المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تصفح كتاب " الإنصاف " للباقلاني



جمال حسني الشرباتي
17-10-2005, 15:30
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
-----------------------------------------------------------------------------------

قال القاضي الإمام السعيد، سيف السنة، ولسان الأمة، أبو بكر: محمد ابن الطيب بن محمد رضي الله عنه.
الحمد لله ذي القدرة والجلال، والعظمة والكمال. أحمده على سوابغ الإنعام وجزيل الثواب، وأرغب إليه في الصلاة على نبيه محمد المختار وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار، والتابعين لم بإحسان إلى يوم القرار.
أما بعد: فقد وقفت على ما التمسته الحرة الفاضلة الدينية أحسن الله توفيقها لما تتوخاه من طلب الحق ونصرته، وتنكب الباطل وتجنبه. واعتماد القربة باعتقاد المفروض في أحكام الدين. واتباع السلف الصالح من المؤمنين، من ذكر جمل ما يجب على المكلفين اعتقاده، ولا يسع الجهل به، وما إذا تدين به المرء صار إلى التزام الحق المفروض، والسلامة من البدع والباطل المرفوض. وإني بحول الله تعالى وعونه، ومشيئته وطوله، أذكر لها جملاً مختصرة تأتي على البغية من ذلك، ويستغنى بالوقوف عليها عن الطلب، واشتغال الهمة بما سواه. فنقول وبالله التوفيق: أن الواجب على المكلف.
أن يعرف بدء الأوائل والمقدمات التي لا يتم له النظر في معرفة الله عز وجل وحقيقة توحيده، وما هو عليه من صفاته التي بان بها عن خلقه، وما لأجل حصوله عليها استحق أن يعبد بالطاعة دون عباده. فأول ذلك القول في العلم وأحكامه ومراتبه، وأن حده: أنه معرفة المعلوم على ما هو به، فكل علم معرفة وكل معرفة علم.
وأن يعلم أن العلوم تنقسم قسمين: قسم منهما: علم الله سبحانه، وهو صفته لذاته، وليس بعلم ضرورة ولا استدلال، قال الله تعالى: "أنزله بعلمه" وقال: "وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه" وقال: "فاعلموا أنما أنزل بعلم اللّه" فأثبت العلم لنفسه، ونص على أنه صفة له في نص كتابه.
والقسم الآخر: علم الخلق. وهو ينقسم قسمين: فقسم منه علم اضطرار، والآخر علم نظر واستدلال: فالضروري ما لزم أنفس الخلق لزوماً لا يمكنهم دفعه والشك في معلومه؛ نحو العلم بما أدركته الحواس الخمس، وما ابتدى في النفس من الضرورات.
والنظري: منهما: ما احتيج في حصوله إلى الفكر والروية، وكان طريقه النظر والحجة. ومن حكمه جواز الرجوع عنه والشك في متعلقه.
وجميع العلوم الضرورية تقع للخلق من ستة طرق: فمنها: درك الحواس الخمس، وهي: حاسة الرؤية، وحاسة السمع، وحاسة الذوق،، وحاسة الشم، وحاسة اللمس. وكل مدرك بحاسة من هذه الحواس من جسم، ولون، وكون، وكلام، وصوت، ورائحة، وطعم، وحرارة، وبرودة، ولين، وخشونة، وصلابة، ورخاوة فالعلم به يقع ضرورة. والطريق السادس: هو العلم المبتدأ في النفس، لا عن درك ببعض الحواس، وذلك نحو علم الإنسان بوجود نفسه، وما يحدث فيها وينطوي عليها من اللذة، والألم، والفم، والفرح، والقدرة، والعجز، والصحة، والسقم. والعلم بأن الضدين لا يجتمعان، وأن الأجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق، وكل معلوم بأوائل العقول، والعلم بأن الثمر لا يكون إلا من شجر، أو نخل، وأن اللبن لا يكون إلا من ضرع وكل ما هو مقتضى العادات.
وكل ما عدا هذه العلوم وهو علم استدلال لا يحصل إلا عن استئناف الذكر والنظر وتفكر بالنظر والعقل فمن جملة هذه الضرورات العلم بالضرورات الواقعة بأوائل العقول، ومقتضى العادات التي لا تشارك ذوي العقول في علمها البهائم والأطفال والمنتقصون؛ نحو العلم الواقع بالبديهة، ومتضمن كثير من العادات، ونحو العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان، وأمثال ذلك من موجب العادات وبدائه العقول التي لا يخص بعلمها العاقلون.


الإنصاف

الباقلاني

جمال حسني الشرباتي
17-10-2005, 15:31
2
-----------------------------------------------------------------------

وأن يعلم أن الاستدلال هو: نظر القلب المطلوب به علم ما غاب عن الضرورة والحس، وأن الدليل هو: ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يعلم باضطراره، وهو على ثلاثة أضرب: عقلي: له تعلق بمدلوله، نحو دلالة الفعل على فاعله، وما يجب كونه عليه من صفاته. نحو حياته، وعلمه، وقدرته، وإرادته. وسمعي شرعي: دال من طريق النطق بعد المواضعة، ومن جهة معنى مستخرج من النطق، ولغوي: دال من جهة المواطأة والمواضعة على معاني الكلام، ودلالات الأسماء والصفات وسائر الألفاظ، وقد لحق بهذا الباب: دلالات الكتابات والرموز، والإشارات والعقود، الدالة على مقادير الأعداد، وكل ما لا يدل إلا بالمواطأة والاتفاق. والدال هو ناصب الدليل: فالمدلول هو ما نصب له الدليل. والمستدل الناظر في الدليل، واستدلاله نظره في الدليل وطلبه به علم ما غاب عنه.
وإن يعلم أن المعلومات على ضربين: معدوم وموجود، لا ثالث لهما ولا واسطة بينهما. فالمعدوم: هو المنتفي الذي ليس بشيء. قال الله عز وجل: "وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً". وقال تعالى: "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا" فأخبر أن المعدوم منتف ليس بشيء، والموجود هو الشيء الكائن الثابت. وقولنا شيء إثبات، وقولنا ليس بشيء نفي. قال الله تعالى: "قل أيّ شيء أكبر شهادة قل اللّه" وهو سبحانه موجود غير معدوم.
وقول أهل اللغة علمت شيئاً، ورأيت شيئاً، وسمعت شيئاً؛ إشارة إلى كائن موجود، وقولهم: ليس بشيء هو واقع على نفي المعدوم، ولو كان المعدوم شيئاً كان القول ليس بشيء نفياً لا يقع أبداً إلا كذباً، وذلك باطل بالاتفاق.
وأن يعلم أن الموجودات كلها على قسمين. منها: قديم لم يزل وهو الله تعالى، وصفات ذاته التي لم يزل موصوفاً بها ولا يزال كذلك. وقولهم: أقدم، وقديم موضوع للمبالغة في الوصف بالتقدم وكذلك أعلم وعليم، وأسمع وسميع.
والقسم الثاني: محدث، لوجوده أول، ومعنى المحدث ما لم يكن ثم كان، مأخوذ ذلك من قولهم: حدث بفلان حادث. من مرض، أو صداع؛ وأحدث بدعة في الدين، وأحدث روشناً، وأحدث في العرصة بناء، أي فعل ما لم يكن من قبل موجوداً.
وأن يعلم أن المحدثات كلها على ثلاثة أقسام: جسم، وجوهر، وعرض. فالجسم في اللغة هو: المؤلف المركب. يدل على ذلك قولهم: رجل جسيم، وزيد أجسم من عمرو، وهذا اللفظ من أبنية المبالغة، وقد اتفقوا على أن معنى المبالغة في الاسم مأخوذ من معنى الاسم؛ يبين ذلك أن قولهم: أضرب إذا أفاد كثرة الضرب كان قولهم: ضارب مفيداً للضرب، وكذلك إذا كان قولهم: المؤلف المركب مفيداً كثرة الاجتماع والتأليف، وجب أن يكون قولهم جسم مفيداً كذلك.
والجوهر: الذي له حيز. والحيز هو المكان أو ما يقدر تقدير المكان عن أنه يوجه فيه غيره.
والعرض: هو الذي يعرض في الجوهر، ولا يصح بقاؤه وقتين، يدل على ذلك قولهم: عرض لفلان عارض من مرض، وصداع إذا قرب زواله، ولم يعتقد دوامه. ومنه قوله عز وجل: "تريدون عرض الدنيا واللّه يريد الآخرة" وقوله، "هذا عارض ممطرنا" فكل شيء قرب عدمه وزواله، موصوف بذلك، وهذه صفة المعاني القائمة بالأجسام، فوجب وصفها في قضية العقل بأنها أعراض.
وأن يعلم أن العالم محدث، وأنه لا ينفك علوية وسفلية من أن يكون جسماً مؤلفاً، أو جوهراً منفرداً، أو عرضاً محمولاً. وهو محدث بأسره. وطريق العلم بحدوث أجسامه وحدوث أعراضه. والدليل على ثبوت أعراضه: تحرك الجسم بعد سكونه، وتفرقه بعد اجتماعه، وتغير حالاته، وانتقال صفاته، فلو كان متحركاً لنفسه، ومتغيراً لذاته لوجب تركه في حال سكونه، وتغيره واستحالته في حال اعتداله، وفي بطلان ذلك دليل على إثبات حركته، وسكونه، وألوانه، وأكوانه، وغير ذلك من صفاته، لأنه إذا لم يكن كذلك لنفسه وجب أن يكون لمعنى ما تغير عن حاله واستحال عن وصفه.

جمال حسني الشرباتي
17-10-2005, 15:33
3
----------------------------------------------------------------------------

والدليل على حدوث هذه الأعراض: ما هي عليه من التنافي والتضاد، فلو كانت قديمة كلها لكانت لم تزل موجودة، ولا تزال كذلك، ولوجب متى كانت الحركة في الجسم أن يكون السكون فيه، وذلك يوجب كونه متحركاً في حالة سكونه، وميتاً في حال حياته، وفي بطلان ذلك دليل على طروق السكون بعد أن لم يكن، وبطلان الحركة عند مجيء السكون، والطارىء بعد عدمه، والمعدوم بعد وجوده محدث باتفاق؛ لأن القديم لا يحدث ولا يعدم، ولا يبطل.
والدليل على حدوث الأجسام: أنها لم تسبق الحوادث، ولم تخل منها، لأننا باضطرار نعلم: أن الجسم لا ينفك من الألوان، ومعاني الألوان من الاجتماع والافتراق، وما لا ينفك من المحدثات، ولم تسبقه كان محدثاً. ولأنه إذا لم يسبقه كان موجوداً معه في وقته أو بعده، وأي ذلك وجد وجب القضاء على حدوثه، وأنه معدوم قبل وجوده.
وأن يعلم أن للعالم محدثاً أحدثه. والدليل على ذلك وجود الحوادث متقدمة ومتأخرة مع صحة تأخر المتقدم وتقدم المتأخر، ولا يجوز أن يكون ما تقدم منها وتأخر متقدماً ومتأخراً لنفسه، لأنه ليس التقدم بصحة تقدمه أولى من التأخر بصحة تأخره، فوجب أن يدل على فاعل فعله، وصرفه في الوجود على إرادته وجعله مقصوراً على مشيئته، يقدم منها ما شاء ويؤخر ما شاء. قال الله تعالى: "فعال لما يريد" وقال: "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون" ويدل على علمنا بتعلق الفعل بالفاعل في كونه فعلاً كتعلق الفاعل في كونه فاعلاً بالفعل، فإن تعلق الكتابة، والصناعة بالكاتب والصانع كتعلق الكاتب في كونه كاتباً بالكتابة؛ فلو جاز وجود فعل لا من فاعل، وكتابة لا من كاتب، وصورة وبنية محدثة لا من مصور، لجاز وجود كاتب لا كتابة له، وصانع لا صنعة له، فلما استحال ذلك وجب أن يكون اقتضاء الفعل للفاعل ودلالته عليه كاقتضاء الفاعل في كونه فاعلاً. لوجود الفعل وحصوله منه، ومن صفات هذا الصانع تعالى أنه: موجود، قديم، واحد، أحد، حي، عالم، قادر، مريد، متكلم، سميع، بصير، باق "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" وستدل على ذلك فيما بعد إن شاء الله بعد البداية بفرائض المكلفين، وشرائع المسلمين مما يقرب فهمه ولا ينبغي جهله، ولا بد للمكلف من علمه والعمل به فإذا أتينا على هذه الجملة رجعنا إلى القول في التوحيد، وإثبات أسماء الله تعالى وصفاته، وذكر ما يجوز عليه وما يستحيل في صفته، وما توفيقي إلا بالله.
وأن يعلم: أن أول نعم الله تعالى على خلقه الحي الدراك خلقه فيهم إدراك اللذات، وسلامة الحواس، ونيل ما ينتفعون به من الشهوات التي تميل إليها طباعهم، وتصلح عليها أجسامهم، ولو أحياهم، وآلمهم ومنعهم إدراك اللذات لكانوا مستضرين بالآلام، وبمثابة الأحياء المعذبين من أهل النار، وهذه نعمة الله سبحانه على جميع الحيوان الحاس، العاقل منهم والناقص، والمؤمن والكافر.
وأن يعلم أن أفضل وأعظم نعمة الله على خلقه الطائعين وعباده المؤمنين خلقه الإيمان في قلوبهم، وإجراؤه على ألسنتهم، وتوفيقهم لفعله، وتمكينهم بالتمسك به. وخلق الإيمان، والتوفيق له نعمة خص الله تعالى بها المؤمنين دون الكافرين، ولذلك قال عز وجل" "فلولا فضل اللّه عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين" "ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً" "ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً" وقال عز وجل" "وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها" وقال تعالى: "بل اللّه يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين" فلو كانت هذه النعمة له على الكافرين لم يكن لتخصيصه بها المؤمنين وامتنانه على المؤمنين به، إذ كان قد أنعم بها على المردة والكفرة الضالين.
وأن يعلم: أن طرق المباين عن الأدلة التي يدرك بها الحق والباطل خمسة أوجه: كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة وما استخرج من هذه النصوص وبنى عليها بطريق القياس والاجتهاد حجج العقول. قال الله تعالى آمراً باتباع كتابه والرجوع إلى بيانه: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها". وقال عز وجل: "ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً". وقال تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" وقال سبحانه: "تِبْيَاناً لكل شيء" و "ما فرطنا في الكتاب من شيء"

الإنصاف الباقلاني الصفحة : 3

جمال حسني الشرباتي
17-10-2005, 15:35
4-----------------------------------------------------------------------

وقال عز وجل في المر باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" وقال: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" وقال: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
وقال سبحانه في وصف عدالة أمة نبيه صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعها، والتحذير من مخالفتها: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً" وقال: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" وقال: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً".
وقال في الأمر بالقياس والحكم بالنظائر والأمثال: "فاعتبروا يا أولى الأبصار" وقال: "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" وقال النبي صلى الله عليه وسلم لقاضيه معاذ ابن جبل رضي الله عنه حين أنفذه إلى اليمن لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق: بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله عز وجل. قال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد ؟ قال: اجتهد رأيي وأحكم. فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى الله ورسوله. فأقره على الحكم والاجتهاد وجعله أحد طرق الأحكام.
وقال عز وجل في الأمر باتباع حجة العقل: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" وقال: "أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون" وقال: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب" وقال: "وضرب لنا مثلاً ونسى خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم" وقال تعالى: "وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه" فأمرنا بالاعتبار والاستبصار ورد الشيء إلى مثله أو الحكم له بحسب نظيره، وهذا هو الحكم، المعقول والتقاضي إلى أدلة العقول.
وأن يعلم: أن فرائض الدين وشرائع المسلمين، وجميع فرائض المسلمين وسائر المكلفين على ثلاثة أقسام: فقسم منها: يلزم جميع الأعيان وكل من بلغ الحلم وهو: الإيمان بالله عز وجل، والتصديق له، ولرسله، وكتبه، وما جاء من عنده، والعبادات على كل مكلف بعينه؛ من نحو الصلاة، والصيام، وما سنذكره ونفصله فيما بعد إن شاء الله.
والقسم الثاني: واجب على العلماء دون العامة، وهو القيام بالفتيا في أحكام الدين، والاجتهاد، والبحث عن طرق الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وهذا فرض على الكفاية دون الأعيان، فإذا قام به البعض سقط عن باقي الأمة، وكذلك القول في حفظ جميع القرآن، وما تنفذ به الأحكام من سنن الرسول عليه السلام، وغسل الميت، ومواراته، والصلاة عليه، والجهاد، ودفع العدو، وحماية البيضة وما جرى مجرى ذلك مما هو فرض على الكفاية. فإذا قام به البعض سقط عن باقي الأمة.
والقسم الثالث: من الواجبات من فرائض السلطان دون سائر الرعية: نحو إقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وقبض الصدقات، وتولية الأمراء، والقضاة، والسعاة، والفصل بين المتخاصمين، وهذا وما يتصل به من فرائض الإمام وخلفائه على هذه الأعمال دون سائر الرعية والعوام، وليس في فرائض الدين ما يخرج عما وصفناه ويزيد على ما قلناه.
وأن يعلم: أن أول ما فرض الله عز وجل على جميع العباد. النظر في آياته، والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته، وشواهد ربوبيته؛ لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار، ولا مشاهد بالحواس، وإنما يعلم وجوده وكونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة، والبراهين الباهرة.
والثاني: من فرائض الله عز وجل على جميع العباد، الإيمان به والإقرار بكتبه ورسله، وما جاء من عنده، والتصديق بجميع ذلك بالقلب والإقرار به باللسان.
وأن يعلم: أن الإيمان بالله عز وجل هو: التصديق بالقلب، بأنه الله الواحد، الفرد، الصمد، القديم، الخالق، العليم، الذي "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".


الإنصاف الباقلاني الصفحة : 4

جمال حسني الشرباتي
17-10-2005, 15:36
والدليل على أن الإيمان هو الإقرار بالقلب والتصديق؛ قوله عز وجل: "وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين" يريد بمصدق لنا. ومنه قوله عز وجل: "ذلكم بأنه إذا دعى اللّه وحده كفرتم، وإن يشرك به تؤمنوا" أي تصدقوا. ويقال فلان يؤمن بالله وبالبعث؛ أي يصدق بذلك. وكذلك قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة والقدر، وفلان لا يؤمن بذلك، يعني به التصديق، وبنفي الإيمان به التكذيب. وقد اتفق أهل اللغة قبل نزول القرآن وبعث الرسول عليه السلام على أن الإيمان في اللغة هو التصديق دون سائر أفعال الجوارح والقلوب.
والإيمان بالله تعالى يتضمن التوحيد له سبحانه، والوصف له بصفاته، ونفي النقائض عنه الدالة على حدوث من جازت عليه.
والتوحيد له هو: الإقرار بأنه ثابت موجود، وإله واحد فرد معبود، ليس كمثله شيء؛ على ما قرر به قوله تعالى: "وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" وقوله: "ليس كمثله وهو السميع البصير".
وأنه الأول قبل جميع المحدثات. الباقي بعد المخلوقات، على ما أخبر به تعالى من قوله: "هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم" والعالم الذي لا يخفى عليه شيء والقادر على اختراع كل مصنوع، وإبداع كل جنس مفعول، على ما أخبر به في قوله تعالى: "خالق كل شيء" "وهو على كل شيء قدير".
وأنه الحي الذي لا يموت، والدائم الذي لا يزول، وأنه إله كل مخلوق، ومبدعه ومنشئه، ومخترعه، وأنه لم يزل مسمياً لنفسه بأسمائه، وواصفاً لها بصفاته، قبل إيجاد خلقه، وأنه قديم بأسمائه وصفات ذاته، التي منها: الحياة التي بها بان من الموت والأموات، والقدرة التي أبدع بها الأجناس والذوات، والعلم الذي أحكم به جميع المصنوعات، وأحاط بجميع المعلومات، والإرادة التي صرف بها أصناف المخلوقات. والسمع والبصر اللذان أدرك بهما جميع المسموعات والمبصرات، والكلام الذي به فارق الخرس والسكوت وذوي الآفات، والبقاء الذي به سبق المكونات، ويبقى به بعد جميع الفانيات، كما أخبر سبحانه في قوله: "وللّه الأسماء ا لحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه" وقوله تعالى: "أنزله بعلمه" "وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه" وقوله: "أو لم يروا أن اللّه الذي خلقهم هو أشد منهم قوة" وقوله "ذو القوة المتين" فنص تعالى على إثبات أسمائه وصفات ذاته، وأخبر أنه ذو الوجه الباقي بعد تقضي الماضيات، كما قال عز وجل "كل شيء هالك إلا وجهه" وقال: "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" واليدين اللتين نطق بإثباتهما له القرآن، في قوله عز وجل: "بل يداه مبسوطتان" وقوله. "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي" وأنهما ليستا بجارحتين، ولا ذوي صورة وهيئة، والعينين اللتين أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن وتواترت بذلك أخبار الرسول عليه السلام، فقال عز وجل: "ولتصنع على عيني" و "تجري بأعيننا" وأن عينه ليست بحاسة من الحواس، ولا تشبه الجوارح والأجناس، وأنه سبحانه لم يزل مريداً وشائياً، ومحباً، ومبغضاً، وراضياً، وساخطاً، وموالياً، ومعادياً، ورحيماً، ورحماناً. ولأن جميع هذه الصفات راجعة إلى إرادته في عباده ومشيئته، لا إلى غضب يغيره. ورضى يسكنه طبعاً له، وحنق وغيظ يلحقه، وحقد يجده، إذ كان سبحانه متعالياً عن الميل والنفور.
وأنه سبحانه راض في أزلة عمن علم أنه بالإيمان يختم عمله ويوافي به، وغضبان على من علم أنه بالكفر بختم عمله ويكون عاقبة أمره، وقد قال تعالى "فعال لما يريد" و "يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وقال: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون. وقال: "رضى اللّه عنهم ورضوا عنه" "وما تشاؤون إلا أن يشاء اللّه" في أمثال هذه الآيات الدالة على أنه شاء، مريد، وأن الله جل ثناؤه مستو عن العرش، ومستول على جميع خلقه كما قال تعالى: "الرحمن على العرش استوى". بغير مماسة وكيفية، ولا مجاورة، وأنه في السماء إله في الأرض إله كما أخبر بذلك.


الإنصاف الباقلاني الصفحة : 5

جمال حسني الشرباتي
17-10-2005, 15:37
وأنه سبحانه يتجلى لعباده المؤمنين في المعاد، فيرونه بالأبصار، على ما نطق به القرآن في قوله: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" وتأكيده كذلك بقوله في الكافرين: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" تخصيصاً منه برؤيته للمؤمنين، والتفرقة فيما بينهم وبين الكافرين، وعلى ما وردت به السنن الصحيحة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أخبر به عن موسى عليه السلام، في قوله: "رب أرني أنظر إليك" ولولا علمه بجواز الرؤية بالأبصار لما أقدم على هذا السؤال.
وأن يعلم: مع كونه تعالى سميعاً بصيراً: أنه مدرك لجميع المدركات التي يدركها الخلق: من الطعوم، والروائح، واللين، والخشونة، والحرارة، والبرودة؛ بإدراك معين، وأنه مع ذلك ليس بذي جوارح وحواس توجد بها هذه الإدراكات. فتعالى الله عن التصوير والجوارح، والآلات.
وأن يعلم: أنه مع إدراك سائر الأجناس من المدركات وجميع الموجودات، غير ملتذ ولا متألم بإدراك شيء منها، ولا مشقة له منها ولا نافر عنها، ولا منتفع بإدراكها ولا متضرر بها. ولا يجانس شيئاً منها، ولا يضادها، وإن كان مخالفاً لها.
وأن يعلم: أنه سبحانه ليس بمغاير لصفات ذاته، وأنها في أنفسها غير متغايرات؛ إذ كان حقيقة الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما الآخر بالزمان، والمكان، والوجود والعدم. وأنه سبحانه يتعالى عن المفارقة لصفات ذاته، وأن توجد الواحدة منها مع عدم الأخرى.
وأن يعلم: أن صفات ذاته هي التي لم تزل، ولا يزال موصوفاً بها، وأن صفات أفعاله هي التي سبقها، وكان تعالى موجوداً في الأزل قبلها.
ونعتقد أن مشيئة الله تعالى ومحبته ورضاه ورحمته وكراهيته وغضبه وسخطه وولايته وعداوته كلها راجع إلى إرادته، وأن الإرادة صفة لذاته غير مخلوقة، لا على ما يقوله القدرية، وأنه مريد بها لكل حادث في سمائه وأرضه مما يتفرد سبحانه بالقدرة على إيجاده، وما يجعله منه كسباً لعباده، من خير، وشر، ونفع، وضر، وهدى، وضلال، وطاعة، وعصيان، لا يخرج حادث عن مشيئته. ولا يكون إلا بقضائه وإرادته.
وأن يعلم: أن كلام الله تعالى صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفاً به وأنه قائم به ومختص بذاته، ولا يصح وجوده بغيره، وإن كان محفوظاً بالقلوب ومتلواً بالألسن، ومكتوباً في المصاحف، ومقروءاً في المحاريب، على الحقيقة لا على المجاز وغير حال في شيء من ذلك، وأنه لو حل في غيره لكان ذلك الغير متكلماً به، وآمراً وناهياً.
ومخبراً وقائلاً: "إنني أنا اللّه لا إله إلا أنا فاعبدني" وذلك خلاف دين المسلمين، وأن كلامه سبحانه لا يجوز أن يكون جسماً من الأجسام، ولا جوهراً،، ولا عرضاً، وأنه لو كان كذلك لكان من جنس كلام البشر، ومحدثاً كهو: يتعالى الله سبحانه أن يتكلم بكلام المخلوقين.
وأن يعلم: أن كلامه مسموع بالآذان، وإن كان مخالفاً لسائر اللغات، وجميع الأصوات، وأنه ليس من جنس المسموعات، كما أنه مرئي بالأبصار، وإن كان مخالفاً لأجناس المرئيات، وكما أنه موجود مخالف لسائر الحوادث الموحودات، وأن سامع كلامه منه تعالى بغير واسطة ولا ترجمان. كجبريل، وموسى، ومحمد عليهم السلام حق، سمعه من ذاته غير متلو ولا مقرره، ومن عداهم ممن يتولى الله خطابه بنفسه إنما يسمع كلامه متلواً ومقروءاً، وكذلك قال الله عز وجل: "وكلم اللّه موسى تكليماً" وقال: "منهم من كلم اللّه" وأن قراءتنا القرآن كسب لنا نثاب عليها، ونلام على تركها، إذ وجبت علينا في الصلوات. وأنه لا يجوز أن يحكي كلام الله عز وجل ولا أن يلفظ به لأن حكاية الشيء مثله وما يقاربه وكلام الله تعالى لا مثل له من كلام البشر، ولا يجوز أن يلفظ به بتكلم الخلق لأن ذلك يوجب كون كلام الله تعالى قائماً بذاتين قديم ومحدث وذلك خلاف الإجماع والمعقول. وأن كلام الله تعالى غير متبعض ولا متغاير، وأن الصفة هي ما قامت بالشيء وأن الوصف قول الواصف الدال على الصفة خلاف ما يذهب إليه القدرية.


الإنصاف الباقلاني الصفحة : 6