المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خلف الأحمر في ميزان الجرح والتعديل (1 )



عماد الزبن
25-09-2005, 14:20
خلف الأحمر في ميزان الجرح والتعديل



إعداد
( أبو المنذر)
عماد الزبن

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله مسبغ كل فضل ونعمة، والصلاة والسلام على من أرسله الله للناس إماما وهدى ورحمة، سيدنا محمد النبي الكريم، وعلى آله وأصحابه السراة الأطهار، والسادة الأبرار.
أما بعد، فلا يجهل أحد من المهتمين بالأدب والشعر والتراث اللغوي منزلة خلف الأحمر، فهو من الأئمة البارزين، وعمود من عمد هذا التراث، وله اليد الطولى في رواية الشعر وفقده، وهو كما وصفه تلميذه ابن سلام: أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقه لسانا. كان خلف إماما اجتمع فيه علم المصرين، وآب إليه جهابذة الفريقين، وتخرج به ائمة الرواية في زمانهم، وكان من النفر الذين ذهبت بشاشة الشعر بموتهم، واسمأل ظل العلم بفقدهم.
وهو مع هذا لم يسلم من الطعن والجرح والحط عليه، والطعن في خلف، صاحب هذه المنزلة، طعن في التراث، وتقويض لإرث عظيم، وهو أمر جلل لا بد أن يقوم على كثير من الاحتياط والحذر، ويجدر بالباحث ألا يسلم بهذه المطاعن دون أن يحقق سياقها ويقيم منادها، ويقرر قرائنها، وهو أمر لا يضطلع به من لا يحسن استخدام ثقافة التحقيق، أو لم يكن سيرة في وسيع التدقيق، أو تخفف من أوزار البحث بإلقاء أدوات النقد، فالحقيقة إلا تكن بهذه الأدوات لا تكن بغيرها، والحكم من دونها ريض ضعيف، يفتقر إلى الموضوعية والصدق.
وأنت خبير، بعد هذا، بأسباب صعوبة هذا التقرير، وأنا لا أدعي أنني أمسكت بزمام البحث وخطامه، أو أنني امتلكت ما تقتضيه هذه الدراسة من أدوات البحث والتحقيق، ولكن حسبي أن أبذل جهدي في استجلاء الحقيقة، وأن انتظم في سلك المدافعين عن هذا التراث العظيم.
ويصدر هذا التقرير عن افتراض عدم ثبوت الأخبار التي تطعن على خلف، وأنه متحامل عليه؛ بدافع العصبية المذهبية التي جعلته ضحية الشدائد، والمنافسة الدنيوية التي جعلته دريئة لسهام الطعن والجرح، ووجدت في بعض أصول علم الجرح والتعديل ما يعين على ترسم الطريق، فأفدت منه في أثناء تسيار الدراسة، وجاءت بعض أحكام هذه الدراسة على وجه التقريب، إذ تعذر فيها القطع بشيء، وأحببت ذكرها استفزازا لاستكناه المزيد.
وتم ترتيب الأخبار والنقد والنقاش في هذا التقرير، على صورة الترتيب في كتاب (مصادر الشعر الجاهلي) فذكرت الأخبار التي تتهم خلفا أولا، ثم ذكرت الأخبار التي توثقه، ثم شرعت في نقاش ونقد الأخبار التي تتهمه وتجرحه، وقد أفدت من هذا الكتاب أيضا في الرد والنقد ونقاش هذه الأخبار. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وكتب
أبو المنذر عماد الزبن

خلف الأحمر، الأصل والنشأة
خلف بن حيان، أبو محرز، المعروف بخلف الأحمر، من أبناء السُّغد( )، كان مولى أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري ( )، وقد أعتقه أبو بُردة وأعتق أبويه، كان راوية وشاعراً وعالماً بالأدب، من أهل البصرة، قال القفطي: "ليس في رواة الشعر أحد أشعر منه"( )، وهو عند أبي علي القالي "أعلم الناس بالشعر واللغة، وأِشعر الناس على مذاهب العرب"
وأثنى عليه بلديّه ابن سلام الجمحي وقال: "اجتمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقه لساناً" ( )، وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه بعد موت حماد الراوية( ) وقال الأخفش: "لم أدرك أحداً أعلم بالشعر من خلف الأحمر والأصمعي"( ).
أخذ خلف عن الجلّة من علماء زمانه ومنهم: عيسى بن عمر الثقفي (ت 149هـ) ( )، وأبو عمرو بن العلاء (ت 154هـ) ( )، وحماد الراوية (ت 156هـ) ( )، ويونس بن حبيب (ت 182 هـ) ( )، وأبو زيد الأنصاري (215هـ)
وأخذ عنه: الأصمعي (ت 213هـ) ( )، ومحمد بن سلام الجمحيّ (ت 231هـ) ( )، والشاعر أبو نواس (ت 198 هـ) ( ).
لم تذكر المصادر التي وقفت عليها تاريخ ولادته، وذكر الأستاذ شوقي ضيف أنه ولد سنة 115 للهجرة( )، دون أن يذكر مصدراً أو وجهاً لهذا التحديد، وإذا نظرنا في طبقات شيوخه وتلاميذه، فأقدم شيوخه وفاة، عيسى بن عمر (ت 149 هـ)، وقبل هذا سمع خلف من رؤية بن العجاج (ت 145هـ) ونقل عنه( )، وأقدم تلاميذه ولادة الأصمعي (ت 122هـ)، فإذا كان خلف معلم الأصمعي( )، فأفترض ولادة الشيخ، ما بين (102 – 107 للهجرة) على وجه التقريب.
ذكرت أكثر المصادر أنه توفي في حدود الثمانين ومائة، وذهب بعض العلماء إلى أنه توفي بعد المئتين بيسير( )، والأول أشبه، فأبو نواس أقدم تلاميذه وفاة، وقد توفي سنة (198 هـ)، وأما القول الثاني، فقد يكون من جرّا الخلط بين خلف وعلي بن المبارك الأحمر (ت 206 أو 207 هـ)
مؤلفاته:
يذكر العلماء القليل عن مؤلفات خلف الأحمر، فله ديوان شعر حمله عنه أبو نواس، وكتاب جبال العرب( )، ومقدمة في النحو( ).
خلف في ميزان الجرح التعديل:
نقف في ترجمة خلف الأحمر على أخبار تتهمه بالنحل والوضع، وأخبار توثّقه وتعدّله، وسأعرض هذه الأخبار أولاً، ثم أناقشها وأقيم مُنآدها بثقاف التحقيق الموضوعي( ).
(أ ) الأخبار التي تتهمه بالوضع والنحل:
(1)قال دعبل الخزاعي: "قال لي خلف الأحمر، وقد تجارينا في شعر تأبط شراً، وذكرنا قوله:
إنّ بالشّعب الذي دون سَلْع لقتيلاً دمه ما يُطــلُّ
أنا والله قلتها ولم يقلها تأبط شراً". ( )
(2)قال أبو عبيدة: "قال خلف، كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني، ويدخله في أشعارها وكان فيه حمق"( ).
(3)قال أبو حاتم: "ولما قدم الأصمعي من بغداد، دخلت إليه، فسألته عمن بها من رواة الكوفة، قال: رواة غير منقحين، أنشدوني أربعين قصيدة لأبي دواد الإيادي قالها خلف الأحمر، وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون وبها يفتخرون"( ).
(4)قال أبو حاتم: "وكان خلف شاعراً، وكان وضع علي عبد القيس شعراً مصنوعاً، عبثاً منه، ثمّ تقرّأ، فرجع عنه ذلك وبيّنه"( ).
(5)قال أبو حاتم: "سمعت الأصمعي يقول: سمعت خلفاً الأحمر يقول: أنا وضعت على النابغة هذه القصيدة التي يقول فيها:
خيل صيام وخيل غير صائمة*تحت القتام وأخرى تعلك اللُّجما"( )
(6)قال محمد بن يزيد (المبرد) عن خلف: "وكان به يضرب المثل في عمل الشعر، وكان يعمل على ألسنة الناس فيشبّه كل شعر يقوله بشعر الذي يصنعه عليه، ثم نسك، فكان يختم القرآن في كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك مالاً عظيماً خطيراً على أن يتكلم في بيت شعر شكّوا فيه، فأبى ذلك وقال: قد مضى لي في هذا مالاً أحتاج إلى أن أزيد فيه، وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارهم، وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية، لأنه كان قد أكثر الأخذ عنه وبلغ مبلغاً لم يقاربه حماد، فلما تقرّأ ونسك خرج إلى أهل الكوفة، فعرفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس. فقالوا له: أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة، فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم"( ).
(7)قال أبو حاتم: "وقالوا عاش عمر بن ثعلبة من عبد القيس مائتي سنة، وقال في ذلك حين كبر وهان على أهله:
عَمْرَكِ هل تدرين أن الفتــى شبابـه ثــوبُ علـيها مـعارٌ

قال أبو حاتم: وزعم عطاء بن مصعب المِلْط أن خلفاً الأحمر وضع هذا البيت الآخير"( ).
(ب) الأخبار التي توثّقه:
(1)قال ابن سلام: "اجتمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقه لساناً، كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبراً أو أنشَدنا شعراً أن لا نسمعه من صاحبه"( ).
(2)قال الأصمعي: "كأنما جعل علم لغة ابني نزار، ومن كان من بني قحطان على لغة ابني نزار بين جوانح خلف الأحمر بمعانيها"( ).
(3)قال أبو عبيدة: "خلف الأحمر معلم الأصمعي ومعلم أهل البصرة، قال الأخـفش: لم أدرك أحداً أعلم بالشعر من خلف الأحمر والأصمعي"( ).
(4)قال ابن قتيبة: "كان راوية، عالماً بالغريب، وشاعراً جيد الشعر كثيره، لم يكن في نظرائه أحد يقوم مثل شعره"( ).
(5)قال الأصمعي: "ذهبت بشاشة الشعر بعد خلف الأحمر، فقيل له: كيف وأنت حيّ. فقال: إن خلفاً كان يحسن جميعه، وما أحسن منه إلا الحواشي"( ).
(6)قال أبو علي القالي: "وكان أبو محرز أعلم الناس بالشعر واللغة"( ).
(7)قال أبو نواس في ذكر دقته وضبطه: ( )
لا يَهِمُ الحاء في القراءة بالـ حاءِ، ولا لامها مع الألفٍ
ولا يعمّي معنى الكـلام، ولا يكون إنشاده عن الصحفِ