المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل صحت الأخبار الواردة في نسخ التلاوة ؟



جيهان فريد
21-10-2005, 19:48
قرأت لبعض الأصوليين كالغزالي في المستصفى والآمدي في الإحكام في باب النسخ : أن آية الرجم كانت في القرآن ثم نسخت وبقي الحكم , وقالوا بجواز نسخ الحكم والتلاوة معا ومثلوا له بآية الرضاع ونقل السيوطي في الإتقان جملة من الأخبار الواردة في ذلك فهل تصح ؟

وهنا أسئلة : 1_ هل نسخ التلاوة جائز عقلا , وكيف ينسخ اللفظ ويبقى الحكم واللفظ المتلو هو الدال عليه ؟؟ فينبغي إن رفع اللفظ ارتفع الحكم معه ؟
2_إن صحت أخبار النسخ فهي لا ترقى إلى التواتر والجمهور على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد فكيف يصح ذلك ؟ وهذا يمكن أن يجر بعض الشيعة لعنهم الله إلى القول بتحريف القرآن .

محمد ال عمر التمر
24-10-2005, 22:45
ناقش بعض اهل العلم هذا الموضوع ومخلص بعض الردود ما يلي:

الجمهور على جواز نسخ التلاوة وخالف بعض المعتزلة وبعض اهل العلم ونسخ التلاوة نوعان:

نسخ التلاوة والحكم معا ومثاله ما تم ذكره من حديث عائشة في الرضاعة ورواه مسلم وغيره ونصه :" كان فيما أُنزل: عشر رضعات معلومات يُحرّمن، فنسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يُقرأ من القرآن"
وقولها وهن مما يُقرأ من القرآن" ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك فإنه غير موجود في المصحف العثماني وأجيب بأن المراد قارب الوفاة

والأظهر أن التلاوة نُسخت ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفّي وبعض الناس يقرؤها.

وحكى القاضي ابو بكر المعافري في كتابه الانتصار عن قوم إنكار هذا القسم لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها تفيد القطع ولكنها ظنية.

ويُجاب على ذلك بأن ثبوت النسخ شيء وثبوت نزول القرآن شيء آخر فثبوت النسخ يكفي فيه الدليل الظني بخبر الآحاد أما ثبوت نزول القرآن فهو الذي يُشترط فيه الدليل القطعي بالخبر المتواتر والذي معنا ثبوت النسخ لا ثبوت القرآن فيكفي فيه أخبار الآحاد.
ولو قيل إن هذه القراءة لم تثبت بالتواتر لصح ذلك.

والنوع الثاني: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم وقد ذكروا له أمثلة كثيرة منها آية الرجم ((والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم)) ومنها ما روي في الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قُتلوا وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على قاتليهم قال أنس ونزل فيهم قرآنا قرأناه حتى رُفع ((أن بلّغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا)) ثم نُسخت تلاوته وهذا ايضا خبر آحاد

وايضا أورد عليه بعض العلماء إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان لأن الآية دليل على الحكم فإذا نُسخت الآية نُسخ حكمها وإلا وقع الناس في لبس

ويجاب عن ذلك ببأن هذا التلازم يسلمّ لو لم ينصب الشارع دليلا على نسخ التلاوة وعلى إبقاء الحكم أما وقد نصب الدليل على نسخ التلاوة وحدها وعلى إبقاء الحكم واستمراره فإن التلازم يكون باطلا وينتفي اللبس بهذا الدليل الشرعي الذي يدل على نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.

وقال بعضهم: ان ما يتعلق بالنصوص القرآنية من التعبد بلفظها وجواز الصلاة بها وحرمتها على الجنب في قراءتها ومسها شبيه كل الشبه بما يتعلق بها من دلالتها على الوحوب والحرمة ونحوهما في أن كلا من هذه المذكورات حكم شرعي يتعلق بالنص الكريم وقد تقتضي المصلحة نسخ الجميع وقد تقتضي نسخ بعض هذه المذكورات دون بعض وإذن يجوز أن تنسخ الآية تلاوة وحكما.
ويجوز ان تنسخ تلاوة لا حكما ويجوز أن تنسخ حكما لا تلاوة.

جلال علي الجهاني
24-10-2005, 22:53
باختصار: في القرآن الكريم أمران:

كونه قرآنا من عند الله...
وتلاوته ..

والتلاوة حكم من أحكام القرآن، فيجوز أن تنسخ، لأن الأحكام هي مورد النسخ..

بالنسبة لآية الشيخ والشيخة، فهي متواترة كما نص على ذلك الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق..

وكلامك أخي محمد جميل ودقيق ..

وقد كتب الكثير من المعاصرين في إنكار هذا نسخ التلاوة، لكن كلامهم جميعاً -فيما اطلعت عليه- تعوزه الدقة قي تحديد محل الخلاف، فالخلط بين القرآن المتواتر، والقرآن المنسوخ لفظه، غير مقبول، فشرط التواتر هو للقرآن غير منسوخ التلاوة، أما منسوخ التلاوة فلا يشترط فيه التواتر، بل الصحة فقط، والله أعلم

مصطفى أحمد ثابت
21-11-2005, 19:51
شيخ جلال ما رأيك فيما ذكره الشيخ عبد الله الصديق الغماري في " ذوق الحلاوة " ؟

جلال علي الجهاني
22-11-2005, 09:21
قديماً ظننت أن ما قالها سيدي عبد الله بن الصديق تحقيقاً .. أي رأي محقق سديد، ولكني كنت قد استدرك عليها حينها أنه ليس أول من جاء بهذا الرأي، بل سبقه ابن رشد الحفيد (وإن كنت لا أرتضيه)، في مختصر المستصفى ..

لكن الآن أقول: إن رأي السيد عبد الله بن الصديق رحمه الله تعالى وأعلى منزلته، ليس بسديد، حيث إن ما كتبه قائم على عدم الانتباه إلى أن التلاوة حكم من الأحكام، وهو يجيز نسخ الأحكام، فلم يصح ما ذكر بعد ذلك.

ولي عود إليها بإذن الله تعالى

مصطفى أحمد ثابت
04-12-2005, 21:28
إذا يا شيخ جلال فإن الشيخ عبد الله رحمه الله لم يحرر محل الخلاف وأخطأ في تعريف نسخ التلاوة . فقال في تعريفه : نسخ تلاوة آية من القرآن : أي نسخ لفظها بعد أن كانت من القرآن فلا تبقى قرآنا , وقال أيضا ص 21 : معنى نسخ التلاوة عند القائلين به : أن الله أسقط الآية المنسيوخة من القرآن . وأظنه بنى أكثر إشكالاته على هذا التعريف .
فنرجوا منكم بيان التعريف الصحيح لهذا النوع من النسخ .

مصطفى أحمد ثابت
14-12-2005, 14:40
الشيخ الفاضل جلال الجهاني : نريد حدا لنسخ التلاوة مع بيان الرد على مطاعن المستشرقين والنصارى في هذا الباب , حيث يذكرون أنه إن سلمنا وجود الحكمة في نسح الأحكام فليس من حكمة الباري أن ينزل آية ثم ينسخ تلاوتها , وهذا الإشكال قد أورده الشيخ الغماري أيضا في كتابه وأورد غيره كثير, وهل هذه الآيات المنسوخة أيضا يجري عليها ما يجري على آي القرآن من وجوب التعظيم .

جلال علي الجهاني
14-12-2005, 21:37
هذه تعليقاتٌ كتبتها في هذه المسألة، على ما كتبه الشيخ المحدث عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله تعالى، أرجو من الإخوة الكرام تأملها، والتعليق عليها بما يناسب من سد نقص، أو نقض أو نقد.

ولا بد لي في هذا المقام من أن أذكر أن مما لاحظته في كلام الشيخ رحمه الله تعالى على علو مقامه في العلم، أنه في معرض إنكاره لنسخ التلاوة اعتبر المسألة قطعية المأخذ، بحيث إن الأصوليين جميعاً قد تواردوا على الخطأ بعدم انتباههم للمآخذ التي ذكرها، وهذا خلاف الواقع، فإن المسألة عندما تكون بهذا الشكل، فإن ذلك يعني أن احتمال رجحان غير ما رجحوه ضعيف ويصعب القول به.

على أن كلام الشيخ الغماري هنا قد جمع كل محاولات الباحثين المعاصرين المنكرين لهذا القسم، واتسم بميزة لا تجدها عند غيره، وهي الأدب وعدم تحقير الخصوم، في حين أن ما كتبه الكثير من المعاصرين الذين رجحوا نفي نسخ التلاوة امتلأت باحتقار هذا الرأي، وهذا دليل على أنهم ليسوا من أهل العلم، ولا قيمة لما يكتبون، لأن الكتابة في مثل هذه الموضوعات يلزم منها أولاً الرجوع إلى تحقيق المسائل وتدقيقها، والتأمل في أنظار العلماء السابقين.

وسأورد نص كلامه الذي أقوم بالتعقيب عليه فيما هو من صلب المسألة، وليس كل رسالته.

والله تعالى الموفق لكل خير.


=======================



قال رحمه الله:
فهذا بحث لم أسبق –والحمد لله- إليه، ولا غلبت –والمنة لله- عليه، وهو يتعلق بنسخ تلاوة آية من القرآن، أي نسخ لفظها بعد أن كانت من القرآن، فلا تبقى قرآناً، وهذا ما خالفت فيه علماء الأصول قاطبة، ومعهم المتخصصون في علوم القرآن الكريم


قلتُ: ذكر بعض الأصوليين منهم الإمام أبو بكر الرازي الجصاص في الفصول أن بعضهم قد أنكر نسخ التلاوة، دون أن يذكر من هم بالاسم، لكني وجدت ابن رشد الحفيد رغم إثباته النسخ يمنع نسخ التلاوة، فلا يكون قول المصنف أنه تفرد بهذا القول دقيقاً.

=======================

قال رحمه الله:
وكتبت هذا الجزء لبيان ما ذهبت إليه، والاحتجاج له بدلائل قطعية، لا تبقي شكاً في صحة قولي، ولو تفطن لها المتقدمون ما عدلوا عنها.


قلتُ: ليس الأمر كما قال رحمه الله تعالى، وسيتبين لك ذلك كما ستراه في هذه التعليقات بحول الله تعالى.


=======================


قال رحمه الله:
ومعنى نسخ لفظها إبطال كونها من القرآن وحرمة تلاوتها.

قلتُ: لا بد من تقييد ذلك بالمتلو، أي أن الآية المنسوخة ليست من القرآن الذي تعبدنا الله بتلاوته، ولا يعني ذلك أنها ليست من كلام الله تعالى مطلقاً، بل هي من كلامه، ولا تبديل في ذلك، وإنما شأنها شأن ما لا نقرأه ولا نعمله من كلامه سبحانه.


=======================


قال رحمه الله تعالى:
والأسباب التي اقتضت امتناع نسخ التلاوة هي:
1- أنه يستلزم البداء، وهو ظهور المصلحة في حذف الآية بعد خفائها، وهو في حق الله محال.
وما أبدوه من حكمة في جوازه، مجرد تمحل، وتكلف لا يدفع المحال.

قلتُ: هذا الاعتراض يتوجه أيضاً على القول بنسخ الأحكام، وجوابه معروف مشهور، فيقال هنا أيضاً: ليس فيه استلزام البداء، لأن النسخ انصب كما ذكر أهل الأصول على حكمٍ، هو التلاوة، وليس على اللفظ المتلو، فإن كان يلزم منه ذلك، فيلزم ذلك في مثل صحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.


=======================


قال رحمه الله:
2- أن تغيير اللفظ بغيره أو حذفه بجملته إنما يناسب البشر، لنقصان علمه وعدم إحاطته، ولا يليق بالله الذي يعلم السر وأخفى، فإنا نرى الكاتب البليغ والخطيب المفوه ينشئ موضوعاً يتأنق فيه، ثم يعيد نظره عليه، فيجد أن بعض كلماته وجملة يجب أن يحذف، وبعضها يجب أن يغير، بما هو أفصح منه، أو أوفق، أو أليق.

قلتُ: هذه الحجة وما بعدها من الخطابيات التي لا تصلح للاحتجاج هنا، فإن كونه يناسب أفعال البشر أو يشابهها لا مدخل له في المسألة المبحوث عنها، لأنه لم يقل أحد من الأصوليين أن نسخ التلاوة يعني أنه سبحانه وتعالى استدرك خطأً والعياذ بالله تعالى من إنزال كلامه للبشر!!


=======================


قال رحمه الله:
4- أن منه ما يخالف أسلوب القرآن، قال الله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة)، قال العلماء: قدمت الزانية في الذكر للإشارة إلى أن الزنا منها أشد قبحاً، ولأن الزنا في النساء كان فاشياً عند العرب، لكن إذا قرأت (الشيخ والشيخة إذا زنيا)، وجدت الزاني مقدماً في الذكر، على خلاف الآية، وهذا يقتضي أن تقديم أحدهما كان مصادفة لا لحكمة، وهذا لا يجوز؛ لأن من المقرر المعلوم أن ألفاظ القرآن الكريم موضوعة وضعاً حكيماً، بحيث لو قدم أحدهما عن موضعه أو أخر اختل نظام الآية .

قلتُ: هذا من الخطابيات أيضاً، فلعل ذكر الشيخ أولاً، لمناسبة أن المرأة عندما يمتد بها العمر لا تتوق نفسها إلى شهوة الفرج، بخلاف الرجل في هذه السن، أقول لعل هذا يكفي في جواب هذه الخطابية.


=======================


قال رحمه الله:
أنه ورد في سبب نسخ هذه الجملة من القرآن أخبار منكرة.

قلتُ: هذه مصادرة على المطلوب، فإن النكارة المدعاة هنا في أغلب هذه الروايات راجعة إلى إنكاره القطعي لنسخ التلاوة، وإلا فخبر عمر رضي الله عنه في مسألة الشيخ والشيخ مما تواتر عنه كما نص على ذلك الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق، وما اتفق عليه الشيخان يفيد العلم لدى جماعة من أهل الحديث كما هو معلوم، اعتباراً لقرينة الاتفاق بينهما وعدم إنكار أحدٍ لهذه الروايات قبل المصنف، فيكفي لنقلها إلى مرتبة الشهرة أو القطع، فلا يصح وصف ما هذا حاله بالنكارة، والله أعلم.


=======================


قال رحمه الله:
8- تقرر في علم الأصول: أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وما لم يتواتر لا يكون قرآناً، والكلمات التي قيل بقرآنيتها ليست بمتواترة، فهي شاذة، والشاذ ليس بقرآن، ولا تجوز تلاوته.

قلتُ: القرآن الذي يجب أن يثبت بالتواتر، هو المتعبد بتلاوته مما لم تنسخ تلاوته، فلا يتوجه النقض.


=======================


قال رحمه الله لبيان أقوى دليل في المسألة:
معنى نسخ التلاوة عند القائلين به أن الله أسقط الآية المنسوخة من القرآن، وهذا خطير جداً؛ لأن كلام الله قديم، وكيف يعقل أن يغير الله كلامه القديم، بحذف آية منه ؟!! وما القول في هذه الآيات المنسوخة؟ هل يقال: كانت من كلام الله والآن ليست منه؟

قلتُ: ليس هذا بصحيح مطلقاً، لأن معنى نسخ التلاوة أن قراءتها هي التي رفعت، فلا يجوز قراءتها على أساس أنها قرآن، مع ملاحظة أن المصنف هنا لم يتنبه إلى أن القرآن إذا أطلق على ما نزل علينا فهو حادث، وليس بقديم، فلا يلزم ما توهمه من التبديل، والله أعلم.

محمد ال عمر التمر
22-01-2006, 20:39
قال في كشف الاسرار شرح اصول البزدوي :

أما نسخ الكتاب فأنواع نسخ التلاوة والحكم جميعا ونسخ التلاوة دون الحكم وعكسه كذا ذكر في الميزان فظهر بهذا أن مراد الشيخ من تفصيل المنسوخ في هذا الباب تفصيل المنسوخ من الكتاب لا تفصيل مطلق المنسوخ . المنسوخ أنواع أربعة التلاوة والحكم أي اللفظ والحكم المتعلق بمعناه جميعا والحكم دون اللفظ وعكسه ونسخ وصفه نحو نسخ فرضية صوم عاشوراء مع بقاء أصله فمثل صحف إبراهيم فإنا قد علمنا حقيقة أنها كانت نازلة تقرأ ويعمل بها قال الله تعالى { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } ثم نسخت أصلا ولم يبق شيء من ذلك بين الخلق تلاوة ولا عملا به فلا طريق لذلك سوى القول بانتساخ التلاوة والحكم فيما يحتمل ذلك بصرفها عن القلوب أي برفعها عنها أو هو من مغلوب الكلام أي تصرف القلوب عنها أي عن حفظها وكان هذا أي هذا النوع وهو نسخ التلاوة والحكم جميعا بصرف القلوب عنهما جائزا في القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم للاستثناء المذكور في قوله تعالى { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله } إذ لو لم يتصور النسيان لخلا ذكر الاستثناء عن الفائدة . وقوله تعالى أو ننسها يدل على الجواز أيضا وذلك مثل ما روي عن عائشة أنها قالت كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات فنسخن بخمس وروي أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة وقال الحسن رحمه الله إن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي قرآنا ثم نسيه فلم يكن شيئا أو لم يبق منه شيء لما رفع الله تعالى عن قلبه ذلك فأما بعد وفاته فلا أي فلا يجوز قال بعض الرافضة والملحدة ممن يتستر بإظهار الإسلام وهو قاصد إلى إفساده هذا جائز بعد وفاته أيضا وزعموا أن في القرآن كانت آيات في إمامة علي وفي فضائل أهل البيت فكتمها الصحابة فلم تبق باندراس زمانهم واستدلوا في ذلك بما روي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم وأنس رضي الله عنه كان يقول قرأنا في القرآن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا . وقال عمر رضي الله عنه قرأنا آية الرجم وعيناها وروي في حديث عائشة رضي الله عنها أن ذلك كان مما يتلى بعد وفاة رسول الله عليه السلام والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ومعلوم أنه ليس المراد الحفظ لديه فإن الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة فعرفنا أن المراد الحفظ في الدنيا فإن الضياع محتمل منا قصدا كما فعله أهل الكتاب والغفلة والنسيان متوهم منا وبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله عز وجل وهو معنى قوله أي يحفظه منزلا لا يلحقه تبديل ولأنه لا يخلو شيء من أوقات بقاء الخلق في الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق الوحي فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التي حملوها إذ العقل لا يوجب ذلك وليس به كفاية بوجه من الوجوه وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو جوزنا هذا في بعض ما أوحي وجب القول بتجويز ذلك في جميعه فيؤدي إلى القول بجواز أن لا يبقى شيء مما ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف وهذا قبيح فعرفنا أنه لصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر جل جلاله أنه هو الحافظ لما أنزله على رسوله عن التغيير والمحو عن القلوب فلا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته بطريق الاندراس وذهاب حفظه من قلوب العباد وما نقلوا من أخبار الآحاد فبعضها شاذ لا يكاد يصح وما ثبت منها محمول على أن المحو عن قلوب الصحابة سوى قلب الراوي كان قبل وفاته لا بعده . وأما حديث عائشة فغير صحيح لأنه ذكر في ذلك الحديث وكانت الصحيفة تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول الله عليه السلام فدخل داجن البيت فأكلها ومعلوم أن بهذا لا ينعدم حفظه عن القلوب ولا يتعذر إثباته في صحيفة أخرى فعرفنا أنه لا أصل لهذا الحديث كذا في أصول الفقه لشمس الأئمة .
قوله ( وأما القسم الثاني ) وهو نسخ الحكم دون التلاوة والثالث وهو نسخ التلاوة دون الحكم صحيحان عند جمهور الفقهاء والمتكلمين ومن الناس وهم فرقة شاذة من المعتزلة من أنكر الجواز في القسمين متمسكين بأن المقصود من النص حكمه المتعلق بمعناه إذ الابتلاء يحصل به والنص وسيلة إلى هذا المقصود فلا يبقى النص بدون حكمه لسقوط اعتبار الوسيلة عند فوات المقصود كوجوب الطهارة لا يبقى بعد سقوط الصلاة بالحيض ، والحكم بالنص يثبت لا بغيره فلا يبقى بدونه كالملك الثابت بالبيع لا يبقى بدون البيع بأن انفسخ وعبارة بعضهم أن التلاوة مع الحكم بمنزلة العلم مع العالمية والمفهوم مع المنطوق وكما لا ينفك العلم من العالمية والمفهوم من المنطوق فكذلك التلاوة والحكم لا ينفكان ومنهم من أنكر نسخ التلاوة مع بقاء الحكم دون عكسه لأن الاعتقاد واجب في المتلو أنه قرآن وأنه كلام الله تعالى ولا يصح أن يعتقد فيه خلاف هذا في شيء من الأوقات والقول بجواز نسخ التلاوة يؤدي إليه فلا يجوز وتمسكت العامة في كل واحد من القسمين بالمنقول والمعقول أما بيان المنقول في القسم الأول وهو نسخ الحكم دون التلاوة فهو أن الإيذاء باللسان للزانيين الثابت بقوله تعالى { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما } وإمساك الزواني أي الزانيات الثابت بقوله عز اسمه { فأمسكوهن في البيوت } نسخا بالجلد والرجم مع بقاء تلاوة النصين الدالين عليهما . وقوله : نسخ حكمه أي نفس هذا الحكم ومشروعيته وبقيت تلاوته أي تلاوة النص المثبت له ولو قيل : إن النص الموجب للإيذاء والإمساك نسخ حكمه وبقيت تلاوته لكان أحسن وكذلك الاعتداد بالحول أي وكالإيذاء باللسان ، والإمساك الاعتداد بالحول الثابت بقوله تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج نسخ مع بقاء تلاوة هذا النص ومثله كثير مثل نسخ تقديم الصدقة على نجوى الرسول عليه السلام ونسخ التخيير في الصوم ونسخ المسالمة مع الكفار وثبات الواحد للعشرة مع بقاء تلاوة الآيات الموجبة لها . وأما المعقول فهو ما ذكر في الكتاب أن للنظم حكمين إلى آخره وحاصله أن ما يتعلق بالنص من الأحكام على قسمين قسم يتعلق بالنظم مثل جواز الصلاة والإعجاز وغيرهما وقسم يتعلق بالمعنى وهو ما يترتب عليه من الوجوب والحرمة ونحوهما فيجوز أن يكون أحدهما مصلحة دون الآخر ، فإذا انتسخ ما يتعلق بالمعنى جاز أن يبقى ما يتعلق بالنظم لكونه مقصودا والدليل على أن ما يتعلق بالنظم يصلح مقصودا أن في القرآن ما هو متشابه ولم يثبت به من الأحكام إلا ما يتعلق بالنظم من جواز الصلاة والإعجاز فإذا حسن ابتداء إنزال النظم له فالبقاء أولى فلذلك أي فلصلاح الحكمين المذكورين لكونهما مقصودين استقام البقاء بهما أي بقاء النص ببقائهما وانتهى الآخر أي الحكم المتعلق بالمعنى كالصلاة مع الصوم لما كان كل واحد منهما مقصودا جاز بقاء أحدهما مع عدم الآخر وبه خرج الجواب عما قالوا المقصود من النص حكمه فلا يبقى النص بدونه لأن الحكم المتعلق بالنظم لما كان مقصودا جاز أن يبقى النظم ببقائه فأما القسم الثالث وهو نسخ التلاوة دون الحكم فتمسكوا بالمنقول والمعقول أيضا أما المنقول فمثل قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في كفارة اليمين فصيام ثلاثة أيام متتابعات وقد كانت هذه قراءة مشهورة إلى زمن أبي حنيفة رحمه الله ولكن لم يوجد فيها النقل المتواتر الذي يثبت بمثله القرآن . ومثل قراءة ابن عباس رضي الله عنهما فأفطر فعدة من أيام أخر ومثل قراءة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وله أخ أو أخت لأم فلكل واحد منهما السدس وكرواية عمر رضي الله عنه الشيخ والشيخة إلى آخره ثم لا يظن بهؤلاء أنهم اخترعوا ما رووا من أنفسهم فيحمل على أنه كان مما يتلى ثم انتسخت تلاوته في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بصرف الله تعالى القلوب عن حفظها إلا قلوب هؤلاء ليبقى الحكم بنقلهم فإن خبر الواحد موجب للعمل به فكان بقاء الحكم بعد نسخ التلاوة بهذا الطريق لا أن يكون نسخ التلاوة بعد وفاة رسول الله عليه السلام فإن قيل لا يتصور نسخ التلاوة مع بقاء الحكم لأن القرآن لا يثبت إلا بالنقل المتواتر ولم يثبت بالنقل المتواتر أن ما رووا كان قرآنا ثم نسخت تلاوته وبقي حكمه والدليل عليه أن الحكم الباقي ليس بقطعي ولو كان حكم القرآن لكان قطعيا قلنا القرآنية تثبت بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخباره أنه من عند الله تعالى ، وقد ثبت ذلك في حق هؤلاء الرواة وغيرهم إلا أن بصرف قلوب غيرهم عنه لم يثبت القرآنية في حقنا فلا يخرج به من أنه كان قرآنا حقيقة غاية ما فيه أنه يلزم كونه قرآنا في الزمان الماضي بالظن وهو ليس بقادح فيما نحن فيه لأن الثبوت بطريق القطع مشروطة فيما بقي بين الخلق من القرآن لا فيما نسخ . وأما المعقول فما هو المذكور في الكتاب وهو ظاهر ويبقى الحكم بلا نظم أي بلا نظم القرآن وذلك أي الحكم بلا نظم متلو صحيح في أجناس الوحي مثل الأحكام الثابتة بالسنة فإنها تثبت بالإلهام وهو من أقسام الوحي قال شمس الأئمة رحمه الله قد ثبت أنه يجوز إثبات الحكم ابتداء بوحي غير متلو فلأن يجوز بقاء الحكم بعدما انتسخ حكم التلاوة من الوحي المتلو كان أولى وتبين بما ذكرنا أن قولهم : الحكم ثابت بالنص فلا يبقى بدونه فاسد لأن بقاء الحكم لا يكون ببقاء السبب الموجب له فانتساخ التلاوة لا يمنع بقاء الحكم ولا نسلم أن هذا كالعلم مع العالمية إذ لا مغايرة بين قيام العلم بالذات وبين العالمية فإن العالمية هي قيام العلم بالذات وإذ لا تغاير فلا تلازم ولا يقال الكلام في تلازم العلم والعالمية لا في تلازم العالمية وقيام العلم بالذات لأنا نقول نفس العلم من غير اعتبار قيامه لا يستلزم عالمية تلك الذات وكذا لا نسلم ملازمة المفهوم للمنطوق ولو سلم عدم الانفكاك بين العلم والعالمية وبين المفهوم والمنطوق فلا نسلم التساوي في الشبه إذ العلم والمنطوق علة العالمية والمفهوم بخلاف التلاوة فإنها أمارة الحكم ابتداء لا دواما فلا يلزم من انتفاء الأمارة انتفاء ما دلت عليه ولا من انتفاء مدلولها انتفاؤها .

امير توفيق نفار
11-12-2007, 09:46
بسم الله الرحمن الرحيم
سؤال الى شيخي الفاضل جلال .
ما هي الاخطار المترتبة على القول بنفي وقوع النسخ وخاصة التلاوة منه؟

محمد الحوتري
24-10-2013, 09:23
الشيخ محمد ال عمر التمر

قلت أن:

"ويُجاب على ذلك بأن ثبوت النسخ شيء وثبوت نزول القرآن شيء آخر فثبوت النسخ يكفي فيه الدليل الظني بخبر الآحاد أما ثبوت نزول القرآن فهو الذي يُشترط فيه الدليل القطعي بالخبر المتواتر والذي معنا ثبوت النسخ لا ثبوت القرآن فيكفي فيه أخبار الآحاد.
ولو قيل إن هذه القراءة لم تثبت بالتواتر لصح ذلك."

السؤال: قولك"أما ثبوت نزول القرآن فهو الذي يشترط الدليل العقلي بالخبر المتواتر" هل يشترط ذلك فعلا؟ أعني أنه هل يجوز على الله عقلا و شرعا أن ينزل على نبيه كلاما مع علمه السابق أنه لن يكون من القرآن بعدم تعهد حفظه بنسخه، أو بايصاله بطريق الآحاد، أو بتعريضه للتبديل و التحريف؟

ربما هذا السؤال يوضح مقصدي: هل يصح قولنا ان من قراءات الاحاد ما ليس قرءانا بالرغم من كونه كلام الله؟

أفيدونا