المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التوحيد و العدل: (وفيها مناقشة حول مسألة الرؤية)



الزيدى
22-10-2003, 15:35
بسم الله الرحمن الرحيم

1-التوحيد :
يتفق الزيدية و جمهورعلماء المدرسة السنية على تنزيه الله تعالى عن مشابهة الاجسام اى تنزيهه تعالى عن المعانى التى نفاها الامام الطحاوى فى عقيدته :[ تعالى الله عن الحدود و الغايات- اى النهايات - و الاعضاء و الاركان و الادوات ] و اعتقاد ان ذاته تعالى لا تشبه ذوات خلقه من اى وجه , و ليس من التشبيه وصف الله تعالى بانه عالم و قادر وحى و سميع و بصير
فقولنا : ان الله قادر لا كالقادرين اثبات ان الفعل يصح منه تعالى وانه يفعل اذا شاء ويترك اذا شاء وهو معنى القادر ثم بقولنا : لا كالقادرين اثبتنا ان ذاته تعالى لا تشبه ذوات بقية القادرين من اى وجه فليس فى قولنا ان الله قادر كلام فى كنه الذات انما هو فيما يصح من الذات وبين الامرين فرق كبير
و قولنا الله عالم لا كالعالمين فليس هذا الا اثبات ان كل امر ظاهر له تعالى لا تخفى عليه خافية وليس هذا كلام فى ذات الله تعالى و قولنا ان الله تعالى حى لا كالاحياء: اثبات ان الله تعالى يصح ان يقدر و يعلم و هذا معنى الحى , و نفى ان تكون ذاته تعالى مشابهة لذوات خلقه من اى وجه
وقولنا انه سبحانه السميع البصير اثبات انه يدرك المسموع و المبصر فليس فى اثبات ذلك كلام فى كنه ذاته تعالى
اما اثبات التجسيم لذات الله تعالى فهوخوض فى حقيقة الذات الالهية و اثبات ان ذات الله تعالى شىء محدود متناهى ممتد فى الفراغ و اثبات واضح لمشابهة ذات الله تعالى لسائر ذوات المخلوقات فكما ان ذواتهم عبارة عن شىء محدود متناهى كذلك ذاته تعالى فى اعتقاد المجسمة !

و يعتقد الزيدية ان الله تعالى لا يرىفى الدنيا و الاخرة
قال الامام المنصور بالله عبد الله بن حمزة الحسنى – ت614- [أن مذهب آل محمد سلام الله عليه وعليهم وكافة أهل العدل والتوحيد من أتباعهم رضي الله عنهم متقرر على نفي الرؤية عن الله سبحانه في الدنيا والآخرة لكون ذلك مستحيلاً في حقه جل وعلا من أن تدركه الأبصار، وتحيط به الأقطار، وتدركه الحواس، أو يقاس بالناس، وكيف تدرك الجوارح باريها، وتشاهد الأدوات خالقها] المجموع المنصورى – الاجوبة الشافية

و الخلاف مع المنزهين من اهل السنة فى مسالة الرؤية خلاف لفظى على التحقيق , فالرؤية التى يثبتونها رؤية بلا مقابلة او مسافة بين الرائى و المرئى
يقول العلامة الحنفى محمد زاهد الكوثرى رحمه الله فى تعليقاته على الانصاف للباقلانى /187:
[ رؤية اهل الجنة لله سبحانه مجردة عند اهل الحق من المقابلة و المسافة و نحوهما من لوازم الجسمية على خلاف الرؤية فى الشاهد بادلة تنزه الله سبحانه من ان يكون جسما او جسمانيا
و هذا موضع اتفاق بين الفريقين سوى الحشوية
فيجب ان يكونوا متفقين ايضا على حصول معرفة ضرورية بالله سبحانه لهم فى الجنة فوق معرفتهم الاستدلالية الغيبية به تعالى فى دار الدنيا
و ما عدا ذلك شغب ياباه المحصلون ]

و يقول العلامة الزيدى السيد بدر الدين الحوثى الحسنى فى رده على الشيخ السلفى مقبل الوادعى :

[ قال مقبل : هل تؤمنون بان الله يرى فى الاخرة ؟!
و الجواب : هل تؤمنون بسورة الانعام ؟! هل تؤمنون بما مدح الله به نفسه فيها و بين انه المتعالى عما يشرك المشركون فقال سبحانه و تعالى { و جعلوا لله شركاء الجن و خلقهم و خرقوا له بنين و بنات بغير علم سبحانه و تعالى عما يصفون – بديع السموات و الارض انى يكون له ولد و لم تكن له صاحبة و خلق كل شىء و هو بكل شىء عليم – ذلكم الله ربكم لا اله الا هو خالق كل شىء فاعبدوه و هو على كل شىء وكيل – لا تدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير }
فجاء قوله تعالى { لا تدركه الابصار } فى نسق الصفات التى تبين فساد قول المشركين و فساد نسبتهم الى الله سبحانه شركاء و جعلهم له ولدا , فكانت تلك صفة امنا بها و لم تؤمنوا بها , كما امنا بقول الله تعالى { ليس كمثله شىء و هو السميع البصير } صفة لا تزال لله لا تنتفى عنه فى الدنيا و لا فى الاخرة , لانها جاءت فى الاية فى نسق الصفات المبينة لكونه لا يليق به ما نسبه له المشركون , المبينه لعظمته و جلاله و تعاليه عما يتوهمه المشركون ,
فهى صفات مدح و تسبيح لا تنتفى عن الله سبحانه و تعالى لا فى الدنيا و لا فى الاخرة
:فاما الروايات فكثير منها يمكن تفسيره بمعنى قريب , و هى ان الرؤية فيها مقيدة بكونها كما يرون القمر , و القمر لا نرى الا شعاعه لا جرمه , لان الجرم بعيد جدا و لا يرى من بعيد الا النور , فالمعنى :
انها تتجلى للمؤمنين عظمته تعالى و جلاله و حكمته و رحمته و جبروته و عزته بما يشاهدون فى القيامة من قضائه سبحانه و تعالى
و يكون العلم بذلك ضروريا بمنزلة العلم بالمشاهدات ,
و اختص بذلك المؤمنون لان اعداء الله فى شغل عن ذلك بانفسهم , كما قال تعالى {و من كان فى هذه اعمى فهو فى الاخرة اعمى و اضل سبيلا } و قال تعالى {و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا و بكما و صما ماواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا } و وصف الابرار بضد ذلك فقال { ان الابرار لفى نعيم – على الارائك ينظرون } فكانت مشاهدتهم لقضائه و رؤيتهم لعدله و عزته و رحمته و فضله هى مشاهدة جلاله و عظمته ,
و كان ذلك معنى رؤيته , لانه تجلى لهم بهذا المعنى من حيث كمال المعرفة و العلم و كونه ضروريا كالعلم بالمشاهدات ]
تحرير الافكار/335-337


--------------
الرؤية عند السلفية :
قال الشيخ ابن تيمية فى رده على الفخر الرازى:
[ان كون الرؤية مستلزمة لان يكون الله بجهة من الرائى امر ثبت بالنصوص المتواترة ] بيان تلبيس الجهمية 2/409
ثم ذكر بعض احاديث الرؤية التى صححها البخارى و مسلم الى ان قال :
[ و من المعلوم انه اذا كانت رؤيته مثل رؤية الشمس و القمر وجب ان يرى فى جهة من الرائى كما ان رؤية الشمس و القمر كذلك ] بيان تلبيس الجهمية 2/411
و اخيرا نقل اجماع السلف على ذلك :
[ ان كون الله يرى بجهة من الرائى ثبت باجماع السلف و الائمة ] بيان تلبيس الجهمية 2/415
وفريق من علماء المدرسة السلفية يثبت الحد و النهاية للذات الالهية و بعضهم لا يثبته و لا ينفيه , و لعل بعضهم ينفى الحد و النهاية و ان لم اقف على نفى واضح لذلك لاحد علمائهم, و كما يقول ابن تيمية فى رده على الفخر الرازى :
[ اما وصفه بالحد و النهاية الذى تقول انت انه معنى الجسم . فهم – اى الحنابلة – فيه كسائر اهل الاثبات على ثلاثة اقوال :
منهم من يثبت ذلك كما هو المنقول عن السلف و الائمة
و منهم من نفى ذلك , و منهم من لا يتعرض له بنفى و لا اثبات ] بيان تلبيس الجهمية 1/52



و يقول الشيخ فى بيان تلبيس الجهمية 2/109 :
[ اما سلف الامة و ائمتها و من اتبعهم فالفاظهم فيها : انه فوق العرش ,و فيها اثبات الصفات الخبرية التى يعبر عنها هؤلاء المتكلمون عنها بانها : ابعاض و انها تقتضى التركيب و الانقسام
و قد ثبت عن ائمة السلف انهم قالوا : لله حد ,و ان ذلك لا يعلمه غيره ]


والصفات الخبرية التى يقول ابن تيمية ان المتكلمين يعتبرونها ابعاضا اى صفات اليد و الاصابع و الرجل و العينين و الساق و الوجه و .. الخ
و لا معنى لهذه الالفاظ فى اللغة العربية الا معنى الاعضاء و الالات او المعانى المجازية فاذا نفينا ان يكون المراد منها معانيها المجازية لم يبق لهذه الالفاظ من معنى فى اللغة الا الاعضاء و الالات , و علماء السلفية يرفضون تفسير هذه الالفاظ بالمعانى المجازية و لا ينفون بوضوح انها ابعاض
يقول ابن ابى العز فى شرح الطحاوية :[ وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات - فيستدل بها النفاة على نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية ، كاليد والوجه ...
ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء ، أو جوارح ، أو أدوات ، أو أركان
، لأن الركن جزء الماهية ، والله تعالى هو الأحد الصمد ، لا يتجزأ ، سبحانه وتعالى
، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية ، تعالى الله عن ذلك ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : الذين جعلوا القرآن عضين
والجوارح فيها معنى الإكتساب والإنتفاع . وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة . وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى ، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى . فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني ، سالمة من الإحتمالات الفاسدة، فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً ، لئلا يثبت معنى فاسد ، أو ينفى معنى صحيح . وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل.] انتهى

وهناك من يعتبر هذا نفيا للاعضاء و الابعاض عن الله تعالى , و هناك من يعتبر ان مراده نفى مجرد تفكك هذه الابعاض و تفرقها عن بعضها !! و ان هذا هو ما يقصده ابن ابى العز من قوله : الاعضاء فيها معنى التفريق و التعضية تعالى الله عن ذلك .و قوله : والله تعالى هو الأحد الصمد ، لا يتجزأ , و يتضح المراد من تفسيرالشيخ ابن تيمية لاسم الله تعالى : الصمد

يقول ابن تيمية فى رده على الرازى 2/58 :
[اسمه الصمد ينفى عنه التفرق و التمزق و ما يتبع ذلك من تركيب و نحوه فان اسم الصمد يدل على الاجتماع] . بيان تلبيس الجهمية 2/58
ثم قال 2/59 :
[و لفظ الصمد يدل على انه لا جوف له و على انه السيد .] فمعنى صمدية الله سبحانه فى نظر ابن تيمية ان ذاته تعالى لا جوف لها ! اى مصمتة !! و لا يمكن بالتالى ان تتفرق اجزاء ذاته او تتمزق !! ارجو الا يعجب احد من هذا الكلام و رده على الرازى مطبوع فليقراه من شاء
و يقول ردا على الرازى فى مسالة التركيب 2/95 :
[بل يكون الواجب على هذا التقدير على الطائفتين الاعتراف بما فى بديهة العقل : فيعترفون جميعا بانه فوق العالم و يمتنع ان يكون لا داخله و لا خارجه
و حينئذ يكون مشارا اليه بحسب الحس
و حينئذ يكون فيه ما سماه تاليفا و انقساما و ان لم يكن هو المعروف من التاليف و الانقسام , فان المعروف من ذلك يجب تنزيه الله عنه كما نزه عنه نفسه فى سورة الاخلاص كما تقدم التنبيه عليه بقوله ( الله الصمد )
فان الصمد فيه من معنى الاجتماع و القوة و السؤدد ما ينافى الانقسام و التفرق .]
و يقول فى رده على الرازى 2/248 :
[قد اخبر الله تعالى فى كتابه انه الصمد و قد قال عامة السلف من الصحابة و التابعين و غيرهم ان الصمد هو الذى ((لاجوف له ))و قالوا امثال هذه العبارات التى تدل على ان معناه – اى الصمد – انه لا يتفرق – الى قوله – و هذا يدل على ان صمديته تنافى جواز التفرق و الانحلال عليه فلا يخلو اما ان تكون هذه الاة قد دلت على ذلك و على انه (( مصمت )) لا جوف له يمتنع عليه التفرق , بطل قولك : ان كل جسم يصح عليه التفرق و الانحلال
و ان لم تكن دلت على ذلك فانت لم تذكر دليلا عقليا على امتناع التفرق عليه و لا نصا و لا اجماعا .]

======================



نفى زيادة الصفات على الذات :
يقول العلامة الزيدى السيد مجد الدين المؤيدى :
[الحق الذى عليه قدماء ال الرسول صلوات الله عليهم و من وافقهم من علماء الاصول , و قضت به حجج المعقول و المنقول , ان صفات الله جل جلاله : ذاته
و المعنى انه ليس لله سبحانه و تعالى باعتبار هذه الصفات سواه , لا معنى و لا امر و لا حال ,و لا شىء غير ذى الجلال , بل الذات المقدس يوصف عزوجل من حيث انكشاف جميع المعلومات له و تعلق علمه بها : عالما ,
و من حيث اقتداره على جميع المقدورات و عدم امتناع شىء منها عليه : قادرا ,,
و التغاير انما هو باعتبار المفهوم
فعالم باعتبار تعلق الذات بالمعلومات من حيث كونها معلومات , و قادر من حيث كونها مقدورات ,و هكذا سائرها , فالتعدد حقيقة فى متعلق الصفات لا فى الصفات , فليست الا عبارة عن الذات
] لوامع الانوار 1/185-186


و فى مسالة خلق القران و قدمه يعتقد الزيدية ان القران ذكر من الله محدث و ليس قديما , قال المنصور ابن حمزة :
[ مذهب آل محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – ومذهب أهل العدل والتوحيد من علماء الأمة: أن القرآن كلام الله سبحانه، ووحيه وتنزيله، نزل به الروح الأمين، على محمد خاتم النبيين صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين والمخلوق يحتمل معنيين: أحدهما: المكذوب قال الله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾[العنكبوت:17] و ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ﴾[ص:7] فعلى هذا الوجه لا يجوز وصف القرآن الكريم بأنه مخلوق لأنه الصدق الذي لا يشوبه الكذب، والجد الذي لا يخلطه اللعب، والثاني: المحدث الموجود بعد القدم المقدر على وجه الحكمة، فهذا يجوز وصف القرآن الكريم به، بل هو الواجب فيه، قال تعالى في صفته: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾[الأحقاف:12] وما كان قبله غيره فهو محدث، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾[الشعراء:5] فوصفه بالحدوث، والحدوث والخلق الذي بمعنى الحدوث واحد؛ لأنه مرتب منظوم يوجد بعضه في إثر بعض، وذلك دليل الحدوث؛ أما أنه مرتب منظوم يوجد بعضه في إثر بعض فذلك ظاهر، وأما أن ذلك من أمارة الحدوث فلسنا نريد بالمحدث إلا الموجود بعد غيره وإن سبقه غيره، وذلك المعقول من المحدث عند الكافة من أهل العلم.] المجموع المنصورى – الاجوبة الشافية


و الخلاف مع المدرسة الاشعرية و الماتريدية فى الكلام النفسى ,و يقول العلامة الاشعرى ابراهيم الباجورى فى شرح جوهرة التوحيد :
[ مذهب اهل السنة ان القران بمعنى الكلام النفسى ليس بمخلوق , و اما القران بمعنى اللفظ الذى نقرؤه فهو مخلوق , لكن يمتنع ان يقال : القران مخلوق و يراد به اللفظ الذى نقرؤه الا فى مقام التعليم لانه ربما اوهم ان القران بمعنى كلامه تعالى مخلوق ] شرح الجوهرة /133
و الحاصل ان الاشعرية يطلقون لفظ القران على امرين : الاول الكلام اللفظى الذى انزل على محمد صلى الله عليه واله وسلم و هو فى اعتقادهم محدث مخلوق
و الثانى هو صفة الكلام النفسى القائمة بذات الله تعالى فى اعتقادهم , و القران بهذا المعنى قديم فى اعتقادهم و ليس بمحدث و لا مخلوق و الكلام النفسى فى اعتقادهم ليس صوتا و لا حرفا
و اعتقاد الزيدية ان الله تعالى يوصف بانه متكلم بمعنى انه قادر على ايجاد و احداث الكلام اللفظى, و لا يحدثه فى ذاته المقدسة فمن ضرورة الدين ان ذاته تعالى ليست محلا للمخلوقات



موقف السلفية من مسالة خلق القران :
تعجب العلامة الاباضى احمد الخليلى من موقف السلفية من مسالة خلق القران و هو بالفعل موقف محير !,حيث نقل فى كتابه القيم ( الحق الدامغ )من موقف ابن تيمية من مسالة خلق القران , حيث نقل نصا لابن تيمية يقول فيه [و لا قال احد منهم – اى السلف – ان نفس الكلام المعين كالقران او ندائه لموسى او غير ذلك من كلامه المعين انه قديم ازلى ]- الفتاوى 12/86- , قال الخليلى :

[و اذا كان الامر كما قرره هنا ففيم اذا هذا الضجيج ؟! و لماذا يقال ان القران غير مخلوق ؟! مع انكاره ان يقول احد من السلف بازليته ؟!
فان قيل ان مرادهم بانكار خلق القران و الانكار على من قال ذلك لم يريدوا به الا انكار كونه ناشئا عن غيره تعالى كما يفيده قول ابن تيمية )مع قولهم ان كلام الله غير مخلوق و انه منه بدا ليس بمخلوق ابتدا من غيره (
فالجواب : ان وصف شىء بالمخلوقية لا يعنى بحال انه صادر عن غير الله تعالى , فالسماوات و الارض و ما فيهما و من فيهما لم تنشا من غيره تعالى , فهل يسلب شىء منها صفة المخلوقية لاجل ذلك ؟ و كما ان مبدا القران من الله كما نص عليه ابن تيمية فان مبدا الكون منه تعالى { امن يبدا الخلق ثم يعيده و من يرزقكم من السماء و الارض االه مع الله قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين }
و ما اعجب التناقض و الاضطراب فى قول ابن تيمية ( ان كلام الله غير مخلوق و انه منه بدا , ليس بمخلوق ابتدا من غيره ) حيث نفى الخلق عن الكلام و اثبت له البداية , و هل البداية الا خلق ؟؟
و قوله فى اخره : ليس بمخلوق ابتدا من غيره , ان كان مراده به ان كل مخلوق ابتدا من غير الله فهو مردود بادلة العقل و النقل كما هو واضح مما ذكرته قبل قليل ,و ان كان مراده به نفى اجتماع الصفتين فى كلامه تعالى – و هما خلقه و ابتداؤه من غيره – فلا معنى لذلك الا ان يحمل ابتداؤه من غيره على انه وصف مقيد للخلق المنفى و هذا و رب الكعبة هو عين ما يقوله القائلون بخلق القران اذ لا قائل منهم بانه ابتدا من غيره سبحانه فان الكل مجمعون على انه كلامه عزوجل و وحيه و تنزيله ] الحق الدامغ /148-149

الزيدى
22-10-2003, 15:40
2- العدل =

- القدر :
قال العلامة الزيدى السيد بدر الدين الحوثى [العدلية لا ينكرون انه تعالى يعلم ما سيكون من المخلوقات التى يخلقها سبحانه . و من افعال عباده الطاعة و المعصية و غيرها
و ليس معنى القدر القضاء على العبد بان يعصى, و لا كتابة ان يعصى بمعنى : ايجاب ان يعصى
و لكن كتابة انه سوف يعصى
فالقدر لافعال العباد: سابق غير سائق
و المجبرة يظنون ان من لا يجعل القدر سائقا الى المعصية فقد انكر القدر .
اما الاحاديث التى تثبت القدر فهى غير منكرة كحديث )(و تؤمن بالقدر خيره و شره ) و انما ينكرون نحو رواية محاجة ادم موسى . و فيها ان ادم قال لموسى : كيف تلومنى على امر قدره الله على قبل ان يخلقنى ؟ الى قوله : فحج ادم موسى
و ليس انكارها لاجل اثبات القدر . و لكن لجعله عذرا يرفع اللوم عن العاصى . و لا شك فى نكارة ذلك
و لو كان عذرا لما كان لادم ان ينكر على موسى لومه اياه , لان اللوم الواقع من موسى : مقدر . فكيف ينكر عليه ما هو مقدر اذا كان التقدير يدفع اللوم ؟
مع ان جواب ادم على موسى لوم له على اللوم اذ قال : تلومنى على امر قدره الله على .. فكان لموسى ان يجيب: تلومنى على اللوم و هو مقدر ؟!
فهذه الرواية منكرة لا لاثبات القدر بل لجعله عذرا لاهل المعاصى يرفع عنهم استحقاق اللوم . ]تحرير الافكار /145-146
اما القدر و القضاء بمعنى ارادة الله تعالى لافعال العباد و خلقه لها. فالارادة الالهية فى اعتقاد الزيدية على وجهين : ارادة حتم او الارادة التكوينية و ارادة تخيير او الارادة التشريعية, و الارادة التشريعية لا تتعلق بجميع افعال العباد بل ما امرهم الله به و ندبهم اليه , اما الارادة التكوينية. فارادة الله تعالى للفعل ارادة تكوينية معناها ان الله تعالى سيفعل هذا الفعل و فعل العبد ليس فعلا لله تعالى . فلا يصح القول بان الله يريد فعل العبد ارادة تكوينية
و اذا كان المقصود تعلق ارادة الله تعالى بايجاد و ابقاء قدرة العبد التى يحدث بها العبد فعله , فلا خلاف فى ذلك بين المسلمين
و اذا كان المراد بخلق الله لافعال العباد : خلق قدرة العبد و خلق ارادته فهذا لا خلاف فيه بين اهل القبلة ,و اذا كان المراد بخلق افعال العباد ايجاد الله تعالى للفعل فى العبد دون ان يكون للعبد تاثير فى ايجاده فهذا قول باطل و يلزم منه الجبر
و اذا كان المراد بخلق فعل العبد الجاء العبد الى فعله و ان القدر الالهى يسوق العبد الى افعاله , فهذا هو الجبر
و يقول الامام الهادى يحيى بن الحسين بن القاسم الرسى [ ان الله سبحانه و عزوجل عن كل شان شانه عدل فى جميع افعاله , و انه برىء من مقالة الجاهلين , متقدس عن ظلم المظلومين , بعيد عن القضاء بالفساد للمفسدين , متعال عن الرضى بمعاصى العاصين , برىء من افعال العباد , غير مدخل لعباده فى الفساد , و لا مخرج لهم من الخير و الرشاد , و كيف يجوز ذلك على حكيم او يكون من صفة رحيم ] الاحكام 1/34

--------------------

- الكسب :
يتفق الماتريدية مع الاشعرية فى ان قدرة العبد ليس لها تاثير فى ايجاد الفعل ,و ان العبد ليس له دور فى فعله الا (الكسب )
و قد نقل المحقق الاشعرى المعاصر سعيد فودة فى كتابه (الانتصار للاشاعرة) تحقيقا جيدا للشيخ المحقق محمد الحسيني الظواهري في كتابه "التحقيق التام في علم الكلام" يبين الفرق بين مذهب الماتريدية و الاشعرية فى المسالة :
[ قالوا اى الماتريدية -: إن الأشاعرة التجأوا إلى القول بخلق الله تعالى لكل شيء من الأفعال ومنها الأفعال الإنسانية كلها، لأنهم قالوا: إن الأدلة النقلية ملجئة إلى القول بذلك لعمومها، ولكن الواقع ليس كذلك فإن الأدلة تكون ملجئة إن لم تتعارض مع غيرها ولم تحتمل التخصيص، أماهذه الأدلة التي استندوا إليها فإنها تحتمل التخصيص، فإن ظاهر قول الأشاعرة يلجئ إلى القول بالجبر، لأنهم يقولون: إن كل الأفعال فالله تعالى هو خالقها، ولكننا نقول إن الله تعالى إن أعطى القدرة لعبيده على بعض الأفعال فإن ذلك لا يؤثر على شيء من المقام العالي له تعالى، ولا ينقص من خصائص الألوهية.
ونفي الجبر المحض وتصحيح التكليف لا يتوقف على نسبة جميع أفعال العباد إليهم كما تقوله المعتزلة بالإيجاد، بل يكفي لنفيه أن يقال جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح من الحركات إنما يوجد بخلق الله تعالى وكذلك التروك التي هي أفعال النفس لأن الترك كف النفس عن الميل إلى الشيء وعن الداعية التي تدعو إليه وعن الاختيار له إنما يوجد الجميع بخلق الله تعالى لا تأثير لقدرة العبد فيه، وإنما محل قدرة العبد عزمه عقيب خلق الله تعالى فيه هذه الأمور في باطنه عزماً مصمماً بلا تردد وتوجهه توجهاً صادقاً للفعل طالباً إياه توجهاً لا يلابسه شوب توقف، فإذا أوجد العبد ذلك العزم المصمم خلق الله تعالى له الفعل عقيبه فيكون منسوباً إليه تعالى من حيث هو حركة. ]
ثم علق الشيخ الحسيني الظواهري على هذا الرأي فقال:
[وهذا الرأي يصحح التكليف بمثل ما صححه به المعتزلة إلا أنهم قصروا المسافة فجعلوا التأثير للعبد في العزم فقط". ]
ثم قال معارضا له:[ وهو كلام إلى الخطابة أقرب ونقول لهم الجبر ينتفي بمدخلية العبد بغير التأثير لأن الجبر عند عدم المدخلية للعبد بالمرة، فقول البعض إن العبد مجبور في الباطن مختار في الظاهر فهما منه أن المنافي للجبر هو المدخلية على وجه التأثير مخالفٌ للواقع، لأن الجبر بعدم المدخلية أصلا. ]
و الواقع ان نفى التاثير ينفى المدخلية و لا يبق للعبد اذن من دور فى الفعل الا كونه ظرفا و محلا للفعل ,كما قال الفاضل القوشجي :[المراد بكسبه إيّاه، مقارنته لقدرته وإرادته، من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاله ] شرح التجريد /444-445
و يقول العلامة الباجورى فى شرح قول العلامة ابراهيم اللقانى :
و عندنا للعبد كسب كلفا ** و لم يكن مؤثرا فلتعرفا
[ و بالجملة فليس للعبد تاثير ما
فهو مجبور باطنا , مختار ظاهرا
فان قيل : اذا كان مجبورا باطنا فلا معنى للاختيار الظاهرى لان الله قد علم وقوع الفعل و لا بد و خلق فى العبد القدرة عليه ؟
و اجيب : بانه تعالى لا يسال عما يفعل
و لذلك قال سيدى ابراهيم الدسوقى : من نظر للخلق بعين الحقيقة عذرهم
و من نظر لهم بعين الشريعة مقتهم
فالعبد مجبر فى صورة مختار
و الصوفية يشيرون للجبر كثيرا و حاشاهم من الجبر الظاهرى و انما مرادهم الجبر الباطنى ] شرح الجوهرة /151

اما الكسب الذى اثبته الماتريدية فله معنى يحقق الاختيار للعبد
و يقول العلامة محمد زاهد الكوثرى فى تعليقاته على الانصاف للباقلانى /153:
[ اما ارادة العبد للفعل فهى مدار تكليفه , و هى بيده , جعلها الله هكذا تحقيقا لمسؤلية العبد عن افعاله , و هى متقدمة تقدما ذاتيا على الخلق كما جرت عادة الله على ذلك
فيكون اختيار العبد بعيدا عن سمة الجبر ]

--------------

- السلفية و الكسب :
الظاهر من علماء السلفية انتقاد الكسب الاشعرى ..
يقول الشيخ سفر الحوالى فى رسالة منهج الاشاعرة فى العقيدة /23:[ اراد الاشاعرة هنا ان يوفقوا بين الجبرية و القدرية فجاؤا بنظرية الكسب و هى فى مالها جبرية خالصة , لانها تنفى اى قدرة للعبد او تاثير , اما حقيقتها النظرية الفلسفية فقد عجز الاشاعرة انفسهم عن فهمها فضلا عن افهامها لغيرهم]
و يقول علامة السلفية عبد الرحمن السعدى :
[ ان العبد اذا صلى و صام و فعل الخير او عمل شيئا من المعاصى كان هو الفاعل لذلك العمل الصالح و ذلك العمل السىء
و فعله المذكور بلا ريب قد وقع باختياره و هو يحس ضرورة انه غير مجبور على الفعل او الترك و انه لو شاء لم يفعل و كان هذا هو الواقع فهو الذى نص الله عليه فى كتابه و نص عليه رسوله حيث اضاف الاعمال صالحها و سيئها الى العباد و اخبر انهم الفاعلون لها و انهم ممدوحون عليها ان كانت صالحة و مثابون , و ملومون عليها ان كانت سيئة و معاقبون عليها
فقد تبين و اتضح بلا ريب انها واقعة منهم باختيارهم و انهم اذا شاؤا فعلوا و اذا شاؤا تركوا و ان هذا الامر ثابت عقلا و حسا و شرعا و مشاهدة
و مع ذلك اذا اردت ان تعرف انها و ان كانت كذلك واقعة منهم , كيف تكون داخلة فى القدر و كيف تشملها المشيئة ؟
فيقال : باى شىء وقعت هذه الاعمال الصادرة من العباد خيرها و شرها ؟
فيقال : بقدرتهم و ارادتهم . هذا يعترف به كل احد
فيقال : و من خلق قدرتهم و ارادتهم و مشيئتهم ؟
فالجواب الذى يعترف به كل احد ان الله هو الذى خلق قدرتهم و ارادتهم
و الذى خلق ما به تقع الافعال هو الخالق للافعال
فهذا هو الذى يحل الاشكال ] شرح الواسطية لخليل هراس /157-159

و الواقع ان هذا كلام لا فرق فى المضمون بينه و بين معتقد الزيدية و المعتزلة ! و كذلك مذهب امام الحرمين كما فى النظامية و من وافقه من علماء الاشعرية موافق لمضمون مذهب العدلية فى مسالة خلق افعال العباد
فاذا كان المراد بخلق الله لافعال العباد ان الله تعالى خلق قدرة العبد و خلق ارادته و ان العبد ليس مستقلا عن مدد القدرة الالهية , فهذا لا نزاع فيها بين كافة اهل القبلة و لم يقل العدلية من الشيعة و المعتزلة ان العبد هو الذى يخلق قدرته و ارادته بل يعتقدون ان الله تعالى خلق ارادة العبد وخلق قدرته , و لكن محل النزاع بينهم و بين الاشعرية كان فى اثبات تاثير قدرة العبد فى ايجاد الفعل , و السلفية يقرون بتاثير قدرة العبد فى ذلك

و الله الموفق .

بلال النجار
23-10-2003, 16:58
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الفاضل الزيدي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أهلاً بك عضواً في المنتدى. وأشكر لك مشاركتك السابقة وهذه، إلا أن لي بعض الملحوظات أو قل التدقيقات التي أرجو أن يتسع لها صدرك. ها أنت ذا يا أخي تقرر بعض مسائل ثلاثة المذاهب الزيدية والأشعرية والسلفية، وتخالف السلفية علناً. ثم تأتي بأقوال بعض الزيدية بعد أن سميت نفسك زيدياً. وكأنك تقول على استحياء إنك تخالفنا أي الأشعرية في هذه المسائل وتتبنى رأي الزيدية، ولا تجد رأينا حقاً. ولا يخفى ما في النقول التي أتيت بها من تعريض بأقوال الأشعرية والإشارة إلى خطئها، كما لم يخف تلميحك بأننا نحن وإياكم متفقون على مخالفة السلفية وهذه نقطة تقارب والتقاء بين المذهبين.
وأحب أن أقول لك بصراحة أيها الأخ، إني أحب أسلوباً أكثر وضوحاً من هذا. فكم أود أن يعلن المرء عن نفسه بكلام صريح، ويقول لي أنت تقول كذا وكذا، وأن أخالفك في هذا الكلام، لأني أعتبر كلامك خاطئاً والدليل على خطئه هو كذا وكذا، وأنا أقول في مقابل قولك كذا، والدليل عليه كذا. هكذا هي طريقة الباحثين عن الحقيقة، والراغبين في الوصول إليها كما أفهمها أنا على الأقل، ولا أسيء بك الظن، ولكني أعجب من طول طرايق الناس في توصيل المعاني التي يريدونها، مما يثير شكوكي في مقاصدهم أحياناً.
ولتعلم أني أعتقد أن خير ما يبدأ به للتقريب بين المذاهب هو تأسيس قواعد الخلاف، وبيان الخلافات وتحريرها مهما كانت فرعية وصغيرة، لا تجاوز الخلافات قبل تحقيقها ومعرفة لوازمها، ومعرفة المنهج النظري والأساس الذي تولدت عنه هذه الخلافات.

وها أنت ذا تأتي إلى منتدى تأسس لنشر مذهب أهل السنة والجماعة وهم الأشعرية والماتريدية، كما تعلم تمام العلم. فحين يأتي زيدي إلى هذا المنتدى ويعرض أقواله في مقابل أقوالنا بصرف النظر عن مدى تحقيقه لأقوالنا وقوة عرضه لها، فما الذي يريده هذا الشخص؟ أنت قل لي.
هل تريد أن تناقشنا في كل مسألة مسألة من التي ذكرت الخلاف فيها: الرؤية، والكلام النفسي، والكسب، وكون الصفات عين الذات أم زائدة عليها. إن كان الأمر كذلك فأهلاً وسهلاً بك مرة أخرى، وأنا أوافق على الكلام معك إن كنت تريد ذلك، فابدأ بأي مسألة تشاء، قررها على مذهبك ورد مذهبي فيها ودعنا نشرع في الكلام. وإن كان مقصدك شيئاً آخر، فبينه لنا، فإنا لا نعرض أقوال المخالفين لأهل السنة في هذا المنتدى دون التنبيه على موضع الخلاف ومقدار خطورته ومنشأ هذا الخلاف وما يلزم عليه، لأنك كما تعلم فإنه يوجد في هذا المنتدى من هو محقق لمذهب أهل السنة، كما أن فيه أيضاً من بالكاد يستطيع تصوير مسائل الكلام. وهذا أمر لا بد من مراعاته لكي لا تلتبس الأمور على المبتدي.
والآن آتي إلى مناقشة سريعة لمجمل ما كتبته في هذه المشاركة تحت عنوان التوحيد في مسألة الرؤية. ولن أستوعب كل ما قلته ههنا لانشغالي، ورغبتي في معرفة مقصدك من كتابة هذا المقال. ثم النقاش بيننا آتٍ،وأنا سأفرغ لك إن شئت، والله يفعل ما يريد.
إن الخلاف بيننا وبينكم في مسألة الرؤية لا يجوز أن يطلق القول فيه بأنه لفظي، لأنه إنما هو لفظي في جانب من جوانبه، أو لنقل إن نفيكم للرؤية وإثباتنا لها تواردا على محلّين مختلفين. نعم إن ما نفيتموه أنتم وهو الرؤية بشرائطها القانونية الحالية فإننا أيضاً نفيه في الدنيا والآخرة،ولكننا نثبت وراء ذلك نوع إدراك يحصل لنا في الدار الآخرة للذات العليّ سبحانه، ونسميه رؤية، وهو زائد على المعرفة الاستدلالية البرهانية التي توصلنا لها بعقولنا في الدنيا من العلم بوجوب وجوده، وعلمه، وقدرته، وإرادته، وغير ذلك من الصفات والأحكام التي أثبتناها لله تعالى. وقول العلامة المحقق محمد زاهد الكوثري رحمة الله عليه: (فيجب أن يكونوا متفقين أيضاً على حصول معرفة ضرورية بالله سبحانه لهم فى الجنة فوق معرفتهم الاستدلالية الغيبية به تعالى فى دار الدنيا) فهذا الوجوب وإن كان مأمولاً فإنه غير واقع، لأنكم تصرحون بنفي الرؤية التي يشرحها بعينها كلام المولى الكوثري. فلا أدري ماذا أفادك الإتيان بقوله في هذا الموضع.
وهذا الخلاف لا يمكنني أن أسميه خلافاً لفظياً، كما ترى. بل هو خلاف معنوي حقيقي.

أما استدلال السيد بدر الدين بالآية الكريمة، فظاهر أنه متعلق بمطلق الرؤية في الدنيا والآخرة بهذه الشروط المعهودة في رؤية الحوادث وبدونها. وهذا الكلام لا يسلم له مطلقاً، ومناقشات الأشعرية لهذه الآية مشهورة، ولا تخفى على مطلع مثلك. نعم إذا أراد الاستدلال على حشوي فإنه يجوز أن يقول إن هذه الأبصار بهذه القيود لا تدرك الإله سبحانه لا في الدنيا ولا في الآخرة،لأن الإله ليس من جنس ما تدركه، ولكنا نمنع ما وراء هذا الكلام من تعميم، وهو التلميح بأن الله تعالى لا يجوز أن يرى مطلقاً بالرؤية التي يشرحها أهل السنة.
فقوله: (فأما الروايات فكثير منها يمكن تفسيره بمعنى قريب, وهي أن الرؤية فيها مقيدة بكونها كما يرون القمر , والقمر لا نرى إلا شعاعه لا جرمه, لان الجرم بعيد جداً ولا يرى من بعيد إلا النور , فالمعنى: إنها تتجلى للمؤمنين عظمته تعالى وجلاله وحكمته ورحمته وجبروته وعزته بما يشاهدون فى القيامة من قضائه سبحانه وتعالى)
أقول: أولاً كلامه في أن القمر بعيد لا يرى إلا شعاعه ولا يرى جرمه من أغرب ما سمعت في حياتي، لأن كل رؤية بالعين بحسب قوانين عملها المعروفة الآن إنما هي كذلك، سواء كانت لجرم بعيد أو قريب. وقوله كما يرون القمر لم لا يفهم منه شدة اليقين برؤيته ووضوح تلك الرؤية أو عدم اختصاصها بالبعض دون الآخر مثلاً لا سيما وأن الحديث الشريف يشير إلى شيء من ذلك حيث يقول لا تضامون في رؤيته، فلم نظر إلى رؤية القمر من هذه الجهة، وههنا تأويلات أخرى محتملة.
إن قوله: إنها تتجلى .. إلخ، كلام لطيف، وقد يكون إدراك هذه المعاني وشدة تحققها في النفس لا بالنظر العقلي هو المعني بالرؤية. ولكن هذا هو عين تأويل الرؤية سواء سلمنا له استدلاله بالحديث الشريف الذي ذكره على ذلك أم لا. ولكن هذا الأمر هو عين المتنازع فيه إن كنت تلمح ذلك أيها النبيه. لأن غاية ما قلناه هو أنا نثبت رؤية تحصل لنا في الآخرة، ولا نعرف حقيقة تلك الرؤية. فإن كنتم تقولون إنها إدراك يحصل للإنسان من غير نظر، بل بالاضطرار فلم تنازعوننا في إثبات مثله، وإن كنتم تنفون هذا المعنى فلم ترتكبون هذا الإنكار والأخبار كثيرة في هذا الباب. فإن قلتم لا نسلم قطعيتها، قلنا فلم لا تجيزونها على سبيل الظن؟ فقد تقرر أن قوة الاعتقاد من قوة الدليل، وحيث لا موجب قطعياً فلا نلزم أحداً بالقطع. ولكنكم لا تجيزون أن يكون شيء اسمه رؤية بغير هذه الحاسة والكيفية من المقابلة واتصال شعاع وكون المرئي جسماً وفي جهة من الرائي إلخ من الشروط العادية، فبم تفسرون المرائي والأحلام وقد حصلت بفقدان بعض تلك الشرائط؟
وحاصل مذهبكم ما نقلته أنت عن عبد الله بن حمزة الحسني، أنكم لا تجيزون الرؤية لاستحالتها في الدنيا والآخرة.
وحاصل الجواب عنه أنا لا نسلم أن الرؤية منحصرة في هذه المعتادة، بل معناها أعم من ذلك، ويمكن رؤية الذات العلي بنوع رؤية لا تستلزم التشبيه والتجسيم حاشى الله تعالى أن يكون له صورة تنطبع في النفوس. ولا نسلم أن ذلك مستحيلاً كما ذكر، بل ذلك جايز في العقول، ثابت ولو على غلبة الظن في المنقول، فلا مبرر لنفيه. ولو وقفنا منكم موقف المعارض لكم بالنصوص المثبت للّفظ، المفوض مطلقاً للمعنى، وسلمنا لكم ظنية النصوص لا قطعيتها، فما الذي يبرر عندها قولكم: إن الرؤية مستحيلة حال تنزيهنا للعلي الجليل عن مشابهة الحوادث؟
ثم إن غاية ما توصل إليه السيد بدر الدين باجتهاده هو ظن هذا المعنى للرؤية،ولا يرقى بنا ما قاله إلى القطع بهذا المعنى الذي فسرها به، فبم يرجح قوله على قولنا؟

قولك: (وليس من التشبيه وصف الله تعالى بأنه عالم و قادر وحي وسميع وبصير)
ليس هذا محل نزاع بيننا وبينكم. ولكن النزاع في أنه هل هنالك صفة قايمة بالذات الإلهي اسمها العلم، وأخرى اسمها القدرة، والإرادة إلخ أم لا؟ وأنتم سميتم أنفسكم أهل التوحيد لنفيكم تلك الصفات، وتوهمكم بأن إثباتها يقتضي تعدد القدماء، مع أنكم تعلمون أن ذلك لا يلزمنا، لأنا نقول إن تلك الصفات لا هي عين الذات في الذهن، ولا هي غير الذات العليّ في الخارج. وكان الأليق بك وأنت تتكلم تحت عنوان التوحيد أن تقرر أنه هل من وجهة نظرك كزيدي يلزم أهل السنة القول بتعدد القدماء، أو لا؟ وهل هذا الخلاف حقيقي أو لا؟ وما الذي يترتب على هذا الخلاف؟ بدل أن تضعنا وإياكم في طرف في مقابل أهل الحشو والتجسيم. فإنهم إنما يخالفوننا ويخالفونكم، وأنتم تخالفونهم وتخالفوننا، ونحن نخالفهم ونخالفكم. وما أحببت يوماً من مخالف لي أن يكلمني أنا والحشوي، لأن بعض المخالفين يتعمد أن يأتي بكلام السلفية في مقام الكلام مع أهل السنة فيتوهم القاري أن السلفية منهم، ولا يخفى شدة تهافت القوم، فيظلم أهل السنة بسبب تلك الأقوال الساقطة ممن ينتسبون إليهم وهم ليسوا منهم.
قولك: (الرؤية عند السلفية...) لا تعليق لي عليه، بل أعرف هذا وأكثر عن ابن تيمية، ولا أدري إن كنت اطلعت على الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية لشيخي الفاضل سعيد فودة، فلقد بحث هذه المسائل والكثير غيرها هناك.
في انتظار جوابك. وفقكم الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الزيدى
23-10-2003, 21:33
.


بسمه تقدست اسماؤه , و تظاهرت الاؤه

الاخ الفاضل بلال :
و عليك السلام و رحمة الله و بركاته .

هذا الموضوع المتواضع الذى طرحته هنا هو جزء من موضوع كتبته قبل شهور فى احد المنتديات , و لم يكن غرضى منه نقد الاشعرية او السلفية او الرد عليهم , بل كان غرضى حصر موارد الاتفاق و الخلاف بين المدارس الاسلامية ليس اكثر .
و طرحته هنا لعلى اجد من الاخوة الاشاعرة حفظهم الله تعليقا على ما نسبته لهم من اراء , فما يهمنى بداية و قبل الخوض فى اى نقاش : ان نحقق اراء كل فرقة كما يفهمها المنتمون اليها .
---------
و لى تعليقات وجيزة على بعض ما تفضلتم به ..
قلت وفقك الله :[قول العلامة المحقق محمد زاهد الكوثري رحمة الله عليه: (فيجب أن يكونوا متفقين أيضاً على حصول معرفة ضرورية بالله سبحانه لهم فى الجنة فوق معرفتهم الاستدلالية الغيبية به تعالى فى دار الدنيا) فهذا الوجوب وإن كان مأمولاً فإنه غير واقع، لأنكم تصرحون بنفي الرؤية التي يشرحها بعينها كلام المولى الكوثري. فلا أدري ماذا أفادك الإتيان بقوله في هذا الموضع. ]
و الجواب :
ان ما نقلته عن العلامة الكوثرى رحمه الله يتفق مع ما قرره السيد بدر الدين الحوثى حفظه الله , و هو ان الرؤية هى نوع معرفة بالله تعالىزائدة على معرفتنا الاستدلاية به تعالى فى الدنيا , و قد عبر عنها الكوثرى بالمعرفة الضرورية , و عبر عنها السيد الحوثى بالعلم الضرورى بالله تعالى و الذى يكون بمنزلة العلم بالمشاهدات .
فكيف تقول اننا ننفى الرؤية التى يشرحها كلام الكوثرى ؟!
و كيف تتعجب من اتيانى بقوله فى هذا الموضع ؟!

و قد تعجبت من اصراركم على ترسيخ الخلاف بيننا فى المسالة !
حيث قلتم :[إن الخلاف بيننا وبينكم في مسألة الرؤية لا يجوز أن يطلق القول فيه بأنه لفظي، لأنه إنما هو لفظي في جانب من جوانبه، أو لنقل إن نفيكم للرؤية وإثباتنا لها تواردا على محلّين مختلفين. نعم إن ما نفيتموه أنتم وهو الرؤية بشرائطها القانونية الحالية فإننا أيضاً نفيه في الدنيا والآخرة،ولكننا نثبت وراء ذلك نوع إدراك يحصل لنا في الدار الآخرة للذات العليّ سبحانه، ونسميه رؤية، وهو زائد على المعرفة الاستدلالية البرهانية التي توصلنا لها بعقولنا في الدنيا ]
و اقول : اننا كما نتفق فى نفى الرؤية بشرائطها الحالية , فاننا كذلك نتفق فى اثبات نوع ادراك يحصل لنا فى الدار الاخرة لذات الله سبحانه زائد على المعرفة الاستدلالية البرهانية فى الدنيا
فلماذا تصر على ان الخلاف بيننا حقيقى معنوى و ليس لفظيا ؟!!

-------------------
الى ان قلتم :[أما استدلال السيد بدر الدين بالآية الكريمة، فظاهر أنه متعلق بمطلق الرؤية في الدنيا والآخرة بهذه الشروط المعهودة في رؤية الحوادث وبدونها. وهذا الكلام لا يسلم له مطلقاً، ومناقشات الأشعرية لهذه الآية مشهورة، ولا تخفى على مطلع مثلك]
و اقول : ان الاية الكريمة نص فى نفى الرؤية البصرية لله تعالى , و قد طالعنا مناقشات اهل السنة للاية فوجدناها تنحصر فى امرين :
1-تارة يقولون ان المراد نفى الرؤية فى الدنيا , و فى كلام السيد الحوثى جواب كافى عن هذا القول
2- و تارة يفسرون الادراك بالاحاطة : و الادراك فى اللغة هو اللحاق و ليس الاحاطة فالعرب لا تقول ادركت بالشىء تريد انها احاطت به
قال فى اللسان 3/1363 ( الدرك : اللحاق .. وتدارك القوم : تلاحقوا وفى التنزيل (( حتى اذا اداركوا فيها )) .)
وقال فى تاج العروس 7/126 : قال ماتن القاموس وشارحه ( الدرك : محركة اللحاق ) وقد ادركه اذا لحقه وهو اسم من الادراك وفى الصحاح : الادراك اللحوق يقال : مشيت حتى ادركته وعشت حتى ادركته )
وقال الجوهرى فى الصحاح 4/1582[الادراك اللحوق يقال مشيت حتى ادركته وعشت حتى ادركت زمانه
وادركته ببصرى : رايته ]
تلك نصوص اهل اللغة و اساطينها
اما استدلالهم بقوله تعالى { فلما تراءى الجمعان قال اصحاب موسى انا لمدركون } على ان الادراك ياتى بمعنى الاحاطة مع ظهور ان معناها ان القوم سيلحقون بنا
قال الحافظ ابن حجر فى الفتح بعد ان نقل هذا الاستدلال عن القرطبى :
[ وهو استدلال عجيب ! لان متعلق الادراك فى اية الانعام : البصر
فلما نفى كان ظاهره نفى الرؤية بخلاف الادراك الذى فى قصة موسى ولولا وجود الاخبار بثبوت الرؤية ما ساغ العدول عن هذا الظاهر ]
فالادراك حتى لو افترضنا جدلا انه ياتى بمعنى الاحاطة فانه اذا تعلق بالبصر لا يفيد الا الرؤية قطعا فقولنا ادركه بصرى اى رايته كما ان قولنا ادركه سمعى اى سمعته
اما قول الحافظ : لولا الاخبار لما ساغ العدول
فالجواب : ان العدول سيكون فى هذه الحالة الى القول بتخصيص الاية بالدنيا , و فى كلام السيد بدر الدين رد كاف عليه .

-----------------------
الى ان قلتم وفقكم الله [قولك: (وليس من التشبيه وصف الله تعالى بأنه عالم و قادر وحي وسميع وبصير) ليس هذا محل نزاع بيننا وبينكم. ولكن النزاع في أنه هل هنالك صفة قايمة بالذات الإلهي اسمها العلم، وأخرى اسمها القدرة، والإرادة إلخ أم لا؟]
و الواقع اننى لم اقصد الرد عليكم بهذا الكلام , بل كتبته ردا على سلفية العصر الذين يحتجون دائما بانه اذا لزم من اثبات اليد و نحوه التشبيه فكذلك اثبات الصفات المعنوية ..
و لم اقصد الرد على الاشعرية فى مسالة اثبات الصفات المعنوية .

------
و قد طالعت كتاب الكاشف الصغير للمحقق سعيد فودة حفظه الله , و قد اجاد فى كشف عقيدة التجسيم عند ابن تيمية , لكن فاته ان يعرض ما تضمنه الجزء الثالث من كتاب بيان تلبيس الجهمية من طامات .

و الله الموفق .

بلال النجار
25-10-2003, 15:21
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الفاضل الزيدي،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أشكر لك تفضلك بالتعليق على ما كتبت. وقد بدأت أحب الكلام والتباحث معك. والعذر إن أنظرتك طويلاً قبل الرد، إذ كنت أمس في شغل وأي شغل. لقد تزوج مولانا الشيخ سعيد فودة أطال الله بقاءه أمس بفاضلة من طالبات العلم، واشتغلنا جميعاً في مشاركته الفرح، أدام الله تعالى السرور في قلبه، وبارك الله له وعليه، وجمع بينه وبين زوجه على خير، ورزقه الولد الصالح إن شاء الله تعالى، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. أما بعد،
فقولك: (هذا الموضوع المتواضع الذي طرحته هنا هو جزء من موضوع....)
أقول: ليتك قلت فما رأي الأخوة الأشعرية فيما نسبته لهم من مقالات، وهل لأحد من الحاضرين من تعليقة يغني بها البحث، وأمثال ذلك لنفهم مرادك. أما وقد بينت الآن فلنرفع الكلام فيه إلى هو أهم. والله يوفقنا ويوفقك وجميع المسلمين إلى ما يحب ويرضى.

قولك: (ولي تعليقات وجيزة على بعض ما تفضلتم به...)
أقول: حبذا لو تصرح بالموافقة على ما أقرره حين توافق، كما تعلق على المعارضة عن تعارض، أو تجيز لي أن أعتبر كل ما لم تعلق عليه إقراراً وتسليماً منك بقولي.
قولك: (إن ما نقلته عن العلامة الكوثري رحمه الله يتفق مع ما قرره السيد بدر الدين الحوثى حفظه الله...)
أقول: أنا أعرف هذا الموضع من كلام الكوثري حق المعرفة، ولكنك ربما لم تنفذ إلى ما أردته حين قلت إن هذا الوجوب وإن كان مأمولاً فإنه غير واقع. ولعلك لم تلاحظ تعجبي المتكرر منكم في أنكم إن كنتم تقولون بهذا المعنى، فلماذا يشاغب سائر أهل العدل والتوحيد على حد تعبيركم بالتبويب على أن الله تعالى لا يرى. وتأمل كلام الكوثري جميعه تعرف مقصودي، قال رحمه الله: (رؤية أهل الجنة لله سبحانه مجردة عند أهل الحق من المقابلة والمسافة ونحوهما من لوازم الجسمية، على خلاف الرؤية في الشاهد، بأدلة تنزه الله سبحانه من أن يكون جسماً أو جسمانياً، وهذا موضع اتفاق بين الفريقين سوى الحشوية) قلت: وهذا ما سلمته أيضاً وذكرته بالنص في كلامي.
ثم قال العلامة الكوثري: (فيجب أن يكونا متفقين أيضاً على حصول معرفة ضرورية بالله سبحانه لهم في الجنة فوق معرفتهم الاستدلالية الغيبية به تعالى في دار الدنيا، كما هو الفرق بين الإيمان بالغيب والإيمان بالشهود. وما عدا ذلك شغب يأباه المحصلّون. نسأل الله الصون من معاندة الحق، ونسأله التوفيق وجمع الكلمة حول الصدق). هذا كل ما ذكره ثمة رحمه الله. وهو ما فسرته بأنه وجوب مأمول غير واقع، ودعوة لنبذ التعصب للرأي وجمع الكلمة.
قولك: (فكيف تقول إننا ننفى الرؤية التي يشرحها كلام الكوثري؟ وكيف تتعجب من إتياني بقوله فى هذا الموضع؟ وقد تعجبت من إصراركم على ترسيخ الخلاف بيننا فى المسالة!)
أقول: لو لم تكونوا نافين لها لما أصررتم على التبويب عليها وذكرها كلما تكلمتم في الرؤية في مقام تنزيه الإله. ولقد وقفت على كلام في شرح الأساس للعلامة الشرفي منكم وعلى كلام غيره قالوا فيه أن الخلاف بيننا لفظي. فإن كان كذلك فلم لا تجيزون الرؤية بلا كيف وترفعوا الخلاف في هذه المسألة. وعجبي من إتيانك بكلامه في هذا الموضع لأنه دعوة لكم للتوقف عن ترسيخ الخلاف والمغالطة في أمر لو تأملتموه لم تبوبوا على نفي حكم ثبت لله تعالى في لفظ ورد في كلام سيد المرسلين في حديث تصححونه. ثم انظر أغرب ما سمعت في حياتي في شرح الأساس للشرفي على سبيل الاستطراد والتنبيه لا غير ج1/ص443: (وأيضاً لو صح أن يرى الله تعالى، لاختص بجهة من الجهات، ومكان من الأمكنة، والله يتعالى عن ذلك، إذ كان سبحانه، ولا مكان، ولا جهة، ولا زمان. وروي عن أبي الحسن علي بن أبي بشر الأشعري أنه قال: يدرك بجميع الحواس، فيشم، ويسمع، ويحس. ولم يقل بذلك غيره) انتهى كلامه
أليس هذا الكلام كذباً على الشيخ أبي الحسن. ومغالطة كبيرة لا ينبغي أن تصدر عن عالم. فمن من الأشعرية يقول بذلك؟ ألا تعلمون تمام العلم أن الشيخ أبا الحسن أعلى مقاماً من أن يدرج مع الحشوية فينسب إليه مثل هذا السفه.
ثم بوب بعد ذلك مباشرة: (اتفاق متأخري الأشعرية مع الزيدية والمعتزلة في الرؤية)
ونقل تحته كلاماً للإمام الرازي، هكذا المتن مع الشرح: "وقال (الرازي: معناه) أي معنى قولهم يرى في الآخرة بلا كيف: (معرفة ضرورية وعلم نفسي بحيث لا يشك فيه) أي يعلم علماً ضرورياً، حينئذٍ قال (عليه السلام) (فالخلاف حينئذ) أي حين أن فسره الرازي بما ذكر إذا كان مرادهم ذلك (لفظي) أي في اللفظ والعبارة، والمعنى واحد، وهو أن الله سبحانه لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير". اهـ
ثم ساق بعد ذلك كلاماً حاصله التأكيد على أن الخلاف بينكم وبين متأخري الأشعرية خلاف لفظي. أما مع متقدمي الأشعرية فليس كذلك لأنهم أطلقوا القول بأن الله تعالى يرى بالأبصار في الآخرة، وأنه يراه المؤمنون دون غيرهم. واستدل على بطلانه بالكلام المعهود منكم وهو: (أن الرائي بالحاسة لا يرى إلا ما كان مقابلاً أو في حكم المقابل... والله تعالى ليس مقابلاً ولا في حكمه، ويستحيل أن يكون الله تعالى مرئياً) اهـ
وأنا أحرر لك مواضع الخلاف بيننا حتى لا يبقى الكلام هكذا عاماً، ويتوضح لك لماذا أقول إن الخلاف بيننا خلاف حقيقي وليس لفظياً:
أولاً: أنتم تقولون إن الرؤية لا يجوز أن تكون بهذه العيون. ونحن نوافقكم على ذلك بشرط أن تكون العيون حال كونها رائية للإله عاملة بهذه الكيفية. ونحن نقدم في بحوثنا أن الإبصار حالة زائدة على تأثر الحاسة. وليس تأثر الحاسة بشرط في الرؤية والإبصار، ونمثل عليه في الشاهد برؤية النائم. وعليه فإننا نجيز أن يخلق الله تعالى العين بحيث تحدث بها الرؤية بدون هذه الشروط. ونقول لم لا يجوز أن نرى الله تعالى بأعيننا بلا كيف، كما أننا نراه بعقولنا بلا كيف. وخالق العيون رائية بلا كيف قادر على خلق العيون رائية بلا كيف. وأنتم تحيلون الرؤية بالعيون وتحتجون علينا بأن ذلك يلزم عنه تكييف الإله مع علمكم أننا لا نقول بذلك. فلم تمنعون الرؤية بالعيون على الوجه الذي بيناه. وهذا الموضع هو الذي أشار إليه في الأساس وشرحه بأنه كلام متقدمي الأشعرية ولم يوافق عليه.
ثانياً: إننا نقدم في مباحثنا أن الرؤية والإبصار حالة زائدة على العلم. وهو ما أشار إليه العلامة الكوثري بقوله: (كما هو الفرق بين الإيمان بالغيب، والإيمان بالشهود). وأنتم لا توافقون على ذلك، بمعنى أنكم لا تعتبرون الخلاف بينكم وبيننا لفظياً إلا بقيد كون الإبصار نوع علم ومعرفة. ونحن نقول إننا قد نعلم شيئاً، وحين نراه يحصل لنا إدراك زائد على العلم به بالقول الشارح والبرهان. وأنتم تقولون يحصل لنا إدراك زائد من نوع العلم الأول. فههنا فرق.
ثالثاً: أنتم تمنعون أن تحصل هذه الرؤية للمؤمنين خاصة في الجنة دون سائر الخلايق، وهذا يدلل على أنكم لا تعنون بالرؤية أزيد مما تفهمونه من حصول العلم اليقيني بوجود الله تعالى وقدرته وغير ذلك من الأحكام، ولكننا نقول إن الله تعالى يخص المؤمنين في الجنة بهذه النعمة التي هي أجل النعم، وهي رؤيته سبحانه وتعالى. ونقيدها بلا كيف، لأن الكيف في حقه سبحانه غير معقول.
رابعاً: أن الدليل على أن الرؤية عندنا تختلف عن عندكم أنكم تقولون بحصول ذلك الإدراك في اليوم الآخر بظهور كل تلك الدلائل الباهرة على القضايا الغيبية المتعلقة بقدرة الله تعالى وسائر أحكامه، ونحن نقول إن الرؤية لما جازت في حق الإله سبحانه عقلاً، جازت مطلقاً، فهي جائزة في الدنيا والآخرة، وفي كل زمان ومكان، بظهور الدلائل وبدونها، ولكننا نلتزم بالشرع في إثباتها للمؤمنين في الآخرة.
وما زال لدي الكثير من الكلام لأقوله في مناقشة استدلالاتكم. ولكني أكتفي الآن. ولعلي أشير إلى شيء من ذلك في مناقشتي لباقي مواضع كلامك وفقك الله تعالى.
قولك : (إننا كما نتفق فى نفي الرؤية بشرائطها الحالية، فإننا كذلك نتفق فى إثبات نوع إدراك يحصل لنا فى الدار الآخرة لذات الله سبحانه زائد على المعرفة الاستدلالية البرهانية فى الدنيا، فلماذا تصر على أن الخلاف بيننا حقيقي معنوي وليس لفظيا؟)
أقول: والله إني لا أحب الجدل والخلاف الذي ليس له ثمرة. فأنا يا أخي أعرض عليك أن تسلم بما سأقوله الآن وتقوله بنفس عبارتي تصريحاً، وسأوقف الكلام في مسألة الرؤية فوراً، وأنتقل معك للكلام في مسألة الكلام أو أي مسألة أخرى تحب أن نتكلم فيها. وهذه العبارة أشهر من نار على علم، وهي قول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:
(وَالرُّؤْيَةُ حَقٌّ لأَهْلِ الجَنَّةِ بِغَيْرِ إِحَاطَةٍ وَلا كَيْفِيَّةٍ كَمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ رَبِّـنَا حَيْثُ قَالَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَتَفْسِيرُهُ عَلَى مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلِمَهُ)
قل ذلك ورائي، أسلم لك أن الخلاف لفظي بيننا. وننقل للكلام في مسألة غيرها.

قولك: (وأقول : إن الآية الكريمة نص فى نفي الرؤية البصرية لله تعالى، وقد طالعنا مناقشات أهل السنة للآية فوجدناها تنحصر فى أمرين... إلخ كلامك)
أقول: أليس عجيباً أنكم تقولون بأن الخلاف بيننا لفظي، وأن المعنى الذي نريده من الرؤية صحيح، ثم تحتجون علينا باستحالة الرؤية بهذه الآية الكريمة. أي مهما كان معنى الإدراك في القواميس فنحن نقول إن الله سبحانه وتعالى يرى، أي أننا عبرنا عن هذا المعتقد بلفظ الرؤية الوارد في الخبر، فلم تحتجون علينا بنفي الرؤية بهذه الآية التي تنفي الإدراك. وغاية ما تستطيعونه ههنا أن تنفوا إدراك الأبصار له. فيلزمكم إقامة الدليل القطعي على أن إدراك البصر هو عين المقصود بالرؤية، ليتم استدلالكم. وهذا ما لا تستطيعونه لأن غاية استدلالكم باللغة ظني. ولأنه قائم في معارض آية كريمة هي (وجوه يومئذ) فيلزمكم إقامة الدليل القطعي على أن نظر إلى ليست مطابقة لمعنى أدرك بالبصر. ويلزمكم أن تؤولوا الحديث الذي يقوم عليكم حجة لقولكم بتصحيحه (سترون ربكم). فانظر كيف تحتجون علينا بأن الرؤية مستحيلة لأن الله تعالى نفى إدراكنا له بالبصر وهو مساو للرؤية. ثم لما قلنا لكم فالآية تقول (ناظرة إلى ربها) قلتم نظر إلى لا تساوي رأى، قلنا لكم فقد جاء لفظ الرؤية صريحاً فيما صححتموه، قلتم نؤوله. فأي استدلال هذا حين يقارن قولكم إن المعنى الذي نقصده من الرؤية معنى صحيح ونحن نقول به. لم لم تنفوا الإدراك بالبصر سواء في الدنيا إذا ساويتم بينه وبين الرؤية، أو تنفوا الإدراك بالبصر مطلقاً لأنه مثلاً لا يعقل إلا بهذه الكيفية التي لا تجوز في حقه تعالى، وبعدها تثبتوا الرؤية كما فعلنا نحن لورودها في السمع وتجويز العقل لها في حق المولى جل شأنه، بعد أن لم يكن للعقل مدخلية في إثباتها أو نفيها.
وعلى أي حال لن أبحث الآن الآية الكريمة بحثاً لغوياً وتفسيرياً، فلعلك تسلم لي عبارة الطحاوي فتكفيني عناء ذلك لانشغالي، ولكن هذا البحث لم يستوعب ما قيل في الآية كما لا يخفى على المطلع. وحاصل الجواب أن الإدراك المنفي في الآية الكريمة لا نسلم أنه عبارة عن الرؤية التي نثبتها. ولو سلم جدلاً فإن الآية نقيض قولنا تدركه الأبصار، وهو إما موجبة كلية لأن (ال) حين تدخل على الجمع تفيد الاستغراق، فالمعنى النقيض الذي نفته الآية حينئذ تدركه جميع الأبصار، أو يدركه كل بصر. فيكون نقيضها لا تدركه الأبصار أي بعضها لأن نقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية. وهو عين ما نقول به إذ أبصار الكافرين محجوبة عن رؤيته. وإما أن تكون إيجابية مهملة في قوة الجزئية أي بعض الأبصار تدركه فيكون نقيضها الوارد في الآية معناه لا تدركه بعض الأبصار. وهو المعنى المستفاد من مفهوم المخالفة لنقيضها. وهو نفس المعنى المستفاد عند النظر إلى الآية على أنها مهملة سلبية في قوة الجزئية. فتأمله.
قولك: (فالإدراك حتى لو افترضنا جدلا أنه يأتي بمعنى الإحاطة فإنه إذا تعلق بالبصر لا يفيد إلا الرؤية قطعاً فقولنا أدركه بصري أي رأيته كما أن قولنا أدركه سمعي أي سمعته ...)
أجبت عن ذلك بما يكفي.

قولك: (والواقع إنني لم اقصد الرد عليكم بهذا الكلام، بل كتبته ردا على سلفية العصر الذين يحتجون دائما بأنه إذا لزم من إثبات اليد ونحوه التشبيه فكذلك إثبات الصفات المعنوية، ولم أقصد الرد على الأشعرية في مسالة إثبات الصفات المعنوية)
أقول: وأنا لم أقصد أن أقول لك إنك تريد ذلك. بل ما قصدته هو أنكم تتعمدون التعبير بالصفات المعنوية لأنكم كسائر المعتزلة تقولون الله عالم بذاته وقادر بذاته... وتنفون صفات المعاني، أي أنكم تقولون إن علم الله هو نفس الله لا أن العلم صفة زائدة على ذاته، وتعللون ذلك بأشياء منها مخالفة الله تعالى سائر الحوادث مع أن شرحنا لقيام الصفة بالله تعالى لا يلزم منه تشبيه الله بشيء من مخلوقاته كما تعلمون تمام العلم.
وكذا أنتم تسموننا مجبرة لقولنا بالكسب، وهو أعمق نظرية استطاعت أن تفسر الفرق بين قدرة الله وقدرة العبد، وإرادة الله وإرادة العبد، وتخرج بنا عن ضلالات الجبر، كما تخرج بنا عن ضلالات التفويض. والخلافات بيننا وبينكم كثيرة لست الآن بصدد إحصائها. وإني أحب أن أتكلم فيها معك، كما أحب أن أتكلم مع كل مخالف للأشعرية، من باب الواجب الديني وحب البحث وتحصيل المعرفة. وأجد أن من يعرف مذهبه ويفهمه تماماً، ويفهم مذهب المخالف، ينبغي أن يحرص على توضيح وتحرير مواضع النزاع في أجلى صورة. لكي يكون الكلام في المسائل بعدئذ على بينة.
أما ملاحظتك بشأن كتاب الكاشف الصغير، فسوف ألاحظ الكتاب قريباً إن شاء الله، ولعل الشيخ يقرأ كلامنا في الأيام القادمة ويعلق على ذلك. وجزاك الله خيراً. وأود إطلاعك على أن الشيخ قد أنهى كتاباً في الكشف عن عقايد ابن رشد وبسط الكلام هنالك في أفعال العبد، وشرح الكسب شرحاً بديعاً، وقرأ كلام الإمام الجويني الذي أشرت في رسالتك الأولى إلى مخالفته الأشعرية في هذه المسألة، وقارنه بما جاء في مجرد مقالات الأشعري لابن فورك، وخلاصة بحثه ثمة أنه رأى أنه يمكن فهم كلام الجويني على خلاف قول الأشعرية في بعض الجزئيات، ولكنه في نفس الوقت حلله تحليلاً لطيفاً بحيث يوافق كلام الأشعري تماماً، وعزا اختلاف فهوم الناس لكلام كثير من المشيخة في هذا الموضع إلى دقته وشيء من ضيق العبارة عن الوفاء ببحثه. هذا ما حصلته من الفهم لكلامه ثمة. والله تعالى أعلم.
وإذ أشكو قلة المباحثين، وقلة ذوي الجلد من المتابعين وطلاب العلم على الكلام في الأصلين ومباديهما، فقد أحببت الكلام معك، وأرجو أن نتابع بحوثنا وكلامنا لما فيه فائدة الجميع إن شاء الله تعالى الموفق لما يحب ويرضى، ونحن لم نقل من الكلام إلا تحلة الوصل والتعارف، وإنه على إنجاز ما نعد به حسبي ونعم الوكيل.
وصل اللهم على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الزيدى
25-10-2003, 16:22
.

بسمه عز شانه


بداية اقول للعلامة سعيد فودة و زوجه : بارك الله فيكما و بارك عليكما ,و جمع بينكما فى خير
---------
الاخ الفاضل بلال

نحن ننفى الرؤية التى تعنى انطباع صورة المرئى فى ذهن الرائى
فان وافقتمونا فى نفى ذلك فالخلاف بيننا لفظى ,و ان لم توافقونا فالخلاف حقيقى .
والحاصل انكم تثبتون الرؤية بالعين , و نحن ننفى الرؤية بالعين لانه لا معنى لها الا انطباع صورة المرئى فى ذهن المبصر .
فان قلتم ستكون الرؤية بالعين لكن لن تنطبع صورة المرئى فى الذهن فهذا كلام لا معنى له !
و الرؤية التى نجيزها هى الرؤية بمعنى العلم و المعرفة بالله تعالى ,
بمعنى ان المؤمنين سيكون علمهم بالله تعالى بمنزلة العلم بالمشاهدات , لا انهم سيشاهدون ذات الله بلا كيف !

قلتم [:إننا نقدم في مباحثنا أن الرؤية والإبصار حالة زائدة على العلم. وهو ما أشار إليه العلامة الكوثري بقوله: (كما هو الفرق بين الإيمان بالغيب، والإيمان بالشهود). وأنتم لا توافقون على ذلك]،

و اقول : ان كلام الكوثرى هنا نوافق عليه ,و معناه : ان معرفة المؤمنين بالله تعالى فى الجنة ستكون بمنزلة من شاهد الله تعالى , لا انهم سيشاهدون الله سبحانه .و ليس فى كلام الكوثرى ما يتصل بمسالة زيادة الرؤية على العلم .بل فسر رحمه الله الرؤية بانها مجرد معرفة ضرورية بالله تعالى و هو عين ما نقره .

-----------
ثم قلتم :
[بمعنى أنكم لا تعتبرون الخلاف بينكم وبيننا لفظياً إلا بقيد كون الإبصار نوع علم ومعرفة. ونحن نقول إننا قد نعلم شيئاً، وحين نراه يحصل لنا إدراك زائد على العلم به بالقول الشارح والبرهان. وأنتم تقولون يحصل لنا إدراك زائد من نوع العلم الأول. فههنا فرق. ]
و اقول :
حسنا الخلاف بيننا حقيقى , فانتم تعتقدون ان الرؤية حالة زائدة على العلم , و نحن نوافقك فى ان حالة الابصار للشىء زائدة على مجرد العلم بوجوده

و نحن ننفى حالة الابصار الزائدة على العلم ,لانه لا معنى لها الا انطباع صورة المرئى فى ذهن الرائى , فان نفيت حصول هذا المعنى فلا معنى لكلامكم اذن .

-
---------
اما مقولة الطحاوى رحمه الله [قول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:
(وَالرُّؤْيَةُ حَقٌّ لأَهْلِ الجَنَّةِ بِغَيْرِ إِحَاطَةٍ وَلا كَيْفِيَّةٍ كَمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ رَبِّـنَا حَيْثُ قَالَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَتَفْسِيرُهُ عَلَى مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلِمَهُ) ].
فنحن لا نقبلها لان النظر الى الشىء يعنى الرؤية المعهودة التى ننفيها و تنفونها.
و معنى الاية فى اعتقادنا : انهم ينتظرون نعمة الله و ثوابه , ف الى مفرد الاء .اى نعمة ربها ناظرة .

الى ان قلتم بصدد استدلالنا باية { لا تدركه الابصار } :
[وحاصل الجواب أن الإدراك المنفي في الآية الكريمة لا نسلم أنه عبارة عن الرؤية التي نثبتها. ولو سلم جدلاً فإن الآية نقيض قولنا تدركه الأبصار، وهو إما موجبة كلية لأن (ال) حين تدخل على الجمع تفيد الاستغراق، فالمعنى النقيض الذي نفته الآية حينئذ تدركه جميع الأبصار، أو يدركه كل بصر. فيكون نقيضها لا تدركه الأبصار أي بعضها لأن نقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية. وهو عين ما نقول به إذ أبصار الكافرين محجوبة عن رؤيته. وإما أن تكون إيجابية مهملة في قوة الجزئية أي بعض الأبصار تدركه فيكون نقيضها الوارد في الآية معناه لا تدركه بعض الأبصار. وهو المعنى المستفاد من مفهوم المخالفة لنقيضها. وهو نفس المعنى المستفاد عند النظر إلى الآية على أنها مهملة سلبية في قوة الجزئية. فتأمله. ]
و الجواب ما قاله العلامة الامير الصنعانى رحمه الله :
[ان دلالة السياق لا يجد فيها حيلة فالاشعرية صيروا معناها ( لا تدركه بعض الابصار ويدركه بعضها فى بعض الاوقات فعلى هذا لو قال ( تدركه الابصار ) لبقى ذلك المعنى بزعمهم على حاله !
والاية سيقت لبيان ان شانه تعالى وشان اهل الابصار مختلف متباين والاشعرية صيروا معناها الى قول قائل ( البارى وخلقه سواء فى هذا الشان ! فانه تدركه على زعمهم بعض الابصار فى بعض الاوقات وينتفى عنه ادراك بعض الابصار له فى بعضها )
وهذا قطعا شان المخلوق فانها تقع عليه الرؤية فى بعض الاوقات وتنتفى فى بعضها ]


اكتفى بهذا القدر , و اسال الله تعالى ان ينفعنا بكم , و دمتم فى حفظ الله و رعايته .

جلال علي الجهاني
26-10-2003, 09:41
بورك فيكما ... وكل عام وأنتم بخير ..

وأود أن أقول: إن هذه المباحثات مفيدة تخرج من الطرفين ما لديهم من قواعد للبحث والنظر، فيا حبذا لو أفردت مسائل النقاش مسألة مسألة، حتى يتم جمع الأدلة والمباحثات حتى لا يصير انتقال عن االمقصود بكثرة المسائل المطروحة ..

فقط لي ملاحظة بالنسبة للآية الكريمة (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار).

فإن تفسير الإدارك في الآية بالرؤية أو جعله يعم الرؤية .. يتناقض -على حد قول النافين للرؤية- الشق الثاني من الآية.

فإذا كان قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) يفيد نفي الرؤية، فلا بد أن يكون معنى: (وهو يدرك الأبصار) إثبات للرؤية من الطرف الآخر، بمعنى أن الله تعالى يرى المخلوقات .. حتى يكون توارد النفي والإثبات في شقي الآية على شيء واحد، وهذا المفهوم من سياق الآية وكلام العرب، فلا يصح تفسير الإدراك في الطرفين بمعنيين مختلفين ..

فإذا كان الله يرى خلقه، فهل يراهم وهو في جهة ؟ أو بمكان ؟ فما كان جواباً للنافين فهو جواب لنا ..

وأظن أن الآية لا علاقة لها بمسألة رؤية الله تعالى أصلاً، وإنما الكلام عن الإدارك والإحاطة، وليس عن الرؤية والنظر.. والله أعلم ...

بلال النجار
26-10-2003, 14:22
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل الزيدي،


قولك: (نحن ننفي الرؤية التي تعني انطباع صورة المرئي فى ذهن الرائي، فإن وافقتمونا فى نفي ذلك فالخلاف بيننا لفظي، وإن لم توافقونا فالخلاف حقيقي)
أقول: نحن نوافقكم على هذا القدر، ولكننا أيضاً نثبت رؤية ليست انطباعاً لصورة مرئي في نفس الرائي لأن المرئي ههنا هو الله تعالى الذي ليس له صورة سبحانه. لأن الرؤية أعم من أن تكون هذه المذكورة في كلامك. فإن كنتم توافقونا على ذلك فلم لا تعبروا عنه في كتبكم، أي لم لم تلتزموا بما جاء به الشرع من إثبات لفظ الرؤية، ثم تقولوا بعد ذلك إن هذه الرؤية ليست عبارة عن انطباع صورة المرئي في نفس الرائي، لأن ذلك محال. كما فعلنا نحن؟

قولك: (والحاصل إنكم تثبتون الرؤية بالعين، ونحن ننفي الرؤية بالعين لأنه لا معنى لها إلا انطباع صورة المرئي في ذهن المبصر، فإن قلتم ستكون الرؤية بالعين لكن لن تنطبع صورة المرئي فى الذهن فهذا كلام لا معنى له)
أقول: نعم منا من يصرح بهذا اللفظ أي يقول نرى الله تعالى بعيون رؤوسنا، ومنا من لم يزد على إثبات الرؤية ولكن الذين يصرحون بأن العين التي يمكنها أن ترى الله سبحانه فلا بد أن تكون على كيفية أخرى غير هذه. وإنما منعوا أن تكون على هذه الكيفية لأن هذه العيون مخلوقة لرؤية ما هو جسم أو جسماني فحسب. والدليل على أن العين يمكن أن تكون على كيفية أخرى بحيث يمكنها أن ترى الله، أن الله تعالى خلق في النفس قدرة على التعقل بكيفية معينة، وهذه الكيفية قادرة على اكتساب العلم بوجود الله وصفاته، وجايز في العقول أن يخلق الله تعالى النفس على كيفية أخرى بحيث تكون قادرة على اكتساب معرفة الله وصفاته، وهكذا لا إلى نهاية من الاحتمالات التي يمكن أن يجيز العقل أن يخلق بها ما يدركه نوع إدراك بكيفيات كثيرة، فإذا جاز ذلك في العقول، جاز في العيون بأن يبدل الله تعالى قوانين الرؤية فيها بحيث تدرك شيئاً آخر وراء الجسم.
وقولك إن الرؤية بالعين لا معنى لها إلا ذلك، تحكم. لأنا نفينا الكيفية التي نفتها العقول، والتزمنا بظواهر نصوص الشريعة في إثبات ذلك، ولا نجد أن إثبات الرؤية بالعيون بغير هذه الكيفية التي تعمل بها العيون الآن محالاً ولا يلزم منه المحال. ونجد أن ذلك له معنى، كما نجد أن الله حين يخبرنا أنه يرى، نقطع بأنه يرى نفسه سبحانه وتعالى، ونجد لذلك معنى، مع أننا لا نشبه ولا ندخل بآرائنا متأولين، لأنا لا ندرك كنه ذاته تعالى.
ثم إنكم أيها الأخ الكريم، أقمتم الدنيا ولم تقعدوها بأن الله لا يرى، ومحل المسألة بيننا هو أن الموجود الذي لا يكون في مكان ولا جهة ولا يكون جسماً ولا جسمانياً هل يجوز في العقل أن يرى أم لا؟ نحن قلنا نعم التزاماً بدليل الشرع الذي لم نجد العقل لو خليت بينه وبينه يحيله. وأنتم قلتم لا. فنفيكم هذا إما أنكم توصلتم له بالبداهة أو بالنظر. الأول ممنوع لأنه لو كان بديهياً ما اختلف فيه أعظم فرقتين في تاريخ الفكر الإسلامي الأشعرية والمعتزلة. فيبقى النظر. ودليلكم دائماً أن ما لا يكون مقابلاً أو في حكم المقابل لا تجوز رؤيته. إعادة للدعوى. لأنكم كمن يقول: الدليل على أن كل ما لا يكون مقابلاً أو في حكمه لا تجوز رؤيته أن ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل. فلا ينتهض دليلاً. فإن كان عندكم دليل نظري آخر فأرجو أن تأتي، به.
قولك: (والرؤية التي نجيزها هي الرؤية بمعنى العلم والمعرفة بالله تعالى)
أقول: لا نسلم أن الرؤية هي نفس العلم والمعرفة بالله، بل قدر زائد عليها. ويشهد له قوله تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم عليه السلام (رب أرني كيف تحيي الموتى) فقد طلب الطمأنينة فيما يعتقده ويعلمه بانضمام المشاهدة إلى العلم. ويشهد له قوله تعالى حكاية عن موسى: (رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني) وسيدنا موسى الرسول العالم بربه، كليم الله، صاحب المعجزات الكثيرة الباهرة، لو كانت الرؤية هي العلم ماذا يفيده طلبها. فثبت أنه طلب شيئاً آخر غير العلم به سبحانه لتحققه عنده.
قولك: (بمعنى أن المؤمنين سيكون علمهم بالله تعالى بمنزلة العلم بالمشاهدات، لا أنهم سيشاهدون ذات الله بلا كيف)
أقول: أنتم لا تخصون المؤمنين بهذه الرؤية مشياً مع أصلكم في أن الرؤية علم، وهذا العلم سيحصل لكل واحد واحد من الناس يوم القيامة. وهو خلاف النصوص الشرعية الواردة في ذلك.
ثم قولك: بمنزلة العلم بالمشاهدات هذا نص منك في التفرقة بين قولنا وقولكم، لأنا نقول إننا نرى الله تعالى لا أننا نعلمه كأننا نراه، لأن الأنبياء والصديقين وكثيراً من المستيقنين يعلمون الله كأنهم يرونه في الدنيا، فهذا تعبير مجازي عن شدة الإيمان وليس رؤية حقيقية، وهذا هو عين ما تقولون إنه يحصل في الآخرة، بمعنى أنكم لا تثبتون رؤية بلا كيف كما نثبتها نحن، بل تثبتون تحققاً للعلم، وزيادة في تكيف النفس باعتقاده تعالى على ما أخبر وثبت بالعقول، حتى كأنكم ترونه. فلا تقل لي بعد إن هذا يسمى خلافاً لفظياً.

قولك: (إن كلام الكوثري هنا نوافق عليه ومعناه: إن معرفة المؤمنين بالله تعالى فى الجنة ستكون بمنزلة من شاهد الله تعالى، لا أنهم سيشاهدون الله سبحانه .وليس فى كلام الكوثري ما يتصل بمسألة زيادة الرؤية على العلم. بل فسر رحمه الله الرؤية بأنها مجرد معرفة ضرورية بالله تعالى وهو عين ما نقره)
أقول: لا أسلم أن الكوثري ليس في كلامه ما يتصل بزيادة الرؤية على العلم. بل قوله كما هو الفرق بين الإيمان بالغيب والإيمان بالشهود ظاهر في الفرق بين حالتي العلم والرؤية اللتين ذكرناهما في ما مضى عن سيدينا إبراهيم وموسى عليهما السلام. ولا تتكئ كثيراً على قوله معرفة ضرورية لأن الرؤية تستلزم قطعاً معرفة ضرورية. وأرجو أن تلاحظ أن الكوثري يتكلم عن فريقين كل منهما يقول بالمعرفة البرهانية الاستدلالية. طيب إذا سلمت معي أن العلم لا يقبل التفاوت، فأنا أقول إنه يزداد المؤمنون برؤية الله تعالى معرفة ضرورية به زيادة على العلم المتفق عليه بيننا بالبرهان. وأنت ماذا تقول إنه يحصل للناس في اليوم الآخر، إذا كان العلم لا يتفاوت؟
فلا بد أن تقول إن ما يحصل لك هو معرفة ضرورية لا بالله تعالى بل بغيره من الحوادث التي تحصل يومها، فتستلزم عندك زيادة تعلق نفسك بالأخبار والأحكام التي عرفتها عن الإله، وزيادة الاعتقاد هذه ليست معرفة بالله تعالى كما ترى، ولكنها كيفية نفسانية ارتفعت فيك، وهو ما يعبر عنه أهل السنة بأن الإيمان من حيث هو كيفية نفسانية فإنه يزيد وينقص. فههنا أنت تعبر عن هذا الإيمان الشديد بقولك كأني أراه. ولكن هذا في الحقيقة عدول عن الظاهر من النصوص. واستعمال للرؤية في معنى مجازي. فتنبه إلى الفرق بين قولينا.
ثم أيها الأخ إن العلامة الكوثري رحمه الله، حنفي، والمشهور من مذهب الأحناف أنهم يفرقون بين العلم والرؤية، ويقولون إن الرؤية زائدة على العلم، ولا أذكر أني قرأت عند واحد من الماتريدية غير ذلك، بل إن إمامهم الأعظم أبا حنيفة النعمان رضي الله عنه جاء في بعض نسخ الفقه الأكبر ما نصه: (والله تعالى يرى في الآخرة، يراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة...). وعَلَم في العلم مثل الكوثري لو كان يخالف في كلامه هذا ما اشتهر من مذهب أصحابه لم يتورع عن التصريح بذلك، ولم أسمع عنه أنه يخالف أصحابه وإمامه في ذلك، وحبذا إن كنت تعرف له كلاماً واضحاً وصريحاً في ذلك أن تدلني عليه.

قولك: (حسنا الخلاف بيننا حقيقي)
أقول: نعم هو كذلك. وإلا لم تقيموا الدنيا ولم تقعدوها في نفي الرؤية.
قولك: (فأنتم تعتقدون أن الرؤية حالة زائدة على العلم)
أقول: نعم نحن نصرح بذلك.
قولك: (ونحن نوافقك فى أن حالة الإبصار للشيء زائدة على مجرد العلم بوجوده، ونحن ننفي حالة الإبصار الزائدة على العلم)
أقول: وهذا نفي للرؤية التي نثبتها نحن أهل السنة الأشعرية والماتريدية، فلماذا كنت تقول إن الخلاف بيننا لفظيّ إذا كنت تعلم ذلك؟
قولك: (لأنه لا معنى لها إلا انطباع صورة المرئي فى ذهن الرائي، فإن نفيت حصول هذا المعنى فلا معنى لكلامكم إذن)
أقول: أجبنا عن ذلك، ولا نسلم انحصار الرؤية في هذا المعنى الضيق، بل هي أعم من ذلك.

قولك عن مقولة الطحاوي: (فنحن لا نقبلها لأن النظر إلى الشيء يعني الرؤية المعهودة التي ننفيها وتنفونها)
أقول: حسناً فأنا أبدلها لك بالرؤية، فقل إذن: (ورؤية الله تعالى حق لأهل الجنة من غير إحاطة ولا كيفية كما جاء في الأخبار، وتفسيرها على ما أراد الله تعالى، ولا يراه الكافرون)
وأنا أقبلها منك.
هذا ما أحببت أن أقوله الآن، ولعلي بعد الإفطار والتراويح أجد وقتا للتعليق والكلام بتفصيل على الآيتين الكريمتين أعني (لا تدركه الأبصار) و(إلى ربها ناظرة) إن شاء الله.
والله تعالى الموفق، والسلام عليكم.

الزيدى
26-10-2003, 20:14
بسمه تعالى

اخى الفاضل بلال ,,

قلتم :[ولكننا أيضاً نثبت رؤية ليست انطباعاً لصورة مرئي في نفس الرائي لأن المرئي ههنا هو الله تعالى الذي ليس له صورة سبحانه. لأن الرؤية أعم من أن تكون هذه المذكورة في كلامك]
و اقول : ليتك توضح كيف تكون الرؤية بالعين اعم من انطباع صورة المرئى فى ذهن الرائى ., فهذا الكلام فى نظرنا لا معنى له , و هو مثل كلام السلفية عندما يثبتون مثلا نزولا حقيقا بدون حركة , و يدا حقيقية ليست عضوا ..

---------------------

الى ان قلتم :[لا نسلم أن الرؤية هي نفس العلم والمعرفة بالله، بل قدر زائد عليها. ]
و اقول :
ما هو هذا القدر الزائد على المعرفة ؟
ما نعلمه و نفهمه ان هذا القدر الزائد ليس الا انطباع صورة المرئى فى ذهن الرائى , فان كان لهذا القدر الزائد معنى اخر عندكم فتفضلوا ببيانه , و الا فلا تلومونا على عدم اثباتنا لامر لا معنى له .

--------------
الى ان قلتم :[. ويشهد له قوله تعالى حكاية عن موسى: (رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني) وسيدنا موسى الرسول العالم بربه، كليم الله، صاحب المعجزات الكثيرة الباهرة، لو كانت الرؤية هي العلم ماذا يفيده طلبها. فثبت أنه طلب شيئاً آخر غير العلم به سبحانه لتحققه عنده. ]
و اقول :
ان موسى عليه السلام سال رؤية الله تعالى لقومه لا لنفسه و هذا معتقدنا المشهور فى ذلك , و الرؤية التى سالها لقومه هى الرؤية البصرية المعهودة ,قال سبحانه {يسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ }

---------

الى قولكم :[قولك: (بمعنى أن المؤمنين سيكون علمهم بالله تعالى بمنزلة العلم بالمشاهدات، لا أنهم سيشاهدون ذات الله بلا كيف) أقول: أنتم لا تخصون المؤمنين بهذه الرؤية مشياً مع أصلكم في أن الرؤية علم، وهذا العلم سيحصل لكل واحد واحد من الناس يوم القيامة. وهو خلاف النصوص الشرعية الواردة في ذلك]
و الجواب :
اننا نخص المؤمنين بهذا العلم , و كما قال السيد بدر الدين الحوثى :
[و يكون العلم بذلك ضروريا بمنزلة العلم بالمشاهدات ,
و اختص بذلك المؤمنون لان اعداء الله فى شغل عن ذلك بانفسهم , كما قال تعالى {و من كان فى هذه اعمى فهو فى الاخرة اعمى و اضل سبيلا } و قال تعالى {و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا و بكما و صما ماواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا } و وصف الابرار بضد ذلك فقال { ان الابرار لفى نعيم – على الارائك ينظرون } فكانت مشاهدتهم لقضائه و رؤيتهم لعدله و عزته و رحمته و فضله هى مشاهدة جلاله و عظمته ,
و كان ذلك معنى رؤيته , لانه تجلى لهم بهذا المعنى من حيث كمال المعرفة و العلم و كونه ضروريا كالعلم بالمشاهدات ]

--------

الى قولكم :[قولك: (ونحن نوافقك فى أن حالة الإبصار للشيء زائدة على مجرد العلم بوجوده، ونحن ننفي حالة الإبصار الزائدة على العلم)
أقول: وهذا نفي للرؤية التي نثبتها نحن أهل السنة الأشعرية والماتريدية، فلماذا كنت تقول إن الخلاف بيننا لفظيّ إذا كنت تعلم ذلك؟ ]
و اقول : كنت اقول ان الخلاف لفظى بناءا على تفسير الكوثرى للرؤية بالمعرفة الضرورية بالله تعالى .
لكنكم لا تكتفون بهذا التفسير للرؤية و تثبتون قدرا زائدا على هذا العلم الضرورىو هو غير انطباع صورة المرئى فى ذهن الرائى ,
و نحن فى انتظار بيانكم و توضيحكم لهذا القدر الزائد .

و دمتم فى حفظ الله و رعايته ,,

بلال النجار
27-10-2003, 13:49
بسم الله الرحمن الرحيم،
أخي الفاضل الزيدي،
أرى الآن أن الكلام بدأ يسير في الاتجاه الصحيح. ولكن دعني قبل أن أجيبك عن أسئلتك أحرر محل النزاع للمرة الأخيرة، حتى يتوجه كلامنا أكثر وأكثر في المشاركات القادمة، وليتابعنا من انضم إلينا من القراء ولم يعرف ما نحن فيه. ولكي لا تكرر مثل قولك إن كلامنا (مثل كلام السلفية يثبتون يداً حقيقية ليست عضواً) لأنه فرق كبير بين الحالين. وأرجو منك أن لا تتجاهل التعليق على أسئلتي وطلباتي قدر وسعك.
نحن أهل السنة الأشعرية والماتريدية نقول يجوز أن يرى الله تعالى. وإن المؤمنين في الجنة يرونه منزهاَ عن المقابلة والجهة والمكان. وخالفنا في ذلك جميع الفرق. فالمشبهة والكرامية يقولون برؤيته ولكن في الجهة لأنه عندهم جسم، قبح الله مقالتهم. فدعنا من جهالاتهم، وكلامنا من الآن فصاعداً مع الفضلاء أصحاب الأنظار العالية.
ولا خلاف بيننا وبينكم في أنه يجوز الانكشاف التام العلمي. ولا يخفى عليك أنه لو قبلنا حمل الرؤية على العلم لارتفع الخلاف بيننا وبين جميع الفرق المنزهة. ولكن بعض علمائنا يفرق بينهما، ولا يلزم منه محال.
وكذا لا خلاف بيننا وبينكم في أنه يمتنع ارتسام صورة للمرئي في عين الرائي أو اتصال شعاع بينهما أو وجود مقابلة أو مسافة إلخ شروط الرؤية العادية.
ونحن نقول بأن هنالك إدراكاً يحصل لنا من القول الشارح. فإذا أبصرنا ما تصورناه به ثم أغمضنا العين حدث فينا نوع آخر من المعرفة زايد على الأول. ثم إذا فتحنا العين حصل لنا نوع آخر من المعرفة زايد على الأولين وهذه هي التي نسميها الرؤية.
والسؤالان اللذان بيننا: أن مثل هذه الحالة الإدراكية التي نسميها الرؤية هل يجوز أن تقع بدون شروطها العادية من المقابلة والجهة... إلخ أو لا؟ ثم إذا جاز وقوعها بدون هذه الشروط هل يمكن أن تتعلق بالله سبحانه وتعالى أو لا؟
هذا هو بالضبط محل النزاع فنحن نجيب بنعم على السؤالين. وأنتم تقطعون علينا الطريق فتجيبون بلا على السؤال الأول. والمنصف يجوزه ولا يجد فيه إشكالاً كما سيأتي بيانه.
قولك: (ليتك توضح كيف تكون الرؤية بالعين أعم من انطباع صورة المرئي فى ذهن الرائي. فهذا الكلام فى نظرنا لا معنى له)
أقول: أنا قلت الرؤية أعم من أن تكون بانطباع صورة ولم أقل الرؤية بالعين أعم. ولا أوقف الرؤية على الآلة. ولكني أقول إنه يمكن تغير كيفية عملها المعهودة بحيث يحصل فيها إدراك معين. فأنا أصالة أثبت الرؤية بلا كيف ولا أتكلم في أنها بعين أو لا. ولكن أصحابنا لما قرؤوا النصوص الشرعية وجدوا النظر مقروناً بالوجه ووجدوا غير ذلك من القراين التي تتدل على أن الرؤية ظاهرة في بعين الرأس، فقالوا لكن هذه الكيفية التي تعمل بها تقوم على اتصال شعاع فمنعوا هذه الكيفية. ولكنهم قالوا ليست الرؤية هي تأثر الحاسة. فإننا نقول: إن الإدراكات الثلاثة التي نبهت إليها فيما مضى هي إدراكات تحصل بطريق جري العادة كذلك. ولا مانع من حصولها بكيفيات أخرى خارقة لهذه العادة. والرؤية في الحقيقة رؤية الروح وليست رؤية الآلة.
ويحصل في كل حال بخلق الله سبحانه ذلك الإدراك الثالث الذي وصفناه في النفس مقارناً بتلك الكيفية، فلا يمتنع أن يخلقه في النفوس بلا كيف. وأما كون الرؤية تكون بتقليب حدقة وتأمل في جهات أوْ لا تكون فهذه كلها لا تضر سواء قلنا بها أو نفيناها إذا سلمنا أن الرؤية الحقيقية هي هذه التي وصفناها. ولا يقول قائل إن ما وصفتموه هو عين العلم، لأنا نقول لا بل إن العلم هو الإدراك الأول، والإدراك أعم من العلم، وكل من الإدراكات الثلاثة المذكورة أولاً هي فينا حادثة مخلوقة في نفوسنا، سواء حصلت بأسبابها العادية المعروفة الآن، أو بأسباب أخرى يرتفع فيها ما يحيله العقل، أو بلا أسباب مطلقاً. وقد مثلت على ارتفاع ما يحيله العقل، في رسالتي السابقة بنفس العقل، فقلت لك كما أن الله تعالى قد خلق للنفس قوة تدركه تعالى وهي العقل، فكذا لا مانع من أن يخلق للعين قوة تدركه، وما قول بعض أصحابنا وتمسكهم بأن الرؤية تحصل بالأعين، إلا التزاماً منهم بظواهر النصوص. ونحن لا نعدل عن الظاهر بلا صارف. ولا نرى مانعاً عقلياً ههنا يصرفنا عن القول بالظاهر، فقلنا به.
قولك: أعم من انطباع صورة المرئي فى ذهن الرائي.
أقول نعم هي أعم لأن الرؤية للموجود الذي هو أعم من الجسم والجسماني عندنا. والله تعالى ليس له صورة. ومع ذلك يرى أي يحصل لنا نوع إدراك ضروري زائد على العلم الاستدلالي به، ونسبة هذا الإدراك الزايد إلى العلم كنسبة رؤيتنا الشمس بعد معرفتها بالحد أو الرسم. ولا نلتزم الشروط القانونية الحالية، ولا نلتزم أن من شرط المرئي أن يكون ذا صورة، كما لا نلتزم أن من شرط الرائي أن يكون ذا نفس تنطبع فيها الصور. وكل ما قلناه جايز في عقولنا. فالجواب عن كل ما قلتم منع ما تضعون من الشروط لا سيما في الغائب الثابت تغير قوانين ما منه جاز عليه القوانين، بحيث ترى الملائكة والجن والأعمال، وغيرها.

قولك: (ما هو هذا القدر الزائد على المعرفة؟) وقولك: (وإلا فلا تلومونا على عدم إثباتنا لأمر لا معنى له)
أقول: لا يتوقف إثبات وجود شيء ما أو نفيه على معرفة حقيقته، وتصوره تصوراً تماماً، بل يكفي تصوره من وجه ما للحكم عليه بالنفي والإثبات. وإلا لما صح شيء من أحكامنا في الإلهيات. ويمكنني أن ألزمك الكثير من الإلزامات إذا بقيت متعلقاً بهذه المقالة.
قولك: (ما نعلمه ونفهمه إن هذا القدر الزائد ليس إلا انطباع صورة المرئي في ذهن الرائي، فإن كان لهذا القدر الزائد معنى آخر عندكم فتفضلوا ببيانه)
أقول: قد بيناه لك، ووضحنا مقصودنا من كونه زائداً على العلم.
قولك: (إن موسى عليه السلام سأل رؤية الله تعالى لقومه لا لنفسه وهذا معتقدنا المشهور فى ذلك، والرؤية التي سألها لقومه هي الرؤية البصرية المعهودة...إلخ)
أقول: هذا خلاف الظاهر فلم يقل أرهم ينظروا. وكذا لا يصح لأنهم لما سألوه (أرنا الله جهرة) أخذوا بالصاعقة فلم يحتج لأن يسألها لهم. ثم إن تجويز الرؤية عليه تعالى بالبصر كفر عندكم، ولا يجوز أن يؤخر الرسول موسى عليه السلام الرد عليه، ويقرهم على سؤال أمر باطل محال في نفسه وكفر. ألا تراه لما سألوه (اجعل لنا آلهة) زجرهم من وقته وساعته ونعتهم بالجهل.
ثم إنهم إن كانوا مؤمنين بكلامه كفاهم إخباره لهم بأنه لا يرى. لأن غاية ما سيحصل في السؤال أن الله تعالى سوف يكلم موسى ويقول له إن هذه الرؤية مستحيلة، ثم سيخبرهم موسى بنفس الخبر. فإن آمنوا بالخبر الثاني، فلم لم يؤمنوا بالأول. ولو كانوا مؤمنين برسالته وصدقه، فلا حاجة لأن يسأل لهم ليصدقوه ونحن وأنتم يجب علينا أن نعتقد أن موسى كان يعلم استحالة هذا الأمر إن كان مستحيلاً على الله تعالى كما تدعون، لأن كل رسول فيجب أن يكون عالماً بذلك. فما فايدة الطلب عندها. وإن كانوا غير مؤمنين فلن يثمر فيه لا طلبه ولا كلامه لا الأول ولا الثاني.

قولك: (إننا نخص المؤمنين بهذا العلم، وكما قال السيد بدر الدين الحوثي: ويكون العلم بذلك ضرورياً بمنزلة العلم بالمشاهدات، واختص بذلك المؤمنون لأن أعداء الله فى شغل عن ذلك بأنفسهم ....إلخ)
أقول: إنه يلزمكم إذا قلتم إن الرؤية علم ضروري بالله تعالى على وجه اليقين يوم القيامة أن يشترك فيها كل أحد من المؤمنين والكافرين. لأنه ما وجه اختصاص المؤمنين عندها بها دون الكافرين. وأما قوله يكونون في شغل فبعيد غريب، والتزام قبيح، أفتقول إن اشتغال الكافرين بأنفسهم قد صرفهم عن رؤية الله تعالى. والله أعظم أن يلاحظ لو انكشف ما يحجب الناس عنه، جمعنا الله وإياك في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم نذكر بعضنا أيصرف عن رؤية الله الجليل صارف، ويشغل شاغل أم لا.

قولك: (كنت أقول إن الخلاف لفظي بناءً على تفسير الكوثري للرؤية بالمعرفة الضرورية بالله تعالى.... إلخ)
أقول: أجبنا بما فيه الكفاية.
وأرجو أخي الفاضل أن تمهلني حتى أنتهي من كتابة تعليقات وافية على الآيات الكريمة التي استدل بها كل واحد من الفريقين، فأنت سريع الرد. وقد سألتك ذلك ولعلك ذهلت عنه، في عقب إتيانك بكلام الأمير الصنعاني على استدلالنا بقوله تعالى لا تدركه الأبصار. فقلت إني أريد أن أكتب بتفصيل فيها وفي دليلنا نحن. وأنا قليل الوقت، كثير الشغل، فلا تعجل علي. أعاننا الله وإياك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الزيدى
27-10-2003, 18:43
بسمه جل سلطانه

الاخ الكريم بلال ,,

انتم تعتقدون ان المؤمنين سيدركون الله تعالى فى الاخرة ادراكا زائدا على مجرد العلم الضرورى به ., و تسمون هذا الادراك : رؤية !
و تنفون ان يكون انطباعا لصورة المرئى فى ذهن الرائى - و هو المعنى المفهوم للرؤية -
و سالناكم عن ماهية هذا الادراك , فلم نحصل على جواب مفيد .

و كما قلتم :[قولك: (ما هو هذا القدر الزائد على المعرفة؟) وقولك: (وإلا فلا تلومونا على عدم إثباتنا لأمر لا معنى له)
أقول: لا يتوقف إثبات وجود شيء ما أو نفيه على معرفة حقيقته، وتصوره تصوراً تماماً، بل يكفي تصوره من وجه ما للحكم عليه بالنفي والإثبات. وإلا لما صح شيء من أحكامنا في الإلهيات. ويمكنني أن ألزمك الكثير من الإلزامات إذا بقيت متعلقاً بهذه المقالة]
فهذا اقرار منكم بعدم معرفة حقيقة هذا القدر الزائد على المعرفة
فلا داعى اذن لمطالبتنا باثبات امر لا نعرف و اياكم حقيقته

و ارى ان نكتفى بهذا القدر من البحث فى مسالة الرؤية , فنحن نكتفى منكم بنفى الرؤية البصرية المعهودة , و لا نطالبكم باكثر من هذا

-------------------
و بخصوص سؤال موسى عليه السلام للرؤية :
وصفتم قولنا بانه سال الرؤية لقومه بانه خلاف الظاهر , و اقول : و كذلك
اعتقادكم انه طلب رؤية بدون مقابلة و مسافة بين الرائى و المرئى هو خلاف الظاهر , لان ظاهر قوله { انظر اليك } الرؤية البصرية المعهودة و تقليب الحدقة فى المرئى .
و نحن نعتقد انه سال الرؤية ليرى قومه الرد الالهى على سؤال الرؤية , و يريهم ان الله تعالى لا يجيب سائل الرؤية حتى لو كان موسى عليه السلام .
و كما يقول الزمخشرى رحمه الله [ما كان طلب الرؤية إلاّ ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضُلاّلاً وتبرأ من فعلهم، وذلك أنّهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبّههم على الحقّ فلجّوا وتمادوا في لجاجهم، وقالوا لابدّ، ولن نؤمن حتى نرى الله جهرةً، فأراد أن يسمعوا النصّ من عند الله باستحالة ذلك وهو قوله: (لَنْ تَرَانِي) ليتيقّنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)]
--------------------------


الى ان قلتم تعقيبا على كلام السيد بدر الدين عن اختصاص المؤمنين بالرؤية و انشغال اعداء الله عن ذلك بانفسهم :[وأما قوله يكونون في شغل فبعيد غريب، والتزام قبيح، أفتقول إن اشتغال الكافرين بأنفسهم قد صرفهم عن رؤية الله تعالى. والله أعظم أن يلاحظ لو انكشف ما يحجب الناس عنه، جمعنا الله وإياك في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم نذكر بعضنا أيصرف عن رؤية الله الجليل صارف، ويشغل شاغل أم لا.]
و اقول : نعم سيكون اعداء الله فى شغل عن تلك الرؤية بانفسهم , فنحن نتحدث عن رؤية بمعنى : معرفة و علم بالله ناشئين عن التامل فى عظمته تعالى و جلاله و حكمته و رحمته و جبروته و عزته بما يشاهدون فى القيامة من قضائه سبحانه و تعالى
, و اعداء الله فى شغل عن هذا التامل و التفكر بانفسهم , و حالهم يوم القيامة هو كما قال تعالى {و من كان فى هذه اعمى فهو فى الاخرة اعمى و اضل سبيلا } و قال تعالى {و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا و بكما و صما ماواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا }

و الله الموفق ,,

بلال النجار
28-10-2003, 12:26
بسم الله الرحمن الرحيم،
الأخ الكريم الزيدي،

قولك: (وسألناكم عن ماهية هذا الإدراك، فلم نحصل على جواب مفيد)
أقول: ليس صحيحاً أننا لم نشرح ما نعنيه بالرؤية بما يكفي لتصورها، ولعمري ماذا كنت أقول حين بينت ثلاثة أنواع من الإدراك تحصل لمن يدرك الشيء بحدة أو رسمه، ثم لمن يراه ويغمض عينيه، ثم لمن ينظر إليه. ولكنك لا تريد أن تفهمه. ولا تريد أن تسلم أن الرؤية يمكن أن تحصل بدون آلة وشروط.

أما قولك: (فهذا إقرار منكم بعدم معرفة حقيقة هذا القدر الزائد على المعرفة، فلا داعي إذن لمطالبتنا بإثبات أمر لا نعرف وإياكم حقيقته)
أقول: هذا كان جواباً إلزامياً مني لك، لأنك بعد كل ما كتبته لأصور لك هذا القدر الزائد، تريد مني أن أبين لك حقيقة هذا الإدراك الزائد على المعرفة، ولا أنا ولا أنت نستطيع أن نبين حقيقة الإدراك على ما هو عليه، ولكننا نتصوره من وجه يكفي لتمييزه. وأقول لك: أنت تثبت لله تعالى سمعاً وبصراً، فإما أن تقول إنهما زائدين على العلم أوْ لا. فإن كان الأول فبين لنا معنى هذه الزيادة وجوابك عندها جوابنا في بيان الزيادة. وإن كنت تقول إنهما غير زائدتين على صفة العلم بل هما نفس علم الله، قلنا لك فلماذا تثبت لله تعالى السمع والبصر مع كونهما عين العلم، ويكون جوابك هو عين جوابنا في بيان سبب إثبات الرؤية.

قولك: (وأرى أن نكتفي بهذا القدر من البحث فى مسألة الرؤية، فنحن نكتفي منكم بنفي الرؤية البصرية المعهودة، ولا نطالبكم بأكثر من هذا)
أقول: بماذا نكتفي ولم نصل إلى نتيجة. أنت لم تجبني بعد عن أهم أسئلة سألتها لك، ولم تناقش أدلتي على جواز الرؤية. ثم أنتم تقولون الخلاف بيننا لفظي، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا تنفون الرؤية؟ ثم إن كنتم لا تطالبوننا بشيء وراء نفينا الرؤيا بالحاسة، فنحن نطالبكم بشيء وراء ذلك، وهو إثبات الرؤية بلا كيفية مشياً مع الشرع، والتزاماً بالأخبار، لئلا نسمكم بإنكار خبر لا عن دليل ونبدعكم.
وبالمناسبة ليس لدي مشكلة كبيرة في أن تقول أنت إن الرؤية هي إدراك ضروري أو علم ضروري، ولكن المشكلة التي لا أفهمها أن المعتزلة ومن لف لفهم، لماذا يبوبون على نفي الرؤية ويشنعون على من يثبتها مع أنها ورد بها الشرع، مع أنهم يمكن أن يتأولوها. فإنكم مثلاً تثبتون بأن الله تعالى عالم وبصير وسميع.. إلخ، وهذه ألفاظ مشتركة بين الحادث والقديم، وتقولون بعد إثباتها إن علمه ليس كلمنا، فلم لا تثبتوا الرؤية الواردة في الآيات والأحاديث وتقولوا إن معنى هذه الرؤية هي رؤية قلبية ولا يمكن أن تكون رؤية بصرية ....إلخ ما يمكن أن يقال؟ وهذا أمر غريب عجيب لا أستطيع أن أفهمه من أهل الاعتزال. فترى القاضي عبد الجبار رحمه الله يتبجح بطريقة غريبة في شرح الأصول الخمسة، يقول ما معناه: (فصل في نفي الرؤية ... هؤلاء الأشاعرة يخالفوننا ويثبتون الرؤية بلا كيف ...) ويبدأ جولاته في مصارعتهم، فإذا كان المعتزلة فعلاً ليس لديهم مشكلة في أن تكون الرؤية نوع علم يحصل لهم، فلماذا لا يثبتون الرؤية؟
إن القضية في نظري قضية منهج في النظر وفهم الدين. أهل السنة يقرؤون الشريعة ولا يبادرون إلى نفي شيء من ظواهر معانيها إلا إذا لزم لزوماً قطعياً عن إثباته إثبات معنى باطل. وغيرنا قد لا يأبه ويردها مهما عارضت فكره، ثم لا يريد أن يلتزم أن المسألة محتملة لرأي غير رأيه.

قولك: (وكذلك، اعتقادكم أنه طلب رؤية بدون مقابلة ومسافة بين الرائي والمرئي هو خلاف الظاهر، لأن ظاهر قوله (أنظر إليك) الرؤية البصرية المعهودة وتقليب الحدقة فى المرئي)
أقول: لا نسلم أن قوله (أنظر إليك) هو ما ذكرت، لوجود الصارف العقلي عنها، كما لا نسلم أن المتبادر من قوله تعالى (خلقت بيدي) ما يفهم السلفية؛ لأن الدليل القطعي حين يقوم على نفي معنى من المعاني فلا يمكن أن يقال إن هذا المعنى ظاهر فيه. فإننا لا نتكلم عن لفظة تقرأ هكذا وحدها ويسأل ما هو المتبادر منها. بل إننا نتكلم في آيات القرآن الكريم الموجودة في سياقات، ونتكلم عن إنسان يعلم عقائد المسلمين، ويقرأ هذا القرآن فما يظهر له ويتبادر لا يمكن أن يكون هذه المعاني الباطلة. فكذا ههنا.
أما في الآية، فأنا أقرأ قوله تعالى (رب أرني أنظر إليك) ولا يتبادر لي أبداً أرهم ينظرون إليك على ما اخترت من المعنى. وأقرأ ما أجابه الله تعالى (لن تراني) ولا يتبادر لي لن يروني.

قولك: (ونحن نعتقد أنه سأل الرؤية ليرى قومه الرد الإلهي على سؤال الرؤية، ويريهم أن الله تعالى لا يجيب سائل الرؤية حتى لو كان موسى عليه السلام.... إلخ)
أقول: إن هذا التبرير الذي يحكونه عن الجاحظ ومتبعيه بعيد، ولا مسوغ له عند السائل لما بينا من أنهم يتوقعون رداً على طلبهم بالخبر حال كونهم عالمين باستحالة رؤيته من أصول اعتقادهم على ما ذهبتهم إليه. فما فايدة السؤال عن معرفة الاستحالة وقد بينا امتناع طلبهم للخبر عاضداً للدليل العقلي في ردودنا على المعتزلة. وأما حال كونهم غير عالمين بالاستحالة فلن يفيدهم إخباره عن ربه أنه سبحانه لا يُرى. ونحن لا نسلم هذا الوجه لا لامتناعه عقلاً بل لأنه لا دليل عليه، وهو تفسير يأتون به لرد الأسئلة الواردة عليهم. وهو خلاف الظاهر كما قلنا، وخلاف ما دلت عليه الآيات من أنهم لما قالوا لموسى عليه السلام أرنا الله جهرة صعقوا.

قولك: (...معرفة وعلم بالله ناشئين عن التأمل فى عظمته تعالى وجلاله وحكمته ورحمته وجبروته وعزته بما يشاهدون فى القيامة من قضائه سبحانه وتعالى، وأعداء الله فى شغل عن هذا التأمل والتفكر بأنفسهم، وحالهم يوم القيامة...)
أقول: الاستدلال بالآيتين الكريمتين لا ينفعك، لأنا قد أحتج بهما لمذهبي. ثم هل الرؤية المدعاة عندكم تحتاج إلى تأمل ونظر واكتساب لتحصل؟ ألم تدعوا أنها علم ضروريّ؟
ثم إني ألزمكم بما يلزمكم حين أقول فلا تكون الرؤية للمؤمنين خاصة إذا كانت عبارة عن العلم الضروري. وفوق ذلك فإن بعض الزيدية يصرحون بأنه لا فرق بين المؤمنين والكافرين في الرؤية. وراجع شرح الأساس في الموضع الذي نقلت لك منه. أما أن تهرب من هذا الإلزام فتقول إن المؤمنين يوم القيامة لديهم السعة لكي يتأملوا ويتفكروا ...، والكافرون ليس لديهم الوقت لكي يتأملوا فيروا الله. فهو إثبات لنظرية الرؤية على خلاف ما شرحتموه من ضرورتها سابقاً. ثم إنها إثبات لجواز أن ينظر الكافر فيرى الله أي إثبات لجواز رؤية الله من الكافر. سيما وأنكم أهل العدل لا تقولون بالعادة في نتائج تلك التأملات.
والمعنى بعد رد قول قائله، أنكم ها أنتم لا تقدرون على تصوير هذا الشيء الذي تقولون إنه سيحصل لكم يوم القيامة، فلم تلوموننا إن نفيناه، فإن سلمت لك ولا أسلمه أنا لم نصور القدر الزائد ولم نبين حقيقته فها أنتم تتردون في تصويره حال كونه ليس قدراً زايداً، فالإلزام مشترك.
وأخيراً، فأنا لا أحب أن أنهي نقاشاً في أي مسألة قبل أن أصل فيه إلى نتيجة. وأود منك أن تثبت الرؤية على الأقل بالعبارة التي أبدلت لك بها تسامحاً مني عبارة الطحاوي، مع أن من الممكن لو أنكم فعلاً تثبتون الرؤيا أن تحتجوا بنفس حججنا من الآيات والأحاديث، ثم تشرحوا بأن الرؤية هي كذا وكذا ...كما بيناه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الزيدى
28-10-2003, 14:55
بسمه تعالى

الاخ بلال ,,

قلت : ليس صحيحاً أننا لم نشرح ما نعنيه بالرؤية بما يكفي لتصورها،
و اقول :ان ما ذكرتموه لم يوضح مرادكم بالرؤية , فقد قلتم : [ لا خلاف بيننا وبينكم في أنه يمتنع ارتسام صورة للمرئي في عين الرائي أو اتصال شعاع بينهما أو وجود مقابلة أو مسافة إلخ شروط الرؤية العادية.
ونحن نقول بأن هنالك إدراكاً يحصل لنا من القول الشارح. فإذا أبصرنا ما تصورناه به ثم أغمضنا العين حدث فينا نوع آخر من المعرفة زايد على الأول. ثم إذا فتحنا العين حصل لنا نوع آخر من المعرفة زايد على الأولين وهذه هي التي نسميها الرؤية.]
اى الرؤية عندكم هى: نوع معرفة بالمرئى تحصل عند فتح العين !
و المعلوم ان الذى يحصل عند فتح العين هو ارتسام صورة المرئى فى ذهن الرائى .و هو ما ننفيه و تنفونه
فكيف تقول انك شرحت ما تعنونه بالرؤية بما يكفى لتصورها ؟!

-------------------------------
و لا معنى لاى نقاش فى المسالة قبل ان تبينوا بوضوح ما هى الرؤية التى تدعونها .
و دمتم موفقين .

بلال النجار
29-10-2003, 05:04
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم،
الأخ الزيدي المحترم،

قولك:( إن ما ذكرتموه لم يوضح مرادكم بالرؤية.... أي الرؤية عندكم هي: نوع معرفة بالمرئي تحصل عند فتح العين، والمعلوم أن الذي يحصل عند فتح العين هو ارتسام صورة المرئي فى ذهن الرائي. وهو ما ننفيه وتنفونه
فكيف تقول إنك شرحت ما تعنونه بالرؤية بما يكفى لتصورها. ولا معنى لأي نقاش فى المسألة قبل أن تبينوا بوضوح ما هي الرؤية التي تدعونها)

أقول: بل وضحناه ونزيده بياناً الآن. قولك نوع معرفة سلمنا لكن لا نسلم أنه مشروط بالآلة وفتح العين وغيره من الشروط. قولك والمعلوم أن الذي يحصل عند فتح العين هو ارتسام صورة المرئي في ذهن الرائي، سلمنا أنه ذلك يحصل عند فتح العين السليمة في مقابلة جسم أو جسماني ومراعاة بقية الشروط، لكن لا نسلم أن غير الجسم والجسماني لا يمكن أن تتحق في النفس له تلك الحالة المخصوصة من الانكشاف الزائدة على معرفته بالعقل، والتي نسميها الرؤية. ونمنع استحالة ذلك فهاتوا البرهان على استحالته دون إعادة الدعوى. وعلى بقية كلامك أقول:
الرؤية قال بعض علمائنا هي المشاهدة بالبصر حيث كان في الدنيا والآخرة. وقال بعضهم الرؤية إذا أضيفت إلى الأعيان كانت بالبصر، وقد يراد بها العلم مجازاً بالقرينة كقوله تعالى: (ألم تر إلى ربك)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته). وقال كثير من علمائنا الرؤية جنس تحته أنواع: منها الإدراك وهو ما يقع مع الإحاطة أي بالغايات والنهايات، ومنها ما لا يقع بها. وحقق شيخنا السعيد أن الرؤية التي هي الإدراك هي ما يحصل بها الانكشاف التام لذا نفاها الله تعالى عن نفسه لأن الرؤية التي تحصل للمؤمنين في الجنة لا يحصل معها العلم التام بكنه الله تعالى وحقيقته. كذا كأني فهمته منه. وهو يقرأني فإن قصرت في شرح مراده فليتفضل علي بالتصحيح. وكلا معنيي الإدراك أعني الإحاطة بالنهايات والأطراف وبلوغ العلم والانكشاف التام للمدرك سائغان مفهومان بينة علاقتهما بأصلهما اللغوي أعني الإدراك، على ما وقفت عليه في القواميس وكتب الخصوم. إذ اتفق الجميع على أدركت الثمرة إذا أينعت وبلغت منتهى نضجها وحدَّه، وأدرك الغلام إذا بلغ. وهذا القدر كاف لتحصيل معنى الإحاطة أي برؤية جوانب الشيء ونهاياته وأطرافه كما حققه الإمام في الأربعين. كما يكفي لفهم بلوغ حد الانكشاف التام للمرئي. كما نقلته عن شيخي.
إذا تقرر هذا فأرجو أن تتأمل ما سأقوله الآن، وأن تنفذ إلى عمق معانيه ولا تتعجل في الحكم عليه والرد، فإني رأيتك تتجاهل كثيراً مما أكتب، أوْ لا تتأمله بقدر كافٍ قبل أن ترد.
أولاً: لا أجد ما ذكرته من أقوال العلماء في الرؤية متنافياً. لأن حقيقة الرؤية علم خاص. يحصل للروح، ولا يشترط لها لكي تحصل هذه الشروط المعروفة إلا بقدر ما يلزم تحقيق العادة. بيان ذلك كما شرحه الشيخ في بعض كتبه أن الشعاع الساقط على المرئي ينعكس فيمر من خلال عدسة العين ليسقط على الشبكية، فتنفعل الشبكية انفعالاً خاصاً تابعاً لطول موجة الضوء الساقط عليها وتردده، أو بعبارة أخرى تبعاً لطاقة موجة الضوء. وينقل العصب البصري المتصل بالشبكية الإشارة الكهربية الناشئة عن الانفعال إلى الدماغ. وعندئذ إما أن تقول إن الدماغ هو الذي يدرك المرئي، أو تقول إن الروح هي التي تدرك وكل تلك الأسباب شروط عادية لإدراك الروح. والثاني قول الأشعرية.
والعادة عندنا قانون ابتدعه الله تعالى ولا يجري عليه، فله تعالى أن يتركه إلى بدل، أو يرفعه مطلقاً. فسواء كان هنالك عيون تحدق وتتقلب حدقاتها أو لم يكن، فالرؤية ممكنة من طريق الآلة فقط لما وضعت هذه الآلة لكي تدركه أي تحيط به وعادة. أي أنه قد تجتمع الشروط ولا يرى المرئي، وقد تفقد بعض الشروط أو سائرها ويرى المرئي. ولا أفهم الحجب الوارد في الآيات إلا أنه عقاب من الله تعالى للكافرين بعدم خلق رؤيته فيهم.
وعلى أي حال لا يمكن أن تدرك هذه العيون بهذه الكيفية الله عز وجل لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولكن يمكن أن نقول إن الناس في الجنة سينظرون ويحدقون ويقلبون حدقاتهم وتحصل لهم رؤية الله تعالى ولكن لا بسبب سقوط الشعاع على الله وارتداده عنه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولا بسبب أن تحديقهم وتقليبهم لحدقاتهم كان في جهة المرئي تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولكن يكون هذا سبباً عادياً آخر يضعه الله تعالى ثمة فيقارن حصوله حصول تلك الرؤية لأرواحهم، فيسوغ تسميتها رؤية أي مشاهدة بالبصر، كما يصح وصفها به علماؤنا أنها بلا كيف. وتقريبه أن الله تعالى قال لإبراهيم عليه السلام (فخذ أربعة من الطير فصهرنّ إليك) فنحن وإياكم متفقون على أن ما فعله سيدنا إبراهيم عليه السلام ليس بشيء، ولا له أثر في خلق الطير وطيرانه، ولكن الله تعالى هكذا يريد الأشياء أحياناً، ويجري لها أسباباً، ولا يسأل عنه سبحانه بلم وكيف. مع قطعنا باستحالة أن يفعل الله شيئاً لعلة وقطعنا باستحالة أن يكون لهذه الأسباب أثراً في الفعل. وهذا هو ما يجعلني أجيز ولا أحيل قول بعض علمائنا إن الظاهر من النصوص أن الرؤية مسندة إلى العيون التي في الرؤوس. ولا يجوز أن يتهم هؤلاء العلماء بالجهل وعدم الفهم وأنه لا معنى لكلامهم أو أنهم يلزمهم التشبيه والتمثيل، لأنهم في نفس الوقت الذي يقولون فيه هذا الكلام فإنهم ينزهون الله تعالى عن مشابهة الحوادث، وأن تحصل رؤيتنا له بالكيفية المعهودة. فيجب إذاً أن نفهم كلامهم على ما وضحته من أن العيون كآلات وأسباب عادية للرؤية ليست بشرط للرؤية، أي أنها ليست هي التي ترى بل الروح التي ترى، وما العيون إلا آلات لا تتوقف الرؤية عليها.
ثانياً: معنى أن الرؤية علم خاص، أو أنها إدراك خاص. أو نوع إدراك. أو حالة إدراكية مخصوصة. كما وقع في عبارات علمائنا لا يتنافى مع قول بعضهم إن الرؤية زائدة على العلم. ولربما تلاحظ لو تعيد قراءة ما كتبته لك حتى الآن أنني أستخدم كل هذه العبارات معاً، وأظل أصرح أن الرؤية زايدة على العلم.
وقد شرحت لك معنى أن الرؤية زائدة على العلم ولكنك لم تحصّل ما أردته، أو أنك لم ترد أنك لم ترد ذلك. وكنت أنتظر أن تسألني كيف تقول إن الرؤية نوع علم وفي نفس الوقت تقول هي زايدة على العلم ولكنك لم تفعل. وأنا أبين لك ذلك إن شاء الله بما يرفع الإشكال. أقول: إنك لا بد تسلم لي أن هنالك حالة مخصوصة تقع لنا حين نرى شيئاً بعد أن نكون قد علمناه بالحد أو الرسم. وما تستشكله أنت أن ما يحصل دائماً هو انطباع صورة للمرئي. وهذا هو الأمر الوحيد الزائد على العلم. ولكني أقول إن هذا الأمر واقع لأن العين موقوفة على رؤية الجسم والجسماني، فتنطبع فينا صورة المرئي. ولكن ما المانع من حصول حالة مخصوصة علمية زائدة على علمنا لشيء مجرد عن المادة في النفس. إنك لو تأملت ذلك فلن تجد عقلك يحيله. وعدم إحالته إثبات لجوازه. وهو نصنا في الرؤية أنها جائزة في حق كل موجود. والشيء إن لم يكن محالاً فهو ممكن بالإمكان العام. أنا بالتأمل لا أرى ذلك ممتنعاً، فعلى النافي الإتيان بدليل على المنع.
وأزيدك من قول الشيخ العلامة سعيد فودة في كتابه مباحث في علم الكلام وهو تنقيح وزيادة لكتابه الموسوم بغرر الفرائد المنشور على موقع الرازي: (والحاصل أن المراحل المتقدمة جميعها على النفس: من العين ومكوناتها والأعصاب ثم الدماغ، ما هي إلا وسائل تنقل الأشعة إلى النفس لتحصل الرؤية بعد ذلك في النفس. ومن أساليب تقريب إثبات ذلك أن الأمر الذي يحصل بعد وصول الأشعة وسيرها في الطريق الموصفة سابقاً، والذي يسمى رؤية، ترى فيه إنساناً معيناً، هذا الإنسان أي هذه الصورة للإنسان المرئي، يمكن أن تراها نفسها في حلم تراه، ولا تختلف رؤيتك في الحلم لهذا الرجل عن رؤيتك له في اليقظة، من حيث هي، إلا أن الرؤية في اليقظة مرتبطة بالزمان والمكان المعين، أما في الحلم فلا. وهذا أمر طبيعي فكون رؤية اليقظة جاءت عن طريق مكاني زماني، وهو الأشعة بشرط المقابلة وغير ذلك، وكل هذه العناصر فيها شرط الزمان والمكان، فلا بد أن يلاحظ الرائي هذه الأمور في رؤيته، ولكن ذلك يكون فقط من حيث إن هذه شروط لرؤية الرجل الآن وهنا في هذا المكان، وليست شروطاً لرؤيته مطلقاً . أو إن هذه هي رؤية الرجل التي حصلت الآن وفي هذا المكان، لا رؤيته مطلقاً. فأنت ترى في الأحلام صوراً وحركات، وتنخدع أحياناً كثيرة وتظن أن الحلم حقيقة، وهو ليس كذلك، وما ذلك إلا لأن هذه رؤية وهذه الأخرى رؤية، وتكون التفرقة بينهما بالانتباه إلى قوانين الزمان والمكان المعدومة تقريباً في الأحلام، والموجودة في رؤية المتيقظ. وهذه الفروقات لا تنفي كون ما يحصل بالمنام أنه رؤية. وهذا التحليل قوي ويفيد أن الرؤية ليست هي إلا الصورة النهائية الحاصلة في النفس، على قولنا، وليست هي مرحلة من المراحل السابقة لذلك. ولهذا، فإنك لو قلعت عين إنسان، وأثرت بأمواج كهربية على الأعصاب البصرية له، فإنه لا شك سيحدث في نفسه رؤية صورة معينة. وكذلك لو قلعت هذه الأعصاب وأثرت على تلك البقعة من الدماغ بأمواج كهربية، فستحصل صورة لرؤية معينة كذلك. ونحن نقول: إن هذه الصورة يمكن أن تحدث في النفس ولو من دون دماغ، لأننا لو فرضنا الدماغ كبداية تدخل إليها الأشعة ذات الرمز ل[أ]،وتخرج[أَ]،فأن [أَ]،الخارجة من الدماغ أمر موجود في ذاته، ووجوده ليس معلولاً لوجود[أ]،لأن[أ]،في حال وجود[أَ]،لم تعد موجودة، فيستحيل أن تكون علة لها، وإلا لزم انعدام [أَ]. وبما أن [أَ] أمر موجود، فنحن نقول: إن الله تعالى يمكن أن يخلقه مباشرة في نفس الإنسان ومن دون وجود العين ومكوناتها فتحدث الرؤية، أو يخلقه في الدماغ عند من ينكر وجود النفس كجوهر مفارق، وتحصل الرؤية أيضاً. وعلى القولين : فالرؤية حقيقة هي أمر ما يخلقه الله تعالى. هذه هي حقيقة الرؤية. والرؤية في حاصلها علم خاص كما أثبته المحققون من العلماء. وبناء على هذا نقول إن الله تعالى عالم، وسميع وبصير، بلا عين ولا أذن ولا أدوات وأعضاء، وليس في ذلك أي استحالة. وكذلك يمكن أن يخلق الله تعالى رؤيته فينا مباشرة بلا توقف على عين ولا إشعاع ولا مقابلة ولا أي شرط تتوقف عليه الرؤية عادة. ونحن نؤمن برؤية الله تعالى بهذا المعنى، ونـنـزهه تعالى عن كل مثل وشبيه ...) اهـ
والتحقيق عندي أن رؤيتنا لله تعالى يحصل بها علم زائد على العلم المستفاد من التصديق به. وهو علم ضروري لا نظري كالأول. ومهما كانت المقولة التي يندرج تحتها العلم فإنه يتصور فيه الزيادة، فالنفس تزداد علماً بتلك الرؤية أي يزداد علمها بالله تعالى أي ينكشف الله تعالى لها أكثر مما كان منكشفاً قبل الرؤية. ولربما تفاوت هذا الانكشاف شدة وضعفاً بحسب مراتب الناس ودرجاتهم في الدنيا. ولربما حصل في كل رؤية زيادة انكشاف وزيادة علم بالله تعالى مرة بعد مرة. كل ذلك بقدرة الله تعالى وتمام تدبيره. وعظمة الله تعالى وحقيقته وكنهه لا تنكشف انكشافاً تاماً للعقول، ولا يمكن على التحقيق عندي بلوغ ذلك الحد لأن معناه أن نعلم الله تعالى كما يعلم هو ذاته، وهو محال. فالله تعالى يزيدنا علماً ويقدر على ذلك لا إلى نهاية على التعاقب لا دفعة، لأن كمالاته لا نهاية لها. وعلمه لا حد له. وهذا يبرر اللذة العظيمة التي تحصل برؤية الله تعالى كما نقل، إذ ليس من لذة أعظم من اللذة التي تحصل للنفس بالانكشاف الغائب عنها لها، هذا إذا لم تكن كل لذة لازمة لنوع انكشاف على ما استقريته في كثير من الملذات، ولربما كان وصف الله تعالى الرؤية بالزيادة إشارة إلى هذا المعنى الذي ذكرته والله تعالى أعلم. وإن نبذل إلا جهدنا في الفهم، ونلتزم الشرع ونتحرك في دائرته، ولا نخرج عنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وهو الهادي له. وهو حسبي ونعم الوكيل. فإذا لم يكن قد تبين عندك ما نعنيه بالرؤية على التحقيق وما نعنيه بالزيادة بعد كل ما قلته، فإني أقرّ بأن هنالك مشكلة، إما فيّ أنا أو فيك أنت. أو في اصطلاح التفاهم بيننا. وأدعو الإخوة الأفاضل في المنتدى لأن يبدوا رأيهم: هل كلامي مفصح ومفهم ومجيب عن المسؤول عنه أم لا؟!
ثالثاً: إعلم أن متمسكنا في إثبات الرؤية لله تعالى هو الخبر، كسائر ما لا يتوقف ثبوت صحة الخبر عليه. وفي اعتقادي إن الأخبار المستفيضة فيها كحديث سترون ربكم لا تضامون بفتح التاء وضمها وتخفيف الميم وتشديدها الذي رواه واحد وعشرون من كبار الصحابة، إلى جانب الأحاديث الأخرى كحديث شرح الزيادة وغيره، إلى جانب الآيات الكريمة التي نستشهد بها لا تدع مجالاً لإنكار أن الشرع صرح بأن الله تعالى يرى.
وهذه المواضع التي نحتج بها من القرآن الكريم على الجواز والثبوت هي:
الأول: (أرني أنظر إليك) حيث طلب موسى عليه السلام الرؤية لنفسه.
الثاني: (فإن استقر فسوف تراني) حيث علقها بممكن.
الثالث: (لا تدركه الأبصار) حيث جاءت في مقام التمدح، وهو أكمل عند جوازها مع الحجب عنها، منه عند استحالتها عليه. مع تسليمي بجواز التمدح بالمحال عليه المفيد لتنزهه عن النقائص كنفي الشريك والولد ونحوهما.
الرابع: (الحسنى وزيادة) قال الإمام الرازي في الأربعين: (إن النقل المستفيض صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الزيادة النظر إلى الله تعالى)، ووصف هذا الحديث في تفسيره قال ما تفق الجمهور عليه.
الخامس: (فمن كان يرجو لقاء ربه)
السادس: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً) ورأيت المفسرين يفسرون الملك بضم الميم بتفسيرين أحدهما رؤية الله تعالى. قال الإمام الرازي ما معناه أن هذه الآية عندي أقوى من غيرها لأن إحدى القراآت تقرأ ملكاً بفتح الميم وكسر اللام، وأجمع المسلمون أن ذلك الملك الكبير هو الله تعالى. وأنا لم أبحث إلا في بعض التفاسير عن ذلك ولم أجد فيها ما ذكر، وإني سأطلبه إن شاء الله تعالى، فإن كان لأحد علم بذلك فليعلّمنا وله من الله خير الجزاء. ولا يخفى أنه إن ثبت تواتر قراءتها هكذا تكون نصاً قاطعاً في الرؤية وبياناً للحسنى والزيادة. والله تعالى أعلم بكتابه.
السابع: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) وهذه الآية في غاية القوة في الدلالة على حجب الكفار، وتنعيم المؤمنين برؤية الله تعالى. وذلك لظهورها في المعنى الذي نثبته، وعدم صحة المعنى عند المخالف إلا بتقدير حذف مضاف. وعدم التقدير أولى والمعنى بدونه أظهر منه به.
الثامن: (ولقد رآه نزلة أخرى) ومع عدم اعتقادي بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى الله تعالى في حادثة المعراج كما حكاه الجمهور، إلا أن مجرد الاختلاف في أنه هل رآه أو لا دليل على جواز وقوعه.
التاسع: (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم) قال الإمام الرازي إن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه، فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد –أي لتكميل تلك المعرفة بذلك النوع الخاص من العلم كما وضحناه- وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها. اهـ أي لقوله تعالى الآية، فلا شهوة للنفس أكبر من تكميل معرفتها بالله تعالى.
العاشر: (وجوه يومئذ ناظرة * إلى ريها ناظرة) وهو ظاهر في ذلك.
ولنا كثير من المواضع الأخرى أثناء مناقشة الاحتجاج بهذه الآيات لإثباتها، وإبطال قول الخصوم. وأدعو الموافق والمخالف أن يطلع على مطولات علم الكلام عندنا وعند المخالف وعلى تفسير الإمام الرازي وأغلب كتبه ويطالع بروية المناقشات الواردة وأدلة الفريقين، ثم ليتخذ موقفه من هذه المسألة عن بينة. ونحن لم نأت في مناقشاتنا لأدلتنا وشبه الخصوم بشيء يذكر، ولا مانع عندي إن أراد الأخ المباحث أن نتناول كل دليل دليلٍ على انفراد. إلا إذا كان الأخ الفاضل قد مل من الحديث معنا.
رابعاً وأخيراً: كما قلت لك في الرسالة السابقة ليس لدي مشكلة في أن تحمل الرؤية على الرؤية القلبية أو العلم. وليس عندي مشكلة في أن تقول هي زائدة على العلم أو غير زائدة إن لم تقتنع بهذه الزيادة. ولكن المشكلة التي أثرتها وتناولتها بالبحث منذ البداية هي أني لا يمكنني أن أصدق أن المعتزلة وأتباعهم يعتقدون أن الرؤية جائزة على الله حتى على المعنى الذي تعتبر الخلاف فيه بيننا لفظياً، مما يدعوني لإثارة الكثير من الشكوك حول هذا الادعاء، لأنهم لو كانوا فعلاً يجيزون الرؤية على أي معنى من المعاني لكانوا أثبتوها ثم قالوا بعد ذلك ونعني بها كذا وكذا. ولكنهم تعنتوا أشد التعنت في هذه المسألة ونفوها نفياً قاطعاً، وما ذلك إلا لأنهم يحيلون رؤية الله تعالى، وأغلب المعتزلة إن كنت لا تعلم لا يجيزون أن يرى الله تعالى ذاته. فماذا تقول في هذا التعنت؟
وإني أدعوك أخي الكريم أنت وأهل مذهبك أن تقفوا وقفة صادقة مع أنفسكم لا سيما وأنتم تجيزون الرؤية على الله تعالى بمعنى العلم به، وتقولون إن الخلاف بينكم وبين محققينا خلاف لفظي، وتصححون حديث الرؤية، أن تطلقوا القول بجواز الرؤية على الله تعالى، وتصرحوا بذلك في كتبكم. وتضعوا حداً لتعنت سلفكم. وأخيراً أود أن أعرف ما الذي يوجعك لو قلت لي: (رؤية الله تعالى حق لأهل الجنة من غير إحاطة ولا كيفية كما جاء في الأخبار، وتفسيرها على ما أراد الله تعالى). ألا ترى أن عدم قولك هذا مع أني لا ألزمك بأي معنى للرؤية وأطلب منك تفويض علم معناها إلى الله تعالى، ولا أطالبك إلا بإثباتها كما جاءت في الأخبار، حال كونكم تصححون حديث الرؤية أمراً شديد الغرابة. هذا الإقرار منك هو الذي يجعلني أطوي صفحة الكلام في هذا الموضوع إلى موضوع آخر وأنا راض عن نفسي ومفتخراً بصحبتك خلال هذه الأيام. وبخلافه لا بد أن تبدي أسباباً مقنعة لرفضك هذا، وأتمنى على الإخوة الأفاضل أن يثروا حديثنا بتوجيهاتهم ويحكموا هل لي الحق في هذا المطلب أوْ لا؟
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الزيدى
29-10-2003, 18:43
بسمه علا شانه

الاخ الفاضل بلال ,,
بداية فاننى اكتفى بمناقشة اهم ما يرد فى كلامكم و الا فوقتى و جهدى لا يسمحان بمناقشة كل ما تتفضلون به .

قلتم :
[وقد شرحت لك معنى أن الرؤية زائدة على العلم ولكنك لم تحصّل ما أردته، أو أنك لم ترد أنك لم ترد ذلك. وكنت أنتظر أن تسألني كيف تقول إن الرؤية نوع علم وفي نفس الوقت تقول هي زايدة على العلم ولكنك لم تفعل.]
و اقول : قد سالتك عن مرادكم بالقدر الزائد على العلم حتى تبينوا لنا الفرق بين الرؤية التى تثبتونها و بين العلم .

--------------------
ثم قلتم [ وأنا أبين لك ذلك إن شاء الله بما يرفع الإشكال. أقول: إنك لا بد تسلم لي أن هنالك حالة مخصوصة تقع لنا حين نرى شيئاً بعد أن نكون قد علمناه بالحد أو الرسم. وما تستشكله أنت أن ما يحصل دائماً هو انطباع صورة للمرئي. وهذا هو الأمر الوحيد الزائد على العلم.]

اقول :
هذا تماما ما اعتقده فالامر الوحيد الذى يميز الرؤية عن العلم هو ارتسام صورة المرئى فى ذهن الرائى .

-------------------
ثم قلتم :[ ولكني أقول إن هذا الأمر واقع لأن العين موقوفة على رؤية الجسم والجسماني، فتنطبع فينا صورة المرئي. ولكن ما المانع من حصول حالة مخصوصة علمية زائدة على علمنا لشيء مجرد عن المادة في النفس. إنك لو تأملت ذلك فلن تجد عقلك يحيله. وعدم إحالته إثبات لجوازه. وهو نصنا في الرؤية أنها جائزة في حق كل موجود. والشيء إن لم يكن محالاً فهو ممكن بالإمكان العام. أنا بالتأمل لا أرى ذلك ممتنعاً، فعلى النافي الإتيان بدليل على المنع. ]
اقول :
لا مانع من حصول حالة مخصوصة علمية زائدة على علمنا لشىء مجرد عن المادة فى النفس ,
و نحن نعتقد حصول معرفة ضرورية بالله تعالى للمؤمنين

فما الفرق بين هذه المعرفة الضرورية التى نثبتها و بين هذه الحالة التى تسمونها بالرؤية ؟

-------------

الى ان قلتم [والتحقيق عندي أن رؤيتنا لله تعالى يحصل بها علم زائد على العلم المستفاد من التصديق به. وهو علم ضروري لا نظري كالأول.]
اقول :
و هذا هو ما نعتقده ان المؤمنين ستحصل لهم معرفة ضرورية بالله تعالى , ففيم النزاع اذن ؟ و لماذا لا تقر بان الخلاف بيننا لفظى ؟
------------
الى ان قلتم :[وإني أدعوك أخي الكريم أنت وأهل مذهبك أن تقفوا وقفة صادقة مع أنفسكم لا سيما وأنتم تجيزون الرؤية على الله تعالى بمعنى العلم به، وتقولون إن الخلاف بينكم وبين محققينا خلاف لفظي، وتصححون حديث الرؤية، أن تطلقوا القول بجواز الرؤية على الله تعالى، وتصرحوا بذلك في كتبكم.]
و اقول : نحن قررنا فى البدء ان الخلاف لفظى و كنت انت المعترض على ذلك , فكيف تدعونا الان الى القول بان الخلاف بيننا و بين محققيكم لفظى ؟!
اما حديث الرؤية فنحن نحمل الرؤية الواردة فى الاخبار على العلم و لا ننكر من اخبار الرؤية الا ما كان صريحا فى التجسيم كرواية ( ياتيهم الله فى صورة غير التى يعرفونها) التى اخرجها البخارى ..
اما اطلاق القول بجواز الرؤية فلا نطلقه الا مع بيان ان المراد بالرؤية العلم حتى لا يتبادر الى الذهن معنى الرؤية البصرية
واقول:
(رؤية الله تعالى حق لأهل الجنة من غير إحاطة ولا كيفية كما جاء في الأخبار، وتفسيرها : المعرفة الضرورية بالله تعالى )

و دمتم موفقين .

بلال النجار
29-10-2003, 23:43
بسم الله الرحمن الرحيم،
الأخ الفاضل الزيدي،
السلام عليكم،
قولك: (قد سألتك عن مرادكم بالقدر الزائد على العلم حتى تبينوا لنا الفرق بين الرؤية التي تثبتونها وبين العلم.)
أقول: وقد بيناه.
قولك: (هذا تماما ما أعتقده فالأمر الوحيد الذي يميز الرؤية عن العلم هو ارتسام صورة المرئي فى ذهن الرائي.)
أقول: أنا لم أسلم لك أن ارتسام الصورة هو الأمر الوحيد الزائد والمميز للرؤية عن العلم في مطلق الرؤية، بل هذا الكلام يصح في رؤية الجسم والجسماني خاصة، وكلامي الذي نقلتَه ههنا يشرح استشكالك لزيادة الرؤية على العلم في غير الجسم والجسماني. وتمام كلامي يثبت جواز حصول زيادة علمية خاصة هي الرؤية على العلم، وتلك الزيادة العلمية ليست صورة ترتسم في الذهن عند الكلام في رؤية الإله تعالى. فأرجو أن تقرأ كلامي مرة أخرى.

قولك: (لا مانع من حصول حالة مخصوصة علمية زائدة على علمنا لشيء مجرد عن المادة فى النفس، ونحن نعتقد حصول معرفة ضرورية بالله تعالى للمؤمنين، فما الفرق بين هذه المعرفة الضرورية التي نثبتها وبين هذه الحالة التي تسمونها بالرؤية؟)
أقول: الفرق أننا نسميها رؤية، وأنتم لا تسمونها رؤية وحتى هذه اللحظة هذا الفرق لفظي. ولكنكم لما لم تعتقدوا بأن معنى الرؤية عام يدخل فيه رؤية المجرد عن المادة، وتنكرون استخدام الكلمة في التعبير عن هذه الحال العلمية المخصوصة في حق الله تعالى صار الفرق معنوياً. والفرق أيضاً أننا لا نسلم أنكم تقولون إنها ضرورية لتصريحكم بالتأمل المنافي للضرورة. وأيضاً لأنه يلزمكم على تفسيركم للرؤية بالعلم الضروري الحاصل يوم القيامة بسبب معاينة أحداثها أن يجوز حصولها لغير المؤمنين. وذكرت لك فيما مضى من الكلام فروقاً أخرى فارجع إليها. وإن الرؤية معناها إراءة الله لنا إياه، وهو فعل يحدثه الله تعالى في نفوسنا بإرادته القديمة وقدرته، ولا يصح إثبات هذا المعتقد لكل من نفى الإرادة القديمة عن الله تعالى، لأن الفعل لا يصدر إلا عن عالم قادر مريد. ومثلها كثير من العقايد الإسلامية كما دأب شيخنا الفاضل في التنبيه على أنها لا تصح إلا على مذهب أهل السنة، وبناء العقايد على بعضها. وربما يزداد هذا الأمر جلاء إذا واصلنا الحديث في المسائل الخلافية الأخرى التي بيننا.

قولك: (نحن قررنا فى البدء أن الخلاف لفظي وكنت أنت المعترض على ذلك، فكيف تدعونا الآن إلى القول بأن الخلاف بيننا وبين محققيكم لفظي؟!) وقولك: (وهذا هو ما نعتقده أن المؤمنين ستحصل لهم معرفة ضرورية بالله تعالى، ففيم النزاع إذن؟ ولماذا لا تقر بأن الخلاف بيننا لفظي؟)

أقول: أنا دعوتكم إلى إطلاق القول بجواز الرؤية التزاماً بالأخبار المستفيضة غير المعارضة للعقل، لا إلى اعتبار الخلاف بيننا لفظياً، فارجع لكلامي. ولا يخفى عليك أنه فرق كبير بين أن أبوب على أن رؤية الله تعالى مستحيلة وما فيه من تحد صارخ للشرع. وبين أن أبوب على أن رؤية الله واقعة للمؤمنين في الآخرة، ثم أنبه على أنها بلا كيف ولا إحاطة ولا كرؤيتنا المعتادة للأجسام والجسمانيات. واعلم أني ما زلت أعتقد أن الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة ومن تابعهم في مسألة الرؤية ليس لفظيّاً بل معنوياً حقيقياً.

قولك: (أما حديث الرؤية فنحن نحمل الرؤية الواردة فى الأخبار على العلم ولا ننكر من أخبار الرؤية إلا ما كان صريحاً في التجسيم كرواية (يأتيهم الله فى صورة غير التي يعرفونها) التي أخرجها البخاري..)
أقول: حديث البخاري رضي الله عنه (فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون)، وكثر الكلام فيه. وإن ثبت فتحمل الصورة على الصفة كما قاله البيهقي. وذكر ابن حجر قول ابن التين صورة الاعتقاد، والخطابي الكلام على مشاكلة ما تقدم من ذكر الشمس والقمر والطواغيت، وقالوا علامة، وقالوا ملك ينكرون ما رأوه منه من صفه المخلوق وقالوا غير ذلك فانظره هناك. وقطع ابن الأثير في غريب الحديث أن الصورة تجيء في لغة العرب بمعنى الصفة، وما نسب إلى الله تعالى من لفظ الصورة في الحديث فهو الصفة. كما جاء في الحديث أنه أتاه (في أحسن صورة) وقال ويجوز أن يعود المعنى على حال النبي صلى الله عليه وسلم أي وأنا في أحسن صورة. وفي القاموس: وتستعمل الصورة بمعنى النوع والصفة. ولم يزد في اللسان على نقل كلام ابن الأثير بتمامه الذي نقلنا منه ههنا قطعة. وفي فروق أبي هلال العسكري الصورة اسم يقع على جميع هيئات الشيء لا على بعضها، ويقع أيضاً على ما ليس بهيئة، ألا ترى أنه يقال صورة الأمر كذا.
والمعنى أن منهج أهل السنة لا يرد الحديث إلا بعلل تقتضي رده. فإن صح الخبر وكان له محمل لا ينافي القواطع العقلية والشرعية فكيف نرّده. ومع هذا لا نقول إن لله صورة حاشاه لأن هذا الكلام بلا سياق يفهم منه صفته، فيظهر منه معنى ما له شكل وهيئة وحدود تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقد بالغ بعض المنتسبين إلى الأشعرية في زماننا في نفي الرؤية لتوهمه أنها يثبت بها لله تعالى صفة الحادث، وردّ كل أثر وحديث ورد فيها، وهو ليس من منهج أهل السنة في شيء. وقد مرّ ما دوّنه في كتابه من أخبار على فحول العلماء ممن لا يبلغ عشر معشارهم في العلم والتقى ولم نر منهم هذه الجرأة. وإن مذهبنا ليلتزم أقصى درجات الحذر وأقصى درجات الأدب عند التعامل مع الأخبار. والعلماء يعملون في النصوص آلات الفهم، وقواعد النقد ويحمل واحدهم الفكرة عشرة أشهر يرددها بين جوانحه ويتأملها وهي تنضج، ثم يعيش آلام مخاضها بصبر وأناة وهو ينثرها على الورق ويقدمها للناس ممهورة بسهر الليالي. وأدب العلماء في التعامل مع القرآن الكريم والحديث الشريف تؤلف فيه الكتب المطولة. هذا هو مذهب أهل السنة، ومن لم تعجبه طريقتهم ولا توافق هواه فليتخذ له مذهباً آخر لا يأبه بهذا الأمر.
قولك: (أما إطلاق القول بجواز الرؤية فلا نطلقه إلا مع بيان أن المراد بالرؤية العلم حتى لا يتبادر إلى الذهن معنى الرؤية البصرية)
أقول: هذا لا يبرر عدم إطلاقكم القول بجواز الرؤية ووقوعها لأهل الجنة، ولستم بأحرص من الشارع من أن يقع الناس في توهم المعاني الباطلة. ولا نسلم أن من تكيفت نفسه بقضايا الإيمان الصحيح أنه يتبادر له المعاني الباطلة.
قولك: (رؤية الله تعالى حق لأهل الجنة من غير إحاطة ولا كيفية كما جاء في الأخبار، وتفسيرها: المعرفة الضرورية بالله تعالى).
أقول: وكان هذا منتهى أملي، ألا ترى أخي الفاضل الفرق العظيم بين قولك هذه العبارة الرائقة التي يلفها نور الحق والشرع، وبين قولك في أول كلامك: (ويعتقد الزيدية أن الله تعالى لا يرى فى الدنيا والآخرة) وهو كلام شنيع هكذا على إطلاقه. وهذا أول ما حملني على خوض النقاش معك. والسبب الثاني أني أحببت أن أوضح أن قول بعض علمائنا أن الرؤية في تحصل بعيون الرؤوس مع قولهم إنها بلا كيف كلام معقول ولا يتنافى مع قول البعض إن الرؤية علم ضروري خاص كما بينته في رسالتي السابقة. وإني قرأت مبحث الرؤية في كلام معظم سلسلة أئمة المذهب الأشعري، وقرأته في كتب عدد من علماء الأحناف، وهم على اختلاف عباراتهم مجمعون على أصول في هذه المسألة، ولا أجد أن كلام المتأخرين ينافي كلام المتقدمين، وكله على أصل واحد وميزان من الاعتدال. وغير ذلك مما دفعني للكتابة بسطته أو أشرت إليه في ثنايا الكلام ليتنبه إليه اللبيب الأريب.
وإذ بلغنا وإياك هذا الموضع، فإني والحمد لله راض ولا أرغب في أن أزيد في الكلام على الرؤية بعد هذا المحل من الاتفاق إلا أن تريد أن تتعمق في دراسة التفاصيل. ودعني أمتدح صبرك وجلدك على المتابعة، وهو نادر هذه الأيام، ولم يواصل معي قبلك النقاش أحد ممن ناقشتهم في هذا المنتدى. وأعجبني فيك روحك الثابتة وتواضعك وأدبك واطلاعك. وإنا نحب أن تعرّفنا بك، ولعلك تراسلنا إن كنت لا تحب الإفصاح عن هويتك في علن نادينا. والله تعالى يوفقك لما يحب ويرضى. وأحب أن نواصل الكلام في المسائل الأخرى التي تطرقت إليها. فإن لم يكن لديك مانع، فإما أن تبدأ أنت باختيار مسألة والكلام فيها وإلا بدأت أنا بعد أن تصرح برغبتك في ذلك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والحمد لله رب العالمين.

الزيدى
30-10-2003, 18:04
بسمه تعالى

افدت شيخنا بلال رعاك الله , و قد اكتفيت بهذا القدر من البحث فى مسالة الرؤية , و انتظر تعليقكم على غيرها من المسائل لاستفيد .

و دمتم فى حفظ الله و رعايته .

أحمد على على
22-05-2010, 21:52
بسملة وتصلية

جزاكم الله خيرا على الحوار الهادىء القيم...(t*

الأخ الافضل الشيخ بلال النجار قلت


"وبناء على هذا نقول إن الله تعالى عالم، وسميع وبصير، بلا عين ولا أذن ولا أدوات وأعضاء، وليس في ذلك أي استحالة. وكذلك يمكن أن يخلق الله تعالى رؤيته فينا مباشرة بلا توقف على عين ولا إشعاع ولا مقابلة ولا أي شرط تتوقف عليه الرؤية عادة" .....فهل العين شرط الرؤية أو محلها عند أهل السنة أم يجوز أن تكون محلها القلب أو الروح بلا أداة وبحيث يحصل بها معرفة بالله فوق العلم به؟.

ثانيا الأخ زيدى يقول: "و لا ننكر من اخبار الرؤية الا ما كان صريحا فى التجسيم كرواية ( ياتيهم الله فى صورة غير التى يعرفونها) التى اخرجها البخارى" .

فما تأويل أهل السنة لمثل هذا الحديث؟.

والسلام علبكم.

أحمد على على
23-05-2010, 19:56
جزاك الله خيرا يا شيخنا الفاضل فهمت هذه المسألة جيدا على مذهب أهل السنة ولم أعد بحاجة لزيادة فى ذلك ولكن لى تسأؤلات أخرى بمواضع مختلفة.....يخلق الله ادراكا بأعيننا يوم القيامة يسمى رؤية تزداز بها معرفتنا به فوق العلم به.