المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال عن حكم التزام مذهب بعينه



المسترشد الروحي
29-10-2003, 02:15
السلام عليكم ورحمة الله
كل عام وأنتم بخير

إخواني طلاب العلم في كل مكان

أتقدم إليكم بالتهنئة حول حلول شهر رمضان المبارك وأعاننا الله
وإياكم فيه على الصيام والقيام

لديّ سؤال أوجهه إليكم

وهو

ما هي أقوال الأئمة الأعلام ، من أتباع المذاهب المشهورة ، من الأصوليين

والفقهاء في حكم التزام مذهب من المذاهب الأربعة بعنيه وعدم الخروج

عنه مطلقاً ؟

وما قولهم في حكم خروج المقلد عن قول مذهب إمامه أحياناً ؟

أرجو إثراء الموضوع بالمناقشة

وشكر الله لكم

المسترشد الروحي
29-10-2003, 20:41
وهذا جهد المقل من أخيكم
وبانتظار مداخلاتكم


هذا نصٌّ من كتاب
مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى > كتاب الصلاة > باب الإمامة > فصل إمامة الفاسق
في مسألتنا وهو من الكتب المعتمدة عند المتأخرين

( وَحُرِّمَ قَوْلٌ بِإِيجَابِ تَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ ) مِنْ الْأَئِمَّةِ ( بِعَيْنِهِ ) بِأَنْ تُلْتَزَمَ أَقْوَالُهُ فَقَطْ ، ( بَلْ قَالَ الشَّيْخُ ) تَقِيُّ الدِّينِ : ( إنْ تَابَ ) قَائِلُ ذَلِكَ ، ( وَإِلَّا قُتِلَ ) . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ رَجُلٌ وَاحِدٌ اتَّخَذَ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَلِّدُهُ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ بِحَيْثُ لَمْ يُسْقِطْ مِنْهَا شَيْئًا ، وَأَسْقَطَ أَقْوَالَ غَيْرِهِ فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا ، وَنَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ ، فَلْيُكَذِّبْنَا الْمُقَلِّدُونَ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ الْوَخِيمَةَ فِي الْقُرُونِ الْفَضِيلَةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا حَدَثَتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْمَذْمُومِ عَلَى لِسَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( لَكِنْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ : يَتَعَيَّنُ الْآنَ تَقْلِيدُ أَحَدِ ) الْأَئِمَّةِ : ( الْأَرْبَعَةِ ) : مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى ، ( لِعَدَمِ حِفْظِ مَذَاهِبِ غَيْرِهِمْ ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَرَدَّ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " وَخَطَّأَهُ مِنْ نَحْوِ خَمْسِينَ وَجْهًا ، مِنْهَا : مَا الَّذِي خَصَّ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَإِنْ قِيلَ : لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ أَهْلِ أَعْصَارِهِمْ ؛ قِيلَ : وَمَا يُدْرِيك أَنَّهُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ ؟ فَإِنَّ هَذَا يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَ الْمَذَاهِبَ وَأَدَوَاتِهَا وَرَاجِحَهَا ، فَمَا لِلْأَعْمَى وَنَقْدُ الدَّرَاهِمِ ، وَهَذَا بَابٌ آخَرُ مِنْ الْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ ، وَيُقَالُ ثَانِيًا : فَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبْلٍ ، وَعَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَعْلَمُ مِنْ صَاحِبِك بِلَا شَكٍّ فَهَلَّا قَلَّدْتَهُمْ وَتَرَكْتَهُ . بَلْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَأَمْثَالُهُمْ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ بِلَا شَكٍّ ، فَلِمَ تَرَكْت تَقْلِيدَ الْأَعْلَمِ الْأَفْضَلِ الْأَجْمَعِ لِأَدَوَاتِ الْخَيْرِ وَالْعِلْمِ وَالدِّينِ ، وَرَغِبْت عَنْ أَقْوَالِهِ وَمَذْهَبِهِ إلَى مَنْ دُونَهُ ؟ وَأَطَالَ مِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ وَالتَّعْلِيلِ ، فَلْيُرَاجَعْ ، وَمُحَصَّلُ كَلَامِهِ : أَنَّهُ إذَا وَصَلَ إلَى أَحَدٍ قَوْلُ إمَامٍ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ ، جَازَ لَهُ تَقْلِيدُهُ .


ولكني أقول : من المعلوم للكل رأي ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الظاهريين في هذه
المسألة ، ونحن إنما نريد أقوال أهل الأصول ممن هم ليسوا بأجانب عن هذا الفنّ





ــــــــــــــــــــ

وقال عبد الرحمن السيوطى فى شرح الكوكب : ( هل يجب على العامى وغيره ممن لم يبلغ رتبة الاجتهاد التزام مذهب معين من مذاهب المجتهدين ؟ قولان أحدهما نعم ، وصححه فى جمع الجوامع ، والثانى لا ، واختاره النووى ، فقال : الذى يقتضيه الدليل أنه لا يلزم التمذهب بمذهب ، بل يستفتى من شاء ،قال : من التزم مذهبا معينا ، هل يجوز له الخروج عنه ؟

فيه أقوال ، أحدهما الجواز مطلقا ، وصححه الرافعى والثانى المنع مطلقا لأنه التزمه ، والثالث يجوز فى جميع المسائل ، ولا يجوز فى بعض دون بعض وحيث جوزنا له الخروج فالصحيح أنه يمتنع تتبع الرخص فى المذاهب بأن يأخذ من كل منها ما هو أهون فيفسق بذلك ، وقيل : يجوز فلا يفسق ، حكاه فى الروضة ) انتهى .


ـــــــــــــــــ

وقال الأجهورى : ( قد اقتصر القرافى فى شرح التنقيح على القول بالجواز لكن بشروط ثلاثة ، ألا يجمع بينهما على صفة تخالف الإجماع ، كمن تزوج بلا ولى ولا صداق ولا شهود ، وألا يعتقد فيمن يقلده الفضل ، وألا يتبع الرخص فى المذاهب والمذاهب كلها مسالك للجنة ، فمن سلك منها طريقا وَصَّلَه ، قاله الزناتى ) .

ثم قال الأجهورى : ( وقوله ألا يتبع الرخص ، إن أراد بالرخص ما ينقض فيه الحكم القاضى ، وهو أربعة ما خالف الإجماع ، أو القواعد أو النص ، أو القياس الجلى ، فهو حسن متعين ، وإن أراد بالرخص ما فيه سهولة على المكلف كيف كان لزمه أن يكون من قلد مالكا فى المياه والأوراث ، وترك الألفاظ فى العقود مخالفا لشرع الله ، وليس كذلك ثم قال : انتهى كلام القرافى فى شرح التنقيح بالاختصار).

قال : ( وهو يفيد ترجيح القول بأن التقليد جائز بالشروط المذكورة ، وأن المراد بالرخص ما ينقض فيه القاضى ، لا مطلق ما فيه سهولة ، فكل مسألة لا تخالف الإجماع ولا القواعد ، ولا النص ، ولا القياس الجلى ، يجوز التقليد فيها وأكثر المسائل على هذا النمط ، وما ينقض فيه قضاء القاضى يسير بالنسبة إلى غيره) .

ثم قال : ( وقال القرافى فى الكتاب المسمى بالإحكام فى تمييز الفتاوى والأحكام : الذى عليه الفتيا فى مذهب مالك امتناع انتقال المالكى لمذهب الشافعى فى مسألة ، وكذلك انتقال الشافعى لمذهب مالك ) انتهى .

ثم قال : ( ولكن كلامه فى شرح التنقيح يقتضى أن الراجح خلاف هذا، وهو ما وقع لابن القاسم - رحمه الله - فإنه أفتى عبد المجيد حين حلف بالمشى إلى مكة وحنث بكفارة يمين ، وقال : إنى أفتيك بقول الليث ، فإن عدت لم أفتك إلا بقول مالك ، بلزوم المشى إلى مكة ) انتهى .

ـــــــــــــــــ


وقال القرافى : ( انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد قول من شاء بغير حجر ، وأجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر وقلدهما فله أن يستفتى أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما من غير نكير ، فمن ادعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل ) .

وفى البحر المورود فى المواثيق والعهود لعبد الوهاب الشعرانى ، قال فيه : ( أخذ علينا العهود ألا نحجر على أحد من إخوانى المسلمين بالتزام مذهب معين لا يتدينون بغيره ، بل نقرهم على كل فعل فعلوه ، ما داموا فى سياج مجتهد من المجتهدين ، وذلك خوفا من أن تلحقنا دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى قوله : ( اللهم من شق على أمتى فاشقق الله عليه ) ولا أشق عليهم من فقيه يحكم ببطلان عبادتهم ومعاملاتهم ومناكحتهم فيما لم تصرح به الشريعة ، ولا أجمع عليه الأئمة ، ويأمرهم بالتزام مذهب واحد بعينه ، ولم يأت به بخصوصية خبر ولا أثر ) .

وقال فى الكتاب المذكور : ( أخذ علينا العهود ألا نمكن أحدا من إخواننا أن يعيد صلاة صحت على مذهب من المذاهب لأن لا نقع فى سوء الظن بالأئمة ونجعل أقوالهم كأنها خارجة عن الشريعة ) .

وقال عبد العزيز فى الدرر الملتقطة : ( المذاهب الأربعة على الحق ، وكل مجتهد مصيب ، ومن قلد إماما منهم فله أن يقلد الآخر لاسيما عند الضرورة ، هذا هو الصحيح ، ومن العلماء من منع ذلك ، وقال : لا يقلد غير إمام واحد

والصواب فى هذه المسألة أن لها ثلاث مراتب :

المرتبة الأولـى : مرتبة أهل الورع ، وقد رأينا بعض مشايخنا يلتزمها ، وهى أن يأخذ بالأحوط ، ويلتزم الأشد فى المذهب ، فيغسل المنى لأنه نجس عند مالك ويغسل بول ما يؤكل لحمه ، فإنه نجس عند الشافعى ، ويمسح جميع رأسه ، ويتدلك ويفعل الأتم والأكمل فى كل شىء ، ويترك ما اختلف فى تحريمه .

المرتبة الثانية : هى الوسطى ، وهى أن يلتزم مذهبا واحدا ، لا يخرج عنه .

المرتبة الثالثة : أن يأخذ بالرخص والأسهل فى كل مذهب ، ولا بأس بذلك عند الضرورات ، وما رأينا أحدا من المقلدين يستغنى عن تقليد إمام آخر فى وقت ضرورة ) انتهى .

وقال عبد العزيز أيضا فى الكتاب المذكور فى محل آخر : ( الصحيح أنه يجوز للمقلد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب ، ويجوز أن يقلد فى بعض المسائل ويبقى على مذهبه ، ولا إثم عليه ، وإنما الورع أن يلتزم مذهبا واحدا ، لا يتعداه وأبلغ من ذلك فى الورع أن يأخذ بالأشد والأحوط فى كل مذهب ) .

وقال عبد العزيز أيضا فى الكتاب المذكور : ( فصل فى اختلاف المذاهب: بعث الله تعالى محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه القرآن ، وعلمه الأحكام فما ورد فيه ظاهر من القرآن على تأويله ، أو خير من الأحاديث ، أو وقع فيه الخلاف لاتساع لغة العرب فى الحمل على المجاز ، ولاختلاف رواة الحديث ، وما لم يرد فيه نقل رجع إلى القياس ، فلما توفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختلف الصحابة فى مسائل قليلة ، فوقع الاختلاف قليلا زمن الصحابة ، ولم يتقيد أحد بمذهب شخص معين ، فلما انقرضت الصحابة كثر الاختلاف فى التابعين ، ثم كثر فى القرن الثالث ، فكثرت المذاهب ، فاتفق العلماء على اختيار هذه المذاهب الأربعة فى المائة الثالثة من الهجرة ، وترك ما سواها من المذاهب لئلا يكثر الاختلاف والمذاهب كلها على الحق ، وكل مجتهد مصيب ) انتهى .



انتهت النقول من كتاب
الوصية الرضية

من الراعى إلى الرعية

الموسوم بنجم الإخوان يستعينون به فى أمور الزمان

للإمام

عثمان بن فودى

http://www.geocities.com/abu_elkher/waseia.htm



ـــــــــــــــــــــــــ

بلال النجار
01-11-2003, 19:03
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ المسترشد،
وعليكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

سؤالك: (ما هي أقوال الأئمة الأعلام، من اتباع المذاهب المشهورة، من الأصوليين، والفقهاء في حكم التزام مذهب من المذاهب الأربعة بعينه وعدم الخروج، عنه مطلقاً؟ وما قولهم في حكم خروج المقلد عن قول مذهب إمامه أحياناً؟)

التقليد قبول قول الغير بلا دليل. فيدخل فيه قبول العامي لقول عامي مثله وهو من الكوارث الشائعة في هذا الزمان، وكذا يدخل فيه قبول المجتهد لقول مجتهد آخر سواء كان أعلى منه أو مساو له أو أدنى منه رتبة. وليس قبول قول الرسول صلى الله عليه وسلم تقليداً، وذكروا أن قبول الإجماع، وقبول القاضي قول العدول من الشهداء، وقبول العامي قول المفتي كله ليس بتقليد. وهو قول ابن الحاجب في مختصر المنتهى الأصولي ولم يعترض عليه شارحه العلامة الإيجي. وللقاضي الباقلاني القول بأن قبول العامي قول مفتيه ليس بتقليد أصلاً، فإن قول العالم حجة في حق المستفتي نصبه الله تعالى عَلَماً في حق العامي وأوجب عليه العمل به.

والتقليد متصور في الاعتقاديات والعمليات. أما في الاعتقاد فالأصح عند الشيخ الأشعري وغيره من أئمة المذهب الاكتفاء بالتقليد الصحيح الجازم للحكم بصحة الإيمان. وتفصيله في كتب الكلام في مسألة المقلد مشهور.

وأما في العمليات فهذه بعض أقوال الأصوليين فيما سألت عنه:

قال سيف الدين الآمدي رحمه الله في الإحكام:
أولاً: (إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث، وعمل بقوله فيها، اتفقوا على أنه ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره. وهل له اتباعُ غير ذلك المجتهد في حكمٍ آخر؟ اختلفوا:
- فمنهم من منع منه
- ومنهم من أجازه
- والحق نظراً إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعاً لما جاز من الصحابة إهماله والسكوت عن الإنكار عليه، ولأن كل مسألة لها حكم، فكما لم يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة الأخرى.)
ثانياً: (إذا عين مذهباً، كمذهب الشافعي وأبي حنيفة، وقال: أنا على مذهبه، وملتزم له. فهل له الرجوع إلى الأخذ بقول غيره في مسألة من المسائل؟ اختلفوا فيه:
- جوزه قوم نظراً إلى أن التزامه لمذهب معين غير ملزم له.
- ومنع ذلك آخرون، لأنه بالتزامه المذهب صار لازماً له، كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة معينة.
- والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن كل مسألة من مذهب الأول اتصل عمله بها، فليس له تقليد الغير فيها، وما لم يتصل عمله بها، فلا مانع من اتباع غيره فيها.)

هذا قوله بالنص في المسألة الثامنة، وهي آخر مسائل باب التقليد والمفتي والمستفتي وما فيه الاستفتاء. وكلام الآمدي في لطيف دقيق رائق في هذا الباب، فارجع إلى هذه الصفحات العشرة الجامعة لمسائل هذا الباب في كتاب الإحكام في أصول الأحكام.


قال الكمال ابن الهمام في التحرير:
(مسألة: لا يرجع المقلّد) غير الملتزم بمذهب معين (فيما قلّد فيه -أي عمل به- اتفاقاً. (وهل يقلّد) العامي الذي لا مذهب له (غيره) أي غير العالم الذي يقلّده ويسأله عادة (في غيره) من المسائل. أي هل يقلّد عالماً آخر في مسألة أخرى عرضت له؟ (المختار: نعم.) وذلك (للقطع بأنهم) أي الصحابة والتابعون (كانوا يستفتون مرّة واحداً) من علمائهم (ومرّة) أخرى يستفتون (غيره) من العلماء (غير ملتزمين مفتياً واحداً) بعينه (فلو التزم) المقلّد (مذهباً معيّناً كـ) مذهب (أبي حنيفة أو) مذهب (الشافعي؟) فهل يجوز له أن يخرج عن هذا المذهب إلى أقوال غيره من أصحاب المذاهب؟
(فقيل: يلزم) مذهبه ولا يأخذ من غيره من المذاهب.
(وقيل لا) يلزمه أن يلتزم بمذهبه وله أن يأخذ من أقوال علماء المذاهب الأخرى.
(وقيل) حاله في هذه المسألة (كـ) حال (مَن لم يلتزم) مذهباً. في أنه (إن عمل بحكمٍ تقليداً) منه لمفتٍ أفتاه فـ(لا) يجوز له أن (يرجع عنه) بالاتفاق. ومعنى هذا الرأي أن صاحب المذهب لا يجوز له أن يعمل بقول مجتهد آخر غير الذي يقلده إن اتصل عمله به على حكم المجتهد الأول (و) يجوز له (في غيره) من الأحكام والمسائل التي لم يتصل عمله بها. أي أن (له تقليد غيره) أي غير إمامه المجتهد في مسائل أخرى. قال ابن الهمام رحمه الله: (وهو الغالب على الظن لعدم ما يوجبه شرعاً).

ثم قال: (نقل الإمام) فخر الدين الرازي أعلى الله درجته في دار السلام (إجماعَ المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة، بل) يقلّدون (من بعدهم) من العلماء (الذين سبروا) العلوم (ووضعوا) القواعد (ودوّنوا) المسائل والدلائل (وعلى هذا) الإجماع، يتخرّج (ما ذكر بعض المتأخرين) أعني (منعَ تقليد غير الأربعة لانضباط مذاهبهم، وتقييد مسائلهم، وتخصيص عمومها، ولم يُدرَ مثله في غيرهم) من العلماء (الآن) وذلك (لانقراض أتباعهم. وهو الصحيح) اهـ كلامه رحمه الله. وما بين قوسين من متن التحرير في أصول الفقه، وما دونه من الكلام من توضيحي.
مسألة: إذا بلغ المكلف رتبة الاجتهاد، فإن كان قد اجتهد في مسألة ووضح في ظنه الصواب لم يقلّد غيره بالاتفاق. وإن لم يكن قد اجتهد فيها بعد فاختلفوا على أقوال:
الأول: المنع من التقليد. وذهب إليه أكثر الفقهاء وجمع من الأصوليين منهم القاضي واختاره القاضي البيضاوي تبعاً للإمام الرازي وهو ما اختاره الآمدي والإمام ابن الحاجب المالكي.
الثاني: التجويز مطلقاً، وهو قول سفيان الثوري والإمام أحمد وإسحاق.
الثالث: يجوز تقليد الصحابة فقط.
الرابع: يجوز تقليد الصحابة والتابعين دون غيرهم.
الخامس: يجوز تقليد العالم لأعلم منه، ولا يجوز لمساويه ودونه، وهو قول محمد بن الحسن.
السادس: يجوز له التقليد فيما يخصّه دون ما يفتي به
السابع: أنه يجوز له التقليد فيما يخصّه إذا خشي فوات الوقت وهو يشتغل بالحادثة ليحصل فيها حكماً وهو رأي أبي العباس ابن سريج.
والثامن: أنه يجوز للقاضي دون غيره.
انظر الإبهاج شرح المنهاج للسبكي على البيضاوي. ومناقشة الاستدلالات هناك.
الأكثرون على أن المقلد إن تبحر في مذهب المجتهد واطلع على ما أخذه، وكان أهلاً للنظر والتفريع على قواعده جاز له الفتوى، وإلا فلا. انظر الإبهاج.
فائدة:
مثل ابن الهمام في التحرير على تقليد المقلد لإمام في مسألة ما ثم تقليد آخر في مسألة متصلة بالأولى، وذكر أن هذا من تقييد بعض المتأخرين، وهكذا فهمت المثال: إن الدلك في الوضوء غير واجب عند الشافعي رضي الله عنه، واللمس بلا شهوة غير ناقض للوضوء عند مالك رضي الله عنه. والعكس صحيح عندهما. فإذا توضّاً مقلّد الشافعي ولمس بلا شهوة ولم يتوضّأ فصلّى مقلّداً مالكاً؛ فإن كان الوضوء بدلك أي أنه كان مقلّداً لمالك في وضوئه صحّت صلاته لأنه تمم ما اتصل بالوضوء من العمل وهو الصلاة على مذهب مالك أي المذهب الذي بدأ عمله به، وإلاّ أي وإن لم يكن قد قلد مالكاً في الوضوء أي توضّأ بلا دلك كما أجازه الشافعي بطلت صلاته عندهما. أي على المذهبين. أما عند الشافعي فلأن المقلّد صلى بلا وضوء لأن وضوءه انتقض باللمس. وكذا عند مالك لأنه توضّأ ولم يدلك فوضوؤه غير صحيح. هذا ما فهمته من المثال.
أرجو أن يكون ما نقلته في الجواب عمّا سألت مفيداً، والعذر إن تأخرت في المشاركة لانشغالي، وقد قصدتني للجواب في رسالة خاصة وأنا غير أهل لذلك لا تواضعاً بل على الحقيقة. ولعل الشيخ جلال والإخوة ذوي الاطلاع والبحث يدققون ويحققون المسألة أكثر ويثرون الإجابة بأقوال العلماء.
والسلام عليكم ورحمة الله

المسترشد الروحي
02-11-2003, 02:55
جزاك الله خيرا شيخنا بلال على ما تفضلت به ونقلتَه
ونحن إنما نقتبس من علمك ، ونستفيد من أخلاقك وتواضعك
فجزاك الله عنّا خيراً
ولا زلنا بانتظار ما تجود به أقلامُ الفُضلاء من أمثال جلال وغيره ممن عُرف عنهم
التدقيق والتحقيق
فغفر الله لكم