المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الغرب حائر ... لا "حر"



يسار إبراهيم الحباشنة
14-10-2005, 03:07
بسم الله الرحمن الرحيم
مقالة نشرتها في صحيفة الرأي وأرحب بالنقد الهادف من الأخوان:


الغرب حائر ... لا "حر"


رمز الفيلسوف الألماني أوزفلد اشبنجلر الى الحضارة الغربية «بالحضارة الفاوستية» في سفره المشهور «تدهور الحضارة الغربية» و «الدكتور فاوست» شخصية مسرحية تعبر عن الإنسان الذي يتعاقد مع الشيطان ليبلغ من القوة منتهاها وليأتي بالخوارق الى حد يجعله سيدا للعالم ويتجاوز ذلك الى ان يسود الكون بأسره ويحل محل «اللامتناهي» فيصبح كالإله. وعبرت عن هذه الروح الفاوستية ايضا فلسفة نيتشه الذي بشر بالإنسان المتفوق، «السوبرمان» المدفوع ابدا بدافع القوة بعد ان اعلن موت الإله.

ومن هذه الافكار وغيرها انطلق الغرب نحو القوة والسيطرة الكونية وعمل جاهدا على ان يبلغ الغاية القصوى، متأرجحا بين اخلاق الرحمة واخلاق القوة يمشي كالبهلوان على حبل مهتز، متذبذبا بين تطلعات الدولة وتطلعات الفرد. ولكن هذه الروح الفاوستية المتعالية التي لا تعرف لحب القوة والسيطرة حدودا، مهددة دائما بالفشل إذا ما تحققت يوما ما أنها سارت في الطريق الخطأ.

قال الشاعر الألماني جوتة: «كل حادث رمز» ولقد كان حادث سقوط الممثل «كريستوفر ريف» السوبرمان الهوليودي عن ظهر جواده واصابته بالكساح الكلي رمزا لا صدفة. ان السوبرمان الذي مثل دوره «ريف» كان مثالا للقوة الخارقة التي تتطلع الى أخذ دور الألوهية ولقد سقط الممثل فأصبح جسده عاجزا الا عن تحريك فمه. ولا أريد بهذا المثال شخص «كريستوفر ريف» الذي صبر بعد مرضه وتحول الى العمل الخيري والذي انتقد سياسات بلاده السلطوية، ولا أتحدث هنا بمنطق «ذنوب وعقاب الهي» وإنما عن اشارات ورموز كونية لا يسع الانسان المتيقظ تجاهلها. كما لم تكن نهاية نيتشة بالجنون المطبق صدفة، بل ان «بشارته» بموت الإله وظهور «السوبرمان» سلبته عقله الذي كان مصدر قوته! ولم يكن سقوط برجين في نيويورك يشيران الى «المثنوية» مجرد صدفة بل كان رمزا. وقبل ان ترتفع الحواجب أقول: لقد أدان المسلمون إسقاط البرجين وبإجماع، أما إدانة سقوطهما فليس لأحد. إذ في الإسقاط كلام شرعي وفي السقوط كلام كوني، وبين هذا وذاك فرق.

ان الشعوب الغربية، ليس لها هوية محددة كما يظن بعضنا. فهي مترددة بين الكفر والإيمان وبين الإفراط في القسوة والافراط في الرقة وبين حب الرفاهية المتوفرة وخوف الموت القادم الذي سينتزعها. فالغرب ليس سعيدا للدرجة التي نخالها؟ وهو ليس حرا كما يدعي، بل إنه حائر. أجل .. حائر بين اللذة والقوة اللتين لا تتفقان دائما. ومثاليات افراده حائرة بين بؤس سائر العالم وبين نعمائهم هم، وبين أقوال ساستهم وأفعالهم.

أما حيرته الكبرى فهي بين النسبية الأخلاقية .. اللذيذة المريحة، أم المسوغات، الحامل أبدا بالمبررات وبين القانون العادل والحكم الصحيح! وهو حائر دائما بين الحرية الفردية وبين الإفراط والتنويع في الجريمة والادمان والامراض النفسية والانحطاط الجنسي والانتحار والاجهاض. وحائر بين الربا المريح وبين استغلال البنوك للأفراد وقسوة البطاقات الاعتمادية التي تمص دماء الناس الى ان يعلنوا الإفلاس. هو حائر أبدا بين حرية الفرد وبين عافية المجتمع ولم يعرف للآن كيف يمتلك الأمرين معا، لعلمه بوجود تضاد بينهما.

الغرب حائر بين رفض الايديولوجيات ودمغ المتدين او الشيوعي بالدوغمائي والشمولي والرجعي، وبين غرقه في أيديولوجيته التي لا يراها كذلك ويسميها بغير اسمها وهيهات ان تقنعه بأنه هو ايضا دوغمائي شمولي! ويتعامى عن ذلك ولا يستحي ان يحاول علنا فرض ايديولوجيته عليك ولو بالقوة، ولو بالقتل! فأمر الغرب غريب .. يريد ان يمتلك كل شيء وأن يعطي غيره كل شيء .. تناقض صرف. يريد ان ينفي كل حقيقة وفي نفس الوقت يريد ان يثبت كل حقيقة، وهو المثبت النافي لحقيقته التي توصل اليها ببنات عقله.

ان اللاوعي الجمعي الغربي أصبح يعمل بقوة هائلة بمحرك «الحرية» المعبودة، ولقد فتحت له كل البوابات بلا استثناء كصندوق «باندورا» التي دفعها الفضول لفتحه كاملا فخرج منه الشرور والموت والحرب والأمراض والآفات كما في الأسطورة الاغريقية. هذا اللاوعي الذي يبدع اللوحات السريالية الجميلة ينتج كذلك دراكولا وجنده من مصاصي الدماء والشياطين والمجرمين في السينما والواقع. وكما يبدع المعمار الجميل والفن المعجب بأنواعه، ينتج كذلك الانحرافات الجنسية والنفسية التي يذهب العقل تنوعها وتوالدها وشناعتها.

ترى كيف سيجمع الغرب بين إرادة القوة النيتشوية وبين اللذة الايبقورية وبين مبادئ الثورة الفرنسية: «العدل والإخاء والحرية» وبين النزعة الدينية «للآباء المؤسسين» لأميركا وبين النسبية الأخلاقية؟! .. لم تركب هذه عند أخيكم العبد الفقير. هل ستجمع ذلك كله «القوة» والروح الفاوستية؟ بالتأكيد لا، فالقدرة للإنسان على كل شيء والحرية الفردية في الاستمتاع بأي شيء وحرية الدعوة الى أي شيء تعني هذه الفوضى وهذا العالم المشوه الذي نرى. «حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون» 24 سورة يونس. ولا شك ان هذه الفوضى وهذه الحيرة الكبرى لن تستمر ولقد وجب سقوطها على أيدي الغرب نفسه بثورة فكرية روحية جديدة تعيده الى الرشد والطمأنينينة والاعتدال والا فالدمار قادم له ولنا معه .. هكذا تكلم التاريخ.

الرابط
http://www.alrai.com/pages.php?articles_id=7540