المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصيام..أحكامه وخصوصياته وأحكام متفرقات أخرى



الإدارة
08-11-2003, 09:02
الصيـــــــــام

حكامه وخصوصياته
وأحكام متفرقات أخرى

اختصار وتعليق
عبد الفتاح حسين راوه المكي

والأصل للعلامة المحقق
أحمد بن حجر الهيتمي المكي
[إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام]

غفر الله لهما ولوالديهما ولمشايخهما
وللمسلمين والمسلمات ... آمين

الإدارة
08-11-2003, 09:27
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله القائل :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (1). والقائل :  شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (2).
والصلاة والسلام على «سيدنا محمد» الحاث أمته على الصيام بقوله : «صوموا فإن الصيام جنة من النار». وبقوله : «عليكم بالصوم فإنه لا مثل له». وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وعلى آل كل والصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الجمع .. آمين.
أما بعد :
فيقول عبد الفتاح حسين رواه المكي : قد اطلعت على كتاب «إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام» للعلامة المحقق، فقيه عصره وأوانه، الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي المكي ـ رحمه الله تعالى ـ فوجدته كتابا لم يؤلف مثله في هذا الشأن، فأحببت أن أختصره؛ لأن النفوس في هذه الأوقات تميل إلى المختصرات، مكتفيا بذكر الآيات والأحاديث في كل باب وفصل، ونوع وخاتمة حسب ترتيبه وتهذيبه.
ومعلقا عليها بعض الحواشي، مقتطفا معظمها من شرحه الذي كتبه عليها، ومن «شرح مسلم» للإمام النووي، ومن «فتح الباري» للحافظ العسقلاني، ومن «شرح العلامة الزرقاني على الموطأ»، ومن «إسعاف أهل الإيمان بوظائف شهر رمضان» لشيخنا العلامة الشيخ «حسن محمد المشاط»، وبعضا من غيرها. ذاكرا في هذه الحواشي بعض مسائل الفروع المختلف فيها بين المذاهب الأربعة ـ رحم الله الأئمة وكافة العلماء آمين ـ
ولذا سميته: «الصيام .. أحكامه وخصوصياته، وأحكام متفرقات أخرى».
والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه، وأن ينفع به كما نفع بأصوله، وأن يغفر لي ولمؤلفيها، ولوالدينا ولمشايخنا ولجميع المسلمين والمسلمات، وأن يحشرنا في زمرة سيد المرسلين «سيدنا محمد» صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ..
  
---------------
(1) سورة البقرة، الآية : 183.
(2) سورة البقرة، الآية : 185

الإدارة
08-11-2003, 09:30
الباب الأول
في فضَائِل الصَوم


 [الفصل الأول]
في فضائل مطلق الصوم

 [الفصل الثاتي]
في فضائل شهر رمضان

الإدارة
08-11-2003, 10:32
الفصل الأول
في فضائل مطلق الصوم
1- أخرج أحمد والشيخان : البخاري ومسلم ـ رحمهم الله تعالى ـ عن سهل بن سعد ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال : أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون، فإذا دخلوا أغلق عليهم فلم يدخل منه أحد».
2- أخرج النسائي عنه أيضا : «للصائمين باب في الجنة يقال له الريان، لا يدخل فيه أحد غيرهم، فإذا دخل آخرهم أغلق، من دخل فيه شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا».
3- وأخرج البخاري عنه أيضا : «في الجنة ثمانية أبواب، باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون».
4- وأخرج الترمذي وابن ماجة عنه أيضا : «في الجنة باب يدعى له الصائمون، فمن كان من الصائمين دخله لا يظمأ أبدا».
5- وأخرج الطبراني عنه أيضا : «لكل باب من أبواب البر باب من أبواب الجنة، وإن باب الصيام يدعى الريان».
6- وأخرج ابن زنجويه عنه أيضا :«إن في الجنة بابا يقال له الريان، فإذا كان يوم القيامة يقال : أين الصائمون ؟ فإذا دخلوا أغلق فيشربون منه، فمن شرب منه لم يظمأ أبدا».
7- وأخرج الطبراني عنه أيضا : «إن للجنة بابا يقال له الريان يدعى له الصائمون، من كان من الصائمين دخله لم يظمأ أبدا».
8- وأخرج الخطيب وابن النجار عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «أن للجنة بابا يدعى الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون».
9- وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «والذي نفسي بيده، إن في الجنة بابا يسمى الريان، ينادى يوم القيامة : أين الصائمون ؟ هلموا إلى باب الريان، لا يدخل معهم أحد غيرهم».
10- وأخرج أحمد والنسائي عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «الصيام جنة»(1).
11- وأحمد والنسائي وابن ماجة عن عثمان بن أبي العاص : «الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال ما لم يخرقها بكذب أو غيبة»(2).
12- وأحمد والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «الصيام جنة حصينة من النار».
13- والطبراني في الأوسط عنه : «الصيام جنة».
14- والطبراني في الكبير عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ : «الصيام جنة، وهو حصن من حصون المؤمن، وكل عمل لصاحبه إلا الصيام، يقول الله : الصيام لي وأنا أجزي به».
15- وأبو نعيم عن البراء ـ رضي الله عنه ـ «من صام يوما لم يخرقه ـ أي بكذب أو غيبة ـ كتب له عشر حسنات».
16- والنسائي عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ : «الصيام جنة من النار، فمن أصبح صائما فلا يجهل يومئذ، وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه وليقل : إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخُلوف(3) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
17- والبيهقي عن عثمان بن أبي العاص ـ رضي الله عنه ـ : «الصوم جنة من عذاب الله».
18- والشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يقول الله ـ عز وجل ـ : إنما ترك شهواته وطعامه وشرابه من أجلى، فالصيام لي وأنا أجري به».
19- وابن جرير عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «الصوم جنة يستجن(4) بها عبدي، والصوم لي وأنا أجزي به».
20- والبغوي والطبراني وغيرهما عن بشير بن الخصاصية : «قال ربكم : الصوم جنة من النار، ولي الصوم وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
21- وأخرج أحمد والطبراني عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ «حصنا أمتي : الصيام والقيام».
22- وأخرج ابن النجار عن ابن أبي مليكة : «صوموا فإن الصيام جنة من النار ومن بوائق(5) الدهر».
23- وأخرج أحمد والبيهقي عن جابر ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «قال الله تعالى : الصيام جنة يستجن بها العبد من النار، وهو لي وأنا أجزي به».
24- وأخرج أحمد عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
25- وأخرج أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : أن الله تعالى يقول : «إن الصوم لي وأنا أجزي به، وأن للصائم فرحتين: إذا أفطر فرح، وإذا لقي الله فرح، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
26- وأخرج أبو الشيخ في الثواب، والديلمي عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «إن للصائم فرحتين : فرحة حين يفطر، وفرحة يوم القيامة. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يلقون بالموائد والأباريق مختمة بالمسك، فيقال لهم : كلوا فقد جعتم، واشربوا فقد عطشتم، ذروا الناس واستريحوا فقد عييتم(6) إذ استراح الناس، فيأكلون ويشربون ويستريحون والناس معلقون في الحساب في عناء ظمأ».
27- وأخرج الشيخان والنسائي عن أبي هريرة : « كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم» الحديث.
28- وأخرجا أيضا والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «قال الله ـ عز وجل ـ : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة. وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث(7) ولا يصخب، وإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إن امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه».
---------------------
(1) الجنة ـ بضم الجيم ـ : الوقاية والستر من النار والشهوات والمعاصي والآثام. والصوم سبب في الطاعة وادعى إلى التوبة، وقد نظم ذلك بعضهم ـ رحمه الله تعالى ـ فقال :
جزا
جزاء الصوم للصوام جنة = وتصفيد لمراد وجنة
وأن نبينا قد قال فيه : = ألا صوموا فإن الصوم جنة

(2) هذا الحديث يدل على ما اتفق عليه العلماء ـ رحمه الله تعالى ـ من أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولا وفعلا..
(3) الخلوف ـ بضم الخاء وقد تفتح ـ : تغير الفم من الصوم..
(4) يستجن : أي يتوقى ويستتر بها عبدي من المعاصي.
(5) أي مصائب الجهر وفتنه.
(6) فقد عييتم : أي تعبتم وعجزتم.
(7) الرفث هنا مطلق المعصية أو اللغو والصخب : الصياح. والمراد ترك المعصية مطلقا، وكذا الكلام إلا لقرآن أو ذكر.

الإدارة
08-11-2003, 10:51
29- وأخرج أحمد والبخاري عن أبي هريرة : «الصيام جنة فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل(8) وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني صائم مرتين(9) والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي. الصيام لي وأنا أجزي به، الحسنة بعشر أمثالها».
30- وأخرج أحمد، والبخاري والنسائي وابن ماجة عنه أيضا : «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها على سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، قال الله ـ عز وجل ـ : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي. للصائم فرحتان : فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه(10) لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
31- وأخرج ابن ماجة والحاكم عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «أنه صلى الله عليه وسلم قال : «إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد».
32- وأبو داود والطيالسي والبيهقي عنه أيضا : «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة».
33- والديلمي عن ابن عمر : «صمت الصائم تسبيح، ونومه عبادة، ودعاؤه مستجاب، وعمله مضاعف».
34- وابن ماجة عن جابر، وأحمد والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «إن لله تعالى عند كل فطر عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة».
35- وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة : «كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، يقول الله تعالى : إلا الصوم(11) لي وأنا أجزي به. وللصائم فرحتان : فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه. ولخلوف فم الصائم حين يخلف(12) من الطعام أطيب عند الله من ريح المسك».
36- وأخرج البغوي عن رجل من الصحابة : قال الله ـ عز وجل ـ : «الحسنة بعشر وأزيد، والسيئة واحدة وأمحوها. والصوم لي وأنا أجزي به. الصوم جنة من عذاب الله كمِجن(13) السلاح من السيف».
37- والطبراني عن أبي هريرة وغيره : «إن الله جعل حسنات ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف : قال الله تعالى : إلا الصوم والصوم لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلى، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم عند الله يوم القيامة أطيب من ريح المسك».
38- وأخرج ابن حبان عن بن عمر : «الأعمال عند الله سبعة عملان موجبان، وعملان بأمثالهما، وعمل بعشر أمثاله، وعمل بسبعمائة، وعمل لا يعلم ثوابه إلا الله تعالى. فأما الموجبان : فمن لقي الله يعبده مخلصا لا يشرك به شيئا وجبت له الجنة، ومن لقي الله قد أشرك به وجبت له النار، ومن عمل سيئة جوزي بمثلها، ومن هم بحسنة يجزي بمثلها، ومن عمل حسنة جزى عشرا. ومن أنفق ماله في سبيل الله ضعف الله له نفقة الدرهم بسبعمائة درهم. والدينار بسبعمائة دينار، والصيام لله تعالى لا يعلم ثواب عامله إلا الله الحكيم».
39- وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة : «الصيام لا رياء فيه(14) قال الله تعالى : هو لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي».
40- وأخرج الترمذي عن أبي هريرة : «إن ربكم يقول : كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف : والصوم لي وأنا أجزي به، والصوم جنة من النار، وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل : إني صائم».
41- وأخرج الترمذي وحسنة عن رجل من بني سليم، وابن ماجة عن أبي هريرة : أن صلى الله عليه وسلم قال : «الصيام نصف الصبر».
وفي حديث سنده حسن : «الصبر نصف الإيمان» أي فالصوم ربع الإيمان.
42- وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «الصيام نصف الصبر، وعلى كل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصيام».
43- وأخرج أحمد والترمذي والبيهقي عن أم عمارة : «أن الصائم إذا أكل عنده لم تزل تصلي عليه الملائكة حتى يفرغ من طعامه».
44- والترمذي وابن ماجة : «الصائم إذا أكلت عنده المفاطر صلت عليه الملائكة».
45- وأخرج أحمد والطبراني، والحاكم والبيهقي عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه. ويقول القرآن : رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان».
46- وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «لكل شيء باب، وباب العبادة الصيام».
47- وأخرج البيهقي عن علي ـ كرم الله وجهه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله أوحى إلى نبي من بني إسرائيل : أن أخبر قومك أنه ليس عبد يصوم يوما ابتغاء وجهي إلا أصححت جسمه وأعظمت أجره».
48- وابن السني وأبو نعيم في الطب عن أبي هريرة : «صوموا تصحوا»(15).
49- وأبو نعيم في الطب عن شداد بن عبد الله : «عليكم بالصوم فإنه محسمة(16) للعروق، ومذهبة للأشر(17)».
50- وأبو الشيخ في الثواب، والديلمي والرافعي عن أبي الدرداء ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «أوحى الله تعالى إلى عيسى بن مريم في الإنجيل : قل للملأ من بني إسرائيل : إن من صام لمرضاتي أصححت له جسمه وأعظمت له أجره».
-----------------
(8) ولا يجهل : أي لا يفعل فعل الجهال، كصياح وسفه وسخرية ونحو ذلك. وهذه الثلاثة ممنوعة مطلقا لكنها تتأكد بالصوم. وما أحسن ما قاله بعضهم هنا :

اغضض الطرف واللسان فقصر = وكذا السمع منه حين تصوم
ليس من ضيع الثلاثة عندي = بحقوق الصيام أصلا يقوم

(9) أي بلسانه بنية كف نفسه ووعظ الشتائم ودفعه بالتي هي أحسن. فإن جمع بين لسانه وقلبه فحسن. وسن تكراره مرتين؛ لأنه أقرب على إمساك صاحبه عنه، وبما ذكر من كون القصد بذلك الوعظ يندفع ما يقال. إن العبادة يسن إخفاؤها، فكيف طلب منه أن يتلفظ بقوله : إني صائم.
(10) الفرح بالفطر : من حيث أن النفس تميل إليه طبعا. أو من حيث أن الله تعالى وفقه لإتمام صوم ذلك اليوم. والفرح عند لقاء ربه لما يشاهده من عظيم ثوابه للصائمين.
(11) الاستثناء : لبيان أن الصوم اختص عن بقية الأعمال بإضافته إلى الله تعالى إضافة تشريف، إعلاما بأن ثوابه وصل إلى غاية تقصر العقول عن إدراكها. ففائدة الاستثناء : الإعلام بذلك.
(12) يخلف : أي يتغير.
(13) المجن ـ بكسر الميم ـ : الترس ، وهو آلة تستعمل في الحرب لتقي الإنسان من السيف.
(14) أي إن ذات الصيام التي هي الإمساك بالنية لا يمكن الاطلاع عليها من حيث هي، وإنما يطلع عليها بالإخبار عنها بقول الصائم : «أنا صائم» ونحوه. وحينئذ فالرياء إنما هو بهذا الإخبار لا بالصيام. فظهر أن الصيام لا رياء فيه. وبه تتأيد حكمة إضافته إليه تعالى دون غيره.
(15) سر ذلك أن للصوم تأثيرا عجبا في حفظ الأعضاء الظاهرة، وقوى الجوارح الباطنة وحمايتها من التخليط الجالب للمواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة. وذلك من أكبر العون على التقوى، كما أشار إليه تعالى بقوله : «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون».
(16) أي قاطع ومانع للشهوة..
(17) الأشر : أي البطر.

الإدارة
08-11-2003, 11:03
51- وأخرج أحمد والشيخان والنسائي عن أبي سعيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا»(18).
52- والنسائي عن عقبة بن عامر ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «من صام يوما في سبيل الله باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام».
53- وأخرج الخطيب عن سهل بن سعد : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «من صام يوما متطوعا لم يطلع عليه أحد لم يرض الله له بثواب دون الجنة».
54- وأخرج ابن منده في أماليه عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ والديلمي عن عبد الله بن أبي أوفى : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «صمت الصائم تسبيح، ونومه عبادة، ودعاؤه مستجاب، وعمله مضاعف».
55- وأخرج الديلمي عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «الصائم في عبادة وإن كان نائما على فراشه».
56- وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : «نوم الصائم عبادة».
57- وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم عن أبي أمامة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «عليكم بالصوم فإنه لا مثل له».
58- والنسائي عن أبي أمامة قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله .. مرني بأمر آخذه عنك ؟ قال : «عليك بالصوم فإنه لا عدل له»(19).
59- والبيهقي عن زيد بن خالد ـ رضي الله تعالى عنه ـ «من فطر صائما أو جهز غازيا فله مثل أجره».
60- وأخرج ابن صصري في أماليه عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ والديلمي عن علي ـ كرم الله وجهه ـ : «من فطر صائما كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئا(20). وما عمل الصائم من البر كان لصاحب الطعام مثل أجره مادام قوة الطعام فيه».
61- والطبراني عن سلمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «من فطر صائما في رمضان، على طعام أو شراب من كسب حلال صلت عليه الملائكة في ساعات شهر رمضان، وصلى عليه جبريل ليلة القدر».
62- وأخرج أبو يعلى وأصحاب السنن الأربعة، والبيهقي وابن حبان في الضعفاء عن سلمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «من فطر صائما في رمضان من كسب حلال صلت عليه الملائكة ليالي رمضان كلها، وصافحه جبريل ليلة القدر، ومن صافحه جبريل تكثر دموعه ويرق قلبه، فقال رجل : يا رسول الله .. أرأيت من لم يكن ذاك عنده ؟ قال : فلقمة خبز. قال : أرأيت من لم يكن ذاك عنده ؟ قال : فقبضة من طعام ؟ قال : أفرأيت من لم يكن ذاك عنده ؟ قال : فمذقة من لبن. قال : أفرأيت من لم يكن ذاك عنده ؟ قال : فشربه من ماء»(21).
63- وأخرج أحمد وابن عدي والطبراني والبيهقي عن عامر ابن مسعود، والطبراني في الكبير، وابن عدي، والبيهقي في الشعب عن أنس وابن عدي، والبيهقي في الشعب عن جابر : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة».
64- وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم يذبل اللحم، ويبعد من حر السعير، إن لله مائدة عليها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يقعد عليها إلا الصائمون».
65- وأخرج ابن عدي والدارقطني في الأفراد. والبيهقي في الشعب عن أنس : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «ما من عبد أصبح صائما إلا فتحت له أبواب السماء، وسبحت أعضاؤه، واستغفر له أهل السماء الدنيا إلى أن توارى بالحجاب ـ أي على غروب الشمس ـ فإن صلى ركعة أو ركعتين أضاءت له السموات نورا، وقلن أزواجه من الحور العين : اللهم أقبضه إلينا فقد اشتقنا إلى رؤيته. وإن هلل أو سبح أو كبر تلقاه سبعون ألف ملك، يكتبون ثوابها إلى تواري الحجاب».
66- وأخرج البيهقي عن أنس : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «من منعه الصيام من الطعام والشراب يشتهيه أطعمه الله من ثمار الجنة، وسقاه من شرابها».
67- وأخرج أبو الشيخ والديلمي عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال: «توضع للصائمين مائدة يوم القيامة من ذهب يأكلون منها والناس ينظرون».
68- وأخرج ابن عدي عن ابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ بسند ضعيف : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله يباهي ملائكته بالشاب العابد، فيقول : أيها الشاب التارك شهواته من أجلى، الباذل شبابه لي، أنت عندي كبعض ملائكتي».
69- وفي الإحياء خبر : «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع»(22)
  
----------------
(18) خريفا : أي سنة.
(19) يؤخذ من هذا الحديث تفضيل الصوم على سائر العبادات .. لكن المشهور تفضيل الصلاة عليه، وهو مذهب الشافعي وغيره، لخبر أبي داود وغيره : « واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة»، وللخبر الصحيح : «.الصلاة خير موضوع».
(20) قال صاحب الأصل ـ رحمه الله تعالى ـ : ونصب «شيئا» صحيح، ففاعل «ينقص» ضمير يرجع «لمثل» اهـ. وإنما لم ينقص من أجر الصائم شيء لاختلاف الجهة في الثواب، نظير ذلك الدال على الخير والهدى كما في الحديث الشريف : «الدال على الخير كفاعله».
(21) دل هذا الحديث وما قبله على فضل من فطر صائما، أي أطعم صائما عند إفطاره. ويستحب أن يدعو الآكل للمأكول عنده فيقول : «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة». روى أبو داود ـ رحمه الله تعالى ـ عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة ـ رضي الله تعالى عنه ـ فجاء بخبز وزيت فأكل. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة» قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ : «وروينا في كتاب ابن السني عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر عند قوم دعا لهم فقال : «أفطر عندكم الصائمون» إلخ اهـ. وفي قوله الحديث : «فجاء بخبز وزيت» ترك التكلف وإحضار ما سهل تقديمه للضيف، وهو بخلاف ما عليه بعض الناس من التكلف فوق الطاقة، ومتى أدى هذا التكلف إلى ما يذم شرعا كان بعيدا من السنة، وهذا لا ينافي الجود، كيف وقد كان سعد من أعرق بيت في الجود، حتى يذكر لنا الحافظ ابن عبد البر : إنه لم يكن في الأوس والخزرج أربعة مطعمون متتابعون في بيت واحد إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دكيم، وذكر بسنده إلى نافع قال : مر ابن عمر على أطم ـ أي حصن ـ سعد فقال لي : يا نافع، هذا أطم جده. لقد كان مناديه ينادي يوما في كل حول : من أراد الشحم واللحم فليأت دار دكيم، فنادى منادي عبادة بمثل ذلك، ثم مات عبادة فنادى منادي سعد بمثل ذلك، ثم رأيت قيس ابن سعد يفعل ذلك.
(22) وفي الأصل نقلا عن الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ قال : إنه متفق عليه إلا قوله : «فضيقوا مجاريه بالجوع».

الإدارة
08-11-2003, 13:45
الفصل الثاني
في فضائل شهر رمضان

1- روى الشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين».
2- وأحمد والشيخان والأربعة عنه : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
3- وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي عنه : «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت(1) الشياطين ومردة(2) الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد كل ليلة : يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة».
4- وأحمد والبيهقي عنه : «أظلكم شهر رمضان هذا بمحلوف(3) رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما مر على المسلمين شهر هو خير لهم منه، ولا يأتي على المنافقين شهر هو لهم منه. إن الله يكتب أجره وثوابه من قبل أن يدخل، ويكتب وزره وشقاءه قبل أن يدخل»(4).
5- وابن أبي الدنيا والخطيب، والديلمي وابن عساكر عنه : «أول شهر رمضان رحمة، ووسطه مغفرة، وآخره عتق من النار».
6- وابن صصري في أماليه وابن النجار عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «تفتح أبواب الجنة في أول ليلة من رمضان إلى آخر كل ليلة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه مردة الشياطين، ويبعث الله مناديا ينادي : يا باغي الخير هلم. هل من داع يستجاب له ؟ هل من مستغفر يغفر له ؟ هل من تائب يتاب عليه ؟ ولله عند وقت الفطر في كل ليلة من رمضان عتقاء يعتقهم من النار».
7- والخطيب وابن النجار عن أبي هريرة : «نعم الشهر شهر رمضان، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه مردة الشياطين، ويغفر فيه إلا لمن تأبى»(5).
8- والبيهقي عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : «إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب الجنان كلها فلا يغلق منها باب واحد الشهر كله، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب واحد الشهر كله، وغلت عتاة الجن، ونادى مناد من السماء الدنيا كل ليلة إلى انفجار الصبح: يا باغي الخير أقبل وأبشر، ويا باغي الشر أقصر وأبصر، هل من مستغفر يغفر له ؟ هل من تائب يتاب عليه ؟ هل من داع يستجاب له ؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ ولله تعالى عند كل فطر من شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ستون ألفا، فإذا كان يوم الفطر أعتق مثل ما أعتق في جميع الشهر ثلاثين مرة ستين ألفا».
9- وأخرج البيهقي عن أبي سعيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب السماء، فلا يغلق منها باب حتى تخرج آخر ليلة من رمضان. وليس من عبد مؤمن يصلي في ليلة منها إلا كتب الله له ألفا وخمسمائة حسنة بكل سجدة، وبنى له بيتا في الجنة من ياقوتة حمراء، لها ستون ألف بابا، لكل منها قصر من ذهب موشى بياقوتة حمراء. فإذا صام أول يوم من رمضان غفر له ما تقدم من ذنبه إلى مثل ذلك اليوم من شهر رمضان، واستغفر له كل يوم سبعون ألف ملك من صلاة الغداة إلى أن توارى بالحجاب ـ أي إلى غروب الشمس ـ وكان له بكل سجدة يسجدها في شهر رمضان بليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلها خمسمائة عام»,
10- والبزار والبيهقي عن أبي سعيد وضعفه، وابن عساكر : «سيد الشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة».
11- والطبراني والبيهقي وغيرهما : «سيد الشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة».
12- والدارقطني عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر».
13- وابن ماجة والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «شهر رمضان شهر كتب عليكم صيامه وسننت لكم قيامه، فمن صامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
14- ورويا عنه أيضا : «إن الله قد افترض عليكم صوم رمضان وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا ويقينا كان كفارة لما مضى».
15- وابن أبي الدنيا عن ضمرة وراشد بن سعد مرسلا : «ابسطوا النفقة في شهر رمضان، فإن النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله»(6).
16- وأحمد ومسلم والأربعة : «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصوم الدهر»(7).
17- وأحمد عن رجل من الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ : «من صام رمضان وستا من شوال والأربعاء والخميس دخل الجنة».
18- وأبو داود والترمذي عن مسلم القرشي : «إن لأهلك عليك حقا، صم رمضان والذي يليه، وكل أربعاء وخميس، فإذا أنت صمت الدهر(8) وأفطرت».
19- وابن أبي الدنيا ـ في فضل رمضان ـ عن أبي هريرة : «شهر يكفر ما بين يديه إلى شهر رمضان المقبل»(9).
20- وأخرج محمد بن منصور السمعاني وأبو زكريا يحيى بن منده في أماليهما عن أنس : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «إنما سمي رمضان لأنه يرمض(10) الذنوب».
21- وأخرج أحمد عن رجل من الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «شهران لا ينقصان(11) شهرا عيد : رمضان وذو الحجة».
22- وابن عساكر عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ : «شهر رمضان شهر الله، وشهر شعبان شهري(12)، شهر شعبان المطهر، ورمضان المكفر».
23- وأخرج ابن صصري في أماليه عن ابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال : «جاءكم الشهر المبارك فقدموا فيه النية(13)، ووسعوا فيه النفقة، فإن(14) الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه، فيه ليلة خير من ألف شهر، لا يحرم خيرها إلا كل محروم».
24- وأخرج الطبراني وابن النجار عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «أتاكم شهر رمضان شهر بركة، فيه خير. ينزل الله فيه الرحمة، ويحط فيه الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ويباهي بكم الملائكة، فأدوا من أنفسكم خيرا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجلC».I]
--------------------
(1) صفدت : أي شدت.
(2) مردة : أي جبابرة الجن. وهذا الحديث لا ينافيه ما يقع من المعاصي من كثيرين في رمضان، لأن النفس أمارة بالسوء.
(3) بمحلوف : أي بما يقسم ويحلف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله : «والذي نفسي بيده».
(4) وذلك أن المؤمن يعد لرمضان النفقة ليتقوى بها على الطاعة والعبادة، فيكتب له الأجر والثواب. قال صاحب الزبد ـ رحمه الله تعالى ـ : لكن إذا نوى بأكله القوى لطاعة الله له ما قد نوى
والمنافق يعد له اغتياب المؤمنين، وانباع عوراتهم، فله الوزر والشقاء، فهو غنم للمؤمن ونقمة على الفاجر.
(5) تأبى : أي تمنع وأعرض عن أسباب المغفرة.
(6) أي الدرهم بسبعمائة درهم، والدينار بسبعمائة دينار، كما تقدم في الحديث (38) في الفصل الأول.
(7)أي فرضا، وإلا فالحسنة بعشر أمثالها، فلا خصوصية لرمضان، إلا إذا كان المراد أن ذلك كصوم الدهر فرضا، وثواب الفرض يزيد على ثواب النفل بسبعين درجة.
(8) أي صمت الدهر حكما، وإن كنت قد أفطرت معظمه حسا.
(9) معناه : أن صوم رمضان يكفر ذنوب سنة. وحينئذ يشكل بأن صوم يوم عرفة يكفر سنتين ؟ ويجاب : بأن هذا من بعض فضائل صوم رمضان، إذ له فضائل أخرى كثيرة. بخلاف صوم يوم عرفة، فإن ذلك هو ثوابه فحسب، فلا إشكال، ثم المكفر برمضان وعرفة وغيرهما إنما هو الذنوب الصغائر المتعلقة بحقوق الله تعال، بخلاف الكبائر، إذ لا يكفرها إلا التوبة الصحيحة بشروطها. وبخلاف حقوق الآدميين، إذ لا يكفرها إلا رضاهم. لكن إذا أراد الله أن يرضي عن شخص خصماءه رضاهم عنه. فإن كان صائم ذلك لا ذنب عليه أعطى بدل ذلك التكفير رفع درجات له في الجنة.
(10) يرمض : أي يذهب الذنوب.
(11) لا ينقصان : أي لا ينقص ثوابهما بنقص عددهما، لأن الثواب معلق بالنقص والإتمام.
(12) إضافة رمضان إلى الله تعالى لغاية تشريفه كما تقدم، وإضافة شعبان إليه صلى الله عليه وسلم لتمييزه بأنه كان يصومه أو أكثره، كما سيأتي، بخلاف سائر الشهور..
(13) فقدموا فيه النية: أي العزم الصادق على صوم رمضان على الوجه الأكمل ما أمكنكم.
(14) فإن الشقي إلخ : هذا تفريع على قوله : « ووسعوا فيه النفقة» ووجهه الإشارة إلى ما في حديث كتابة السعادة والشقاوة والولد في بطن أمه : من أنه كما تكتب شقاوته أو سعادته، كذلك يكتب رزقه بمقدار معلوم، ضيقا وسعة، لا يزيد ولا ينقص، وحينئذ فينبغي للإنسان أن يوسع النفقة في رمضان، ولا يمسك خشية الفقر، فإن ذلك لا ينقص من رزقه شيئا، لما تقرر : أن الرزق مما كتب وختم وفرغ منه، ويجوز أن يكون مفرعا على الأمر بتقديم النية أيضا. ويوجه بأن الإنسان ينبغي له تقديم النية بالمعنى الذي تقدم، فإن ذلك إن لم ينفقه ما ضره؛ لأنه إن كتب سعيدا فالنفع محقق بوعد الله وفضله، وإن كتب شقيا والعياذ بالله فذلك لا يضره.

الإدارة
08-11-2003, 14:23
25- وأخرج أحمد والنسائي عن أبي هريرة قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان، يقول : قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك(1) كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين. فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم».
26- وأخرج ابن صصري في أماليه عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إلى خلقه، وإذا نظر الله إلى عبد لم يعذبه أبدا. ولله في كل ليلة ويوم ألف ألف عتيق من النار، فإذا كانت ليلة تسع وعشرين أعتق الله فيها مثل جميع من أعتق في كل الشهر، فإذا كانت ليلة الفطر ارتجت الملائكة، وتجلى الجبار بنوره ـ مع أنه لا يصفه الواصفون ـ للملائكة وهم في عيدهم من الغد، يا معشر الملائكة ـ يوحي إليهم ـ ما جزاء الأجير إذا وفى في عمله ؟ تقول الملائكة : يوفى أجره، فيقول الله تعالى : اشهدوا أني قد غفرت لهم».
27- وأخرج البيهقي عن جابر ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبي قبلي، أما واحدة: فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم، ومن نظر الله إليهم لم يعذبه أبدا. وأما الثانية : فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك. وأما الثالثة : فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم. وأما الرابعة : فإن الله يأمر جنته فيقول لها : استعدي وتزيني لعبادي، أوشك ـ وفي رواية يوشك ـ أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى دار كرامتي. وأما الخامسة : فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا، فقال رجل : أهي ليلة القدر يا رسول الله ؟ قال : لا، ألم تر إلى العمال يعملون، فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم».
28- وأخرج البيهقي وغيره عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : «إن الجنة لتزين من الحول إلى الحول لشهر رمضان، وأن الحور العين لتزين من الحول إلى الحول لصوام رمضان، فإذا دخل رمضان قالت الجنة : اللهم اجعل لي في هذا الشهر من عبادك. ويقلن(2) الحور العين : اللهم اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر. فمن لم يقذف فيه مسلما ببهتان. ولم يشرب فيه مسكرا كفر الله عنه ذنوبه. ومن قذف فيه مسلما أو شرب فيه مسكرا أحبط الله عمله لسنة. فاتقوا شهر رمضان فإنه شهر الله. جعل الله لكم أحد عشر شهرا تأكلون فيها وتشربون وتلذون. وجعل لنفسه شهرا فاتقوا شهر رمضان، فإنه شهر الله».
29- وأخرج ابن خزيمة ـ وقال : إن صح ـ والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن سلمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال : « يا أيها الناس .. قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله تعالى صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا. من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد في رزق المؤمن، من فطر صائما كان له مغفرة من ذنوبه وعتق رقبة من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا : يا رسول الله .. ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعطي الله تعالى هذا الثواب من فطر صائما على مذقة لبن(3) أو تمرة أو شربة من ماء. ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة. وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال : خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غنى لكم عنهما. فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم : فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه. وأما اللتان لا غنى لكم عنهما : فتسألون الله الجنة، وتتعوذون به من النار».
30- وأخرج الديلمي عن علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «إذا دخل شهر رمضان أمر الله حملة العرش أن يكفوا عن التسبيح ويستغفروا لأمة محمد والمؤمنين».
31- والبيهقي عن أنس : «سبحان الله .. ما تستقبلون وماذا يستقبلكم». ؟ قال عمر بن الخطاب : بأبي أنت وأمي يا رسول الله. وحي نزل أو عدو حضر ؟ قال : « لا، ولكن شهر رمضان، يغفر الله في أول ليلة منه لكل أهل هذه القبلة» قيل : يا رسول الله .. المنافق؟ قال : «المنافق كافر، وليس للكافر في ذا شيء».
32- والديلمي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : «يعتق الله في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار، فإذا كان ليلة الجمعة ويومها عتق في كل ساعة ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار».
33- وأخرج الطبراني وابن عدي عن أم هانئ، وابن عدي وابن صصري في أماليه عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : «إن أمتي لن تخزى ما أقاموا صيام شهر رمضان» قيل : يا رسول الله .. وما خزيهم في إضاعة شهر رمضان ؟ قال : «انتهاك المحارم فيه، من زنى فيه، أو شرب خمرا فيه لعنه الله ومن في السموات إلى مثله من الحول، فإن مات قبل أن يدرك رمضان فليست له عند الله حسنة يتقي بها النار. فاتقوا الله في شهر رمضان، فإن الحسنات تضاعف فيه ما لا تضاعف فيما سواه، وكذلك السيئات»(4).
34- وأخرج النسائي عن معاذ ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «من صام رمضان وصلى الصلوات الخمس، وحج البيت كان حقا على الله أن يفغر له».
35- وأحمد وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي وغيرهم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه : «من صام رمضان فعرف حدوده، وتحفظ مما ينبغي أن يتحفظ منه كفر ما قبله».
36- وابن عساكر عن أبي هريرة : «من صام يوما من رمضان وسلم من ثلاثة ضمنت له الجنة على ما فيه سوى الثلاثة : لسانه ، وبطنه، وفرجه».
37- والطبراني عن ابن عباس : «من صام يوما من رمضان محتسبا كان له بصومه ما لو أن أهل الدنيا اجتمعوا مذ كانت الدنيا إلى أن تنقضي لأوسعهم طعاما وشرابا، لا يطلب إلى أهل الجنة شيئا من ذلك»(5).
38- والديلمي عن ابن عمر : «من صام يوما من رمضان بإنصات وسكوت، وتكبير وتهليل وتحميد، يحل حلاله، ويحرم حرامه غفر الله له ما تقدم من ذنبه».
39- والطبراني عن أبي هريرة : «من صام رمضان وغدا بغسل على المصلى»(6).
40- والديلمي وابن عساكر عن أبي هريرة عن أنس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : «لو أن الله أذن للسموات والأرض أن تتكلما لبشرتا صائمي رمضان».
وفي رواية عن أبي هريرة عن أنس : «لبشرتا صائمي رمضان بالجنة».
41- والحسن بن سفيان في «مسنده». والمعافى في «الجليس»، والباوردي والطبراني وأبو نعيم وضعفه: «إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أفواه الطرق، فنادوا : يا معاشر المسلمين اغدوا إلى رب العالمين، كريم رحيم، يمن بالخير، ويثيب عليه بالجزيل. لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم وأطعتم ربكم، فاقبضوا جوائزكم فإذا صلوا، نادى مناد من أهل السماء : ارجوا إلى منازلكم راشدين فقد غفرت لكم ذنوبكم كلها. ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجوائز».
  
-------------------
( ) قيل : هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان.
(1) جرى هذا التعبير على لغة من يلحق بالفعل علامة التثنية والجمع. ويجوز أن يكون «الحور» بدلا من نون النسوة التي هي فاعل. كما قيل في قوله تعالى : «وأسروا النجوى الذين ظلموا».
(2) مذقة ـ بفتح الميم وإسكان الدال ـ : لبن مخلوط بماء.
(3) ينبغي حمل مضاعفة السيئات على مقابلهما دون الزيادة على كميتها، لقوله تعالى : «فلا يجزى إلا مثلها» وكذا يقال بمثل ذلك السيئات في حرم مكة. وقول مجاهد وغيره ـ رحمهم الله تعالى ـ بمضاعفتها فيه، إن أرادوا به ما ذكر كان قريبا أو زيادة كميتها على مائة ألف في مقابلة السيئة الواحدة كالحسنة، كان بعيدا من ظواهر نصوص الكتاب والسنة. والله أعلم اهـ. أصل.
(4) فإن قيل : كل أهل الجنة كذلك، فما وجه ذكر ذلك هنا ؟ أجيب : بأن له فائدة دل عليها ظاهر السياق، وهو أن المراد أن أهل الدنيا لو نزلوا عليه يطلبون قراه لكان عنده من أنواع النعيم ما يكفيهم من غير أن يحتاج إلى الاستعانة على ذلك بشيء من نعيم غيره. وفي هذا من سعة الفضل الذي يعطاه ما تقصر عنه العقول، والله أعلم.
(5) لم يذكر في الأصل تمام هذا الحديث، وتمامه كما في كنز العمال : «وختمه بصدقة رجع مغفورا له». وفيه دليل على استحباب الغسل لعيد الفطر. وكذا يستحب الغسل لعيد الأضحى، لقول ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم «يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى، وكان عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما يفعلانه، وكذا ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ ؛ ولأنه أمر يجتمع له الناس، فيستحب الغسل له كالجمعة، ويجوز الغسل بعد الفجر بلا خلاف، وقبله على الراجح، ويختص بالنصف الأخير على الراجح، وقيل : يجوز في جميع الليل. والله أعلم.

الإدارة
08-11-2003, 14:28
فضل صوم رمضان بمكة
1- روى ابن ماجة عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من أدرك شهر رمضان بمكة فصامه، وقام منه ما تيسر، كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه، وكتب له بكل يوم عتق رقبة، وبكل ليلة عتق رقبة، وكل يوم حملان فرس(1) في سبيل الله وفي كل يوم حسنة، وفي كل ليلة حسنة».
---------------------
( ) حملان : مصدر حمل يحمل، المراد به هنا : مقدار الثواب، والله أعلم.

الإدارة
08-11-2003, 14:31
فضل صوم رمضان بالمدينة
1- روى الطبراني والضياء المقدسي عن بلال بن الحارث المزني ـ رضي الله تعالى عنه ـ : «رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان».
  

الإدارة
08-11-2003, 14:37
فضل الاعتمار في رمضان
1- روى الشيخان عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « عمرة في رمضان تعدل حجة ـ أو حجة معي».
2- وابن حبان في صحيحه عنه قال : جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : حج أبو طلحة وابنه وتركاني فقال : «يا أم سليم .. عمرة في رمضان تعدل حجة(1) معي».
  --------------------
(1) تعدل حجة : أي تماثلها في الثواب؛ لأن الثواب بفضل فضيلة الوقت، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ لأن الإجماع قام على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض، قال الطيبي ـ رحمه الله تعالى ـ : هذا من باب المبالغة، وإلحاق الناقص بالكامل؛ ترغيبا وبعثا عليه، وإلا فكيف يعدل ثواب العمرة ثواب الحج ؟ وقال ابن العربي ـ رحمه الله تعالى ـ : حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام المضاف إليها، والله أعلم.



تم الباب الأول بحمد الله ويلية الباب الثاني في أحكام الصيام وما يتعلق بها

الإدارة
13-11-2003, 12:27
الباب الثاني
في أحكام الصيام وما يتعلق بها


* في وجوبه .
* في وجوب صوم رمضان بالرؤية .
* في بيان أن يوم عيد الفطر ليس هو أول شوال مطلقاً ...
* في بيان أن شهر رمضان يكون ناقصاً تارة، وتاماً أخرى .
* في بيان ثبوت رمضان بخبر العدل الواحد .
* في بيان أحاديث تقتضي أنه لابد في ثبوت رمضان من شاهدين .
* في بيان أن القرائن قد يكون لها دخل في رؤية الهلال .
* في اختلاف البلاد في الرؤية .
* في أذكار تقال عند رؤية الهلال .
* في وقت النية .
* في بيان ما يفسد الصوم .
* في آداب الصوم ومسنوناته .
* فيما يتعلق بتكفير رمضان، وليلة القدر، وشرط ذلك وما يتعلق به .

الإدارة
13-11-2003, 12:34
الفصل الأول
في وجوبه
الأصل فيه قوله تعالى  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ(1) عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَات  [البقرة:183،184].
1 - روي الشيخان في صحيحهما عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: » بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان « .
ورويا أيضاَ عن طلحة بن عبيد الله التيمي ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر(2) الرأس، يسمع دوي صوته ولا نفقه(3) ما يقول حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » خمس صلوات في اليوم والليلة « فقال: هل على غيرها؟ فقال : » لا ، إلا أن تطوع « فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » وصيام رمضان « قال: هل علي غيره؟ قال » لا ، إلا أن تطوع « قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم: » الزكاة « فقال: هل علي غيرها؟ فقال » لا ، إلا أن تطوع « (4) فأدبر الرجل وهو يقول: والذي أكرمك، لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » أفلح إن صدق « .
  
-------------
(1) كتب : أي فرض عليكم الصيام وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة.
(2) ثائر : بالرفع على الصفة، والنصب على الحال: أي متفرق شعر الرأس من ترك الرفاهية ، ويشير بذلك إلى قرب عهده بالوفادة، واسم الرجل (ضمام بن ثعلبة) وافد بني سعد بن بكر.
(3) ولا نفقه : أي لا نفهم .
(4) وإنما لم يذكر صلى الله عليه وسلم » الشهادة « لاحتمال أنه علم أن السائل يعلمها. ولم يذكر » الحج « لأنه لم يفرض بعد. أو أن الراوي اختصر الحديث، والله أعلم.

الإدارة
13-11-2003, 12:42
الفصل الثاني
في وجوب صوم رمضان بالرؤية
1 - أخرج الشيخان والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما : أنه صلى الله عليه وسلم قال : » إذا رأيتم الهلال(1) فصوموا. وإذا رأيتموه فأفطروا. فإن غم(2) عليكم فاقدروا(3) له « .
2 - وأخرج أحمد والشيخان وغيرهم: » الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين« .
3 - وأحمد ومسلم عن ابن عباس: » أن الله قد أمده لرؤيته، فإن أغمى عليكم فأكملوا العدة « .
4 - وأحمد والبيهقي عن جابر، وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، والنسائي عن ابن عباس، وأبو داود عن حذيفة، وأحمد عن طلق بن طلق ـ رضي الله تعالى عنهم ـ : » إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً«.
5 - والترمذي والدارقطني. والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة » أحصوا هلال شعبان لرمضان، ولا تخلطوا برمضان إلا أن يوافق ذلك صياماً كان يصومه أحدكم. وصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً . فإنها ليست تغمى عليكم العدة «.
6 - والطبراني عن عدي بن حاتم ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » إذا جاء رمضان فصم ثلاثين إلا أن ترى الهلال قبل ذلك « .
7 - والترمذي والنسائي وابن حبان عن ابن عباس: » لا تصوموا قبل رمضان، وصوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن حالت دونه غياية(5) فاكلموا ثلاثين يوماً « .
8 - وأبو داود عنه : » لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء يصوم أحدكم. لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه. فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا، والشهر تسعة وعشرون « .
9 - وفي رواية لأبي داود أيضاً : » كان صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام « .
10 - والترمذي عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » لا تقدموا الشهر بيوم ولا يومين إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم. صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا « .
11 - وأبو داود والنسائي وابن حبان عن حذيفة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة قبله. ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة قبله «.
12 - والبيهقي عن أبي هريرة، والبخاري والترمذي عن أنس، والشيخان عن أم سلمة، ومسلم عن جابر وعائشة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ: » أن الشهر يكون تسعة وعشرون يوماً«.
13 - ومسلم وغيره عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنه ما ـ : » الشهر هكذا( ) وهكذا وهكذا - وعقد إبهامه في الثالثة - صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم فاقدروا ثلاثين « .
14 – والنسائي عن أبي هريرة : » الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين يوماً فإذا رأيتموه فصوموا. وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة « .
15 – والشيخان والنسائي عنه. وابن ماجه والنسائي عن ابن عباس والطبراني عن البراء ـ رضي الله تعالى عنهم ـ : » صوموا لرؤيته. وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين « .
16 – وأحمد والنسائي عن ربعي مرسلاً : » فإن غم عليكم فأتموا شعبان ثلاثين. إلا أن تروا الهلال قبل ذلك، ثم صوموا رمضان ثلاثين، إلا أن تروا الهلال قبل ذلك « .
17 – والنسائي عن ابن عباس قال : عجبت ممن يتقدم الشهر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » إذا رأيتم الهلال فصوموا. وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين « .
18 – وأحمد والنسائي والبيهقي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : » صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا عدة شعبان، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً، ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان « .
  
---------------
(1) إذا رأيتم الهلال: أي رؤية معتادة.
(2) فإن غم – بضم الغين وتشديد الميم - : أي حال بينكم وبين الهلال غيم.
(3) فاقدروا – بكسر الدال وضمها – أي قدروا عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوماً، فالمعنى : افطروا يوم الثلاثين، واحسبوا شهر شعبان كاملاً. وهذا المعنى تؤيده الروايات الآتية من إكمال العدة ثلاثين. وفي الحديث دليل على وجوب الصوم لرؤية الهلال، وإفطار أول يوم من شوال لرؤية هلاله، وقال الإمام أحمد في طائفة رحمهم الله تعالى: قدروا له، أي: تحت السحاب، فيجوزون صوم ليلة الغيم في رمضان إلا الإمام أحمد فإنه يوجبه والله أعلم.
(4) الغياية – بالعين والغين - : ما أظل الإنسان فوق رأسه، مثل السحاب والغبرة والظلمة.
(5) الشهر هكذا الخ : أشار عليه الصلاة والسلام بنشر أصابعه الكريمة العشر ثلاث مرات إلى عدد أيام الشهر، ثم عقد إحدى إبهاميه في المرة الثالثة: إشارة إلى نقصان واحد من أيامه الثلاثين، فصارت الجملة تسعة وعشرين. أراد أن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين، لا أن كل شهر يكون كذا.

الإدارة
13-11-2003, 12:49
الفصل الثالث
في بيان أن يوم عيد الفطر ليس هو أول شوال مطلقاً،
بل اليوم الذي يعيد الناس فيه ولو ثاني شوال.
وكذلك يوم الأضحى ليس هو عاشر ذي الحجة مطلقاً،
بل هو اليوم الذي يعيدون فيه ولو الحادي عشر.
وكذلك يوم عرفة ليس هو يوم التاسع مطلقاً،
بل هو اليوم الذي يقف الناس فيه وإن كان هو العاشر دون الثامن.
1 - أخرج البيهقي عن أبي هريرة: »صومكم يوم تصومون، وأضحاكم يوم تضحون «.
2 - والترمذي عنه: » الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون« .
3 - وأبو داود والبيهقي عنه : » فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون. وكل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج(1) مكة منحر، وكل جمع(2) موقف « .
4 - والشافعي عن عطاء مرسلاً : » فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون. وعرفة يوم تعرفون « .
5 - والترمذي عن عائشة : » الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس « (3).
  
----------
(1) الفجاج : جمع فج، الطريق.
(2) جمع : اسم للمزدلفة .
(3) يستفاد من هذه الأحاديث ما قاله العلماء رحمهم الله تعالى من أنهم لو شهدوا بعد غروب شمس ثلاثين رمضان أنهم رأوا الهلال الليلة الماضية لم يصغ القاضي لشهادتهم إذ لا فائدة لها، إلا أن العيد يصلى من الغد قضاء، وليس كذلك، بل يصلى من الغد أداء، لما تقرر أن يوم العيد ليس هو أول شوال مطلقاً، بل قد يكون ثانيه كما في هذه الصورة، لأنه اليوم الذي يعيد الناس فيه. وهم في هذه الصورة لا يتصور تعييدهم في الأول، وإنما يتصور في الثاني، فكان هو العيد بنص تلك الأحاديث، وبنص خبر أبي داود والنسائي ـ رحمهما الله تعالى ـ : » أن ركباً جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا يغدون إلى مصلاهم – أي لصلاة العيد – وكذا يقال فيما لو غلطوا في هلال ذي الحجة، بأن غم عليهم فوقفوا يوم العاشر فيجزئهم ما لم يقلوا على خلاف العادة، ويصير عيد الناس حينئذ يوم الحادي عشر. وصدق هنا أن يوم عرفة ليس هو يوم التاسع، بل قد يكون يوم العاشر. وأن يوم الأضحى ليس هو يوم العاشر، بل قد يكون يوم الحادي عشر. وإنما لم يجزئ كل من الثلاثة لو غلطوا بتقديمه، لأن تقديم العبادة على وقتها يمنع صحتها إلا لعارض، كجمع التقديم بشروطه، بخلاف تأخيرها عن وقتها فإنه لا يمنع صحتها مطلقاً، فكان أقرب إلى الاعتداد به من التقديم. والله أعلم.

الإدارة
13-11-2003, 12:55
الفصل الرابع
في بيان أن شهر رمضان يكون ناقصاً تارة ، وتاماً أخرى
قد صح في الروايات السابقة: أن الناس يصومون لرؤيته ويفطرون لرؤيته. وأن الشهر يكون تسعة وعشرين، ويكون ثلاثين، وأن ذلك جار في رمضان وغيره بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر السابق، بعد أن أخبر أن الشهر تسعة وعشرون: » صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته « . ومر في رواية النسائي : » ثم صوموا رمضان ثلاثين إلا أن تروا الهلال قبل ذلك « أي الثلاثين .
وصح عن ابن مسعود وأبي هريرة وعائشة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ : » صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعاً وعشرين أكثر ما (1) صمنا معه ثلاثين « (2).
  
--------------
(1) لعله » أكثر مما صمنا « كما يفيده السياق .
(2) قال بعض الحفاظ رحمهم الله تعالى : صام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة رمضانات، منها رمضانان فقط ثلاثون ثلاثون وقيل واحد. وقيل خمسة. قال الأجهوري رحمه الله تعالى :
وفرض الصيام ثاني الهجرة فصـام تسعـة نبي الرحمـة
فأربعاً تسعاً وعشرين وما زاد علـى ذا بالكمـال اتسما
كذا لبعضهم وقال الهيتمي ما صام كاملاً سوى شهر علم
وللديمري أنه شهــران وناقص سواه خذ بيــــان
» فإن قيل " : روى الشيخان ـ رحمهما الله تعالى ـ حديث » شهرا عيد لا ينقصان : رمضان وذو الحجة « وأحاديث هذا الفصل تثبت أن رمضان يكون ناقصاً تارة وتاماً أخرى … أجيب « : بأن معناه لا ينقص ثوابهما، بل هو كامل وإن نقص عددهما، فالثواب معلق بالنقص والإتمام كما تقدم. قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: كل فضيلة ثبتت لرمضان فهي له سواء انقص أم تم..اهـ.
وتسمية رمضان بشهر عيد: لمجاورته ليوم العيد، إذ بخروجه تعقبه ليلة العيد، ويصح أن يكون فيه عيد، وهو ما يحصل للصائمين فيه من مزيد الثواب والقبول، كما أن يوم الجمعة سمي عيداً كذلك. والله أعلم.

الإدارة
13-11-2003, 13:06
الفصل الخامس في بيان ثبوت رمضان بخبر العدل الواحد
1 - قال جابر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال؟ - قال الحسن في حديثه : يعني هلال رمضان - فقال : » أتشهد أن لا إله إلا الله « قال : نعم . قال : » أتشهد أن محمداً رسول الله « قال : نعم. قال : » يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غداً « .
وفي رواية عن عكرمة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنهم شكوا في هلال رمضان مرة، فأرادوا أن لا يقوموا ولا يصوموا . فجاء أعرابي من الحرة يشهد أنه رأي الهلال، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: » أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله « ؟ قال : نعم. وشهد أنه رأي الهلال، فأمر بلالاً فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا « رواه أبو داود وقال: رواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلاً، ولم يذكر القيام إلا حماد بن سلمة. قال أبو داود: هذه الكلمة لم يقلها إلا حماد » وأن يقوموا « لأن قوماً يقولون القيام قبل الصيام.
وفي رواية الترمذي قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أني رأيت الهلال : قال: » أتشهد أن لا إله إلا الله، أتشهد أن محمداً رسول الله « ؟ قال : نعم. قال : » يا بلال … أذن في الناس أن يصوموا غداً « قال الترمذي : روي عن عكرمة مرسلاً .
وأخرجه النسائي بلفظ الترمذي إلا أنه قال : » وأن محمداً عبده ورسوله « . وله في رواية أخرى: فنادى النبي صلى الله عليه وسلم: » أن صوموا « .
2 - وأخرج أبو داود عن ابن عمر قال : تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته: فصام وأمر الناس بصومه(1).

  
-----------------
(1) في هذه الأحاديث دليل على قبول خبر الواحد في الصوم، وأن الأصل في المسلمين العدالة. إذ لم يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الأعرابي إلا الشهادة، وأنه يكفي في الإيمان الإقرار بالشهادتين، ولا يلزم أن يصرح بالتبري من جميع الأديان. والله أعلم.

الإدارة
13-11-2003, 13:15
1 - أخرج أبو داود : أن أمير مكة قال : عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك(1) لرؤيته ، فإن لم نره وشهد به شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما . قال : فسألت الحسن بن الحارث : من أمير مكة ؟ قال: لا أدري. ثم لقيني بعد فقال: الحارث بن حاطب أخو محمد ابن حاطب . ثم قال : الأمير ! فإن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني، وقد شهد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأومأ (2) بيده إلى رجل، فقلت لشيخ إلى جنبي : من هذا الذي أومأ إليه الأمير ؟ قال : عبد الله بن عمر، وصدق، كان أعلم بالله عز وجل منه، فقال: بذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2 - وأخرج النسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب : أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال : ألا أني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم، وأنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : » صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين، وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا « (3) .
  
-----------------------
(1) النسك : العبادة، والمراد بها هنا الصوم .
(2) أومأ : أي أشار .
(3) قد أجاب صاحب الأصل ـ رحمه الله تعالى ـ عن هذه الأحاديث التي تقتضي: أنه لابد في ثبوت رمضان من شاهدين بقوله: ووجه الجواب عن ذلك: بأن ذكر قبول الشاهدين لا يمنع قبول الواحد إلا من حيث مفهوم الشرط وفيه خلاف. وعلى التنزل فمحل العمل بهذا المقتضى إذا لم يصح في قبول الواحد شيء. وأما بعد أن صح الحديثان السابقان فلا مجال لرده. والله اعلم .

الإدارة
13-11-2003, 13:19
الفصل السابع في بيان أن القرائن قد يكون لها دخل في رؤية الهلال، وأن الرؤية لا يعتد بها إلا بعد الغروب، وأن رؤيته نهاراً لليلة المستقبلة
1 - أخرج الخطيب عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما - لكن بسند فيه ساقط متهم - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » إذا غاب القمر في الحمرة فهو لليلة. وإن غاب في البياض فهو لليلتين « (1).
2 - وروى الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح عن شقيق ابن سلمة قال: جاءنا كتاب عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ ونحن بخانقين(2) أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس .
3 - وقد رئي الهلال زمن عثمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ بعشي فلم يفطروا حتى أمسى.. رواه مالك بلاغاً، ولا مخالف لهما(3).
  
----------------------
(1) فيه إن صح : دليل للعمل في الرؤية بالقرائن، وبه أخذ شريح والهروي رحمهما الله تعالى في قولهما: لابد من ذكر الشاهد صفات الهلال، حتى إذا رئي في الليلة الثانية بخلاف ما قاله بان كذبه. قال صاحب الأصل رحمه الله تعالى: والذي يتجه أن ذكر ذلك لا يجب، والله أعلم.
(2) خانقين : قرية بالعراق .
(3) ولا مخالف لهما: أي لعمر وعثمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال بعضهم: وروى ذلك عن علي وابن مسعود وأنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ م، ولا مخالف لهم. والله أعلم.

الإدارة
13-11-2003, 13:21
الفصل الثامن في اختلاف البلاد في الرؤية
1 - عن كريب: أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال يوم الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر. فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال : أنت رأيته ؟ قلت : نعم. ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا ، هكذا(1) أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - شك أحد رواته في نكتفي أو تكتفي - أخرجه مسلم. وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وكلهم قالوا: » فرأيت الهلال ليلة الجمعة « . ولذي في كتاب لحميدي : » يوم الجمعة «
قال النسائي: » أو لا تكتفي برؤية معاوية وأصحابه « ؟ .
وقال الترمذي: » فقلت رآه الناس وصاموا، ولم يقل عن نفسه أنه رآه « .
2 - وعن أبي البختري قال: خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث. وقال بعض القوم : هو ابن ليلتين. قال: فلقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم : هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال : أي ليلة رأيتموه؟ قلنا: ليلة كذا وكذا. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم » مده للرؤية « فهو لليلة رأيتموه.
وفي رواية : قال أبو البختري: أهللنا رمضان ونحن بذات عرق، فأرسلنا رجلاً إلى ابن عباس يسأله. فقال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » إن الله قد أمده لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة « أخرجه مسلم.
  
----------------
(1) قال صاحب الأصل رحمه الله تعالى: واختلفوا في قول ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم« فقيل: أراد قوله: » صوموا لرؤيته« الخبر. وقيل : هو حفظه لحديث أخص منه في هذه الحادثة. قال ابن دقيق العيد " ويمكن أنه أراد بذلك هذا العام أي خبر » صوموا لرؤيته « لا حديثاً خاصاً بهذه المسألة، وهو الظاهر عندي اهـ.
ثم الذي دل عليه حديثه: أنه لا يجب على من لم يروه الصوم برؤية غيرهم إذا تباعد محلاهما، وهو الأصح من مذهبنا. واختلفوا في ضباط التباعد، والأصح ضبطه باختلاف المطالع، وصححه النووي في جميع كتبه إلا في شرح مسلم فإنه تبع فيه الرافعي على أن القريب ما كان دون مسافة القصر. وفي وجه صححه جماعة: الوجوب مطلقاً، ونقله ابن المنذر عن أكثر العلماء. نعم نقل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد جدا كالأندلس من خراسان. وصوبه القرطبي، وحمل إطلاق غيره الوجوب على البلاد المتقاربة، لكن قال الأذرعي : كلام أصحابنا مصرح بخلاف ذلك. والله أعلم .

الإدارة
13-11-2003, 13:35
الفصل التاسع
في أذكار تقال عند رؤية الهلال
1 - أخرج الدارمي في مسنده، وابن حبان في صحيحه بسند صحيح: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول : » الله أكبر. اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله « . وفي رواية : » ربنا « وفي أخرى » اليمن « بدلا » الأمن « .
2 - وأخرج أحمد : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول : » اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله( ) هلال رشد وخير « رواه الترمذي وقال : حديث حسن.
3 - وأخرج أبو داود مرسلاً : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول : » هلال رشد وخير - مرتين - آمنت بمن خلقك - ثلاث مرات - الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا « .
4 - وأخرج النسائي : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رأي هلال رمضان قال : هلال رشد وخير ، هلال رشد وخير، آمنت بالذي خلقك «.
5 - وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا دخل شهر رمضان : » اللهم سلمني من رمضان، وسلم رمضان لي، وسلمه مني « (2).
6 - وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول : » آمنت بالذي خلقك - ثلاث مرات - الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا « .
7 - وأخرج أحمد : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم إذا رأى الهلال: » الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم إني أسألك خير هذا الشهر. وأعوذ بك من شر القدر ومن شر المحشر.
--------------------
(1) ربي وربك الله : فيه رد على من كان يسجد للقمر من دون الله تعالى .
(2) المعنى : اللهم سلمني من رمضان حتى لا يصيبني فيه ما يحول بيني وبين صومه من مرض أو غيره، وسلمه لي حتى لا يغم هلاله عليَّ في أوله وآخره فيلتبس عليَّ الصوم والفطر. وسلمه مني أي اعصمني من العاصي فيه، أو المعنى سلمني من رمضان حتى لا يشهد علي بما قصرت فيه، وسلمه لي بأن تعطيني ثوابه وافراً، وسلمه مني بأن لا أفعل ما يبطل ثوابه. وهذا منه صلى الله عليه وسلم تشريع لأمته.

الإدارة
13-11-2003, 13:46
الفصل العاشر
في وقت النية، وفيه نوعان
- النوع الأول - في وقت النية في الفرض :
1 - أخرج أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن حفصة ـ رضي الله تعالى عنها ـ : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » من لم يجمع(1) الصيام قبل الفجر فلا صيام له « .
2 - والدارقطني والبيهقي عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها : » من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له « .
3 - والنسائي عن حفصة : » من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له « .
4 - وابن ماجه عن حفصة : » لا صيام لمن لم يفرضه من الليل « .
5 - والدارقطني وابن النجار عن ميمونة بنت سعد : » من أجمع الصوم من الليل فليصم. ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم « .
النوع الثاني - في وقت النية في النفل :
1 - قالت عائشة ـ رضي الله تعالى عنها: قال لي رسول الله صلى الله عيه وسلم ذات يوم: » يا عائشة .. هل عندكم شيء «؟ قالت : فقلت: يا رسول الله .. ما عندنا شيء، قال: » فإني صائم « قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأهديت لنا هدية أو جاءنا زور(2)، قالت: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله .. أهديت لنا هدية أو جاءنا زور، وقد خبأت لك شيئاً. قال: » ما هو « ؟ قالت: حيس(3)، قال: » هاته «. فجئت به فأكل ثم قال: » قد كنت أصبحت صائماً « .
وفي رواية أخرى قالت: دخل علىَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: » هل عندكم من شيء « ؟ فقلت : لا . فقال: » إني إذن صائم « ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا : يا رسول الله .. أهدي لنا حيس. فقال : » أرنيه فلقد أصبحت صائماً« فأكل. أخرجه مسلم.
2 - وأخرج النسائي الثانية وزاد في آخرها: فقلت: يا رسول الله .. دخلت عليًّ وأنت صائم ، ثم أكلت حيساً، قال: » نعم يا عائشة، إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في غير قضاء رمضان في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه، وبخل بما بقي فأمسكه « .
وفي رواية الترمذي: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: » هل عندكم من شيء« ؟ قالت : قلت : لا . قال: » فإني صائم « .
وفي أخرى قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيني فيقول: » أعندك غداء «(4) فأقول: لا ، فيقول : » إني صائم « قالت: فأتاني يوماً، فقلت : يا رسول الله .. إنه قد أهديت لنا هدية؟ قال : » وما هي « ؟ قلت : حيس، قال: » أما أني أصبحت صائماً « قالت: ثم أكل .
وفي رواية لأبي داود قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليًّ قال : » هل عندكم طعام « ؟ فإذا قلنا: لا ، قال: » إني صائم « زاد وكيع: فدخل علينا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله .. أهدي لنا حيس فحبسناه لك، فقال: » أرنيه « قال طلحة : فأصبح صائماً وأفطر.
2 - وعن أم هانئ ـ رضي الله تعالى عنها قالت : كنت قاعدة عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بشراب فشرب منه، ثم ناولني فشربت فقلت: أني أذنبت فاستغفر لي. فقال: » وما ذاك « ؟ قالت : كنت صائمة فأفطرت. فقال: » أمن قضاء كنت تقضينه « ؟ قالت : لا . قال » فلا يضرك « . وفي رواية قال: » الصائم المتطوع أمير نفسه. إن شاء صام وإن شاء أفطر « .
وفي أخرى: » أمير أو أمين « على الشك. أخرجه الترمذي. وفي رواية لأبي داود: لما كان يوم الفتح - فتح مكة - فجاءت فاطمة فجلست على يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم هانئ عن يمينه. قال: فجاءت الوليدة(5) بإناء فيه شراب فناولته فشرب منه، ثم ناوله أم هانئ فشربت منه فقالت: يا رسول الله .. لقد أفطرت وكنت صائمة؟ فقال لها : » أكنت تقضين شيئاً « ؟ قالت : لا . قال : » فلا يضرك إن كان تطوعاً « (6)
  
-----------------------
(1) يجمع – بضم أوله مع التخفيف، أو التشديد - : أي ينوي ويعزم. والتبييت : أن ينوي الصيام بين غروب الشمس وطلوع الفجر لكل يوم على انفراده عند الشافعي وأحمد. وعند مالك تكفي النية أول الشهر. وعند أبي حنيفة تصح النية في رمضان إلى ما قبل نصف النهار وهو الضحوة الكبرى، مستدلاً بأن رمضان ظرف لا يسع غيره. واتفقوا جميعاً على اشتراط التبييت في فرض لم يتعلق بزمان معين، وذلك ما عدا رمضان والنذر المعين كالقضاء والكفارة والنذر المطلق، واختلفوا أيضاً في تعيين النية في رمضان فقال الثلاثة بوجوبها، وقال أبو حنيفة: يكفي في رمضان مطلق النية، بل لو نوى النفل أجزاه عنده عن رمضان. والله أعلم.
(2) الزور – بفتح أوله – : الزائر والضيف .
(3) الحيس : دقيق مخلوط بتمر وسمن. وقيل: تمر وسمن واقط.
(4) الغداء – بفتح أوله وبالدال المهملة - : ما يؤكل قبل الزوال.
(5) الوليدة : الأمة .
(6) هذه الأحاديث المذكورة في هذا النوع صريحة في أن صوم النفل لا يشترك في نيته تبييت، بل يكفي بعد الفجر، ويستمر إلى الزوال، فلا يكفي إن تأخرت عنه بدليل الخبر الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة ـ رضي الله تعالى عنها فقال:
» أعندك غداء « ؟ قالت : لا . قال: » إني صائم « . والغداء: ما يؤكل قبل الزوال. وشرط إجزاء نية النفل قبل الزوال أن لا يسبقها ما ينافي الصوم من أكل وشرب ونحوهما. وصريحة أيضاً في جواز الخروج من صوم التطوع، والله أعلم.

الإدارة
13-11-2003, 14:09
الفصل الحادي عشر
في بيان ما يفسد الصوم الذي هو الإمساك المخصوص بالنية وما لا يفسده ، وكل منهما أنواع
النوع الأول - القيء :
1 - أخرج الترمذي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: » من ذرعه القيء - أي غلبه وهو بالمعجمة - فليس عليه قضاء. ومن استقاء عمداً فليقض « .
2 - وأبو داود : » من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض « .
3 - وأبو داود أيضاً ونحوه الترمذي عن سعدان بن طلحة : أن أبا الدرداء حدثه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم » قاء فأفطر « قال: فلقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد دمشق فقلت: أن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم » قاء فأفطر « قال: صدق، وأنا صببت له وضوءاً(1).
4 - وأبو داود : » من ذرعه القيء وهو في شهر رمضان فلا يفطر، ومن تقايأ عمداً فقد أفطر « .
  
النوع الثاني - إيصال عين إلى الجوف(2):
1 - أخرج الترمذي وصححه عن لقيط بن صبرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه قال: قلت: يا رسول الله .. أخبرني عن الوضوء. قال: » أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع. وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً « .
2 - وأخرج البيهقي بإسناد حسن أو صحيح عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ ما قال: » إنما الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل، وإنما الفطر مما يدخل وليس مما يخرج « أي الأصل ذلك.
  
النوع الثالث - الحجامة :
1 - قال صلى الله عليه وسلم: » أفطر الحاجم والمحجوم « (3).
  
النوع الرابع - الجماع (4) والاستمناء(5) ومقدماتهما:
1 - أخرج الطبراني عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ: أنه صلى الله عليه وسلم قال: » كل شيء للرجل من المرأة في صيامة ما خلا ما بين رجليها « أي الجماع ، ويضم إليه ما في معناه (6).
2 - وأخرج الطبراني عن ثوبان ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » ثلاث لا يمنعهن الصائم: الحجامة ، والقيء ، والاحتلام. ولا يتقيأ الصائم عمداً « .
3 - والديلمي عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » ثلاث لا يعرض أحدكم نفسه لها وهو صائم: الحمام، والحجامة، والنظر إلى المرأة الشابة « .
4 - والدارقطني في الإفراد عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصائم يقبل زوجته؟ فقال: » إنما هي ريحانة تشمها، ولا بأس بذلك « .
5 - وأخرجه الحاكم في الكني عنه بلفظ: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يقبل امرأته في رمضان ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: » لا بأس بريحانة يشمها « .
6 - وعن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ : قالت: » كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل بعض أزواجه وهو صائم، ثم ضحكت « رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود. قالت : » وكان أملككم لأربه « (7)
7 - وروى النسائي عنها قالت: أهوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقبلني فقلت: أني صائمة! فقال: » وأنا صائم « فقبلني.
8 - وفي رواية لمسلم عنها: أنه صلى الله عليه وسلم » كان يقبلها وهو صائم، وكان أملككم لأربه. وأنه كان يباشر وهو صائم « وفي أخرى له : » كان يقبل وهو صائم في رمضان « .
وفي أخرى له: » كان يقبل وهو صائم. ويباشر وهو صائم. ولكنه كان أملككم لأربه «.
9 - وفي أخرى للترمذي : » كان يباشرني(8) وهو صائم. وكان أملككم لأربه« .
10 - وفي أخرى لمسلم: أن عمر بن أبي سلمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: » سل هذه « لأم سلمة. فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. فقال له: يا رسول الله .. قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: » أما والله أني لأتقاكم لله وأخشاكم له « .
11 - وأخرج مالك ـ رحمه الله تعالى ـ في الموطأ : أن رجلاً قبل(9) امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وجدا شديداً، فأرسل امرأته فسألت أم سلمة عن ذلك، فأخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، فأخبرت زوجها فزاده ذلك شراً وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم. أن الله يحل لرسوله ما شاء. ثم بعث امرأته إلى أم سلمة فوجدت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ما لهذه المرأة «؟ فأخبرته أم سلمة فقال : » ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك « . قالت: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحل الله لرسوله ما شاء. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: » والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده « .
12 – وأخرج أبو داود عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال : هششت(10) فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله.. صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم! قال: » أرأيت لو مضمضت بالماء وأنت صائم «؟ فقلت: لا بأس. قال: » فمه «؟ (11).
13 - وأخرج أبو داود. أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له. وأتاه آخر فسأله فنهاه. فإذا الذي رخص له شيخ. وإذا الذي نهاه شاب.
14 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان يرخص فيها للشيخ الكبير، ويكرهها للشاب. أخرجه في الموطأ. وهذا لفظه: » أنه سئل عن القبلة للصائم؟ فأرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب « .
15 - وأخرج البيهقي وصححه: أنه صلى الله عليه وسلم » رخص في القبلة للشيخ وهو صائم، ونهى عنها الشاب، وقال : الشيخ يملك إربه والشاب يفسد صومه« قال البيهقي يعني بإفساد صومه : أنه ربما ينزل فيفسد صومه بالإنزال.
  
النوع الخامس - الاكتحال :
1 - أخرج البيهقي والديلمي: أنه صلى الله عليه وسلم قال: » لا تكتحل وأنت صائم بالإثمد. اكتحل بالليل، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر « .
2 - وأخرج البيهقي: أنه صلى الله عليه وسلم » كان يكتحل بالإثمد وهو صائم «(12) قال البيهقي في بعض رواته : ليس بالقوي، لكن أخرج له الحاكم في مستدركه ووقفه.
  
النوع السادس - الأكل أو الشرب أو الجماع أو التقيؤ - مع النسيان أو الجهل بالحكم ، أو مع الإكراه :
1 - أخرج الشيخان: أنه صلى الله عليه سلم قال: » من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم، فإنما أطعمه الله وسقاه « .
وفي رواية البخاري: » فأكل وشرب « بالواو. زاد ابن حبان في صحيحه وغيره » ولا قضاء عليه « .
2 - وأخرج ابن حبان والدارقطني والحاكم وغيره وصححوه: » من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة « .
3 - وأخرج الطبراني عن أم إسحاق الغنوية قالت : كنت صائمة فنسيت فأكلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » لا بأس عليك، إنما هو رزق ساقه الله إليك فأتمي صومك « .
وفي رواية لأحمد: » أتممي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك « .
4 - وأخرج الدارقطني وصححه عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » إذا أكل الصائم ناسياً أو شرب ناسياً. فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه « .
5 - وأخرج أيضاً عن أبي سعيد وضعفه: » من أكل في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه. إن الله أطعمه وسقاه « .
6 - وأخرج الترمذي : » من أكل وشرب ناسياً فلا يفطر، فإنما هو رزق رزقه الله « .
7 - وأبو داود : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله .. أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم، فقال: » الله أطعمك وسقاك « .
8 - وفي الحديث المشهور : » أن الله رفع (13) عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه« (14).
  
خاتمة - تتعلق بأحكام السواك للصائم، وما ورد فيه من الأحاديث :
1 - أخرج أبو داود والترمذي وحسنه، عن عامر بن ربيعة أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أعد ولا أحصي .
2 - وأخرج ابن ماجة : أنه صلى الله عليه وسلم قال: » خير خصال الصائم السواك « (15)
  
-----------------------
(1) وضوء – بفتح الواو - : أي ماء. قال الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى في مختصر سنن أبي داود: وقد روى البيهقي من حديث فضالة بن عبيد قال: » أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً فقاء فأفطر فسئل عن ذلك؟ فقال: » بأني قئت« .
(2) إيصال عين إلى الجوف: أي عمداً مع الاختيار والعلم بالتحريم.
(3) هذا الحديث متواتر كما قال صاحب الأصل رحمه الله تعالى: أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم رحمهم الله تعالى عن ثوبان ـ رضي الله تعالى عنه ـ ، وأخرجوه وغيرهم عن غيره من الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم، فمن أحب الإطلاع على طرقه فليراجع الأصل.
أخذ بقضية هذا الحديث كثير منهم الإمام أحمد وغيره، وجماعة من الشافعية رحمهم الله تعالى فقالوا: يفطر الحاجم والمحجوم، ويلزمهما القضاء.
وقال الجمهور ومنهم الشافعي: لا يفطر واحد منهما، لما روي البخاري ومسلم عن ابن عباس : أنه صلى الله عليه وسلم » احتجم وهو صائم « قال الشافعي رحمه الله تعالى : وحديث ابن عباس أمثلهما إسناداً فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلى احتياطاً .. اهـ
قال ابن حزم رحمه الله تعالى: صح حديث » أفطر الحاجم والمحجوم « بلا ريب، ولكن وجدنا من حديث أبي سعيد » أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم « وإسناده صحيح فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء أكان حاجماً أم محجوماً ..اهـ.
وقيل : معنى » أفطرا « أي فعلاً مكروهاً هو الحجامة، فصارا كأنهما غير متلبسين بالعبادة، أو أنهما كانا يغتابان في صومهما كما رواه البيهقي رحمه الله تعالى. والمعنى : ذهب أجرهما.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: المراد بإفطارهما: تعرضهما للإفطار. أما الحاجم: فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص. وأما المحجوم : فلأنه لا يأمن من ضعف قوته بخروج الدم فيئول إلى الإفطار .. اهـ، والله أعلم.
(4) الجماع: أي عمداً مع الاختيار والعلم بالتحريم، سواء أنزل مني أم لا .
(5) الاستمناء: هو طلب خروج المني، فإنه مع خروجه مفطر للصائم، سواء أكان حراماً كإخراجه بيده، أو حلالاً كإخراجه بيد زوجته أو جاريته ولو بحائل. حيث كان عامداً عالماً بالتحريم مختاراً، وأما إنزال المني بمباشرة بنحو لمس أو قبلة بلا حائل حال اليقظة مع العمد والعلم والاختيار فمفطر. بخلاف خروجه في نوم أو بنظر أو فكر أو لمس أو قبلة بحائل فإنه لا يفطر ولو بشهوة في الخمسة لانتفاء المباشرة. ولا أثر للإمذاء بمباشرة عند الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى، خلافاً لمالك وأحمد رحمهما الله تعالى. وكذا يبطل الصوم بخروج أدنى مجة من حيث أو نفاس إلى ما يجب غسله من الفرج، وبولادة ولو لعلقة ولو بلا بلل، وبجنون وبإغماء إن استغرق جميع النهار، وبردة عن الإسلام أعاذنا الله منها أمين.
(6) ما في معناه : أي من الاستمناء وإنزال المني بمباشرة شروطهما المتقدمة .
(7) قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: أكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون به الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان: (أحدهما) أنه الحاجة. يقال فيه: الإرب والأرب والأربة والمأربة .
(والثاني) أرادت به العضو وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة. وقوله : » ثم ضحكت « قيل: يحتمل ضحكها التعجب ممن خالف في هذا. وقيل: تعجبت من نفسها، إذ حدثت بمثل هذا مما يستحي النساء من ذكر مثله للرجال، ولكنها ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك. وقد يكون خجلاً لإخبارها عن نفسها لمكانتها من النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته لها. وقد روى ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام في هذا الحديث » فضحكت « فظن أنها هي.
(8) المراد المباشرة: الملامسة والملاعبة، ومقدمات الجماع.
(9) قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: التقبيل : البوس.
(10) هششت : أي مالت نفسي إليه، وفرحت به.
(11) فمه : أي فماذا عليه ؟ والهاء للسكت. أو بمعنى : اسكت .
(12) فيه دليل لمذهب الشافعية والحنفية: أن الاكتحال للصائم جائز وإن وجد طعمه وأثره بحلقه، لأنه لم يصل إلى الجوف من منفذ مفتوح، وإنما وصل إليه من المسام، فكان كالانغماس في الماء، وطلاء البدن بالدهن، لكن تركه أولى. وعن مالك وأحمد ـ رحمهما الله تعالى ـ أنه متى وصل إلى الحلق أفطر.
(13) في الجامع الصغير: » أن الله وضع عن أمتي .. « الحديث. رواه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
(14) دلت هذه الأحاديث أنه لا فطر على الناسي والجاهل والمكره سواء أكانوا كثيراً أم قليلاً، وكذا لا قضاء ولا كفارة، وإنما بطلت الصلاة بكثير نحو الأكل مطلقاً، لأن لها هيئة تذكر المصلي أنه في صلاة فيندر فيها تعاطي الكثير فلم يسامح به. بخلاف الصوم.
(15) حمل الشافعية هذين الحديثين على الاستياك قبل الزوال، وكرهوه بعده، لأن في الاستياك بعد الزوال إزالة للخلوف المحمود بقوله صلى الله عليه وسلم: » لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك « مع خبر الدارقطني والطبراني عن خباب ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، فانه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كان نوراً بين عينيه يوم القيامة « . وذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم الكراهة، واختاره النووي رحمه الله تعالى في مجموعة، وحكى قولاً للشافعي رحمه الله تعالى.

الإدارة
13-11-2003, 14:24
الفصل الثاني عشر
في آداب الصوم ومسنوناته
- (فمنها) المبادرة بالفطر عند تحقق الغروب.
1 - عن عبد الله بن أبي أوفى ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: » يا بلال أنزل فاجدح لنا«. قال: يا رسول الله .. إن عليك نهاراً. قال: » أنزل فاجدح لنا « قال: فنزل فجدح(1) فأتى به فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال بيده: » إذا غابت الشمس من ههنا وجاء الليل من ههنا فقد أفطر الصائم « رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم: فلما غابت الشمس قال لرجل: » أنزل فاجدح لنا « فقال: يا رسول الله .. لو أمسيت ؟ فقال: أنزل فاجدح لنا، قال: إن علينا نهاراً فنزل فجدح له فشرب، ثم قال: » إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا - وأشار بيده نحو المشرق - فقد أفطر الصائم « .
وفي أخرى للبخاري: قال لرجل : » أنزل فاجدح لنا « قال:لو انتظرت حتى تمسي. قال: » أنزل فاجدح لي. إذا رأيت الليل أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم « .
وفي أخرى لأبي داود فلما غربت الشمس قال: » يا بلال .. أنزل فاجدح لنا « قال : يا رسول الله لو أمسيت ؟ قال: » أنزل فاجدح لنا « . قال : يا رسول الله .. لو أمسيت؟ قال:» أنزل فاجدح لنا « قال: يا رسول الله .. إن عليك نهاراً. قال: » أنزل فاجدح لنا « فنزل فجدح فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: » إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم « وأشار بأصبعه قبل المشرق .
2 - وعن سهل بن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: » لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر « (2) رواه البخاري ومسلم.
3 - وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون « رواه أبو داود.
4 - وعن مالك بن عامر قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله تعالى عنها ـ فقلت: يا أم المؤمنين، رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة؟ قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله بن مسعود، قالت: كذا كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية: والآخر أبو موسى. وفي أخرى قال لها مسروق: رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كلاهما لا يألو عن الخير. أحدهما يعجل المغرب والإفطار، والآخر يؤخر المغرب والإفطار. فقالت: من يعجل المغرب والإفطار؟ قال: عبد الله، فقالت: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع. رواه مسلم والنسائي. إلا أنه لم يسم المغرب وقال الصلاة .
5 - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » إنّا معشر الأنبياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا، ونضع إيماننا على شمائلنا في الصلاة « رواه أبو داود والطيالسي والطبراني.
6 - وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » بكروا بالإفطار وأخروا السحور « رواه ابن عدي.
7 - وعن حكيم بن حزام ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » عجلوا الإفطار وأخروا السحور « رواه الطبراني.
8 - وعن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » قال الله تعالى: أحب عبادي إلى أعجلهم فطراً « رواه الترمذي وأحمد وابن حبان. وقال الترمذي : حسن غريب.
9 - وأخرج ابن عساكر: » من فقه الرجل في دينه تعجيل فطره « .
10 – وعن أبي الدرداء ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » لن تزال أمتي على سنتي ما لم ينتظروا بفطرهم طلوع النجوم « رواه الطبراني .
11 - وعن سهل بن سعد: » لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم « رواه ابن خزيمة والحاكم (3).
  
----------------------
(1) الجدح : هو خلط الشيء بغيره، والمراد هنا : خلط السويق بالماء وتحريكه حتى يستوي .
(2) تعجيل الفطر: بشرط تيقن غروب الشمس .
(3) استفيد من هذه الأحاديث: أنه يسن للصائم إذا تحقق غروب الشمس أن يبادر إلى تناول مفطر، وأنه يسن تقديمه على الصلاة للحديث الصحيح: » أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي حتى يأتيه رطب وماء فيأكل « ولما فيه من تفريغ البال للصلاة. وأن في هذه الأحاديث أبلغ رد على الذين يستحبون تأخير الفطر إلى ظهور النجم. والله أعلم.

الإدارة
13-11-2003, 14:31
(ومنها) إيثار الإفطار من بين سائر المأكولات والمشروبات على رطب ثم تمر ثم ماء :
1 - أخرج جماعة عن أنس: أنه صلى الله عليه وسلم » كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات. فإن لم يجد رطبات فتمرات، فإن لم يجد تمرات حسا حسوات(1) من ماء « حسنة الترمذي. وقال الدارقطني إسناده صحيح. وقال الحاكم. على شرط مسلم.
2 - وفي الثقات لابن حبان: أنه صلى الله عليه وسلم: » كان إذا كان صائماً في الصيف لم يصل حتى يأتيه رطب وماء فيأكل. وإذا كان صائماً في الشتاء لم يصل حتى يأتيه تمر وماء « .
3 - وأخرج ابن حبان عن سلمان بن عامر: أنه صلى الله عليه وسلم قال: » إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليحس حسوة من ماء « .
4 - وأخرج الطيالسي وأبو داود والحاكم والبيهقي عنه : » إذا كان أحدكم صائماً فليفطر(2) على التمر، فإن لم يجد فعلى الماء فإن الماء طهور « .
5 - والترمذي والنسائي وابن خزيمة والحاكم والبيهقي » من وجد تمراً فليفطر عليه، ومن لم يجد فليفطر على الماء فإنه طهور « .
6 - وأحمد وأبو داود والنسائي. والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن حبان وصححه، والحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين: أنه صلى الله عليه وسلم قال: » إذا كان أحدكم صائماً فليفطر على تمر، فإن لم يجد التمر فليفطر على الماء فإنه طهور « رواه الشافعي في الإملاء ولفظه: » فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يكن فماء فإنه طهور « .
  
-----------------
(1) حسا حسوات: أي شرب شربات من ماء. وعلم من الحديث: أن السنة الفطر على رطب أو تمر أو ماء، وأن الأفضل تقديم الرطب على التمر إذا وجدهما، وهو ما صرح به النووي رحمه الله تعالى في رياض الصالحين، واعتمده في المهمات.
(2) فليفطر على التمر: الأمر فيه للندب، وإنما شرع الإفطار بالتمر لأنه بركة كما في حديث الشافعي الآتي، ولأنه يقوي البصر الذي يضعف بالصوم ، ويرحم الله القائل :
فطور التمر سنـــة رســول الله سنــة
ينال الأجر شخــص يحلى منـه سنـــة

الإدارة
13-11-2003, 14:39
(ومنها) الأذكار التي تقال عقب الفطر :
1 - عن معاذ بن زهرة: بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال: » اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت « رواه أبو داود في سننه .
2 - وأخرج ابن السني والطبراني في المعجم الكبير بسند واه جداً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: كان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: » اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، فتقبل مني إنك أنت السميع العليم « . أخرجه الدارقطني بلفظ: » اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم « .
وفي رواية له: » إذا قرب لأحدكم طعام وهو صائم فيلقل: بسم الله والحمد لله، اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وعليك توكلت، سبحانك وبحمدك، تقبل مني إنك أنت السميع العليم «.
3 - وعن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: » ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى « رواه أبو داود والنسائي.
وكان ابن عمر إذا أفطر قال: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي. زاد ابن رزين في أوله: الحمد لله.
4 - وفي كتاب ابن السني عن معاذ بن زهرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: » الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت « .
وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: » يا واسع الفضل اغفر لي « .

الإدارة
13-11-2003, 14:46
الباب الثاني: الفصل الثاني عشر في آداب الصوم ومسنوناته (الأذكار التي تقال ..-الوصال-
ومما يتعلق بهذا المبحث : الكلام على الوصال (1)
1 - أخرج الشيخان عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: أنه صلى الله عليه وسلم » نهى عن الوصال « قالوا: إنك تواصل؟ قال: » إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى « وفي رواية للبخاري: أنه صلى الله عليه وسلم » واصل فواصل الناس، فشق عليهم فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يواصلوا « قالوا: إنك تواصل؟ قال: » إني لست كهيئتكم، إني أظل أطعم وأسقى « .
2 - وفي رواية أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ: واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك فقال: » لو مد لنا الشهر لواصلنا الشهر حتى يدع المتعمقون(2) تعمقهم، إنكم لستم مثلي - أو قال لست مثلكم - إني أظل يطعمني ربي ويسقيني « .
وفي رواية: » لا تواصلوا « قالوا: إنك تواصل؟ قال: » لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى « . رواه الشيخان.
وفي رواية سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من مرسل الحسن: » إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني « (3).
3 - وأخرج الشيخان عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ : نهاهم - وفي رواية البخاري: نهى - صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل؟ فقال: » إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني « .
4 - وأخرج البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: » لو تأخر لزدتكم « كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا.
  
----------------------------
(1) الوصال: هو ترك الأكل والشرب ليلاً بين الصومين عمداً بلا عذر. وحكمة الكراهة عند بعض العلماء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه بعد النهي، فلو كان النهي للتحريم لما أقرهم على فعله، وإنما هو رحمة لهم وتخفيف عليهم، كما صرحت به عائشة في حديثها الأتي.
وقال الأكثرون بالتحريم، لعموم النهي في قوله صلى الله عليه وسلم الأتي: » لا تواصلوا « وقوله : » رحمة « لا يمنع من ذلك ، إذ سبب تحريمه الشفقة عليهم لئلا يتكفلوا ما يشق عليهم.
وأما الوصال بهم يوماً ثم يوماً فاحتمل للمصلحة في تأكيد زجرهم، وبيان الحكمة في نهيهم، والمفسدة المترتبة على الوصال، وهي الملل من العبادة، والتعرض للتقصير في بعض وظائف الدين من إتمام الصلاة بخشوعها وأذكارها، وسائر الوظائف المشروعة في ليله ونهاره. وأيضاً فالليل غير قابل للصوم، فكان الإمساك فيه مخالفاً لوضعه. والله أعلم.
(2) المتعمقون: أي المشددون في الأمور، المجاوزون للحدود فيها.
(3) إني أبيت الخ: المراد به ما يا يغذيه الله به من معارفه، وما يفيضه الله على قلبه من لذة مناجته، وقرة عينة بقربه، ونعيمه بحبه والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء ونعيم الأرواح، فللروح والقلب بها أعظم غذاء وأجله وأنفعه، ولهذا الغذاء عناء عن غذاء الأجسام. ومن له أدنى تجربة وشوق يعل استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني. ولا سيما الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قرت عينه بمحبوبه وتنعم بقربه والرضا عنه. فمحبوبه مكرم له غاية الإكرام مع الحب التام.
أفليس هذا من أعظم غذاء لهذا المحب! فكيف بالحبيب الذي لا شيء أعظم ولا أجل ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحساناً! أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلاً ونهاراً، ولهذا قال: (إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني) . =
= ويؤيد هذا المعنى قول النووي : معناه أن محبة الله شغلتني عن الطعام والشراب. قال: والحب البالغ يشغل عنهما، وإنما عبر صلى الله عليه وسلم » بربي « دون إلهي، لأن المقام مقام إجزال النعمة العظمى التي أشير بها بغاية ذلك الإنعام الباطني، الواصل إليه صلى الله عليه وسلم من باهر تربيته تعالى له، وتدريجه في المراتب العلية التي لا غاية لها ولا انتهاء.

الإدارة
13-11-2003, 15:03
(ومنها) السحور(1). وفي نوعان :
-الأول - في الحث عليه :
1 - أخرج أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس، والترمذي والنسائي عن أبي هريرة وعن ابن مسعود وأحمد عن أبي سعيد ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال: » تسحروا فإن في السحور بركة « .
2 - ورويا أيضاً : » لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور « .
3 - والنسائي عن رجل قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فقال: » إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه « .
4 - وأحمد ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن حبان عن عمرو بن العاص ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر « .
5 - وأحمد عن أبي سعيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » السحور أكلة بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين « .
6 - وأحمد والنسائي عن رجل : » أن السحور بركة أعطاكموها الله فلا تدعوها « .
7 - وأحمد عن جابر ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » من أراد أن يصوم فليتسحر بشيء«.
8 - وأبو يعلى عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » تسحروا ولو بجرعة من ماء « .
9 - وابن عدي عن علي رضي الله تعالى عنه: » تسحروا ولو بشربة من ماء، وأفطروا ولو على شربة من ماء « .
10 - والحاكم في تاريخه، والديلمي عن أنس : » أربع من فعلهن قوي على صيامه: أن يكون أول فطره على ماء، ولا يدع السحور، ولا يدع القائلة(2) وأن يشم شيئاً من طيب « .
11 - والبيهقي عنه: » من أحب أن يقوى على الصيام فليتسحر، وليشم طيباً، وليفطر على الماء « .
12 - وعنه أيضاً : » من أكل قبل أن يشرب، وتسحر وشرب ومس شيئاً من الطيب، قوي على الصيام « .
13 - وابن النجار : » تسحروا ولو بجرعة الماء، صلوات الله على المتسحرين « .
14 - والديلمي: » تسحروا ولو أكلة ولو حسوة، فإنها أكلة بركة، وهو فصل صومكم وصوم النصارى « .
15 - وهو أيضاً : » السحور بركة، والثريد بركة، والجماعة بركة « .
16 - والطبراني عن أبي سويد : » اللهم صلى على المتسحرين « .
17 - والدراقطني في الإفراد عن أبي أمامة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » اللهم بارك لأمتي في سحورها، تسحروا ولو بشربة من ماء، ولو بتمرة، ولو بحبات زبيب، إن الملائكة تصلي على المتسحرين « .
18 - وأبو محمد الجوهري في أماليه: » نعم غذاء المؤمن السحور، إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين « .
19 - والطبراني وغيره : » إنما يفعل ذلك النصارى - يعني الوصال - ولكن صوموا كما أمركم الله عز وجل، ثم أتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا « .
20 - وأحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان عن العرباض ابن سارية ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان قال : » هلم إلى الغذاء المبارك « .
21 - وأحمد والنسائي عن المقدام بن معدي كرب ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال: » عليكم بهذا السحور، فإنه هو الغذاء المبارك « .
22 - وابن عدي عن جابر ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » خير سحوركم التمر « .
23 - والطبراني عن السائب بن يزيد: » نعم السحور التمر، يرحم الله المتسحرين « .
24 - والطبراني عن عقبة بن عامر: » نعم سحور المسلم التمر « .
25 - وابن عساكر عن أبي هريرة: » نعم السحور التمر، ونعم الإدم الخل، يرحم الله المتسحرين « .
26 - وأبو داود عن أبي هريرة وابن حبان والحاكم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » نعم سحور المؤمن التمر « .
27 - وابن ماجه والحاكم والطبراني والبيهقي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : » استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبقيلولة النهار على قيام الليل « حديث صحيح.
الثاني - في وقته :
1 - عن زيد بن ثابت ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة. قال أنس بن مالك: قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال : قدر خمسين آية (3). أخرجه البخاري ومسلم .
2 - وفي رواية للبخاري عن أنس : أنه صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله إلى الصلاة فصلى. قال: قلت لأنس : كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية .
وفي رواية للترمذي: قدر قراءة خمسين. وفي أخرى للنسائي: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية .
3 - وعن أنس قال: تسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت ثم قاما فدخلا في صلاة الصبح، فقلت لأنس: كم كان بين فراغهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الإنسان خمسين آية.
4 - وفي رواية : أنه صلى الله عليه وسلم قال لأنس عند السحر : » يا أنس .. إني أريد الصيام، أطعمني شيئاً « فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال، قال: » يا أنس .. انظر رجلاً يأكل معي « فدعوت زيد بن ثابت، فجاء وقال: إني قد شربت شربة سويق وأنا أريد الصيام، فقال صلى الله عليه وسلم : » وأنا أريد الصيام « . فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة. رواه النسائي.
5 - وعن ابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: » لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن - أو قال : ينادي - بليل ، ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم. والفجر هو المعترض وليس بالمستطيل « أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود .
6 - وفي رواية للبخاري عن عائشة وابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهم ـ : أن بلالاً كان يؤذن بليل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر « .
7 - وفي أخرى لمسلم عن ابن عمر قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم الأعمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم « . قال : ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا؟
وفي أخرى للنسائي عن عائشة: إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا.
وفي أخرى لموطأ عن ابن عمر: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال [له] : أصبحت أصبحت. وفي أخرى لمسلم عن سمرة بن جندب: » لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا « أي يكون معترضاً .
8 - وأخرج أبو داود والترمذي عن طلق: » كلوا وأشربوا ولا يهولنكم الساطع المصعد، فكلوا وأشربوا حتى يعترض لكم الأحمر « .
9 - وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي: لا يغرنكم في سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل حتى يستطير « .
10 - وأحمد وأبو يعلى والطحاوي: » لا يغرنكم أذان بلال عن السحور، فإن في بصره شيئاً " .
11 - والحاكم عن ابن عباس: » الفجر فجران : فأما الفجر الأول فإنه لا يحرم الطعام ولا يحل الصلاة. وأما الثاني فإنه يحرم الطعام ويحل الصلاة « .
12 - وابن سعد عن زيد بن ثابت ـ رضي الله تعالى عنه ـ ، وأحمد عن عمه حبيب بن عبد الرحمن: » إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا وأشربوا حتى يؤذن بلال « (4).
13 - وابن خزيمة عن عائشة : » أن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال « .
14 - وعبد الرازق عن جريج عن سعد بن إبراهيم وغيره: » أن ابن أم مكتوم أعمى، فإذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا، وإذا أذن بلال فأمسكوا ولا تأكلوا « .
15 - وأخرج أبو محمد الجوهري في أماليه عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ: أنه صلى الله عليه وسلم قال: » من أخلاق النبوة تعجيل الإفطار وتأخير السحور، ووضع الأيدي على الأيدي في الصلاة « .
16 - وابن عساكر عن ابن عمر وأنس معاً ـ رضي الله تعالى عنهم ـ: أنه صلى الله عليه وسلم قال: » من فقه الرجل في دينه تعجيل فطره وتأخير سحوره وتسحروا فإنه الغذاء
المبارك « .
17 - وأحمد عن أبي ذر ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال: » لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور « (5) .
---------------------
(1) السحور - بفتح السين - : المأكول في السحر. وبضمها: الأكل حينئذ، وهو المراد هنا، لأن الأجر والبركة إنما هو في الفعل.
(2) ولا يدع القائلة: أي القيلولة، وهي النوم في الظهيرة.
(3) المراد بالآية : المتوسطة دون الطويلة والقصيرة والبطيئة .
(4) في هذا الحديث وما بعده مخالفة لما مر : أن بلالاً هو الذي يؤذن بليل، ويجمع بينهما بأنهما كانا مختلفين في ذلك، فكان بلال تارة يؤذن بليل، وابن أم مكتوم عند الفجر الثاني، وتارة يكون ابن أ مكتوم بالعكس. فوقع كل من الأحاديث باعتبار ما هو موجود عند النطق به. والله أعلم .
(5) يسن تأخير السحور ما أمكن، لكن ما دام متيقناً بقاء الليل وهو قول الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة . وأفضل أوقاته : أن يكون قبيل الفجر بقدر خمسين آية معتدلة للأحاديث السابقة. قال شيخ الإسلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وإنما سن تأخير السحور لأنه أقرب إلى حصول المقصود منه وهو التقوى… اهـ.
(تنبيه) أقول: وليحذر من الأكل والشرب إذا سمع الأذان الثاني بعد طلوع الفجر كما يفعله بعض الناس، فإن الفاعل لذلك صومه غير صحيح، فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز  وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ  أي الفجر الصادق. وفي الحديث: » الفجر فجران: فأما الفجر الأول: فإنه لا يحرم الطعام ولا يحل الصلاة. وأما الثاني : فإنه يحرم الطعام ويحل الصلاة « رواه البيهقي في سننه .
وأما حديث أبي داود : » إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه « فقال العزيزي في شرحه على الجامع الصغير عند شرحه له: قال العلقمي : قيل المراد بالنداء أذان بلال الأول، لقوله عليه الصلاة والسلام : » إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا وأشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم «. وقال الشيخ ابن القيم في تهذيبه على مختصر سنن أبي داود : قد أعله ابن القطان. وأما حديث زر بن حبيش عن حذيفة » هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع « فقد أعله الجمهور بالوقف .

الإدارة
13-11-2003, 15:26
(ومنها) أن يبادر بالغسل من الجنابة قبل الفجر(1).
1 - أخرج البخاري: أنه صلى الله عليه وسلم قال: » من أصبح جنباً فلا صوم له « .
2 - وفي الصحيحين عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن مروان أرسله إلى أم سلمة يسأل عن الرجل يصبح جنباً أيصوم ؟ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع لا حلم ثم لا يفطر ولا يقضي « .
وفي أخرى لهما: كان صلى الله عليه وسلم » يدركه الفجر في رمضان جنباً من غير حلم فيغتسل ويصوم « .
وفي أخرى للبخاري عن عائشة وأم سلمة ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: أن كلاً منهما قالت: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، » أن كان ليصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم « .
وفي أخرى للبخاري عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم، فقال مروان لعبد الرحمن: أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة، ومروان يومئذ على المدينة. قال أبو بكر: فكره ذلك عبد الرحمن، ثم قدر لنا أن نجتمع بذي الحليفة، وكانت لأبي هريرة هناك أرض، فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: أني ذاكر لك أمراً، لولا مروان أقسم على فيه لم أذكره، فذكر قول عائشة وأم سلمة فقال: كذلك حدثني الفضل بن العباس. وهو أعلم.
قال البخاري رحمه الله تعالى: وقال همام: حدثني عبد الله بن عمر عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالفطر، والأول أسند.
وفي رواية لمسلم ـ رحمه الله تعالى ـ عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا هريرة يقص يقول في قصصه : » من أدرك الفجر جنباً فلا يصم « فذكرت ذلك لعبد الرحمن - يعني لأبيه - فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة فسألهما عبد الرحمن عن ذلك ، فكلتاهما قالتا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم. قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة ورددت عليه ما يقول. قال: فجئنا إلى أبي هريرة وأبو بكر حاضر ذلك كله، فذكر له عبد الرحمن فقال أبو هريرة: أهما قالتا لك؟ قال : نعم. قال : هما أعلم. ثم رد أبو هريرة ما كان يقوله في ذلك إلى الفضل بن عباس فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك(3).
وفي أخرى لمسلم عن عائشة : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب فقال: يا رسول الله .. تدركني الصلاة(4) وأنا جنب فأصوم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: » وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم « فقال: لست مثلنا يا رسول الله .. قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: » والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم(4) لله وأعلمكم بما أتقى « .
3 - وفي رواية لمالك ـ رحمه الله تعالى ـ : إني أصبح جنباً وأنا أريد الصيام ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: » وأنا أصبح جنباً وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم « . وهي مفسرة لما قبلها(5).
---------------------
(1) عد المصنف ـ رحمه الله تعالى ـ: المبادر بالغسل من الجنابة قبل الفجر من آداب الصوم ومسنوناته هو أحد أوجه ثلاثة ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم عند ذكر حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو » من أدركه الفجر جنباً فلا
يصم « قال النووي : وجوابه من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه إرشاد إلى الأفضل. فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز. وهذا مذهب أصحابنا وجوابهم عن الحديث .
(فإن قيل) : كيف يكون الاغتسال قبل الفجر أفضل وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه؟ .
(فالجواب) أنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز ويكون في حقه حينئذ أفضل ، لأنه يتضمن البيان للناس وهو مأمور بالبيان. وهذا كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بياناً للجواز. ومعلوم أن الثلاثة أفضل، وهو الذي واظب عليه وتظاهرت به الأحاديث. وطاف على البعير لبيان الجواز، ومعلوم أن الطواف ماشياً أفضل، وهو الذي تكرر منه صلى الله عليه وسلم، ونظائره كثيرة.
(والجواب الثاني) لعله محمول على من أدركه الفجر مجامعاً فاستدام بعد طلوع الفجر عالماً فإنه يفطر ولا صوم له.
(والثالث) جواب ابن المنذر فيما رواه عن البيهقي: أن حديث أبي هريرة منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حيث كان الجماع محرماً في الليل بعد النوم ، كما كان الطعام والشراب محرماً ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة ، فكان بفتى بما علمه حتى بلغه الناسخ فرجع إليه. قال ابن المنذر هذا أحسن ما سمعت فيه. والله أعلم.
ثم قال النووي: وإذا انقطع دم الحائض والنفساء في الليل، ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما صح صومهما ووجب عليهما إتمامه، سواء تركت الغسل عمداً أو سهواً، بعذر أو بغيره كالجنب. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكى عن بعض السلف مما
لا نعلم صح عنه أم لا.. اهـ.
(2) قال النووي في شرح مسلم: والصحيح أنه رجع عنه كما صرح به هنا في رواية مسلم. وقيل: لم يرجع عنه،
وليس بشيء. اهـ
(3) تدركني الصلاة : أي صلاة الصبح .
(4) » والله إني لأرجو « .. الخ. ظن القائل » قد غفر الله لك « أن جواز الإصباح من الجنابة من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا حرج عليه فيما يفعله لأنه مغفور له. فأنكر عليه صلى الله عليه وسلم هذا وقال: » والله إني لأرجو … « الخ. وفيه : أن الأصل الاستواء في الأحكام إلا إذا دل الدليل على الخصوصية.
(5) في ذكر المصنف هذه الأحاديث بعد الحديث الأول إشارة منه إلى أن الحديث الأول محمول على الإرشاد إلى الأفضل، فالأفضل الاغتسال من الجنابة قبل الفجر . ويلحق بها الحيض والنفاس، لتؤدي العبادة على الطهارة. فلو أخر الغسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس إلى بعد طلوع الفجر صح الصوم ولزم الإتمام كما تقدم.
قال النووي في شرح مسلم ـ رحمهما الله تعالى ـ : أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب، سواء أكان من احتلام
أو جماع. اهـ.
وقال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ : وفي هذه الأحاديث فائدتان: (أحدهما) أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بياناً للجواز.
(الثانية) أن ذلك كان من جماع لا من احتلام ، لأنه كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه .. اهـ .
أقول: الاحتلام منه صلى الله عليه وسلم ممتنع كما ذكر وهو أحد الخصال العشرة التي خص بها صلى الله عليه وسلم المنظومة في قول بعضهم رحمه الله تعالى:
خص نبينـا بعشـرة خصــال لم يحتــلم قـط ولا لـه ظـلال
والأرض ما يخــرج منه تبتلـع كذلك الذبــاب عنـه ممتنــع
تنام عينـاه وقلـب لا ينـــام من خلفه يـرى كما يـرى أمـام
لم يتثـاءب قـط وهـي السابعة ولـد مختـوناً إليــه تابعـــة
تعـرفه الدواب حيـن يركــب تأتـي إليـه مسـرعة لا تهــرب
يعلـو جلوسـه جلوس الجلسـاء صـلى الله عليه صبحـاً ومســاء

الإدارة
13-11-2003, 15:36
(ومنها) من حيث الصوم : كف اللسان والجوارح عن المحارم.
1 - أخرج الشيخان وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم قال: » إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم « .
2 - ومالك والشيخان وأبو داود والنسائي عنه: » الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم « .
3 - والبخاري وأبو داود والترمذي ـ رحمهم الله تعالى عنه ـ : » من لم يدع قول الزور(1) والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه « (2).
4 - والحاكم والبيهقي عنه : » ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم.. إني صائم « .
5 - والنسائي عنه : » إن الصائم إذا لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه « .
6 - وابن ماجه : » أن الصيام ليس من الأكل والشرب فقط، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم « .
7 - وأخرج عنه أيضاً : » إن سب أحدكم وهو صائم فليقل إني صائم « .
8 - وأبو نعيم عن أبي مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ ، يقول الله عز وجل : » من لم يصم(3) جوارحه عن محارمي فلا حاجة أن يدع طعامه وشرابه من أجلي « .
9 - والديلمي عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : " الصائم في عبادة الله ما لم يعتب مسلماً أو يؤذيه « .
10 - وأخرج أيضاً عن أبن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : » الصائم في عبادة من حين يصبح إلى حين يمسي ما لم يغتب، فإذا اغتاب خرق صومه « .
11 - وابن السني عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » إذا جهل على أحدكم وهو صائم، فليقل: أعوذ بالله منك إني صائم « .
  
-------------------
(1) الزور : الكذب .
(2) فليس لله حاجة : أي مبالاة والتفات وقبول للصوم مع ارتكاب المعاصي، لأن المقصود من الصوم كسر الشهوة وتطويع النفس، فإذا لم يحصل هذا لم يبال الله عز وجل بالصوم، ولا ينظر إليه نظر عناية. وكيف يلتفت إلى من يترك ما هو مباح في غير زمان الصوم من الأكل والشرب، ويرتكب ما هو محرم في زمن الصوم وغيره وفي الحديث: » رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر « .
وسر هذا: أن التقرب إلى الله تعالى بترك المباح إنما يتم بعد التقرب بترك المحرم، وإلا كان كمن يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل. وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن امرأتين صامتا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فكادتا أن تموتا من العطش، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض، ثم ذكرتا له فدعاهما أو أمرهما أن تقيأ فقاءتا ملء قدح قيحاً ودماً وصديداً ولحماً عبيطا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: » أن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، فجلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس « .
(3) من لم يصم جوارحه : أي من لم يمسك أعضاءه عن محارمي. قال جابر رضي الله تعالى عنه: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك. ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
وقال المتولى رحمه الله تعالى : يجب على الصائم أن يصوم بعينه فلا ينظر إلى ما لا يحل ، وبسمعه فلا يسمع ما لا يحل، وبلسانه فلا ينطق بفحش ولا شتم ولا يغتب. وهذه الأشياء وإن حرمت مطلقاً ففي رمضان أشد تحريماً. اهـ - ورحم الله القائل :
إذا لم يكن في السمع منـي تصـاون = وفي بصري غض وفي منطقي صمـــت
فحظي إذن من صومي الجوع والظما = فإن قلت إني صمت يومي فما صمــت
وقال آخر رحمه الله تعالى :
لا تجعلــن رمضــان شهر فكاهة = حتـى تقضـي بالجميـل فنــونـه
واعلم بأنك لن تفوز بأجــــره = حتـى تكـون تصومــه وتصونـه

الإدارة
13-11-2003, 15:42
(ومنها) بل هو آكدها : كثرة الجود ، ودرس القرآن ومدارسته، والتهجد .
1 - أخرج الشيخان عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال: » كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس. وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة فيدارسه القرآن . فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة « .
وأخرجه أحمد بزيادة في آخره : » لا يسئل عن شيء إلا أعطاه « (1).
2 - وروى الشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة (2) فيقول: » من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له الله ما تقدم من ذنبه « زاد أحمد » وما تأخر « .
3 - وعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال : خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع(3) متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط (4). فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب(5)، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه ! والتي تنامون عنها أفضل - يعني آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله. رواه الإمام مالك في الموطأ، والبخاري في صحيحة.
4 - وعن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة.
قال : وقد كان القارئ يقرأ بالمئين(6) حتى كنا نعتمد على العصى(7) من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر(8). رواه الإمام مالك في الموطأ.
  
----------------------------
(1) دل هذا الحديث على شيئين: (الأول) كثرة الجود في رمضان اتباعاً له صلى الله عليه وسلم. والجود: سعة العطاء وكثرته، وبه يوصف تعالى كما في خبر الترمذي: » إن الله تعالى جواد، يحب الجواد، كريم يحب الكريم « . وفي الأثر: » إن الله تعالى يقول كل ليلة : أنا الجواد ومني الجود، والكريم ومني الكرم « فإن الله تعالى أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، ولكنه سبحانه وتعالى جعل لسعة جوده وكرمه مواسم ليتحراها عباده الصالحون، ويسعى في نيل غايتها العارفون، لتتمايز المراتب، وتتفاوت المآرب.
فمن أعظم تلك المواسم وأكملها : شهر رمضان، فهو محل جوده الأعظم، وكرمه الأفخم، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله عز قائلا ، مخصصاً به رمضان إيماء وتلويحاً حيث أنزل فيه، ومعمماً به غيره لفظاً وحكماً:  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ  .
وقد مر في باب الفضائل أحاديث في ذلك: منها حديث الترمذي وغيره : » أنه ينادي فيه مناد: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة « . ولما جبل الله تعالى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم على أكمل الأخلاق وأجلها، وأبلغها وأعظمها وأفضلها، كما أخبر عن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: » إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق« - كان أجود الناس كلهم. وفي خبر ضعيف عند ابن عدي » ألا أخبركم بالأجود الأجود، الله الأجود الأجود، وأنا أجود بني أدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علماً فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة واحدة. ورجل جاد بنفسه في سبيل الله « .
فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بني أدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأخلاق الجميلة، والأوصاف الحميدة، وقد شهد له ربه عز وجل بقوله :  وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ  . =
= ولم يكن جوده صلى الله عليه وسلم خاصاً بنوع من أنواع الجود ، بل لم يزل منذ نشأ مجبولاً على بذل أنواع الجود من العلم والمال وغيرهما، حتى بذل نفسه لله في إظهار دينه وهداية عباده، وإيصال ما أمكنه من غايات النفع إليهم من وعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل كلهم وأثقالهم، ومن ثم قالت له خديجة ـ رضي الله تعالى عنها ـ في أول مبعثه: » والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتقرى الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق « .
ولما ظهرت فيه تلك النبوة العظمى، والرسالة الكبرى ، تزايد جوده وسائر أخلاقه إلى ما لا غاية له من الكمال. وفي الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه: » كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس « وفي مسلم عنه : وما سئل صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة. وفي الصحيحين عن جابر رضي الله تعالى عنه: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال: لا . وفي حديث البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ : أهديت له صلى الله عليه وسلم شمله فلبسها وهو محتاج إليها، فسأله إياها رجل فأعطاها له، فلامه الناس وقالوا كان محتاجاً إليها! وقد علمت أنه لا يرد سائلاً ! فقال: إنما سألتها لتكون كفني ! فكانت كفنه .
ولما ورد مال من البحرين على النبي صلى الله عليه وسلم جاء العباس رضي الله تعلى عنه فقال: أنا فديت يوم بدر نفسي وابني أخوي عقيلاً ونوفلاً، فأعطاه من المال شيئاً كثيراً حتى أراد أن يقوم به فلم يستطع، واستحمل النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفعل، فجعل العباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ يهل عن ثوبه من المال حتى استطاع حمله. وذلك مع قوة العباس المعروفة .
ومع خذا الجود الأعظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسعة هذا العطاء الأكرم، الذي يعجز عن أدناه الملوك وهو لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه لم يكن يبذله إلا لمحتاج وفي سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام، خصوصاً من يقوى الإسلام بإسلامه. كان يؤثر لنفسه وأهله عيش أفقر الفقراء، فيأتي عليه الشهران لا توقد في بيته نار، وما لهم طعام إلا الأسودان: التمر والماء. وكثيراً ما كان يربط على بطنه الحجر من الجوع .
وجاء بسبي فشكت إليه فاطمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ ما تلقي من خدمة البيت، وطلبت منه أمة تكفيها ذلك، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين من كل من التسبيح والتحميد، وأربعاً وثلاثين من التكبير عند نومها وقال: » إنها خير لك من خادم، لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع « ثم حكمة مضاعفة جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان على غيره من الشهور - هو أن جود ربه يتضاعف فيه إلى ما لا غاية له كما مر، فتخلق بذلك جرياً على كريم عادته في تخلقه بأخلاق ربه حتى قبل بعثته. قد حكى ابن إسحاق: أنه كان يجاور بحراء من كل سنة شهراً يطعم من جاء من المساكين، حتى إذا جاء الشهر الذي أراد الله ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه الله فيها، وذلك الشهر شهر رمضان، خرج إلى حراء كما كان يخرج، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، وأجزل على عباده غاية رحمته - جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بوحيه ، ثم كان بعد ذلك يتضاعف جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل، لأن جبريل كان يلقاه وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه وهو أفضل الكتب وأشرفها، وذلك الكتاب يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق وأعلاها، وهو خلقه صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: » كان خلقه القرآن « فكان يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه، فلذلك كان جديراً بأن يتضاعف جوده.
وأفضله في هذا الشهر الذي أنزل عليه فيه ابتداؤه مع نزوله كله فيه أيضاً جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ومع عهده بمخالطة جبريل وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، الذي يحث على المكارم والجود. فبمجموع ما ذكر من شرف الزمان وهو رمضان، وشرف المنزل وهو القرآن، وشرف النازل به وهو جبريل، وشرف المذاكرة وهي مدارسة القرآن، وشرف المخالطة وهي مخالطة جبريل الأفضل الأكرم من سائر الملائكة - حصل له صلى الله عليه وسلم ذلك الجود الأعظم، الذي لا غاية له، ومن ثم فضل على الريح المرسلة (أي المطلقة) ليفيد أنه في الإسراع بالجود أسرع منها، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده صلى الله عليه وسلم، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه.
وإنما كان جبريل يتعاهده صلى الله عليه وسلم في كل سنة مرة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان إلا عام وفاته صلى الله عليه وسلم، فإنه عارضه مرتين، كما في حديث فاطمة الصحيح، لتزداد معاهدته له، وليتقرر ما لم ينسخ منه برفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفاً لإنزاله جملة وتفصيلاً وعرضاً وأحكاماً. فينبغي لنا معشر أمته صلى الله عليه وسلم - التأسي به كما أشار إلى ذلك الشافعي رحمه الله تعالى بقوله : أحب للرجل الزيادة بالجود في رمضان، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرون منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم، روى الترمذي رحمه الله تعالى : » أفضل الصدقة صدقة في رمضان « وقد مر سابقاً » أنه شهر المواساة ، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن « .
(والثاني) كثرة تلاوة القرآن في رمضان! فيسن ذلك خصوصاً ليلاً لما في الحديث » إن المدارسة كانت بينه صلى الله عليه وسلم، وبين جبريل عليه السلام ليلاً « . وحكمة ذلك : أن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى :  إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً  .
وشهر رمضان له خصوصية تامة بالقرآن، لما مر أنه ظرف لإنزاله جملة وتفصيلاً، وعرضاً وأحكاماً. ومن ثم كان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان ليلاً أكثر من غيره. روى حذيفة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه صلى الله عليه وسلم صلى معه ليلة في رمضان ، فقرأ بالبقرة ثم بآل عمران ثم بالنساء، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل. قال: فما صلى الركعتين حتى جاء بلال
فإذن بالصلاة. رواه أحمد رحمه الله تعالى. وكان السلف رحمهم الله تعالى إذا دخل شهر رمضان تركوا مذاكرة العلم ومجالسة العلماء، وأقبلوا على تلاوة القرآن.
قال الزهري ـ رحمه الله تعالى ـ : إنما هو (يعني شهر رمضان) تلاوة القرآن وإطعام الطعام. وكان مالك ـ رحمه الله تعالى ـ : إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة القرآن في المصحف.
وكان الثوري ـ رحمه الله تعالى ـ : يترك جميع العبادة ويقبل على تلاوة القرآن . فمن جمع في رمضان بين قيام الليل وصوم النهار وتلاوة القرآن، ووفي بجميعها وصبر عليها وفي أجره بغير حساب.
قال كعب: ينادي مناد يوم القيامة: أن كل حارث يعطى بحرثه، ويزاد أهل القرآن والصيام يعطون أجرهم بغير حساب.
وفي المسند خبر: » الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشراب والشهوات المحرمة بالنهار، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان « .
وفي حديث عند أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ : » إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره فيقول: هل تعرفني، أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وكل متجر وراء تجارته، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله ، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ثم يقال له : أقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها. فهو في صعود ما دام يقرأ هذا - سرعة القراءة كان أو مرتلاً « .
وهذه الشفاعة تختص بمن قام بحقوق القرآن من إحلال حلاله، وتحريم حرامه مع القيام به خصوصاً بالليل، كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بمدحه لبعض أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ بقوله : » ذلك رجل لا يتوسد القرآن « أي لا يكثر النوم عليه حتى يصير له كالوسادة. أما من نام عن القرآن ولم يعمل به، فإنه يخاصمه فيما ضيع من حقوقه. وفي حديث عند أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ : أنه صلى الله عليه وسلم: » رأى في منامه رجلاً مستلقياً على قفاه، ورجل قائم بيده فهر أو صخرة فيشدخ رأسه فيتدهده (يتدحرج)، فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان، فيصنع به مثل ذلك. فسأل عنه فقيل له : هذا رجل آتاه الله القرآن فنام عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار، فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة « ورواه البخاري رحمه الله تعالى بمعناه.
وفي حديث عنه صلى الله عليه وسلم: » يمثل القرآن يوم القيامة رجلاً، فيؤتى بالرجل قد حمله، فخالف أمره فيتمثل له فيقول: يا رب، حملته إياي فبئس الحامل، تعدى حدودي وضيع فرائضي ، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال له: شأنك به. فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار. ويؤتى بالرجل الصالح قد كان حمله وحفظ أمره فيتمثل خصماً دونه « .
(2) من غير أن يأمرهم بعزيمة: أي من غير أن يأمرهم أمر إيجاب ، بل أمر ندب وترغيب. وفسر ذلك بقوله
» من قام رمضان« أي قام لياليه بالصلاة. قال الحافظ : والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام. وذكر النووي في شرح مسلم أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، على معنى أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها. وقال أيضاً: واتفق العلماء على استحباب صلاة التراويح، واختلفوا في أن الأصل صلاتها منفرداً في بيته ، أم في جماعة في المسجد، فقال الشافعي وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة وأحمد، وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ ، واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد. وقال الإمام مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت، لقوله صلى الله عليه وسلم: » أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة « أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة .
(3) أوزاع : جماعات متفرقون.
(4) الرهط : هو ما بين الثلاثة إلى العشرة. وهذا بيان لما أجمل. قيل: والمعنى : أن بعضهم كان يصلي منفرداً، وبعضهم يصلي جماعة.
(5) فجمعهم على أبي بن كعب. قال في الفتح: أي جعله لهم إماماً، وكأنه اختاره عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: » يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله « وقد قال عمر: أقرؤنا أبي. وروى سعيد بن منصور من طريق عروة: أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء. ورواه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل له من هذا الوجه. فقال: سليمان بن أبي حثمة، بدل تميم الداري. ولعل ذلك كان في وقتين.
(6) بالمئين : أي السور التي تلي السبع الطوال، والتي أولها ما يلي » الكهف« لزيادة كل على مائة آية .
(7) نعتمد على العصى : يؤخذ من هذا أن الاعتماد في النافلة لطول القيام على حائط أو عصى جائز وإن قدر على القيام.
(8) بزوغ الفجر: أوائله ولا ينافي ما ذكر الذي رواه الإمام مالك في موطئه عن يزيد بن رومان، وهو: أنهم كانوا يقومون في زمن عمر ابن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة ، فقد جمع البيهقي كما في الزرقاني - بأنهم كانوا يقومون أحد عشرة، واحدة منها وتر، ثم قاموا بعشرين وأوتروا بثلاث. قال الباجي: فأمرهم أولاً بتطويل القراءة، لأنه أفضل، ثم ضعف الناس فأمرهم بثلاث وعشرين، فخفف من طول القراءة، واستدرك بعض الفضيلة بزيادة الركعات.

الإدارة
19-11-2003, 14:47
(ومنها) أي من آداب الصوم، ومسنوناته : كثرة الاعتكاف، والاجتهاد فيه في رمضان، خصوصاً في العشر الأخير منه، لطلب ليلة القدر.
والكلام على ذلك يستدعي بيان خصوصيات العشر الأوسط من رمضان، والعشر الأخير منه ، وبيان ليلة القدر وفضائلها ، وما يتعلق بذلك. وفيه فصول:
  
الفصل الأول : في الاعتكاف(1)
1 - أخرج البيهقي عن الحسين بن علي ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: » من اعتكف عشراً في رمضان كان كحجتين وعمرتين « .
2 - وعن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ : » من اعتكف إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه « .
3 - والطبراني عن الحسن بن علي ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : » اعتكاف عشر في رمضان كحجتين وعمرتين « .
4 - والدارقطني عن حذيفة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » كل مسجد فيه إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح « (2).
5 - والحاكم والبيهقي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : » ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه « (3).
6 - وابن ماجه عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » المعتكف يتبع الجنازة ويعود المريض « (4).
7 - وابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس : » المعتكف يكف الذنوب. ويجري له من الأجر كأجر عامل الحسنات كلها « .
8 - والحاكم والبيهقي: » لا اعتكاف(5) إلا بصيام « .
9 - والبيهقي عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ : » من اعتكف إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن اعتكف فلا يحرمن الكلام « .
10 - والبيهقي عن حذيفة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » لا اعتكاف(6) إلا في المسجد الحرام - أو قال - : في المساجد الثلاثة « .
11 - والطبراني والحاكم والبيهقي وضعفه: » من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيراً من اعتكافه عشر سنين. ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله عز وجل، جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد مما بين الخافقين « (7).
12 - وفي الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ : أنه صلى الله عليه وسلم » كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله « .
13 - وفيهما أيضاً عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله تعالى عنه ـ: أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان ، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة (8) تركية ثم أطلع رأسه فقال: » إني اعتكفت العشر الأول التمس هذه الليلة ـ يعني ليلة القدر ـ ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي أنها في العشر الأواخر، فمن اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر، فقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها(9) وقد أريتني أسجد في ماء وطين من صبحيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر « . قال: فمطرت السماء الليلة وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد - أي خر الماء من سقفه - فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين(10).
14 - وروى البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » كان صلى الله عليه وسلم يعتكف كل عام عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه « .
  

الفصل الثاني : في العشر الأوسط من رمضان ، ونصفه الأخير

1 - في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله تعالى عنه ـ : » كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأوسط من رمضان « لحديث بنحو ما مر عنه (11).
2 - وفي خبر عند الطبراني عن عبد الله بن أنيس ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر ؟ فقال: » رأيتها ونسيتها فتحرها في النصف الأخير « ثم عاد فسأله فقال : » التمسها في ليلة ثلاث وعشرين تمضي من الشهر « .
3 - وفي سنن أبي داود عن ابن مسعود ـ رضي الله تعالى عنه ـ مرفوعاً : » اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين ، وليلة ثلاث وعشرين « ثم سكت .
وفي رواية: » ليلة تسع عشرة « واعتل بأن وقفه على ابن مسعود واضح، فقد صح عنه أنه قال : » تحروا ليلة القدر ليلة سبع عشرة صاحبة بدر (12) أو ليلة إحدى وعشرين « وفي رواية عنه قال: » ليلة سبع عشرة، فإن لم يكن ففي تسع عشرة « .
  

الفصل الثالث : في العشر الأخير

1 - أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر(13) شد مئزره وأحيا ليله (14) وأيقظ أهله (15). هذا اللفظ للبخاري. ولفظ مسلم : » أحيا الليل ، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر « (16).
وفي رواية لمسلم فيها: » كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره « .
2 - وفي المسند من وجه آخر عنها : » كان صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا جاء العشر شمر وشد المئزر « .
3 - وفي خبر للطبراني رحمه الله تعالى : » كان صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان، وكل صغير وكبير يطيق الصلاة « (17 ) .
  
----------------------------
(1) الاعتكاف لغة : الحبس والمكث. وشرعاً : المكث في المسجد بشروط مخصوصة. وغايته : قطع العلائق عن الخلائق، والاتصال بخدمة الخالق، والانقطاع إليه بالكلية، والتخلي بالأنس به عن كل مشقة وبلية. والحامل عليه: قوة المحبة لله والأنس به. قيل لمن يكثر الخلوة: ألا تستوحش؟ فقال: كيف استوحش والله تعالى يقول: » أنا جليس من ذكرني « .
(2) فيه دليل لمذهب الشافعية : أن الاعتكاف لا يشترط له مسجد مخصوص، بل يكفي كل مسجد .
(3) إلا أن يجعله : أي يفرضه على نفسه، ففيه دليل على أنه لا يشترط لصحة الاعتكاف صوم، وهو مذهب الشافعية. واشترطه الأكثرون.
(4) المراد بالمعتكف في هذا الحديث : المعتكف نفلاً أو نذراً، ولم يعين زمناً ولا اشترط تتابعاً. وإلا ففيه تفصيل معروف في محله.
(5) لا اعتكاف إلا بصيام : فيه دليل لمن اشترط الصوم للاعتكاف. وحمله الشافعية على الكمال للحديث السابق » ليس على المعتكف صوم « ، ولاعتكافه صلى الله عليه وسلم في عشر شوال الأول كما في الصحيحين ، ومن جملته اليوم الأول منه وهو لا يصح صومه، ولقول عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله .. إني نذرت اعتكاف ليلة في الجاهلية ؟ فقال : » أوف بنذرك « كما في الصحيحين أيضاً ، والليل ليس محلاً للصوم. وكذلك حملوا على الندب حديث الحاكم: » اعتكف وصم « .
(6) لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام الخ : أي لا اعتكاف كاملاً بدليل الحديث السابق: » كل مسجد فيه إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح « .
(7) الخافقين : أفقي المشرق والمغرب، لأن الليل والنهار يخفقان فيهما .
(8) قبة : أي خيمة .
(9) ثم أنسيتها - بضم الهمزة - معناه : أنه قيل له ليلة القدر كذا وكذا، فنسى كيف قيل له. لا معناه أنه صلى الله عليه وسلم رأى ليلة القدر نفسها، ورأى الملائكة والأنوار عياناً ثم نسى ذلك، لأن مثل ذلك لا ينسى. ثم المراد : أنه نسى علم تعيينها تلك السنة لا رفع وجودها ، لأنه عليه الصلاة والسلام أمر بطلبها بقوله : » فالتمسوها في العشر الأواخر ، والتمسوها في كل وتر « .
(10) من هذا الحديث أخذ الشافعي رحمه الله تعالى: أن ليلة إحدى وعشرين هي أرجى ليلة لليلة القدر. أو ليلة ثلاث وعشرين، لما في رواية مسلم :» أريت أني أسجد صبيحتها في ماء وطين « فانصرف صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح يوم ثلاث وعشرين وعلى جبهته أثر الماء والطين. وهذا مما يؤيد أنهما أرجى الأوتار، لأن بقية الأوتار لم تحصل فيها هذه العلامة ولا ما يقاربها.. والله أعلم.
(11) أي في الحديث ( 13 ) من فصل الاعتكاف. وفي هذا الحديث دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأوسط لابتغاء ليلة القدر فيه. وسياقه يقتضي أن ذلك تكرر منه صلى الله عليه وسلم، لكن مر في حديث الصحيحين السابق آنفاً أنه لما اعتكف الأول لابتغاء ليلة القدر. ثم الأوسط كذلك - أنبئ عليه الصلاة والسلام أنها في العشر الأخير، فاعتكافه في الأوسط لرجائها قبل أن يتبين له ذلك، فلما تبين له أنها في الأخير أعرض عن الأوسط. فمن قال : أنها في العشر الأوسط فقد أبعد .
(12) هذا هو المشهور عند أهل السير والمغازي : أن ليلة بدر كانت ليلة سبع عشرة، وكانت ليلة جمعة. وقيل: ليلة الاثنين. وكان زيد بن ثابت ـ رضي الله تعالى عنه ـ لا يحيي ليلة من رمضان كما يحيى ليلة سبع عشرة، ويقول: أن الله تعالى فرق من صبيحتها بين الحق والباطل، وأذل في صبيحتها أئمة الكفر.
فحصول ليلة بدر ويومها في العشر الأوسط من رمضان - دليل على أنه أفضل من العشر الأول. كيف لا، وهو يوم الفرقان. يوم التقى الجمعان! فرق الله فيه بين الحق والباطل، فأظهره وأهله على الباطل وحزبه، وعلت كلمة الله وتوحيده، وذل أعداؤه وأعداء رسوله من المشركين وأهل الكتاب. وكان ذلك في ثاني سني الهجرة.
ومما يدل على فضله أيضاً - إنزال الإنجيل في ثلاث عشرة من رمضان، كما في مسند الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : » أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان « .
(13) العشر : أي الأخير .
(14) أحيا ليله : أي أكثره، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها : ما أعلمه صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى الصباح ، ومعنى
» أحيا ليله « أي قام فيه بطاعة ربه .
(15) وأيقظ أهله : أي لصلاة التهجد .
(16) وشد المئزر - بكسر الميم - : أي الإزار . والمعنى: اعتزل النساء، وبذل وسعه وجهده في العبادة .
(17) في هذه الأحاديث فضل العشر الأواخر من رمضان، والحرص على دوام القيام فيها بالطاعة، وإيقاظ الأهل للصلاة، والحث على تجويد الخاتمة. ختم الله لنا ولمشايخنا ولأحبابنا وللمسلمين بخير. آمين .

الإدارة
20-11-2003, 14:26
الفصل الرابع : في ليلة القدر
قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [ القدر:1-3 ](1).
1- وفي الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلم قال:» من قام (2) ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه «.
2- وفي المسند عن عبادة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:» من قام ابتغاءها ثم رفعت له (3) غفر له ما تقدم من ذنبه «.
4- وفي المسند والنسائي أنه صلى الله عليه وسلم قال: » في شهر رمضان ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرِم «.
  
وفي ليلة القدر أحاديث كثيرة فلنذكر طرفاً منها :
1- أخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة: أنه صلى الله عليه وسلم قال:» رأيت ليلة القدر ، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر « أي البواقي وهي الأواخر.
2- ومالك وأحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه:» إني رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر ، وإني رأيت أني ساجد في ماء وطين في صبيحتها «.
3- والطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:» اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان « .
4- وأحمد عن أبي سعيد:» اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر، في تسع يبقين، وسبع يبقين، وخمس يبقين، وثلاث يبقين«.
5- وعبد الله بن أحمد عن علي رضي الله تعالى عنه:» اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر ، فإذا غلبتم فلا تغلبوا في السبع البواقي « .
6- ومسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:» التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي«.
7- وأحمد والبخاري وأبو داود عن ابن عباس : » التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى « .
8 - وأبو داود عن أبي سعيد:» التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ، والتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة «.
9- وأحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه:» التمسوها في العشر الأواخر : في تسع بقين، أو سبع بقين ، أو خمس بقين، أو ثلاث بقين، أو آخر ليلة « .
10- والطبراني عن عبادة رضي الله تعالى عنه:» التمسوها في العشر الأواخر، فإنها في وتر : في إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو آخر ليلة، فمن قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر «(4).
11- وأحمد والشيخان والنسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها:» تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان « .
12 - وأحمد عن معاذ رضي الله تعالى عنه:» ليلة القدر في العشر الأواخر : في الخامسة أو الثالثة .
13 - والطبراني عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه:» رأيت ليلة القدر فأنسيتها فاطلبوها في العشر الأواخر، وهي ليلة ريح ومطر ورعد «.
14 - وابن نصر والخطيب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:» التمسوا ليلة القدر في العشر الباقيات من رمضان: في التاسعة، والسابعة، والخامسة « .
15 - وأحمد وأبو يعلى وابن خزيمة وأبو نعيم وغيرهم عن عمر رضي الله تعالى عنه:» التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وتراً « .
16 - وأحمد والنسائي وابن خزيمة والطحاوي والروياني وابن حبان والحاكم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه:» التمسوها في العشر الأول، والعشر الأواخر، التمسوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها « .
17 - ومسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:» التمسوها في الأواخر - يعني ليلة القدر - فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن في السبع البواقي « .
18 - وأحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه:» التمسوها في العشر الأواخر: في تاسعة، وسابعة، وخامسة «.
19 - وابن أبي عاصم وابن خزيمة:» أني كنت أريت ليلة القدر ثم نسيتها، وهي في العشر الأواخر، وهي ليلة طليقة بلجة لا حارة ولا باردة « .
20 - وابن زنجويه عن ابن عمر:» من كان منكم ملتمساً ليلة القدر فليلتمسها في العشر الأواخر، وإن ضعف أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي«.
21 - وأحمد وأبو يعلى وابن خزيمة عن ابن عمر: » من كان منكم ملتمساً ليلة القدر فيلتمسها في العشر الأواخر فذا « (5).
22- وأحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:» جئت مسرعاً أخبركم بليلة القدر، فأنسيتها بيني وبينكم، ولكن التمسوها في العشر الأواخر من رمضان « .
23 - وأحمد عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ: » خرجت إليكم وقد بينت لي ليلة القدر ومسيح الضلالة فكان تلاحي (6) رجلين بسدة (7) المسجد فأتيتهما لأحجز (8) بينهما، فأنسيتها وسأشدو لكم منها شدواً. أما ليلة القدر فالتمسوها في العشر الأواخر وتراً. وأما المسيح فإنه أعور العين أجلح(9) الجبهة، عريض النحر، فيه دفي (10) كأنه عبد العزى بن قطن «.قال:يا رسول الله .. هل يضرني شبهه ؟ قال: » لا، أنت امرؤ مسلم، وهو امرؤ كافر « .
24 - والطبراني عن عائشة رضي الله تعالى عنها:» إني خرجت إليكم وقد بينت لي ليلة القدر ومسيح الضلالة ، فخرجت لأبينهما لكم، وأسركم بها، فنسيتها واختلست مني وسأشدو لكم منها شدواً. أما ليلة القدر فالتمسوها في العشر الأواخر. وأما مسيح الضلالة فإنه أجلح الجبهة ممسوح العين عريض النحر، فيه دفي كأنه عبد العزى ابن قطن « .
25 - والطبراني عن كعب بن مالك، وعن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنهما:» رقيت على المنبر وقد علمت ليلة القدر فأنسيتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر «.
26 - والطبراني عن عقبة بن مالك رضي الله تعالى عنه:» قد قمت على المنبر وأنا أعلم ليلة القدر. فالتمسوها في العشر الأواخر في ليلة الوتر « .
27 - وأبو يعلى والطبراني وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:» لقد أقبلت إليكم مسرعاً لأخبركم بليلة القدر، فنسيتها فيما بيني وبينكم. فالتمسوها في العشر الأواخر « .
28 - وأحمد عن عبادة:» ليلة القدر في رمضان، فالتمسوها في العشر الأواخر، فإنها في وتر: في إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو في آخر ليلة، فمن قامها ابتغاء إيماناً واحتساباً ثم وقعت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر « .
29 - وأحمد ومسلم عن أبي سعيد:» يا أيها الناس.. إنها كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني خرجت إليكم لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان (11) معهما الشيطان فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة، والسابعة والخامسة « .
30- وأحمد والطبراني والضياء عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه:»التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان في وتر، فإني قد رأيتها فنسيتها « .
31- وأخرج مالك وأحمد والشيخان عن ابن عمر: أن أناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا (12) ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » أرى (13) رؤياكم قد تواطأت(14) في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر « (15).
32 - والحاكم عن أبي ذر:"أن الله لو شاء لأطلعكم عليها، التمسوها في السبع الأواخر "يعني ليلة القدر.
33 - وأحمد والبخاري عن عبادة رضي الله تعالى عنه:» إني خرجت لأخبركم بليلة القدر ، وإنه تلاحي فلان وفلان فرفعت (16)، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التسع والسبع والخمس«.
34 - والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعلى عنهما:» إن أناساً منكم أروا ليلة القدر في السبع الأول، وأن أناساً أروها في السبع الأواخر، فالتمسوها في الأواخر «.
35 - وأحمد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه:» أن ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر من رمضان، إذ تطلع الشمس غداة إذ صافية ليس لها شعاع«.
36 - ومالك ومسلم وأبو داود:» تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر «.
37 - وأخرج أحمد عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: » أيها الناس .. إني قد رأيت ليلة القدر ثم نسيتها، ورأيت أن في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين: صاحب اليمامة، وصاحب اليمن « (17).
38 - وأبو يعلى وغيره عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه:» أيها الناس.. إني قد كنت أريت ليلة القدر، وقد انتزعت مني، وعسى أن يكون ذلك خيراً، ورأيت كأن في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين: صاحب اليمامة، وصاحب اليمن«.
39 - وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه صلى الله عليه وسلم قال : » اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين ، وليلة ثلاث وعشرين « .
40 - وأخرج أحمد عن عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه: أنه صلى الله عليه وسلم قال:» تحروا ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين «.
41 - ومالك وابن خزيمة وأبو عوانة والطحاوي عن عبد الله ابن أنيس:» التمسوا هذه الليلة ليلة ثلاث وعشرين«.
42 - والطبراني عنه أنه قال:يا رسول الله.. أخبرني بليلة القدر ؟ فقال:» لولا أن يترك الناس الصلاة إلا تلك الليلة لأخبرتك، ولكن أثبتها في ثلاث وعشرين من الشهر«.
43 - والطبراني عنه أيضاً:» أنزل ليلة ثلاث وعشرين فضلها، وإن أحببت أن تستتم إلى آخر الشهر فافعل، وإن أحببت أن ترجع إلى أهلك بليل فاصنع«.
44 - وأخرج محمد بن نصر عن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم قال:» التمسوا ليلة القدر في أربع وعشرين «.
45 - وأحمد عن بلال، والطيالسي عن أبي سعيد، وأحمد عن معاذ رضي الله تعالى عنهم:» ليلة القدر ليلة أربع وعشرين«.
46 - وأخرج الطبراني عن معاويةرضي الله تعالى عنه:» التمسوا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين«.
47 - وأحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:»تحروا ليلة القدر، فمن كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين«.
48 - وأبو داود عن معاوية:» ليلة القدر ليلة سبع وعشرين«.
49 - والطبراني عن معاوية:» التمسوا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين«.
50 - وأحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:أن رجلاً قال: يا نبي الله.. إني شيخ كبير يشق عليَّ الصيام، فمرني بليلة لعل الله تعالى يوفقني فيها لليلة القدر . فقال:» عليك بالسابعة « (18).
51 - وأحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:» ليلة القدر ليلة سابعة، أو تاسعة وعشرين، وأن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى«.
52 - وأخرج بن نصر عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:» التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان«.
53 - وأخرج أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:» إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرمها إلا محروم«.
54 - والديلمي عنه أيضا:» أن الله تعالى وهب لأمتي ليلة القدر، ولم يعطها لمن كان قبلهم « .
55 - وأخرج الطبراني عن واصلة رضي الله تعالى عنه: أنه صلى الله عليه وسلم قال:» ليلة القدر ليلة بلجة، لا حارة ولا باردة، ولا سحاب فيها ولا مطر ولا ريح، ولا يرمى فيها بنجم، ومن علامات يومها تطلع الشمس لا شعاع(19) لها«.
56 - والطيالسي والبيهقي عن ابن عباس:» ليلة القدر ليلة سمحة طلقة ، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء ".
57 - وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: » صبيحة ليلة القدر تطلع الشمس لا شعاع لها ، كأنها طست حتى ترتفع « .
58 - وأحمد وغيره عن عبادة من جملة حديث».. أن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة، كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة صافية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمى به حتى يصبح. فإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ« (20).
59 - وأخرج أحمد في جملة حديث عن عبادة رضي الله تعالى عنه: أنه صلى الله عليه وسلم قال:» فمن قامها(21)ابتغاءها إيماناً(22)واحتساباً(23)ثم وقعت له، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر«(24).
60 - والبخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:» من يقم ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه«.
61 - والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي: » من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه « .
62 - والبيهقي عن أبي هريرة:» من يقم ليلة القدر فيوافيها (25) إيماناً واحتساباً يغفر له ما تقدم من ذنبه «.
63 - وأخرج الخطيب عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنه صلى الله عليه وسلم قال:»من صلى ليلة القدر العشاء والفجر في جماعة فقد أخذ من ليلة القدر بالنصيب الوافر«.
64- والديلمي عنه:» من صلى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان فقد أصاب من ليلة القدر بحظ وافر « .
65 - والطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:» من صلى العشاء الآخرة في جماعة في رمضان فقد أدرك ليلة القدر « (26).
  
تتمة - فيما يتعلق بتكفير رمضان ، وليلة القدر ، وشرط ذلك وما يتعلق به
1- روى الشيخان:» من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه «.
2- والنسائي:» من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر«.
3- وأحمد وابن حبان في صحيحه:» من صام رمضان فعرف حدوده وتحفظ مما ينبغي أن يتحفظ منه كفر ذلك ما قبله «(27).
  
-----------
(1)قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر.
وعن مجاهد رحمه الله تعالى : أنه صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه السورة:  لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ  التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح ألف شهر .
وقال النخعي رحمه الله تعالى : العمل فيها خير من العمل في ألف، أي ليس فيها ليلة القدر.اهـ.
ويتبين من هذا: أن ليلة القدر خصيصة ادخرها الله تعالى لهذه الأمة. ويعضده الحديث الذي سيذكر عن أنس: » أن الله تعالى وهب لأمتي ليلة القدر ولم يعطها لمن كان قبلهم « .
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى : وهذا هو الصحيح الذي قطع به أصحابنا كلهم وجماهير العلماء.
(2) من قام ليلة القدر: أي بالتهجد فيها بالصلاة والدعاء، وينبغي إيثار الدعاء الذي أمر به صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله تعالى عنها، فإنها قالت: أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال: » قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فأعف عني « .
(3) ثم رفعت له : هكذا في الأصل.ولأحمد والطبراني عن عبادة مرفوعاً: » فمن قامها إيماناً واحتساباً ثم وفقت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر « ومعنى » وفقت له«:أن يكون الواقع أن تلك الليلة التي قام فيها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك. والله أعلم.
(4) فإن قيل: أن المغفرة تستدعي شيء يغفر، والمتأخر من الذنوب لم يأت، فكيف يغفر؟ (أجيب):أن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا في حديثه صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل في أهل بدر » لعل الله وفي رواية: أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم«-إن ذلك كناية عن حفظهم من الكبائر، فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك، أو أن معناه: أن ذنوبهم تقع مغفورة، فيأتي هذا المعنى هنا. والله أعلم.
(5) أي وتراً .
(6) تلاحى رجلين : أي تشاتمهما .
(7) بسدة المسجد : أي ببابه .
(8) لأحجز : أي لأمنع بينهما .
(9) أجلح : أي منحسر شعره عن جانبي رأسه .
(10) دفي -بكسر الدال وبالفاء والقصر-: أي إنحناء. إشارة إلى إعوجاج طريقته وسوء طويته. أعاذنا الله منها. آمين.
(11) يحتقان -بالقاف-: أي يطلب كل واحد منهما حقه ويدعي أنه المحق. وفيه : أن المخاصمة والمنازعة مذمومة، وأنها سبب للعقوبة المعنوية .
(12) أروا (بصيغة المبني للمجهول): أي قيل لهم في المنام: أن ليلة القدر في السبع الأواخر، يعني أواخر الشهر على ما هو الظاهر المتبادر.
(13) أرى: أي اعلم.
(14) قد تواطأت: أي توافقت.
(15) الأواخر: أي من رمضان من غير تعيين. وفي الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا، وجواز الاستدلال بها على الأمور الوجودية إذا لم تخالف القواعد الشرعية .
(16) فرفعت: أي رفع علم تعيينها في أي ليلة هي، لا رفع وجودها، لأنه عليه الصلاة والسلام أمر بطلبها بقوله: »فالتمسوها« الحديث، ولقوله لأبي ذر: » بل هي باقية إلى يوم القيامة « كما في المسند وكتاب النسائي، وترجيه صلى الله عليه وسلم » أن يكون الرفع خيراً « إنما هو باعتبار أنه لو علم تعيينها لأعرض الناس عن إحياء رمضان ولم يحيوا غيرها، ولذا قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أنيس ـ رضي الله تعالى عنه ـ حين سأله عنها:» لولا أن يترك الناس الصلاة إلا تلك الليلة لأخبرتك « وأما بعد رفع علم تعيينها فالناس يحيون رمضان وعشره الأخير كله لعل أن ينالوها ، فكان الرفع خيراً لهم نظراً لزيادة أعمالهم وإحيائهم تلك الأوقات الفاضلة المقتضية لمضاعفة الأجر، وحط الوزر، والعتق من النار، والحلول في أفضل النعيم. وأعلى الجوار.
(17) صاحب اليمامة : هو مسيلمة الكذاب. وصاحب اليمن: هو الأسود العنسي وقد ادعيا النبوة كذباً.
(18) قال الحافظ رحمه الله تعالى (في كتابه بلوغ المرام) : وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولاً، أوردتها في فتح الباري . اهـ
وقال العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى ( في سبل السلام ) نقلاً عن الحافظ ابن حجر: وأرجحها كلها أنها في وتر العشر الأواخر ، وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار العشر، وارجي أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين على ما في حديثي أبي سعيد، وعبد الله بن أنيس ، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين.اهـ.
(19) الشعاع - بضم الشين : ما يرى من ضوء الشمس عند حدورها. قال الإمام النووي: قال القاضي: معنى شعاع لها: أنها علامة جعلها الله تعالى لها. اهـ . وفائدة العلامة : الشكر على حصول تلك النعمة إن قام بخدمة الليل، وإلا فيتأسف على ما فات من الكرامة، ولعله يتدارك فيما يأتي. ولم تجعل في أول ليلها إبقاء لها على الإبهام. ولله في ذلك حكم وأسرار.
(20) أي لأن الشمس تطلع بين قرني الشيطان إلا صبيحة ليلة القدر .
(21) فمن قامها : أي ليلة القدر بالتهجد فيها بالصلاة والدعاء. وقوله ابتغاءها: أي طلباً لها وقصداً إلى التماسها .
(22) إيماناً : أي تصديقاً بأنها حق .
(23) واحتساباً : أي يريد بذلك وجه الله تعالى ، لا يقصد رؤية الناس .
(24) تقدم الكلام عليه في الحديث العاشر من هذا الفصل فراجعه صفحة 96.
(25) فيوافيها: أي فيوافقها، معناه كما تقدم: أن يكون الواقع أن تلك الليلة التي قام فيها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر وإن لم يعلم هو ذلك .
قال في الأصل: ويسن لمن رآها كتمها. وقول المهلب: أنها لا ترى حقيقة - ساقط .
قال السبكي : وحكمة طلب الكتم أن رؤيتها كرامة، والكرامات كلها ينبغي كتمها ، بل لا يجوز إظهارها إلا لحاجة أو قصد صحيح ، لما في إظهارها من الخطر من وجوه: (منها) رؤية النفس (ومنها) أنه قد يداخله في الأخبار بها رياء وحظ نفس (ومنها) أنه ما دام في حال الدنيا فلا يأمن مكر الله. وقد يستدل بدليل خاص على كتمانها بقوله صلى الله عليه وسلم كما مر: » رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها " ، وقوله : » تلاحى فلان وفلان فرفعت « روجه الدلالة : أن الله تعالى قدر لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه لم يخبر بها، والخير كله فيما قدره الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، فنتبعه في ذلك . اهـ باختصار.
(26) ويروى من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » من أتى عليه رمضان صحيحاً مسلماً، صام نهاره، وصلى ورداً من ليله، وغض بصره، وحفظ لسانه ويده، وحافظ على صلاته في الجماعة، وبكر إلى جمعته - فقد صام الشهر واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بجائزة الرب عز وجل « . قال أبو جعفر جائزة الرب لا تشبه جوائز الأمراء.
(27) دل هذا الحديث على أن شرط تكفير صوم رمضان للذنوب: أن يقترن بمعرفة حدوده، وبالتحفظ مما ينبغي أن يتحفظ منه. كما استفيد منه ومما قبله: أن كل واحد من هذه الأسباب الثلاثة : صيام رمضان، وقيامه، وقيام ليلة القدر مكفر لما سلف من الذنوب، بشرط الإيمان والتصديق والاحتساب. والمكفر الصغائر، وهو قول الجمهور، ويؤيده خبر مسلم » الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان - مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر « وقيل جميع الذنوب، وفضل الله واسع .
وفي رمضان أسباب المغفرة غير صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر: كتفطير الصائم، والتخفيف عن المملوك، والذكر والاستغفار، وهو طلب المغفرة، لأن دعاء الصائم مستجاب في صيامه وعند فطره . وأحاديث ذلك قد مرت في الفضائل، ومر هناك أيضاً » ويغفر فيه إلا لمن أبى « قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى ؟ قال : يأبى أن يستغفر. وكاستغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا. وقد مرت أحاديثه هناك أيضاً .
ولكثرة أسباب المغفرة في رمضان - عظم حرمان من مضى عليه ولم يغفر له. وقد أخرج ابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: » آمين آمين آمين " . فسئل عن ذلك فقال: » إن جبريل أتاني فقال : من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت آمين ، ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت آمين، ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين ، فقلت آمين « .
وجاء في حديث ابن عباس مرفوعاً : » أن الله ينظر ليلة القدر إلى المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيعفو عنهم ويرحمهم إلا أربعة : مدمن خمر، وعاقاً، ومشاحناً، وقاطع رحم « .
وينبغي الاستكثار في رمضان من شهادة أن لا إله إلا الله ، والاستغفار، وطلب الجنة، والاستعاذة من النار، لقوله صلى الله عليه وسلم كما مر في الفضائل: » فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غنى لكم عنهما. فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم :شهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غني لكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتتعوذون به من النار « .

الإدارة
20-11-2003, 15:03
الباب الثالث: في رخص الفطر والقضاء والفدية وتوابع ذلك
* فيما يبيح الفطر .
* في القضاء على من أفطر لعذر أو غيره .
* في الفدية بغير جماع .
* في الواجب بالجماع في نهار رمضان .
الفصل الأول
فيما يبيح الفطر
1- أخرج الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه » ستة يفطرون في شهر رمضان: المسافر، والمريض، والحبلى إذا خافت أن تضع ما في بطنها، والمرضع إذا خافت الفساد على ولدها، والشيخ الفاني الذي لا يطيق الصوم، والذي يدركه الجوع والعطش « أي لو تركهما مات .
2- والخطيب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما» من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر دخل النار « .
وعلم من هذا الحديث أن مبيح الفطر أنواع :
النوع الأول - السفر المبيح للقصر(1).
ثم تارة يختار الفطر ويذم الصوم، وتارة يخير بينهما سواء. أو مع ترجيح الصوم، فهو أقسام:
القسم الأول:فيما يختار فيه الفطر، ويذم الصوم:
1-عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم أي بالمعجمة، وهو على ثمانية أيام من المدينة - وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: أن بعض الناس قد صام؟ فقال:» أولئك العصاة ، أولئك العصاة « زاد في رواية: فقيل له : أن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر«.خرجه مسلم (2).
2- وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر، فمنا الصائم ومن المفطر.قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار، أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، فمنا من يتق الشمس بيده. قال: فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية -أي الأخبية- والخيام، وسقوا الركاب - أي الإبل - فقال النبي صلى الله عليه وسلم:» ذهب المفطرون اليوم بالأجر « رواه البخاري ومسلم.
3- وعن جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل له. فقال : »ماله« ؟ قالوا: رجل صائم. فقال صلى الله عليه وسلم: » ليس البر أن تصوموا في السفر« . وفي رواية: » ليس من البر الصوم في السفر« أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. وكذا النسائي.
4-وله رواية أخرى أخرجها البخاري أيضاً : أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء. فقال:» ما بال صاحبكم« ؟ قالوا: يا رسول الله صائم. قال: » أنه ليس من البر أن تصوموا في السفر(3) وعليكم برخص الله التي رخص لكم فاقبلوها«.وله في أخرى: » ليس من البر الصيام في السفر«.وله في أخرى: » الصائم في السفر كالمفطر في الحضر« .
5 - وفي رواية عند أحمد والطبراني والبيهقي وغيرهم عن كعب ابن عاصم الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله..أمن أمبر أمصوم في أمسفر؟ فقال:» ليس من أمبر أمصوم في أمسفر«.وهذه لغة مشهورة لبعض أهل اليمن يبدلون لام التعريف ميماً.
  
القسم الثاني - في التخيير بين الصوم والفطر :
1- عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أصوم في السفر ؟ وكان كثير الصيام. » فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر«.
2- وفي رواية:» إني أسرد الصوم« . وفي رواية: سأله عن الصوم في السفر؟ أخرجه الشيخان وغيرهما: كالطيالسي وأحمد وأبي داود والنسائي، وابن ماجة وابن خزيمة، وابن حبان والدراقطني، والحاكم من طرق.
3- وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم .
وفي رواية قال حميد: خرجت فصمت فقالوا لي : أعد. فقلت: إن أنساً أخبرني أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون فلا يعيب الصائم على المفطر. ولا المفطر على الصائم، فلقيت ابن أبي ملكية فأخبرني عن عائشة بمثله. أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية لأبي داود قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان. فصام بعضنا وأفطر بعضنا. فلم يعب الصائم على المفطر. ولا المفطر على الصائم.
4- وعن قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدري وهو مكثور - أي كثر ازدحام الناس عليه لأخذ العلم عنه، ومن ثم وقع في رواية أبي داود: وهو يفتي الناس وهو مكثور عليه - فانتظرت خلوته، فلما تفرق الناس عنه قلت : إني لا أسألك عما يسأل هؤلاء عنه، فسألته عن الصوم في السفر، فقال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلاً، فقال صلى الله عليه وسلم : » إنكم قد دنوتم من عدوكم فالفطر أقوى لكم « فكانت رخصة فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر فقال : » إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا « فكانت عزيمة - أي فريضة وهي ضد الرخصة - فأفطروا. ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر. أخرجه مسلم .
وله في رواية عنه: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام، ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
وفي رواية : لثماني عشرة خلت . وفي أخرى: في ثنتي عشرة. وفي أخرى: لسبع عشرة. أو تسع عشرة .
5 - وفي رواية للترمذي رحمه الله تعالى : كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر إفطاره .
وفي أخرى له: كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمنا الصائم ومنا المفطر. فلا يجد -أي لا يغضب- المفطر على الصائم، ولا الصائم على المفطر. وكانوا يرون أن من وجد قوة فصام فحسن، ومن وجد ضعفاً فأفطر فحسن.
6- وعن ابن عباس قال: سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهاراً ليراه الناس، وأفطر حتى قدم مكة. وكان ابن عباس يقول صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وأفطر، فمن شاء صام ، ومن شاء أفطر. أخرجه البخاري ومسلم.
7 - وأخرج البخاري قال:خرج النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان إلى حنين، والناس مختلفون: فصائم ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته أو راحته(4) ثم نظر الناس، فقال المفطرون للصوام:أفطروا.
8- وفي رواية لأبي داود عن حمزة الأسلمي قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني صاحب ظهر - أي إبل - أعالجه، أسافر عليه وأكريه - أي أنه يعانيه بمكاراته والسفر به - وأنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني رمضان -وأنا أجد القوة وأنا شاب وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره ليكون ديناً، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري، أو أفطر ؟ قال: » أي ذلك شئت يا حمزة « .
9- وفي رواية أخرى للنسائي: أني أجد في قوة على الصيام في السفر. فهل علىَّ جناح؟ فقال:» هي رخصة من الله تعالى، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه « (5).
  
القسم الثالث – في إباحة الإفطار مطلقاً (6):
1- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة حتى بلغ الكديد - الماء الذي بين قديد وعسفان (7) - أفطر ، فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر .
2 - وفي رواية لمسلم عن الزهري: فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر ، قال: وكان أصحابه صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره.
وفي أخرى له: قال الزهري: وكان الفطر آخر الأمرين، وإنما يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآخر فالآخر.
قال الزهري : فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة من رمضان . زاد في رواية: وكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره. ويرونه الناسخ المحكم (8).
3 - وفي رواية للنسائي رحمه الله تعالى : فصام حتى أتى قديداً أُتى بقدح من لبن فشرب فأفطر هو وأصحابه. وفي أخرى له: حتى أتى قديداً ثم أفطر حتى أتى مكة .
4 - وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. رواه البخاري ومسلم.
5 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح مر الظهران، فآذننا بلقاء العدو فأمرنا بالفطر، فأفطرنا أجمعين. رواه الترمذي رحمه الله تعالى .
6 - وأخرج عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوتين : بدراً والفتح، فأفطرنا فيهما .
7 - وعن عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر فقال: » انتظر الغذاء يا أبا أمية « قلت : إني صائم . قال : » إذن أخبرك عن المسافر، إن الله وضع عنه الصيام ونصف الصلاة«.رواه النسائي.
وفي رواية قال له : » تعال أدن مني حتى أخبرك عن المسافر « . وذكره .وله روايات كثيرة بمعنى ذلك .
8 - وفي رواية لأبي داود رحمه الله تعالى:» أن الله وضع شطر الصلاة عن المسافر، وأرخص له في الإفطار ، وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما «.
9 - وأخرج أحمد رحمه الله تعالى:» أن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة « .
10 - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن قال : حدثني رجل من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء من العطش أو من الحر، ثم قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت، قال: فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكديد دعا بقدح فشرب فأفطر الناس. رواه مالك رحمه الله تعالى في الموطأ وأبو داود إلى قوله : » الحر « (9).
القسم الرابع - في أحاديث متفرقة :
فطر المسافر يوم خروجه
1- عن محمد بن كعب قال: » أتيت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في رمضان وهو يريد سفراً. وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب سفره ودعا بطعام فأكل منه، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة، ثم ركب«أخرجه الترمذي(10).
صومه يوم الدخول
1- قال الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ: بلغني أن عمر كان إذا كان في سفر في رمضان فعلم أنه داخل المدينة من أول يومه دخل وهو صائم(11).
مقدار مسافة السفر (12)
1 - أخرج أبو داود : أن دحية بن خليفة خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط وذلك ثلاثة أميال في رمضان، ثم أنه أفطر. وأفطر معه أناس وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن أني أراه أن قوماً رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه - يقول ذلك للذين صاموا - ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك (13).
2- وأخرج أيضاً عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يخرج إلى الغابة في رمضان فلا يفطر ولا يقصر.
السفر في المساء
1 - أخرج أبو داود عن عبيد بن جبير قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان فرفع(14) ، ثم قرب غداءه. - قال جعفر في حديثه - : فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة ، قال: اقترب ، قلت: ألست ترى البيوت ؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال في حديثه : فأكل .
  
النوع الثاني - المرض (15):
قال الله تعالى:  فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً( ) أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]. أي فأفطر فعليه القضاء .
1- وأخرج الديلمي رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » إن الله تصدق بإفطار الصائم على مرضى أمتي ومسافريهم، أفيحب أحدكم أن يتصدق على أحد بصدقة ثم يظل يردها عليه « ؟ .
2 - وابن سعد رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها: » إن الله تصدق بفطر رمضان على مريض أمتي ومسافرها « .
3 - وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: » من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة، ولا مرض لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه « أخرجه الترمذي. وأخرج أبو داود بعضه. وأخرجه البخاري. قال : ويذكر عن أبي هريرة رفعه، وقال: » من غير عذر ولا مرض « الحديث .
الثالث - الحبل والإرضاع :
1- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن رجل من بني عبد الله ابن كعب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: » إن الله وضع شطر الصلاة عن المسافر، وأرخص له في الإفطار، وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما « أخرجه أبو داود .
2 - وفي رواية أخرى له وللترمذي : أغارت علينا خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت قد أسلمت، فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغذى فقال لي: » اجلس وأصب من طعامنا هذا « قلت: إني صائم. قال: » اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام: إن الله وضع شطر الصلاة عن المسافر ووضع عنه الصوم. ووضع عن الحامل وعن المرضع الصيام « . والله لقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم كلتيهما أو أحدهما. قال : فإذا تذكرت ذلك تلهفت على أني لم أكل من طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
3 - وفي رواية النسائي رحمه الله تعالى قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل لي كانت أخذت فوافقته وهو يأكل، فدعاني إلى طعامه فلت: إني صائم. فقال:» إذن أخبرك عن ذلك، إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة « .
4 - وفي رواية له عن رجل ولم يسمه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتغذى، قال: » هلم إلى الغذاء « قلت : إني صائم، قال: » هل أخبرك عن الصوم : أنه وضع عن المسافر نصف الصلاة، والصوم، ورخص للحبلى والمرضع « .
  
الرابع - اليأس من القدرة على الصوم لهرم أو زمانه أو شدة مشقة :
فلهؤلاء الفطر كالمريض السابق بل أولى .
  
-----------------
(1) السفر المبيح للقصر: مرحلتان فأكثر. أي سير يومين معتدلين بسير الأثقال (أي الحيوانات المثقلة بالأحمال)، وكونه لمقصد معلوم غير سفر معصية، سواء أكان في بر أم بحر - وإن لم يلق المسافر منه مشقة أصلاً، ولو علم أنه يصل مقصده قبل الغروب. فحيث أباح السفر الطويل القصر، أباح الفطر .
نعم ، اختلف الأئمة في الأفضل من الصوم والفطر، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي والأكثرون: الصوم أفصل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، لصومه صلى الله عليه وسلم مع شدة الحر، كما سيأتي عن أبي الدرداء رضي تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته في حر شديد، حتى أن أحدنا ليضع يده على رأسه. أو كفه على رأسه من شدة الحر، ما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. اهـ ، فإن لم يخش ضرراً بواحد منهما تخير على ما قاله القاضي وغيره. وإن شق عليه الصوم أو خاف ضرراً ولو مآلا فالفطر أفضل. وعلى هذا القسم تحمل الأحاديث الدالة على الفطر والآمرة به، كما هو صريح الأحاديث الباقية، نحو حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: » كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، ولا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن. ويرون أن من وجد ضعفاً فافطر فإن ذلك حسن « وقال ابن المسيب والأوزاعي وأحمد وإسحاق : الفطر أفضل مطلقاً. وحكى قولاً للشافعي. واحتجوا بحديث: » هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه « .
وقال بعض العلماء: هما سيان لتعارض الأحاديث. وظاهر كلامهم : أنه لا يكره الفطر مطلقاً، وبه صرح في المجموع للحديث الصحيح: أي من فطره صلى الله عليه وسلم وأمره بالفطر . لكن اختار السبكي رحمه الله تعالى وغيره كراهة الفطر إذا كان لغير حاجة، لقوله تعالى  وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ  وفطره صلى الله عليه وسلم يحتمل انه لبيان الجواز، أو ليقتدي به من لحقته مشقة، أو ليتقووا على اللقاء.
قال الأذرعي رحمه الله تعالى : والمختار أن من كان في سفر غزو، وفطره يقويه عليه يكون له أفضل، فلو لم يتضرر به بحال، لكنه يقطعه عن كثير من البر كإعانة الرفقة فقضية الأحاديث أن الفطر أولى ، لحديث:» ذهب المفطرون اليوم بالأجر « وغيره . اهـ ويؤيده قول التتمة وغيرها: لو لم يتضرر بالصوم في الحال، ولكنه يخاف الضعف منه وكان في سفر حج أو غزو، فإن الفطر أولى للخبر:» إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم « والحج ملحق بالغزو . اهـ .
(2) قال الإمام ابن العربي في شرحه على الترمذي: وفي فطره صلى الله عليه وسلم في السفر بعد التلبس بالصوم دليل على أن المسافر إذا شرع في الصوم جاز له الفطر . اهـ.
(3) قال الإمام النووي في شرح مسلم: معناه (يعني الحديث) إذا شق عليكم وخفتم الضرر. وسياق الحديث يقتضي هذا التأويل . وهذه الرواية مبينة للروايات المطلقة:» ليس من البر الصيام في السفر « ومعنى الجميع فيمن تضرر بالصوم. اهـ .
(4) راحته : أي باطن كفه الشريف .
(5) احتج بهذا الحديث كما سبق من قال: الفطر أفضل لقوله فيه » فحسن « وقال في الصوم » فلا جناح عليه « قال القاضي عياض رحمه الله تعالى كما في الزرقاني: ولا حجة فيه، لأنه جواب لقوله: هل عليًّ جناح ؟ فلا يدل على أن الصوم ليس بحسن، لأن نفي الجناح أعم من الوجوب والندب والإباحة والكراهة.
(6) مطلقاً : أي سواء حصل ضرر ومشقة أم لا .
(7) قديد وعسفان : موضعان بين مكة والمدينة .
(8) قال الزرقاني نقلاً عن القاضي عياض رحمهما الله تعالى: إنما يكون ناسخاً إذا لم يمكن الجمع، أو يكون الأحدث من فعله في غير هذه القضية، أما فيها (أعني قضية الصوم) فليس بناسخ، إلا أن يكون ابن شهاب مال إلى أن الصوم في السفر لا ينعقد كقول أهل الظاهر، ولكنه غير معلوم عنه .اهـ .
(9) قال المصنف رحمه الله تعالى في الأصل: إذا تأملت ما سقناه لك من الأحاديث الصحيحة في الأقسام الثلاثة - ظهر لك أن الحق ما عليه جماهير العلماء وأهل الفتوى: أنه يجوز للمسافر أن يصوم في سفره ويجزئه ولا قضاء عليه. خلافاً لما زعمه بعض أهل الظاهر من أنه: لا يصح صوم رمضان في السفر، فإن صامه لم ينعقد ويلزمه قضاؤه لظاهر الآية ، وحديث » ليس من البر الصيام في السفر « وحديث » أولئك العصاة « . ولا حجة لهم في واحد من هذه الثلاثة ، لما سبق من الأحاديث الصحيحة المصرحة بتخييره صلى الله عليه وسلم للمسافرين بين الصوم والفطر. وبها يتعين أن في الآية محذوفاً تقديره: فأرادوا الفطر وأفطر فعدة من أيام أخر، وأن المراد بالبر الأفضل بشرطه. وبالعصاة - ليس من حيث الصوم ، بل من حيث مخالفة أمره لهم بالفطر ليتقووا على عدوهم. وعلى أن الرواية السابقة بعد » أولئك العصاة « زيادة (أن الناس قد شق عليهم الصوم) لعل عصيانهم لتعرضهم إلى إلحاق الضرر بأنفسهم . اهـ .
(10) في هذا الحديث حجة لمن جوز للمسافر الفطر في يوم سافر في إثنائه. وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وقال الأئمة الثلاثة: لا يفطر، محتجين بأنه صلى الله عليه وسلم لم يفطر في يوم خروجه من المدينة في رمضان عام الفتح، بل صام حتى بلغ كراع الغميم، وكراع الغميم: بينه وبين المدينة سبعة أيام أو ثمانية أيام، والحديث في الصحيحين. قال الخطابي رحمه الله تعالى : وهذا أحوط الأمرين . والإقامة إذا اختلط حكمها بحكم السفر غلب حكم المقام . اهـ .
(11) ظاهر هذا الحديث أنه يريد دخول المدينة بعد طلوع الفجر، لأنه من أول اليوم فصومه مستحب، قاله مالك في المختصر. وإن دخل قبل الفجر وجب عليه الصوم، قاله الباجي. اهـ. زرقاني.
(12) مقدار مسافة السفر : أي الذي يبيح القصر والفطر .
(13) قال الخطابي رحمه الله تعالى في معالم السنن : قلت في هذا حجة لمن يحد السفر الذي يترخص فيه الإفطار بحد معلوم، ولكن يراعي الاسم ويعتمد الظاهر. واحسبه قول داود وأهل الظاهر. فأما الفقهاء فإنهم لا يرون الإفطار إلا في السفر الذي يجوز فيه القصر، وهو عند أهل العراق ثلاثة أيام ، وعند أهل الحجاز ليلتان أو نحوهما. وليس الحديث بالقوي. وفي إسناده رجل ليس بالمشهور .
ثم أن دحية لم يذكر فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر في قصير السفر، إنما قال: » إن قوماً رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم « ولعلهم إنما رغبوا عن قبول الرخصة في الإفطار أصلاً، وقد يحتمل أن يكون دحية إنما صار في ذلك إلى ظاهر اسم السفر ، وقد خالفه غير واحد من الصحابة، فكان ابن عمر وابن عباس لا يريان القصر والإفطار في أقل من أربعة برد، وهما أفقه من دحية وأعلم بالسنة . اهـ.
(14) فرفع : أي مرسى السفينة، أو أبو بصرة. وفي رواية لأحمد في مسنده (فدفع) بالدال. وفي أخرى له (فلما دفعنا من مرسانا) وما في مسند أحمد وأوضح. اهـ. بذل المجهود.
(15) المرض : أي الذي يلحق مشقة شديدة لا تحتمل عادة، أو تبيح التيمم .
(16) للمريض ثلاثة أحوال: إن توهم ضرراً يبيح التيمم كره له الصوم وجاز له الفطر، فإن تحقق الضرر المذكور ولو بغلبة ظنه ، أو انتهى به العذر إلى الهلاك، أو ذهاب منفعة عضو - حرم عليه الصوم ووجب عليه الفطر فإن كان المرض خفيفاً حرم الفطر ووجب الصوم . اهـ . شرقاوي .

هاني عبدالعال ضوّه
08-09-2006, 08:44
للرفع فهذا الموضوع مهم جداً جزاكم الله خيراً

وكل عام وانتم بخير وتقبل الله طاعاتكم

محمد فيصل الجيماز
18-09-2008, 04:59
جزى الله صاحب الكتاب الأصل و مختصره وناشره وكاتبه وبارك الله في هذا المنتدى ونفع به طلبة العلم والعامة