المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة الأصول والضوابط للإمام النووي رحمه الله



محمد ال عمر التمر
06-10-2005, 00:36
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته ما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

أما بعد:

فهذه قواعد وضوابط وأصول مهمات ومقاصد مطلوبات، يحتاج إليها طالب المذهب بل طالب العلوم مطلقا ولا يستغني عن مثلها من أهل الفقه إلا المقتصرون على الرسوم.
والمقصود بها بيان القواعد الجامعة والضوابط المضطردات وجمع المتشابهات والتمثيل بفروع مستخرجة من أصل أو مبنية عليه وحصر نفائس من الأحكام المتفرقات وبيان شروط كثير من الأصول المشهورات.
وأحرص إن شاء الله تعالى في جميعها على الإيضاح الجلي بالعبارات الواضحات.
وأسأل الله الكريم التوفيق لإتمامه مصونا نافعا مباركا وعلى الله الكريم اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

مسألة 1
مذهب أهل الحق الإيمان بالقدر وإثباته وأن جميع الكائنات خيرها وشرها بقضاء الله تعالى وقدره. وهو مريد لها كلها ويكره المعاصي مع أنه مريد لها لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى.
وهل يقال إنه يرضى المعاصي ويحبها؟
فيه مذهبان لأصحابنا المتكلمين حكاهما إمام الحرمين وغيره. قال إمام الحرمين في الإرشاد: مما اختلف أهل الحق في إطلاقه ومنع إطلاقه المحبة والرضا. فقال بعض أئمتنا: لا يطلق القول بأن الله تعالى يحب المعاصي ويرضاها لقوله تعالى ((ولا يرضى لعباده الكفر))
قال: ومن حقق من أئمتنا لم يلتفت إلى تهويل المعتزلة له بل قال: الله تعالى يريد الكفر ويحبه ويرضاه والإرادة والمحبة والرضا بمعنى واحد.
قال: وقوله تعالى: ((لا يرضى لعباده الكفر)) المراد به: العباد الموفّقون للإيمان وأضيفوا إلى الله تعالى تشريفا لهم كقوله تعالى: ((يشرب بها عباد الله)) أي خواصهم لا كلهم والله أعلم.

مسألة 2

عقود المعاملات ونحوها أربعة أقسام:
أحدها: جائز من الطرفين كالقرض والشركة والوكالة والوديعة والعارية والقراض والهبة قبل القبض والجعالة ونحوها.
والجعالة جائزة من الطرفين وإن كان بعد الشروع في العمل، لكن إن فسخ العامل فلا شيء له وإن فسخ الجاعل في أثناء العمل لزمه أجرة ما عمل.
الثاني: لازم من الطرفين كالبيع بعد الخيار والسلم والصلح والحوالة والمساقاة والإجارة والهبة لأجنبي بعد القبض والخلع ونحوها.
الثالث لازم من أحدهما جائز من الآخر. كالرهن لازم بعد القبض في حق الراهن جائز في حق المرتهن والكتابة لازمة في حق السيد دون العبيد.
والضمان والكفالة جائزتان من جهة المضمون له دون الضامن.
الرابع: لازم من أحدهما مع خلاف في الآخر وهو النكاح لازم من جهة المرأة وفي الزوج وجهان:
أحدهما جائز من جهته لقدرته على الطلاق. وأصحهما لازم كالبيع وقدرته على الطلاق ليست فسخا وإنما هو تصرف في المملوك ولا يلزم من ذلك كونه جائزا كما أن المشتري يملك بيع المبيع.
والمسابقة على قول جائزة وفي الأظهر لازمة

مسألة 3
إذا انعقد البيع لم يتطرق إليه الفسخ إلا بأحد سبعة أسباب
خيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب وخيار الخُلف بأن شرطه كاتبا فخرج غير كاتب والإقالة والتحالف وتلف المبيع قبل القبض.

مسألة 4
مما يقوم فيه الوطء مقام اللفظ
وطء البائع في مدة الخيار فيكون فسخا ولا يقوم وطء الرجعية مقام لفظ الرجعة عندنا.
وأما وطء من أعتق إحدى أمتيه أو طلق إحدى امرأتيه أو أسلم على أكثر من أربع نسوة.
أو أراد الرجوع في جارية ثبت له الرجوع فيها بإفلاس المشتري أو بوجود عيب في الثمن أو المشتري الجارية المبيعة في مدة الخيار.
ففي قيام الوطء في جميع هذه الصور مقام اللفظ وجهان يختلف الراجح

وأما وطء الموصى بها فإن اتصل به إحبال كان رجوعا وإن عزل فلا وأن أنزل ولم يُحبل فوجهان: أصحهما ليس برجوع وقال ابن الحداد رجوع.
وطء الأب جارية وهبها لولده حرام قطعا وليس رجوعا في أصح الوجهين.

مسألة 5
قال أصحابنا حكم العقد الفاسد حكم الصحيح في الضمان فما ضُمن صحيحه ضُمن فاسده وما لا فلا.
وحُكي في الهبة الفاسدة وجه أنها مضمونة والذهب لا تضمن لأن صحيحتها ليست مضمونة.

مسألة 6
في ضبط جمل من المقدرات الشرعية وهي ثلاثة أقسام: قسم تقديره تحديد وقسم تقريب وقسم مختلَف فيه.
فمن التحديد طهارة الأعضاء في الوضوء ثلاثا ثلاثا. ومنه تقدير مدة مسح الخف بيوم وليلة حضرا وثلاثة سفرا. والاستنجاء بثلاثة أحجار وغسل ولوغ الكلب بسبع وأكثر الحيض وأقل الطهر بخمسة عشر يوما وأوقات الصلوات. واشتراط اربعين لانعقاد الجمعة والتكبيرات الزوائد في صلاة العيد والاستسقاء وخطب العيد والاستغفار في أول خطبة الاستسقاء.
ونُصُبُ الزكاة في الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة وعروض التجارة وقدر الواجب فيها وفي زكاة الفطر.
والكفارة ومنه الآجال في حول الزكاة وتعريف اللقطة والعُدد ودية الخطأ على العاقلة أو غيرهم وفي نفي الزاني وفي انتظار العنِّين والمُلي والسن الذي يؤُثِّر فيه الرضاع وتقدير جلد الزاني مائة جلدة والقاذف ثمانين والشارب بأربعين والرقيق على النصف
وتقدير نصاب السرقة ربع دينار وغير ذلك
ومن التقدير الذي للتقريب
سن الرقيق المُسلَم فيه والموكل في شراه لمن أسلم في عبد سنه عشر سنين فإنه يستحق ابن عشر تقريبا. او وكّله في شراء بان عشر لأنه يتعذر تحصيل ابن عشر تحديدا بالأوصاف المشروطة.
ومن التقدير المختلف فيه: تقدير القلتين بخمسمائة رطل وسن الحيض بتسع سنين والمسافة بين الصفين بثلاثمائة ذراع ومسافة القصر بثمانية وأربعين ميلا ونصاب المعشّرات بألف وستمائة رطل بغدادي وفيها كلها وجهان: الأصح في القلتين والحيض والمسافة بين الصفين: التقريب.
وفي مسافة القصر ونصاب المعشّرات التحديد.
ووجه التقريب أنه مجتهد في هذا التقدير وما قاربه في معناه بخلاف المنصوص على تحديده.
وفي تقدير سن البلوغ بخمس عشرة سنة طريقان المذهب القطع بأنه تحديد. والثاني على وجهين ثانيهما أنه تقريب حكاه الرافعي وغيره والله أعلم.

مسألة 7
في بيان أقسام الرخص وهي ثلاثة أقسام :
أحدها: رخصة يجب فعلها كمن غص بلقمة ولم يجد ما يسيغها به إلا خمرا يجب إساغتها بها.
وكالمضطر إلى أكل الميتة وغيرها من النجاسات يلزمه أكلها على الصحيح الذي قطع به الجمهور. وقال بعض أصحابنا يجوز ولا يجب.
الثاني رخص مستحبة كقصر الصلاة في السفر والفطر لمن شق عليه الصوم وكذا الإبراد في شدة الحر على الأصح.
الثالث : رخصة تركها أفضل من فعلها كمسح الخف والتيمم لمن وجد الماء يباع بأكثر من ثمن مثله والفطر لمن لا يتضرر بالصوم ود أبو سعيد المتولي واالغزالي في البسيط من هذا القسم الجمع بين الصلاتين في السفر. ونقل الغزالي على أن ترك الجمع أفضل بخلا ف القصر. وفرقوا بوجهين:
أحدهما أن في القصر خروجا من الخلاف وفي ترك الجمع خروجا من الخلاف أيضا فإن أبا حنيفة وآخرين يوجبون القصر ويبطلون الجمع.
والثاني أن الجمع يلزم منه إخلاء وقت العبادة الأصلي عن العبادة بخلاف القصر.
قالوا والأحاديث الواردة في الجمع ليست نصوصا في الاستحباب بل فيها جواز فعله ولا يلزم منه الاستحباب.

مسألة 9

قال أصحابنا رخص السفر ثمان: ثلاث تختص بالطويل وثنتان لا تختصان وثلاث فيها قولان.
فالمختص القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثا.
وغير المختص القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثا
والثلاث اللواتي فيهن قولان الجمع بين الصلاتين ولأصح اختصاصه بالطويل. والتنفل على الدابة وإسقاط الفرض بالتيمم والأصح عدم اختصاصهما.
والسفر الطويل ثمانية وأربعون ميلا بالهاشمي والميل ستة آلاف ذراع.
قال القلعي رحمه الله والذراع عندنا اربع وعشرون إصبعا ونقل ابن الصباغ وغيره أن للشافعي رحمه الله في مسافة القصر سبعة نصوص مختلفة اللفظ المراد بها كلها شيء واحد:
قال في موضع ثمانية وأربعون ميلا، وفي موضع ستة وأربعون، وفي موضع أكثر من أربعين، وفي موضع أربعون، وفي موضع مسير ليلتين، وفي موضع مسيرة يوم وليلة.
قال أصحابنا المراد بالجميع شيء واحد وهو ثمانية وأربعون ميلا هاشمية وهي مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام.
قالوا وقوله ستة وأربعون تركه الأول والأخير وهو عادة معروفة للعرب
وقوله أكثر من أربعين أراد ثمانية وأربعين، وقوله أربعون أراد أربعين أموية وهي ثمانية وأربعون هاشمية. وقوله يومان أراد من غير ليلة بينهما وقوله ليلتان أراد من غير يوم بينهما. وقوله يوم وليلة أراد اليوم مع الليلة. وكل ذلك ثمانية وأربعون ميلا هاشمية والله أعلم.
قال أصحابنا ولا يباح شيء من رخص السفر الثمان لعاص بسفره حتى يتوب إلا التيمم ففيه ثلاثة أوجه: أصحها يلزمه التيمم ويلزمه الإعادة والثاني يجب التيمم ولا إعادة والثالث يحرم التيمم ويجب القضاء ويكون معاقبا على المعصية وعلى تفويت الصلاة بغير عذر.
قالوا وإنما لا يباح له شيء منها لأنه مقصر وقادر على استباحتها كلها في الحال بالتوبة وأما العاصي في سفره وهو الذي يكون سفره مباحا لكنه يرتكب في طريقه معصية كشرب خمر وغيره فتباح له الرخص.

مسألة 9

إذا تعارض أصل وظاهر أو أصلان جرى فيهما غالبا قولان للشافعي رحمه الله أو وجهان للأصحاب كثوب خمار وقصاب ومتدين بالنجاسة وطين شارع ولا يتحقق نجاسته ومقبرة شك في نبشها. وادعى القاضي حسين والمتولي والهروي إطراد القولين، وغلطوهم في ذلك.
فقد يجزم بالظاهر كمن أقام بينة على غيره بدَين أو أخبر ثقة بنجاسة ماء أو ثوب وبيّن السبب كمسألة الظبية التي ذكرها الشافعي رحمه الله والأصحاب وهي لو رأى حيوانا ظبية أو غيرها بال في ماء كثير فرآه متغيرا واحتمل أن يكون تغيّره بالبول وبطول المكث. قال الشافعي والأصحاب يُحكم بنجاسته لأن الظاهر ن تغيّره بالبول.
فهذه المسائل وأشباهها يعمل فيها بالظاهر ويترك الأصل بلا خلاف. وقد يجزم بالأصل كمن ظن طهارة أو حدثا أو أنه صلى ثلاثا أو أربعا أو طلاقا أو عتق ونحوها فإنه يعمل بالأصل ولا اعتبار بالظاهر بلا خلاف . والصواب في الضابط ما قاله المحققون أنه يرجّح أحدهما بمرجّح جزم به وإلا ففيه القولان. والاصح من القولين في معظم الصور الأخذ بالأصل والله أعلم.

ماهر محمد بركات
07-10-2005, 14:05
بارك الله فيك أخي على هذه الفوائد الجمة ..

لكن أرجو اعادة تصحيح هذه العبارة مشكوراً :
(مسألة 9

قال أصحابنا رخص السفر ثمان: ثلاث تختص بالطويل وثنتان لا تختصان وثلاث فيها قولان.
فالمختص القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثا.
وغير المختص القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثا )

محمد ال عمر التمر
07-10-2005, 15:52
شكرا ماهر الخطأ سبق قلم.

والعبارة الصحيحة هكذا بعد تصحيح ترقيم المسألة إلى مسألة 8:

مسألة 8

قال أصحابنا رخص السفر ثمان:

ثلاث تختص بالطويل وثنتان لا تختصان وثلاث فيها قولان.

فالمختص: القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثا

وغير المختص: ترك الجمعة وأكل الميتة,

محمد ال عمر التمر
03-01-2007, 14:37
وهذه هي الرسالة لمن أراد تحميلها: