المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح منظومة الخريدة البهية للشيخ سعيد فودة + نسخة ووورد للتحميل



احمد سعيد احمد
19-09-2003, 23:54
الاخوة الكرام، هذه دروس للعلامة المحقق الأستاذ :) سعيد فودة في شرح الإمام الكبير أبي البركات سيدي أحمد الدردير لمنظومته في العقائد المسماة بـ الخريدة البهية . نفعنا الله بعلومهما.
وقد كتبت عبارة الإمام الدردير باللون الأزرق، وأدرجت أبيات المنظومة خلال الشرح. راجياً من المولى جلّ وعزّ أن يجعل هذا في ميزان حسناتنا جميعاً. وجزى الله الشيخ سعيد عنا خير الجزاء.

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي نوّر قلوبنا بمعرفة عقائد التوحيد: ينبه الشيخ الدردير بهذه العبارة على أثر المعرفة بعقائد التوحيد على القلوب.
وحرر عقولنا من ربقة شوائب التقليد: إشارة إلى أن عقيدة التوحيد لا تجتمع مع التقليد، وإنما لا بد من الاعتقاد مع العلم والفهم، ولا يصح الاعتقاد من غير فهم الناتج عن التقليد.
والصلاة والسلام على سيدنا المؤيد بالمعجزات الباهرة وعلى آله وأصحابه أولي المناقب الفاخرة. (وبعد)، فهذا شرح لطيف على مقدمتي المسماة بالخريدة البهية التي نظمتها في العقائد التوحيدية يوضح معانيها ويشيد مبانيها، اجتنبتُ فيه الاختصارَ المخل وأعرضت فيه عن التطويل الممل، واقتصرت فيه على تحرير البراهين مع الفوائد التي يزداد بها اليقين: واقتصر فيه على تجلية الأدلة على عقائد التوحيد مع زيادة بعض الفوائد.
واللهَ أسأل أن ينفع به كل من تلقاه بقلب سليم وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنه المولى الرؤوف الرحيم، فأقول ـ وما توفيقي إلا بالله لعلي العظيم ـ :
بسم الله الرحمن الرحيم، أي أؤلف، وإنما قدرنا المتعلَّقَ فعلاً؛ لأن الأصل في العمل للأفعال: لم يقدر العامل اسماً، فلم يقل: بسم الله تأليفي، لأن الأصل أن الأفعال هي التي تعمل.
ومتأخراً؛ لأن تقديم المعمول يفيد الاختصاص: أي قدّر الفعل متأخراً، وقدم عليه المعمول وهو الجار والمجرور؛ لما يفيده تقديم الجار والمجرور من معنى الاختصاص، أي: أخص اسم الله بالتأليف.
وخاصاً؛ لأن كل شارع في شيء ينبغي له أن يُقدّر ما جُعلت البسملة مبدأ له، ولإفادة حصول البركة لجميع أجزاء الفعل: أي ذكر الفعل خاصاً ولم يجعله عاماً، كأن يقول: بسم الله أبدأ؛ لأن الذي يبدأ في شيء عليه أن يحدد الأمر الذي يعلق عليه البسملة، وجعل الفعل خاصاً يفيد أيضاً أن تحصل البركة في جميع أجزائه ولا تتعلق بالبداية فقط على تقدير فعل عام كـ(أبدأ).
والباء للاستعانة أو للمصاحبة على وجه التبرك: الباء للاستعانة، أي أؤلف مستعيناً باسم الله، أو للمصاحبة، أي: أؤلف مصطحباً اسمَ الله، وهذه المصاحبة مجازية وليست حقيقية، والمقصود منها التبرك.
والاسم لغةً ما دلّ على مسمى: معنى (اسم) في اللغة هو كل ما دلّ على مسمى. وعند النحاة ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان وضعاً: هذا معنى اصطلاحي. أما عند النحاة فقد اصطلحوا على أن يطلقوا كلمة (اسم) على ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان، وقولهم: (في نفسه) لإخراج (الحرف)؛ إذ إن الحرف هو ما دلّ على معنى في غيره؛ لأنه لا يعطي معنى إلا إذا تعلق بغيره.
وقولهم: (غير مقترن بزمان) لإخراج الفعل؛ لأن الفعل ما دلّ على معنى في نفسه واقترن بزمان. (وضعاً): ما تواضع عليه أهل اللغة بأن يجعلوا كل اسم موضوعاً ليدل على معنى معين.
وهو مشتق عند البصري من السمو وهو العلو: مشتق عند المذهب البصري من السمو. لأنه يعلو به مسماه من الخفاء أي يظهر: سبب اشتقاقه من (السمو)؛ أن مسماه يعلو بسببه من الخفاء، ولو أن هذا الشيء لم يكن له اسم لبقي خفياً.
فأصله (سِمْوٌ) بكسر فسكون، فخفف بحذف لامه: أي بحذف الواو. وعوض عنها همزة الوصل: وليست همزة قطع؛ وذلك حتى تحذف مع الكلام إنْ وُصل، ووضعت في البداية ولم توضع مكان الواو لأنها زائدة، ولو جعلت في النهاية لم تكن زائدة. بعد تسكين فائه: أي السين.
وعند الكوفي من السمة وهي العلامة؛ لأنه علامة على مسماه: مشتق عند المذهب الكوفي من السمة وليس من السمو.
وأصله وسم، فخفف بحذف فائه: وهي حرف الواو. ثم عوض عنها همزة الوصل.
والمراد به هنا المسمى، أي مستعيناً بمسمى الله: أي المقصود من (اسم) المسمى، أي مستعيناً بذات الله. والإضافة للبيان: أضاف (اسم) إلى لفظ الجلالة (الله)؛ لبيان باسم مَن يستعين.
والله علم على الذات الواجب الوجود الخالق للعالم.
والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رَحِم بالكسر: الصفة المشبهة تُنقل من فعل لازم، وجاءت الصفتان هنا على أمثلة المبالغة: فعلان وفعيل. ـ إما بتنزيله منزلة اللازم بأن يقصد إثباته للفاعل فقط من غير اعتبار تعلقه بمفعول: أي بأن يعامل الفعل (رَحِم) معاملة اللازم فيُهمل مفعوله.
وإما بجعله لازماً بأن ينقل إلى (فَعُل) بالضم: أي وإما أن يكون متعدياً من (رحِم) ولكن يعامل معاملة اللازم، أو يكون لازماً أصلاً من (رحُم).
وإنما احتيج لذلك؛ لأن الصفة المشبهة إنما تصاغ من اللازم: أي احتيج إلى أن نعامل (رحِم) معاملة اللازم أو إلى أن تُبنى صيغة المبالغة من (رحُم) الذي هو أصلاً لازم، لأن الصفة المشبهة تنقل من فعل لازم.
والرحمة رقة القلب أي رأفته: ورقة القلب أمر نفساني. وهي تستلزم التفضل والإحسان فهو غايتها وهي مبدؤه، فيراد منها هنا الغاية لاستحالتها عليه تعالى: أصل معنى رقة القلب يلزم عنه التفضل والإحسان. للكلمة دلالتان: دلالة تطابقية حقيقية، ودلالة تلازم، أي:مجاز. وفهم المعنى المجازي بملاحظة قرائنه الحقيقية وضع جديد.
والتفضل والإحسان فعل خارجي ناتج عن رقة القلب، فرقة القلب سبب لهما، والضمير في قوله: (منها) يعود على الرحمة، ويقصد بقوله: (هنا) البسملة. واستحالة نسب رقة القلب لله تعالى؛ لأنها انفعال، والانفعالات تأثر أو حصول كيفية في النفس غير ثابتة، وهذه الكيفية إما أن يكون حصل بها الكمال أو النقص، فإن كان النقص فهذا يستحيل على الله تعالى، وإن كان الكمال فهذا يستلزم أن يكون قد سبق الكمالَ نقصٌ، فإذا قيل: حصل الكمال في هذه اللحظة، يجاب عليه: إذن توقف كماله على غيره فهو محتاج للمخلوق الذي أعطاه الكمال.
ولاستحالة المعنى الحقيقي على الله تعالى يصبح المراد من الرحمة: الثابت له الفضل والإحسان كثيراً .
وكذا كل اسم من أسمائه تعالى يوهم ظاهرُه خلافَ المراد وذلك لأن ظاهره يحمل المعنى اللغوي، ومثال على هذا اسم (المنتقم)، فظاهره الذي يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذا الاسم حقيقة عرفية، أي شيوع العرف، ولا عرف بيننا وبين الله تعالى، فإذن لا بد من اللجوء إلى أن يراد منه غايته، فلا يذهب الذهن إلى أن المنتقم بمعنى الحاقد كما هو المتبادر من هذا الاسم، بل لا بد من أن تُقصد الغاية وهي إنزال العقاب، وكذلك (الرحمن، الرحيم)، هنا يراد غاية المعنى المتبادر (رقة القلب)، فيكون المقصود التفضل والإحسان.
ثم إن أريد مريد ذلك: الإشارة تعود إلى (الغاية)، أي: إن أريد مريد الغاية، كمريد الإنعام فصفة ذات وهي المعنى القائم بالذات، وإن أريد الفاعل كالمنعم فصفة فعل أي إن أريد فاعل الإنعام وهو الذي يُنعم فصفة فعل وهي اسم صفة مشتق من فعل صدر عن الذات.
وقدم الرحمن؛ لأنه خاص به تعالى؛ إذ لا يطلق على غيره تعالى ولأنه أبلغ؛ إذ معناه المنعم بجلائل النعم كمّاً وكيفاً، بخلاف الرحيم فإن معناه المنعم بدقائقها كذلك. وجلائل النعم أصولها كالوجود والإيمان والعافية والرزق والعقل والسمع والبصر وغير ذلك.
ودقائقها فروعها كالجمال وكثرة زيادة الإيمان ووفور العافية وسعة الرزق ودقة العقل وحدّة السمع والبصر وغير ذلك.
والمعنى أنه تعالى من حيث إنه منعم بجلائل النعم يسمى الرحمن ومن حيث إنه منعم بدقائقها يسمى الرحيم.
قوله: (وزيادة الإيمان) هذا خاص بالمؤمنين، لذلك اقترن اسم الرحيم بالمؤمنين في القرآن.
يقول راجي رحمة القدير= أي أحمد المشهور بالدردير

(يقول) هو من باب نَصَرَ فأصله يَقْوُل بسكون فائه وضمّ عينه فخفف بنقل حركة العين إلى الفاء: أي من باب: نَصَرَ يَنْصُرُ. (راجي رحمةَ) بإضافة الوصف إلى معموله: أي بإضافة الوصف الذي هو اسم الفاعل (راجي) إلى مفعوله (رحمة). أي المؤمل المنتظر إنعام (القدير) دائم القدرة، فهو صفة مشبهة. أو الكثير القدرة بمعنى الاقتدار فيكون صيغة مبالغة: قال الشيخ الصاوي في حاشيته: "الكثرة باعتبار الاقتدار وهو عموم تعلق القدرة بسائر الممكنات، وقوله: صيغة مبالغة باعتبار التعلقات".
(أي أحمد) بن محمد بن أحمد أي حرف تفسير وبيان لـ(راجي) فما بعد، أي عطف بيان وقيل عطف نسق بناء على أنها من حروف العطف وهو قول ضعيف: (أي) تفسيرية تبين (راجي) وما أضيفت إليه، وعطف البيان هو تابع موضح أو مخصص.
وعطف النسق هو تابع متوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف، وهو العطف بالواو والفاء وأخواتهما.
ولما كان هذا القول ضعيفاً صرح بقوله: وهو قول ضعيف وصدّره بصيغة التمريض (قيل).
(المشهور) أي الذي اشتهر (بلقب) جده (الدردير) بفتح الدال الأولى وكسر الثانية، بينهما راء ساكنة وكذا اشتهر أولاد الجد كلهم بهذا اللقب.

saadmohammed
20-09-2003, 08:08
بارك الله فيكم أخي ا لكريم على جهدكم الطيب
لو تكرمتم أن تضعوا الدروس في ملف وورد لتسهيل طباعتها وقراءتها وأرجو أن يكون ذلك مع كل دروس الشيخ كما أتمنى أن تكون هذه الدروس سجلت على أشرطة لتكون الملفات المسموعة بجانب المكتوبة وجزاكم الله خير ا

احمد سعيد احمد
21-09-2003, 09:19
أخي الكريم saadmohammed،
السلام عليكم،
سأقوم بوضع كل مجموعة من الدروس في ملف وورد وليس كل درس على حدة ، أما باالنسبة للأشرطة فأعتذر لعدم وضوح التسجيل.
وبارك الله فيكم.

احمد سعيد احمد
21-09-2003, 11:40
الحمدُ لله العليِّ الواحدِ = العالِمِ الفردِ الغنيِّ الماجدِ


(الحمد لله) هو وما بعده إلى آخر الكتاب مقول القول في محل نصب، وأل فيه جنسية أو استغراقية، ولام لله للاستحقاق: (جنسية) أي جنس الحمد، ولا يتبادر إلى الذهن أفرادُ المحامد، (استغراقية) أي كل ما يمكن أن يُحمد به فهو لله، وهذه تفيد العموم بالنص.
فائدة: دلالة الاستغراقية على العموم أقوى من الجنسية. أل الاستغراق تفيد معنى (كل).
والحمد لغة هو الثناء بالجميل على جميل اختياري على جهة التعظيم: (الثناء) قول باللسان. قوله (بالجميل) أي بالوصف الجميل، (على جميل) أي فعل جميل ليس وجوبي. الثناء مستحَق على الجميل الاختياري، أما الواجب فلا يُستَحق عليه الحمد.
سواء تعلَّقَ بالفضائل أم بالفواضل: الفضائل وهي الأمور العظيمة والفواضل هي التكميلية.
وفي عرف أهل الشرع أي اصطلاحاً فعلٌ و ليس ثناءً باللسان فقط ينبئ على تعظيم المنعِم بسبب كونه منعِماً ولو على غير الحامِدِ وسواء كان الفعلُ قولاً باللسان أو اعتقاداً بالجنان أو خدمةً بالأركان: وهذا التعريف الاصطلاحي أعمُّ من التعريف اللغوي.
فبينهما العموم والخصوص الوجهي: أي عام من وجه وخاص من وجه؛ لأن مورد اللغوي: أي لأن منشأ المعنى اللغوي خاص وهو اللسان ومتعلَّقه عام: متعلقه هو جميل اختياري شامل كلَّ شيء، ومورد العرفي عام ومتعلَّقه خاص وهو الإنعام: الإنعام على الحامد أو غير الحامد، فالشرعي أعم من جهة المورد.
وأما الشكرُ لغةً فهو الحمد عرفاً، أي هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعِم بسبب كونه منعماً ولو على غير الحامد وسواء أكان الفعل قولاً باللسان أو اعتقاداً بالجنان أو خدمة بالأركان.
وأما الشكر عرفاً فهو صرف العبدِ جميعَ ما أنعم اللهُ به عليه من عقلٍ وسمعٍ وغيرِهما إلى ما خُلق لأجله: وما خلق لأجله هو الحلال والواجب، وعدم صرفِها في الحرام.
وهو أخص مطلقاً من الحمدِ والشكرِ اللغويِّ؛ لاختصاصه بالله تعالى: ولا يكون إلى غير الله تعالى، وبكونه في مقابلة النعم التي على الشاكر فقط: ولا يكون لا في مقابل نعمة أو في مقابل نعمة على غير الشاكر.
(العلي) من العلو وهو الرفعة فأصله عَليُو اجتمعت الياء والواو وسُبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياءً وأدغمت فيها الياء.
وعُلّوه تعالى معنوي عبارة عن تنزيهه تعالى عن كل نقص. فيتضمن اتصافَه تعالى بجميع صفات السلوب: أي نفي النقص، وعكسُها صفاتُ المعاني وهي الصفات الوجودية التي تثبتُ معنى معيَّناً في حق الله تعالى، أما صفاتُ السلوب فهي تنفي النقصَ ولا تُثْبتُ صفة.
ولك أن تقول علوُّه تعالى عبارة عن تنزيهِهِ عن كل نقص واتصافِه بكلِّ كمالٍ، فيشمل صفاتِ المعاني أيضاً، (الواحد) أي المنزَّّه عن الشريكِ في الذاتِ والصفاتِ والأفعالِِ، (العالِم) بما يكون وما لا يكون وبما هو كائنٌ أي موجود، (الفرد) أي الواحد ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً، (الغني) عن كل شيء، فلا يفتقر إلى محل ولا مخصِّص ولا مُعين ولا وزير ولا غير ذلك، فالغنى المطلق يتضمن اتصافَه تعالى بجميع الصفات السلبية والكمالية:
(الماجد) قيل: معناه الكريمُ الواسعُ العطاءِ، وقيل: الشريفُ العظيمُ.
ولا يخفى ما في هذا البيت من براعةِ الاستهلال: وهو أن تكون البدايةُ مناسبةً للمضمون، وقد كانت البدايةُ موجزاً في علم التوحيد الذي تتحدث عنه المنظومة.


وأفضلُ الصلاةِ والتسليمِ= على النبيِّ المصطفى الكريمِ

(وأفضل) أي أتم، (الصلاة) وهي لغةً الدعاءُ بخير، فإذا أضيفت إليه تعالى كان معناها زيادةَ الإنعام المقرونِ بالتعظيم والتبجيل: الصحيح أن الأصلَ اللغويَّ للصلاة: العطفُ والقرب، ثم يُشتق من هذا معانٍ أخرى بحسب ما أضيفت إليه، فصلاة الله هي الرحمة على عباده والإنعام، وصلاة الملائكة استغفارُهم، وصلاة المؤمنين دعاؤهم.
(والتسليم) أي التحية، (على النبي) المعهود عند الإطلاق وهو سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أل في (النبي) للعهد الذهني.
والنبي إنسانٌ ذكرٌ حرٌّ أوحي إليه بشرع أي أحكام سواء أُمر بتبليغها أي إيصالها للمكلفين أم لا، فإنْ أُمر بذلك فرسول أيضاً، فالنبي أعم من الرسول: التبليغ ليس جزءاً من ماهية النبوة، ولا يُفهم من هذا عدم جواز التبليغ. والنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوحي إليه ستة أشهر قبل أن يؤمر بالتبليغ وبهذه المدة كان نبياً ولما أُمر بالتبليغ في قوله تعالى: (قم فأنذر) أصبح رسولاً، وقد كان يُوحى إليه خلال فترة النبوة حقائقُ كونية وأصولُ التوحيد. وقد بلَّغ الرسولُ ـ بعد الرسالة ـ ما أُمر بتبليغه ولم يبلّغ كلَّ ما أوحي إليه.
وأصله نبيء بالهمز كما يدل عليه رواية قراءته بالهمز في التشهد فقلبت الهمزة ياء من النبأ وهو الخبر، بمعنى المفعول: فعيل بمعنى المفعول أي منبَّأ موحى إليه. كما يدل عليه التعريف المتقدم: يقصد قوله في التعريف: أُوحي إليه بصيغة المبني للمفعول. أي أن الله تعالى قد أخبره بأحكام.
ويحتمل أن يكون بمعنى الفاعل أي أنه مخبِر عن الله تعالى، ويحتمل أن أصله نَبْيُو من النبوَة أي الرفعة، قلبت الواو ياء لما مر وأُدغمت فيها الياء بمعنى مرفوع الرتبة أي مرتفعها فهو بمعنى المفعول أو الفاعل أيضاً.
(المصطفى) اسم مفعول من الاصطفاء وهو الاختيار، فمعناه المختار.
(الكريم) من الكرم وهو صفة تقتضي الإعطاء لا في نظير شيء (لا في مقابل). أو هو نفس الإعطاء المذكور: لا في نظير. أي (إما صفة . . ) أو هو الإعطاء نفسه.
وقد يراد بالكريم الطيب وهو الأنسب هنا، أي فهو طيب الأصل وطيب الخَلْق وطيب الخُلُق عليه الصلاة والسلام.

احمد سعيد احمد
22-09-2003, 11:27
وآلهِ وصحبِه الأطهارِ= لا سيما رفيقُه في الغارِ

(و) أفضل الصلاة والتسليم على (آله) المراد بهم في مقام الدعاء ـ كما هنا ـ أتباعُه مطلقاً، وقيل: الأتقياء منهم، وأما في مقام الزكاة فقال الإمام مالك ـ رضي الله عنه ـ : هم بنو هاشم فقط، وقال الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ: بنو هاشم والمطلب. وأصله عند سبيويه: أهل قلبت هاؤه همزة ثم الهمزة ألفاً لسكونها وانفتاح ما قبلها كما في آدم. وعند الكسائي أَوَل كـ(جَمَل)، من آل يؤل إذا رَجَع، فقُلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولا يُضاف إلا لمن له شرف من الذكور العقلاء، فلا يقال آل الإسكافي ولا آل فاطمة ولا آل الحسن.
(و) على (صحبه) اسم جمع لصاحب بمعنى صحابي، وهو من اجتمع به صلى الله عليه وسلم مؤمناً ومات على إيمانه. وقيل: جمعٌ له، ورُدَّ بأن فاعلاً لا يُجمع على فَعْل، فلا يقال في عالم عَلْم، وهكذا.
(الأطهار) إما جمع طاهر على غير قياس؛ لأن فاعلاً لا يُجمع على أفعال أيضاً، فلا يقال: عالِم وأعلام وكامِل وأكمال، وإما أن يكون جمعاً لطهر بمعنى طاهر من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل كعَدْل بمعنى عادِل، ومعناه المطهرين من دنس المعاصي والمخالفات، وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام؛ لمزيد شرفهم على غيرهم.
(لا سيما رفيقُه في الغار) لا من لا سيما نافية للجنس، وسِيّ كـ(مِثْل) وزناً ومعنى اسمها. وخبرها محذوف وجوباً أي: ثابت. وأصله سوي فقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء سبق إحداهما بالسكون وأُدغمت في الياء ويجوز في الاسمِ الواقعِ بعد ما الجرُّ والرفعُ مطلقاً والنصبُ إن كان نكرة. وقد روي بالأوجه الثلاثة قوله: ولا سيما يومَ بدارة جلجل. والجرُّ أرجحُها، وهو على إضافة سيّ إليه وما زائدة بينهما مثلها في أيما الأجلين وأما الرفع فهو على أنه خبر لمبتدأ محذوف. (فهو) أي الاسم الواقع بعد (ما) وما موصولة أو نكرة موصوفة بالجملة بعدها، والتقدير ولا مثل الذي هو رفيقه ولا مثل شيء هو رفيقه. وسيّ مضاف وما مضاف إليه، فعلى كلٍّ من وجهي الجر والرفع تكون فتحةُ سيّ فتحةَ إعراب؛ لأن اسم لا النافيه للجنس إذا كان مضافاً يكون منصوباً وأما نصب النكرة بعدها فعلى التمييز: ذكر وجهي الجر والرفع وأعرب الجملة على أساسهما، ثم جاء هنا للوجه الثالث من الأوجه الثلاثة التي تجوز للاسم الذي بعد (ما)، وعلى هذا الوجه تكون الفتحة التي في (سيّ) فتحة بناء كما سيأتي. و(ما) كافة عن الإضافة: تمنع (سيّ) من أن تضاف إلى ما بعد (ما). والفتحةُ فتحة بناء مثلها في لا رجلَ وليست فتحةَ إعراب كما في الوجهين الأولين، فليست الفتحة فتحةَ نصب، وذلك لأن (ما) كفّت (سيّ) عن الإضافة التي تجعل (سيّ) منصوبة؛ إذ إن اسم (لا) النافية للجنس إذا كان مضافاً يكون منصوباً. والمعنى والصلاة والسلام على الصحب لا مثل الرفيق، فإن الصلاةَ عليه أتمُّ منها عليهم، يعني اطلب ذلك من الله تعالى، والمراد برفيقه في الغار أبو بكر الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ، خصّه بالذكر بعد دخوله في عموم الأصحاب تنويهاً بعظم شأنه؛ إذ هو شيخ الصحابة وأفضلهم على الإطلاق، وفي ذكر مرافقته في الغار إشارةٌ إلى ذلك أيضاً.
والغار ثقب في أعلى جبل ثور على مسيرة نحو ساعة من مكة دخله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو وأبو بكر حين خرجا مهاجرَين من مكة إلى المدينة، فذهب المشركون في طلبهما واقتفَوا أثرهما حتى جاءوا إلى الغار فانقطع الأثرُ، فجعلوا يفتشون حتى قال بعضهم: انظروا الغار، فقالوا: ليس في الغار أحد، ولو نظروا أدنى نظرة لرأوهما فاشتد الكرب على أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ خوفاً على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقال: إنهم لو نظروا تحت أقدامهم لرأونا. فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لا تحزن إن الله معنا، فأعمى الله تعالى أبصارَهم عنهما كما أعمى بصائرهم.
قيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين: ذكر هذا القول بصيغة التضعيف، فباضتا على فم الغار، والعنكبوت فنسجت عليه حتى قال بعضهم: ما بالكم بالغار إن العنكبوت قد خيمت عليه والحمام قد باض على فمه. يعني أنه لا يمكن دخولهما إلى الغار والحالة هذه، ولا يمكن نسج ولا بيض بعد دخوله، وإلى ذلك أشار صاحب البردة بقوله:

وما حوى الغارُ من خيرٍ ومن كرمِ= وكلُّ طَرْفٍ من الكفار عنه عمي
فالصدقُ في الغارِ والصديقُ لم يرُما =وهم يقولون: ما بالغارِ من ارمِ
ظنوا الحمامَ وظنوا العنكبوتَ على = خيرِ البريةِ لم تنسجْ ولم تحُم

قوله: فالصدق، أي صاحب الصدق وهو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقوله: لم يرما، أي: لم يبرحا ولم ينفكا عنه. ومعنى ارم: أحد.


وهذه عقيدةٌ سنيّه = سمّيتها الخريدةَ البهية

(وهذه عقيدة) عطف على جملة الحمد لله. واسم الإشارة عائد على العبارات المتعلقة ذهناً، نزّلها منزلة الحاضر المحسوس بالبصر، فأطلق عليها لفظ الإشارة الموضوع لكل حاضر محسوس، واختار اللفظ الموضوع للقريب للتنبيه على أنها قريبةُ التناول سهلةُ الحصول، ولذا أفرد الخبرَ مع أنها في نفسها عقائد كثيرة، (سنية) نسبة إلى السنا بالقصر، وهو النور يعني أنها واضحة الدلالة على معانيها، (سميتها الخريدة البهية) الجملة صفة عقيدة. والخريدة في الأصل اللؤلؤة التي لم تثقب. والبهية نعت الخريدة. والبها الضياء، واستعار لها هذا الاسم ليطابق الاسمُ المسمى.


لطيفةٌ صغيرةٌ في الحجمِ= لكنها كبيرةٌ في العلمِ

ثم ذكر من نعوتها أيضاً ما يقتضي الرغبة في تناولها فقال: هي (لطيفة) من اللطف وهو ضد الكثافة، من لَطُفَ ككَرُمَ: دقّ أو رقّ، فاللطيفُ الصغيرُ الحجمِ أو الرقيق القوام أو الشفاف الذي لا يحجبه ما وراءه كالزجاج، فإذا أطلق بهذا المعنى على الله تعالى، فمعناه العالِم بخفيات الأمور لما مرّ من أن اللفظ إذا أوهم خلافَ المرادِ في حقه تعالى يُراد منه لازمُه .
وأما لَطَفَ كنَصَرَ، فمعناه أحْسَنَ وأنعَمَ، ومعناه في حقه تعالى ظاهر، أي المحسن المنعِم على عباده، وبهذا علمتَ وجهَ من فسر اللطيفَ بالعالِم بخفيات الأمور. ووجهَ من فسره بالبَرّ المحسن لعباده، والمراد هنا أنها قليلة الألفاظ أو سلسة الألفاظ أو واضحتها، والكلُّ صحيح، وعلى الأول فقوله: (صغيرة في الحجم) أي القدر وصف كاشف، أبياتها أحد وسبعون بيتاً، ولما كان هذا الوصف يوهم أنها قليلة العلم استدرك عليه بأن رفع هذا التوهم بقوله: (لكنها كبيرة) أي عظيمة (في العلم) أي المعاني المدلولة لها. وذلك لأنها اشتملت على بيان ما يجب لله تعالى وما يستحيل وما يجوز، وعلى مثل ذلك في حق رسله عليهم الصلاة والسلام، وعلى البراهين القطعية التي يخرج بها المكلفُ من ربقة التقليد إلى نور التحقيق حتى لا يكون في إيمانه خلاف. وسيأتي بيان الخلاف في إيمان المقلد إن شاء الله تعالى، وعلى الردّ على أهل الضلال تصريحاً تارة وتلويحاً أخرى، وعلى السمعيات وعلى شيء من التصوف الذي هو حياة النفوس كما سترى ذلك كله إن شاء الله تعالى مفصّلاً، ولذا قال مستأنفاً ـ في جواب سؤال مقدر نشأ مما قبله تقديره: هل تكفي هذه العقيدةُ المكلفَ في دينه كما يدل عليه هذا الوصف الذي قدمته أو هذا من باب المبالغة ؟ ـ :

تكفيكَ علماً إنْ تُرِدْ أن تكتفي = لأنها بزبدةِ الفنِّ تفي

(تكفيك علماً) تمييز محوّل عن الفاعل، أي يكفيك العلمُ المستفاد منها في دينك (إنْ ترد أن تكتفي) أي بها عن غيرها من المطولات؛ وذلك (لأنها بزبدة) أي بخلاصة ومحصِّل (الفنّ) المؤلفة هي فيه وهو فن عقائد الإيمان ويسمى علم التوحيد وعلم أصول الدين وعلم العقائد وهو علم يُقتدر به على إثبات العقائد الدينية المكتسبة من أدلتها اليقينية. وموضوعه ذات الإله تعالى وقيل: الممكنات.
(ذات): ليس الكلام في حقيقة ذات الله، ولكن في الأحكام التي تنسب إلى الله، لا يمكن الحديث عن حقيقة ذات الله ولا عن حقيقة صفاته ولكن عن لوازمها.
وجه القول بأن الممكنات هي موضوعات علم الكلام هو أنها دالّّة على أن لها محدِثاً موجوداً، وهذا المحدِث لا بد أن يكون له أحكام وصفات كالوجود والقِدم والقدرة . . . إلخ
س: لماذا لم نقل إن المستحيل من موضوعات علم الكلام؟
ج: الصحيح أن موضوع علم الكلام هو المعلومات التي تؤدي إلى إثبات العقائد الدينية، وهذا يشمل الممكنات والمستحيل والواجب.
كل علم له مقدمات وغاية ودافع وموضوع، والموضوع عبارة عن مسائل يتعلق بعضها ببعض، والمستحيل مسألة من المسائل التي لها تعلق بالموضوع.
قسّم العلماءُ العلومَ إلى مراتب، بعضها يتقدم على بعض، فلا بد لمن يريد تحصيل علم معين أن يحصّل قبله بعض العلوم التي تتقدمه. فمثلاً علم التفسير ليس علماً حقيقياً ولكنه علم اعتباري؛ لأنه عبارة عن علوم متعددة مجتمعة، ولا بد للمفسر من أن يكون عالماً بهذه العلوم حتى يستطيع التعامل مع النص القرآني بطريقة صحيحة.. أما علم الكلام فيُعدّ الأصلَ والأساس لكل العلوم الأخرى.
الإمام عبد القاهر الجرجاني والرماني وعلماء اللغة والبلاغة والعلماء الذين جاءوا بنظريات مبتكرة في مختلف العلوم أصلهم متكلمون، وكذلك البخاري فهو ليس محدثاً كباقي المحدثين ولكنه مبتكر لأمر جديد، ولذلك فإن بقاء اسمه حتى الآن وكثرة أتباعه لا لأنه محمد بن إسماعيل أي لا لشخصه وإنما لفكره المتميز الذي توارثه عنه الناس إلى اليوم.
وقيل غير ذلك. وغايته معرفةُ الله سبحانه وتعالى والفوزُ بالسعادة الأبدية (تفي) أي توفي به لما تقدم.


واللهَ أرجو في قُبول العملِ = والنفعَ منها ثم غَفْرَ الزللِ

(واللهَ أرجو) قدّم الاسم الأعظم لإفادة الاختصاص؛ إذ تقديم المعمول يفيد ذلك، أي لا أرجو إلا الله تعالى .
والرجاءُ تعلقُ القلب بحصول مرغوب فيه في المستقبل مع الأخذ في الأسباب، وهو ممدوح شرعاً فإن لم يأخذ في الأسباب فطَمَعٌ وهو مذموم شرعاً.
(في قبول العمل) الذي منه تأليف هذه العقيدة. وقبول الشيء الرضا به وعدم ردّه : (قُبول) بضم القاف. أما (قَبول) بفتح القاف فتطلق على العمل نفسه: العمل الذي يطلق عليه أنه قَبول، فهو من باب إطلاق المصدر على الاسم، ولكن القُبول بضم القاف هو المصدر الحقيقي للفعل الذي يدل على الفعل من (قَبِلَ) (يَقْبَل) (قُبولاً). فالوزن القياسي للمصدر هو (قُبول).
(القَبول): اسم يطلق على ما وقع عليه القُبول. فالقُبول يتعلق بشيء متصف أنه قَبول. كما نقول: الوُضوء والوَضوء. فبالفتح يطلق على الماء الذي نتوضأ به، وبالضم على نفس الفعل الذي نقوم به.

(و)أرجوه تعالى (النفعَ) هو ضدّ الضرّ (منها) أي من هذه العقيدة، أي بها، أي أرجوه تعالى أن ينفع بها كلَّ من قرأها أو طالعها وحصّلها أو كتبها. ويصح أن تكون من ابتدائية وهي ومجرورها حال من النفع، أي حال كون النفع حاصلاً وناشئاً منها، (ثم) أي وأرجوه (غَفْرَ) أي ستر (الزلل) جمع زلة بالفتح مصدر زلّ بفتح الزاي أيضاً يَزِلُّ بكسرها، يعني المعاصي. وسترها صادق بمحوها من الصحف وبعدم المؤاخذة بها وإن كانت موجودة فيها. وورد في السنة ما يدل لكلٍّ. والمرجوّ من سعة كرمه تعالى الأول.
ولما كانت مباحث هذا الفنّ تتوقف على معرفة أقسام الحكم العقلي الثلاثة، أعني الوجوب والاستحالة والجواز بدأ ببيانها فقال:

أقسامُ حكمِ العقلِ لا محاله = هي الوجوبُ ثم الاستحالة
ثم الجوازُ ثالثُ الأقسامِ = فافهم مُنِحتَ لذةَ الأفهامِ

س: لماذا بدأ بشرح أحكام العقل، والعلم الذي يكتب فيه هو العقيدة؟ فهل الأحكام العقلية جزء من العقائد مثلاً، أم هي وسيلة لها؟ فما مناسبة الكلام على الأحكام العقلية في علم التوحيد؟
ج: مسائل علم التوحيد تُبنى على العقل؛ لأن علم التوحيد علم يُبحث فيه عن الأدلة القطعية سواء أكانت عقلية أم نقلية، فهذه الأدلة دالة على العقائد الدينية، فلأن العقل هو أول الأشياء التي يتم استعمالها للاستدلال على صحة العقائد وجب معرفة مفهوم الحكم العقلي.
(أقسام حكم العقل) مبتدأ خبره محذوف أي ثلاثة، يدل عليه قوله الآتي: ثالث الأقسام، وجملة: هي الوجوب إلخ استئنافية؛ لبيان الأقسام، ويصح أن تكون هي الخبر، والأقسام جمع قِسْم بكسر فسكون، وهو ما اندرج مع غيره تحت كل أو كلي. والكل ما تركب من جوهرين فأكثر.
مثال ذلك: الكتاب مؤلف من صفحات، يلاحظ في (الكل) أن له أجزاءً، فالكتاب لا يطلق على الغلاف ولا على كل صفحة، ولكن يطلق على مجموع الصفحات مع الغلاف. إذن الكتاب أمرٌ كلٌّ.
الأجزاء + الهيئة التأليفية = الكل (الكتاب).
لو كانت الصفحات غير متآلفة مع بعضها البعض، أو كان الكلام المنقوش على الصفحات غير متآلف فلا يسمى كتاباً.
والمقصود من الجوهر: الجوهر الفرد أي الجزء الذي لا يتجزأ. من هذا الجزء الذي لا يتجزأ تتألف المواد. (الجوهر) لأنه قائم بنفسه. (فرد) لأنه لا يتجزأ.
والكلي ما صدق على كثير: ما صح أن نطلقه على كثير.
مثلاً: مفهوم الكأس يصدق على أشكال وأنواع كثيرة من الكؤوس. مفهوم الإنسان يصدق على زيد وعلى عمرو وعلى الرجل والمرأة.
ذكر المصنف الفرق بين الكلّ والكلي؛ ليذكر أن هذه الأحكام العقلية هل كل قسم منها صدق عليه أنه حكم عقلي أم أن الحكم العقلي صادق على الثلاثة معاً، أي هل هذه الأقسام أقسام للكل أم للكلي؟
ويسمى المندرج تحت الكل جزءاً وبعضاً والمندرج تحت الكلي جزئياً: زيد يتألف من رأس وجسم ويدين . . اليد تسمى جزءاً بالنسبة لزيد، ولكن زيد جزئي بالنسبة لمفهوم الإنسان.
الصفحة جزء من الكتاب، والكتاب جزئي من مفهوم الكتاب. فالجزء لا يحمل جميع صفات الكل، ولكن الجزئي يحمل جميع صفات الكلي.
ويسمى مورد القسمة وهو الكل أو الكلي مَقْسِماً بفتح فسكون فكسر: المَقْسِم أي الذي وقع عليه القِسْمة. مورد القسمة أي محل التقسيم، مثلاً حين نقول: يتألف الكتاب من صفحات وغلاف. . فمورد القسمة هو الكتاب.
والتقسيم التمييز والتفصيل، أي جعلُ الشيء أقساماً، وعلامة تقسيم الكل إلى أجزائه صحةُ انحلاله إلى الأجزاء التي تركّب منها: هذا (الكل) إذا قسّمناه إلى الأقسام يكون مجموع الأقسام تؤلف هذا (الكل)، و(الكل) مؤلف من هذه الأقسام وينحلّ إليها.
وعدم صحة حمل المَقْسِم على الأقسام: كل قسم من أقسام (الكل) لا يحمل جميع صفات (الكل)، فلا يجوز حمل وإطلاق (الكل) على كل جزء من أجزائه.
وعلامة تقسيم الكلي إلى جزئياته صحة حمل المَقْسِم على كلٍّ من الأقسام، نحو: زيد إنسان وعمرو إنسان: كما نقول الإنسان هو ذكر وأنثى، فالأنثى إنسان والذكر إنسان، وهكذا، فيصح حمل (الكلي) على كل جزئي من جزئياته.
والحكمُ إما شرعي وهو خطابُ الله تعالى المتعلقُ بأفعال المكلفين بالطلب أو الإباحة أو الوضع لهما: الخطاب يتعلق بالأفعال ولا يتعلق بالذوات، لا يقال: هذه الذات حكمها حلال أو حرام، ولكن هذا الفعل المتعلق بهذه الذات الصادر منها إما أن يكون حلالاً أو حراماً.
فالحكم هو الخطاب الصادر من الله سبحانه وتعالى، بمعنى أنه لا يمكن أن يكون هناك حكم شرعي ليس مستنداً إلى خطاب صادر من الله، فكل حكم مستند إلى غير الله فليس حكماً شرعياً.
بناء على هذا يقول أهل السنة إنه لا حكم إلا لله سبحانه وتعالى؛ لأن معيار الحكم أن يكون صادراً ومستمداً من خطاب الله.
والحكم يجب أن يكون متعلقاً بالأفعال لا بالأعيان والذوات، فلا يقال: الأم حرام، ولكن يقال: نكاح الأم حرام، فالحرمة متعلقة بفعل بين الإنسان وبين ذات معينة.
(بأفعال المكلفين): لا بأفعال الحيوانات ولا بأفعال الصبيان ولا المجانين، ولكن بأفعال المكلفين، فيخرج منه جميع ما ذكرناه.
(بالطلب): الطلب يصدق على أربعة أمور: الواجب والحرام والمندوب والمكروه. و(الإباحة): يصبح المجموع خمسة أحكام.
(أو الوضع لهما): بأن يُجعل شيء شرطاً أو سبباً أو مانعاً. كجعل الزوال سبباً لوجود الصلاة، والحولِ شرطاً للزكاة. وهناك قسم آخر من الأحكام وهو وصف للهيئة التأليفية لمجموع الأفعال إما بالصحة أو بالفساد.
س: لماذا ذكر تعريف الحكم الشرعي؟
ج: لأن محل كلامه هو مفهوم الحكم، فناسب أن يتحدث عن الحكم الشرعي. وإنْ كان حديثه في الأصل عن الحكم العقلي، ولكن لكي يَمِيْزه عن الحكم العقلي عرّف الحكم الشرعي، والتمييز زيادة تعريف وتوضيح.
وإما غيره: أي حكم عادي أوعقلي. وهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه: وهذا هو تعريف الحكم.
والحاكِمُ به إما العقل وإما العادة، فإن كانت العادة فعادي، والحكم العادي إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة التكرر بينهما على الحسّ كإثبات أن النار محرقة وأن الطعام يشبع: قسّم الحكم إما إلى شرعي وإما إلى عادي أو عقلي: العادي هو الحكم على الشيء عن تكرار، توارد الشيء على الحسّ، هو عبارة عن حكم مستمد من تكرار الحسّ وتوارد الأمر على الحسّ أكثر من مرة، فهو مشتق من العادة التي هي التجربة، وهي أن يلاحظ الإنسان اقتران شيئين مع بعضهما أو ترتب شيء على شيء أو اندراج شيء في شيء.
إذا لاحظ الإنسان هذا عن طريق الحسّ، فهذا الحكم مستمد من الملاحظة مع التكرار يسمى الحكم العادي، أي حكم مأخوذ عن طريق العادة فقط، ليس حكماً شرعياً ولا عقلياً.
وذكر مثالاً لهذا وهو الإحراق بالنار، عرفنا هذا عن طريق العادة، إذا رأى إنسان النار لأول مرة هل يمكن أن يعرف عن طريق رؤيتها أنها حارقة؟ لا، والدليل على هذا الطفل الصغير الذي يضع يده على النار أكثر من مرة حتى يكتشف أنها حارقة.
هل يمكن أن يُستمد من الحكم العادي تأثير الشيء الأول في الشيء الثاني؟ أي هل يستطيع الإنسان أن يعتمد على الحكم العادي أو الحسي بأن هذا الأمر أوجده الأمر الثاني؟
أجاب: وليس المراد من هذا أن النار مثلاً هي المؤثرة: هو قال إن النار تحرق ولكن ليست هي المؤثرة، وليست هي الخالقة للإحراق ولا المحدِثة له.
إذ التأثير لا دلالة للعادة عليه أصلاً، وإنما غاية ما دلت عليه العادة الربطُ بين أمرين، أما تعيينُ فاعلِ ذلك فليس للعادة فيه مدخل ولا منها يُتلقى علم ذلك كما قاله الإمام السنوسي رحمه الله تعالى، وسيأتي في عقد الوحدانية ما يتعلق باعتقاد ذلك: إذا أردنا أن نحكم بأن شيئاً هو الذي أثر في شيء بمعنى خلقه وأوجده فلا يجوز أن نستند في هذا إلى الحكم العادي والملاحظة والتكرار، فغاية ما تدلنا عليه العادة والتجربة والتكرار هو التلازم فقط..
لا يجوز أن يقول الإنسان: أنا أعرف أن النار تؤثر لأني أشاهد هذا، فاستنتاجه خطأ، لأن المشاهدة ليست دليلاً إلا على التلازم وليست دليلاً على الخلق والفعل. بل الدليل على الخلق والفعل والإيجاد هو العقل، فإذا أراد إنسان أن يستدل على أن شيئاً خلق شيئاً أو أوجده أو أثر فيه فيجب عليه أن يأتي بدليل عقلي على ذلك.
هذا الحكم العادي تفرّد به الأشاعرة تقريباً، (غيرهم قال به ولكنهم لم يعتمدوه ولم يستخدموه)، اشتُهر عن الأشاعرة هذا الأمر.
هذه الطريقة التي هي الاستدلال العادي لم يتنبه إليه إلا بعض الفلاسفة المعاصرين، من أكبرهم ديفيد هيوم الإنجليزي، صاحب المنطق الوضعي، وأيضاً نظرية آينشتاين كلها مبنية على التلازم العادي، ليست مبنية مطلقاً على الفعل والتأثير والخلق، بل مبنية فقط على التلازم العادي، حيث قال: لا يوجد شيء مطلقاً يدلنا على أن الأشعة هي التي تخلق أو تحرق . . أكبر نقاط نظريته هو أن هدف الفيزيائيين وطريقتهم في شرح الكون ليس كما يقول نيوتن الذي بنى كلامه على فلسفة القوى المودعة والتأثير.
آينشتاين بنى نظريته على أمور أخرى منها أنه ليس هناك طبائع مؤثرة وفاعلة في الكون، بل هي عبارة عن ترتيبات كونية فقط. وهذا هو الاتجاه السائد عند كثير من العلماء.
على كل الأحوال قال الأشاعرة بأن هذا الحكم هو الذي يمكن الاستناد عليه في معرفة الأمور العادية، فلا يمكن أن تعرف التأثير والإيجاد من التجربة والحسّ، بل دليل التأثير هو العقل.
بعض الباحثين المتميزين مثل أبي يعرب المرزوقي (مفكر تونسي معاصر متميز)، كتب كتاباً جيداً عن الحكم العادي سمّاه (السببية عند الغزالي)، يقول إن هذا اكتشاف وتميّز هائل في الحضارة الإسلامية خلافاً لما يقوله عبد الرحمن بدوي، ومحمد عابد الجابري اللذان تأثرا بالحضارة الغربية فهما يستهينان بمثل هذه الأمور. وهو يتحدث معهم بنفس طريقة تفكيرهم، ويقول لهم: كلامكم لا يستند إلى منطق ولا إلى شيء وأنا أستطيع أن أعكسه عليكم، فكتب كتابه ذاك.
... يتبع

احمد سعيد احمد
22-09-2003, 12:35
تابع . . .
وإنْ كان العقل فعقلي، وهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه من غير توقف على تكرار ولا استناد إلى شرع. وخرج بهذا القيد الأخير حكم الفقيه المستند إلى الشرع كإثبات الوجوب للصلاة المستند إلى خطاب الله تعالى. فخرج بقوله: حكم العقل الحكمَ الشرعي والعادي.
والعقل سر روحاني: (سرّ): لا نعرف حقيقته، ونسبه إلى الروح إشارة إلى أن الروح هي مصدره وليس الجسد، فالتعقل ليس مستنداً إلى الجسد وإنما إلى الروح.
تدرك به النفسُ العلومَ الضروريةَ والنظريةَ: العلوم الضرورية والنظرية ناتجة عن هذا السرّ الذي هو وصف للروح أو فعل للروح أو شيء منسوب للروح، فهو هيئة نفسانية راسخة أو فعل . . لم يُرد المصنف أن يخوض في هذا الأمر، ولكنه نسبه إلى الروح.
وظيفته: تدرك به النفسُ العلومَ الضرورية والنظرية، إذن العلوم الضرورية والنظرية ليست هي حقيقة العقل وإنما هي ناتجة عن العقل، هذا العقل عبارة عن أمر منسوب إلى الروح.
ومحله في القلب ونوره في الدماغ: هذا السرّ الروحاني هل هو أمر اضطراري واستعماله اضطراري؟ بالتأكيد لا، لأن الإنسان يتعقل باختياره، فهو يعتمد على الإرادة، والإرادة هي عبارة عن الشوق والرغبة والمحبة فهي ميل النفس نحو أمر ما . . هذا الميل يظهر أثره في القلب. فالشعور بالحب والكره والخوف محله في القلب.
المحل الذي يتأثر بالإرادة هو القلب، والإرادة هي شرط التعقل، الإنسان حين يريد أن يتعقل يظهر أثر هذه الإرادة في القلب.
وحين يريد الإنسان أن يفكر في مسألة رياضية، حين يتجه قلبه إلى هذا الأمر فالذي يتحرك هو الدماغ في هذه الحالة.
عندما تتوجه إرادة التعقل تنشأ هذه الإرادة ويظهر أثرها في القلب ولكن نتيجتها تظهر في الدماغ. لذلك اختلف العلماء في محل التعقل، قال الإمام الشافعي: في القلب. وقال أبو حنيفة: في الدماغ.
والتحقيق أن محله في القلب ونوره في الدماغ، فربط بين القولين. الإمام أبو حنيفة نظر إلى نتيجة التعقل، والإمام الشافعي نظر إلى أصل التعقل، والإمام الشافعي استدل بالآيات القرآنية: لهم قلوب لا يعقلون بها. إذن التعقل يكون في القلب.
فالعلماء المتأخرون منهم الشيخ الدردير ربط بين القولين وحاز التحقيق في هذه المسألة بأن رَبَطَ رَبْطَ تحقيق لا رَبْطَ تلفيق.
ملاحظة: ما تقدم من التوفيق بين وظيفتي القلب والدماغ ودورهما في عملية التعقل، ومعنى كون القلبِ محلاً وكون العقلِ نوراً في الدماغ إنما هو من استنباطات الشيخ سعيد فودة وشرحه الخاص، حيث لم يذكره أحد من العلماء قبله.
وابتداؤه من حين نَفْخِ الروح في الجنين: من أول نفخ الروح يصبح في الجنين قابلية التعقل؛ لذلك فالتعقل الذي هو وسيلة الإدراك يكون من أثر نفخ الروح في الجنين، إذن الإنسان وهو في تلك الحالة يمكن أن يدرك بعض الأمور، وهذا مما أثبتته التجارب العلمية منذ القدم وفي الوقت الحالي.
بعض العلماء كانوا يلاحظون تربية أبنائهم من حين حمل أمهاتهم بهم. فوالد الإمام الجويني أبو محمد الجويني كان يراعي زوجته وهي حامل به، فلا يرهقها ولا يغضبها وينهاها عن أكل شيء مضرّ فكان يلاحظ أن تكوينه الروحاني يبدأ من حين يكون في بطن أمه.
وبعد أن وُلد رأى إحدى الجواري ترضع ابنه رضعة لمرض ألمّ بأمه، فقلبه وأنزل الحليب من فمه، لأنه يريد أن تكون طبيعته وجوهره متناسق لا تختلط به مادة غريبة؛ لذلك قال العلماء عن الإمام الجويني إنه كان من أذكياء العالم، وقالوا عن والده إنه لو كان هناك مجتهد يحق له الاجتهاد في ذلك العصر فهو أبو محمد الجويني.
وأول كماله البلوغ؛ ولذا كان التكليف بالبلوغ: البلوغ هو وصول الإنسان سناً معينة. عند الإمام الشافعي 15 سنة، وعند الإمام أبي حنيفة 18 سنة هجرية، معنى ذلك أن الإنسان عند هذا السنّ يؤمر بالصلاة ويجب عليه التشهد، وإذا كفر يكفر حقيقة وإذا التزم بالإسلام يكون ملتزماً حقيقة. وقبل ذلك لا يكون مكلفاً.
هذا العمر الذي حددوه ضابط قد ينقص قليلاً وقد يزيد قليلاً، وأرجعوا الخلاف في العمر حسب البلد.
قبل هذا العمر لا يكون الإنسان كامل العقل، ليس معنى هذا أنه لا يكون فيه عقل، ولكنه لا يكون كامل العقل، أي إمكانياته النفسية لا تمكّنه من أن يكون عاقلاً تاماً، فهو غير مؤهل أن يتعلق به التكليف؛ لأن التكليف فيه التزام وضبط، إذا كان الإنسان غير متمكن من التعقل التام فلا يكون متأهلاً للتكليف؛ لذلك فإن الشريعة أمرت الصبي بالصلاة على سبيل الاستحباب لا الوجوب.
ويكون كماله عند سن الأربعين، وقبل هذا السن يكون هناك ارتقاء وبعد ذلك تستقر حالة الإنسان من الناحية الروحانية والجسدية.
هذا هو الصحيح الذي عليه مالك والشافعي ـ رضي الله عنهما ـ وهو مراد من قال: هو لطيفة ربانية تدرك به النفس إلخ، وقيل: هو قوة للنفس معدّة لاكتساب الآراء أي الاعتقادات، وقيل: هو من قبيل العلوم. قال القاضي: هو بعض العلوم الضرورية وهو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات ومجاري العادات كالعلم بوجوب افتقار الأثر إلى المؤثر والعلم باستحالة اجتماع الضدين وارتفاع النقيضين. وهذا تفسير لقول من قال هو العلم ببعض الضروريات، وعلى هذين القولين فهو من قبيل العَرَض.
وقوله: (لا محاله) أي لا تحوّل ولا انفكاك عن كونه ثلاثة، يعني أنها ثلاثة لا أقل ولا أكثر، هذا على الإعراب الأول، وأما الثاني فالمعنى أنها هي هذه بعينها لا غيرها.
(هي الوجوب) أي وما عطف عليه وهو عدم قبول الانتفاء (ثم الاستحالة) بالدرج للوزن، وهي عدم قبول الثبوت (ثم الجواز) وهو (ثالث الأقسام) وهي قبول الثبوت والانتفاء، وستتضح معانيها زيادة إيضاح في تعريف الواجب والمستحيل والجائز، وكلمة ثم هنا وفي سائر ما يأتي في الذكر والتدرج في مدارج الارتقاء بذكر ما هو الأولى فالأولى دون اعتبار تراخٍ بين المتعاطفين ولا بعدية في الزمان.
الوجوب: الثبوت. والاستحالة: المنع. والجواز: قبول الأمرين (الثبوت والاستحالة)، الجواز يعني المرور، ففيه معنى الحركة وعدم الاستقرار على محل، أما الاستحالة فهي من (أحال) بمعنى منع، فهو منع الثبوت. والوجوب: اللزوم والثبوت. هذه هي المعاني اللغوية وهي قريبة من المعاني الاصطلاحية.
فإن قلتَ: تقسيم الحكم العقلي إلى الوجوب والاستحالة والجواز لا يصح أن يكون من تقسيم الكل إلى أجزائه؛ إذ لا ينحلّ الحكم العقلي إليها، ولا من تقسيم الكلي إلى جزئياته لأنه لا يصح حمله على كلٍّ منها بحكم عقلي لما مرّ من تفسير الحكم بإثبات أمر لأمر و نفيه عنه. والحاصل أنّا لا نسلم أنها أقسام للحكم؛ لأن الحكم إما إدراك وقوع للنسبة أو لا وقوعها، فيكون كيفية وصفة للنفس كما هو التحقيق. وإما إيقاع أو انتزاع فيكون فعلاً من أفعال النفس. وأيّاً ما كان فهو بسيط فلا يكون مركباً حتى يكون من الأول، وليست هذه جزئياته حتى يكون من الثاني، قلت: إن في عبارتهم هذه مسامحة، والمراد أن كل ما حكم به العقل من إثبات أو نفي لا يخرج عن اتصافه بواحد من هذه الثلاثة. فلما كان لا يخرج عن اتصافه بها جعلوها أقساماً له تجوّزاً.
(فافهم) أي اعرف هذه الأقسام الثلاثة حق معرفتها؛ لأن على معرفتها مدار الإيمان بالله تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام.
(مُنِحْت) أي أُعطيت، أي أعطاك الله تعالى (لذة) أي حلاوة (الأفهام) بفتح الهمزة، جمع فهم وهو الإدراك أي العلم والمعرفة، فإنّ مَن أُعطي لذة العلوم والمعارف فقد أُعطي خيري الدنيا والآخرة.
ملاحظة: سنورد زيادة شرح وبيان لهذه الفقرة في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

احمد سعيد احمد
29-09-2003, 11:19
وواجبٌ شرعاً على المكلَّفِ = معرفةُ اللهِ العليِّ فاعرفِِ

(وواجبٌ شرعاً): أي وجوبَ شرعٍ، فحُذِفَ المضافُ وأقيم المضاف إليه مقامَه، فانتصب انتصابه، فهو منصوب على أنه مفعول مطلق، أي وجوباً مستفاداً من الشرع أي الشارع، يعني أنه يجب وجوباً شرعياً، خلافاً للمعتزلة القائلين إن معرفةَ الله واجبةٌ بالعقل (على المكلفِ) من الثقلين الإنس والجنّ: معنى الوجوب الشرعي: أنه ما دام لم تأتِ شريعة ولم يُبعث رسل، فهذا يعني أنه لا عقاب ولا ثواب، ولكن هذا لا يستلزم أن العقل لا يستطيع أن يعرف وجودَ الله، ولكن المقصود أنه لا يترتب عليه عقابٌ ولا ثواب. وإنما يترتب العقاب والثواب إذا أرسل الرسل.
قال المعتزلة: حتى لو لم يُبعث الرسل فالوجوب يثبت بالعقل.
والتكليفُ إلزامُ ما فيه كُلْفَة، وقيل: طلبُ ما فيه كلفة، فلا تكليفَ بالمندوب والمكروه على الأول الصحيح بخلاف الثاني، ولا تكليفَ بالمباح اتفاقاً: كلمة (إلزام) يندرج تحتها الواجبُ والحرامُ فقط، وإذا عرّفنا التكليفَ بـ(طلب) فيندرج تحتها بالإضافة إلى ذلك المندوبُ والمكروهُ؛ لأن المباحَ لا طلبَ فيه.
والمكلَّفُ: البالغُ العاقلُ الذي بلغته الدعوة. (معرفة الله العليِّ) بالمنزلة.
والمعرفةُ والعلمُ بمعنى واحدٍ على الصحيح، وهو الإدراكُ الجازمُ المطابقُ للواقعِ لموجِب، فشمل الضروريَّ والنظريَّ: إدراك: بلوغ هذا الشيء.
جازم: غير مضطرب . . غير قابل للتذبذب أو الشك.
مطابق: قد يكون الإنسان مدرك وجازم ولكن إدراكه غير مطابق. كمن يعتقد أن البقرة مقدسة أو أن العالم قديم، يكون معتقداً بهذه الأمور ومدركاً لها ومتيقناً منها، ولكنه غير مطابق للأمر في نفسه؛ لأن معيار العلم هو مطابقة العلم لما في الخارج . . . فذاك لا يكون عالماً.
مَن أدرك إدراكاً جازماً ومطابقاً ولكن لا عن دليل أيضاً لا يكون عالماً، قوله: (لموجب) أي لدليل . . لشيء أوجب عليه هذا الإدراك لا لاختيار منه ولا لتقليد.
وخرج بقيد الجازمِ الظنُّ، وبالمطابقِ الاعتقادُ الفاسدُ كاعتقاد الفلسفي قدمَ العالم.
وبقوله: لموجِب بكسر الجيم أي مقتضٍ من دليلٍ أو حسٍّ أو وجدانٍ الاعتقادُ الصحيحُ كاعتقاد سنية صلاة العيدين.
والذي يكفي في المعرفة الدليلُ الجُمليُّ اتفاقاً، وهو المعجوزُ عن تفصيلِه وحلِّ الشبهِ عنه، كأن يعرف وجودَه تعالى بكونه خالقاً للعالم، وأما التفصيلي وهو المقدور فيه على ما ذكره فلا يجب عيناً، بل وجوباً كفائياً؛ لصون الدين بدفع الخصوم: إذا قال شحص: أنا أؤمن بالله، ثم لم يستطع أن يأتي بالدليل ولم يستطع أن يحل بعض الإشكاليات التي تُعرض عليه فهو عالم بدليل إجمالي، وإن استطاع أن يحل الإشكاليات فهو عالم بدليل تفصيلي.
الدليل الإجمالي يعني أن المعرفة بالتفاصيل غير حاصلة، ولكن هو عبارة عن معرفة بالمقدمات الكلية فقط، أما أدلة هذه المقدمات فغير حاصلة.
العلم بالدليل الإجمالي واجب على جميع الناس، فيجب على من يؤمن بالله أن يأتي بدليل إجمالي كأن يقول إن المخلوقات تدل على أن لها موجِداً.
والدليلُ التفصيلي فرضُ كفاية على بعض الناس بأن يعرفوا الردَّ على الشُّبَه والتشكيكات.
وأما التقليد وهو الأخذ بقول الغير من غير حجة، أي الاعتقاد الجازم المتمسَّك فيه بمجرد قول الغير : من قال إن النية في الوضوء واجبة ثم لم يستطع أن يأتيَ بدليل واكتفى بأن هذا ما قاله الإمام الشافعي فهو مقلّد، أما من عرف الحجة فهو ليس مقلداً، وكذا في أمور الاعتقاد.
فقد اختُلف فيه، فقيل: إنه يكفي في عقائد الإيمان، وهو الصحيح، فإيمان المقلد صحيح. وعليه فهل يجب النظر فيكون مع صحة إيمانه عاصياً بترك النظر الموصل للمعرفة وهو الصحيح كما يفهم من قولنا: معرفة الله أولا، بل هو شرط كمال. وقيل: لا يكفي فالمقلد كافر، وقيل: يكفي إن قلّد القرآن والسنة القطعية ، وفيه نظر: ذكر حكمَ المقلد، فقال: إن كان المقلدُ متثبتاً في عقيدته بحيث لا يستطيع أحد أن يشكّكه فيها فإيمانه صحيح، وهو القول الراجح عن الإمام الدردير وكثيرٍ غيره من العلماء، وبعضهم قال: لا يكفي.
إذا قلنا إن التقليد جائز فمعرفة الدليل شرطُ كمال لا شرط صحة، وهناك من يرى أن التقليد غير كافٍ في الإيمان، ولا بد من ابتنائه على دليل.
بناء عليه قال بعض العلماء: المقلد كافر، فيجب على المقلد أن يعرف الدليل، وهذا الذي اختاره الإمام السنوسي بشرح أم البراهين، وبعض العلماء قالوا إنه تراجع عن هذا القول في كتب أخرى.
قوله: (فإيمان المقلد صحيح وعليه فهل يجب النظر فيكون مع صحة إيمانه عاصياً بترك النظر الموصل للمعرفة وهو الصحيح): جزم أنه صحيح فغيره باطل، لو قال: (الأصح) لكان غيره محتملاً. ولكنه قال: (الصحيح) وهذا يعني أن غيره باطل، فالصحيح أنه يجب عليه النظر، حتى مع أن الإيمان صحيح إلا أنه يجب عليه النظر وإن كان شرطَ كمال، فالكمال يكون واجباً أحياناً، فالصحيح أنه مع التقليد يجب عليه النظر، فإن لم يأت بالنظر فهو عاصٍ، ويحاسَب على عدم النظر، لأن الله تعالى أمر بالنظر والتفكر في المخلوقات، ولكن وجوب النظر شرطُ كمال وليس شرطَ صحة، بمعنى أن الإنسان إذا لم يأتِ به فهو لا يكفر ولكنه يكون عاصياً.
وذهب بعضهم إلى تحريم النظر؛ لأنه مظنة الوقوع في الشُّبه والضلال وليس بشيء.
واعلم أن المعرفة هي أول واجبٍ على المكلَّف؛ إذ جميع الواجباتِ متوقفةٌ عليها: أي لا تصح الواجبات إلا بناء عليها، أي لا يمكن للإنسان أن يصلي إلا إذا عرف اللهَ سبحانه وتعالى، وهكذا كل الواجبات. فالمعرفة شرط الإيمان، أن يعرف الإنسان الله سبحانه هو شرط التوحيد، فالإيمان شرط صحة لكل الأعمال. قوله: (متوقفة عليها): شرط ومشروط.
(فاعرف) أي اعرف أنها واجبةٌ بالشرع لا بالعقل خلافاً للمعتزلة: عدم التكليف إلا بالشرع، أي أنه لا يترتب على فعل المكلف عقابٌ أو ثوابٌ إلا بناء على حكمٍ شرعي، بمعنى أنه لو لم يَرِد حكم شرعي فإن العقلَ يمكنه أن يحكم بأن معرفة الله سبحانه حسنة وأن الظلم شرّ، لكن معرفة العقل بهذه الأمور وغيرها لا يتوقف على نزول الشرائع، ولكن ترتب العقاب والثواب على هذه الأعمال في اليوم الآخر لا يمكن معرفته إلا من الحكم الشرعي، لذلك يقول أهل السنة والجماعة لا حكم إلا لله سبحانه وتعالى، أي لا يمكن أن يحكم الإنسان إلا باستمداده هذا الحكم من الشريعة.
ولما كانت معرفةُ الله تعالى عبارةً عن معرفة ما يجب في حقه تعالى وما يستحيل وما يجوز، لا معرفة حقيقة الذات العلية لعدم إمكان ذلك ولعدم تكليفنا بذلك فسّر المعرفة بما هو المراد فقال:

أي يعرفُ الواجبَ والمحالا = مع جائزٍ في حقّه تعالى


يريد أن يقول إن حقيقةَ المعرفة التي أُمر الإنسانُ أن يحصّلَها ويكتسبَها هي أن يعرف الله سبحانه، ولكن قولنا إن المكلَّفَّ يجب أن يعرف الله ليس معناه أن يعرف حقيقة الذات، وذلك لسببين، الأول: لأننا يستحيل علينا أن نعرف حقيقة الذات كما أثبت ذلك العلماء بأدلة برهانية في الكتب المطولة، وأيضاً لأننا لم نكلف بمعرفة حقيقة ذات الله سبحانه، ولكن إذا لم يكن هذا الأمر هو الذي كُلِّفنا به فبماذا كُلِّفنا؟
قال: إن التكليف هو معرفة أحكام تتعلق بالله سبحانه كأن نعرف أن الله سبحانه واجبُ الوجود أو قادرٌ وعالمٌ وفاعلٌ.
أو أن نعرف أنه يستحيل عليه أن يكون له شريك أو عدل ويستحيل أن يكون مولوداً أو والداً.
إذن المعرفة الواجبة هي معرفة ما يجب وما يجوز وما يستحيل على الله سبحانه، إذن الكلام في علم التوحيد هو كلام يدور على أحكام تتعلق في الذات الإلهية، فلا معنى لقول من يعترض على علم التوحيد أو علم الكلام فيقول إن علم الكلام يبحث في الذات الإلهية؛ لأنه في الحقيقة لا يبحث في الذات الإلهية وإنما يبحث في أحكام، حتى الصفات لا نبحث في حقيقة الصفات ولكن في أحكام تتعلق بالصفات، أما حقيقة الذات، فالمتكلمون أنفسهم قالوا: لا نستطيع أن نعرف حقيقة الذات كما نصّ عليه الإمام الدردير، قال: (لا معرفة حقيقة الذات العلية لعدم إمكان ذلك).
إذن استحالة معرفة حقيقة الذات أمر يثبته علماءُ الكلام، لا أنهم يقولون يجب علينا أن نعرف حقيقة الذات.
(أي يعرفُ) هو، وإنْ كان مرفوعاً لتجرده من ناصب وجازم إلا أن المعنى على تقدير (أنْ) المصدرية، نحو: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه: يقصد: (أنْ يعرف . . ) فهي بتقدير (أنْ)، كقول العرب: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أي: أنْ تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أي: سماعك بالمعيدي خير من رؤيتك له. (مصدر مؤول).
أي معرفةُ الله تعالى هي معرفتُك الواجب: المعرفة المأمور بها هنا هي معرفتك الواجبَ والمحالَ مع الجائز في حقه تعالى، هذه هي حقيقة المعرفة المأمور بها.
أي الثابت الذي لا يقبل الانتفاء في حقه تعالى (والمحالا) كذلك أي المستحيل والألف للإطلاق: الإشارة إلى أن المحال هو المنفي الذي لا يقبل الثبوت.
(مع) معرفة (جائزٍ في حقه) أي في الأمر الحق الذي ينسب إليه (تعالى) فافهم.
وقد حذفه من الأَوْلَيْن لدلالة الثالث عليه كما أشرنا له: الذي حذفه هو قوله (في حقه تعالى) أي إن المعرفة الواجبة هي معرفة الواجب في حقه تعالى والمستحيل في حقه تعالى والجائز في حقه تعالى.


ومِثْلُ ذا في حقِّ رُسْلِ اللهِ = عليهمِ تحيةُ الإلهِ

(و) واجب شرعاً على المكلّف (مثل ذا)، أي معرفة مثل هذا المذكور من الواجب والمستحيل والجائز، أي في مطلق ما ذكر بقطع النظر عن الحقائق والأدلة. (في حقّ رسل الله) بسكون السين للوزن، (عليهمِ) بكسر الميم. (تحية الإله) تعالى.
ثم شرع في تعريف الواجب والمستحيل والجائز التي يجب معرفتها في حق من ذكر، ومنه يُعرف تعريف الوجوب والاستحالة والجواز: الهاء في قوله: (منه) تعود على الواجب والمستحيل والجائز.


فالواجبُ العقليُّ ما لم يقبلِ = الانتفا في ذاته فابتهلِ


وقد قدّمه أيضاً فقال: (فالواجب)، أي الثابت. (العقلي) من ذاتٍ أو صفةٍ أو نسبة: والنسبة حكم، مثلاً: ثبوت العلم لله هذا حكم، أما العلم فهو صفة.
(ما) أي الأمر الثابت الذي (لم يقبل الانتفا) بالقصر للضرورة، أي لا يقبل الزوال (في ذاته)، أي بالنظر لذاته لا لشيء آخر، فخرج ما تعلق علم الله بوجوده، (فابتهلِ) بكسر اللام، أي تضرع واطلب من الله معرفة ما ينفعك: إذا أراد الإنسان أن يعرف ما حقيقة الواجب والمستحيل والجائز فعليه أن يفكر في الواجب وحده، أي عليه أن يلاحظ الأمر الذي يُدعى فيه أنه واجب وحده من دون ملاحظة أيّ أمر آخر، فإذا كانت النسبة بين التعقل وبين هذا الأمر المستحضر في العقل هي نسبة الثبوت واللزوم والوجوب فهذا الأمر واجب، بمعنى أنه لا يجوز أن يحكم الإنسان على أمر بأنه واجب في حال ملاحظته لأمر آخر.
لو أن شخصاً قائماً مستنداً إلى الحائط في قيامه وليس متمكناً من القيام بنفسه، فإذا نسبت القيام إليه في حال ملاحظتك الاستناد إلى الحائط فهذا الحكم يكون باطلاً، لأن هذا القيام في الحقيقة منسوب إلى الحائط؛ لأن الحائط هو الذي يقيمه، ولكن يجب أن يلاحظ الأمر وحده، فإذا استحضرت ذلك الشخص وحده ورأيته قائماً تحكم عليه بالقيام، وإذا كان عند ملاحظتك إياه وحده لم تستطع أن تلاحظه إلا هابطاً فلا تستطيع أن تقول إنه قائم بنفسه ولكنه قائم بالعصا أو بالحائط.
إذن الحكم على الشيء بالوجوب لا يجوز حالَ استحضار هذا الشيء في حال ارتباطه بشيء آخر، بل يجب أن نقطع أيَّ ارتباط وأي نسبة بين هذا الأمر الذي هو محل الحكم العقلي وبين غيره، ثم نحكم عليه.
إذا أراد الإنسان أن يحكم على العالَم هل هو واجب أم جائز أم مستحيل؟ قطعاً ليس بمستحيل لأنه موجود. فمحل الخلاف هل هو واجب أم جائز؟ إذا كان لا يمكن للعقل أن يفترض فيه العدمَ فهو واجب، وإذا أمكن للعقل أن يثبت عليه العدم فهو جائز. بمعنى أن العقل لو أثبت أن هذا العالم بملاحظته وحده يمكن أن يقوم بنفسه فهو واجب، وإذا أمكن للعقل حال ملاحظته للعالم دون ارتباطه بالخالق واستناده إلى القدرة الإلهية لو استطاع العقل أن يحكم على العالم وحده أنه موجود فهو واجب.
ولكن إذا لاحظ العقلُ صفاتِ العالم، فقال: يستحيل أن يكون العالم بما له من الصفات والتغير والانفكاك والمحدودية . . إذا قال العقل: كل شيء يتصف بهذه الصفات فيستحيل أن يقوم بنفسه، والعالم يتصف بهذه الصفات فيستحيل أن يقوم بنفسه، إذن العالم ليس قائماً بنفسه، إذن هو ممكن أي جائز.
لكي يستطيع العقل أن يحكم على شيء بأنه واجب أو جائز أو مستحيل يجب في البداية أن يستحضر ماهية هذا الشيء في العقل، وتُنزع وتُنفى عنه جميعُ الشوائب والعلائق الغريبة التي تعلق بهذا العالم حال وجوده مع غيره. فإذا نفى الإنسان كل الشوائب والعلائق الغريبة، فيجب على العقل أن يلاحظ هذا الشيء ويحكم عليه لذاته هل هو واجب الوجود أم ممكن . .
لو فرضنا شيئاً موجِباً وسالباً في نفس الوقت . . ولاحظ العقلُ ماهيةَ هذا الشيء المفترَض، حكم العقل على هذه الماهية المفترضة بأنها مستحيلة لأنه لا يمكن للشيء أن يكون موجباً وسالباً في نفس الوقت.
إذن يشترط للحكم على الشيء بأنه واجب أو جائز أو مستحيل أن يكون الحكم متعلقاً بالشيء نفسه مع نفي كل العلائق والنسب الغريبة التي هي خارجة عن ماهيته.
قال: (فخرج ما تعلق علمُ الله بوجوده): إذا استحضر الإنسان مثلاً ذاتَ سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حيث ما هي معلومة الوجود لله، فتكون واجبة، لأننا أخذنا الشيء مع النسبة؛ لأن كونها معلومة الوجود لله ليس جزءاً من ماهيتها.
إذن إذا استحضرنا الذات مع النسبة وهي علم الله، فيصبح الحكم على تلك الذات أنها واجبة، وعلى هذا فكل شيء في العالم مع استحضار هذه النسبة يكون واجباً. ولكن ليس هذا هو مناط الحكم على الشيء بأنه واجب أو جائز أو مستحيل؛ لذلك قال: (فخرج ما تعلق علم الله بوجوده)، وكذلك خرج ما تعلق علم الله بعدم وجوده؛ لأن ما تعلق علم الله بعدم وجوده من الجائزات يكون مستحيل الوجود، ولكنه مستحيل الوجود لا لذاته ولكن لعلم الله بعدم وجوده.
إذن الواجب ما لا يقبل الانتفاء في نفسه.
والجائز ما يقبل الثبوت والانتفاء في نفسه.
والمستحيل ما لا يقبل الثبوت في نفسه.
ثم وصف هذا التعريف فقال: وهذا التعريف أخصرُ وأوضح وأحسن من قولنا: ما لا يُتصور في العقلِ عدمُه، وإنْ اشتُهِر: (أحسن) لأنه يورد الملاحظة التي قلناها وهي أن هذا الشيء في ذاته واجب أو جائز أو مستحيل، أما التعريف الآخر فلم يورد هذا المناط.
وهو قسمان: ضروري: وهو ما لا يتوقف على نظر واستدلال كالتحيز للجرم أي أخذه قدر ذاته من الفراغ: حكمُ العقل بأن الجرمَ يأخذ من الفراغ قدر ذاته واجبٌ ضروري، أي يستحيل أن يغفل الذهن عن هذا الحكم وهو نسبة التحيز إلى الجِرم.
ونظري وهو ما توقف على ما ذكر: أي ما توقف على نظر واستدلال. كالقدم لله تعالى: نسبة القدم إلى الله تعالى أي عدم الأولية. نفي الأولية عن الله نظرية، لأن أصل إثبات وجود الله نظري ليس بدهياً، وذلك لأن الإنسان يجب عليه أن يعرف الله تعالى، ولو لم يكن ذلك واجباً لما كانت نظرية لأنها تكون حاصلة فيه. إذن كل ما يثبت لله أمورٌ نظرية سواء أكان النظر عميقاً أم سهلاً بسيطاً.
فكلٌّ منهما لا يقبل الانتفاءَ لذاته: أي أن ما لا يقبل الانتفاء لذاته صادق على القسم الضروري والقسم النظري.


والمستحيلُ كلُّ ما لم يقبلِ = في ذاته الثبوتَ ضدّ الأولِ

(والمستحيل) السين والتاء زائدتان للتأكيد. (كلّ ما) أيُّ أمرٍ من ذات أو صفة أو نسبة منتفٍ (لم يقبلِ) بكسر اللام (في ذاته) أي بالنظر لذاته (الثبوتَ) فهو (ضدّ الأول) أي الواجب لما علمت أن الواجب هو الثابت الذي لا يقبل الانتفاء ، والمستحيل هو المنتفي الذي لا يقبل الثبوتَ. وخرج ما تعلق علمُ الله تعالى بعدم وجوده. وهذا التعريف أخصر وأوضح وأصحّ من قولنا: ما لا يُتصوّر في العقل وجوده. وهو قسمان أيضاً: ضروري كخلو الجرم عن الحركة والسكون معاً: انتفاؤهما معاً مستحيل، يستحيل للعقل أن يتصور جسماً لا متحركاً ولا ساكناً.
تعريف الجرم أنه أعم من مفهوم الجسم، فهو يطلق على الجسم وعلى الجوهر الفرد، والجوهر الفرد ليس جسماً، وكل ما تألف من جوهرين فصاعداً جسم، ولكن تجوّزاً نقول: الجِرم هو الجسم لأنه هو الملاحظ وهو المشهور.
ونظري كالشريك لله تعالى.


وكلُّ أمر قابلٍ للانتفا = وللثبوتِ جائزٌ بلا خفا

(وكلُّ أمر قابلٍ) في حدّ ذاته أخذاً مما تقدم. (للانتفا وللثبوت) فهو (جائز بلا خفا). وهو أيضاً قسمان: ضروري كخصوص الحركة والسكون للجرم، ونظري كإثابة العاصي وتعذيب المطيع:
إثابة العاصي وتعذيب المطيع أمران جائزان ولكن ليسا بدهيين، فهما يحتاجان إلى نظر. الإثابة والتعذيب من أفعال الله لا من صفاته، ولا يمكن أن يكون فعل من أفعال الله واجباً، إذن الإثابة التي هي فعل والتعذيب الذي هو فعل هل يمكن أن يكونا واجبين؟
لا، لأنهما فعلان من أفعال الله تعالى، وكل فعل من أفعال الله فهو جائز، لأن الجائز في حق الله هو كل فعل من أفعاله، أي أن تتعلق أفعاله بالممكنات، ولو قلنا إن أفعال الله واجبة لصار الله ـ تعالى ـ مجبوراً، فإذا قلنا إن الإثابة والتعذيب ليست صفات ولا ذوات، بل هي أفعال لله، وكل أفعال الله جائزة، فإثابة أيّ إنسان وتعذيب أيّ إنسان جائز على الله. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه ليس هناك ما يوجِب على الله أن يعاقب العاصي، فليس هناك علاقة عليّة ومعلوليّة؛ لأننا لو قلنا بهذا لأصبح الله ـ تعالى ـ مجبوراً، وهذا مستحيل.
قد يستغرب الإنسان من إثابة العاصي وتعذيب المطيع، ونقول له: الإنسان إذا فعل المعصية فليست معصيته هي علة للعقاب، كذلك المطيع إذا صلى أو صام أو زكى، فليست هذه الأفعال هي العلة التي تخلق أو تؤثر في الله فتجعله يثيبه، أو أنها بنفسها تخلق الثواب . . ليس الأمر كذلك، بل هي عبارة عن وسائط وشروط عادية، جعلها الله سبحانه وتعالى شروطاً عادية لإرادته التعذيبَ أو الإثابة.
هذا التحليل العقلي قرّب فهم هذه العبارة لنا، فتصبح مقبولة؛ لذلك قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " لن يدخل الجنةَ أحدٌ بعمله"، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته".
إذن ليس العمل هو الموجِب للدخول؛ لذلك الأدعية التي يدعو بها الإنسان أن يدخله الله الجنة ويجنبه النار بفضله لا بعمله أو بوجوب على الله.
ولا يكون الشيء فضلاً إلا إذا كان بإرادة، وما كان واجباً فليس فضلاً. فالفضل هو ما كان زائداً على الواجب، وكل ما هو في ظل الواجب لا يسمى فضلاً.
ليس هناك واجب على الله تعالى مطلقاً إلا ما أوجبه الله على نفسه وهذا ليس من ضمن الواجب العقلي، بل هو من باب أن الله لا يُخلف وعده، لأن الله وعد الذين آمنوا أن يدخلهم الجنة، ووعد الكفار بالعذاب، من هنا صار الالتزام لأن الله ألزم نفسه، ومثل هذا قوله تعالى: "كتب ربكم على نفسه الرحمة".

احمد سعيد احمد
29-09-2003, 11:31
ومنه الشبع عند الأكل والإحراق عند مماسة النار من كلّ حكم عادي، فإنه جائز عقلي.
والحاصل كما قرره شيخنا أن مثل الإحراق عند مماسة النار إن نظرتَ إليه من حيث ذاته يقطع النظر عن التكرر فهو حكم عقلي؛ لأنه من الجائز النظري لأن العقل إذا تأمل في وحدانية الله تعالى وأنه الفاعل المختار المتفرد بالإيجاد والإعدام علم أن الأفعال كلها لله تعالى وحده ولا تأثير لما سواه. خلافاً لمن غلط وجعلها من الأحكام الواجبة العقلية التي لا يمكن انفكاكها فأسند التأثير لنحو النار إما بالطبع أو بقوة أودعت فيها:
قال: (لنحو النار) حتى يشمل النار وما يماثلها التي وقع فيها الخلاف . . كل ما هو من جنس الخلاف في النار (كالقطع بالسكين والشبع عند الأكل).
كل الأحكام العادية كالإحراق عند مماسة النار والشبع وغير ذلك، كلها هذه في الحقيقة ليست هي المؤثرَ الحقيقي، فليست النار هي التي توجِد الإحراق، وليس الأكل هو الذي يوجِد الشبع، ولكن عند الأكل يوجَد الشبع، ويمكن أن يوجد الأكل ولا يوجد الشبع، ويمكن أن توجد النار ولا تحرق، فيكون هناك تخلّف بين الإحراق والنار.
فالإنسان يحكم عليها أنها عقلية أي هناك تلازم عقلي، لشدة ملاحظته التلازم بين هذه الأمور، يعتقد أن هذه التلازمات عقلية والحقيقة أنها تلازمات عادية، لأن الدليل العقلي والبرهان القطعي أثبتا أن الله سبحانه هو الفاعل المختار وحده وهو الخالق لكل شيء. فالشبع والإحراق مخلوقات لله، فليس الإحراق مخلوق للنار، وهكذا. ولو قلنا إن الشبع مخلوق للأكل والإحراق مخلوق للنار، لكثُر الخالِقون، لذلك فالأشاعرة يصفون المعتزلة بأنهم كثَّروا الخالقين.
كثير من الناس يستغربون قول الأشاعرة من إمكانية انفكاك هذه الأمور، والحقيقة أنه ممكن لأن الإنسان يجب أن يعتمد على تقريرات الأدلة البرهانية وليس على اعتيادات الحواس.
في الآخرة لو نقص الطعام لا يجوع الإنسان بخلاف الدنيا، إذن هذه التلازمات تلازمات عادية، الله تعالى وضعها وقدرها، ويمكن أن لا تكون هذه التلازمات كما هو في اليوم الآخر.
ومن الأمثلة القوية أن سيدنا إبراهيم لم ينحرق عندما أُلقي في النار فلو كانت النار هي الخالقة للإحراق لاحترق قطعاً.
هذه من المسائل المهمة جداً في علم التوحيد.
وإنْ نظرتَ إليه من حيث تكرره على الحسّ سُمّيَ حكماً عادياً. وقد علمتَ أن الحركة والسكون للجرم يصح أن يمثَّل بهما لأقسام الحكم العقلي الثلاثة:
كلام الإمام الدردير دقيق ولطيف وسهل ومختصر ولا يحتمل إلا المعنى الذي يريده، لذلك فتلامذته يستدلون بعدم ذكره الشيء على عدم إرادته له.
فالواجب ثبوت أحدهما لا بعينه للجرم. والمستحيل نفيهما معاً عنه. والجائز ثبوت أحدهما له بالخصوص.
فإنْ قلتَ: التعريف للماهية و(كل) للأفراد، فكيف يصح أخذك لفظ (كل) في تعريف المستحيل والجائز؟يعني أن كلمة (كل) تستخدم للأفراد، والمفروض أننا حين نريد أن نعرّف شيئاً فإننا نعرّف الماهية ولا نعرّف الأفراد، فكيف استعملتَ في تعريفك للمستحيل والواجب والجائز كلمة (كل)، وكلمة (كل) تطلق للأفراد، والمفروض أنك إذا أردت أن تعرّف فتعرّف الماهية، والماهية لا يُطلق عليها (كل)ولا (بعض)، والإمام الدردير قال هنا: (كل ما لم يقبل في ذاته الثبوت . . إلخ)؟
هذا محل إشكال . . وهذا يدل على أن الإمام لا يستعمل لفظاً إلا وهو يريده أو له مقصد فيه، فلاحظَ أن هذا قد يشكِّلُ إشكالاً عند القارئ، فأورد على نفسه هذا السؤال، وأجاب بأن هذا للضرورة؛ لأن المقامَ مقامُ شعر ورجز ولو أردنا أن نعبّر عن المعاني تعبيراً دقيقاً في الألفاظ فلن نستطيع أن ننظم أرجوزة.
هذا الجواب الأول، حيث قال: قلتُ: لفظ (كل) هنا زائدة ارتكبها للضرورة. وأجاب بجواب آخر: أو أن ما ذُكر ضابط لا تعريف، أي: الإشكال مبني على أن ما ذكره تعريف، وبناء على أنه تعريف لا يجوز أن يستخدم (كل)؛ لأن التعريف للماهية، و(كل) للفرد، والماهية والفرد لا ينسجمان.
فقال إن ما ذكره (كل ما لم يقبل في ذاته الثبوت . . .) ضوابط لا تعاريف، أي تضبط الأشياء وتميّزها ولا تعرّفها، إلا أنه يشير للتعريف: صحيح هو ضابط ومميِّز إلا أنه يشير للتعريف. فتسميته تعريفاً مجاز.
كمن يكون في مجموعة أشخاص، فيقول: من زيد؟ يقال له: ليس هذا ولا هذا ولا ذاك، فيبقى فلان، هو لم يشر إليه ولكنه ضبطه.
وإنما عبرتُ بالثبوت والانتفاء دون الوجود والعدم لتشمل التعاريفُ الأحوالَ على القول بها ككونه تعالى عالماً، فإنها لا تتصف بالوجود ولا بالعدم وهذا من جملة الأحسنية التي أشرنا لها فتدبر:
قال فيما سبق: إن تعريفه للواجب أخصر وأوضح وأحسن، وهنا وضّح الأحسنية التي أشار إليها سابقاً، وذلك لأنه استخدم في التعريفات لفظَ الثبوت والانتفاء ولم يستخدم لفظ الوجود والعدم، لماذا؟ لأن بعض العلماء قالوا كل ما يمكن أن يُعلم فهو إما ثابت أو منفي فقسموا الأشياء إلى ثابت ومنفي. والثابت إما موجود أو معدوم.
فأصبح الثابت ليس هو نفسَ الموجود؛ لأنه إما موجود أو معدوم، ومع ذلك فهو ثابت، فصار الثبوت حالاً بين الوجود والعدم.
فلم يصبح ـ عند هؤلاء العلماء ـ الموجودُ مرادفَ الثابت، بل صار الثبوتُ حالاً بين الوجود والعدم.
ولكن أكثر العلماء قالوا إن الشيء إما موجود أو معدوم، ولا يوجد هناك شيء اسمه الثبوت، فلا يوجد هناك حال بين الوجود والعدم.
فاستخدم الشيخ الدردير كلمة الثبوت لتصح على كلا المذهبين، لذلك استخدم كلمة أعم من الاختلافات. كونه تعالى عالماً ليس وصفاً بالوجود ولا بالعدم.
أرادوا بالثوابت أموراً ليست في نفسها موجودة ولا معدومة، قالوا: هناك صفة تسمى صفة العلم، وهناك (العالِم) وهو من قام به العلم.
عند الذين قالوا: ليس هناك حال يقولون: قيام الصفة بالذات ينتج عنها أن الذات عالمة، لا يوجد هناك شيء آخر غير الصفة والذات، فليس هناك شيء ثالث.
أما الذين يقولون بالأحوال فيجعلون هناك أمراً ثالثاً بين الوجود والعدم، فبناء على قولهم فإنّ الصفة إذا قامت في الذات تكون الذات عالمة، وكونها عالمة أمراً ثالثاً ليس الذات وليس الصفة، بل هو حال للذات عندما تقوم الصفة بالذات.
أما أصحاب القول الأول، فيقولون: لا يوجد هناك حال ثالثة فالحال عند أصحاب القول الثاني أمر في ذاته ليس موجوداً ولا معدوماً ولكنه ثابت لموجود أو لمعدوم.
جماهير العلماء نفوا هذا الأمر، ولكن بعضهم أثبته.
واعتباراً من الشيخ الدردير لهذا الخلاف ـ حتى لو كان القائلون به قليلين ـ استخدم عبارة تصح على المذهبين.

احمد سعيد احمد
30-09-2003, 11:43
قوله: (فإن قلت: تقسيم الحكم العقلي إلى الوجوب والاستحالة والجواز لا يصح أن يكون من تقسيم الكل إلى أجزائه؛ إذ لا ينحلّ الحكم العقلي إليها): أي إن المجموع المركب من هذه الأحكام الثلاثة لا يُسمى بملاحظة كونه مجموعاً حكماً عقلياً، إذ هذا هو ضابط الكل، كالبيت يتألف من الجدران والسقف والأبواب..الخ، فمجموع هذه الأجزاء مع الهيئة التركيبية يسمى بيتاً ومنزلاً، وليس مجموع الأحكام العقلية الثلاثة هكذا يسمى حكماً عقلياً، بل كل واحد منها يسمى حكماً عقلياً على حدا، إذ هذا هو الفرض.
وقوله: ( لأنه لا يصح حمله على كلٍّ منها بحكم عقلي لما مرّ من تفسير الحكم بإثبات أمر لأمر أو نفيه عنه )، لأن ضابط تقسيم الكلي إلى أجزائه هو صحة حمل الكلي على كل قسم منها. والمعترض يزعم عدم صحة حمل الكلي الذي هو (ثبوت أمر لأمر أو نفيه عنه) على كل واحد منها، والعلة في ذلك أن بعض الأحكام هي مجرد ثبوت كالوجوب، وبعضها هي محض نفي أمر عن أمر، كالاستحالة، وبعضها يجوز عليه الأمران كالجواز. هذا هو حاصل بيان الاعتراض.
ولكن هذا الاعتراض ليس قوياً، فإنه جارٍٍ على مجرد ملاحظة اللفظ أقصد قولنا (ثبوت أمر لأمر أو نفيه عنه)، ولكن يعلم الحاذق أن المراد من هذا التعبير إنما هو المعنى المدلول عليه به، فأنت عندما تقول ثبوت أو انتفاء تريد بهذا أنه مهما اعتبرت حكمنا بالاستحالة على أمر، فأنت تنفي عنه جواز الوجود أو تثبت له وجوب العدم، ولكن مع أن هاتين عبارتان اثنتان، إلا أن معناهما واحد لا تعدد فيه ذهناً ولا خارجاً، ومهما قلت إن الأمر الفلاني واجب، فأنت تريد بهذا أن الوجود ثابت له، وأن العدم منفي عنه، ومع أن هاتين عبارتان إلا أن معناهما واحد، وهكذا يقال في الجواز. فلو أجرينا محض العبارة من جهتي الوجود والعدم، أو الثبوت والانتفاء، لصح حمل التعريف على كل واحد من الأحكام العقلية بلا توقف، ويكون حمل كل قسم منها من جهة، كما بينا. وهذا يستلزم صحة الحمل لا عدم صحتها. ولو لاحظنا المعنى الواحد في كل تعريف، فإنه لا إشكال مطلقاً في صحة الحمل. والمعترض ظن بملاحظة نفس تعدد العبارات حاملاً إياها على جهة واحدة امتناع حمل الكلي على الأحكام وهو غير صحيح.
وأما قول المعترض: (والحاصل أنّا لا نسلم أنها أقسام للحكم؛ لأن الحكم إما إدراك وقوع للنسبة أو لا وقوعها، فيكون كيفية وصفة للنفس كما هو التحقيق. وإما إيقاع أو انتزاع فيكون فعلاً من أفعال النفس. وأيّاً ما كان فهو بسيط فلا يكون مركباً حتى يكون من الأول، وليست هذه جزئياته حتى يكون من الثاني)
فهو ضعيف أيضاً، لأن تلك الكيفية المشار إليها تسمى حكماً باعتبارٍٍ ما، ومتعلقها يسمى حكماً باعتبار ما، والتعريف إنما هو لمتعلق هذه الكيفية، وبساطتها لا تقدح في هذا.
وأما قول الإمام الدردير (قلت: إن في عبارتهم هذه مسامحة، والمراد أن كل ما حكم به العقل من إثبات أو نفي لا يخرج عن اتصافه بواحد من هذه الثلاثة. فلما كان لا يخرج عن اتصافه بها جعلوها أقساماً له تجوّزاً).
فهو حل عملي للإشكال ولا يتعارض مع ما ذكرناه تحقيقاً، ولا نسلِّم المسامحة إلا من جهة وضع أو إرادة أن أياً من طرفيها كافٍ في تمام مفهوم الحكم كما أشرنا.
ولا نسلم أن اعتبارها أقساماً تجوز، مطلقاً، بل على جواب الشيخ الدردير فقط، وله وجه ، وإن كان خلاف ما رأيناه، بل هو على الحقيقة كما يظهر لنا، والكلي فيه هو مطلق الإثبات أو النفي، لأن الإثبات يتصور فيه أن لا يكون محتمِلاً للنقيض، أو يكون، فصح أن يكون مطلق الإثبات أو الثبوت كلياً، واحتمال النقيض أو عدمه عارِضات عليه، مشخِّصات لأفراده من هذا الباب. . والله أعلم

احمد سعيد احمد
03-10-2003, 18:01
هذه نسخة وورد للدروس الأربعة الأولى من شرح منظومة الخريدة البهية للشيخ الفاضل سعيد فودة حفظه الله تعالى.

saadmohammed
03-10-2003, 22:51
بارك الله فيكم أخي أحمد على هذا الجهد المبارك ونأمل في الأيام القادمة أن تتوفر أشرطة الشيخ على الملتقى أو أي موقع آخر وآمل أن يقوم تلاميذ الشيخ بعلمه فكم من عالم اندثر علمه بسبب أن أصحابه لم يقوموا به وكم من مرة تأسفت عندما أسمع أن بعض تسجيلات الشيخ ليست واضحة فلماذا ياترى يحدث ذلك؟؟

احمد سعيد احمد
04-10-2003, 09:32
وبارك الله تعالى فيكم أيها الأخ الفاضل. وفي الشيخ ونفعنا بعلمه. وسأوافيكم ببقية الدروس قريباً إن شاء الله.

احمد سعيد احمد
06-10-2003, 10:26
ولما فرغ من بيان أقسام الحكم العقلي ووجوب معرفة الله تعالى على كلّ مكلف أخذ في بيان الطريق الموصل إلى معرفته تعالى وهي حدوث العالم، فقال:

ثم اعْلَمَنْ بأن هذا العالَما=أي ما سوى اللهِ العليِّ العالِما

طريقة معرفة الله سبحانه هي النظر في العالم، فطريقة المتكلمين لمعرفة الله هي النظر في العالم، لذلك بعد أن تكلم الشيخ عن العقل أراد أن يشرَع في المطلوب وهو معرفة الله تعالى، فقال: (ثم اعلمن بأن . . .).
لم يُرد المتكلمون من هذا أن يقولوا إن العالم هو عين حقيقة الله سبحانه وتعالى، بل قالوا: العالم يدلّك على الله، فأنت تنتقل من صفات العالَم المحتاجة الناقصة المحدودة إلى العلم بأن هذا العالم محتاج إلى خالق وأنه لا بد له من خالق، وأن خالقَه ليس ناقصاً ولا محتاجاً ولا محدوداً.
فالعالَم وسيلة للإدراك، كل محتاج لا بد له من موجِد، لأن المحتاج جائز، والجائز لا يوجَد وحده، بل لا بدّ له من موجِد، وهذا الموجِد إما أن يكون جائزاً مثل العالم وإما أن يكون واجباً، إذا كان جائزاً فلا بد له من موجِد، وهكذا فيلزم الدور أو التسلسل.
إذن ينتقل العقل من ملاحظته النقص في العالم إلى إدراك وجود الله وهو غير العالَم وغير متصف بصفات العالم.
طريقة المتكلمين هذه ليست هي نفس طريقة الفلاسفة التي ترى أن ذاتَ الله علةٌ للعالم، كما أن الشمس علة لصدور الشعاع وهي من نفس الصنف ولكن هناك تلازم.
بناء على مذهب الفلاسفة لا يمكن أن يصدقوا بوجود العالم إلا إذا وُجد سبحانه وتعالى، كذلك لا يمكن أن يصدقوا بوجود الله إلا مع وجود العالَم، فيصبح وجود العالم واجب بنفس ذات الله لا بإرادته.
بناء على كلام المتكلمين الذين يقولون إن الله خلق العالم بإرادته، صحيح أنهم يقولون يستحيل أن نثبت العالم مع نفينا لله، إذن مع إثباتهم للعالم يجب أن يثبتوا الله، لكن مع ذلك يقولون: يمكن أن نثبت وجود الله مع عدم الحاجة إلى إثبات وجود العالم، أي يمكن للعقل أن يصدق بوجود الله من دون وجود العالم. وهذا هو الذي دلّت عليه النصوص الشرعية بأن الله هو الباقي ولو شاء لأعدم العالم كله، فلو أراد الله لأهلك المسيح وأمه ومن في الأرض، لذلك قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "كان الله ولم يكن شيء معه"، هذا الحديث لا يصح ولا يصدق إلا على مذهب المتكلمين بينما على مذهب الفلاسفة: لم يكن الله إلا وكان العالم معه، وابن تيمية يقول بقول الفلاسفة، لأنه يقول معنى كون الله خالقاً هو أنه أوجد العالم، والله تعالى منذ الأزل خالق، إذن فالعالم منذ الأزل مخلوق.
لكن المتكلمون ومنهم الإمام الطحاوي قال: ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق. إذن هو خالق قبل أن يخلق الخلق، فهناك قبلية لله سبحانه وتعالى على خلقه. وهذا خلاف ما يقوله ابن تيمية.
ابن تيمية ألف كتاباً خاصاً لتأويل الحديث الشريف: "كان الله ولم يكن شيء معه"؛ لأن المعنى الصحيح لهذا الحديث يُبطل مذهبه.
قول الشيخ الدردير: (. . بيان الطريق الموصل إلى معرفته تعالى وهي حدوث العالم): بالطريقة التي شرحناها لا بالطريقة التي يقول بها ابن عربي، فهو يقول: إذا عرفتَ العالم عرفتَ الله؛ لأن الله هو عين العالم.
نحن نقول: لا يمكن أن نعرف حقيقة الله لأنها لا يمكن أن تُحَدّ، لأنها لا تُحَدّ أصلاً، فليس لها جنس ولا فصل، فالله له حقيقة خاصة به متفرد بها، لذلك نحن لا نستطيع أن نعلمها، لأننا لا نعلم إلا ما كان من قبيل الأشياء الأخرى، والله سبحانه لا تَشَارُكَ بيننا وبينه في شيء من الأشياء؛ لذلك لا يمكن أن نعرف حقيقته، هذا كلام المتكلمين.
لكن ابن عربي يقول: الله لا يُحَدّ؛ لأن الحدود هي المظاهر، ومظاهر الله هي حدوده، والمظاهر هي المخلوقات كلها، والإنسان لا يمكن أن يعرف حدّ الله إلا إذا أحاط بجميع مظاهر الكون (هذا بناء على وحدة الوجود).
فعلّة استحالة تحديد الله عند ابن عربي ليست هي نفس علة عدم تحديد الله عند المتكلمين. وهذه القضية عند المتكلمين تسمى: منفية بسلب الموضوع، أي ننفي هذه القضية لأن موضوعها أصلاً منفي، لأن الحد على الله منفي، ليس لأن المحمول غير مقدور على تحصيله كما يقول ابن عربي.
(ثم) بعد أن عرفتَ أنه يجب على كلّ مكلَّف شرعاً أن يعرف ما يجب في حقّه تعالى وما يستحيل وما يجوز (اعلمن) بنون التوكيد الخفيفة. وضمّن العلمَ معنى التصديق فعدّاه بالياء في قوله: (بأن هذا العالما) بجميع أجزائه، سمي بذلك لأنه علامة أي دليل على وجود صانعه، وفي التعبير باسم الإشارة إشارة إلى أن حقائق الأشياء ثابتة وأن العلم بها متحقق: (ثابتة) أي لسنا نحن الذين نثبت حقائق العالم، بل حقائق العالم ثابتة في نفسها. اسم الإشارة وضع في اللغة العربية للثابت أي للأمر الموجود في الخارج. إذن العالم أمر ثابت في نفسه وأنت تنظر في هذا الأمر الثابت.
قوله: (العلم بها متحقق): لأنه قال: الطريق إلى معرفة وجود الله النظرُ في العالم، إذن أنت تنظر في العالم أي تفكر فيه، أي يمكن أن تعلم حقيقة العالم وصفاته، إذن العلم بها متحقق أي يمكن أن يتحقق لا أنه متحقق بالفعل؛ لأن النظر هو الذي يحقق العلم.
وهو كذلك عند جميع الملل: (كذلك) أي حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق.
إلا السوفسطائية فقد خالفوا في ذلك وهم فرق ثلاثة: عنادية يقولون لا ثبوت لحقيقة من الحقائق وإنما هي أوهام وخيالات كالذي يُرى في المنام: هؤلاء يقولون إن العالم كله أوهام وخيالات وهذا نوع من العناد.
السوفسطائبة عبارة عن أمراض نفسانية لا أنظار عقلية. وهذه الأمراض تحدث في بعض الناس، فيظنون أنها فلسفات.
وعندية يقولون: الشخص عند اعتقاده، حتى لو اعتقد أن النار جنة أو بالعكس لكان كذلك:
وهذا القسم تمثله التيارات العلمانية الحديثة التي تقول: كل إنسان يعتقد بما يريد، وهو عند اعتقاده، فهم يقولون: ليس هناك حقيقة لهذه الاعتقادات كلها، فكلٌّ يعتقد بما يريد، لذلك فالعلمانية تحوي جميعَ العقائد لا أنها تقول إنها حق في نفس الأمر، بل هي تقول: إن هذه العقائد ليست حقاً في نفس الأمر وهي عبارة عن خيالات في نفس من يقول بها، لكن هذا الذي يقول بها يجب أن يقول بها، فله ذلك، ولكن بشرط فصل الدين عن الحياة الاجتماعية والدولة.
فليس لأحد أن يملي الآراء الدينية على غيره، فليس للدين واقع خارجي، بل يبقى في نفس من يعتقد به.
واللاأدرية يقولون في كل شيء: لا أدري، حتى إنه يشك في نفسه وفي شكِّه.
وتوضيح الردِّ عليهم مذكورٌ في المطولات: هؤلاء يقولون: لا أدري عن كل شيء، لا يعاندون ولا يقولون أنا عندي هذا.
وهؤلاء جميعاً سوفسطائيين. هذا كله نتيجة تفرّدات نفسانية لا أنظار عقلية؛ لأن الحق في نفسه لا يتعدد.
السوفسطائيون تتعدد مرجعياتهم فليس لهم مرجعية واحدة، لذلك يكثر اللغط بينهم.
والرد على هؤلاء مذكور في المطولات، لكن الإمام التفتازاني ذكر طريقة مختصرة للرد عليهم، قال: هؤلاء لا يمكن أن تأتي لهم باستدلال لأنهم معاندون وعنديون، والذي يقول: لا أدري لا تستطيع أن تتكلم معه.
فيقول إن طريقة مناقشتهم هي إيلامهم؛ لأن الإنسان إذا سفسط في البدهيات والضروريات والأنظار العقلية فلا يوجد هناك شيء يرجعه إلى عقله إلا أن يشعر بالألم؛ لأن الألم شيء وجداني حسّي لا يمكن أن يغالطه الإنسان.
يقول التفتازاني: طريقة نقاشهم إحراقهم بالنار، فإن اعترفوا فقد أثبتوا للنار بعض الحقائق، ومن هذه الحقيقة نبدأ. وإن لم يعترفوا ماتوا.
فلا بد من إرجاعهم إلى المحسوسات، فطريقة نقاشهم هي صدمهم إما في عواطفهم أي إيلامهم وجدانياً أو إيلامهم حسياً، ومن المحسوسات ينتقل إلى البدهيات ومن البدهيات إلى النظريات وهكذا.
ثم فسّره بقوله: (أي ما) أي الشيء الذي هو (سوى الله العلي العالما) نعت الله على القطع، فهو منصوب على المدح وألِفُه للإطلاق من الجواهر والأعراض: أي الذي هو سوى الله يتكون من الجواهر والأعراض.
والجوهر ما قام بنفسه. والعَرَضُ ما قام بغيره من الجواهر كالألوان: الجوهر لا يحتاج في قيامه إلى محل يقوِّمه، بل هو محلٌ لنفسه، فمحلُّه عينُ ذاته، يعني أن المقيم هو صفة من صفاته الذاتية التي تستوجب أن يكون قائماً بنفسه خلافَ العَرَض الذي يحتاج لكي يقوم إلى محل يقوّمه، أي يحمله، مثل الحركة فهي لا توجد وحدها، بل تحتاج إلى جسم لكي يتحرك، فهي تقوم بالجسم، أي بملابسة الجسم، محل قيام الحركة وحدوثها هو الجسم فليست وحدها، أما الجسم فيوجد ويقوم في الوجود وحده، لا يحتاج الجسم إلى محل يقوم به كما تقوم الحركة في الجسم.
فالجوهر هو الذي لا يحتاج إلى محل وليس الذي لا يحتاج إلى فاعل لكي يقوِّمه؛ لأنه محتاج إلى فاعل ولكنه غير محتاج إلى محل.


من غيرِ شكٍّ حادثٌ مفتقرُ = لأنه قامَ به التغيُّرُ


(من غير شكّ) متعلّق بقوله: (حادث) أي موجود بعد عدم:
مفهوم الحدوث هو الوجود بعد العدم، وليس مفهومه أن يسبق وجودَ الشيء أزمنةٌ كثيرةٌ ولا قليلة، فسَبْقُ الزمان للشيء الموجودِ ليس شرطاً لكون الشيءِ حادثاً، لأن الزمانَ ـ أصلاً ـ ليس موجوداً، لا يوجد هناك شيء في الخارج اسمه زمان. قبل وجود العالم لم يكن هناك شيء اسمه زمان، فقبل وجود العالم كان الله ولم يكن شيء معه، فلم يكن زمان ولم يكن مكان، فحين أوجد اللهُ العالمَ أوجده بلا سَبْقِ زمان عليه، لأنه لم يكن ثمة شيء موجود.
كذلك لم يوجِده في مكان، لأن العالَمَ لو احتاج في وجوده إلى مكان لصار الجسمُ محتاجاً إلى محل يقوّمه، فصار الجوهر عرضاً، وهذا باطل.
فالله سبحانه لم يوجِد مكاناً ثم وضع فيه العالم، بل المحل مشتق من ذاته، أي منتزع انتزاعاً من ذات العالم، ليس شيئاً خارجاً عن ذاته، فالله سبحانه وتعالى أوجد العالم وبإيجاده العالم أوجد المكان الذي هو تابع من توابع العالم أو صفة ذاتية من صفات العالم وليس شيئاً خارجاً عن العالم، لا يمكن انفكاك وجود العالم عن محله، إذا انعدم محل العالم انعدم العالم؛ لأنه من صفاته الذايتة.
كذلك نقول في الزمان الشيء نفسه: لم يكن هناك زمان قبل وجود العالم، فلم يسبق وجودَ العالم أزمنةٌ لا نهاية لها ولا أزمنة لها نهاية، لا أزمنة كثيرة ولا أزمنة قليلة، فلم يسبق وجودَ العالم أيُّ زمان مطلقاً؛ لأن الزمانَ عبارةٌ عن نسبة متغير إلى متغير آخر، وقبل وجود العالم لا يوجد هناك متغيرات فلا يوجد زمان، فلا يوجد هناك شمس تدور ولا ظلّ ولا أرض تتحرك . . فلا يوجد هناك حركة مطلقاً، فلا يوجد تغير ولا يوجد زمان.
لذلك فقد عرّف العلماءُ العالمَ بأنه حادث بعد عدم وليس بعد زمان، ليس شرطاً لحدوث العالم سَبْقُ الزمان له، فهو حادث بعد عدمِ نفسِه، أي أن عدمَ نفسِه سبقت وجودَ نفسِه، كلُّ شيء كان كذلك، أي وُجد بعد أن لم يكن . . فهو حادث.
ليس جزءاً من مفهوم الحادث سبقُ الزمان.
إذا فهم الإنسان هذا الأمر فكثير من تشكيكات الفلاسفة أو الملحدين تنحلّ كما سيأتي.
وهو خبر (أن)، أي إن حدوثَه غيرُ مشكوكٍ فيه لمن تأمل، أو أن المراد أنه يجب له الحدوث كما يجب لمحدِثه القدم، فلا يرد أن حدوثه لا يقول به الفلسفي: بناء على التفسير الذي تقدم للحدوث وهو الحدوث بعد العدم، يجب له الحدوث حتى وإن قال الفلسفي لا يجب له الحدوث، فمجرد مخالفة الفلسفي لا تستلزم عدمَ وجوبِ الحدوث للعالم، لأنه من الممكن أن يقول البعضُ إن الله ليس موجوداً، ولكن هذا لا يستلزم عدمَ وجود الله.
نحن نقول إن الله سبحانه واجب الوجود حتى وإنْ قال بعض الناس ليس موجوداً، فالفلاسفة يقولون إنه مهما تصوّرت وجود الله فيجب أن تصدق بوجود العالم، لأن هناك علاقة عليّة ومعلولية بين الواجب الوجود وبين المخلوقات فلا تنفك العلة عن المعلول، بينما قال أهل السنة إن هناك انفكاك؛ لذلك نقول: كان الله ولم يكن شيء معه، ثم بعد ذلك خلق العالم.
هذا فرق جوهري وأساسي بين المذهبين، بناء على هذه النقطة فإن الإمام الغزالي كفّر الفلاسفة الذين يقولون بهذا؛ لأنها مسألة أصلية تستلزم نفيَ الإرادة وكونَ اللهِ مجانساً للعالم، أي أن العالم من جنس الله والله من جنس العالم، وهو ما يسمونه بقوانين السمخية، أي هناك اشتراك ما بين وجود الله ووجود العالم، وهذا كله قد قال به كثير من الفلاسفة، بينما أهل السنة يقولون: كل ما خطر ببالك فالله سبحانه ليس كمثله شيء، فذات الله مخالِفة لذات الحوادث. فالقول بأن ذات الله مخالفة لذات الحوادث لا يتم على أصوله إلا بنفي كون الله علةً للعالم.
لأنه لو كان علةً للعالم لصار العالمُ مسانخاً له أي مشتركاً مع حقيقة ذات الله في بعض الأصول.
إذا قلنا إن حركة اليد هي علة لحركة الخاتم أو الساعة، ليست اليد علة للساعة وليست اليد علة للحركة، ولكن حركة اليد علّة لحركة الساعة، هناك اشتراك بين العليّة والمعلولية، نحن نقول: شعاع الشمس معلول عن الشمس والشمس علّة للشعاع، هناك اشتراك بين حقيقة الشعاع وحقيقة الشمس.
كذلك أيّ شيئين يقال إن أحدَهما علّةٌ للآخر، فيجب أن يكون هناك اشتراك وتسانخ بينهما في الحقيقة والماهية.
العلية والمعلولية تستلزم الاشتراك في جهة المعلولية.
وجود كل شيء هو عينه عند أهل السنة؛ لذلك لا يقال ـ عندهم ـ إن وجود الله علة لوجود العالم لأنه يلزم من هذا القول تسانخ بين وجود الله ووجود العالم، أي بين حقيقة الله وحقيقة العالم.
وحقيقة الشك التردد في الطرفين على السواء، ومراده به هنا مطلق التردد الشامل للظن وهو الطرف الراجح، والوهم هو المرجوح: النفس إذا تعلقت بقضية من القضايا تتعلق فيها على سبيل العلم وهو القطع أو على سبيل الظن أو على سبيل الشك، أو على سبيل الوهم أو على سبيل التكذيب (هذه مراتب تعلق النفس بالقضايا).
إذا تعلقت النفس بالقول إن زيداً أتى، قد تتعلق النفس بهذا على سبيل القطع، وقد يكون قد غلب على الظن مجيءُ زيد، وفي بعض الأحيان تكون النفسُ مترددةً هل جاء زيد أم لا والأمران بنفس الاحتمال.
وفي بعض الأحيان ترجِّحُ النفسُ أن زيداً لم يجئ ولكن تحتمل أنه جاء هنا يكون وهماً، وفي بعض الأحيان تقطع النفس بأن زيداً لم يجئ.
(مفتقر) إلى موجِد يوجده من العدم، وهو خبر ثانٍ لازم للأول؛ إذ الحادث لا يكون إلا مفتقراً ابتداء ودواماً، وفي الحقيقة هو يشير إلى نتيجة القياس الذي صرّح بصغراه وطوى كبراه:
إذا كان العالم حادثاً فيجب أن يكون مفتقراً؛ لأن كلَّ حادثٍ يجب أن يكون مفتقراً أي محتاجاً إلى من يوجده.
لأننا إذا قلنا إنه حادث بمعنى أنه لم يكن ثم كان، فحال كونه لم يكن فكيف ـ بعد ذلك ـ كان؟ هل بذاته؟
إذا كانت ذاته في الحالتين ذاتاً واحدة فكيف صدر عنها أمران متغايران متناقضان؟ هذا مستحيل. إذن هو بالنسبة لذاته أمر واحد والماهية ممكنة تبقى في حيز الإمكان، ولكن وجودها ليس منها، يجب أن تكون مستمِدة هذا الوجود من غيرها الذي يمدّها بهذا الوجود، وتستمر في الافتقار حتى بعد وجودها؛ لأن ماهيتها ما زالت نفس الماهية الممكنة، فحال وجودها وحال عدمها تكون الماهية واحدة ولكن اختلف الوجود والعدم، حال وجودها لا تصبح بعد وجودها غنية عن الموجِد، بل تبقى بعد الوجود مفتقرة.
لذلك قال ماهية الممكن مفتقرة حال الحدوث وعلى الدوام.
ونظْمُه هكذا: العالم حادث وكلُّ حادث فهو مفتقر إلى محدِث، ينتج: العالُم مفتقرٌ إلى محدِث. أما دليل كون العالم حادثاً (فلأنه قام به) أي بالعالم، يعني باعتبار بعضه وهو الأعراض (التغيّر) من عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم.
(نظمه) أي دليله. والدليل منتظِم من مقدمتين: المقدمة الأولى هي: العالم حادث. المقدمة الثانية: كل حادث مفتقر إلى محدِث. وينتج عن هاتين المقدمتين: العالم مفتقر إلى محدِث.
مجرد تصديق الإنسان بالمقدمتين ينتج عنده في نفسه قضية ثالثة وهي نتيجة وهي أن العالم مفتقر إلى مَن يوجده.
النظر يكون في هاتين المقدمتين لا في كيفية الاستلزام، لأن كيفية الاستلزام قطعي، فمجرد التسليم بهاتين المقدمتين تكون النتيجة قطعية.
إذن محل كلامنا في هاتين المقدمتين:
المقدمة الثانية (كل حادث مفتقر إلى محدِث) لا يوجد فيها شك؛ لأن كل إنسان يجزم بأن كل حادث لا بد له من محدِث ويستحيل أن يحدث الشيءُ وحدَه.
المقدمة الأولى (العالم حادث) تحتمل النظر؛ فقد خالف بعض الناس وقالوا إن العالم قديم.
إذن محل النظر يكون في إثبات أن العالَمَ حادثٌ، لأنه أثناء وجودنا ووجود من تقدمنا كان العالم موجود، من رأى أن العالم كان معدوماً؟ إذن هذه المسألة ليست بدهية وليست حسيّة، إذن هي مسألة نظرية.
فالاقتناع والتصديق بأن العالم حادث أي أنه كان معدوماً ثم وُجد يحتاج إلى نظر، إذن يجب علينا الآن الإتيان بأدلة تثبت أن العالم حادث.
إذا أثبتنا أن العالم حادث، وثبت عندنا بأن كل حادث فلا بد له من محدِث، فمن نظم هاتين المقدمتين بهذا الشكل ينتج عندنا في أنفسنا القضية التي تقول إن العالم يحتاج إلى محدِث، وهذا هو المطلوب.
بمجرد إثبات أن العالم يحتاج إلى محدِث فقد ثبت وجود الله تعالى.
طريقة الاستدلال بهذا الشكل الإجمالي هي أصل معتمَد أهل السنة . . الأصل الذي يعتمد عليه أهل السنة في كلامهم.
ثم بعد إثبات وجود محدِث للعالم يستحيل أن يكون محدِثُ العالم يتصف بنفس صفات العالم وإلا لاحتاج إلى محدِث فيلزم الدور أو التسلسل.
لقطع الدور أو التسلسل اللذين هما مستحيلان في العقل يجب أن نقول إن محدث العالم ليس مثل العالم إذن محدِث العالم قديم.
العالم مفتقر ومحدِثه غني، العالم حادث ومحدِثه قديم، العالم متغير ومحدثه ليس بمتغير... وهكذا. فتنتج جميع صفات الله عندنا.
وهذه الطريقة استنبطها العلماء من القرآن؛ هناك آيات كثيرة تحث على النظر في العالم والآفاق والأنفس وملكوت السموات والأرض.
طريقة الأنبياء أيضاً، فسيدنا إبراهيم حين كان يتأمل السموات والأرض. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي، فلما أفلت قال لا أحب الأفلين، إذن هذه عبارة عن طريقة يبينها لنا الله سبحانه، فالأنبياء أنفسهم يتفكرون في ملكوت السموات والأرض لكي يستنبطوا الدليل على وجود العالم.
نظرُ إبراهيم عليه السلام لم يكن نظرَ عاشق ولا نظر شاعر، بل نظراً في ملكوت السموات والأرض وجهةِ دلالة هذه المخلوقات على الله.
فحين قال: هذا ربي، هو لم يكن يعتقد أن الشمس ربه ولا أن القمر ربه ولكن هذا منه كان تعليماً للناس، وكان تقريراً للأدلة.
فقوم إبراهيم عليه السلام كانوا يعبدون الكواكب، فقال: هذه الكواكب التي تعبدونها كلها تأفل وتتحرك وتتغير، والذي يتغير محتاج لأنه قد طرأت عليه الحوادث، إذن يستحيل أن تكون هذه هي الرب التي تعبدونها، الرب لا بد أن يكون كاملاً لا يطرأ عليه نقص؛ لأن الذي يطرأ عليه نقص فإما أن تكون الحالة الأولى هي الأكمل أو الحالة الثانية هي الأكمل.
فإذا كانت الحالة الثانية هي الأكمل كانت الأولى ناقصة . . . إذن على الحالتين فكل شيء يطرأ عليه التغير فهو ناقص.
والشمس والقمر . . كلها طرأ عليها التغير فهي ناقصة، وليس فيها ما يستحق أن يكون رباً فيُعبد.
بعد ذلك توجه إلى الله، فكل ما تعبدونه ليس هو الله، فيجب أن نتوجه إلى الله الذي هو مخالف لكل هذه الأمور، حتى لو لم نره.
هذه بعض الآيات التي استند عليها المتكلمون في استنباط الأدلة من الكتاب والسنة، واعتمدوا كذلك على أمور كثيرة، ولكن أشهرها هو دليل التغيّر، مطلق التغير الذي هو انتقال من حال إلى حال دليل الاحتياج، وأحد الحالين يكون كمالاً والآخر نقصاً.
الإله ليس متغيراً.
بعد ذلك صاغ المتكلمون هذه الطرق بمثل هذه الاستدلالات المنطقية حتى يسهُل تعلمها وتعليمها، فليس من المتيسر أن يتأمل جميع الناس الشمس والقمر ولكن يمكن التحدث مع الناس بطرق سهلة منطقية.
نظروا في العالم من جهة تغيّره فانتقلوا من كون العالم متغيراً إلى حدوث العالم.
أخذوا المقدمة الأولى التي تقول إن العالم حادث، وحللوها: ممَّ يتكون العالم؟ هل في العالم خصائص وصفات ذاتية تستلزم أن يكون حادثاً؟ هل الحدوث وصف ذاتي للعالم؟ مطلوبهم إثبات الحدوث للعالم فنظروا في العالم لا في الحدوث.
فكما تقدم فإن الممكن والواجب والمستحيل نأخذه لذاته وننظر فيه لذاته ونحلله، والعقل يحكم بعد ذلك بإثبات الوجوب له أو عدمه.
قالوا: العالم مؤلف من جواهر وأعراض، الجوهر ما لا يحتاج إلى محل لكي يقوم به، والعَرَض ما يحتاج إلى محل، ثم قسّموا الأعراض إلى أصناف، ثم نظروا في كل صنف فوجدوا أن كل عرض يجب أن يكون حادثاً، ثم قالوا: الجوهر لا يمكن أن يوجد إلا بوجود العَرَض، ولكن كل الأعراض حادثة فكل الجواهر حادثة، لأن شرط وجود الجواهر وجود الأعراض.
إذن الجواهر والأعراض حادثة، إذن مجموع العالم حادث. وهذا الاستدلال أيضاً يتكون من مقدمتين ونتيجة: العالم يتكون من جواهر وأعراض، والأعراض حادثة (لأن العرض لا يخلو من كونه حركة أو كيفية . .)، والحركة حادثة لأنه كذا وكذا . .
هذه الاستدلالات مفصلة، ولكن هذا الكتاب مبني على الإجمال.
وذلك إما بالمشاهدة كالحركة بعد السكون والضوء بعد الظلمة والسواد بعد البياض والحرارة بعد البرودة إلى غير ذلك والعكس، وإما بالدليل وذلك لأن ما شوهد سكونه مثلاً على الدوام كالجبال، أو حركته على الدوام كالكواكب جاز أن يثبت له العكس؛ إذ لا فرق بين جرم وجرم.
إذن قسّم الأعراض، بعض الأعراض نشاهد تغيرها من حدوث إلى عدم ومن عدم إلى حدوث، وبعضها نشاهد دائماً أنها موجودة مثل حركة الشمس حيث إنه لا يمر وقت تكون فيه الشمس ساكنة، وبعض الأشياء دائماً نراها ساكنة مثل الجبال . . إذن هناك ثلاثة أقسام.
سنتناول القسم الأول: القسم الأول حادث بالمشاهدة، وأما القسم الثاني الذي هو متحرك دائماً، نحلله، ونحتاج إلى دليل آخر حتى نقول: هل حركته واجبة أم ممكنة، هذه الحركة التي اتصفت بها الشمس هل هي مختلفة في الجنس عن حركة الشجر وحركة الإنسان، من حيث الجنس الحركة واحدة متساوية.
ما دامت الحركة متساوية بالنسبة للشمس وبالنسبة للأرض والإنسان . .
إذن ما يثبت للإنسان من حيث كونه متحركاً وهو الافتقار وما ثبت للشجر من حيث كونه متحركاً وهو الافتقار يجب أن يثبت للشمس من حيث كونها متحركة وهو الافتقار، كلاهما اتصفا بأمر واحد وهو الحركة.
والأحكام التي نثبتها لشيء بسبب اتصافه بصفات معينة فيجب أن نثبتها لشيء آخر إذا اتصف بنفس الصفات.
هذا يفسّر القاعدة التي تقول: الأمثال لها نفس الأحكام.

احمد سعيد احمد
06-10-2003, 10:46
ننتقل بعد ذلك إلى الجبال: فالجبل الذي رأيناه ساكناً، هل سكونه دائم وواجب؟ هل يستحيل أن يتحرك هذا الجبل؟
يمكن أن يتحرك بأن نتصور أن زلزالاً حرّكه. ثم نقول: هل الجبل في صله ساكن؟ هو متحرك دائماً ولكننا نتوهم أنه ساكن لأننا نتحرك بحركته، فتصير الحركة النسبية بيننا وبينه صفراً.
وإذا جاز عدمها استحال قدمها؛ لأن ما ثبت عدمه استحال قدمه، فتكون حادثة، فحينئذٍ جميع الأعراض حادثة، ويلزم من حدوثها حدوث جميع الأجرام والجواهر لعدم انفكاكها عن الأعراض الحادثة. وكل ما لا ينفك عن الحادث فهو حادث. فظهر أن جميع العالم من أعراضه وأجرامه وجواهره حادث، أي موجود بعد أن لم يكن:
ما ثبت عدمه فهو ممكن، والممكن محتاج والمحتاج يستحيل أن يكون قديماً، لأنه لو كان قديماً لبطل كونه محتاجاً.
وأما دليل كون كل حادث فهو مفتقر إلى موجِد يوجده؛ فلأنه صنعة بديعة محكمة الإتقان. وكل ما كان كذلك فله صانع؛ إذ لو لم يكن له صانع للزم أن يكون حدث بنفسه، فيلزم ترجيح أحد الأمرين المتساويين أعني الوجود والعدم على مساويه بلا سبب، وهو محال. لما يلزم عليه من اجتماع الضدين أعني المساواة والترجيح بلا مرجح على أنه يلزم عليه ترجيح الأضعف على الأقوى لأن الأصل فيه العدم، وهو أقوى من وجوده.
هذا هو البرهان المشهور بينهم في بيان حدوث العالم وافتقاره إلى صانع:
كل حادث لا بد له من محدِث أو لا بد له من مرجح، لماذا؟ لأنه إذا قلنا إن أصل العالم حادث، ثم نظرنا في العالم فرأينا هيئته وشكله محكم الصنعة، من طريقة صناعة العالم يجب أن نعلم أن هذا العالم يستحيل أن يوجد وحده كذلك، أي يستحيل أن يكون وجوده على هذه الصورة لذاته، لأن الأصل فيه أنه حادث والحادث مستوي الطرفين؛ لأن الحادث كان معدوماً ثم وُجد، إذن صحّّ عليه الوجود وصحّ عليه العدم، إذن استوى عليه الوجود والعدم، بل وجوده على هذه الصورة مع عدم وجوده على هذه الصورة ووجوده على صورة أخرى.
ما الذي أوجب على الأرض أن توجد بهذا الشكل وبهذا البعد من الشمس؟ لماذا لم تكن أبعد أو أقرب؟ ما الذي أوجب أن توجد الشمس؟ وما الذي أوجب على الإنسان أن يوجد بهذه الصورة؟
كل هذه الأمور في نفسها ممكنة ولكن ما الذي أوجب وجودها على هذه الصورة؟ هل هي ذاتها؟ يستحيل؛ لأن الأصل أنها حادثة والحادث مستوٍ فيه الطرفان، إذن التدبر والتفكر في حقيقة الصنعة أي الإحكام والإتقان نعرف أنه يستحيل أن يترجح جانب وشكل من الأشكال الممكنة على العالم دون شكل آخر لنفس حقيقة العالم؛ لأن حقيقة العالم ممكنة ونفس الممكن لا يرجّح، بل هو نفسه يحتاج إلى ترجيح.
إذن بالنظر إلى العالم من حيث كونه متقناً نعرف أنه لا بد لكل حادث من محدث.
بعض العلماء يقولون: لا نحتاج إلى الاستدلال على كون الحادث يحتاج إلى محدث إلى النظر في الصنعة والإحكام والإتقان، بل إن العلم بأن كل حادث لا بد له من محدث فهذا أمر بدهي لا يحتاج إلى النظر.
قال الإمام الرازي: هذه القضية مركوزة في نفوس الناس حتى في نفوس البهائم، فالحمار إذا سمع صوتاً يلتفت، فهو يعلم أن هذا الصوت الذي حدث فجأة لا بد أن يصدر من محدِث.
لكن المصنف هنا اختار أن يدلل على هذه القضية للتنبيه.
ملاحظة: الذي تم شرحه من قبل وهو الذي يتكون من مقدمتين يسمى دليل الحدوث.
ولك أن تستدل على حدوثه بكونه أنواعاً مختلفة وأصنافاً متباينة كما يشير إليه آي القرآن العزيز. وذلك لأن بعضه علوي وبعضه سفلي. وبعضه نوراني وبعضه ظلماني، وبعضه حار وبعضه بارد، وبعضه متحرك وبعضه ساكن، وبعضه لطيف وبعضه كثيف. وبعضه شوهد وجوده بعد عدمه وبعضه شوهد عدمه بعد وجوده. إلى غير ذلك. وكل نوع من هذه الأنواع مشتمل على أصناف وأفراد وصفات لا قدرة لأحد على إحصائها: كون دليل الحدوث هو البرهان المشهور لا يستلزم عدم وجود غيره، لذلك قال: ولك أن تستدل بأدلة أخرى.
فدلّ على أنه مفتقر إلى مخصص حكيم خصّ كلّ نوع ببعض الجائز عليه، فيكون حادثاً بعد عدم وأن خالقه مختار لا علة ولا طبيعة؛ إذ معلول العلة ومطبوع الطبيعة لا يختلف على فرض تسليمه. قال تعالى: "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب". "أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء". إلى غير ذلك من الآيات: أي خلقه باختياره ليس لكونه علة أو طبيعة. لو فرضنا أن هناك شيئاً اسمه خالق بالعلة وخالق بالطبيعة . . لو فرضنا وجود الطبيعة والعلة، لكنّا لا نسلّم أن المخلوق عن طريق العلة يمكن أن يتعدد أو يتنوع، لأن العلة إذا كانت واحدة فيجب أن يكون معلولها واحداً؛ لأن بينها وبين معلولها تسانخ، وهم يقولون إن الأصل أن تكون العلة واحدة، لأن علة كل شيء عندهم واجب الوجود.
فنحن نسألهم: إذا كان واجب الوجود عندكم بسيطاً أي واحداً لا يتكثر ولا يتعدد فكيف صدر عنه هذا العالم الكثير الذي فيه كثرة وتنوّع ؟ !
وأنتم تقولون إن هناك تسانخاً بين العلة والمعلول، فهنا يوجد محل إشكال في مذهب الفلاسفة.
نحن نقول: لو تنزّلنا وسلّمنا بأن هناك شيئاً يوجِد بالعلة وشيئاً يوجِد بالطبيعة ـ ونحن لا نسلّم بذلك ـ لوجب أن يكون المعلول واحداً لا كثيراً، لكنّ الذي نراه هو أن العالم الذي يقولون إنه علة لواجب الوجود هو كثير وليس واحداً.
فإذن يستحيل أن يكون هذا العالم معلولاً لعلة واحدة إذن يستحيل أن يكون صادراً عن واجب الوجود بالعلة، وكذلك يستحيل أن يكون صادراً عن واجب الوجود بالطبيعة.
والطبيعة مثل العلة ولكنها تتوقف على وجود شرط أو انتفاء مانع، مثل النار يقولون النار تفعل بالطبيعة لأنها تتوقف على وجود شرط وهو ملامسة الجلد وانتفاء مانع مثل عدم البلل.
وهذا بخلاف العلة فهي تفعل مباشرة مثل حركة الخاتم لحركة اليد. والحقيقة أنه ليس هناك فرق جوهري.
إذن ما دام أن الخالق يستحيل أن يكون فاعلاً بالعلة ويستحيل أن يكون فاعلاً بالطبيعة إذن هو فاعل مختار وهذا معنى أنه حكيم، فالحكمة هي الفعل بناء على الإرادة والعلم الذي هو الاختيار.


حُدوثُه وجودُه بعد العدمْ= وضدُّه هو المسمّى بالقِدَمْ


(حدوثه وجوده بعد العدم) يعني أن حدوث العالم عبارة عن وجوده بعد عدمه خلافاً للفلاسفة فإنهم ذهبوا إلى قِدَمه ومع ذلك أطلقوا القول بحدوث ما سوى الله تعالى، لكن بمعنى الاحتياج إلى الغير، لا بمعنى سبق العدم عليه. ومعتقِد ذلك كافر بإجماع المسلمين.
(وضِدُّه) أي ضدّ الحدوث أي مقابله يعني عدم أوليّة الوجود (هو المسمّى بالقدم) ولا يكون إلا لله وحده كما سيأتي ولا واسطة بين الحدوث والقدم إذا علمتَ أنه يجب على كلّ مكلَّف أن يعرف ما يجب وما يستحيل وما يجوز لله تعالى وعلمتَ الطريق الموصِل إلى المعرفة.

سعيد فودة
06-10-2003, 15:01
أشكرك أيها الأخ الفاضل أحمد على جهدك اللطيف في تفريغ الدروس من الأشرطة وطباعتها وتنسيقها ومراجعتها، وأنا أعرف أن هذا يستنفذ منك جهدا كبيرا، ولكن أدعو الله تعالى أن يكتب هذا لك في ميزان حسناتك.
وأدعو الله تعالى أن ينتفع المسلمون بهذه الدروس والشروح، فليس لنا من هذا إلا رضا الله تعالى ونصرة المذهب الذي ارتضاه جماهير أهل السنة وكبار علماء الأمة. وهو الذي نراه أحق بالاتباع من غيره من المذاهب.
والله يوفقنا جميعا إلى ما فيه الخير.

احمد سعيد احمد
06-10-2003, 16:22
شَكَرَ الله لك شيخَنا الكريم، وأطال بقاءك ورزقنا صحبتك والإفادة منك، وقدّرنا على حملِ علمك الغزير النافع ونشرِه؛ فهو ـ واللهِ ـ شرفٌ لنا.
وأدعوه تعالى أن يعينك على التدريس والتأليف وكلِّ ما فيه نفع للأمة وخدمة للعقيدة الحقّة. وأن يجعله في ميزان حسناتك ووالديك.
إنه سميع قريب.

احمد سعيد احمد
12-10-2003, 10:56
فاعلمَ بأنَّ الوصفَ بالوجودِ = من واجباتِ الواحدِ المعبودِ

(فاعلم بأن الوصف) أي اتصافه تعالى (بـ) صفة (الوجود)، ويصح أن يراد أيضاً بالوصف الصفة: الفرق بين الوصف والصفة: وَصَف يصِف وصفاً هو اللفظ الذي يطلقه الإنسان على أمر، أقول: المسجل موجود، أنا وصفتُ المسجلَ بالوجود، لم أعطِ الوجودَ للمسجل ولكن وصفت المسجل بالوجود، فالوصف هو قولي عنه إنه موجود.
أما الصفة فهي الكلمة الدالّة على نفس المعنى القائم بالذات، ليست هي الكلمة الدالة على صدور هذا الوصف مني.
(الوجود) صفة وليس وصفاً، لكن نسبتي الوجود إليه هو وصف مني له.
فقوله: (واعلم بأن الوصف بالوجود): يمكن أن يراد بالوصف الصفة. أي اعلم بأن الوجود نفسه.
والباء للتصوير والتفسير، أي بأن الصفة المفسَّرة بالوجود: الباء التي في (بالوجود).
إذا قلنا إن (الوصف) مراد به الصفة، يصبح الكلام: واعلم بأن الصفة بالوجود، (فما مدخلية الباء هنا؟) للتصوير والتفسير .
(من واجبات الواحد المعبود) أي بعض الصفات الواجبة له تعالى، وهي كثيرة لا تنحصر فيما ذكر هنا، لأن صفاتِه تعالى الكماليةََ لا تتناهى إلا أنه لا يجب علينا تفصيلُ ما لم يقم عليه الدليل بالخصوص، بل الواجب أن نعتقد أن كمالاتِه تعالى لا تتناهى على الإجمال: الصفات التي يجب أن نثبتها لله تعالى محدودة ومعروفة، ولكن هذا لا يستلزم أن كمالاتِ الله سبحانه في ذاته محدودة، ولكن غاية ما يستلزمه أن ما يجب علينا أن نعرفه هو المحدود، لأننا لا نستطيع أن نحيط بكمالات الله، لكن الله أوجب علينا أن نعرف بعض صفاته، هذه الصفات هي التي تكفي لبناء العبودية عليها.
وأما ما قام عليه الدليل بخصوصه فيحب اعتقاده تفصيلاً وهو ثلاثة عشر صفة، وأضدادها بناء على مذهب الأشعري والمحققين من أن المعنوية ليست بصفات زائدة على المعاني، وأن الحق أن لا حال، وعليه فالوجودُ عينُ ذاتِ الموجود وليس بصفة زائدة عليها: الحال عبارة عن أمر ليس موجوداً وليس معدوماً في ذاته، ولكنه عبارة عن شيء تابع للموجود أو هو حال للموجود.
يقول هنا المصنفُ إن المعتَمَدَ عند العلماء هو نفيُ الحال، إذا قلنا إن الأصحَّ أنه لا حال، والوجودُ عند الإمام الأشعري هو عينُ الموجودِ، فكيف قلت إن الله سبحانه متصف بالوجود؟ فإذا كان الوجود هو عين الموجود فهل يتصف الواحد بنفسه؟
قال المصنف: فاعلم بان الوصف بالوجود من واجبات الواحد المعبود، فالوصف بالوجود أمر ثابت لله تعالى، إذا كان الإمام الأشعري يقول: إن الوجود هو عين الموجود فكيف تقول إننا نصف الله بالوجود؟
يقول الدردير: وفي عَدِّه من الصفات تسامح باعتبار أن الذات توصف به في اللفظ فيقال: ذات اللهِ موجودة، فليُتأمل. وصفنا اللهَ تعالى بالوجود من باب التسامح اللغوي؛ لأننا نطلق أن الله موجود فنحمل لفظ الوجود على الله، فكأن هذا يصبح وصفاً لله.
ومعنى كون وجوده واجباً أنه لا يقبل الانتفاء أزلاً وأبداً، أي لا يمكن عدمه لما مرّ في تعريف الواجب.
ثم برهن على وجوده تعالى بوجود صنعته جلّ وعلا فقال:

إذ ظاهرٌ بأنّ كلَّ أثرِ = يهدي إلى مؤثِّرٍ فاعتبرِ

(إذ ظاهر بأن كل أثر) أي لظهور ان العالم أثر أي صنعة لما مرّ من أنه حادث: عرفنا أن العالم أثر من آثار الله بالدليل الماضي، وهو أن الأثرَ ناتجٌ عن مؤثِّر، فالدليل السابق يدل على أن العالم أثرٌ، والأثرُ يهدي إلى مؤثِّرٍ، وهذا المؤثِّرُ الذي هدانا إليه النظرُ في العالم يستحيل أن يكون ممكناً أو معدوماً، فيجب أن يكون موجوداً. استطعنا أن نقول بوجوب وجودِ الله بالنظر في العالم.
وكلُّ أثرٍ (يهدي) بفتح الياء (إلى مؤثِّر) أي يدلّ على صانعه؛ إذ لا يعقل صنعة بدون صانع، وإلا لزِم الترجيح بلا مرَجِّح، وهو محال لِما مرّ.
وإذا علمتَ أن كلَّ صنعة تدلّ على وجود صانعها (فاعتبرِ) أي تأمّل في ملكوتِ السموات والأرض ودقائقِ الحِكَم لتعلمَ بذلك أنه الواجب الوجود المالكُ المعبود القادرُ الودود العليُ العظيم العليم الحكيم، فتهتدي إلى ما خُلقتَ لأجله، ثم تترقى إلى وفورِ حُبِّه وشكره، فيترتب على ذلك تفجيرُ ينابيع الحكمة من قلبك، وتقعد في مقعد صدق عند ربك.
ولنذكر لك شيئاً من ذلك لتقيس عليه غيرَه، فنقول: قال الله تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" فأنت إذا نظرتَ إلى مبدأ خلقك وجدتَ ربك سبحانه وتعالى قادَ والديك بزمام الشهوة مقهورين في صورة مختارين مع تمام البسط والأُنس. وفي هذا المقام أسرار عجيبة يدركها أرباب الكشف من أهل الله تعالى حتى إذا حصل الوقاع صانك الله في قرار مكين، فخلق تلك النطفة علقة، ثم خلق العلقة مضغة، ثم مدّها وصوّرها في أحسن صورة فجعل الرأس في أحسن خِلقة، وخلق العين والأذن والأنف، وصوّر الوجه في أحسن صورة وأودعها من الجمال والكمال ما لا يخفى، ثم أودع البصر في العين والسمع في الأذن والشمّ في الأنف، وخلق الفم وزيّنه بالشفتين، وخلق اللسان وخلق فيه الذوق وجعله جنداً من جنوده تعالى يترجم عما في الفؤاد من العلوم والمعارف، وجعل الرقبة حاملة لعرش الرأس في حسن بديع وجعل فيها المنفذ الموصِل الأكلَ والشرب إلى المعدة، وأودع البطن والأمعاء والمصارين والقلب والكبد وغيرها مما لا يعلم حقيقته إلا هو تعالى. وخلق الأيدي وخلق فيها الأكفّ والأصابع وجعلها مفاصل، وأبدعها، والأرجل كذلك، وخلق العظام وكساها لحماً ثم نفخ فيك الروح وهي سرّ عظيم عجيب من أسراره تعالى، فتحركت في بطن أمّك وما زال بك رؤوفاً رحيماً حافظاً لك في أضيق مكان يوصل لك غذاءك وأنت لا تعلم شيئاً حتى إذا تمّ خلقك أنزلك من الرحم من أضيق محل، فلطف بك وبأمّك، حتى إذا برزتَ ألهمك بمجرد النزول إلى ثدي أمك، وأجرى فيه اللبن، وأنزل في قلبها الرأفة والرحمة، حتى أنها ترى بولك وغائطك من أحسن ما يكون. والمنّة له تعالى في ذلك، ولمّا آن أوان الأكل خلق لك الأسنان والأضراس ورتّبها ترتيباً عجيباً مع ما فيها من كمال الزينة والجمال والكمال، ثمّ لمّا قرُبَ بلوغك وكانت هذه الأسنان ضعيفة أسقطها وأبدلها بأقوى منها، ثم إذا أكلت فجّر الله في فمك عيناً جارية، وهي الريق لا ينقطع جريانها ما دمت تأكل؛ لتبتل اللقمة بها يسهل بلعها لا تملّها النفس ولا تجري على الدوام، ولا تنقطع. فانظر إلى هذه الحكمة العجيبة التي أنت في غاية الافتقار إليها، وليس في قدرتك إجراؤها ولا منعها بالضرورة، فإذا نزل الطعام والشراب في المعدة صرفه إلى ما يشاء، فبعضه يتربى به اللحم، وبعضه يتربى به العظم، وبعضه يتربى به الشحم، وبعضه يتربى به الدم مع كمال اللذة حال الأكل وبعده، ثم ما فضل عن ذلك وكان فيه الإيذاء للبدن على تقدير إبقائه في البطن أخرجه من مخرجيك. وانظر لهذين المخرجين وبديع حكمتهما وإلى إقدارك على مسكهما عند تهيؤ الفضلة للخروج، وبالجملة فلم يزل سبحانه بك رؤوفاً رحيماً ودوداً كريماً في كلّ لحظة. وأنت غافل عن نفسك، وانظر إلى خروج النَّفَس ودخوله الذي به قوام الروح حالة اليقظة والنوم والصحة والمرض. ومن أكبر عبره العقل الذي به التمييز والتدبير وإدراك العلوم والمعارف وما يضرّ وما ينفع. "وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها"، "فتبارك الله أحسن الخالقين".
فياليت شعري أهذا ينبغي أن يعصى فيما أمر ونهى ؟ ! ثم إذا نظرت إلى السماء وكواكبها والسحاب وتسخيرها والرياح وتصريفها، وإلى الأرض وأنهارها وإلى الأشجار وأثمارها لأفضى بك إلى العجب العجاب، وعلمتَ أنه المحسن الوهاب.
اللهم وفّقنا لما فيه رضاك واقطعنا عن كلّ شيء سواك. واملأ قلوبنا من حبّك وحبّ رسلك، وأذقنا لذة الوصل من فيض فضلك، وخذّ بأيدينا إنْ زللنا وسامحنا إنْ أخطأنا؛ إنك أنت الجواد الكريم الرؤوف الرحيم.

وذي تُسمّى صفة نفسيّه = ثمّ تليها خمسةٌ سلبيه

(وذي) أي وهذه الصفة أي صفة الوجود (تسمى صفة نفسية) نسبة إلى النفس، أي الذات. والصفة النفسية هي التي لا تُعقل الذات بدونها: لا يمكن تصوّر الماهية بدون أن ينسب إليها صفة الوجود. لذلك سمي الوجود صفةً نفسية؛ لأن الوجود نفس الذات.
وهي صفة ثبوتية يدل الوصفُ بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها: لا على صفة زائدة عن الذات. ويقال أيضاً هي الحال الواجبة للذات ما دامت الذاتُ غيرَ معللة بعلة، وذلك كالوجود والتحيّز للجرم، وكون الجوهرِ جوهراً والشيءِ شيئاً، فهذا تعريف للنفسيّة مطلقاً قديمة كانت أو حادثة. وقوله في التعريف الثاني: غير معللة بالنصب على أنه حال من الحال أو من الضمير في واجبة. واحتُرز به من الحال المعنوية ككون الذات عالمة أو قادرة أو مريدة؛ فإنها معللة بقيام العلم والقدرة والإرادة بالذات، فليُتأمل:
هذا التعريف الثاني بناء على إثبات الحال. إذا فكّّّر الإنسان في أيّ ذات من حيث ما هي متقدَّرة لزمه أن يثبت وجود الذات، فقبل نسبة الوجود إلى الذات لا يمكن الكلام على الذات مطلقاً، ولكن يمكن للإنسان أن يفكر في الذات من حيث ما هي عالمة، فهي أولاً موجودة. ثم متصفة بالعلم فتصير عالمة، فوصف الذات بانها عالمة مترتب على قيام صفة العلم بالذات. كون الذات عالمة هي حال ثابتة للذات ما دامت الذات معللةً بعلة التي هي العلم. فوصف الذات بالعالِمة مترتب على قيام العلم بالذات، أما وصف الذات بالوجود فليس مترتباً على قيام أيّ علة بالذات، هذا على مذهب القائلين بالأحوال لكن ليس هو المذهب المعتمَد.
العلة هنا بمعنى الملازِمة لا بمعنى المؤثِّرة. فالعلة في مقام الكلام على التعليل بين الصفة والحال هي الملازِمة وليس المؤثِّرة والموجِدة.
ما دامت الذات متصفة بعلة ـ هكذا يقولون ـ ما دامت الذات متصفة بصفة العلم فهي عالمة، إذا انتفت صفة العلم عن الذات لا تكون عالمة.
وجَعْلُ الوجود صفةً نفسية إنما يصح عند من يثبت الأحوال، فيكون صفةً زائدة على الذات غيرَ موجودة في نفسها ولا معدومة. وأما عند من لم يثبت الأحوال فليس بصفة أصلاً وإنما هو عين ذات الموجود كما مرّ: الأشعري يقول إن الوجود هو عين الذات، بينما الإمام الرازي يرى أن الوجود أمر زائد على الذات، فالذات عند الإمام الرازي هي الماهية مجردة عن الوجود ومجردة عن العدم، إذا نسبتَ الوجودَ إلى الماهية تصبح الماهية موجودة.
عند الإمام الأشعري ـ حسب المنقول عنه ـ لا يوجد وجود زائد على الماهية. ولكن خلاصة الطريقتين أنهما ترجعان إلى أمر واحد، وهو أن الأمر في الخارج واحد، فمثلاً حين نقول: زيد، ليس هناك أمران: زيد ووجوده، ولكن هناك زيد الموجود، وجوده ليس أمراً زائداً على ماهيّته، فوجوده هو عينه.
أما في الذهن فالعاقل إذا فكّر في زيد يشتق من زيد وصفَ الوجود ويشتق الماهية، ففي الذهن يصبح هناك تغايرٌ وتمايزٌ بين أمرين.
هذا هو التحقيق أن يجمع بين المذهبين بهذه الطريقة.
فإن قلتَ: إذا كنتَ قد بنيتَ هذه العقيدة على مذهب الأشعري القائل بنفي الأحوال فالوجهُ حذفُ الوجود ولا حاجة إلى ارتكاب التسامح: إذا كان قولك إن وصف الذات بأنها موجودة هذا فقط صحيح على مذهب القائلين بالأحوال، فأنت قد بنيت هذا الكتاب كلَّه على مذهب الإمام الأشعري، والأشعري ينفي الأحوال، فلماذا قلت إن هناك صفةً اسمها الوجود، ثم بعد ذلك قلت إن هذا مبني على التسامح اللغوي، لماذا لم تنفك عن هذا الأمر وتقول: إن الوجود هو عين الوجود، فلا تلجأ إلى التسامح؟
قلتُ: لمّا كان معرفة الوجود يُحتاج لها لينبني عليها غيرها من الصفات اعتبرتُ الوصف الظاهري في قولنا: ذات الله موجودة، وارتكبتُ التسمّحَ: عندما يقول الناسُ: ذات الله موجودة فهذا وصف ظاهري، وهو في الحقيقة ليس وصفاً، فالقول إن ذاتَ الله موجودةٌ لا يعني أن الوجودَ قائمٌ بالذات، فليس الأمر كذلك، ولكن من حيث الاستعمالُ اللغويُّ يصبح هذا القول كأنه وصفٌ للذات، فهو من هذا الباب ارتكب التسمّح.
على أن التحقيق أن الشيخَ ولو نفى الأحوالَ لا ينفي الاعتبارات؛ لظهور زيادتها ذهناً، وإنْ لم يكن لها ثبوت خارجاً: إن الشيخ الأشعري لو نفى الأحوال التي هي أمور ليست موجودةً ولا معدومةً إلا أنه لا ينفي الاعتبارات، فيرجعُ كلامُه إلى كلام الإمام الرازي.
بل قال العلامة التفتازاني: لا خلاف أن الوجود زائدٌ ذهناً بمعنى أن للعقل أن يلاحظ الماهية بدون الوجود وبالعكس ونتعقل الماهية ونشكّ في وجودها أ.هـ. هذا ما قلناه قبل قليل من الجمع بين طريقة الإمام الأشعري والإمام الرازي.
قال التفتازاني في شرح العقائد النسفية: للعقل أن يلاحظ الماهية منفكةً عن الوجود كما أنها منفكة عن العدم.
هذا مبني على أن الماهية عبارة عن مجموعة أوصاف ثابتة في الذهن، والذهن يجمع بين مجموعة من الأوصاف يسميها ماهية، ليس واحداً من هذه الأوصاف وصف الوجود. فالوجود أمر آخر.
(ثم تليها) في الذكر (خمسة سلبية) نسبة للسلب، أي النفي إذ مدلول كلِّ واحد منها سلب أمر لا يليق به سبحانه.

وهي القِدَمْ بالذاتِ فاعلمْ والبقا= قيامُه بنفسِهِ نِلْتَ التُّقى


(وهي) أي الصفات السلبية، (القدم بالذات فاعلم) أي القدم الذاتي بمعنى أنه تعالى قديم لذاته لا لعلة قديمة اقتضت وجوده ـ تعالى عن ذلك ـ وليس المراد بالقِدَمِ الذاتي ما قابل القِدَم بالغير كما يقول الفلسفي لقيام البرهان القاطع على أنه لا شيء قديمٌ بالغير وأن كلّ ما سوى الله وصفاته حادث كما تقدم : ليس هناك علة أوجبت قِدم الله، فالله سبحانه قديم لذاته، ليس مثل العالَم، فالفلاسفة قالوا إن العالَمَ قديمٌ بسبب ذاتِ الله، فعلةُ قِدَمِ العالَمِ هو وجودُ الله، لا أن العلة هي العالم.
يريد الإمام الدردير هنا أن ينفي الصورة التي قال بها الفلاسفة في حق العالم، فأراد أن يقول إن الله قديم لذاته لا لعلة أوجبت قِدمه تعالى.
فقوله: (وليس المراد بالقدم الذاتي ما قابل القدم بالغير): القدم بالغير مثل قدم العالم، أي قدم العالم بسبب غيره، على قول الفلاسفة.
ومعنى القدم سلب الأولية: أي نفي الأولية، فإذا قيل عن الله سبحانه إنه قديم، فهذا لا يعني أنه موجود منذ القِدَم، ولكن معناه لا أول لوجوده، ولا يعني القِدَم أنه طرأ على الله أزمان لا نهاية لها، معنى ذلك أن القِدَم لله ليس جزءاً من الزمان كما أن علو الله سبحانه ليس جزءاً من المكان.
أي أنه تعالى لا أول لوجوده؛ إذ لو لم يكن قديماً لكان حادثاً تعالى عن ذلك، فيلزم افتقاره إلى مُحدِث لما مرّ، ثم مُحْدِثُه كذلك لانعقاد التماثل بينهما، وذلك مفضٍ إلى الدور أو التسلسل؛ لأن المماثل الثاني مثلاً إن كان المُحدِث له هو الأول فالدور، وإن استمر العدد إلى غير نهاية فالتسلسل وكلاهما محال: الدور كما تقول: (ب) أوجد (أ)، والذي أوجد (ب) هو (ج)، والذي أوجد (ج) هو (أ).
(ج) أوجد (ب)، و(ب) أوجد (أ)، و(أ) أوجد (ج)، فتصبح (أ) سابقة على (ج) ومسبوقة له. وهذا اسمه دور. وهذا باطل.
أما التسلسل فأن تقول: (أ) أوجده (ب)، و(ب) أوجده (ج)، إلى ما لا نهاية وكلاهما مستحيل.
أما استحالة الدور فظاهرة؛ لأنه يلزم عليه تقدم كلٍّ منهما على صاحبه وتأخره عنه، وهو جمع بين متنافيين، بل ويلزم عليه أيضاً تقدم كلّ واحد منهما على نفسه وتأخره عنها. وهو جليّ البطلان.
وأما التسلسل فلأنه يؤدي إلى وجود آلهة لا نهاية لها، كلٌّ منها متصف بالحدوث والعجز والافتقار، وهو باطل قطعاً لأنه مناف لمقام الألوهية من القدرة والغنى المطلق، إذ العاجز الفقير لا يصحّ أن يكون خالقاً للعالم البديع الإتقان. وما أفضى إلى المحال وهو عدم القدم محال؛ إذ استحالة اللوازم تقتضي استحالة الملزومات، فثبت القِدَم، وهو المطلوب: إذا قلنا إن قِدَم الله ليس لذاته بل لغيره وغيره إله آخر، هذا الإله الآخر إما أن يكون قديماً أو حادثاً، إذا قلنا إنه قديم فقد انتهينا وأما إذا قلنا إنه حادث، فمن الذي أوجده؟ وهكذا . .
فإما أن نبقى . . إلى ما لا نهاية وإما أن نرجع إلى الدور.
فالتسلسل يلزم منه وجود آلهة كثيرة، وكلٌّ منها محتاجٌ فقير، فالقصد أن الدورَ والتسلسلَ اللذين هما لازمان عن افتراض أن الله تعالى ليس قديماً ما دام كل منهما مستحيلاً، فإذن الفرض أصلاً مستحيل وهو القول بأن الله ليس قديماً، فنقيضه هو الصحيح وهو أن الله قديم، هذه طريقة الإثبات عن طريق فرض النقيض، إذا أردنا أن نثبت قضية نفرض نقيضها، وإذا فرضنا نقيضها يلزم عنه المستحيل، إذا استحال النقيض وجب الأصل.
قوله: (إذ استحالة اللوازم تقتضي استحالة الملزومات): اللازم وجود آلهة كثيرة وهذا باطل، وافتقار الآلهة الكثيرة باطل، أيضاً يلزم عن افتراض عدم قدم الله سبحانه وتعالى التسلسل والدور، والتسلسل والدور باطلان، إذن الملزوم عنه وهو افتراض عدم قدم الله مستحيل، (الملزوم عنه) يقولون عنه (الملزوم) تخفيفاً.
اللازم هو الدور والتسلسل، ويلزم عن هذا آلهة كثيرة كلها محتاجة أيضاً هذا لازم.
لزم التسلسل عن افتراض عدم قدم الله، وعن التسلسل يلزم وجود آلهة كثيرة مفتقرة، إذن هذا لازم ثان عن اللازم الأول وكلاهما باطل إذن الملزوم عنه باطل وهو افتراض عدم قدم الله، إذن نقيضه هو الصحيح وهو أن الله قديم وقدمه لذاته لا لغيره وهو المطلوب.
(و) ثاني الصفات السلبية (البقا) بالقصر؛ للضرورة، وهو سلب الآخرية، أي نفيها، أي أنه تعالى لا آخر لوجوده تعالى؛ لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه، وإلا لجاز عليه العدم، فيحتاج إلى مرجِّح فيكون حادثاً لا قديماً، كيف وقد ثبت قِدَمه.
(و) ثالث الصفات السلبية (قيامه) تعالى (بنفسه) بمعنى سلب الافتقار إلى المحل أو المخصص أي الفاعل. أما أنه تعالى لا يفتقر إلى محل يقوم به قيام الصفة بموصوفها؛ فلأنه لو افتقر إلى ذلك لكان صفة لا ذاتاً؛ إذ الذات لا تقوم بالذات، لكن كونه تعالى صفة محال؛ إذ لو كان صفة لاستحال قيام الصفات الثبوتية كالعلم والقدرة والإرادة به تعالى؛ إذ الصفة لا تقبل صفة أخرى تقوم بها، وإلا لزم أن لا تخلو عنها أو عن مثلها أو عن ضدّها، ويلزم مثل ذلك في الأخرى التي قامت بها، وهكذا إذ القبول أمر نفسي لا بدّ أن يتّحد بين المتماثلين أو المتماثلات وهو محال؛ لما يلزم عليه من اتّصاف الصفة بمثلها أو بضدّها أو بخلافها، فيكون العلم عالماً وجاهلاً وقادراً وكذا العكس وهو باطل: يستحيل أن يكون لله أول ويستحيل أن يكون له آخِر، فثبت القدم وثبت البقاء. يستحيل أن يكون صفة لأنه لو كان صفةً لوجب قيامُه بغيره، ولكنّ قيامَ الله بغيره مستحيلٌ؛ للزوم افتقاره في هذه الحالة.
ولو كان صفةً أيضاً لاستحال اتصافُه بالصفات من ناحية ثانية، الله سبحانه متصف بالعلم والقدرة وغير ذلك، لو كان الله صفة واتّصف بالعلم لأصبحت الصفة قائم بها صفة أخرى ولكن هذا مستحيل، لأنه لو كانت الصفة تقبل الصفة للزم من ذلك قبول الصفة لنقيض الصفة أو منافيها أو مثلها، فيلزم على ذلك أن العلم ـ مثلاً ـ يجوز أن يتصف بالعلم، فنقول: العلم عالِم، وهذا باطل، أو نقيضه فنقول: العلم جاهل، أو منافيه فنقول: العلم قادر أو مريد، وهذا كله غيرُُُ صحيح وفيه نوع من السفسطة. إذن الله سبحانه لا يمكن أن يكون صفة، إذن فهو ذات تقوم بها الصفات.
ومن دخول ما لا نهاية له من الصفات الوجودية على أن الصفة لو اتصفت بأخرى للزم الترجيح بلا مرجِّح؛ إذ جعلُ إحداهما موصوفة والأخرى صفة لها دون أن تكون صفة للذات التي قامت بها الموصوفة، ودون أن تكون الموصوفة هي الصفة للأخرى تحكّم فليتأمل: لو فرضنا أن اللهَ ـ تعالى ـ صفةٌ وقامت بها صفةٌ أخرى، فما الذي أوجب أن تقوم الثانيةُ بالأولى، لمَ لا تقوم الصفة الأولى بالثانية، فهذا ترجيح بلا مرجح. ولكن حين نقول إن اللهَ ذاتٌ قامت به صفة فهذا متسق مع العقل؛ لأن الصفة هي التي تقوم بالذات لا العكس.
قوله: (إذ جعل إحداهما موصوفة والأخرى صفة . . . تحكم): إذا كانت الصفة الثانية التي قامت بها الصفة الأولى قائمة بالذات، فلماذا لا نقول إن الصفة الأولى والثانية كلٌّ منهما قائمة بالذات؟ لماذا نقول إن الصفة الأولى قائمة بالثانية والثانية قائمة بالذات . . يصبح هنا في القسم الأول من الكلام ترجيح بلا مرجح وتحكم.
وهو تعالى قد ثبت أنه قامت به الصفات الثبوتية فلا يكون صفة لغيره فوجب أن يكون ذاتاً فلا يفتقر إلى محل وهو المطلوب: لو كان صفة لافتقر إلى محل، والافتقار مستحيل على الله سبحانه وتعالى.
وأما أنه لا يفتقر إلى مخصِّص أي موجِد ومؤثر فلما يلزم من الحدوث كما مرّ في القِدَم: لأنه لو احتاج إلى مخصِّص لصار مفعولاً، يعني لصار مخلوقاً وهذا مستحيل حيث إنه من المستحيل أن يقبل العقل أن الإله مخلوق لأنه تناقض.
(نلتَ) أي أدركتَ (التقى) أي التقوى، وهي امتثال المأمورات فعلاً والمنهيات تركاً. قال الإمام الرازي: التقى والتقوى واحد، وهما لغةً بمعنى الاتقاء وهو اتخاذ الوقاية، أي ما يقي الشخص يعني يحفظه ويحول بينه وبين ما يخافه مثل الترس ونحوه من الأجسام. فكان المعنى جَعْلُ بينه وبين المعاصي وقاية تحول بينه وبينها من قوة عزمه على تركها، واستحضار علمه بقبحها. نقله الشيخ عبد السلام اللقاني في شرح الجزائرية. وهذه الجملة إنشائية في المعنى قصد بها الدعاء لمن حاول معرفة صفات الله تعالى، وتكملة البيت كأنه قال: اللهم اجعله مُحَصِّلاً للتقوى.
يتبع ...

احمد سعيد احمد
12-10-2003, 11:08
تخالفٌ للغيرِ وحدانيهْ = في الذاتِ أو صفاتِهِ العليّهْ


(و) رابع الصفات السلبية (تخالف للغير) أي مخالفته تعالى لغيره من الحوادث، ومعناها عدم الموافقة لشيء من الحوادث، فليس تعالى بجوهرٍ ولا جسم ولا عَرَض ولا متحرك ولا ساكن، ولا يوصف تعالى بالكبر ولا بالصغر: المقصود هنا كبر الحجم، فلا يوصف بأنه كبير الحجم ولا صغير الحجم، بل هو ليس له حجم أصلاً. ولا بالفوقية ولا بالتحتية ولا بالحلول في الأمكنة، ولا بالاتحاد ولا بالاتصال ولا بالانفصال، لا باليمين ولا بالشمال ولا بالخلف ولا بالأمام، ولا بغير ذلك من صفات الحوادث؛ إذ لو كان مماثلاً لها لوجب له تعالى ما وجب لها من الحدوث والافتقار وذلك محال لما مرّ.
واعلم أن العالَم وإن عظُم في نفسه فهو بالنسبة لِعِظَمِ قدرتِهِ تعالى ليس بشيء: بالنسبة لِعظم قدرته لا لِعظم ذاته خلافاً للمجسمة الذين يقولون إن الله تعالى كبيرٌ جداً جداً، والعالم بالنسبة له كالسمسمة أو الحمصة، وأهل السنة يقولون: لا نسبة بين الله وبين العالم في شيء مطلقاً، لا يوجد هناك اشتراك مطلقاً بين الله وبين العالم.
المجسمة يقولون: هناك اشتراك ولكن نسبة التفاوت كبيرة جداً. وهذا كلام باطل.
فالمصنف حين يقول: (تخالفٌ للغير)، وفي بعض النسخ (مخالفٌ للغير) يعني من كل حيثيات الغير، إذا كان الغير الذي هو العالم محدوداً، فالله سبحانه ليس محدوداً، إذا كان العالم كبيراً أو صغيراً فالله ليس بكبير ولا صغير.
وهكذا في كل النواحي؛ لأن كل هذه الصفات التي يتصف بها العالم تدل على نقص يتصف به العالم، فالحركة تدل على سبب للحركة، والسكون كذلك، والفوقية والتحتية تدلان على المحدودية والحدّ يدل على الافتقار والمخصِّص . . وهكذا، فكل هذه الصفات تدل على احتياج وافتقار والله سبحانه لا يتصف بذلك مطلقاً.
فكيف يكون العليّ الكبير القديم القدير حالاً أو متصلاً أو منفصلاً أو مستقراً أو على جهة لهذا الشيء الحقير الحادث الفقير.
وخامس الصفات السلبية (وحدانية) وهي عبارة عن سلب الكثرة في الذات والصفات والأفعال، أي عدم الإثنينية (في الذات) أي في ذاته تعالى اتصالاً وانفصالاً، فوحدانية الذات تنفي عنه تعالى الكم المتصل والمنفصل، أي تنفي العدد في الذات متصلاً كان أو منفصلاً، فتنفي التركيبَ في ذاته تعالى ووجودَ ذاتٍ أخرى تماثل الذاتَ العليّة، أي أنه تعالى ليست ذاتُه مركبةً من أجزاء متصلٍ بعضها ببعض، وإلا لكان مماثلاً للحوادث من حيث التركيب، فيحتاج إلى مَن يركبه ، وهو محال.يبين هنا القسم الأول من الوحدانية وهو عدم الإثنينية في الذات اتصالاً وانفصالاً. معنى (اتصالاً) نفي الإثنينية عن الله اتصالاً، مثلاً: ذاتُ الإنسان فيها كثرةٌ متصلة، فهي عبارة عن يدين ورجلين ورأس وجسم . . هذه تسمى كثرة متصلة، فذات الإنسان مُتكثّرة ولكنها واحدة في الشخص.
أما ذاتُ الله سبحانه فليست كذلك، فلا يوجد في ذات الله اتصال بين أجزاء، فلا جزء له. أما الكثرة المنفصلة بمعنى أنه لا يوجد إله آخر.
وليس له نظير في ذاته (أو صفاته العليّة). أي وعدم الإثنينية في صفاته العلية اتصالاً أو انفصالاً أيضاً، فوحدانية الصفات تنفي عنه تعالى الكم المتصل والمنفصل فيها، أي تنفي العددَ في حقيقة كل واحدة منها متصلاً كان أو منفصلاً، أي أنه تعالى له حياة واحدة وعلم واحد، وهكذا لا أكثر، وليس ثَمَّ مَن يتصف بصفات الألوهية سواه تعالى. انتهى من الكلام على الوحدانية في الذات، والآن يتحدث عن الوحدانية في الصفات، فقال إن الوحدانية في الصفات تنفي الكمَّ المتصل والمنفصل، والكمُّ المتصل هو أن يقال إن الله تعالى له قدرتان أو ثلاث قدرات، والحق أن الله تعالى له قدرة واحدة متعلقة بجميع المقدورات، وله علم واحد كاشف عن جميع المعلومات.
وسَّموه كمَّاً متصلاً؛ لأن الكلام عن افتراض أكثر من صفة في الذات كأنهم يقولون إن هناك قدرتين في الذات الإلهية فاتصلت هذه القدرة لكونها محمولةً في الذات الإلهية.
فهذا الكمُّ المتصل بذاته مستحيل، أما الكمُّ المنفصل يعني أنه لا توجد صفةُ قدرة وصفة علم كصفته تعالى لذات أخرى غيرِ ذاته، أي منفصلة بالذات.
فكما نقول إن الله متصف بقدرة متعلقة بجميع المقدورات، فكذلك نقول لا يمكن أن يتصف بمثل هذه القدرة غيرُه . .


والفعلِ، فالتأثيرُ ليس إلا = للواحدِ القهّارِ جلَّ وعلا

(و) وحدانية أي عدم الإثنينية في (الفعلِ) يعني أنه تعالى متصف بوحدانية الأفعال، فليس ثََمَّ من له فعلٌ من الأفعال سواه تعالى، إذ كل ما سواه عاجز لا تأثير له في شيء من الأشياء: وحدانية الفعل أي في الخلق والتأثير، فليس الخلق والتأثير لأحد إلا لله سبحانه وتعالى. هذا هو معنى وحدانية الأفعال، أي لا فاعلَ في الوجود إلا الله سبحانه وتعالى، أي لا خالق إلا الله ولا مؤثر إلا الله، ولكن هذا لا يستلزم أنه لا يوجد فعلٌ آخر غير الخلق لغير الله، لأننا فاعلون ولكن فعلنا اكتساب وليس خلقاً، كذلك صفاتنا ليست كصفات الله سبحانه، فنحن ـ مثلاً ـ عالمون ولكن علمنا ليس كعلم الله، فعلم الله ليس انفعالياً ولا فاعلياً فليس حادثاً، ولكن علمنا حادث طارئ متجدد بخلاف علم الله.
إرادتنا عبارة عن ميل نفساني بخلاف إرادة الله.
فهذا اشتراك في الألفاظ فقط ولكن الحقائق مختلفة، كما نقول نحن موجودون والله موجود، لكن حقيقة الله غير حقيقتنا ولكن الاشتراك في الاسم، وبالأسلوب نفسه نقول: لا فاعل في الوجود إلا الله، بمعنى أنه لا خالق ولا مؤثر إلا الله، لا بالمعنى اللغوي للكلمة.
والمشهورُ في إثبات الوحدانية برهانُ التمانع المُشار إليه بقوله تعالى: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"، وحاصله أنه لو أمكن التعدّد لأمكن التمانع بينهما بأن يريد أحدهما حركةَ زيد مثلاً، والأخرُ سكونَه، إذ كلٌّ منهما أمرٌ ممكن في نفسه، وكذا تعلّق الإرادة بكلّ منهما، وحينئذٍ إما أن يحصل الأمران، فيلزم اجتماع الضدّين أو لا فيلزم عجزهما أو عجز أحدهما، وهو أمارة الحدوث والإمكان لما فيه من شائبة الاحتياج، فالتعدد مستلزم لإمكان التمانع المستلزم للمحال، فيكون التعدد محالاً، وبما ذُكر اندفع ما يقال إنه يجوز أن يتفقا من غير تمانع: المشهور في الاستدلال على أن لا فاعل في الوجود إلا الله هو برهان التمانع، هذا يعني أن هناك أدلة أخرى تُستعمل في هذا المطلب لكن المشهور عند العلماء هو برهان التمانع.

سيتم الحديث عن برهان التمانع بتفصيل وافٍ في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

احمد سعيد احمد
21-10-2003, 09:47
برهان التمانع:
لو فرضنا أن هناك فاعلاً غير الله سبحانه، فلو فرضنا وجودَ فاعِلَيْن، وعَرَض لهذين الاثنين خَلْقُ شيء، كلٌّ من هذين الفاعِلَيْن إذا تصورناه وحده يمكن أن يوجِد هذا الأمر ويمكن أن لا يوجده، هذا يعني أننا لو فرضنا أن الإله الأول هو الموجود وعرض له هذا الأمرُ الممكن، فالعقلُ يحكم بإمكان خلقه وبإمكان عدم خلقه. وكذلك الإله الثاني لو فرضناه وحدَه، وعرض له هذا الأمرُ لحكم العقلُ بانه يمكن أن يوجدَ ويمكن أن لا يوجِد.
محلُّ الكلام أنه يوجد هناك خالقان، لو فرضنا وجودَهما معاً، ألا يستلزم ذلك أن كلاً منهما يمكِن أن يوجِد هذا الأمر أم لا؟ بلى يمكن.
لو تعلقت إرادتُهما به فإما أن يُوجِده الأول ويعجز الثاني، فيكون الثاني ليس إلهاً، وإما أن يوجده الثاني ويعجز الأول، فيكون الأول ليس إلهاً، وإما أن يوجداه معاً وهذا مستحيل لأن الأمر الواحد لا يمكن أن يكون مخلوقاً لخالِقَين؛ لأن الفعل الواحد لا يصدر عن فاعِلَين.
فيبقى الاحتمال الأخير، وهو أن لا يوجِد هذا الأمرَ أحدٌ منهما، ويلزم على هذا أنهما ليسا بإلهين.
هذه هي الاحتمالات الأربعة التي تحصل عند تقدير أكثر من إله، وما دامت هذه الاحتمالات الأربعة مستحيلة، إذن تقدير أكثر من إله مستحيل.
قد يقال: لماذا لا تفرض اتفاقهما؟
نقول: هذا البرهان مبنيٌّ على إمكان الاختلاف لا على حصول الاختلاف، والاختلاف ممكن بالدليل السابق. فحتى لو اتفقوا يبقى الاحتمال باختلافهما قائم.
قد يقال: لماذا لا يقتسمان العالم؟ فيدبر كلٌّ منهما جزءاً من العالم؟
نقول: الأصل في الإله أن تكون قدرتُه متعلقةً بسائر الممكنات، فاقتسام العالم يلزم عنه أن تكون هذه القدرة متعلقة ببعض الممكنات.

برهان التمانع بشكل مفصّل:
حاصل دليل التمانع بشكل موجَز وبشكل ملخّص أن المطلوب هو إثبات أن الله سبحانه وتعالى واحد، المُدّعى أن الله واحد، لكي نثبت هذا المُدّّعى نفرض وجودَ أكثر من واحد، وأقل عدد أكثر من واحد هو اثنان فلنفرض وجود إلهين.
لو صحّ هذا الفرض يجوز أن يوجد إله آخر، ولكن لو امتنع هذا الفرض يستحيل أن يوجد إله آخر، إذن دليل التمانع مبنيٌّ على أننا نقول: يستحيل وجود أكثر من إله.
لو لزم عن فرض وجود إلهين لوازمُ باطلةٌ ومستحيلة، إذن يكون هذا الفرض مستحيلاً؛ لأن اللوازم المستحيلة تلزم عن الشيء المستحيل، فيكون نقيض هذا الفرض واجباً، إذن نرجع إلى إثبات أن الله واحد ويستحيل أن يكون هناك أكثر من إله، هذه هي الطريقة الكلية لإثبات الوحدانية.
دليل التمانع له مبادئ ومقدمات لإثبات حجيّته ودلالتِه على الوحدانية، لو أخذنا كلَّ إله من هذين الإلهين المفروضين وحده، كلُّ إله من هذين الإلهين يصح أن تتعلق قدرتُه وإرادته بأيّ ممكن من الممكِنات، لو فرضنا أن الممكنات لم يكن لها عدد محدود، فيصح أن تتعلقَ القدرةُ الإلهية لكلٍّ من هذين الإلهين المفروضين في كلّ ممكن من الممكنات.
لو فرضنا هذين الإلهين، وتبيّن لنا أنه يستحيل تعلّقَ إرادةِ هذين الإلهين بكلِّ واحدٍ من هذه الممكنات، إذن فرضُ تعددِ الإله يكون مستحيلاً، لأنه لزم عن هذا المستحيل عدمُ صحة تعلق الإرادة بكل واحد من الممكنات.
أيضاً هذا هو المنطق الإجمالي لبرهان التمانع.

كيفية إجراء هذا الدليل:
نفرض وجود إلهين، أولاً ننظر إلى كل إله وحده، فنقول: أول مقدمة: يصح أن تتعلق إرادةُ كل واحد منهما بكلِّ ممكن من الممكنات، لا يوجد هناك مانع من أن تتعلق إرادةُ كل واحد منهما بكل ممكن من الممكنات.
هذه المقدمة متفق عليها؛ لأنه لو أخذنا كل واحد وقلنا بامتناع تعلقِ إرادة هذا الإله ببعض الممكنات وصحّحنا تعلقَها بالبعض الآخر، فهذا يستلزم أن تكون إرادة الإله غيرَ كاملة وغير شاملة، وتستلزم أن تكون قدرتُه غيرَ متعلقة بجميع الممكنات، وهذا يعود بنقص كونه إلهاً، لأن الإله يجب أن تكون قدرتُه عامّةَ التعلق ويجب أن تكون إرادتُه عامةَ التعلق.
هذه المقدمات التي يُعتمد عليها في إجراء دليل التمانع.
لنفرض الآن وجودَ أكثر من إله ولننظر الآن في بعض الممكنات، عادة العلماء يمثّلون على هذه الممكنات بالجوهر الفرد، يقولون: لنفرض أن هناك جوهراً فرداً يُراد له أن يوجَد، فلو قلنا إن الإله الأول هل يصح أن تتعلق قدرتُه بإيجاد هذا الجوهر؟ نعم يصح وحده.
والإله الثاني وحده هل يصح أن تتعلق قدرته بهذا الجوهر؟ نعم يصح.
الآن لو فرضناهما معاً لا منفصلين، فهل يصح أن تتعلق إرادتُهما بهذا الجوهر؟
لا يصح.
بيان ذلك: أن هذا الجوهرَ لو فرضنا أنه سوف يوجد، وفرضنا تعلقَ إرادة كل واحد من هذين الإلهين بهذا الجوهر، فإما أن يوجِد الإلهُ الأول هذا الجوهرَ ولا يوجِده الآخر، فيستلزم أن الآخر ليس بإله لأنه لم يستطع إيجادَ هذا الممكن. أو يوجِد الإلهُ الآخر هذا الجوهرَ ويعجز الأولُ فأيضاً يكون ليس بإله.
أو لا يوجده أيُّ واحدٍ منهما، فأيضاً لا يكون أيّ منهما إلهاً، أو أن يوجداه معاً وهذا مستحيل، لأن الإيجاد هو فعل واحد ويستحيل أن يقع هذا الفعل الواحد من فاعِلَيْن كل واحدٍ منهما مستقل بالإيجاد.
لا يوجد هناك احتمال آخر لهذه الحالة، فهناك أربعة احتمالات، وكلّ احتمال منها باطل، إذن لزم على فرض وجود إلهين أربعة احتمالات، كلها باطلة ولا يوجد غيرها.
ما لزم عن هذا الفرض كله مستحيل، إذن فالفرض مستحيل. إذا كان الفرض أصلاً مستحيلاً، فيستحيل إذن تعددُ الإله فيلزم من ذلك وجودُ إله واحد وهو المطلوب.
نحن انتقلنا من إثبات حدوثِ العالم إلى إثبات وجوبِ وجود الإله، بعد أن أثبتنا وجوبَ وجود الإله، نسأل: هل الإله أكثر من واحد، أم هو إله واحد؟ فنثبت وحدانية الإله بدليل التمانع.
بدليل الحدوث أثبتنا وجوبَ وجود الله، وبدليل التمانع أثبتنا وحدانيته. هذا هو ملخص دليل التمانع.
لو قلنا الان: لماذا لا يتم اتفاقٌ بين الآلهة فيوجِد كلُّ واحد منهما بعضَ الممكنات ؟
وهذا الاعتقاد موجود كما يفترض الكفار، فهناك من الناس من يعتقد وجودَ آلهة عدة، وكلُّ إله يتعلق ببعض الأفعال. لذلك فالعلماء بحثوا عن أدلة لإبطاله:
والجواب: لو فرضنا وجودَ حصة أو قسمٍ من العالم لكلِّ إله يلزم على ذلك أن تعلقات الإرادة الإلهية تتخصص، أي أنها غير كاملة وغير شاملة وهذا مستيحل، لأن التخصيصَ تحديدٌ، والتحديد نقص، واللائق بالإله هو الكمال وليس النقص.
إذن تخصيص الإرادة ببعض المتعلَّقات دون البعض الآخر فيه إثبات النقص للإرادة، ونقص الإرادة معناه نقص الإله وعدم كماله وهذا باطل.
لمَ لا يقال إن هذا التحديد الذي فرضناه لم يكن نتيجةً لإجبار الإله الأول للإله الثاني، بل الإله الثاني بمحض إرادته هو الذي اختار هذا الأمر؟
الجواب على هذا الاحتمال هو نفس الجواب على الاحتمال الأول؛ لأن الجواب على الاحتمال الأول لم يتم النظر فيه إلى من هو المخصِّص.
بل نظرنا فيه إلى أصل التخصيص.
الإمام السنوسي عبّر عن هذه الحالة بحالة الاقتسام، هنا حالة التمانع وهناك حالة الاتفاق.
حالة الاتفاق إما اضطراراً أو اختياراً، إما أن يضطر كلُّ إله للاتفاق مع الآخر أو يختار اختياراً.
في حالة الاضطرار فليس واحد منهما بإله؛ لأن الاثنين يكونا ناقصين. أما في حالة الاختيار فهذا محل الخلاف، فإما أن يكون الاختيار من نفس الإله أو من الإله الآخر، وكلاهما يعود بالتخصيص على تعلقات الإرادة، وأصل تخصيص تعلقات الإرادة مستحيل؛ لأنه يلزم منه تحديد تعلقات الإرادة، إذن على كل الأحوال سواء أكان في حالة الاقتسام الاضطراري أو في حالة الاختياري تكون النتيجة واحدة واللازم واحد وهو لزوم التخصيص على القدرة الإلهية والإرادة الإلهية بغض النظر عن السبب هل هو اضطراري أم اختياري.
الاقتسام الاضطراري من الواضح بطلانه لأمرين، الأول لأنه مضطر والثاني للزوم التخصيص.
ولزوم التخصيص يلزم أيضاً على الاقتسام الاختياري، فلزوم التخصيص عبارة عن لازم باطل يلزم على كلٍّ من الاحتمالين سواء الاقتسام الاختياري أو الاقتسام الاضطراري، ولكن الاضطراري يزيد على حالة التخصيص بالإجبار فتكون أوضح في البطلان.
هذا هو دليل التمانع بكل احتمالاته.
وهذا الدليل أشار إليه كثير من المتقدمين، بل جميع المحققين منهم ولكن توضيح هذه الحالات بهذه الطريقة ظهرت في وقت متأخر في القرن السابع والثامن.
أما في زمن الإمام الأشعري فكان يشير إليها إشارة، فكان يعبر عنها بعبارات تحتاج للتوضيح.

من الناس الذين غابت عنهم علةُ بطلان الاقتسام الاختياري (ملحم قربان) أحد الباحثين السياسيين، تكلم في كتابه (الإشكالات) على برهان التمانع، وقال إن المتكلمين لم يلتفتوا إلا إلى حالة التمانع، فقد أخذها من ظاهر اللفظ، فقال: لماذا أخذتم فقط حالةَ التمانع ؟ ألا يجوز للآلهة أن تتفق ؟
تصوَّرَ أن العلماء لم يجيبوا على هذا ولم يبحثوه، والحقيقةُ أنهم بحثوه بكل احتمالاته سواء أكان الاقتسام اضطرارياً أم اختياريّاً، ثم قال فلا بد من إعادة النظر في علم الكلام .

ملاحظة مهمة :
تقدم القول إن دليلَ التمانع مبنيٌّ على مجرد تصحيح إمكان التمانع وليس مبنياً على وقوع التمانع؛ لأن وقوعَ التمانع مبنيٌّ على تصحيح إمكانه، الدليل العقلي لا يُبنى على الوقوع نفسه بل على الإمكان.
هدفنا هنا هو إثبات استحالة إمكان التعدد، فإذا استحال إمكان التعدد استحال وقوع التعدد.
التمانع نفسه المبني على فرض التعدد لا يشترط فيه وقوعه بل إمكانه، ومجرد إمكان التمانع بيّناه بأن أخذنا كلَّ إله وحده وذلك في المقدمتين الأولتين اللتين ذكرناهما، إذا أخذنا كل إله وحده فالأصل أن تتعلق إرادتُه بسائر الممكنات، فالأصل أن هذا إذا كان جائزاً مع اعتبار كل إله وحده، فيجب أن يجوز مع اعتبارهما معاً ولكن لمّا لاحظناهما معاً لم ينتج عندنا الإمكان بل نتج الاستحالة.
إذن هذا دليل على أن كلَّ إله وحده له حكم وكل إله مع غيره له حكم، إذن هذا معناه أن النقص والتحديد يطرآن على الآلهة إذا تكثّرت، والأصل في الإله أن يكون كاملاً، مجرد إثبات أن الإله له حالة واحدة وهي حالة الكمال المحض الذي لا خلاف فيها عند ملاحظته وحده وأن هذه الحالة تشوبها شائبة عند ملاحظة أكثر من إله، التي هي إمكان التحديد. يثبت بطلان التعدد.
إذن احتمال تخصيص الإرادة صورة وعدم احتمال تخصيص الإرادة صورة أخرى، والأكمل هو عدم احتمال تخصيص الإرادة وهي اللائقة بالإله، ولكن إمكان تخصيص الإرادة إنما نشأ عند فرض التعدد، إذن فرض التعدد نفسه مستحيل لأنه يعود بالنقص على الإله.
عند احتمال الإله مع غيره يمكن التحديد وإن لم يقع، قد يقول بعض الناس: في الحقيقة قد لا يقع التحديد فقد يقول أحد الآلهة أنا لا أريد أن أخلق شيئاً ويفوض الإله الآخر بالخلق.
نقول: هذا الاختيار هل يمكن أن ينشأ عند هذا الإله إذا كان وحده؟ أم أنه نشأ عند ملاحظتنا لوجود إله آخر؟ إذن الإله الآخر سبب في تحديد إرادة الإله الأول.
العقل السليم والعقل الفطري يجزم ويقطع بأن صورةَ الإله وصفاتِ الإله عند ملاحظته وحده هي الأكمل من صورته وأوصافه عندما يكون مع إله مفروض آخر.
إذن مجرد فرض إله آخر يعود بالنقص على الكمال اللائق بالإله.
دليل التمانع دليل قوي جداً وهو دليل قطعي ويفيد استحالة وجود إله آخر.

هناك دليل أشار إليه الإمام التفتازاني وهو المذكور في الآية: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". هذا الدليل فيه استدلال. ليس بناءً على دليل التمانع الذي أوردناه بل هو استدلال بالاضطراد، هو مبني عليه ولكن ليس هو عين الدليل الأول.
فيه استدلال باضطراد الكون وتناسقه، وعلى لزوم صدور هذا الكون عن واحد واستحالة صدوره عن واحد آخر.
أصل هذا الاحتجاج أن أيّ إله من شأنه أن يتفرد بإرادته وبقدرته وباختياره، ولكن لو لاحظنا هذا الكون ولاحظنا اضطرادَ أحواله فهذا يدل على أن الإرادةَ واحدةٌ والمريدَ لهذا الكون واحدٌ.
من ملاحظة عدم الفساد في الكون ينتقل العقلُ إلى الجزمِ بعدم وجود أكثر من إله؛ لأنه لو كان هناك أكثر من إله لتخالفت إراداتُهم.
يمكن أن يقال: قد يتفق الإلهان على اتساق الكون وتنسيقه . . نقول: يستحيل أن يتفق اثنان ـ كلُّ واحد منهما حرّ بإرادته ومستقلٌّ باختياره ـ في هذا الكمِّ الهائل من الأحداث الجزئية والتفصيلية، ملايين الأحداث التي تحدث في الكون في كل لحظة وكل ساعة وكل دقيقة . . يستحيل عقلاً أن يحدث اتفاق بين إرادة إلهين كل واحد منهما مستقل بإرادته. هذا يعود بإثبات هذه الاستحالة إلى العادة (والعادة عبارة عن مصطلح أطلقه العلماء على بعض الأحكام). الآن يستدلون على الحكم العادي عن طريق الرياضيات واستخدام نظرية الاحتمالات الرياضية، نظرية الاحتمالات تقطع باستحالة وقوع مثل هذا القدر من الاتفاق من أكثر من فاعل مستقل.
لذلك فإن محمد باقر الصدر وقبله قرر هذا الكلامَ الشيخُ مصطفى صبري، والإمامُ الشهرستاني ذكره أيضاً، والإمامُ الآمدي كذلك. لكن الإمام محمد باقر الصدر استخدم نظريةَ الاحتمالات الحديثة، ومن قبله كانوا يستخدمون صيغهم القديمة ولكن كل هؤلاء اتفقوا على تصحيح الاستناد إلى نظرية الاحتمالات في الحكمِ بامتناعِ وجودِ هذا القدر من الاتفاق والتناسق بين إلهين كل واحد منهما حر الإرادة.
دليل التمانع الذي قال به العلماءُ أشارت إليه الآيةُ إشارة. ودليل الاضطراد الذي هو مستدل بمنطوق الآية: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" مأخوذ من نفس العبارة: الاستدلال من عدم وجود الفساد على عدم وجود أكثر من إله.
ولكن دليل التمانع لا يُتوقف في تقريره على النظر في الكون ولكن على مجرد الاحتمال العقلي، لذلك قلنا لا يتوقف تقرير الدليل على وقوع التمانع بالفعل ولا على عدم وقوع التمانع بالفعل، بل يتوقف على احتمال وجود التمانع. واحتمال وجود التمانع ينشأ في العقل حتى عند عدم ملاحظته لوجود الكون أصلاً.
لكن الإمام التفتازاني قال: ليس من منطوق الآية ولا من نصّها هذا الدليل، فهذا الدليل يُفهم منها بالإشارة، ولكن الإمام التفتازاني قال إن الآية تدل الناسَ على النظر في الكون، فالله سبحانه يقول إن هذا الكون الذي ترونه فيه غاية الإحكام وغاية التناسق، فهل يمكن أن يصدر هذا الإحكام التام وهذا التناسق التام من أكثر من واحد في حال اعتقادنا بأن كل واحد منهما حرٌّ في الإرادة ومختار اختياراً تامّاً.
العقل البشري يحكم ويجزم بأنه يستحيل أن يحصل مثل هذا الاضطراد من أكثر من إله.
هذا الدليل الذي أشار إليه الإمام التفتازاني سمّاه (الدليل الإقناعي). والدليل الإقناعي يفيد القطع هو دليل نتيجة النظر في الكون الموجود، ولكن دليل التمانع الذي أشار إليه العلماء ومنهم الإمام التفتازاني الذي هو الدليل الثاني يتم حتى دون ملاحظة وجود الكون، فهما مرتبتان: الدليل الأول دليل برهاني وهو دليل التمانع، والدليل الثاني دليل إقناعي لاعتمادنا فيه على العادة ونظرية الاحتمالات وليس على القطع العقلي، فنظرية الاحتمالات تقول: يستحيل عادة أن يحصل مثل هذا القدر من الاتفاق. وحكم العقل باستحالة وقوع مثل هذا القدر من الاتفاق حكم قطعي.
الفيلسوف ابن رشد الحفيد لعدم فهمه الفرقَ بين هذين الدليلين شنّع على المتكلمين وقال: الآية لا تدل على مرادِكم، ومرادُكم لا يتوافق مع مراد الآية.
وقد تحدّث عن دلالة دليل التمانع فقال: دليل التمانع يفيد استحالةَ وجود إله آخر، واستحالة وجود إله آخر هي مرتبة قبل النظر في العالم، ولكن الآية تقول: انظر في العالم لتعرف عدم وجود إله آخر.
خلط بين الدليلين ولم ينتبه إلى أن العلماء استنبطوا دليلين من الآية لا دليلاً واحداً.
ذكر هذا الكلام في كتاب (مناهج الأدلة)، ومعظم الباحثين المعاصرين يغترّون بمثل هذا الكلام.
ابن رشد غريب عن الشريعة، ومع ذلك يريد أن يُظهر نفسَه بأنه يريد أن يُعَلِّمَ المتكلمين كيف يفهمون القرآن.
فابن رشد قضى معظم حياته في فهم فلسفة أرسطو، وحين صرح بهذه الفلسفة عارَضَه الفقهاء وعارضه المتكلمون فحاول أن يُظهر نفسَه بأنه يفهم القرآن أكثر منهم.
دار حول دليل التمانع وطريقةِ التفكير هذه نزاعاتٌ كثيرة جداً بين المتمسّكين بأصول الشرائع وهم المتكلمون وبين المنحرفين عن أصول الشريعة سواء أكانوا فلاسفة أم علمانيين أم جهلة، فهؤلاء يقولون: من أين جئتم بدليل التمانع ومن أين جئتم بهذه التقسيمات وبهذه الاحتمالات العقلية، هؤلاء جهلة مثلهم مثل المجسمة والذين ينتسبون إلى الحديث وهم لا يفهمون هذه الأحاديث.
نقول لهؤلاء كما قلنا للسابقين: أنتم وظيفتكم أن تفهموا وتتعلموا من علماء أصول الدين وليست وظيفتكم أن تعلّموهم، لأن أي شخص إذا خرج عن مجال فهمه يَضلّ ويُضِلّ، فوظيفةُ المحدِّثِ الحكمُ على الحديث من حيث صحتُه، لا أن يضع أصولاً للدين وطريقةً لمناظرة الناس وتقريرِ العقائد.
هناك أدلة أخرى أقامها العلماء على وحدانية الله تعالى، ولكن اختار العلماء تقرير هذا الدليل في الكتب المختصرة؛ لأنه واضح وسهل ولأن لوازمه ومدلولاته واضحة وقطعية ولكن توجد هناك أدلة أخرى اتفق العلماء على بعضها وتميّز كل عالم بدليل اختاره.
كما قلنا في دليل الحدوث إن هناك أدلة أخرى على حدوث العالم، ولكن لسهولة هذا الدليل أدرجوه في كتب العقائد الأساسية، فكذلك دليل التمانع.

وحاصل الدفع أن الإمكان محال، وإنْ لم يقع تمانع بالفعل: مجرد الإمكان محال، فنحن لا نقول إنه يجوز أن يتفقا من غير تمانع، دليلنا قائم وتام على مجرد إمكان التمانع لا على وقوعه.
القاعدة الأساسية في دليل الوحدانية هي استحالة التخصيص سواء أكان هذا التخصيص من نفس الإله أي باختياره أو باضطراره، فمجرد التخصيص مستحيل، فإذا كان هذا هو الأساس الذي بُني عليه دليل التمانع يستنبط منه العلماء أنه ليس فقط يستحيل أن يوجد إله آخر خالق ورازق ومحيي ومميت بل يستحيل أن يوجد أيّ مخلوقٍ يفعل مثلَ فعلِ الله.
لم يفعلوا سوى أكثر من تعميم نتيجة هذا الدليل من مستوى الآلهة بأن يمتنع وجودُ إله آخر إلى مستوى المخلوقين، فقالوا: أيضاً يلزم من هذا الدليل أنه يستحيل أن يوجد مخلوق يخلق.
بالأولى إذا استحال وجود إله آخر يخلق أن يوجد مخلوق يخلق، فعمّموا لازمَ هذا الدليل من مستوى الآلهة إلى مستوى المخلوقات.
نحن نفينا وجودَ إله آخر لاستحالة تعدد وجود أكثر من خالق، فتعدد أكثر من خالق مبنى دليلِ التمانع، إذا استحال وجودُ أكثر من خالق استحال وجودُ إله آخر، فكيف نجوّز بعد ذلك أن يوجد مخلوق يخلق.
وإذا علمتَ أنه تعالى يجب له الوحدانية (فالتأثير) الاختراعُ والإيجادُ للأشياء من العدم (ليس) أي لا يصح لأحد (إلا للواحد القهار) وحده (جلّ وعلا): لا يوجد هناك شيء في المخلوقات يؤثر في غيره على سبيل الخلق. هم لم ينفوا إلا الخلق عن المخلوقات أي الإيجاد من عدم، ولم ينفوا ما سوى ذلك، دليلُ نفيِهِم هذا الأمرَ عن كلِّ ما سوى الله سبحانه وتعالى هو دليل التمانع.
إذن دليل التمانع قوي جداً، يفيد في نفي إله آخر ويفيد في نفي الخلق عن المخلوقات.
لذلك قال: (فالتأثير) الفاء هنا تعقيبية، كأنه يقول: نستنتج مما مضى أن هذا الدليلَ الذي من لوازمِه نفيُ إلهٍ آخر أن من لوازمه الأخرى نفيَ التأثير عن المخلوقات.
ليس نفيَ المخلوقاتِ كما يقول ابن عربي في وحدة الوجود، بل نفي تأثير المخلوقات وأن تكون خالقة.
فلا تأثيرَ لقدرتنا في شيء من أفعالِنا الاختيارية كالحركات والسكنات والقيام والقعود ونحو ذلك، بل جميعُ ذلك مخلوقٌ له سبحانه وتعالى بلا واسطة: أي خلقاً مباشراً ليس كما تقول المعتزلةُ إن اللهَ فوّض إلينا أن نخلق أفعالَنا، وبما أننا نحن الذين نخلق أفعالنا والله خلقنا فالله خالق.
ولكن هذا باطل؛ لأنه يلزم منه أن اللهَ يكون قد خلقنا ولم يخلق أفعالنا، أما أهل السنة فيقولون هو خالقٌ لنا وخالقٌ لأفعالنا بلا توسّط منّا بينه وبين أفعالنا. ونحن لا نخلق أفعالَنا بل نكتسبها.كما أن قدرتَنا مخلوقةٌ له تعالى، "والله خلقكم وما تعملون"، أي وخلق عملَكم.
فإن قلتَ: إذا لم يكن لنا قدرةٌ على إيجاد شيء، فكيف يُنسب لنا العمل؟ وكيف يصحّ تكليفُنا به ونخاطب به، قال تعالى: "وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسولُه"، وذلك كثير في الكتاب والسنة.هنا الإشكال: إذا نحن نفينا الخلق عن أنفسنا فكيف يُنسب إلينا عملنا؟
قلنا: النسبة إلينا ومخاطبتُنا بتحصيله من حيث إنه كسب أو اكتساب لا من حيث إنه إيجاد واختراع. لا ننكر أن يُنسب الفعلُ إلينا، ولكن هذه النسبة لا يشترط أن تكون على سبيل الخلق بل هي على سبيل الكسب أو الاكتساب.
وتوضيح ذلك أن قدرته تعالى أبرزت الأشياءَ على طبق إرادته من العدم إلى الوجود، وهذا الإبراز هو المسمّى بالإيجاد والاختراع، وهو المراد بتعلّق القدرةِ القديمة، وأما قدرتُنا فقد تعلقت ببعض الأفعال، وهي الأفعال الاختيارية، أي التي لنا فيها الاختيارُ والميلُ والقصدُ من غير إيجاد واختراع. وهذا التعلّق على طبق إرادتنا هو المسمّى بالكسب والاكتساب، فتعلُّقُ قدرةِ اللهِ تعالى على وَفق إرادته تعلّقُ إيجاد. وتعلّقُ قدرتِنا على طبق إرادتِنا تعلّقُ كسب، أي تعلّقٌ هو كسب لا إيجاد. فأفعالُنا الاختيارية قد تعلّقت بها القدرتان: القدرة القديمة والقدرة الحادثة. وليس للقدرة الحادثة تأثير، وإنما لها مجرد مقارنة، فالله تعالى يخلق الفعلَ عندها لا بها، كالإحراق عند مماسّة النار للحطب، فمن حيث إنه خلق لنا ميلاً إلى الشيء وقصداً إليه، وخلق لنا قدرةً مصاحبة لخلقه تعالى ذلك، الذي قصدناه نسب إلينا ذلك الفعل وطُلِبنا به؛ إذ هو في ظاهر الحال يتراءى أنه فعل للعبد، وإذا نُظر إلى دليل التوحيد قطع الناظرُ بأن الفعل ليس مخلوقاً إلا لله تعالى، وإلا لزم الشريك له تعالى عن ذلك، فعُلمَ أن هذا التعلّقَ عبارةٌ عن مقارنة القدرة الحادثة من غير تأثير، وبحسبه تُضاف الأفعال للعبد كقوله تعالى: "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت".
ويترتب الثواب والعقاب بمحض الفضل أو العدل، ويُسمّى العبد حينئذٍ مختاراً، وعند خلق الله تعالى الفعلَ في العبدِ بلا قدرة له مقارِنة يُسمى مجبوراً ومضطرّاً، وقد تفضّل الله سبحانه علينا في هذه الحالة بإسقاط التكليف، ولو شاء لكلّفنا عندها أيضاً، والفرقُ بين الحركة الاحتيارية والاضطرارية مما هو بدهي عند كلِّ عاقل، فبطل قول الجبرية بأنه لا قدرةَ للعبد تقارِن فعلاً له أصلاً، بل هو مجبورٌ ظاهراً وباطناً، كالخيط المعلّق في الهواء تميله الرياحُ بلا اختيار له في شيء، أصلاً:
نحن نقول: يوجد لنا قدرة ولكن قدرة ليست خالقة بل هي مكتسِبة، أما الجبرية فيقولون: لا قدرة أصلاً للعبد، والعبد كالشجرة أو ورق الشجر تنقله الريح دون اختيار منه.
وقول القدرية بتأثير القدرة الحادثةِ في الأفعال على طبق إرادة العبد: أيضاً خلاف قول القدرية الذين قالوا بتأثير القدرةِ الحادثة في الأفعال على طبق إرادة العبد، لأنهم قالوا إن الله سبحانه أودع فينا قدرةً ونحن نخلق أفعالَنا بهذه القدرة.
والجبرية كفّارٌ قطعاً؛ لأن مذهبهم ينفي التكليف الذي جاء به الرسل عليهم السلام، وفي كفر القدرية خلاف، الأصح عدم كفرهم، لأنهم وإنْ لزمهم إثبات الشريك لله تعالى إلا أنهم لمّا أثبتوا لله تعالى خلق العبد وقدرته وإرادته صار فعلُ العبد في الحقيقة مخلوقاً له تعالى:
حين يقول العلماء: (الأصح) يعني أن هناك خلافاً قوياً بين العلماء، لو قال: (الصحيح) يكون الحكم بكفرهم باطلاً، ولكن كلمة (الأصح) تعني أن الذي قال بتكفير القدرية له وجه.

احمد سعيد احمد
23-05-2004, 12:30
ومَنْ يَقُلْ بالطبعِ أو بالعلّهْ
فذاكَ كُفْرٌ عند أهلِ الملّهْ

ومَنْ يَقُلْ بالقوّةِ المودعةِ
فذاك بِدْعيٌّ فلا تلتفتِ
وعُلم أيضاً أنه لا تأثير للأمور العادية في الأمور التي اقترنت بها، فلا تأثيرَ للنارِ في الإحراق، ولا للطعام في الشبع ولا للماء في الريّ، ولا في إنبات الزرع ولا للكواكب في إنضاج الفواكه وغيرها، ولا للأفلاك في شيء من الأشياء، ولا للسكين في القطع، ولا لشيء في دفع حرّ أو بردٍ أو جلبهما، أو غير ذلك، لا بالطبع ولا بالعلة ولا بقوة أودعها الله فيها، بل التأثير في ذلك كله لله تعالى وحده، بمحض اختياره عند وجود هذه الأشياء:
بنفس الطريقة التي نتحدث فيها عن قدرتنا من حيث إنها ليست خالقة بل هي مكتسِبة، فكذلك كل الأشياء التي في الكون فلا يوجد منها شيء خالق وإنما هو اكتساب أو تقارن.
(ومن يقل) من أهل الضلال كالفلاسفة (بالطبع) أي بتأثير الطبع أي الطبيعة والحقيقة، بأن يقول إن الأشياءَ المذكورةَ تؤثر بطبعها، (أو) يقل (بالعلة) أي بتأثيرها، بأن يقول إن بعضَ الأشياءِ علةٌ أي سببٌ في وجود شيءٍ من غير أن يكون لله تعالى فيه اختيار.
والفرق بين تأثير الطبع وتأثير العلة وإن اشتركا في عدم الاختيار أن التأثيرَ بالطبع يتوقف على وجودِ الشرط وانتفاء المانع، كالإحراق بالنسبة للنار، فإنه يتوقف على شرطِ مماسّةِ النار للشيء المحرِق، وانتفاءِ مانع البلل فيه مثلاً، وأما التأثير بالعلّة فلا يتوقف على ذلك، بل كلما وُجدت العلةُ وُجد المعلول، كحركة الخاتم بالنسبة لحركة الإصبع، ولذا كان يلزم اقتران العلة بمعلولها ولا يلزم اقتران الطبيعة بمطبوعها، أي لتخلّف الشرط أو انتفاء المانع.
(فذاك) القائل (كفرٌ) أي كافر، أو ذو كفر، ويصح رجوع اسم الإشارة للقول المفهوم من (يقل)، فالحمل ظاهر على معنى: فقوله كفر، فيكون القائل به كافراً، لأنه أثبت الشريك والعجز لله تعالى عن ذلك.
(عند) جميع (أهل الملّة) أي ملة الإسلام، والملةُ والدينُ والشريعةُ عبارة عن الأحكام الشرعية، فهي متحدةٌ بالذات لكنها مختلفةٌ بالاعتبار: مصداقها واحد، ومفهومها مختلف من حيث الاعتبار، لماذا؟
لأن الأحكامَ الشرعية من حيث إنها تُملى لتنقل ملّةٌ. ومن حيث إنها يُتدين بها، أي يُتعبّد بها دينٌ. ومن حيث إنها شُرعت أي بيّنها الشارع شريعةٌ، أي مشروعة.
واعلم أن الفلاسفةَ كما قالوا بتأثير الطبائع والعلل قالوا إن الواجب الوجود أثّر في العالم بالعلة، فهو تعالى علّة فيه: هذا هو الفرق الكبير بيننا وبين الفلاسفة، وكلّ ما مضى يترتب عليه، فقالوا إن الله سبحانه واجبَ الوجود أثّر في العالم بالعلة، فهو تعالى علةٌ فيه؛ فلذا قالوا إن العالَمَ قديمٌ؛ لأنه يلزم من قدم العلة قدم المعلول، فقد أثبتوا له تعالى عدم الاختيار وعدم القدرة. فنفَوا الإرادة كذلك الشيعة نفَوا إرادةَ الله سبحانه. لأنهم أرجعوا الإرادة إلى العلم.
وكذلك عدم القدرة، لأن (القادر) هو الذي إنْ شاء فعل وإن شاء ترك، أما الذي لا يتوقف فعلُه على مشيئته فليس بقادر، كالنار لا يتوقف فعلُها على مشيئتها فلا يُطلق عليها أنها قادرة.
أما القادر فهو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك فعلَه، أما الذي لا يستطيع تركَ فعلِه فليس بقادر، بل هو فاعلٌ إما بالطبيعة أو بالعلة.
أهل السنة يقولون إنه لا يوجد فاعلٌ بالطبيعة ولا بالعلة وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي أوجد جميعَ هذه الأشياء على صورتها.
ولا شكّ في كفرهم عند المسلمين.
والحاصل أن الفاعلَ بحَسَب الفرضِ والتقدير ثلاثة: فاعلٌ بالطبع وفاعلٌ بالعلّة وفاعلٌ بالاختيار، وهو الذي إنْ شاء فعل وإنْ شاء ترك: هذا بحسب الفرض والتقدير لا بحسب الواقع والخارج، فالواقع أنه ليس هناك إلا فاعل واحد هو الفاعل المختار الخالق.
وكلُّها قال بها الفلاسفة: الفلاسفة قالوا: الإنسان فاعلٌ مختار والله فاعلٌ بالعلّة. والثالث كالإنسان عندهم. وأما المسلمون فلم يقولوا إلا بالأخير، ثم هو مخصوص بالواحد القهّار سبحانه وتعالى.
(ومن يقل) من أهل الزيغ إن هذه الأمور العادية تؤثر (بالقوة المودعة) أي بواسطة قوة أودعها الله تعالى فيها كما أن العبد يؤثر بقدرته الحادثة التي خلقها الله تعالى فيه، فالنار تؤثر بقوة خلقها الله تعالى فيها، وكذا الباقي (فذاك) القائل (بِدْعِيٌّ) نسبة للبدعة خلاف السنة؛ لأنه لم يتمسك بسنة السلف الصالح التي أخذوها عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وليس بكافر على الصحيح لما تقدم:
(الذي تقدم): لأنه أرجع الجميع إلى الله تعالى، أي أرجع القوة المودعة إلى الله تعالى.
وإذا كان بدعياً (فلا تلتفت) أي لقوله، بل يجب الإعراض عنه والتمسّك بقول أهل السنة من أنه لا تأثير لما سوى الله تعالى أصلاً لا بطبع ولا علة، ولا بواسطة قوة أودعت فيها، وإنما التأثير لله وحده بمحض اختياره.
فإن قلتَ: إن بعض أهل السنة قال بالتأثير بواسطة القوة، ورجّحه الإمام الغزالي والإمام السبكي كما نقله السيوطي، فكيف يكون القائل به بدعياً وفي كفره قولان؟
قلتُ: معنى القول بالتأثير بالقوة عند بعض أئمتنا أن الله تعالى هو المؤثر والفاعل بسبب تلك القوة التي خلقها تعالى في تلك الأشياء، فالتأثير عنده لله وحده وإنْ كان بواسطة تلك القوة، وأما القدرية فينسبون التأثير لتلك الأشياء بواسطة القوة ففرق بين الاعتقادين. ومع ذلك فالراجحُ الأولُ وهو أن التأثير له وحده عندها لا بها، وإنْ جرت العادة بأنه إنما يحصل التأثير عندها.
ثم أشار ـ غفر الله له ـ إلى برهان الصفات السلبية إجمالاً بقوله:
لو لمْ يكُنْ مُتَّصِفاً بها لَزِمْ
حدوثُه، وهو محالٌ فاستقمْ
(لو لم يكن) أي إنما وجب اتّصافه بالصفات السلبية؛ لأنه لو لم يكن (متصفاً بها) بأن كان غيرَ قديم أو باقٍ أو كان مماثلاً للحوادث أو غير قائم بنفسه أو غير واحد فيما مرّ (لزم حدوثُه) تعالى عن ذلك. أما القدم فظاهر: أما لزوم الحدوث عن نفي القدم فظاهر؛ لأنه لو لم يكن قديماً لكان حادثاً.
وأما البقاء: وأما لزوم الحدوث عند انتفاء البقاء فلأنه لو لم يكن متصفاً به لم يكن قديماً؛ لأن مَن ثبت قدمُه استحال عدمُه، وإلا لكان جائزَ العدم، فيحتاج إلى مرجِّح، وكلّ محتاج إلى مرجّح حادثٌ.
وأما القيام بالنفس؛ فلأنه لو قام بغيره لكان عَرَضاً، وقد تقدم بيان حدوث الأعراض. أو كان صفة قديمة قائمة بموصوفها، فيلزم أن لا يتصف بصفات المعاني لما مرّ وهو باطل.
وأما المخالفة للحوادث فلأنه لو ماثل منها شيئاً لكان حادثاً مثلها. وأما الوحدانية فلأنه لو كان له نظير في ذاته أو صفاته للزم العجز لما مرّ، وكلُّ عاجز حادثٌ.
(وهو) أي الحدوث عليه تعالى (محال) لا يقبل الثبوت عقلاً. وهذا إشارة إلى الاستثنائية، فهو في قوة قولنا: لكن حدوثه محال. (فاستقم) تكملة، ولا تخلو عن فائدة، وإنما كان حدوثه محالاً:
لأنه يُفضي إلى التسلسلِ
والدَّورِ، وهو المستحيلُ المنجلي
(لأنه يفضي) أي يؤدي (إلى التسلسل) إنْ استمر العدد إلى ما لا نهاية له، وهو محال لما مرّ. (و) أي أو يفضي إلى (الدور) إن لم يستمر بأن رجع إلى الأول، فيكون الأول متأخراً والمتأخرُ أولاً. (و) الدَّور (هو المستحيل المنجلي)، أي الظاهر لظهور دليله. وقد مرّ، وإذا كان كلّ من التسلسل والدَّور محالاً فما أفضى إليهما وهو الحدوث يكون محالاً، وإذا كان الحدوث عليه تعالى محالاً ثبت اتصافُه تعالى بالصفات السلبية على ما تقدم بيانه. وقد تقدم برهانُ كلِّ صفة على حدتها تفصيلاً أيضاً عند ذكرها. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

دليل التطبيق:
هناك دليل أقامه العلماء على بطلان الدور، ودليل أقامه العلماء على بطلان التسلسل.
الدليل على بطلان الدور أن الشيء يكون سابقاً لنفسه وهذا مستحيل؛ لأن في الدور يكون (أ) ناتجاً عن (ب)، و(ب) ناتج عن (أ)، فيكون (أ) سابقاً لنفسه ومسبوقاً في نفس الوقت وهذا تناقض. هذا يسمونه الدور من الدرجة الأولى.
يمكن أن يكون من الدرجة الثانية بأن يكون مكوّناً من (أ)، (ب)، (ج)، . . . وهكذا.
الدور بطلانه واضح.
أما التسلسل فهو أن يقال: (أ) أوجده (ب)، (ب) أوجده (ج)، و(ج) أوجده (د)، وهكذا لا إلى بداية.
يعني أن لا يوجد بداية لهذه الحلقات.
هذه هي الصورة التي يطلق عليها اسم التسلسل، إذا تحققت هذه الصورة في أيّ برهان يحصل اسم التسلسل.
الفلاسفة يقولون: الذي أوجد الصورةَ الحالية للعالم هي الصورةُ التي قبلها، والتي أوجدت هذه الصورة التي قبلها، وهكذا لا إلى بداية، فلا بداية للصور التي وُجدت.
نحن نقول: هذه الهيئة من الهيئات التي تفترضونها هي تسلسل. الذي نقوله إن الله تعالى هو خالق الكلّ، فلا يوجد تسلسل في الصور ولا في الفاعِلين لا إلى بداية، بل هناك انقطاع، فهناك فاعل واحد هو الذي فعل كلَّ هذه المفعولات.
نبطل نحن الآن أن يكون العالم موجوداً على هيئةٍ تتحقق فيها صورةُ التسلسل، نحن نقول لهم: هذا التسلسل الذي تبنون صورة العالم بناء عليه مستحيل، فكيف تقولون إن العالم وُجد بناء على هذه الصورة، هذا يعني أن العالم لو كان على هذه الصورة لاستحال وجودُه؛ لأن ما بُني عليه مستحيل.
العالم موجود إذن يستحيل أن يكون مبنياً على صورة التسلسل. هذا الاستدلال نواجه الفلاسفةَ به، فيسألون: ما هو الدليل على بطلان التسلسل؟
إذا أثبتنا لهم بطلانَ التسلسل بدليلٍ ما ينخرم مذهبهم.
لذلك فقد حاول العلماء أن يبتكروا أدلةً على بطلان التسلسل، عندهم أدلة عدة، ولكن المشهور استخدامه هو دليل التطبيق، اشتُهر استعماله لسهولته ووضوحه.

ما هي حقيقة هذا الدليل؟
قال العلماء: سلّمنا ـ تنزلاً ـ لكم أيها الفلاسفة صورة التسلسل، بأن صورة العالم الحالية وُجدت من التي قبلها وهذه من التي قبلها، وهكذا، وإذا سلّمنا هذه الصورة ألا يمكن أن نفرض سلسلةً أخرى غيرها أم لا؟
نعم، ممكن. هذه الصورة تنتهي الآن ولا بداية لها، لنأخذ سلسلة أخرى تكون نهايتها قبل سنة وليس اليوم . . .
هذه السلسلة الثانية نفرض وجودها ويمكن أن توجد، والفلاسفة لا يخالفون في إمكانية وجودها.
سلسلة (أ) تنتهي اليوم. سلسلة (ب) تنتهي قبل سنة.
الآن سنحصر كلَّ سلسلة في أذهاننا، وكلٌّ من السلسلتين تتألف من جزئياتٍ . . حوادثٍ مترتبةٍ بعضها على بعض لا بداية لها.
هذه السلسلة المفروضة تتألف من الأحداث والعلل والمعلولات، والفلاسفة يدّعون أن طرف السلسلة مقطوع والطرف الثاني ليس مقطوعاً، بل كلّما قدّرت حادثاّ فهناك قبله حادث.
نقول: نحن نسلّم لكم بأن السلسلة (أ) تنتهي الآن، ولكن محل الخلاف هو في البداية، هم يقولون: لا يوجد حادث هو أول الحوادث.
نقول: لنأخذ الحلقة الأخيرة من السلسلة (أ) والحلقة الأخيرة من السلسلة (ب)، ونطبق بينهما ونزيلهما من اعتبارنا.
يقول العلماء: إذا انتهت كلّ من السلسلتين معاً بعد التطبيق فهما متساويتان ومقطوعتان، فهما ليستا لا بداية لهما، وإذا لم تنتهيا معاً فأيضاً متساويتان.
ولكن الفرض يقول إنهما غير متساويتين؛ لأنهما متساويتان في اللابداية وتزيد إحداهما عن الأخرى في النهاية، فكيف نقول إنهما غير منتهييتين معاً بعد التطبيق، فإما أن تنقطع السلسلة الثانية وتبقى حلقاتٌ في الأولى، أو تنتهيان معاً، أو تنتهي (ب) وتبقى (أ) أو لا تنتهي أيٌّ منهما:
1. إذا انتهيتا معاً فهما معاً لهما بداية، وإذا كانت كل واحدة منهما لها بداية فالفرض الذي يفرضونه باطل، وهو أنه ليس لهما بداية.
2. إذا انتهت الثانية وبقيت الأولى، فنحن نجزم أن الأولى لها بداية لأن الثانية إذا انتهت فلها بداية ولكن الأولى تزيد عن الثانية بعدد محدود، وما زاد عن المحدود بمحدود يجب أن يكون محدوداً.
3. أيضاً الصورة العكسية يلزم عنها ما لزم عن الاحتمال الثاني.
4. بقي الاحتمال الرابع وهو أن لا تنتهي أيّ واحدة منهما، وهذا يعني أن (أ) تساوي (ب) ولكن نحن نجزم ونقطع بأن (أ) لا تساوي (ب) فكيف نتج أن (أ) تساوي (ب).
إذن المقدمة المقطوع بها والمسلّم بها من الطرفين يلزم عليها فرض مستحيل وهو أن لا تنتهي أيّ من السلسلتين.
إذا كانت النتيجة باطلة فالفرض أصلاً باطل، وهو افتراض أن السلسلة الأولى لا بداية لها.
القول بأن السلسلة الأولى تزيد عن الثانية فرض باطل قول غير صحيح؛ لأن هذه الزيادة أمرٌ مشاهَد فكيف يكون باطلاً.
ولكن الذي نشاهده وادّعيَ ادعاءً منهم هو جانب الأزل، وقد سلّمنا تنزلاً بذلك لكن من ناحية الحاضر نجد أن هناك سلسلة أطول من الثانية وهذا مسلّم به بالمشاهدة والفرض الرياضي الصحيح.
من برهان التطبيق يلزم عندنا أنه يستحيل وجود سلسلة لا بداية لها، لأن كل الاحتمالات اللازمة عن هذا الفرض تكون باطلة، وما دامت كل الاحتمالات اللازمة عنه باطلة إذن فهذا الفرض باطل.
إذن اللازم لا يمكن تحقق سلسلة لا بداية لها، فكل السلسلات من الخلق والمخلوقات لها بداية.
وهذا الفرض هو المطابق للشريعة، فقد ورد في الشريعة بأن الله سبحانه وتعالى هو الأول، ومعنى كلمة (الأول) الذي لم يسبقه شيء ولم يساوقه شيء. إذن كل ما سواه له بداية.
وهذا الكلام متطابق مع حديث الرسول ـ صلى لله عليه وسلم ـ: "كان الله ولم يكن شيء معه"، لأن هذا الحديث نصٌّ في إبطال التسلسل. وهنااك رواية أخرى: "كان الله ولم يكن شيء غيره"، ورواية أخرى: "كان الله قبل كل شيء".
كل هذه النصوص من السنة ومن القرآن متطابقةٌ مع الاستدلال العقلي، ومع الأحاديث الأخرى التي تقول: أول المخلوقات القلمُ . . . فهناك شيء اسمه (أول المخلوقات) بغض النظر عن ماهيته.
إذن أصبح هناك تطابقٌ بين الأدلة العقلية التي أوردها علماءُ الكلام وبين الأدلة النقلية التي وردت في الكتاب والسنة.
وهناك تعارض واضح بين هذه المقررات من جهة وبين كلام الفلاسفة من جهة، ابن تيمية إذا جوّز التسلسل يلزمه نفيُ الخالق أو التناقضُ في مذهبه، ونجد عنده تناقضاً في مذهبه.
لذلك لا يوجد هناك دليل عقلي على وجود الله عند ابن تيمية، فالأدلة التي يحتجّ بها هي دليل واحد يسميه دليل الفطرة، فيقول إن الفطرة هي الخِلقة التي خُلقنا عليها.
نقول: الله سبحانه يقول: "واللهُ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً". لا سبيل لإثبات وجود الله بالدليل العقلي إلا بنفي التسلسل.
ألّف ابنُ تيمية رسالةً خاصة في تأويل حديث عمران بن حصين: "كان الله ولم يكن شيء معه".
لأن هذا الحديث إذا ثبت فإنه يُبطل مذهبَه.
الإمام ابن حجر قال له: إذا سلّمنا ـ تنزلاً ـ بطلانَ كلِّ الروايات من حديث عمران بن حصين، فما تفعل في الروايات الأخرى التي رويت عن غيره وتقول: "كان الله قبل كل شيء"، فهذا الحديث أصرح في الدلالة من كل الأحاديث الأخرى فلماذا لم يلتفت إليه ابنُ تيمية.
لم يلتفت إليه لأنه مبتدع والمبتدع يريد أن يخترع شيئاً من عنده لا أن يطابق ما هو موجود في الكتاب والسنة.
يقول الفلاسفة: الله سبحانه علة للموجودات، والموجودات تفيض عنه فيضاً، والله سبحانه هو واحد من كل جهة، أي لا يوجد هناك صفة لله، بل هو وجود مطلق لا يقيده قيد ولا يُشترط فيه شرط ولا ينتفي عنه شرط. هو مطلق حتى عن قيد الإطلاق.
يقولون: هذا هو واجب الوجود، وواجب الوجود الواحد من كل جهة لا يوجد عنه إلا واحد. (نظرية الفيض).
يقولون: يوجد عنه العقلُ الأول، يسمّونه الموجودَ الأول، هذا العقل الأول واحد من كل جهة، ولكن لأنه فاض عن واجب الوجود، فهناك ما يسمى بالاعتبار.
هناك وجود حقيقي واعتبار نسبي لكونه فائضاً عن واجب الوجود، فصار هناك نوعٌ من التركّب.
العقلُ الأول فاض عنه العقلُ الثاني وفاض عن العقلِ الثاني العقلُ الثالث، وهكذا إلى العقل العاشر.
فصار عندهم نظريةُ العقول العشرة، ولكل عقل من العقول سوى العقل الأول نفس وفلك.
صار عندهم عشرة عقول وتسع نفوس وتسعة أفلاك.
العقل العاشر تحته الفلك التاسع، تحت هذا الفلك التاسع يوجد عالم الكون والفساد (الذي هو نحن . .) عالم المتغيرات.
نظرية عبارة عن خيالات.
ما فوق الفلك التاسع لا يوجد هناك تغيّر، كلها أمور ثابتة. ما دون الفلك التاسع يسمى عالم الكون والفساد لأن فيه تكويناً وإفساداً أي تغيرات.
كيف تصير هذه التغيرات؟
يقولون: تصير نتيجة الحركة الدورية، إذا كانت الحركة على الاستقامة فلا ينتج عنها تغيّر، فهم يقولون: لا يوجد حركة مستقيمة لا نهاية لها، بل كل حركة مستقيمة لها انقطاع ولكن إذا كانت حركة مستديرة فيمكن أن يكون لا نهاية لها، ولا أول لها.
هم هربوا من التسلسل لأننا نفرضها على الاستقامة.
قالوا: لو كانت الحركة على الاستقامة لانقطعت، ولكن الحركة التي نفرضها نحن ـ الفلاسفة ـ وهي علة للحوادث ليست على الاستقامة بل حركة دورية.
نقول لهم: الدور أولى في البطلان من التسلسل.
لجأوا إلى نظرية العاشق والمعشوق وهي العلاقة بين الفلك والنفس والعقل الأول (نظرية العشق)، والعاشق يحاول أن يتكيّف بصورة المعشوق، والمعشوق الذي هو العقل كروي الشكل؛ لأن الكرة أكمل الأشكال.
كلام لا قيمة له. فكله كلام خيالي.
إذن لجأوا للانفكاك عن التسلسل بالحركة الدورية، ولكن الحركة الدورية فيها إشكالات كبيرة جداً.
يريد الفلاسفة من هذا كلِّه الهروبَ من القول بأن الله فاعلٌ بالإرادة، فالله عندهم فاعلٌ بالعلة، فالله لم يوجَد عنه إلا موجود واحد فقط هو العقل الأول.
الفرق بين العقل الأول وبين الله عزّ وجلّ أن العقل الأول صار بينه وبين الله نسبة وهي نسبة الفيضان.
قال لهم المتكلمون: هذه النسبة ليست وجودية، بل هي أمر اعتباري، فكيف جعلتم هذا الأمر الاعتباري مؤثراً في التغاير والمفارقة.
كثير من متأخري الفلاسفة لا يقولون بمثل هذا الكلام، بل يحاولون أن يوجِدوا نظرياتٍ جديدةً أقوى من تلك نتيجة الإشكالات الكبيرة التي وجّهها المتكلمون لنظرية الفيض، فكثير من الفلاسفة المتأخرين صاروا يميلون إلى وحدة الوجود، أي ليس هناك خالق ومخلوق بل الخالق عين المخلوق.
دليل التسلسل ينبني عليه أمور كثيرة جداً؛ لذلك فالمتكلمون دائماً ينصّون على التسلسل والدور وأن كلاهما باطل ومحال.
يريدون أن يغرسوا غرساً في عقول الناس بطلانَ هذه المسألة؛ لأن مجرد تجويزها ينبني عليه إشكالات كبيرة جداً.

ثمّ فرّع على ما ذكره من صفات السلوب بعضَ أسماء وتنزيهات فقال:
فهو الجليلُ والجميلُ والوليْ
والطاهرُ القدّوسُ والربُّ العليْ
(فهو) سبحانه وتعالى (الجليل) العظيم الشأن الذي يخضع لجلاله كلُّ عظيم، ويُستحقر بالنسبة لعظمته كلُّ فخيم، والأظهر أن الجلالَ يرجع للصفات السلبية والكمالية معاً لا لإحداهما فقط. كما قيل بكلٍّ: الفاء في (فهو) تعقيبية، أي يلزم على ما مضى أن الله سبحانه جليل، وفسّّر الجليلَ بأنه عظيم الشأن ويُستحقر بالنسبة لعظمته كلُّ فخيم ويخضع لجلاله كلُّ عظيم.
معنى أن (الجليل) يرجع للصفات السلبية والكمالية معاً، أي أن الواحد لا يكون جليلاً إلا إذا كان متصفاً بصفات الكمال وبصفات السلب، أي يجب اجتماع الصفات الكمالية والسلبية معاً.
لو كان الواحد متصفاً بالقدرة وهناك غيرُه كثيرون متصفون بنفس القدرة فلا يكون متصفاً بالجلال لاشتراكه مع غيره.
ولكن لو كان قادراً ولا قادر غيره، لو كان قادراً وهو الباقي . . يلزم على ذلك الجلال.
إذن وصف الجلال يصح إطلاقُه على من اتّصف بالصفات الكمالية والصفات السلبية، هو لازم عنهما معاً.
(كما قيل بكلٍّ): بعض العلماء قال: الجليل هو الذي يتصف بصفات المعاني فقط، وبعضهم قال الجليل هو الذي يتصف بالصفات السلبية، ولكن الأظهر هو أنه يرجع إليهما معاً.
(والجميل) أي المتّصفُ بصفات الجمال والكمال من علم وحياة وقدرة وإرادة وغيرها، وإنما تتمّ بالتنزيه عن كلِّ عيب ونقص مما لا يليق بالجناب الأعزّ الأحمى:
إذا كان الله سبحانه جميلاً فيجب أن يكون متصفاً بصفات الجمال والكمال من العلم والحياة والقدرة وغير ذلك، ولكن هل هذه يمكن أن يتصف الله سبحانه بها إذا كان غيرَ منزَّهٍ عن العيوب؟ هذا مستحيل.
إذن شرط اتصافه بها هو كونه منزهاً عن كل عيب ونقص.
ويندرج في ذلك اللطفُ والحِلْمُ والكرم وغير ذلك مما لا يُحصى؛ إذ هي ترجع للإرادة أو مع القدرة، ولجلاله ترى العارفين به تعالى من هيبته خاشعين، ولجماله تراهم من حبّه مولَهين: كل هذه الأسماء تكون مركبة من الأمرين معاً، فلا يكون الواحد لطيفاً إلا إذا كان قادراً عالماً ومع ذلك منزهاً عن النقائص.
هذه المسألة التي هي إرجاع الكثير من الأسماء الحسنى إلى الصفات الأولى الأساسية التي هي الصفات السلبية والصفات المعاني . . هذه المسألة مهمة جداً جداً، فكثير من الناس يهملونها ولا يعرفون حقيقتها، يظنون أن العلماء لو اقتصروا على الصفات السبع أو الثلاثة عشر أنهم ينفون باقي الأسماء ولكن الحقيقة انهم لا ينفون، ولكنهم يقولون إن كل الأسماء الباقية ترجع إليها، فلا يمكن أن نقول إن الله سبحانه منتقم إلا إذا كان قادراً، وإذا لم يكن عالماً فمِمَّن سينتقم.
منتقم أي قادر وعالم، وإذا لم يكن مريداً فكيف ينتقم. إذن منتقم أي قادر وعالم ومريد.
إذا كان منتقماً ومثله كثير فسيحصل خلاف، إذن يجب أن يكون منزهاً عن المخالفة والمثل والشبيه..
إذن المنتقم يكون مركباً من صفات أخرى، كذلك المصوِّر . . فكيف يكون مصوراً وهو غير عالِم وغير قادر وغير مريد؟!
أرجَعُوا بقية الأسماء الحسنى إلى المعاني والسلبية، وجعلوها أركان الصفات فهي الصفات الكبرى الأساسية التي ترجع إليها باقي الصفات.
(والولي) أي مالك الخلائق، ومتولي أمورهم. (والطاهر) أي المنزَّه عن كلِّ ما لا يليق به. (القدوس) من القُدُس، وهو الطُّهْر، أي العظيم التنزيه عن كلّ نقص، (والربّ) أي المالك ومربي الخلائق، (العلي) أي المرتفع القَدْر المُبَرّأ عن كلِّ عيب.

احمد سعيد احمد
29-05-2004, 15:57
مُنَزَّهٌ عن الحلولِ والجههْ
والاتصالِ والانفصالِ والسَّفهْ

(منزه) أي هو منزه ومطهر (عن الحلول) في الأمكنة أو حلول السريان كسريان الماء في العود الأخضر:
الحلول ينقسم قسمين:
1. حلولٌ في الأمكنة، وهو كون الشيء على الشيء، أي أن الشيء يشغل حيزاً كما تكون الكأس على الطاولة محتلّةً لحيز معين.
2. أو حلول السريان وهو دخول شيء في شيء معين كما يدخل الماء في العود.
تنزيه الله عن الحلول واضحٌ بيّن؛ لأنه لو كان سبحانه على مكان لكان محدوداً، والمحدودية من صفات الأجسام والمتحيزات.
كل الأجسام هي ممكنة لأنها محتاجة ومفتقرة إلى من يُحدّدها في هذا الحجم والحيز، وهذا عليه أدلة سيأتي بعضها.
الأدلة السابقة التي مضت فيها بيان أن الله سبحانه منزّه عن الحوادث أي مخالفٌ لها لا يماثله شيء.
ونحن اعتمدنا في القول بأن العالم حادث على صفات العالم، بعض صفاته أنه متحرك وشرط الحركة الحيز، أي لو لم يكن العالم متحيزاً لم يكن متحركاً، أصل الحركة متضمِّن للتحيز، فأصل التحيز فيه موجِب للافتقار، أيضاً المتحيز محتاجٌ إلى شيء ليخصصه بحيزٍ دون حيز آخر، فهذا المخصِّص إما أن يكون ذاتَه أو يكون غيرَه، إذا كان غيرَه فيكون قطعاً محتاجاً، وإذا كان ذاتَه فيكون أيضاً محتاجاً للقاعدة التي سبق أن ذكرناها، وهي أن مطلق التخصيص إذا ورد على الذات سواء كان من الذات أو من غير الذات فهذا يستلزم الاحتياج.
عادة الناس ينتبهون إلى أن التخصيص إذا جاء من غير الذات فهذا يستلزم الاحتياج، ولكن قد يسهون عن أن التخصيص إذا صدر من نفس الذات على نفسها فأن هذا يستلزم الاحتياج أيضاً. ولكن الحقيقة أن مطلق التخصيص ـ لا بقيد كونه صادراً من نفس الذات ـ إذا ورد على ذاتٍ معينة فهذا يستلزم أن الذات تكون محتاجة، فإذن التحيز أيضاً فيه صفة نقص.
(و) عن (الجهة) لشيء، فلا يقال: إنه فوق الجِرْم ولا تحته ولا يمينه ولا شماله ولا خلفه ولا أمامه: والتحيزُ مستلزِمٌ للجهة، إذا كان له حيز فيجب أن يكون له جهة، إما جهة لذاته أو بالنسبة لغيره، أي شيء متحيز يتميز جانب منه عن جانب آخر، وهذا مستلزم للمحدودية، أو أن يكون متحيّزاً بالنسبة لغيره.
الله سبحانه وتعالى منزّهٌ عن أن يكون في جهة لشيء؛ لأن هذا يستلزم أن يكون متحيزاً، وكونه في حيز مستلزم للافتقار كما مضى.
(و) منزه عن (الاتصال) في الذات أو بالغير وعن الانفصال، فلا يقال: إنه متصل بالعالم ولا منفصل عنه؛ لأن هذه الأمور من صفات الحوادث، والله ليس بحادث. وقد تقدم أن العالم وإنْ عظم في نفسه فهو في جانب باهر قدرته كأنه ليس بشيء، فكيف يكون العليّ الكبير الغني القدير حالاً أو متصلاً أو منفصلاً في شيء حقير فقير هو في نفسه عدم: الاتصال هو المماسّة، بحيث لا يكون هناك شيء فاصل بينهما، الانفصال هو كون الشيء بجانب الشيء، بحيث يكون بينهما شيء ثالث، فالله سبحانه لا يتّصف بالانفصال ولا بالاتصال؛ لأن كلاً من الاتصال والانفصال يستلزم المحدودية؛ لأنه لا يُتصور أن يكون الشيء متصلاً ولا منفصلاً إلا إذا كان محدوداً، لا يمكن أن يتعقل الإنسانُ اتصالاً ولا انفصالاً إلا بقيد المحدودية والتحيز، وقد سبق أن نفينا التحيز عن الله سبحانه وتعالى فيستلزم نفي الجهة ويستلزم نفي الاتصال والانفصال؛ لأنها أيضاً من لوازم الحيز، والله سبحانه وتعالى ليس متحيزاً، أي ليس له حجم معين، هذا لا يعني أنه منتشر في الكون ولا مماسّ؛ لأننا نفينا الحلولَ في الأمكنة سواء حلول سريان أي أن يكون منتشراً في الكون أو حلول مكان.
إذن كون الله ليس متحيزاً لا يستلزم أن يكون منتشراً في الكون كما يتخيل بعضُ المجسمة والحشوية.
القاضي أبو يعلى تصوّر أن الله منتشر في كل الجهات ما عدا الجهة التي تقابل العالم التي هي جهة التحت بالنسبة لله.
ابن تيمية قال يستحيل أن يكون الله منتشراً لا نهاية له في كل الجهات الخمس، بل يجب أن يكون له حدود من جميع الجهات الست: جهة العرش التي هي جهة التحت والجهات الخمس، فابن تيمية يقول إن الله ـ تعالى عن ذلك ـ متحيز من جميع الجهات.
هذا غباء وجهل منهم وهذا هو مذهب التجسيم سواء أكان مذهب ابن تيمية أو القاضي أبي يعلى.
أهل السنة يقولون إن الله سبحانه ليس متحيزاً مطلقاً، ولكن هذا لا يستلزم أن يكون منتشراً في الكون ولا متصلاً به، بل ينفون الاتصال والانفصال كما ينفون الحلول في المكان وحلول السريان.
بعد أن نفينا كل هذه الأشياء قد يقول قائل: فكيف هو الله؟
هذه هي أصل المسألة: يجب أن يؤمن الإنسان بالله بلا كيف، لا يجوز أن يتصور الإنسانُ ربَّه بصورة معينة؛ لأن كل هذه الصور يكتسبها الإنسان من الصور الأخرى التي حوله.
من أين عرفنا الحركة؟ من أين عرفنا التحيّز؟ من أين عرفنا مفهومَ المكان؟ من أين عرفنا الاتصال والانفصال؟
كل هذه الأوصاف عرفناها من المخلوقات، فكيف يمكن لنا أن ننسب بعضَ هذه الأوصاف لله سبحانه ونحن نقول: ليس كمثله شيء وهو سبحانه مخالفٌ للحوادث؟ كيف نقول ذلك وكل من هذه الأوصاف تستلزم نقصاً؟
إذن أهل السنة نفَوا هذه الأمور بناء على أصول؛ لأن الله في كتابه العزيز يقول: "ليس كمثله شيء"، والكاف هنا تفيد عمومَ النفي سواء النفي فيما يقع به التماثل أو في أيّ جهة من الجهات، وفي أيّ وصف من الأوصاف حتى الأوصاف اللازمة عن الذاتيات، ليس كمثل الله شيء ومع ذلك فهو السميع البصير.
وهذه العقيدة لا تستلزم أن يكون الله سارياً ومنتشراً في الكون كما يعتقد بعضُ الجهلة من الصوفية أو بعض العوام الذين يعتقدون أن الله سبحانه معنا بذاته، وهذا كله اعتقاد باطل سواء أكانوا يقولون بحلول الله سبحانه في شخص من الأشخاص أو في الكون كله أو أن يكون الله سبحانه عينَ الكون أو نفس الكون ـ على حسب ما يقول به القائلون بوحدة الوجود ـ أو كانوا يقولون إن الله سبحانه معنا بذاته، هذه الأقوال كلُّها أقوال باطلة ليس منها قول يوافق أقوال أهل السنة.
فإذن أهل السنة ينزّهون الله سبحانه عن كل هذه الأمور، ومع ذلك لا يقال: إن الله سارٍ في الكون أو حالّ في الكون كما ينسب السلفية هذا إلى الأشاعرة. والصحيح أن الأشاعرة لا يقولون بذلك بل هم يكفّرون من يقول به، ولكن هؤلاء جملة أغبياء وجهلة.
إذن يجب على الإنسان أن يؤمن بالله سبحانه وتعالى بلا كيف، وهذا هو مفهوم الغيب، أي مفهوم أن الإنسان يجب أن يؤمن بالله حال كونه غيباً، وإلا لو اشترط الإنسان لإيمانه بالله أن يكون حاضراً عنده سواء في خياله أو في العالم لكان هذا إيماناً ليس بالغيب.
فالإيمان بالغيب ينافي الحضورَ في الذهن وينافي الحضور في الواقع فالسمة الأساسية للمؤمنين: الذين يؤمنون بالغيب . . يؤمنون بالله حال كونه غيباً عنهم . .
وحال كونه غيباً عنهم لا يتطابق مع كونه حاضراً في أذهانهم بصورة معينة؛ لأن هذا نوع من الحضور.
هنا أصل المسألة: هناك تكليف، الله سبحانه كلّفنا بأن نؤمن به وهو غائب عنا، هذا فيه صعوبة على الإنسان بأن يؤمن بشيء أو بموجود لا يراه ولا يتخيله. ومن هنا صار داعياً للتكليف.
بمجرد أن يؤمن الإنسان فقد حقق أعظمَ جزء من الدين، فحتى لو عصى الإنسان فآخر مصيره إلى الجنة؛ لأنه حقق أصلَ الدين كلِّه، وهو الإيمان بالغيب.
فالإيمان بالغيب ليس أمراً هيناً، بمجرد أن يؤمن الإنسان بهذه المفاهيم تكون نفسُه قد خضعت لله سبحانه، بعد ذلك تلقائياً يصبح عنده مراقبة للأعمال وحذر من الله سبحانه، وتصير الأوامر والنواهي أسهلَ عليه مما لو لم يكن مؤمناً بالغيب.
بعد هذا كله استخلص العلماء قاعدة، وهي: كل ما خطر ببالك فهو هالك والله بخلاف ذلك.
لأن كل ما خطر ببالك فهو من جملة المخلوقات والله مخالف لجميع المخلوقات.
قوله: (منزه عن الاتصال في الذات أو بالغير) أي ذاته ليست مركبة من أجزاء، كذلك ليس متصلاً بغيره، ولا يقال إنه منفصل عن العالم ولا متصل به؛ لأن كلاً من الاتصال والانفصال من صفات الحوادث والله ليس بحادث.
فحقيقة الله مختلفةٌ عن حقيقة العالم، لو كانت حقيقته من جنس حقيقة العالم لجاز أن يكون متصلاً أو منفصلاً أو في جهة منه.
نحن من جنس حقيقة العالم لذلك فنحن في جزء من أجزاء العالم.
قال العارف ابن عطاء الله بن الحكم: ابن عطاء الله أحدُ الصوفية في القرن السابع أو الثامن الهجري، كان معاصراً لابن تيمية، له عدة كتب: ابن عطاء الله السكندري، له كتاب اسمه الحكم العطائية: عدد من الحكم تتحدث عن كيفية السلوك وبعضِ الأحكام التي بناها على التصوف وعلى العقائد.
أيا عجباً كيف يظهر الوجود في العدمْ
أم كيف يثبت الحادثُ مع مَن له وصف القدمْ
أ. هـ.هذا فيه تعظيم لوجود الله وتحقير لوجود العالم.
فالله سبحانه قد دلّت على وجوب وجوده آياتُه، وشهدت بوحدانيّته مصنوعاتُه، واشتبه الأمرُ على أقوام وقوفاً مع الأمور العادية وتمسّكاً بظواهر نصوص شرعية، فقال: قوم بالجهة، وقال آخرون بالجسمية، ويلزم منهما الحلول والاتصال أو الانفصال، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.قوله: (وقوفاً مع الأمور العادية): أي استصحبوا ما اعتادوا أن يشاهدوه، ووقفت عقولُهم مع الأمور العادية التي اعتادوا أن يشاهدوها وهي المخلوقات.
قوله: (وتمسكاً بظواهر نصوص شرعية): نحن نعلم أن المقصود بالظاهر هو ما يتبادر إلى ذهن الإنسان عند قراءة النص، وهذا الذي يتبادر لا يشترط فيه أن يكون مأخوذاً من النص، بل هذا التبادر يلاحَظ فيه أولاً أنه جزء من النصّ، ولكن ليس على أساس أنه علة ومعلولية. وجزء آخر وهو ما يكون مركوناً في نفس القارئ.
عند قراءة آية معينة قد يتبادر إلى ذهنٍ معنى وإلى ذهن آخر معنى آخر.
هل يعقل أن الآية أعطت معنيين متخالفين؟ بالطبع لا، ولكن نحن نفهم الآيات بناء على خلفيتنا الثقافية وبناء على أفكارنا المركوزة في نفوسنا، فيظهر لنا ما هو أقرب إلى نفوسنا، وفي الحقيقة فالآية تعطي مفهوماً واحداً.
مثلاً قوله تعالى: "وجاء ربك": الذي لا يفهم من المجيء إلا الذهاب على سبيل الحركة يتبادر إلى ذهنه أن الله سيأتي مشياً.
ولكن الذي لا يتبادر إلى ذهنه هذا، ويفهم أن المجيء هو مجيء أحكام لا مجيئه نفسه، فهذا يفهم الآية بشكل آخر.
فبحسب المحتمَلات الموجودة في نفس الإنسان قد يتبادر إلى الذهن معنى دون معنى عند قراءة النص، فيصبح النص مجردَ مناسبةٍ عند القارئ لاستحضار المعنى، وليس النص علةً لاستحضار المعنى.
فإذا كان مجردَ مناسبة فيكون هذا الإنسان متمسّكاً بمجرد الأمور العادية لاستحضار هذه المعاني التي أخذها ليس من هذا النص، فهذا النص لاستحضار المعنى فقط.
ولكن إذا كان النصُّ هو علةَ حضور هذا المعنى، فيكون هذا الإنسان قد فهم هذا المعنى من النص، لذلك فالعلماء الراسخون في العلم هم الذين يجوز لهم أن يفهموا المعاني من النصوص الشرعية وليس أيّ إنسان.
لذلك قال العلماء: لا يمكن أن يحضر في الذهن معنى من معاني التجسيم والتشبيه إذا كان مستحضِراً لكليات الشريعة وأن الله ليس كمثله شيء . . .
فإذا استحضر الإنسان هذه المعلومات ثم قرأ: "يد الله فوق أيديهم". لا يحضر في ذهنه أن هناك يداً لله سبحانه ووضعها فوق أيديهم، فحقيقة الأمر أن المبايعة باليد كانت مجرد إشارة، فبعض الناس لم يكونوا يضعون أيديهم في يد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل كانوا يشيرون له عن بُعد، فهل الله يشير إلى الرسول عن بعد.
هم أرادوا بمدّ أيديهم إلى الرسول ـ سواء أصافحوه أم لا ـ القولَ بأنهم معه ويساعدونه، فمدُّ اليد والمبايعة يراد بها توصيل معنى معين، فأراد الله تعالى من قوله: "يد الله فوق أيديهم" أن يدلهم على المعنى الذي يريدون إيصالَه إلى بعضهم.
فهذا عبارة عن كناية تستخدم أسلوباً تصويرياً، أي صورة معينة تستخدم لاستحضار معنى معين.
قوله: (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً): عبارة الإمام الدردير شديدةُ الاختصار كبيرة المعنى، فقد أورد خطأهم وعلتَه وردّ عليهم بعبارة موجزة.

وأجابَ أئمتنا سلفُهُم بأن الله تعالى منزّه عن صفات الحوادث مع تفويض معاني هذه النصوص إليه تعالى إيثاراً للطريق الأسلم وما يعلم تأويله إلا الله: (سلفُهم) بدل من (أئمتنا)، أي: أجاب الأئمة المتقدمون منهم على هؤلاء القائلين بالجهة والجسمية . .
(بأن الله تعالى منزه عن صفات الحوادث مع تفويض معاني هذه النصوص إليه تعالى إيثاراً للطريق الأسلم): اتبع الأئمة طريقتين للجواب على هؤلاء، المتقدمون من أئمتنا أي أكثرُ المتقدمين وليس جميعهم ـ أجابوا بأن قالوا: نحن نقطع ونجزم بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، وأنتم تدّعون أن هذه الصفات التي هي الجسمية وغيرها مأخوذة من النصوص القرآنية وتنسبونها إلى الله تعالى، بينما نحن قرأنا هذه النصوص ولم نفهم منه ما فهمتم.
إذن الطريقة الأسلم هي أن لا تنسبوا هذه المعاني إلى النص القرآني، وتقفوا مع ما نقطع به نحن من أن الله ليس كمثله شيء.
قال لهم المخالفون: فماذا نفعل بهذه النصوص، كقوله تعالى: "يد الله فوق أيديهم"، "يخافون ربهم من فوقهم"؟ وهي النصوص التي اعتمدوا عليها في قولهم بالتجسيم.
قال أئمة أهل السنة المتقدمون: مع تفويض معاني هذه النصوص إليه، إيثاراً للحل الأسلم، نقول: نفوض معاني هذه النصوص التي حصل فيها الخلاف إلى الله سبحانه، ونقول بما هو مقطوع به بأن الله ليس كمثله شيء.
هذه هي طريقة التفويض، وهذه الطريقة فيها نوع من التأويل الإجمالي، وجه التأويل هو المنع من أن تكون هذه النصوص دالّةً على معاني التجسيم والجهة والتحيز ولكن لم نعين لها معنىً معيناً.
وخلَفُهُم بتعيين محامل صحيحة إبطالاً لمذهب الضالين وإرشاداً للقاصرين، فحملوا اليدَ على القدرة والوجهَ على الذات، والاستواءَ على الاستيلاء، وهكذا نظراً إلى الطريق الأحكم: اختار السلفُ كثيراً منهم الطريقة السابقة، واختار الخلف الطريقة التالية: تعيين محاملَ صحيحة.
لما راى الخلف أن المنحرفين عن طريقة أهل السنة يبالغون في الخلاف ويصرّون على آرائهم، قالوا: نحن نعارضكم بمثل طريقتكم، فإذا أنتم حددتم معاني باطلة لله تعالى، فنحن نحدد معاني صحيحة لهذه النصوص ولائقة بالله تعالى ولا نكتفي بالتفويض؛ إبطالاً لمذهب الضالين المعاندين وإرشاداً للقاصرين الجهلة الذين لا يفهمون ما يقولون.
فقال الخلف: قوله تعالى: "ولتصنع على عيني" أي بعنايتي، وهذا أسلوب سائغ في اللغة العربية، استخدام العين وإرادة العناية.
قوله: "يخافون ربهم من فوقهم" فيه إشارة إلى عظمة الله وليس إلى محله.
"يد الله فوق أيديهم" كناية عن المعونة.
فعيّنوا محاملَ صحيحةً لكل آية ونصّ دفعاً لآراء المخالفين.
فهؤلاء المتأخرون من علمائنا اختاروا الطريقة الأسلم وحاولوا عدم الاضطرار بالحكم عليهم بالضلال، وذلك حين أدركوا عدم نفع الطريقة الأولى مع المخالفين.
قوله: (وهكذا نظراً إلى الطريق الأحكم): سُمّي هذا الطريق بـ(الأحكم) لأنه تُحْكَم به السيطرة على المخالفين، فلا يُتركون وشأنهم في ادعاء أيّ شيء يريدون، وليس المقصودُ بالطريق الأحكم أن السلف أجهل من الخلف كما فهم بعض الناس.
السلف والخلف من علمائنا متفقون في العلم، ولكن اختلفوا في كيفية مخاطبة الآخرين: هل نخاطبهم تفصيلاً أم إجمالاً، المتقدمون اختاروا الإجمال والمتأخرون اختاروا التفصيل.
والقول بأن المتأخرين اختاروا الطريقة التفصيلية لا يستلزم بان جميع المتأخرين اختاروا ذلك.
وذهاباً إلى أن الوقف في الآية على: "والراسخون في العلم": أشار بهذا إلى الآية: "وما يعلم تأويله إلا الله"، فقال إن الوقف على "والراسخون في العلم" هذا هو مذهب الخلف، بينما رأى السلف الوقفَ على لفظ الجلالة.
ومن ثم قيل: إن طريق السلف أسلم وطريق الخلف أعلم: أي تحتاج إلى علم أكثر لدفع شبه المخالفين، فالذي يتبع طريقة التاويل لا يجوز أن يكون جاهلاً باللغة والنحو والأصول وغير ذلك، ولكن الذي يتبع طريقة التفويض يكفيه العلمُ الإجمالي.
والحاصل أنه لا بدّ من تأويل، أي حمل اللفظ على غير ظاهره:
(ظاهره) يعني: المعنى الظاهر لنا عند قراءته، وليس المعنى المستفاد منه. فليس كل معنى ظاهر لنا عند قراءة اللفظ يكون هو المعنى المستفاد من اللفظ، بل لا بد من أخذ اللفظ مع القرائن الحالية واللفظية لنتأكد بعد ذلك من أن المعنى الذي حضر في أذهاننا هو نفسه المأخوذ من الآية.
إلا أن الخلف عيّنوا المحامل، فتأويلهم تفصيلي وتأويل السلف إجمالي: التاويل المنسوب إلى السلف هو نفي ما قاله المخالفون من أن المراد كذا وكذا.
هذا تأويل إجمالي: نفوا المحامل التي قال بها المخالفون ولكنهم لم يعينوا محامل تفصيلية للنصوص.
فقول العلامة اللقاني:
وكلُّ نصٍّ أوْهَمَ التشبيها
أوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تنزيهاً

(أوّله) أي تفصيلاً، وقوله: (أو فوّض) أي بأن تؤوله إجمالاً على معنى أنك لا تعيّن له محملاً بدليل قوله بعده: (ورُمْ تنزيهاً) و (أو) في كلامه رحمه الله للتخيير: هذا إشارة إلى أن طريقتي التأويل والتفويض جائزة عند أهل السنة.

يجب أن يكون الهدف من التأويل أو التفويض تنزيهَ الله سبحانه.
قال العلماء شرّاح الجوهرة: تقديم الإمام اللقاني لقوله (أوّله) إشارة إلى أولوية التأويل، ولو شاء أن يقدم قوله (فوّض) لما اختلّ البيت.
(و) منزّه أيضاً عن (السّفه) وهو وضع الشيء في غير محله؛ إذ هو المدبّر الحكيم الخبير العليم، ولذا قال بعض أهل العرفان لما شاهد من عجيب الإتقان: ليس في الإمكان أبدع مما كان: الإمام أبو حامد الغزالي ذكر هذه الكلمة في كتاب التوكل من (إحياء علوم الدين)، ومعنى عبارته أن هذا العالم الذي نشاهده ليس في الإمكان أبدع منه.
فاختلف العلماء في المراد من هذه الكلمة وأنكروا عليه. بناء على أنهم فهموا أن المقصود ليس بإمكان الله أن يخلق أفضل من هذا العالم. ليس هذا هو مقصود الإمام الغزالي ولكن قصد أن يقول: إن هذا العالم بهذا الشكل الذي هو عليه بديع جداً، وهو بهذه الصورة التي هو عليها لم يكن ممكن أن يوجد بخلاف ذلك لأن الله سبحانه أراد ذلك.
هذه الصورة بحسب إمكانياتها والعالم بحسب إمكانياته أكمل صورة له هي هذه الصورة.
إمكان المخلوقات وليس إمكان الله تعالى.
هذا يشبه قولنا: إنسان عنده ذكاء 70% واستنفد كل طاقته لفهم شيء معين ثم عجز، هذه هي طاقته وليس عنده أفضل من هذا، ولكن هذا لا يعني أن الله لا يمكنه أن يخلق فيه ذكاء أكثر من هذا.
وكلام الغزالي من باب قوله تعالى: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم".
الحقيقة أن الإمام الغزالي كان في كتابه الإحياء قد سايَرَ كتاب (قوت القلوب) لأبي طالب المكي و(قوت القلوب) يتكلم عن هذا المعنى بالتحديد ويريد به المعنى الذي ذكرناه سابقاً. فالإمام الغزالي عبّر عن هذا المعنى بطريقته هو.
كيف يكون مراد الإمام الغزالي أن الله سبحانه لا يمكن أن يخلق أبدع من هذا العالم وهو يسلّم أن بقدرة الله أن يخلق اليوم الآخر الآن. ويوم القيامة قطعاً أحسن من هذا العالم.
بل هو يعتقد حسب ما في كتبه أن النار والجنة موجودتان الآن، والنار والجنة قطعاً أبدع من العالم الموجود الآن.
هذه المسألة نتج عنها نقاش طويل بين العلماء وألِّف عليها أكثر من 15 رسالة وأشار إلى بعض ذلك الصاوي في الحاشية.
ولمّا فرغ من الكلام على الصفات السلبية شرع في بيان صفات المعاني:
ثمّ المعاني سبعةٌ للرائي
أي علمُهُ المحيطُ بالأشياءِ

وقدمها لأنها من باب التخلية، والمعاني من باب التحلية، وشأن التخلية أن تُقدّم على التحلية، فقال: (ثم المعاني)، أي ثم بعد أن عرفت ما تقدم من النفسية والسلبية فيجب عليك معرفة الصفات المسماة بالمعاني؛ لأن كل واحدة منها معنى قائم بذاته تعالى: كلمة (لأن) تعليل للتسمية بالمعاني: سميت بالمعاني لأن . . .
ومرادُهم بصفات المعاني الصفاتُ الوجودية، أي التي لها وجود في نفسها قديمة كانت أو حادثة، كعلمه وقدرته تعالى، وكعلمنا وقدرتنا والبياض والسواد.
والحاصل أن الصفات إنْ كانت وجودية سُمّيت صفات معانٍ، وإنْ لم تكن وجودية فإنْ كان مدلولُها عدمَ أمرٍ لا يليق سُمّيت سلبية، وإنْ لم يكن مدلولُها عدماً فإنْ كانت واجبة للذات ما دامت الذات مُعلّلة بعلّة سُمّيت صفة نفسية وحالاً نفسية كالوجود وكالتحيّز للجرم وقبوله للأعراض. وإنْ كانت معلّلة بعلّة بأن كانت واجبة للذات ما دامت علّيتها سُمّيت معنوية كالعالِمية والقادِرية، أي كون الذات المتصفة بالعلم عالِمة وكون المتصفة بالقدرة قادرة نسبة إلى المعاني.
وهي (سبعة للرائي) أي الناظر المتأمّل ، ثم فسّرها بقوله: (أي علمُه) وما عُطف عليه، (المحيط بالأشياء) كلِّها واجبِها وجائزها ومستحيلها. فليس مرادُه بالأشياء الموجودات فقط كما هو المتعارف عندهم، وهو صفة أزلية تنكشف بها الموجودات والمعدومات على ما هي عليه انكشافاً لا يحتمل النقيض بوجه :عرّف العلم بأنه صفة، إشارة إلى أنه لا يُدرك كنهُها ولا حقيقتُها. الذي نعرفه من هذه الصفة عبارة عن أحكام.
قوله: (أزلية): يستحيل أن يكون علم الله حادثاً، بل هو أزلي، وهذا عبارة عن حكم منسوب لهذه الصفة، أما حقيقتها فلا ندركها بعقولنا ولا أفهامنا. نحن لا نستطيع أن ندرك حقيقةَ الصفات ولا حقيقة الذات.
وعلم الله تعالى لا يقال عنه حادثاً؛ لأنه لو كان حادثاً لكان الله ـ تعالى عن ذلك ـ جاهلاً قبل حدوث العلم، فعلمه إذن قديم أزلي.
قوله: (تنكشف به الموجودات والمعدومات . . ): اللازم عن هذه الصفة هو انكشاف الموجودات والمعدومات على ما هي عليه، أي على حقائقها بحسب خصائصها وماهيّاتها، أي بحسب ما هي عليه في نفس الأمر، سواء كان نفسُ الأمر الصورةَ الخارجية أم لا.
الله سبحانه يعلم هذه الأشياء سواء أكانت معدومة أم موجودة فيعلم المعدوم على أنه معدوم والموجود على أنه موجود، وعلى أيّ شكل من الأشكال وعلى أيّ صفة من الصفات، وهذا كله تعلّقات علمية أزلية ليست حادثة.
(انكشافاً لا يحتمل النقيض بوجه): هذا العلم ليس قابلاً للتردد ولا للشك ولا للتغير ولا للتوهم، بل هو انكشاف تام ولا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه.

أشرف سهيل
10-02-2010, 20:31
رفع للفائدة

محمد سليمان الحريري
09-04-2016, 14:21
أرجو الإرشاد إلى رابط هذه الدروس المباركة

عثمان حمزة المنيعي
09-04-2016, 17:00
وجدت هذا على الإنترنت :

https://archive.org/details/Mokhtsr-Shrh-AlKhreeda-Saeed-Fodah