المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا وضعت مسائل اللغة في كتب الأصول؟



جلال علي الجهاني
07-10-2003, 21:28
فائدة من شرح الإمام المازري لكتاب البرهان لإمام الحرمين الجويني رحمهما الله تعالى

كنت أقرأ في شرح الإمام المازري لكتاب البرهان، فوجدت هذه الفائدة أحببت نقلها لكم:

اعترض الإمام المازري على أصل وضع مباحث الحروف ضمن علم الأصول قائلاً:

(( اعلم أن هذا الفصل تكلم عليه جمهور الأئمة المتكلمين في الأصول، وأثبتوه في تصانيفهم، وتبع فيه الآخر الأول، مع كونه مجانباً لحسن الترتيب والوضع المطلوبين في التأليف الأصولي.

فإن الأصولي يرجع جميع أفكاره إلى العقل، فيجعل له قوانين كلية .... ونظره يكون من جهتين مختلفتين:
إما معنى لفظه الذي هو كالسبب لقوله، فيفتقر حينئذ إلى أن يوضع أحكام القياس ويميز له الصحيح من الفاسد، كما فعل أصحاب هذا العلم الذي نحن فيه، وإما معنى لفظه الذي هو مضمون الصيغة، وله وضعت العرب تلك الصيغة.
فهذا المفزع فيه لأهل اللسان الذين خاطبهم صاحب الشرع بلغتهم.

فنَظَرَ الأصولي في هذا القسم فرأى أن معنى الأصل أن يوضع قانوناً كالكلي لجزئيات الشريعة، وعلم أن الشريعة تنقسم إلى آمر ومأمور، فافتقر إلى أن يضع في هذا العلم الكلام في الأمر والنهي والوجوب والندب والحظر والإباحة، إلى غير ذلك مما يتعلق بهذا الضرب.
واحتاج من نظره في المأمور إلى الكلام في العموم والخصوص، والمطلق والمقيد ودليل الخطاب، إلى غير ذلك مما استند إلى هذا النوع، وهو النظر في المأمور، أو يشرك بين النظر في أحكام الآمر والمأمور.

فلو اقتصروا على هذا لكان وضعاً حسناً وترتيباً لائقاً، لأجل ما قدمناه من التنبيه على الحاجة إليه.

وأما النظر في حكم حرف أو لفظة فإنما يحتاج إليها في الفقهيات في مسألة أو مسألتين، فلا معنى لإخالها هاهنا؛ لأنها لا تكون كالقانون الكلي الذي يتصور فيه حقيقته الأصلية.

وأيضاً فإنه يلزمهم إذا التزموا هذا استيعاب كل ما يتعلق بمسائل الفقه من علم اللسان، وهيهات أن يستوعب هذا إلا من استبحر في علم اللغة والنحو، وإيراد ما يفيد الاستبحار يقتضي تصنيف دواوين عظيمة.
وهذا يشير إلى أن لا معنى لكلامهم على حرف الباء هل هي للتبعيض ؟ لأن المتعلق بها من مسائل الخلاف مسألة واحدة، وهي النظر في قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين))، هل المراد بعض الرأس أو كل الرأس؟
وتعدوا هذه المرتبة حتى تكلموا على حروف لا توجد في مسائل الفقه المتلقاة من قول صاحب الشرع، وهلا تكلموا على الصعيد في الفقه ما هو ؟ لأنه من مسائل الخلاف المتعلقة بآية الطهارة كحرف الباء وحرف إلى في قوله: ((إلى المرافق)).
وهلا تكلموا على حقيقة الغسل في اللغة لأنه من مسائل الخلاف المتلعقة بآية الطهارة أيضاً ؟

فإن قصدوا بذكر نبذ من هذه الألفاظ المفردة تنبيه الفقيه على أنه يحتاج من علم اللغة إلى غير ما ذكروه في تلك القوانين الكلية التي هي القول في الأوامر والعموم، فذلك مقصدٌ يليق، ولعل الآخر منهم اتبع الأول، استثقالاً لاطراح ما تحفل به أشياخه.
وهذا الداعي له إلى أن سلك ما سلكوه، كما هو الداعي لنا نحن أيضاً إلى أن نفعل ما فعلوه)). انتهى.


وفي آخر كلامه توجيه حسن،

وكنتُ قد قرأتُ قديماً للإمام تقي الدين السبكي في شرح المنهاج الأصولي، كلاماً نفيساً، قال فيه ما معناه: أن الأصوليين تطرقوا إلى مباحث لغوية بشكل أدق من النحويين، ولعل من يقرأ كتاب ابن هشام النحوي المسمى بـ(مغني اللبيب) ويرى ذكره للإمام القرافي ومناقشته لآرائه، لعلم مدى قوة الأصوليين عند كلامهم في اللغة، والله الموفق للصواب.