدهما بدلاً من أن تنسب إمام كالماوردي إلى الخطأ فيما نقله)
أقول: إذا كنت تعرف أن الطبري يرى وجوب الحجاب فكان حرياً بك أنت ويجب عليك أن تذكر ذلك ولا تكتفي بذلك النقل عن الماوردي، وهو نقل لا يجوز لك ولا لغيرك أن يستند عليه في إثبات أن الطبريّ يقول به، أو إثبات أنه قول ثان للطبريّ.
ولم يخف عليّ أن العالم قد يكون له قولان في المسألة، ولكنّ الأصل أن لا يكون له إلا قولاً واحداً فعليك لإثبات أن له قولاً آخر أن تأتي بدليل معتبر عليه، ولا يكفي نقلك عن الماوردي لإثباته لأنك تخالف الأصل. هذا أولاً. وأما ثانياً فكيف تريدني أن أفترض وجود قولين للطبريّ في المسألة وهو يروي الإجماع فيها، ومعلوم أنه لا يجوز مخالفة الإجماع، فهل يعقل أن يقول الطبريّ قولاً يخالف فيه الإجماع، وهو الذي ينصّ في أكثر من موضع من كتبه بأنه يحرم مخالفة الإجماع؟!!! ولعمري إن قولك بأنه كان عليّ أن أنسب للطبريّ قولاً مخالفاً لما ينصّ عليه في كتابه لمجرّد قول عالم آخر عنه بأنه يقول بقول يخالف الإجماع لهو من العجب العجاب!!!
هل تريدني أردّ المسند وأعتبر المنقطع أيها المحقق؟!! إن افتراض أن الماورديّ قد سمع بأن الطبريّ قد قال تلك المقالة فذكر في الحاوي: (وقال الطبريّ كذا وكذا..) دون أن يكون مستيقناً مما يقول، أهون بكثير من أنسب إلى الإمام الطبريّ هذا القول الشنيع المخالف للإجماع والمخالف لما ينصّ عليه نصّاً في كتابه!!

خامساً: قولك: (تأمل أن الإمام الماوردي لم ينقل مجرد الرأي وإنما ذكر أدلتهم أي الطبري وداوود وناقشها، وهو لم يبتكر لهم الدليل بل ذكر أنهم استدلوا بذلك، وعليه فيبعد أن يكون أخطأ في نسبة الرأي)
فلندع ذلك حتّى نأتي بنص الماورديّ ونناقشه، فلا تستبق الأمور.

سادساً: قولك: (أنت في حديثك تكلمت عن الإمام الطبري ولم تتكلم عما نقله الماوردي عن داوود، وأرجو أن لا تقول لي كما يقول البعض ممن لم يبلغ عندي منزلة داوود في العلم أن خلافه لا يعتد به، وقد قال أحد العلماء وقد نسيت من هو ووافقه على ذلك الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء "إنما الفقه فقه داوود والشافعي)
أقول: لا تخترع لي جوابات بائسة وتردّ عليها، فأنا قادر أن أجيب عن نفسي. والجواب هو أنّك أنت من يدّعي إن الطبريّ وداوود يقولان ذلك. فأنت من عليه أن يثبت نسبة هذين القولين لهما لا أنا. وكل ما أتيت أنت به حتّى الآن هو ما نقلته عن الماوردي. فأجبنا عن الطبريّ بما في كتابه. وأما داوود فلا أظنّ أنه يقول بهكذا قول ثمّ ينقل ابن حزم الإجماع على خلافه. ومن أعلم من ابن حزم بخلافات داوود؟!! ومن لداوود ليعتد بخلافه إن لم يكن ابن حزم؟!
فقال ابن حزم في مراتب الإجماع: (كتاب الصلاة. اتفقوا أن ستر العورة فيها لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض. واتفقوا على أن من لبس ثوباً طاهراً مباحاً لباسه كثيفاً واحداً فغطى سرته وركبته وما بينهما وطرح منه على عاتقه أن صلاته فيه تجزئه. واتفقوا على أن الفرج والدبر عورة. واتفقوا على أن الفكرة في أمور الدنيا لا تفسد الصلاة. واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة. واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا...)
ولقد رأيت عدداً كبيراً جداً من العلماء ينقلون الإجماع ليس فقط ابن حزم، وسنأتيك بكلّ شيء في أوانه.
وحاصل الكلام أنّ ما تدّعيه من أنّ الطبريّ وداوود يقولان بأن عورة المرأة الواجب سترها هي كعورة الرّجل وهي كما تدعي القبل والدّبر. هي مجرّد دعوى بلا دليل. فإما أن ترجع عنها أو أن تثبتها، ولا يحقّ لك التعلّق بعبارة الماورديّ لإثبات نسبة هذا القول لهما، إذ ذلك لا يكفي. فيلزمك دليل قويّ يستطيع أن يصمد في وجه ما نأتيك به.

سابعاً: قولك: ("وإذا كنت تدّعي وكما فهمته من جملة مقالتك أنّ هذا هو واقع الحال، وحقيقة الحكم الشرعيّ، وأنّ من قال بوجوب ستر ما ذكرناه هو البعض دون الجميع"
هذا نص عبارتك فأين قلتُ أن من قال بوجوب ستر ما ذكرتهُ هم البعض؟ والغريب أنك بعد أسطر تعترف بأني أقول إن هذا القول هو قول الجمهور فتقول: "وليت شعري كيف تعترف بأن وجوب الحجاب هو قول الجمهور"، فماذا تسمي هذا أيها الفاضل؟؟؟)
أقول: أسمّيه أنّك لا تفهم ما أكتبه مفترضاً أنك أهل للفهم. فإن دعواي هي أن الإجماع قائم على وجوب الحجاب. وأما ما اعترفت به أنت فهو أن الجمهور يقولون بوجوبه. فمعناه أنّك لا تعترف بوجود إجماع في المسألة. فلذلك يكون قولك: الجمهور يقولون... هو بعض دون الجميع كما نسبته لك. لأن البعض يتناول الواحد إلى ما دون الإجماع بواحد. فما هي مشكلتك مع هذه الجملة؟ ألست بقولك إن الجمهور يقولون بوجوب الحجاب تعني أن البعض يقولون بذلك دون الجميع!!! وتبني على ذلك أنّه لا يجوز لنا التشدد في حكم الحجاب لما أنّ حكمه ليس بقطعي مجمع عليه، بل هو خلافيّ في رأيك فلا يجوز حمل الناس على قول هذا حاله؟

ثامناً: قولك: (......اعلم أن هذا غيض من فيض ولو أردت أن أتتبع ما تنسبه لي مما لا أقول به لطال المقام فأرجو منك أن تتحرى الدقة فيما تنسبه لي وإلا فلا حاجة لي في مناظرة من لا يفعل ذلك...)
أقول: كفاك يا فادي من هذه الأساليب. أرجوك، لا داعي لأن تنطّ لي كلّ حين لتقول لي لا أريد أن أناظرك كأنك تهددني أو تمنّ عليّ أنك تناظرني. يا فادي أنا حين أنسب لك قولاً ما، أفهمه من عبارتك، وترى أنني لم أحسن فهمك، فاعتبرني قد أسأت فهمك، ألست أنت القائل بأن بيان الكلام يحصل بالحوار والمراجعة، فقل لي إن كلامك لا يلزمني فأنا أقول كذا وكذا، وليس كما تدّعي أنت عليّ بأني أقول كيت وكيت. وينتهي الأمر.
ثم هل أزعجك قولي بأنك تريد حمل الناس على قول البعض وما أشبهه من كلام. حسناً أنت لا تريد أن تحمل الناس على هذا القول. فهل ترضى الآن. واعلم أننا لا نريد حمل الناس جميعهم على هذا القول إلا لأن الإجماع قام عليه، ولو كان الأمر خلافياً كما تدّعي أنت لم نفعل، كما هو معلوم في الأمور الخلافية، ولما رأيتنا نلقي بالاً لما تقول.

تاسعاً: قولك: (قد بينتُ أنه يجوز أن يكون للعالم أكثر من قول في المسألة)
أقول: وقد أجبتك لماذا لا يجوز لي أن أعتبر أن للإمام الطبري قولاً آخر في المسألة. فهات شيئاً جديداً تثبت به ذلك، إن كان لديك.

عاشراً: قولك: (ما ذكرتَهُ من أن الإمام الطبري نقل الإجماع على وجوب ستر العورة بهذا الإطلاق غير صحيح بل هو نقل الإجماع على وجوب ذلك في الصلاة، فارجع واقرأ كلامه وتأمل فيه ولا تتسرع في الفهم انتصاراً لمذهبك حتى يتبين لك أنه لم ينقل الإجماع على ما وصفتَ)
أقول: أما عبارة الطبريّ، فهي: (قال الطبري رحمه الله تعالى: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عني بذلك الوجه والكفان يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل والخاتم والسوار والخضاب وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما روي عن النبي أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعاً كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال لأن ما لم يكن حرام إظهاره وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره بقوله إلا ما ظهر منها لأن كل ذلك ظاهر منها)
وأما عبارتي فهي: (..وبعد هذا النصّ الواضح من كلام الإمام في تحديد ما هي العورة في الصلاة وخارجها للمرأة، ووجوب ستر هذه العورة، ونقله الإجماع على ذلك ...)
فإن الطبري نقل الإجماع على وجوب ستر العورة في الصلاة. فإذا كنت فهمت من قولي (على ذلك) أني أنسب إليه أنه نقل الإجماع على وجوب ستر العورة مطلقاً فأنا لا أقصده. ولا أقول إنه يجب ستر العورة مطلقاً في كلّ مكان وزمان يا فادي، ولا أحد من العلماء يقول بذلك. وأما كلمة (على ذلك) فهي تحتمل أن يكون كلامي عما فهمته أنت وعن وجوب ستر العورة في الصلاة فقط، وأنا لم أنسب للطبري القول دون أن آتي بنصّ كلامه، فيكون كلامه الذي أوردته قرينة صارفة لمعنى ذلك إلى وجوب ستر العورة في الصلاة فقط في هذا الموضع. والقرينة الأخرى أنه لا أحد من العلماء يقول بوجوب ستر العورة مطلقاً في كل حال من أحوال الإنسان.
ثم حسناً، ماذا ينفعك ذلك في إثبات أن الطبريّ يقول بأن العورة هي القبل والدّبر. أو أنّ حجاب المرأة ليس بواجب أمام الأجانب؟

وأخيراً: إنك تقول إنك أجبتني عما أتيتك به فيما يتعلّق بنقل الماوردي، فلماذا تركت سؤالي المهمّ الأوّل حول المخالفين، وإثبات خلافاتهم في وجوب ستر العورة؟ ولماذا تطالبني دائماً بالإجابة عن كلّ أسئلتك وتحتفظ لنفسك بالحق عن الإجابة عمّا تريد وتأجيل ما تريد ... إن ما تراه أنت ذا أولويّة على غيره قد لا يكون ذا أولويّة عندي. فعليك إذا أردت أن تقدّم شيئاً وتؤجل غيره أن تبيّن لي وجه أهميّته وانبناء غيره عليه. ولا أريد أن أطيل في هكذا كلام يزيد ولا ينقص. ولا أريدك أن تتعلق بأمثال هذه الأشياء، رجاء، فدعنا نركّز قدر المستطاع على الاستدلال. ولكي أكون واضحاً مبيناً عن نفسي أقول:
- أنت تدّعي بأن ستر العورة ليس بواجب حتّى في الصلاة، وأن هذا قول موجود عند العلماء، فأتنا بقول عالم واحد في ذلك.
- ثمّ أنت تدّعي أن البخاريّ وابن أبي شيبة يريان كراهية كشف العورة مطلقاً في الصلاة وغيرها، فأثبت ذلك.
- ثمّ أنت تدّعي أن للطبريّ قولاً يخالف فيه الإجماع، وهو أن عورة المرأة الواجب سترها هي كعورة الرّجل (القبل والدّبر). وهذا الكلام يقتضي منك أن تثبت أن الطبري يقول بأن عورة الرّجل هي القبل والدّبر فقط، ثمّ أن تثبت أن عورة المرأة هي كعورة الرّجل. ثم أن القدر الواجب ستره هو هذا فقط. فأثبت ذلك.
- ثمّ أنت تدّعي أن داوود يقول بما نسبته للطبريّ فأثبت ذلك.
هذا ما نازعتك فيه أولاً، وأطالبك به، وأنت لم تدّلل على شيء من ذلك بدليل يعتبر في هكذا دعاوى. فلا تلتفّ على الكلام، هات الأدلّة على ما تدّعي، أو أعلن تراجعك عمّا نسبته للمذكورين. هكذا يكون النقاش مفيداً وذا جدوى، أما التعلّق بكلمة من هنا وكلمة من هناك، وغير ذلك من الأساليب كلّ ذلك لا فائدة فيه. وهو يضيع وقتي في الإجابة عنه، كما يضيع وقتك في تسويد هذه الصفحات، ويضيع وقت القرّاء في قراءته. إما أن تأتيني بالأدلّة على ما تقول أو تتراجع عن هذه الأقوال. وبذلك فقط ينتهي كلامنا معك في هذه الأمور، فننتقل للكلام في غير ذلك من الأفكار التي أودعتها في مقالتك.
وهذا ما لديّ الآن. والحمد لله ربّ العالمين.

fadilov
14-01-2004, 20:12
قال الفاضل بلال (أقول: الماوردي لم يجزم كما تدّعي إذ لم يسند. ولم يقل قرأت في كتاب الطبريّ أو نحو ذلك... بل قال: قال الطبري وداوود؛ وهذا لا يستلزم يقينه بحال، بل لا يستلزم شهرة المنقول عن المنسوب إليه. فهل تدّعي بأن كلّ عالم قال في كتاب له: قال فلان، أنّ المنقول صحيح وثابت عن المنقول عنه؟!!! )

أولا: قال من صيغ الجزم في الرواية وقيل أو نُقل من صيغ التمريض، وأنا اعترضتُ عليك لأنك استخدمت صيغة نُقل بدلا من صيغة قال عندما نقلتَ معنى كلام الماوردي وهذا لا يصح تأمل كلامك "فلا يكفي نقل واحد أنّه نُقل عن الإمام الطبريّ أنّه يقول بهذا".

ثانيا: الفرق بين قال ونقل وأن الأُولى من صيغ الجزم عند الرواية من أبجديات علم مصطلح الحديث فانظره هناك إن كنت تخالف فيه.

ثالثا: نحن هنا نتكلم عن نقل العلماء عن بعضهم وأنا أقول الأصل إن قال أحد العلماء قال فلان أن يكون متيقنا من أنه قاله وإلا يكون مخالفا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:" إياكم والظن فإنه أكذب الحديث" وقوله:" كفى المرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع" وهذا لا يجوز نسبتع إلى العلماء، إلا أن يخبرنا العالم أنه لا يحتاط في ذلك، ويزيد تأكيد صحة النسبة أن يذكر دليلهم اللذي استدلوا به من غير أن يستدل هو لهم، وهو ما وقع في كلام الماوردي وأنا أنتظر منك نقل كلامه كما وعدتَ، ويؤكد كل هذا أن يكون القول قولا غير مشهور أو شاذا فعندها يجب على العالم أن يتحرى فيما ينسبه للعلماء. وسيأتي في آخر الكلام مزيد بيان.

قال الفاضل بلال (ولم يخف عليّ أن العالم قد يكون له قولان في المسألة، ولكنّ الأصل أن لا يكون له إلا قولاً واحداً فعليك لإثبات أن له قولاً آخر أن تأتي بدليل معتبر عليه، ولا يكفي نقلك عن الماوردي لإثباته لأنك تخالف الأصل. هذا أولاً ثانيا........ هل تريدني أردّ المسند وأعتبر المنقطع أيها المحقق؟!! إن افتراض أن الماورديّ قد سمع بأن الطبريّ قد قال تلك المقالة فذكر في الحاوي: (وقال الطبريّ كذا وكذا..) دون أن يكون مستيقناً مما يقول، أهون بكثير من أنسب إلى الإمام الطبريّ هذا القول الشنيع المخالف للإجماع والمخالف لما ينصّ عليه نصّاً في كتابه!! )

لا لا أريدك أن ترد المسند وتقبل المنقطع، ولا أدري لماذا تتوهم أنه يجب أن نرد المسند إذا قبلنا ما نسبه الماوردي؟ أنا أقول يجوز أن يكون للإمام الطبري أكثر من قول في المسألة، وهذا ليس بأمر غريب على العلماء، وعندي أن أصحح نسبة القولين أهون من أن أقول إن الإمام الماوردي نسب هذا القول الشنيع إلى الإمام الطبري من غير أن يكون متأكدا منه. تأمل. وإلا فهل تظن أنك أكثر حرصا من الإمام الماوردي في عدم نسبة القول الشنيع إلى الإمام الطبري؟ ثمَّ أنت لم تخبرني هل تعلم أحدا من العلماء نص على خطأ الإمام الماوردي فيما نقله ووقف رادّا على نسبة هذا القول الشنيع كما تصفه إلى الطبري؟ ثمّ قولك (القول الشنيع المخالف للإجماع) الإجماع لم يثبت بعد فلماذا تخاف من نسبة القول إلى الإمام الطبري؟

أما ثانيا فسيأتي الكلام عليها قريبا.

قال الفاضل بلال (وأما داوود فلا أظنّ أنه يقول بهكذا قول ثمّ ينقل ابن حزم الإجماع على خلافه. ومن أعلم من ابن حزم بخلافات داوود؟!! ومن لداوود ليعتد بخلافه إن لم يكن ابن حزم؟!
فقال ابن حزم في مراتب الإجماع: (كتاب الصلاة. اتفقوا أن ستر العورة فيها لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض. واتفقوا على أن من لبس ثوباً طاهراً مباحاً لباسه كثيفاً واحداً فغطى سرته وركبته وما بينهما وطرح منه على عاتقه أن صلاته فيه تجزئه. واتفقوا على أن الفرج والدبر عورة. واتفقوا على أن الفكرة في أمور الدنيا لا تفسد الصلاة. واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة. واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا...)

أولا: أما من أعلم من ابن حزم بخلاف داوود فإن كل أحد يعرف شيئا عن داوود لا يعرفه ابن حزم فهو أعلم من ابن حزم في هذا الشيء.

ثانيا: ثمّ اعلم أن ما نقله ابن حزم من إجماع غير صحيح لما هو معروف ومشتهر من مذهب الأحناف ووجود الخلاف عندهم في القدم والذراع، وهذه يدل على أنه لم يكن مستحضرا للخلاف عندما نقل الإجماع ولا كان متنبها فكيف يصح أن نستدل بما نقله من إجماع وهو نقل غير صحيح؟

ثالثا: هذا القول لازم أيضا للإمام الطبري عندما نقل الإجماع على ما يجب ستره في الصلاة وهو ما يدل على عدم تحريه في نقله. وهو لازم لكل أحد نقل الإجماع على أن عورة المرأة الواجب سترها هي كل شيء حاشا الوجه والكفين، ورحم الله الإمام أحمد إذ قال:" من ادعى الإجماع فقد كذب وما يدريه علَّ الناس قد اختلفوا".

قال الفاضل بلال (ثم حسناً، ماذا ينفعك ذلك في إثبات أن الطبريّ يقول بأن العورة هي القبل والدّبر. أو أنّ حجاب المرأة ليس بواجب أمام الأجانب؟)

أنت قلت إن من أدلة خطأ نقل الماوردي عن الطبري أنه لا يمكن للطبري أن يخالف ما نقله هو من إجماع تأمل كلامك (" وأما ثانياً فكيف تريدني أن أفترض وجود قولين للطبريّ في المسألة وهو يروي الإجماع فيها، ومعلوم أنه لا يجوز مخالفة الإجماع") ، وأنا أردت أن أبين لك أن ما نقله الطبري من إجماع إنما كان في الحديث عن حكم العورة في الصلاة، وعليه فلا يصح لك الاستدلال بما نقله من إجماع في تخطأة ما نقله عنه الإمام الماوردي إذ لا تعارض بينهما أصلا، وأنا أرى أن إقرارك هنا بأن الطبري إنما نقل الإجماع في الصلاة واحتجاجك بأنه نقل الإجماع لإظهار خطأ ما نسبه إليه الماوردي مضطرب فأرجو أن تبين لي كيف تقر بأن الإجماع المنقول إنما هو في الصلاة ثم تستدل به على خطأ نقل الماوردي؟ أو أقر بالخطأ وتراجع عن الكلام.

قال الفاضل بلال (ولا أريدك أن تتعلق بأمثال هذه الأشياء، رجاء، فدعنا نركّز قدر المستطاع على الاستدلال.)

ولا أنا أريد أن أتعلق بهذه الأشياء وصدقني أنا أغض الطرف عن كثير منها، ولكن أحيانا يزيد الأمر عن حده وتأخذك العاطفة فيجب علي التنبيه، واعلم أيها الفاضل أنه لو كان النقاش بيني وبينك ولا يقرأه أحد آخر ممن لا أعرف مقدار علمه لما التفت إلى كل هذا. ثمّ أنت تريدني أن لا أتعلق بأمثال هذه الأشياء وأنت تذكرها وتبدأ ذكرها؟ التزم أنت بذلك وسترى مني ما يسرك بخصوص هذه الأشياء. وإلا فما الحاجة الملحة اللتي دعتك إلى أن تقول أني أريد أن أفهمكم الدين ونحو هذا؟؟؟ على أي حال سأطوي صفحا عن كل هذا بشرط أن تطوي أنت أيضا عنه صفحا.

- قال الفاضل بلال (ولكي أكون واضحاً مبيناً عن نفسي أقول: أنت تدّعي بأن ستر العورة ليس بواجب حتّى في الصلاة، وأن هذا قول موجود عند العلماء، فأتنا بقول عالم واحد في ذلك.)

قد نقلتُ لك كلام الإمام ابن أبي شيبة والبخاري وهذا يكفيني ويكفي كل منصف، وكذلك نقلت كلام الشوكاني.

قال الفاضل بلال-( ثمّ أنت تدّعي أن البخاريّ وابن أبي شيبة يريان كراهية كشف العورة مطلقاً في الصلاة وغيرها، فأثبت ذلك. )

أثبتُّ ذلك عن البخاري بنقل كلامه، وأما ابن أبي شيبة فإن ما قصدتُ أن أنسبه إليه هو نقله كراهية التعري مطلقا لا في الصلاة وإن كانت عبارتي أفهمت أني أنسب له نقل هذا في الصلاة أيضا فهو خطأ وقع مني وأنا أرجع عنه. وأما ما أجبتَ به فأنا أخبرتكَ أني سأجيب عنه بعد أن نفرغ من الحديث عن نقل الماوردي وما نسبه إلى الطبري وداوود، وذلك حتى نركز على نقطة واحدة. واعلم أن إثبات أي شيء من هذا يكفيني في رد الإجماع المدعى في مسألة الحجاب. فلمَ العجلة؟

- قال الفاضل بلال (ثمّ أنت تدّعي أن للطبريّ قولاً يخالف فيه الإجماع، وهو أن عورة المرأة الواجب سترها هي كعورة الرّجل (القبل والدّبر). وهذا الكلام يقتضي منك أن تثبت أن الطبري يقول بأن عورة الرّجل هي القبل والدّبر فقط، ثمّ أن تثبت أن عورة المرأة هي كعورة الرّجل. ثم أن القدر الواجب ستره هو هذا فقط. فأثبت ذلك. ثمّ أنت تدّعي أن داوود يقول بما نسبته للطبريّ فأثبت ذلك. )

أنا يكفيني لإثبات ذلك ما نقله الماوردي عنهم، فنقل العالم عن العالم حجة عندي ما لم يثبت أنه أخطأ، وبالأخص عندما ينقل الرأي بصيغة الجزم "قال" وليس بصيغة التمريض "روي" أو "ذُكر عن" أو "نُقل عن" وإن من العجب أن تكون صيغة الجزم عندك بأن يقول العالم "قرأت في كتاب فلان" ونحوها هل تريد أن تقول إنه إن قال الماوردي مثلا روى هذا الحديث الإمام مسلم أن هذا لا يدل على أن الماوردي يجزم بوجود الحديث في صحيح مسلم؟ أو إن قال مثلا قال الشافعي كذا أنه لا يجزم أن الشافعي قاله؟ ألا ترى أن هذا سيؤدي إلى أن تكون معظم النقول اللتي نقلها في كتابه من غير قيمة؟ إن الأصل في العلماء التحقق من نسبة الأقوال إلا أن يثبت عندنا أن أحدهم لا يفعل ذلك فعندها نتوقف في كلامه حتى يثبت. الفاضل بلال لو أردنا أن نشكك في نقل العلماء عن بعضهم عندما يستخدموا صيغة قال ونحوها لضاعت معظم نقول العلماء عن بعضهم، ووالله إني لأعجب كيف يصح من عالم يخاف الله ويخاف أن يقول ما لا يعلم، أن يقول قال فلان وهو غير متأكد من مقولته؟ ثمّ أنت تثبت أن هذا القول قول شنيع فهل تظن أن إمام مثل الماوردي سينسب قولا شنيعا إلى إمام مثل الطبري من غير أن يكون متأكدا منه؟ إن شناعة القول على حد وصفك لا بد أن تجعل العالم أكثر حرصا وتحريا أم ماذا ترى؟ هذا اختصار لجملة استدلالي بنقل الماوردي

بلال النجار
15-01-2004, 15:05
بسم الله الرحمن الرحيم
يا فادي،

أولاً: لو كان كل من ذكر في كتاب له قال فلان وجب عليه أن يكون مستيقناً من أنه قاله لفظاً أو معناً أو كلاهما، لما رأيت أحداً من العلماء يروي الحديث الضعيف بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم على العالم أن يتحرّى الدقة في نسبة قول لمعيّن، ولكن لا يجب عليه أن يكون مستيقناً من صحة هذه النسبة.

ثانياً: تمسكك بأن للطبريّ قولين في حدود العورة الواجب سترها لا ينفعك. لأن هذين القولين متعارضان. ولا يمكن أن يجمع الواحد بينهما. فأولاً إذا كنت مصرّاً على أن للطبريّ قولاً آخر غير الذي ذكره في تفسيره، وأكده في كتاب التهذيب، فعليك أن تثبته من كلامه هو، أو من طرق كثيرة أخرى تقوي طريق الماوردي حتى يقوى في وجه نصّه الصريح على خلافه. وثانياً: عليك إذا أردت أن تثبت أن الطبريّ يخالف في هذه المسألة، أن تبيّن أن هذا القول الذي تنسبه للطبريّ هو قوله الجديد، أعني أنه قوله بعد أن ألف تفسيره، فهل تستطيع ذلك؟!

ثالثاً: إذا كان قلبك على العلماء وتستكثر عليّ أن أخطئ الماوردي وأقول إنه نسب ذلك لأنه عرف ذلك من طريق غير صحيحة، فأنت تنسب أشنع منه إلى ابن حزم. فتقول إنه أخطأ في نقل الإجماع! فهل تريدني أن أنقل لك هذا الإجماع عن علماء آخرين لتحكم عليهم بأنهم أخطأوا في نقل الإجماع، ولم يستحضروا خلاف الأحناف في القدم والذراعين؟!!! والذي يبدو لي أنك لا تعرف ما هو حقيقة قولهم في ذلك. فإنهم لا يخالفون في أن المرأة كلّها عورة بل ينصّون على ذلك في جميع الكتب التي اطلعت عليها لأن دليل الأحناف هو حديث (المرأة عورة مستورة) ففهموا منه أنها واجبة الستر، ولكن استثناءهم العضوين للابتلاء بإبدائهما. وكذا القدم في رواية. كما نصّ عليه صاحب الهداية وأبدع العيني في شرحه. وكذا استثناءهم القدم من نفس الباب. فلا يقال إنهم خالفوا الإجماع الذي نقله ابن حزم. أما ما ذكرته في مقالتك عن الأحناف بخصوص القدر من العورة الذي لا تبطل الصلاة إذا انكشف، فلا يلزم منه مطلقاً أن المصلّي لا يجب عليه ستر عورته، ولا يلزم منه مطلقاً أن غير المصلي لا يجب عليه ستر عورته أمام الناس. فالوجوب قائم دائم التعلق بالمصلّي. وهم يقسّمون الجسم إلى أعضاء، والمفتى به على المذهب أنه لو انكشف ربع عضو من الأعضاء، أو ما مجموعه ربع عضو من أكثر من عضو بطلت الصلاة، وانكشاف دون ذلك لا يبطلها، ومع أنه لا يبطلها فإنه يبقى وجوب الستر قائماً، ويلزم المصلّي أن يستر ما انكشف على الفور. ولا يجوز أن يبدأ صلاته كاشفاً له، فهم يقيدون الكشف بعد تكبيرة الإحرام لا بقصد بسبب ريح ونحوه.
وفصّل الأحناف في مدّة الانكشاف، فلو طال الانكشاف عن مدّة معينة بطلت الصلاة. ولما التزموا أن الربع حكمه حكمه الكلّ التزموا ذلك في جميع أحكامهم. فما دونه قليل، وما فوقه كثير على المفتى به. فتراهم في الوضوء يوجبون مسح ربع الرأس. ولو أنصفت يا فادي لذكرت هذا الالتزام منهم بأصل الربع. ولذكرت أن الرواية عن أبي يوسف في النصف والثلث خلاف المعتمد. ولذكرت قاعدتهم في الضمّ أو الجمع من أنهم يجمعون ما انكشف من أكثر من عضو. ولذكرت أنهم جعلوا الأذن وحدها عورة من المرأة، وعليه فلو انكشف ربع أذن المرأة في صلاتها بطلت صلاتها قولاً واحداً عند الأحناف. ولذكرت أن بعض الأحناف يميزون بين العورة الغليظة والخفيفة في أحكامهم. ولكنك تريد إظهار الخلاف مهما تجاوزت فيه قواعد البحث، ومهما خرجت عن الطريق المعتبرة في حكاية الأقوال والمذاهب، وأنت تعلم أن القول الشاذ الظاهر البطلان لا يعتد به في الإجماع أصلاً ولو صدر من أعلم العلماء. وتعلم نصوص العلماء في حرمة العمل بالشاذ من الأقوال. ولكنك تبحث عنها في كتب الفقه، وتبحث عن المخالفات مهما كانت واهية لكي تثبت أقوالك. وأنا وأنت وكل إنسان يطّلع على كتب الفقه يعلم تماماً أن الواحد لو أراد أن يتتبع الرخص، وشواذ الأقوال، وهفوات العلماء، وما يروى عن بعضهم من أقوال غريبة أو ضعيفة، لمرق من الدين كما يمرق السهم من القوس، ولصار أشدّ الناس زندقة ولو انتسب إلى الإسلام ظاهراً. فإن كنا نريد وجه الله تعالى فعلينا التزام الإنصاف.

رابعاً: تخطئة الماوردي في نقله عن الطبري أهون أم القول بأن للطبريّ قولاً يخالف الإجماع يا فادي، وهو الذي ينص على حرمة مخافة الإجماع؟! أما حكاية المسند والمنقطع، فأنا أرد المنقطع وآخذ بالمسند لأن المنقطع يعارض المسند، هذا أولاً، ثمّ لأن الجمع بينهما محال هذا ثانياً، وثالثاً: لأن ابن حجر رحمه الله ردّه وقال لا يمكن أن يقول الطبري ذلك وهو الذي يرد على من قال بأن فخذ الرجل ليس بعورة، ورابعاً: لأن هذا المنقطع خلاف الإجماع ولا يعقل من الطبري أنه يقول بخلاف الإجماع وهو يعلم حرمة ذلك. أفلا ترى هذه أسباباً كافية لرد رواية الماوردي، التي تتمسك أنت بها.

خامساً: ما رأيك في قول القرطبي رحمه الله تعالى في المسألة التاسعة عشرة في تفسير آية سورة النور: (أجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجل والمرأة، وأن المرأة كلّها عورة إلا وجهها ويديها فإنهم اختلفوا فيهما) هل تقول إن القرطبي أيضاً أخطأ في نقل الإجماع وأنه لم يتنبه لخلاف الأحناف. والقرطبي نفسه يا حضرة الأخ فادي ذكر في تفسير نفس الرواية التي رواها الماوردي عن الطبري وداوود، ومع ذلك نص على هذا الإجماع، مما يدلّ على أنه يضعّفها ولا يعتد بها، وحتّى لو ثبتت عنهما –ولا أسلم ثبوتها عن إمام كالطبريّ على الأقل- فهي قول شاذ ظاهر البطلان فلا يعتبر خارقاً للإجماع.

سادساً: أنت تنسب للبخاري وابن أبي شيبة خلاف ما ذكراه في كتابيهما فلماذا تنسب لهما قولاً لست مستيقناً منه إذا كانت تقوى الله تعالى بين عينيك وترى أنه لا يجب نسبه قول إلى أحد إلا مع التيقن من قوله له. وأزيدك علماً بأنه لا خلاف بين العلماء مطلقاً في وجوب ستر العورة عن أعين الناس لا في الصلاة ولا في خارجها. لا كما ذكرته أنت عنهما، ولوحت بأن هنالك غيرهما يقول بذلك. وانظر قول القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: (ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين الناس). والعجب منك يا فادي تلاحيني مستبعداً جداً أن يكون الماوردي نسب ذلك القول دون يقين منه إلى الطبري وداوود، ولا تستبعد خطأ ابن حزم، والطبريّ نفسه في نقل الإجماع. بل ترى أنهما لم يدققا ولم يتحرّيا كفاية. فهل أذكرك بأن الذي تتكلم عنه هو الإمام الطبريّ وهو من هو عند بنص كلامك! هل تلتزم ما قلته في حق ابن حزم والطبري في حق كلّ عالم نقل الإجماع على ذلك؟!! وقد نقل أحمد نفسه الإجماع أيها الخرّيت فهل تلتزم بأنه كاذب؟! أو يكذّب نفسه!! لعمري إنك لا تدري ما تقول! حين تستدل بقول أحمد (من ادعى الإجماع فهو كاذب).

سابعاً: قولك: (أما من أعلم من ابن حزم بخلاف داوود فإن كل أحد يعرف شيئاً عن داوود لا يعرفه ابن حزم فهو أعلم من ابن حزم في هذا الشيء)

أقول: لا بد أنك تمزح معي يا فادي، أرجو أن تترفع عن هذا التهريج. فإن ابن حزم ظاهريّ المذهب، ولو كان قول أهل الظاهر أو أكثرهم هذا القول لما نقل ابن حزم الإجماع على خلاف مذهبه. وأنا لا أبرئ داوود بالمناسبة، ولكني ليس عندي دليل معتبر على قوله بذلك، فأعتمد على الإجماع الذي نقله ابن حزم في القول بأني أظن أن داوود لا يقول بذلك. ويمكن أن يكون داوود قال ذلك، ولكن ابن حزم لما رأى أن قوله شاذاً لم يعتبره في نقل الإجماع. وأكرر ليس عندي دليل بأن داوود قال ذلك، وحتّى تثبته أنت أبقى متمسكاً بالإجماع الذي ذكره ابن حزم. وهو عندي أقوى من نقل الماوردي وغير الماوردي المنقطع، فلا أقدم ما ذكروه منقطعاً على ما وجدته مسنداً عند الطبريّ (بشأنه)، وخلاف الإجماع الذي ينقله عدد كبير من العلماء (بشأنهما).
وأرجو أن تبقى متنبهاً إلى أن أصل خلافنا ليس في أن القبل والدبر قدر مشترك من العورة التي يجب سترها على كلّ مكلف في الصلاة وخارجها. وإنما أصل خلافنا أنك تدّعي بأن داوود والطبريّ يريان بأن عورة كلّ من الرجل والمرأة الواجب سترها هي القبل والدبر فقط، ففيه ادعاءان. وحتّى الآن نحن نحقق في نسبة ما ذكرته إلى العلماء، ولم نناقش الأدلة الخاصة بتحديد العورة من الرجل والمرأة والأمة، وما يجب ستره في الصلاة وغيرها.

ثامناً: قولك: (وأنا أردت أن أبين لك أن ما نقله الطبري من إجماع إنما كان في الحديث عن حكم العورة في الصلاة، وعليه فلا يصح لك الاستدلال بما نقله من إجماع في تخطأة ما نقله عنه الإمام الماوردي إذ لا تعارض بينهما أصلا، وأنا أرى أن إقرارك هنا بأن الطبري إنما نقل الإجماع في الصلاة واحتجاجك بأنه نقل الإجماع لإظهار خطأ ما نسبه إليه الماوردي مضطرب فأرجو أن تبين لي كيف تقر بأن الإجماع المنقول إنما هو في الصلاة ثم تستدل به على خطأ نقل الماوردي؟ أو أقر بالخطأ وتراجع عن الكلام)

أقول: إن ما نقلته أنت عن الماوردي هو أن الطبري وداوود يقولان بأن العورة الواجب سترها مطلقاً من الرجل هي القبل والدبر والعورة الواجب سترها مطلقاً من المرأة هي كعورة الرجل القبل والدبر. فإذا ثبت أن الطبريّ يقول بوجوب الحجاب على المرأة، ويرى أن عورة المرأة جميع جسمها، فقد انتفت التهمة عنه. وأما الإجماع فقد كان دليلاً ثانياً: وهو أنه لا يعقل أن ينقل الطبري الإجماع على وجوب ستر جميع جسم المرأة في الصلاة عدا الوجه واليدين وهو يقول بأن عورة المرأة مطلقاً هي فقط القبل والدبر، يا أستاذ فادي، فكلامي ليس مضطرباً. فهمّي كان نفي ما نسب إلى الطبري، وهو يتم بمجرّد عرض كلام الطبري نفسه في الحجاب. وأيضاً بهذا الإجماع كما رأيت. ولا يشترط أن يكون الإجماع المنقول على وجوب سترها خارج الصلاة، لأنه لا إجماع على وجوب ستر العورة خارج الصلاة مطلقاً وفي كلّ وقت. فالإنسان يباح له كشف عورته لنفسه والتعرّي أحياناً كما في الغسل من الجنابة.
ودعني أذكرك بما تكتب أنت فلعلك تنسى: (ونقل الإمام الماوردي عن الإمام الطبري والإمام داود رحمهم الله أن عورة المرأة الواجب سترها كعورة الرجل –القبل والدبر- ، وذهب الإمام البخاري رحمه الله وهو أعلم علماء المسلمين بعلم الحديث النبوي إلى أبعد من ذلك بكثير فقال بكراهية أن التعري حتى في الصلاة فقال في صحيحه :" باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها " وقوله وغيرها يدل على كراهية التعري لا التحريم في جميع الأحوال في رأيه...)

فنقلك عن الماوردي بشأن الطبري ليس خاصاً بالصلاة وإنما هو في جميع الأوقات. فإذا ثبت أن الطبريّ يقول إن عورة المرأة هي القبل والدّبر فقط وهي العورة الواجب سترها مطلقاً فهذا خلاف الإجماع الذي نقله من أن المرأة يجب عليها في الصلاة ستر جميع جسمها إلا الوجه واليدين.
ولا تقل لي إنك لا ترى تلازماً بين وجوب ستر العورة في الصلاة ووجوب سترها في خارج الصلاة، لأنك تقول: (حتّى في الصلاة...) فإنك ترى أنه إذا كان ستر العورة ليس بواجب في الصلاة فهو ليس بواجب خارجها من باب أولى. وأستغرب أنه حين اعترض عليك الشيخ جلال الجهاني فقال لك: (وعليك التفريق بين مسألة بطلان الصلاة بانكشاف شيء من العورة وبين مسألة العورة الواجب سترها للمرأة في حالة وجود أجنبي عنها... فلا يجوز الخلط بين هذه المسائل...) أجبته أنت قائلاً: (وأما التفريق بين مسألة بطلان الصلاة بانكشاف شيء من العورة وبين مسألة العورة الواجب سترها للمرأة في حالة وجود أجنبي عنها فالحمد لله أن قلة علمي لم تبلغ المبلغ الذي لا أفرق فيه بين هذه المسائل...)، والحق أنك تعلم أن هنالك فرقاً بين الأمرين، وأن ما لا تبطل به الصلاة إذا انكشف لا يدل على أنه غير واجب الستر، بل كلامهم في أنه هل تبطل الصلاة بانكشافه أو لا تبطل فرع عن وجوب ستره. ولكنك تفرّق بين الأمرين حين يحلو لك، وتربط بينهما حين يحلو لك. فإذا كنت تفرق بينهما لم تقيس خارج الصلاة على داخلها بالأولى؟ وإذا كنت تفرق وكلامنا في الحجاب خارج الصلاة، وأنت تعلم أن ستر جميع جسم المرأة واجب في الصلاة إلا الوجه واليدين فلماذا تربط الأمرين معاً؟!

تاسعاً: لا يكفي نقلك عن البخاري في تبويبه كراهة التعري في الصلاة وغيرها، بمعنى عدم وجوب سترها مع وجود نص للبخاري في وجوب لبس الثياب في الصلاة. واستدلاله بآية (خذوا زينتكم عند كلّ مسجد). فهذه الآية لم أر عالماً يخالف في أن الزينة ههنا هو اللباس، للاتفاق بين العلماء على عدم اتخاذ غير اللباس من الزينة في الصلاة والطواف بالبيت. وعليه فيكون هذا استدلاله بالآية يعني أنه يقول بوجوب ما بوب عليه ثمّة من ستر العورة في الصلاة. لأنه لو وجب شيء من اللباس في الصلاة فإنه ما يستر العورة بالاتفاق.
وأما ابن أبي شيبة وقولك بأنك ترجع عن كونه يقول بكراهية كشف العورة في الصلاة، واستبدالك ذلك بقولك: (فإن ما قصدتُ أن أنسبه إليه هو نقله كراهية التعري مطلقاً لا في الصلاة) فأنا لا أقبل هذا القدر إلا بقولك معه إنه يرى وجوب ستر العورة في الصلاة، ووجوب ستر العورة خارج الصلاة أمام الأجانب، وأما الكراهة التي ذكرها فأقبل منك أن تقول إنه يطلقها على أقل حكم يتعلّق بجميع أحوال الإنسان غالباً. ومعلوم أن المكروه أعم من الحرام. وهذا القدر نفسه هو الذي لو قلته في حق البخاري رحمه الله تعالى لقبلته منك، وإلا فيلزمك أن تثبت خلافه بأدلة معتبرة. أو تسحب كلامك بشأنهما رحمهما الله تعالى.

وأما قولك: (واعلم أن إثبات أي شيء من هذا يكفيني في رد الإجماع المدعى في مسألة الحجاب. فلمَ العجلة؟)
أقول: أثبته إن استطعت. ثمّ لا يسلّم لك أنك بمجرّد إثبات قول من هذه لعالم من العلماء فإنه ينتفي الإجماع. بل حين تريد أن تنفي الإجماع سنرى ما هي الأدلة التي لديك على انتفائه، ونحكم هل هذا القول ينقض الإجماع الحاصل بالفعل أو لا، فحقاً لم العجلة.

عاشراً: قولك: (الفاضل بلال لو أردنا أن نشكك في نقل العلماء عن بعضهم عندما يستخدموا صيغة قال ونحوها لضاعت معظم نقول العلماء عن بعضهم، ووالله إني لأعجب كيف يصح من عالم يخاف الله ويخاف أن يقول ما لا يعلم، أن يقول قال فلان وهو غير متأكد من مقولته؟ ثمّ أنت تثبت أن هذا القول قول شنيع فهل تظن أن إمام مثل الماوردي سينسب قولا شنيعا إلى إمام مثل الطبري من غير أن يكون متأكدا منه؟ إن شناعة القول على حد وصفك لا بد أن تجعل العالم أكثر حرصا وتحريا أم ماذا ترى؟ هذا اختصار لجملة استدلالي بنقل الماوردي)
أقول: تالله إن كل كلمة وعظتني بها في هذه المشاركة لأنت نفسك أولى بها، وأولى بأن تتحرى الدقة في نقولك، وما تنسبه للعلماء. وإذا كنت تقول بأني أشكك في صحة نقل الماوردي فأنت تشكك في صحة ما ينقله ابن حزم والطبري، وتقول: (وهو لازم لكل أحد نقل الإجماع على أن عورة المرأة الواجب سترها هي كل شيء حاشا الوجه والكفين...)
فلعلك تتراجع عن ذلك، بعد أن تدقق في عبارات الإجماعات التي نقلها العلماء فإن عبارتهم في الوجه واليدين.. وفرق بين اليدين والكفين. فهل ترى ما يلزمك؟ إنه يلزمك أن تحكم على كلّ واحد نقل الإجماع على ذلك بأنه لم يتحرّ الدقّة، وتتهمه بأنه لا يخاف الله.. وغير ذلك. وأنا أجدك أنت نفسك لست مستيقنا مما تنقله بشأن البخاري والطبري وغيرهما، فهل تقسم قاطعاً بيمينك أن للطبري قولين في حدود العورة، وفي غير ذلك من الأقوال التي نسبتها للعلماء... لا أظنك تفعل ذلك!
فهذا هو الجواب على أهمّ ما جئتنا به. والذي لا أجد فيه حتّى الآن دليلاً معتبراً على ما نسبته إلى الطبري، وداوود، والبخاري وابن أبي شيبة للمنصف كما تقول، فضلاً عن غير المنصف.
والله الموفق للصواب.