المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زراعة عضو استؤصل في حدّ أو قصاص



لؤي الخليلي الحنفي
10-09-2005, 17:58
زراعة عضو استؤصل في حدّ أو قصاص

موضوع هذا البحث : معرفة الحكم الشرعي في مسألة زراعة عضو استؤصل في حدّ أو قصاص ، وإعادته إلى محله بعملية من عمليات الطب الحديث ، هل يجوز ذلك شرعا ؟ وما حكم من فعل ذلك ؟

نقاط البحث :
· إذا جنى رجل على آخر ، فقطع عضوا من أعضائه ، ثم أعاده المجني عليه إلى محله قبل استيفاء القصاص أو الأرش ، هل يؤثر ذلك في سقوط القصاص أو الأرش ؟ ولو أعاده بعد استيفاء القصاص ، هل يؤثرذلك فيما استوفاه من القصاص أو الأرش ؟ ولقب هذه المسألة : زرع المجني عليه عضوه .
· إذا قطع عضو الجاني قصاصا ، فهل يجوز له أن يعيده إ‘لى محله بطريق الزراعة ؟ أو يعتبر ذلك إبطالا لحكم القصاص ؟ وإن أعاد الجاني عضوه المقتص منه هل يجوز للمجني عليه أن يطالبه بالقصاص مرة ثانية ؟


· إن زرع أحد عضوه المنفصل عنه – سواء كان في حدّ أو قصاص أو لسبب آخر – فأعاده إلى محله ، هل يعتبر ذلك العضو طاهرا ؟ أو يعتبر نجسا بحيث لا تجوز الصلاة معه فبؤمر بقلعه مرة أخرى ؟


· هل يجوز للسارق المقطوع يده أو رجله أن يعيدهما إلى محلهما ؟ أو يعتبر ذلك اعتداء على الحكم الشرعي في قطع يد السارق ، ولئن فعل ذلك أحد ، هل تقطع يده مرة ثانية ؟


المسألة الأولى : زرع المجني عليه عضوه .

وهي أن يعيد المجني عليه عضوه المقطوع إلى محله ، وأول من سئل عنها وأفتى بها إمام دار الهجرة مالك بن أنس . كما ذكره سحنون في المدونة ، وفصّل المسألة ابن رشد الجدّ في كتابه البيان والتحصيل .
وخلاصة قول المالكية : أن القصاص لا يسقط في حال من الأحوال ، وأما الأرش ففيه ثلاث روايات :
· لا يسقط الأرش بإعادة عضو المجني عليه
· يسقط الأرش بذلك
· يسقط الأرش في الأذن ولا يسقط في السن

ووجه الفرق بين السن والأذن على الرواية الثالثة ما حكاه العتبي في المستخرجة عن ابن القاسم برواية يحيى ، قال : لأن الأذن إنما هي بضعة ، إذا قطعت ثم ردت استمسكت وعادت لهيئتها وجرى الدم والروح فيها ، وإن السن إذا بانت من موضعها ثم ردّت لم يجر فيها دمها كما كان أبدا ، ولا ترجع فيها قوتها أبدا . وإنما ردها عندي بمنزلة شيء يوضع مكان التي طرحت للجمال ، وأما المنفعة فلا تعود إلى هيئتها أبدا . اهـ

مذهب الحنفية في المسألة :
ذكر المسألة الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله في كتابه الأصل : " وإذا قلع الرجل سن الرجل ، فأخذ المقلوعة سنه فأثبتها في مكانها ، فثبتت ، وقد كان القلع خطأ ، فعلى القالع أرش السن كاملا ، وكذلك الأذن "
ثمّ أخذ عن محمد الفقهاء الحنفية ، فقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في مبسوطه " وإذا قلع الرجل سن الرجل خطأ ، فأخذ المقلوع سنه فأثبتها مكانها فثبتت ، فعلى القالع أرشها ، لأنها وإن ثبتت لا تصير كما كانت ، ألا ترى أنها لا تصل بعروقها .... وكذلك الأذن إذا أعادها إلى مكانها ، لأنها لا تعود إلى ما كانت عليه في الأصل وإن التصقت "
وفرّع المتأخرون على كلام السرخسي " هذا إذا لم يعد إلى حالته الأولى بعد الثبات في المنفعة والجمال ، والغالب أن لا يعود إلى تلك الحالة ، وإذا تصور عود الجمال والمنفعة بالإثبات لم يكن على القالع شيء ، كما لو نبتت السن المقلوع " كما ذكره الزيلعي وغيره عن شيخ الاسلام .
وكلام الحنفية هذا في جناية الخطأ ، والظاهر من كلامهم أيضا أنه لا يسقط في العمد وإن أعاده المجني عليه على هيئته .
وذكر الحنفية أن القصاص يسقط فيما إذا نبتت سن المجني عليه بنفسها ، ولكن لا يقاس عليه مسألة زرع العضو وإعادته وذلك لأمرين :
· أن العضو المزروع لا يكون في قوة النابت بنفسه
· إن نبتت السن بنفسها ربما يدل على أن السن الأولى لم يقلعها الجاني من أصلها ، فتصير شبهة في وجوب القصاص بخلاف ما أعيد بعملية فإنه ليس في تلك القوة ، ولا يدل على أن الجاني لم يستأصله .
فالظاهر عند الحنفية : أن اعادة العضو من قبل المجني عليه لا يسقط القصاص عند الحنفية .
ومذهب الشافعية : في هذا مثل المختار من مذهب المالكية ، أن إعادة العضو المجني عليه لا يسقط القصاص ولا الأرش . كما ذكره الشافعي في الأم ، والنووي في الروضة .
ومذهب الحنابلة : فلهم في المسألة وجهان ذكرهما أبو يعلى في المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ، وابن قدامة في المغني ، وابن مفلح في المبدع ، وذكر المرداوي في الانصاف القولين واختار قول القاضي إنه لا يسقط القصاص ، واختار البهوتي في كشف القناع : قول أبي بكر في أنه يسقط القصاص والأرش كلاهما .

يتبع إن شاء الله ....
المسألة الثانية : إعادة الجاني عضوه المقطوع بالقصاص :

لؤي الخليلي الحنفي
15-09-2005, 17:34
المسألة الثانية : إعادة الجاني عضوه المقطوع بالقصاص :[/COLOR]

[COLOR=blue]وهي أن الجاني إذا قطع عضوه في القصاص فأعاده إلى محله بعد استيفاء القصاص ، هل يعتبر ذلك مخالفة لأمر القصاص ، فيقتص منه مرة أخرى ؟ أو لا يعتبر ؟
فمذهب الشافعية على عدم الاقتصاص منه مرة أخرى كما ذكر الشافعي ذلك في الأم والنووي في روضة الطالبين .
وللحنابلة في المسألة قولان أحدهما موافق للشافعية ، وجزم به ابن قدامة في المغني وأبو يعلى في كتاب الروايتين والوجهين .
والقول الآخر وهو إعادة القصاص ، وجزم به ابن مفلح في الفروع واختاره المرداوي في الانصاف والبهوتي في القناع .
وحاصل قول المالكية : أن إعادة الجاني عضوه إنما لا يؤثر في القصاص ، إذا كان المجني عليه أعاد عضوه أيضا ، أما إذا لم يعد المجني عليه وأعاده الجاني فإن الجاني يغرم العقل . ذكره ابن رشد في البيان والتحصيل .

أما الحنفية فلا نصّ صريح عندهم في المسألة ، ولكن ذكر في الفتاوى الهندية عن المحيط مسألة تشابه ما نحن فيه وهي :
" إذا قلع رجل ثنية رجل عمدا ، فاقتص له من ثنية القالع ، ثم نبتت ثنية المقتص منه ، لم يكن للمقتص له أن يقلع تلك الثنية التي نبتت ثانية "
وهذا يدل على أن الأصل عند الحنفية أن المجني عليه إنما يستحق إبانة عضو الجاني مرة واحدة ، وليس من حقه أن يبقى العضو فائتا على الدّوام ، فالظاهر أن مذهبهم مثل الشافعية في المسألة .
يتبع إن شاء الله ......

المسألة الثالثة : هل العضو المزروع في المسألتين نجس ؟

لؤي الخليلي الحنفي
17-09-2005, 17:38
المسألة الثالثة : هل العضو المزروع في المسألتين نجس ؟


هل يجوز للمجني عليه أو الجاني ديانة أن يعيدا عضوهما المبان إلى محله ، وهل يعتبر ذلك العضو طاهرا أم نجسا ؟ وهل تجوز الصلاة معه أو لا تجوز ؟
ذهبت جماعة إلى أن العضو المبان نجس على الاطلاق استدلالا بقوله عليه السلام " ما قطع من حي فهو ميت " أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي .
فذهب الشافعي في الأم إلى أن هذا الحكم عام لكل حي ، وما ذكرناه عنه في القصاص لا يعارضه فهو لا يرى في إعادة الجاني عضوه مانعا من حيث مخالفته لمقتضى القصاص ، ولكنه لا يراه جائزا من حيث أن العضو المبان نجس ، فلا يجوز الحاقه بالجسم ، ولو ألحقه أمره السلطان بالقلع لكونه مانعا من صحة الصلاة .
وفي كتب الشافعية المعتبرة اختاروا طهارة جزء الآدمي ، وإن بان منه حال حياته ، كما ذكره النووي في الروضة والشربيني في مغني المحتاج والرملي في نهاية المحتاج ، والشبراملسي في حاشية نهاية المنهاج.

مذهب الحنفية :
الأصل عند الحنفية أن الأعضاء التي لا تحلها الحياة كالظفر والسن والشعر لا تنجس بإبانتها من الآدمي الحي . ولكن الأعضاء التي تحلها الحياة مثل الأذن والأنف وغيرهما ، فإنها تنجس بعد إبانتها من الحي ، ولكن قرر المتأخرون منهم أنها ليست نجسة في حق صاحبها ، فلو أعادها صاحبها إلى أصلها لا يحكم بنجاستها ، وإنما هي نجسة في حق غيره ، فلو زرعها غير المقطوع منه في جسمه كانت نجسة ، وهذا أيضا إذا لم تحلها الحياة ، أما إذا حلّتها الحياة بعد الزرع فلا نجاسة في حق غيره أيضا

ذكر ابن نجيم في البحر الرائق " أن أجزاء الميتة لا تخلو : إما أن يكون فيها دم أو لا ، فالأولى كاللحم نجسة ، والثانية ففي غير الخنزير والآدمي ليست نجسة إن كانت صلبة كالشعر والعظم بلا خلاف .... أما الآدمي ففيه روايتان : في رواية نجسة ... وفي رواية طاهرة لعدم الدم ، وعدم جواز البيع للكرامة "

وفي الفتاوى الخانية " قاضي خان "
" قلع انسان سنه أو قطع أذنه ثم أعادها إلى مكانها وصلّى ، أو صلّى وسنه في أو أذنه في كمّه ، تجوز صلاته في ظاهر الرواية "
والمسألة مذكورة في التجنيس والخلاصة والسراج الوهاج كما في البحر ورد المحتار ، واستشكلها بعض العلماء بالأصل المذكور ، فإن الاذن تحلها الحياة فينبغي أن تصير نجسة بالابانة على ما ذكرنا من أصل الحنفية ، وأجاب عنه المقدسي كما نقل عنه ابن عابدين :
والجواب على الاشكال أن إعادة الأذن وثباتها إنما يكون غالبا بعود الحياة إليها ، فلا يصدق أنها مما أبين من الحي ، لأنها بعود الحياة إليها صارت كأن لم تبن ، ولو فرضنا شخصا مات ثم اعيدت حياته معجزة أو كرامة لعاد طاهرا .

وعلّق عليه ابن عابدين بقوله :
ان عادت الحياة اليها فهو مسلّم ولكن يبقى الاشكال لو صلّى وهي في كمّ مثلا ، والاحسن ما أشار اليه لشارح أي صاحب الدر المختار من الجواب بقوله :
وفي الأشباه ( الجزء المنفصل من الحي كميتة ، كالأذن المقطوعة والسن الساقطة إلا في حق صاحبه فطاهر وإن كثر ) ، وبه صرّح في السراج حيث قال :
والاذن المقطوعة والسن المقطوعة طاهرتان في حق صاحبهما ، وإن كانتا أكثر من قدر الدرهم فما في الخانية من جواز صلاته ولو الأذن في كمه ، لطهارتها في حقه لأنها أذنه .

وهذه النصوص تبين أن العضو المبان من الآدمي ليس نجسا في حق صاحبه عند الحنفية ، وكذلك إذا حلته الحياة بعد الإعادة فإنه ليس نجسا في حق أحد . وإنما النجس عند الحنفية في حق الغير ما أبين من الآدمي فلم تحلّه الحياة بالاعادة .

أما المالكية : فإن المعتمد عندهم أن ما أبين من الآدمي ليس نجسا . قال الدردير في الشرح الكبير : فالمنفصل من الآدمي مطلقا طاهر على المعتمد .

والحنابلة عندهم روايتان : ذكرهما ابن مفلح في الفروع ، أحدهما بالطهارة والأخرى بالنجاسة ، ورجّح المرداوي في الانصاف الطهارة ، وذكر أن عليه الأكثرين ، وبه جزم البهوتي في منتهى الارادات .

بهذا ظهر أن الراجح في المذاهب الأربعة جميعا : ان الرجل إذا أعاد عضوه المبان الى محله فإنه يبقى طاهرا ولا يحكم بنجاسته ولا بفساد صلاته ، ولا يؤمر بقلعه من هذه الجهة .

يتبع إن شاء الله :
المسألة الرابعة : إعادة العضو المبان في حدّ .

عمر شمس الدين الجعبري
03-11-2018, 12:14
جميل ورائع جدا يا سيدي .. الله يجزيك الخير .. وكنت أتمنى لو أكملت المسألة الرابعة .. حفظكم الله