المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذكر الله تعالى والأحكام المتعلقة به / بحث مفصل /



محمد حبيب الفندي
05-08-2005, 18:06
ذكر الله تعالى والأحكام المتعلقة به / بحث مفصل /
اعداد محمد حبيب الفندي

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
رأيت اختلافاً ولغطاً بين المسلمين في بعض أحكام الذكر فهناك من يبدّع ويفسّق أو يكفّر مَن ذكر الله بشكل أو بصيغة معينة ..وهناك من جعل الذكر أمرا ثانوياً لا قيمة له وأعطى الأولوية للعمل والصناعة أو للفقه والدراسة أو غير ذلك . ( مع اتفاقي على أهمية العمل وسواه في الدين )
ولذلك سأقدم هذه الرسالة أبيّن فيها فضل الذكر وبعض أحكامه ، وأرد على بعض الشبهات التي تدور حوله والله هو المعين .


معاني الذكر في القرآن :

قال تعالى : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي (124) } [ سورة طه] الآية تعني الأسلام.

وقال تعالى: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ (7) } [ سورة الأنبياء ] يعني العلم.

وقال تعالى :{ وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ (50)} [ سورة الأنبياء] يعني القرءان .

وقال تعالى :{ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي (29) } [ سورة الفرقان] يعني الرسول .

وقال تعالى:{ إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (9) } [ سورة الجمعة] يعني الصلاة .

وقال تعالى :{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [سورة الحجر] يعني القرءان.

وقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)} [ سورة الأحزاب] أي الذكر المعروف ، والآيات كثيرة والمعاني أيضا كثيرة



فضيلة الذكر

فإن من أفضل ما يتخلق به الإنسان وينطق به اللسان الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، وتسبيحه، وتحميده وتلاوة كتابه العظيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، مع الإكثار من دعاء الله سبحانه وسؤاله جميع الحاجات الدينية والدنيوية، والاستعانة به، والالتجاء إليه بإيمان صادق وإخلاص وخضوع، وحضور قلب يستحضر به الذاكر والداعي عظمة الله وقدرته على كل شيء وعلمه بكل شيء واستحقاقه للعبادة.

وقد ورد في فضل الذكر والدعاء والحث عليهما آيات كثيرة وأحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نذكر ما تيسر منها، قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا وقال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ وقال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ إلى أن قال سبحانه: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا وقال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقال تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وقال تعالى: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ وقال تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ وقال تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

والإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى ودعاءه سبحانه مستحب في جميع الأوقات والمناسبات وفي الصباح والمساء وعند النوم واليقظة ودخول المنزل والخروج منه. وعند دخول المسجد والخروج منه. لما سبق من الآيات الكريمات، ولقوله تعالى أيضا: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ وقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وقوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وقوله تعالى: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا وقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ وقوله تعالى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ وقال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ وقال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ الآية، وقال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وقال سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ الآية.



وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تدل على فضل الذكر والتحميد والتهليل والتسبيح والدعاء والاستغفار كل وقت وفي طرفي الليل والنهار، وفي إدبار الصلوات الخمس بعد السلام نذكر بعضها.

فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: سبق المفردون قالوا يا رسول الله من المفردون؟ قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقال : أحب الكلام إلى الله أربع لا يضرك بأيهن بدأت سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رواه مسلم.

وفي صحيح مسلم أيضا عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علمني كلاما أقوله قال قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم فقال يا رسول الله إن هؤلاء لربي فما لي؟ قال قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني

وقال أيضا عليه الصلاة والسلام: الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

وقال عليه الصلاة والسلام: ما عمل ابن آدم عملا أنجا له من عذاب الله من ذكر الله أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد حسن عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.

وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح.

وقال صلى الله عليه وسلم: لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده رواه مسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما.

وقال صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل متفق عليه من حديث أبي أيوب رضي الله عنه.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر

وفي الصحيحين أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

وخرج الترمذي وغيره بإسناد حسن عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما قعد قوم مقعدا لم يذكروا الله فيه عز وجل ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم

وقالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه خرجه مسلم في صحيحه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه خرجه مسلم في صحيحه.

وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي وفي بيتي قال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الدعاء هو العبادة أخرجه أصحاب السنن الأربعة بإسناد صحيح. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك رواه مسلم في صحيحه.

وعنه رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة الأعداء رواه النسائي وصححه الحاكم.

وعن بريدة رضي الله عنه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب أخرجه الأربعة وصححه ابن حبان.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر أخرجه مسلم.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي كل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير متفق عليه.

وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وارزقني علما ينفعني رواه النسائي والحاكم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة رواه البخاري.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الغفور رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت رواه البخاري في صحيحه.


فوائد ذكر الله تعالى

إن كثرة ذكر الله تعالى أمان من النفاق فإن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً قال كعب رحمه الله: من أكثر ذكر الله عز وجل برئ من النفاق.

أتى رجل أبا مسلم الخولاني رحمه الله فقال له: أوصني يا أبا مسلم، قال: اذكر الله تعالى تحت كل شجرة ومدرة، فقال: زدني، فقال: اذكر الله حتى يحسبك الناس من ذكر الله مجنوناً.

قال: وكان أبو مسلم يكثر ذكر الله فرآه رجل وهو يذكر الله تعالى، فقال: أمجنون صاحبكم هذا، فسمعه أبو مسلم فقال: ليس هذا بالمجنون يا ابن أخي، ولكن هذا دواء الجنون



وقد ذكر ابن القيم رحمه الله ثلاثاً وسبعين فائدة للذكر في كتابه القيم (الوابل الصيب) فمنها أنه يطرد الشيطان ويرضي الرحمن عز وجل ويزيل الهم والغم ويجلب للقلب الفرح والسرور ويقوي القلب والبدن وينور الوجه والقلب ويجلب الرزق ويكسوا الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة، ومنها أن الذكر يورث محبة الله ويورث المراقبة حتى يدخل صاحبه في باب الإحسان فيعبد الله كأنه يراه ويورث الإنابة وهي الرجوع إلى الله والقرب منه فعلى قدر ذكره لله يكون قربه منه ويورث الهيبة لربه عز وجل وإجلاله ويورث ذكر الله تعالى للذاكر فأذكروني اذكركم ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً وقال النبي يروي عن ربه تبارك وتعالى: ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)) [خ]، ومنها أنه يورث حياة القلب والروح فهو قوتهما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: ((الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء)) ومنها أنه يحط الخطايا ويذهبها ويزيل الوحشة بين العبد وربه وإن بين الغافل وبين الله عز وجل وحشة لاتزول إلا بالذكر ومنها أنه من ذكر ربه في الرخاء عرفه الله في الشدة ومنها أنه ينجي من عذاب الله قال معاذ بن جبل: ((ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله عز وجل من ذكر الله))،



ومن فوائد ذكر الله عزّ وجل أنه يوجب الضمان والأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في دُنياه وأُخراه فإنّ من نَسِيَ الله سبحانه وتعالى نسي نفسه ومصالحها كما قال تعالى: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون . وإذا نسي العبد نفسه أعرض عن مصالحها ونسيَها واشتغل عنها فهَلَكت وفسَدت كمن له زرع أو بستان، فلم يُصلِحه ولم يقم عليه وأهمله ونسيَه واشتغل عنه بغيره، فإنه يَفسُد ولا بد.

ومن فوائد الذكر أيضاً أن جميع الأعمال إنما شُرِعت إقامة لذكر الله عزّ وجل ومن أعظمها الصلاة قال جلّ وعلا: وأقم الصلاة لذكري أي لإقامة ذكري. وقال عزّ وجل: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمُنكر ولذِكر الله أكبر . أي أن الصلاة فيها مقصودان عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وما فيها من ذكر الله أعظم من نَهيِها عن الفحشاء والمنكر.

ومن فوائد الذكر أن المُداومة عليه ينوب عن كثير من الطاعات ويقوم مقامها كما جاء ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن فُقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور أي الأغنياء بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يُصلُّون كما نُصلّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموالهم يحجّون بها ويعتمرون ويجاهدون فقال عليه الصلاة والسلام: ((ألا أعلِّمُكم شيئاً تُدركون به من سَبَقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا أحَدَ يكون أفضل منكم إلا من صَنَع مثل ما صنعتم. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: تُسبّحون وتحمدون وتُكبّرون خلف كلّ صلاة)) رواه البخاري.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لأن أسبِّح الله تعالى تسبيحات أحبّ إليّ من أن أنفِق عَددهنّ دنانير في سبيل الله عزّ وجل".

ومن فوائد ذكر الله أيضاً أنّه يُعطي الذاكر قوة في قلبه وبدنه فقد أخرج البخاري: عن فاطمة رضي الله عنها أنها شَكَت ما تلقى في يدها من الرحى أي مِما تطْحن فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً، فلم تجِدْه، فذكرت ذلك لعائشة فلما جاء أخبرته. قال علي رضي الله عنه: فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذنا مضاجعنا أي أرادا أن يناما، فذهبت فاطمة لتقوم فقال لها: مكانك فجلس بيننا ثم قال: ((ألا أدلّكُما على ما هو خيرٌ لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فِراشكما أو أخذتما مضاجعكما، فكبِّرا الله أربعاً وثلاثين. وسبِّحاه ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، فهذا خيرٌ لكما من خادم)).

ومن فوائد الذكر أن كثرته أمان من النفاق فقد وصَف الله المنافقين بأنّهم قليلو الذكر لله عزّ وجل فقال تعالى: إن المنافقين يُخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى يُراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا . فمَن أكثر من ذكر الله عزّ وجل برئ من النفاق ولهذا ختَم الله تعالى سورة المنافقين بقوله: يا أيها الذين آمنوا لا تُلْهِكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون .

ومن فوائده أيضاً ما يَحصُل للذاكر من لذة لا يُشبِهُها شيء، فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة من الذكر والنعيم الذي يُحسّ به الذاكر في قلبه لكفى به، ولهذا سُمِّيت مجالس الذكر رياض الجنّة. قال مالك بن دينار: "ما تلذّذ المُتَلذّذون بمثل ذكر الله عزّ وجل".

ومن فوائد الذكر أن الله عزّ وجل يقبل الدعاء الذي يُقَدّم صاحبه بين يديه ذكر الله، إذِ الذكر أفضل من الدعاء، لأن الذكر ثناء على الله عزّ وجل، والدعاء سؤال العبد حاجته، فالدعاء الذي تَقَدَّمه الذكر أفضلُ وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المُجَرَّد عن الذكر



ولا شكّ أن حضور حِلَق الذكر يؤدي إلى زيادة الإيمان، وذلك لعدة أسباب منها: ما يحصل فيها من ذكر الله، ونزول الرحمة والسّكينة وحَفّ الملائكة للذاكرين كما جاء في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويَتَدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشِيَتهم الرحمة وحَفّتهم الملائكة وذَكَرهم الله فيمن عنده)). ومما يدلّكم على أن مجالس الذكر تزيد الإيمان ما أخرجه مُسلم في صحيحه عن حنظلة الأسيدي قال: لقِيَني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله يُذكِّرُنا بالنار والجنّة، حتى كأننا نراها، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عُدنا إلى أزواجنا وأولادنا ومعاشنا فنسينا كثيراً. قال أبو بكر: فو الله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخَلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: نافَق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما ذاك؟)) قلت: يا رسول الله نكون عندك تُذكِّرُنا بالنار والجنة حتى كأنّا نراهما بأعيننا، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده إنكم لو تَدومون على ما تكونون عندي وفي الذّكر لصافحتكم الملائكة على فرُشِكم وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)). وكان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على الجلوس للذكر ويسمّونه إيماناً، قال معاذ رضي الله عنه لرجل: "اجلس بنا نؤمن ساعة".

ومن فوائد الذكر أنه سبب لاشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفُحش، فمن عوَّد لسانه ذكر الله حفِظه عن الباطل واللغو، ومن يَبِس لسانه عن ذكر الله تعالى ترطّب بكل باطل ولغو وفحش، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

محمد حبيب الفندي
06-08-2005, 20:07
هل يجوز الجهر بالذكر جماعة أو فردا ...؟؟؟

نعم يجوز الذكر الجماعي والجهر بالذكر وكذلك الجهر الفردي السيوطي بحثا في هذه المسالة .
وهذه بعض الأحاديث التي تدل على ذلك :
ذكر الأحاديث الدالة على استحباب الجهر بالذكر تصريحاً أو التزاماً

الحديث الأول: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه" والذكر في الملاً لا يكون إلا عن جهر.

الحديث الثاني: أخرج البزار، والحاكم في المستدرك وصححه عن جابر قال: "خرج علينا النبـي صلى الله عليه وسلّم فقال: "يا أيها الناس إن لله سراياً من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة"، قالوا: وأين رياض الجنة؟ قال: "مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله".

الحديث الثالث: أخرج مسلم، والحاكم واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إن لله ملائكة سيارة وفضلاء يلتمسون مجالس الذكر في الأرض فإذا أتوا على مجلس ذكر حف بعضهم بعضاً بأجنحتهم إلى السماء فيقول الله: من أين جئتم؟ فيقولون جئنا من عند عبادك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويهللونك ويسألونك ويستجيرونك، فيقول : ما يسألون وهو أعلم؟ فيقولون: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا يا رب، فيقول: فكيف لو رأوها؟ ثم يقول: ومم يستجيروني وهو أعلم بهم؟ فيقولون من النار، فيقول: وهل رأوها فيقولون لا،فيقول: فكيف لو رأوها، ثم يقول: أشهدوا أني قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوني وأجرتهم مما استجاروني، فيقولون: ربنا إنا فيهم عبداً خطاء جلس إليهم وليس منهم، فيقول: وهو أيضاً قد غفرت له هم القوم لا يشقي بهم جليسهم"." اهـ.


"الحديث الرابع: أخرج مسلم، والترمذي عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهماقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "ما من قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده".

الحديث الخامس: أخرج مسلم، والترمذي عن معاوية: "أن النبي صلى الله عليه وسلّم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده، فقال: "إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة".

الحديث السادس: أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبـي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون".

الحديث السابع: أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبـي الجوزاء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون" ـ مرسل، ووجه الدلالة من هذا والذي قبله أن ذلك إنما يقال عند الجهر دون الإسرار." اهـ.



"الحديث الثامن: أخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا" قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر".

الحديث التاسع: أخرج بقي بن مخلد عن عبد الله بن عمرو: "أن النبي صلى الله عليه وسلّم مر بمجلسين أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه والآخر يعلمون العلم فقال: "كلا المجلسين خير وأحدهما أفضل من الآخر".

الحديث العاشر: أخرج البيهقي عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله إلا ناداهم مناد من السماء قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات".

الحديث الحادي عشر: أخرج البيهقي عن أبي سعد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "يقول الرب تعالى يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل الكرم فقيل ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: مجالس الذكر في المساجد".

الحديث الثاني عشر: أخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان هل مر بك اليوم لله ذاكر؟ فإن قال نعم استبشر ثم قرأ عبد الله: {لقد جئتم شيئاً إدّاً تكاد السموات يتفطرن منه}، الآية، وقال: أيسمعون الزور ولا يسمعون الخير؟.

الحديث الثالث عشر: أخرج ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله: فما بكت عليهم السماء والأرض، قال: إن المؤمن إذا مات بكى عليه من الأرض الموضع الذي كان يصلي فيه ويذكر الله فيه، وأخرج ابن أبـي الدنيا عن أبـي عبيد قال: إن المؤمن إذا مات نادت بقاع الأرض عبد الله المؤمن مات فتبكي عليه الأرض والسماء فيقول الرحمن: ما يبكيكما على عبدي؟ فيقول ربنا لم يمش في ناحية منا قط إلا وهو يذكرك. وجه الدلالة من ذلك أن سماع الجبال والأرض للذكر لا يكون إلا عن الجهر به." اهـ.



"الحديث الرابع عشر: أخرج البزار، والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "قال الله تعالى: عبدي إذا ذكرتني خالياً ذكرتك خالياً، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم وأكثر".

الحديث الخامس عشر: أخرج البيهقي عن زيد بن أسلم قال: قال ابن الأدرع: "انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلّم ليلة فمر برجل في المسجد يرفع صوته قلت: يا رسول الله عسى أن يكون هذا مرائياً؟ قال: "لا ولكنه أواه" وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال لرجل يقال له ذو البجادين، إنه أواه وذلك أنه كان يذكر الله"، وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل: لو أن هذا خفض من صوته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "دعه فإنه أواه".

الحديث السادس عشر: أخرج الحاكم عن شداد بن أوس قال: "إنا لعند النبي صلى الله عليه وسلّم إذ قال: ارفعوا أيديكم فقولوا لا إله إلا الله ففعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم".

الحديث السابع عشر: أخرج البزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم فيقول الله تعالى: غشوهم برحمتي فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم". "اهـ.

"الحديث الثامن عشر: أخرج الطبراني، وابن جرير عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو في بعض أبياته: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي}الآية فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله تعالى منهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد فلما رآهم جلس معهم وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم".

الحديث التاسع عشر: أخرج الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال: "كان سلمان في عصابة يذكرون الله فمر النبي صلى الله عليه وسلّم فكفوا فقال: ما كنتم تقولون؟ قلنا: نذكر الله، قال: إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها ثم قال: الحمد الله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم".

الحديث العشرون: أخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبـي رزين العقيلي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال له: ألا أدلك على ملاك الأمر الذي تصيب به خيري الدنيا والآخرة؟ قال: بلى، قال: عليك بمجالس الذكر وإذا خلوت فحرك لسانك بذكر الله".

الحديث الحادي والعشرون: أخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي، والأصبهاني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "لأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس،لأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد العصر إلى أن تغيب الشمس أحب إلي من الدنيا ومافيها". " اهـ.




"الحديث الثاني والعشرون: أخرج الشيخان عن ابن عباس قال: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلّم، قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته.

الحديث الثالث والعشرون: أخرج الحاكم عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف أُلف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتاً في الجنة". وفي بعض طرقه: "فنادى".

الحديث الرابع والعشرون: أخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه عن السائب أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "جاءني جبريل فقال: مر أصحابك يرفعوا أصواتهم بالتكبير".

الحديث الخامس والعشرون: أخرج المروزي في كتاب العيدين عن مجاهد أن عبد الله بن عمر، وأبا هريرة كانا يأتيان السوق أيام العشر فيكبران لا يأتيان السوق إلا لذلك، وأخرج أيضاً عن عبيد بن عمير قال: كان عمر يكبر في قبته فيكبر أهل المسجد فيكبر أهل السوق حتى ترتج منى تكبيراً. وأخرج أيضاً عن ميمون بن مهران قال: أدركت الناس وأنهم ليكبرون في العشر حتى كنت أشبهها بالأمواج من كثرتها."

محمد حبيب الفندي
07-08-2005, 01:55
التحذير من ترك الذكر

لقد حذر الله تعالى عباده من ترك ذكره في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، كما حذر العارفون بالله من المربين المرشدين مريديهم من ترك الذكر كذلك.
أما في كتاب الله الكريم:
فقد قال تعالى: {ومَنْ يَعْشُ عن ذكر الرحمن نُقَيّضْ له شيطاناً فهو له قرين . وإنَّهم لَيَصُدُّونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} [الزخرف: 36ـ37].
وقال تعالى: {واذكر ربَّك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغُدُوِّ والآصالِ ولا تكُنْ مِنَ الغافلين} [الأعراف: 205].
وقال في ذم المنافقين: {ولا يذكرونَ اللهَ إلا قليلاً} [النساء: 142].
وأما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منْ قوم يقومون من مجلس لا يذكرون فيه الله إلا قاموا عن مثلِ جيفة حمار، وكان عليهم حسرةً يوم القيامة" [أخرجه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. كما في "الترغيب والترهيب" ج2/ص410].
وعن عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كان عليه من الله تِرةً، ومن اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة، وما مشى أحدٌ ممشى لا يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله ترة" [رواه أبو داود في سننه، والإمام أحمد وابن أبي الدنيا والنسائي وابن حبان في صحيحه واللفظ لأبي داود. والترة: النقص والتبعة والحسرة والندامة].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يُصلُّوا على نبيهم، إلا كان عليهم تِرةً فإن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم" [رواه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حديث حسن، وأبو داود في سننه].
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها" [أخرجه الطبراني ورواه البيهقي بأسانيد أحدها جيد].
وأما ما ورد من أقوال العارفين:
فقد قال سهل: (ما أعلم معصية أقبح من ترك ذكر هذا الرب).
وقال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (من علامة النفاق ثقل الذكر على اللسان، فتب إلى الله تعالى يخفُّ الذكر على لسانك) ["روضة الناظرين" ص44].
كأنه اقتبس ذلك من وصف الله تعالى للمنافقين: {إنَّ المنافقين يُخادعون اللهَ وهو خادعُهُم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى يُراؤونَ الناسَ ولا يذكرونَ اللهَ إلا قليلاً} [النساء: 142].
وقيل: (لكل شيء عقوبة، وعقوبة العارف انقطاعه عن الذكر).

محمد حبيب الفندي
07-08-2005, 02:05
تابع

من التحذيرات الإلهية التي تنبهنا إلى عدم ترك الذكر وتنهانا عن الغفلة عنه : 1- قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون). 2- وقال تعالى: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم). 3- وقال تعالى: (ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين). 4- وقال تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا). ويكفي تارك الذكر من الشر أن يكون من حزب الشيطان، فقد قال تعالى: (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان) ويكفيه من الخزي أن يكون من أهل النفاق فقد قال الله تعالى عن المنافقين: (يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا).

محمد حبيب الفندي
07-08-2005, 02:13
هل يجوز للذاكرين ان يقوموا أثناء الذكر أو أن يرافق الذكر حركة وتمايل ؟؟

). القيام أثناء الذكر لا شك أن القيام في الذكر هو أحد الهيئات المنصوص عليها في قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) فمن ذكر الله قائماً أو قاعداً أو على أي حالة فقد قام بالمطلوب منه ونفذ الأمر الإلهي، ومن غير المقبول أن يمنع أحدهم الذكر في حال القيام مخالفاً صريح الآية (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً)، وقد ورد في السنة أيضاً ما يدل على الذكر في حال القيام فقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن عبد الله بن عمر كان يقدم الضعفاء من أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل فيذكرون الله ما بدا لهم)، والذكر هنا في حال الوقوف. وقال الألوسي في تفسير (الذين يذكرون الله قياماً) وعليه فيُحمل ما حُكي عن عبد الله بن عمر y وعروة بن الزبير وجماعة y، من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المُصلى وجعلوا يذكرون الله تعالى، فقال بعضهم أما قال الله تعالى: (يذكرون الله قياماً وقعوداً) فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم.


أما الحركة أثناء الذكر والحركة في الذكر نالت قسطاً كبيراً من الاعتراضات من بعض مدعي العلم مع أن نفس المعترضين لو سألتهم عن حكم لعب كرة القدم مثلاً لأخرجوا لك ألف دليل على إباحتها والحث عليها وذلك لأن الذكر ثقيل على النفس، أما اللعب واللهو فهو من شهوات النفس. وللإجابة على هذا الاعتراض نقول في البداية إن هناك قاعدة فقهية معروفة تقول: (إن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد فيه نص بالتحريم)، أي أن جميع الأشياء مباحة إلا الذي جاء فيه دليل شرعي بحرمته، وعلى هذا فإن الذي يحرم الحركة أثناء الذكر هو المطالب بدليل التحريم، أما الذاكرون فمعهم دليل الإباحة المطلق ومعهم أيضاً الأمر العام بالذكر على أي حال (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم)، ثانياً: إن الاهتزاز أثناء الذكر أمر وجداني وتلقائي يلحظه كثير من الناس حتى في أثناء تلاوة القرآن عندما يجدون أنفسهم يهتزون لا إرادياً، ثالثا: نسوق فيما يلي بعض النصوص للذين ينكرون التمايل والاهتزاز ويظنون أن ذلك مخالف للشرع. 1- روى الإمام مسلم والنسائي وابن ماجة وابن حبان [واللفظ لهما] عن ابن عمر قال: (سمعت رسول الله r وهو على المنبر يقول : يأخذ الجبار سماواته وأراضيه بيده وقبض رسول الله r يده فجعل يقبضها ويبسطها ثم يقول:أنا الجبار أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون قال:ويتمايل رسول اللهrعن يمينه وشماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل منه حتى إني لأقول أساقطٌ هو برسول الله). 2- وروى البيهقي في سننه وابن خزيمة في صحيحه عن عون بن جحيفة عن أبيه قال: (رأيت بلالاً يؤذن وقد جعل إصبعه في أذنيه، وهو يلتوي في آذانه يميناً وشمالاً)أي يلف جهة اليمين وجهة اليسار. 3- وأخرج الإمام أحمد في مسنده والحافظ المقدسي برجال الصحيح من حديث أنس t قال: (كانت الأحباش[أي المسلمون من أهل الحبشة] يرقصون بين يدي رسول الله r ويقولون بكلام لهم [أي بلغتهم] : محمد عبد صالح، فقال r ماذا يقولون؟ فقيل : إنهم يقولون محمد عبد صالح) وقد رآهم النبي r على تلك الحالة يرقصون ويتمايلون ولم ينكر عليهم وهذا يعد إقراراً من النبي r لفعلهم، وهو أيضاً دليل صريح على الجمع بين الاهتزاز المباح ومدح رسول اللهr. 4- وقد نقل الشيخ عبد الغني النابلسي t في رسالة له عن الذكر أثرًا يصف أصحاب النبيr:(قال أبو أراكة: صليت مع علي t صلاة الفجر, فلما انفتل عن يمينه (أي خرج من الصلاة) مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد r فما أرى اليوم شيئا يشبههم, لقد كانوا يصبحون صفراً شعثاً غبراً, قد باتوا لله سجدا وقياماً, يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم, فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر(أي تحركوا مثلما يتحرك الشجر) في يوم الريح, وهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم), وقد أفتى الشيخ عبد الغني بناءً على هذا الأثر باستحباب الاهتزاز في الذكر، ويهمنا من هذا الأثر هو قول الإمام علي t (مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح) فإنك تجده صريحا في الاهتزاز ويبطل قول من يدعي أنه بدعة محرمة، ويثبت إباحة الحركة في الذكر مطلقاً . 5- وفى مسند الإمام أحمد بن حنبل عن على كرم الله وجهه قال: (أتيت النبي r أنا وجعفر وزيد فقال r لزيد: أنت مولاي فحجل [أي رقص زيد من شدة الفرح] فقال لجعفر: أنت أشبهت خَلْقي وخُلقي فحجل [أي فرقص جعفر من شدة الفرح] ثم قال لي: أنت منى فحجلــت [أي فرقص الإمام علي من شدة الفرح]). وقد ورد في بعض طرق الحديث. (رقص جعفر ابن أبى طالب حين قال له r: أشبهت خلقي وخلقي). 6- وروى الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس t: (بينما رسول الله r ومعه جبريل عليه السلام يناجيه إذ انشق أفق السماء فأقبل جبريل عليه السلام يدنو من الأرض ويتمايل ...). 7- نقل العلامة محمد السفاريني الحنبلى عن إبراهيم بن عبد الله القلانسي أن الإمام أحمد y قال على الصوفية: (لا أعلم أقواماً أفضل منهم، قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة) ومعنى يتواجدون أي يتحركون ويهتزون من الشوق إلى الله عز وجل . 8- وقال العلامة ابن عابدين في رسالته (شفاء العليل): (ولا كلام لنا مع الصادقين من سادتنا الصوفية المبرئين من كل خصلة ردية فقد سئل إمام الطائفة سيدنا الجنيد: أن أقواما يتواجدون ويتمايلون؟ فقال: دعوهم مع الله يفرحون، فإنهم قوم قطَّعَتْ الطريق أكبادهم ومزق النصب فؤادهم، وضاقوا ذرعاً فلا حرج عليهم إذا تنفسوا مداواة لحالهم ولو ذقت مذاقهم لعذرتهم). 9- وقد جاء في مجموعة من فتاوى الشيخ الشعراوي التي أصدرتها مجلة التصوف الإسلامي عام 1998 مانصه: ما رأى الإمام فى التمايل فى أثناء الذكر؟ هل هو من الدين؟ الامام الشعراوى: (إذا لم تجد فيه نصاً، فالأمر على الإباحة، لأن النهى على التحريم، افعل ولا تفعل، فهو على مطلق الإباحة، وإذا كان التمايل صناعيا كان نفاقا، وإذا كان التمايل طبيعيا كان وجداً، لا سيطرة للإنسان عليه، والذكر راحة نفسية، وعلى كل حال فالذاكرون وإن تمايلوا فهم خير من الذين يتمايلون فى حانات الرقص.

محمد حبيب الفندي
07-08-2005, 02:24
يتبع :

يقول أحد العلماء :
وبالنسبة لما يحدث من اهتزاز الجسوم في حالة الذكر فهو من روعة الفهوم. واستنبط اهل الله الحركة والتمايل اثناء الذكر من قوله تعالي (( فاذكروا الله قياما وقعودا وعلي جنوبكم )) (103 النساء). وقد روى ابو طالب المكى في كتابه (( قوت القلوب )) ان عبد الله بن عمر بعد ان صلي العيد في مصلاه جلس يذكر الله هو ومن معه من الصحابة, فجاء مصعب بن الزبير فقال : يا عبد الله, خالفت كلام الله, يقول الله تعالي: (( فاذكروا الله قياما وقعودا وعلي جنوبكم )) وانت تذكر قاعدا, فقام عبد الله بن عمر هو ومن معه فذكروا قياما بعد ان ذكروا قعودا. ولمن تقصي في هذا الخبر وعلم وصف الصحابة عند الذكر, وجد ان الوصف كما جاء في النقل الصريح والاثر الصحيح انهم كانوا يتمايلون كأعواد الزرع الذى يتخللها النسيم. اما حركات الجسم في الذكر: فمعلوم ان الركوع والرفع من الركوع ركنان في الصلاة, ولذلك فان بعض ائمة الطريق استحسنوا ان تكون حركات الجسم في الذكر من قيام وقعود كركوع ورفع, والاولي المحافظة عليها,ما لم يقو وجد الذاكر فانه يباح له ما لا يباح لغيره. وايضا ان الحركة علي هيئة الركوع والرفع تكون لتعظيم ذات المذكور سبحانه وتعالي. ولكل من يعترض نرجو منه ان ينزل الى ساحات تحفيظ القران الكريم ويري بأم عينيه تمايل واهتزاز الدارسين والحفاظ يمينا ويسارا وانحناءا للامام ورجوعا للخلف وهم يتغنون بالقران, بل انظروا الي الوهابية انفسهم وهم يقراون القران وانظروا الي حركاتهم الجسدية وماذا يفعلون دون ان يشعروا. يقول أحد الإخوة : اذكر مرة اننى جلست مع احدهم في المسجد وكان يناقشنى بخصوص موضوع هيئة الحركة في الذكر, وبالطبع كالعادة لم تفلح المناقشة, وقال لي ان هذا نوع من الرقص وعدم الادب مع الله عزوجل, فقولت له حسنا فلننتظر بعد الصلاة وسوف اثبت لك ان كلامك غير صحيح, ولحسن الحظ ان المسجد كان مسجدا عامرا بالوهابية من شيوخه واصدقائه, وبعد ان فرغنا من الصلاة, جلسنا نذكر, ثم سألنى هيا ارنى اثباتك, اين حجتك؟ اين دليلك الذى وعدتنى به؟ قولت له صبرا جميلا يا اخى وانتظر, وبعد فترة قليلة حدث ما كنت اريده, شيوخه الوهابية واصدقائه كل منهم ممسكا بمصحف في يده ويرتل القران ويحفظ, وكلهم يتمايلون بحركات مماثلة تماما لحلقات الذكر عند الصوفية, بل واقسم بالله ان منهم من كان لا يشعر بما يفعله من حركات قوية وسريعة وكأنه في عالم اخر وهو مغمضا عينيه. فابتسمت للاخ الوهابي وقلت له اليس هؤلاء شيوخك واصدقائك وهم من اخبروك ان التمايل في الذكر حراما, فقال لي بالتأكيد, فقلت له انظر الان بنفسك ماذا يفعلون, فنظر وكأنه لأول مرة في حياته يلاحظ تلك الحركات اثناء تلاوتهم القران, فبهت ولم ينطق ببنت شفة ولم يقول الا سبحان الله, وطلبت منه ان يذهب اليهم ويسألهم الكف عن الرقص الذى يحرموه علي ذاكرين الله. ونختم بايات اخرى من كتاب الله في هذا الشأن: قال تعالي : ((لو انزلنا هذا القران على جبل لرايته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون)) ( الحشر 21) فهذا كلام الله يوجهه لنا كى نعتبر ونتدبر لا كى يمر علينا مرور الكرام, فيقول ان هذا القران لو انزل علي جبل ( وليس بشرا) لرأيته خاشعا متصدعا, فاذا كان هذا هو حال الجبل الجماد فماذا يكون حالك انت ايها الانسان الضعيف؟ ما حالك وانت لك قلب وحس وروح ولست بجمادا؟ واذا كان هذا حال الجبال فهل حرام علينا التمايل والترنم والتغنى بذكر الله ونحن بشرا؟!!! ولاحظ وتأمل قوله تعالي ( وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) فهل تفكرتم في تلك الامثال؟!!!! وقال تعالي في اية اخرى: ((ولقد اتينا داود منا فضلا ياجبال اوبي معه والطير والنا له الحديد )) (سبأ10) وهذه الاية يأمر فيها الله الجبال والطير بالتأويب, والتأويب وهو التمايل ذهابا وايابا, هذه هى الجبال كانت تتمايل بأمر الله مع صوت سيدنا داود العذب عندما كان ينشد ذاكرا الله,ومعلوم انه عندما كان سيدنا داود عليه السلام يترنم بمزاميره, كان الكون كله تعمه حالة من السكون لسمع صوته الرائع, فالمياه الجارية كانت تتوقف عن جريانها والجبال تتمايل وجميع الحيوانات والوحوش لا تسمع لها صوتا, فاذا كان هذا امر الله للجبال بالتأويب مع صوت سيدنا داود عند ذكر الله, فهل يكون حراما علينا ان نتمايل نحن البشر ونحن نستمع لذكر الله؟!!! ولاحظ قوله تعالي ( والنا له الحديد) فمالك ايها المسلم الذاكر لله تعالى تقف صلبا صلدا جامدا لا تتحرك عند ذكر الله؟ الم يلين قلبك وفكرك وجسدك بعد تلك الاية؟ ام الم بك جفاءا وقسوة في القلب صارت اشد من الحديد والجبال؟!! واذا لم يقتنع المعارضون فنتحداهم بأن يأتوا لنا بنص صريح في تحريم التمايل عند ذكر الله

محمد حبيب الفندي
07-08-2005, 02:30
يتبع

قال الألوسي في تفيسره (روح المعاني) عند قوله تعالى {الذين يذكرون الله قياما وقعوداً وعلى جنوبهم}. بعد كلام طويل ما نصه: وعليه فيحمل ما حُكي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وعروة بن الزبير وجماعة رضي الله تعالى عنهم من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضهم: أما قال الله تعالى {يذكرون الله قياما وقعوداً} فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم على أن مرادهـم بذلك التبرك بنوع موافقة للآية في ضمن فرد من أفراد مدلولها ويقول العلامة الكتاني في كتابه (التراتيب الإدارية) الجزء الثاني غاية الرقص (الحركة في الذكر) عند القوم ذكر من قيام وهو مشروع بنص القرآن الكريم {يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} والتمايل والاهتزاز منقول عن الصحابة.
فقد روى أبو نعيم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال كان أصحاب رسـول الله إذا ذكروا الله تمايلوا كما تتمايل الشـجرة بالريح العاصف إلى أمام ثم تراجع إلى وراء،يتضح لنا من كلام العلامة الشيخ عبد الحي الكتاني أن التمايل وقت ذكر الله كان ظاهراً في زمن صحابة رسول الله أما من ينكر على الذاكرين حالهم واهتزازهم فإنما ينكر عليهم شيء ورد على ألسنة العلماء وقام بعمله صحابة رسول الله.
وللحركة في الذكر شواهد كثيرة في السنة النبوية الشريفة قال رسول الله: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر) رواة الترمذي وأحمد. ولمعرفة معنى قوله (ارتعوا) نرجع لقوله تعالى: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون}، قال الإمام الطبري عند تفسير الآية: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أرسله معنا غدا يرتع ويلعب} يقول: يسع وينشط- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {يرتع ويلعب} قال: يلهو، وينشط، ويسعى حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أرسله معنا غدا يرتع ويلعب} قال: ينشط، ويلهو - حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، بنحوه- . حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يرتع ويلعب} قال: يسعى، ويلهو ....، عن سيدنا بن عباس رضي الله عنهما أن النـبي قال وهو في قبة له يوم بدر: (أنشـدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لن تعبد في الأرض أبدا) فأخذ أبو بكر بيده وقال: (حسبك يا رسول الله ألححت على ربك) فخرج صلى الله عليه وسلم وهـو يثب بالدرع وهو يقول: (سـيهزم الجمع ويـولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمـر) وهـذا الحديث أخرجه الإمام البخاري والإمام وأحمد كما أورده بن كثير في تفسيره ..
قال فيه الشيخ يوسف خطار محمد من علماء الشام في كتابه (الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية) ما نصه: الشاهد فيه جواز قراءة كلام الله سبحانه وتعالى في حالة الوثب وهو الظفر والقفز فجواز ذكر الله تعالى في هذه الحالة من باب أولى. وعن السيدة عائشة رضي الله عنها رأيت رسول الله يوماً على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد .. إلى أن قالت وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة حتى إذا مللت قال: حسبك قلت نعم، قال: فاذهبي. البخاري.

محمد حبيب الفندي
07-08-2005, 02:33
الأدلة التي أخذ منها العلماء جواز التواجد والرقص هي :

1 - : " يذكرون الله قياما وقعودا "

2 -وثب سيدنا أبو بكر وهو يقرأ " سيهزم الجمع ويولون الدبر .. " وكان هذا في يوم بدر حين أخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم , وقال له : " ... الححت على ربك " ثم خرج وهو يفعل ذلك ( يثب ويقول " سيهزم ... " ) أخرجه البخاري ( 3953 ) وأحمد ( 1/329 ) وفي تفسير ابن كثير ( 2/266)

3- نظر النبي صلى الله عليه وسلم وسيدتنا عائشة رضي الله عنها الى الحبشة وهم يرقصون في المسجد .( أخرجه البخاري ( 949 ) ومسلم ( 2062 )

4 - لم يكن الحبشة يرقصون رقصا عاديا , بل كان يمدحون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون بلغتهم ويقولون " محمد عبد صالح " ( أخرجه أحمد ( 3/152) وابن حبان ( 5870 ) واسناده صحيح .

5 -قول سيدتنا عائشة رضي الله عنها :
" كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه "
فهكذا يجب أن نكون نذكرالله تعالى في كل أحياننا حتى في الحركة وفي الرقص وهل وردما يخصصه بغير حالة الحركة

6 -قول النبي صلى الله عليه وسلم :
" أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقولوا انه مجنون "أخرجه أحمد ( 3/68 ) والحاكم ( 1/499) وصححه .
وكيف يقول الناس عنه مجنون لو لم يكن بحالة حركة ؟

7 -حجل علي عندما قال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أنت مني وأنا منك "

8 -حجل جعفر عندما قال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أشبهت خلقي وخلقي "

9- حجل زيد بن حارثة عندما قال له النبي صلى الله عليه وسلم " أنت أخونا ومولانا "
وهذا الحديث في فعل الصحابة رضي الله عنهم , أخرجه أحمد ( 1/108) و ( 1/98)
قال الكتاني :
والحجل بحاء فجيم فلام رقص على هيئة مخصوصة .
تمايل الصحابة رضي الله عنهم في الذكر كما تتمايل الشجرة بالريح العاصف , وهذا روى مثله أبو نعيم وابن عساكر وابن كثير .

11 ) خرج جمع من الصحابة يوم العيد , منهم الزبير وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين فجعلوا يذكرون الله , فقال بعضهم : أما قال الله
" يذكرون الله قياما وقعودا " , فقاموا يذكرون الله على أقدامهم .
وفي هذا تبرك بنوع موافق للاية في ضمن فرد من أفراد مدلولها , كما يقول ذلك الالوسي في تفسيره .


قلوب العاشقين لها عيون * * * ترى مالا يراه الناظرون



وأستأنس هنا ببعض ما روي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال :


سهري لتنقيحِ العلومِ ألذ iiلي من وصلِ غانيةٍ وطيبِ iiعناق ِوصريرُ أقلامي على iiصفحاتها أحلى من الذوكاءِ iiوالعشاق ِوألذ من نقرِ الفتاةِ iiلدُفها نقري لألقي الرملَ عن iiأوراقي وتمايلي طرباً لحلِ iiعويصةٍ في الدرس أشهى من مدامة ساق ِوأبيتُ سهرانَ الدجى iiوتبيتُه نوماً وتبغي بعد ذاك iiلحاقي



فقد أتى في الشرح : قوله ( وتمايلي ) :
التمايل : الترنح في سرور وغبطة .
والطرب : هِزَّةٌ تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور، وقد يخص بالسرور، وحلول الفرح وذهاب الحزن .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم يُنشَد عنده الشعر فيستحسنُ بعضَه ، فقد ذكر بعض الحفاظ أن بعض الصحابة أنشد للنبي صلى الله عليه وءاله وسلم مائة بيت يقول عقب كل بيت ( هيه ) يعني يستطعمه ، فيزيده من ذلك .

وقد صح عن بعض كبار الأمة أنه كان يتمايل شوقاً ووجداً وخوفاً من المولى سبحانه . والوجد هو وارد يرد على القلب فيدهش الروح ، وقد يظهر ذلك على الجوارح فيهتز الرأس ويشطح البدن . فإن صاحب الخشوع القلبي والوجِل بذكر الله تعالى ، قد يغيب عقله عن احترام الناس واعتبار أهل المجلس ، فيقوم ويقعد ويدور ويتواجد ، وربما يسقط على الأرض على حسب قوة استعداده لتحمل الواردات الإلهية عليه .

وقد ذكر في مسند أحمد عن علي كرم الله وجهه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وءاله وسلم أنا وجعفر وزيد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد : أنت مولاي ، فحجَلَ .
فقال لجعفر : " أنت أشبهتَ خَلقي وخُلقي " فحجل ، ثم قال لي : " أنت مني " ، فحجلتُ .
والحجْلُ هو رفع رجلٍ ومشي على الأخرى وهو من نتائج التواجد ـ كما ذكر ذلك الشيخ محمد أمين الكردي في تنوير القلوب ـ .

وقد أشار الشيخ أبو مدين الغوث رضي الله عنه إلى شيء من ذلك حيث قال :
فقل للذي ينهى عن الوجدِ iiأهلَه إذا لم تذق معنى شرابالهوىدعنا
إذا اهتزتِ الأرواحُ شوقاً إلى اللقا ترقصتِ الأشباحُ يا جاهلَالمعنى
أما تنظرُ الطيرَ المقفصَ يا فتى إذا ذكَرَ الأوطانَ حن ّإلىالمغنى
يفرّجُ بالتغريدِ ماiبفؤادِه فتضطربُ الأعضاءُ في الحسِ والمعنىويرقصُ في الأقفاصِ شوقاً إلى iiاللقا ويطرب أربابَ العقولِ إذا iiغنّىكذلك أرواحُ المحبين يا iiفتى تهزْهِزُها الأشواقُ للعالمِ iiالأسنىأنلزِمُها بالصبرِ وهي مَشُوقةٌ وهل يستطيع الصبرَ مَن شاهدَ iiالمعنىفيا حاديَ العشاقِ قم واحدُ iiقائماً ودندِنْ لنا باسمِ الحبيبِ iiوروِّحناوصن سرَنا في سُكرنا عن iiحسودنا وإن أنكرَتْ عيناكَ شيئاً iiفسامحناشرِبْنا طرِبنا ثم هِمْنا iiصبابةً فبالله يا خاليَ الحشا لا iiتعنِفنا


وقال الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام رضي الله عنه :
ما في التواجدِ إن حققتَ من iiحرجٍ ولا التمايلِ إن أخلصتَ من باسِإن السماعَ صفاء نور صفوتهِ يخفى ويُحجَبُ عمن قلبهُ iiقاسينورٌ لمن قلبُه بالنورِ iiمنشرِحٌ نارٌ لمن صدرُه ناووسُ iiوسواسِراحٌ وأكْؤُسُها الأرواحُ فهي iiعلى قدرِ الكؤوسِ تريك الصفوَ في الكاسِحادٍ يذكّرُكَ العهدَ القديمَ iiوإن تقادم العهد ما المشتاقُ كالناسيفليس عارٌ إذا غنّى له iiطرباً يئنُ بالناس لا يخشى من iiالناسِ

أحب أن أنبه هنا إلى أن كلامنا هو في أهل الشوق والوجد من أولياء الله ، ولم يكن الكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه قد مكّنه ربُه وثبّت فؤاده وأهّله لتلقي الواردات التي يعجز عن حملها الجبال ، فصلى الله عليه في الآخرة والأولى وزاده شرفاً على شرفه وعزاً على عزه ونوراً على نوره .


وان ممن أجاز هذا العمل العلماء الكرام رضي الله عنهم التالية أسماؤهم :

1
) الامام أحمد , حيث قيل له عن الصوفية : ...
انهم يستحيون ويتواجدون , قال دعهم يفرحوا مع الله ساعة ..

2 ) الامام خير الدين الرملي

3 ) الامام جلال الدين السيوطي

4 ) شيخ الاسلام سراج الدين البلقيني

5 ) ابن القيم

6 ) العلامة محمد السفاريني الحنبلي

7 ) الامام أبو مدين

8 ) سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد , وقد روي أن بعض أهل الكتاب دخلوا الاسلام لأنه ذكر في كتبهم أن هذه صفة بعض صالحي أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم , وكان في زمن الجنيد .

9 ) العلامة ابن حجر

10 ) الامام ابن ليون التجيبي

11 ) الامام ابن عابدين

12 ) الشيخ عبد الغني النابلسي

13 ) الشيخ محمد سعيد البرهاني

14 ) برهان الدين الأنباسي

15 ) السيد الكبير أحمد الرفاعي

16 ) الامام السنوني

17 ) الامام العلامة الكتاني

18 ) أحمد زيني دحلان

محمد حبيب الفندي
07-08-2005, 02:35
الأدلة على جواز الحركة في الذكر من كتاب حقائق عن التصوف:

يقول الشيخ عبد القادر عيسى :

الحركة في الذكر أمر مستحسن، لأنها تنشط الجسم لعبادة الذكر وهي جائزة شرعاً بدليل ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والحافظ المقدسي برجال الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه قال:
(كانت الحبشة يرقصون بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ويقولون بكلام لهم: محمد عبد صالح، فقال (صلى الله عليه وسلم): "ماذا يقولون ؟
" فقيل: إنهم يقولون: محمد عبد صالح، فلما رآهم في تلك الحالة لم ينكر عليهم، وأقرهم على ذلك، والمعلوم أن الأحكام الشرعية تؤخذ من قوله (صلى الله عليه وسلم) وفعله وتقريره، فلما أقرهم على فعلهم ولم ينكر عليهم تبين أن هذا جائز.
وفي الحديث دليل على صحة الجمع بين الاهتزاز المباح ومدحِ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأن الاهتزاز بالذكر لا يُسمى رقصاً محرماً، بل هو جائز لأنه ينشط الجسم للذكر، ويساعد على حضور القلب مع الله تعالى ؛ إذا صحت النية. فالأمور بمقاصدها، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى.

ولنستمع إلى الإمام علي رضي الله عنه كيف يصف أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال أبو أراكة:
(صلّيتُ مع علي صلاة الفجر، فلما انفتل عن يمينه مكث كأنَّ عليه كآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين، ثم قلب يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم)، فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفراً شعثاً غبراً، بين أيديهم كأمثال رُكَب المَعْزى، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا دفذكروا الله مادوا [أي تحركوا] كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تَنْبَلَّ ـ والله ـ ثيابُهم)(1).
ويهمنا من عبارة الإمام علي رضي الله عنه قوله:
(مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح)، فإنك تجده صريحاً في الاهتزاز، ويُبطل قولَ من يدَّعي أنه بدعة محرمة، ويثبت إباحة الحركة في الذكر مطلقاً

وقد استدل الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله بهذا الحديث في إحدى رسائله على ندب الاهتزاز بالذكر، وقال: هذا صريح بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتحركون حركة شديدة في الذكر. على أن الرجل غير مؤاخذ حين يتحرك ويقوم ويقعد على أي نوع كان حيث إنه لم يأت بمعصية ولم يقصدها كما ذكرنا.


الفرق بين الصوفية و الدخلاء...

إلاَّ أن هناك جماعة من الدخلاء على الصوفية ـ نسبوا أنفسهم إليهم وهم منهم براء ـ شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من بدع ضالة، وأفعال منكرة، تحرمها الشريعة الغراء ؛ كاستعمال آلات الطرب المحظورة، والاجتماع المقصود بالأحداث، والغناء الفاحش، فلم يَعُدْ وسيلةً عملية لتطهير القلب من أدرانه، وصلته بالله تعالى، بل صار لتسلية النفوس الغافلة، وتحقيق الأغراض الدنيئة.
ومما يُؤسَف له أن بعض أدعياء العلم قد تهجموا على حِلَقِ الذكر ولم يميزوا بين هؤلاء الدخلاء المنحرفين وبين الذاكرين السالكين المخلصين الذي يزيدهم ذكر الله رسوخاً في الإيمان، واستقامة في المعاملة، وسُموَّاً في الخلق واطمئناناً في القلب.
وهناك علماء منصفون قد ميَّزوا بين الصوفية الصادقين السائرين على قدم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم)، وبين الدخلاء المارقين، وأوضحوا حكم الله في الذكر، وعلى رأسهم العلاَّمة ابن عابدين في رسالته "شفاء العليل"، فقد ندد بالدخلاء على الصوفية، واستعرض بدعهم ومنكراتهم في الذكر وحذر منهم، ومن الاجتماع بهم، ثم قال:
(ولا كلام لنا مع الصُّدَّق من ساداتنا الصوفية المبرئين من كل خصلة ردية ، فقد سئل إمام الطائفتين سيدنا الجنيد: إن أقواماً يتواجدون ويتمايلون ؟

فقال: دعوهم مع الله تعالى يفرحون، فإنهم قوم قطعت الطريق أكبادهم، ومزق النصب فؤادهم، وضاقوا ذرعاً فلا حرج عليهم إذا تنفسوا مداواة لحالهم، ولو ذقتَ مذاقهم عذرتهم...
ثم قال: (وبمثل ما ذكره الإمام الجنيد أجاب العلاَّمة النحرير ابن كمال باشا لمَّا استفتي عن ذلك حيث قال:

ما في التواجد إن حققتَ من حرج * * * ولا التمايل إن أخلصتَ من باس
فقمتَ تسعى على رِجْلٍ وَحُقَّ لمن *** دعاه مولاه أن يسعى على الراس

الرخصة فيما ذكر من الأوضاع، عند الذكر والسماع للعارفين الصارفين أوقاتهم إلى أحسن الأعمال، السالكين المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال، فهم لا يستمعون إلا من الإله، ولا يشتاقون إلا له، إن ذكروه ناحوا، وإن شكروه باحوا، وإن وجدوه صاحوا، وإن شهدوه استراحوا، وإن سرحوا في حضرات قربه ساحوا، إذا غلب عليهم الوجد بغلباته، وشربوا من موارد إرادته، فمنهم من طرقته طوارق الهيبة فَخَرَّ وذاب، ومنهم من برقت له بوارق اللطف فتحرك وطاب، ومنهم من طلع عليهم الحِبُّ من مطلع القرب فسكر وغاب، هذا ما عنَّ لي في الجواب، والله أعلم بالصواب).
ثم قال أيضاً: (ولا كلام لنا مع من اقتدى بهم، وذاق من مشربهم، ووجد من نفسه الشوق والهيام في ذات الملك العلام، بل كلامنا مع هؤلاء العوام الفسقة اللئام...)(1).
من هذا نرى أن ابن عابدين رحمه الله تعالى يبيح التواجد والحركة في الذكر، وأن الفتوى عنده الجواز، وأن النصوص المانعة التي ساقها في حاشيته المشهورة في الجزء الثالث تُحمل على ما إذا كانت في حِلَق الذكر منكرات: من آلات اللهو والغناء، والضرب بالقضيب، والاجتماع مع المرد الحسان، وإنزال المعاني على أوصافهم، والتغزل بهم، وما إلى ذلك من المخالفات.
ولم يتمسك المانعون المستندون إلى كلام ابن عابدين برأيهم ؛ إلا لعدم إطلاعهم على كلامه في مجموعة الرسائل حيث فَرَّق ـ كما مرَّ ـ بين الدخلاء والصادقين، وأباح فيها التواجد للعارفين الواصلين، والمقتدين بهم من المقلدين، فراجع المصدرين يَبِنْ لك الحق.
ولا شك أن التواجد هو تكلف الوجد وإظهاره من غير أن يكون له وجد حقيقة، ولا حرج فيه إذا صحت النية كما قال العلامة ابن عابدين في حاشيته:


ما في التواجد إن حققت مِنْ حرج ولا التَّمايلِ إن أخلصت من باس

فإذا كان التواجد جائزاً شرعاً ولا حرج فيه كما نص عليه الفقهاء، فالوجد من باب أْولى. وما وَجْدُ الصوفية وتواجدهم إلا قبس مما كان عليه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

وها هو مفتي السادة الشافعية بمكة المكرمة العلامة الكبير أحمد زيني دحلان رحمه الله يورد في كتابه المشهور في السيرة النبوية مشهداً من إحدى حالاتهم، ويعلق عليه فيقول:
(وبعد فتح خيبر قدم من الحبشة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه من المسلمين وهم ستة عشر رجلاً فتلقى النبي (صلى الله عليه وسلم) جعفر وقبَّل جبهته وعانقه وقام له ـ وقد قام لصفوان بن أُمية لما قدم عليه، ولعدي بن حاتم رضي الله عنهما ـ ثم قال (صلى الله عليه وسلم):
"ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ؟"
وقال (صلى الله عليه وسلم) لجعفر: "أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي"،
فرقص رضي الله عنه من لذة هذا الخطاب، فلم ينكر عليه (صلى الله عليه وسلم) رقصه، وجُعل ذلك أصلاً لرقص الصوفية عندما يجدون من لذة المواجيد في مجالس الذكر والسماع)(1).

وقال العلامة الألوسي في تفسيره عند قوله تعالى: {الذينَ يذكُرونَ اللهَ قِياماً وقُعوداً وعلى جُنوبِهم} [آل عمران: 191]: (وعليه فيُحمل ما حُكي عن ابن عمر رضي الله عنهما وعروة بن الزبير وجماعة رضي الله عنهم من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى، فجعلوا يذكرون الله تعالى، فقال بعضهم: أمَا قال الله تعالى: {يذكرون الله قياماً وقعوداً} ؟ فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم، على أنّ مرادهم بذلك التبرك بنوع موافقة للآية في ضمن فرد من أفراد مدلولها)(1).

ولسيدي أبي مدين رضي الله عنه:

وقل للذي ينهَى عن الوجد iiأهلَه إذا لم تذق معنى شرابِ الهوى iiدعناإذا اهتزت الأرواحُ شوقاً إلى iiاللِّقا نعمْ ترقص الأشباح يا جاهلَ iiالمعنىأمَا تنظرُ الطيرَ المقفَّص يا فتى إذا ذكر الأوطان حنَّ إلى المغنىيفرِّجُ بالتغريد ما iiبفؤاده فتضطرب الأعضاء في الحس والمعنىكذلك أرواح المحبين يا iiفتى تهزْهزُها الأشواق للعالم iiالأسنىأنُلزِمها بالصبر وهي مَشوقةٌ وهل يستطيع الصبر من شاهد iiالمعنىفيا حاديَ العشاق قم واشدُ iiقائماً وزَمْزم لنا باسم الحبيب iiوروِّحْنا


والخلاصة:

يُفهم مما سبق أن الحركة في الذكر مباحة شرعاً، هذا بالإضافة إلى أن الأمر بالذكر مطلق يشمل جميع الأحوال ؛ فمن ذكر الله تعالى قاعداً أو قائماً، جالساً أو ماشياً، متحركاً أو ساكناً... فقد قام بالمطلوب ونفَّذَ الأمر الإلهي.

فالذي يدَّعي تحريم الحركة في الذكر أو كراهتها هو المطالَب بالدليل، لأنه يخصص بعض الحالات المطلقة دون بعض بحكم خاص.
وعلى كلٌّ ؛ فإن غاية المسلم في دخوله حلقات الأذكار قيامه بعبادة الذكر، وإن الحركة في ذلك ليست شرطاً، ولكنها وسيلة للنشاط في تلك العبادة وَتَشبُّهٌ بأهل الوجد إن صحت النية.

فتَشَبَّهوا إنْ لم تكونوا مثلهم إنَّ التشبهَ بالكرام فلاحُ.
رد على استشكال
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ، في فتح الباري /2ـ941/: قال القرطبي :وأما ما ابتدعته الصوفية في ذلك فمن قبيل مالا نختلف في تحريمه لقد ظهرت في كثير منهم فعلات المجانين والصبيان حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال وأن ذلك يثمر سنيَّ الأحوال . قال الحافظ ابن حجر: وينبغي أن يعكس مرادهم ويقرأ: سيء الأحوال. اهـ

لنعرف خفايا رد الإمام القرطبي دعونا نُلقي نظرة على أقوال الإمام القرطبي في الصوفية :
إستشهاد القرطبي بأقوال الصوفية في تفسيره
تفسير القرطبي ج1/ص192
فيه سبع مسائل الأولى روي أبن جريج عن مجاهد قال نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين وأثنتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة في المنافقين وروى أسباط عن السدي في قوله ومن الناس قال هم المنافقون وقال علماء الصوفية الناس أسم جنس وأسم الجنس لا يخاطب به الأولياء
تفسير القرطبي ج1/ص194
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما الأعمال بالخواتيم ولهذا قال علماء الصوفية ليس الإيمان ما يتزين به العبد قولا وفعلا لكن الإيمان جرى السعادة في سوابق الأزل وأما ظهوره على الهياكل فربما يكون عاريا وربما يكون حقيقة قلت هذا كما ثبت في صحيح مسلم وغيره
تفسير القرطبي ج1/ص223
عن أبن مسعود وقتادة قال النحاس وهذا قول حسن ويدل على صحته ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمأن به وإن أصابته فتنة أنقلب على وجهه وقال علماء الصوفية هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم تصح له أحوال الإرادة بدءا فأرتقى من ..
تفسير القرطبي ج1/ص230
ولهذا قال عليه السلام مشيرا إلى هذا المعنى والله لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه أخرجه مسلم ويدخل في معنى الأحتطاب جميع الأشغال من الصنائع وغيرها فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله ندا وقال علماء الصوفية أعلم الله عز وجل في هذه الآية سبيل الفقر وهو أن تجعل الأرض وطاء والسماء غطاء والماء طيبا والكلأ طعاما ولا تعبد أحدا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا فإن الله عز وجل قد أتاح لك ما لا بد لك منه من غير منة فيه لأحد عليك
تفسير القرطبي ج4/ص189
وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحب العبد المحترف وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرضون على السرية وقال غيره وهذا قول عامة الفقهاء وأن التوكل على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض وآتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة وآستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة وإلى هذا ذهب محققو الصوفية لكنه لا يستحق آسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والألتفات إليها بالقلوب فإنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا بل السبب والمسبب فعل الله تعالى والكل منه وبمشيئته ...
تذوق القرطبي لكلام الصوفية :
تفسير القرطبي ج9/ص168
قال بن العربي كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية وأي إمام يعرف بابن عطاء تكلم يوما على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة فقال يا شيخ يا سيدنا فإذا يوسف هم وما تم قال نعم لأن العناية من ثم فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلم وانظر إلى فطنة العامي في سؤاله

الرقص المذموم عند الإمام القرطبي ماشهده في عصره مما فيه خلط مع المُرد و النسوان:
تفسير القرطبي ج10/ص366
الثانية قال بن عطية تعلقت الصوفية في القيام والقول بقوله إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض قلت وهذا تعلق غير صحيح هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء

حُكم الإمام احمد بن حنبل في السماع و التواجد:
الفروع (محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي) ج5/ص238
ونقل إبراهيم بن عبدالله القلانسي أن أحمد قال عن الصوفية لا أعلم أقواما أفضل منهم قيل إنهم يستمعون ويتواجدون قال دعوهم يفرحون مع الله ساعة قيل فمنهم من يموت ومنهم من يغشى عليه فقال وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ولعل مراده سماع القرآن وعذرهم لقوة الوارد كما عذر يحيى القطان في الغشي وقد قال أحمد لإسماعيل بن إسحاق الثقفي وقد سمع عنده كلام الحارث المحاسبي ورأى أصحابه ما أعلم أني رأيت مثلهم ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل ولا أرى لك صحبتهم وقد نهى عن كتابة كلام منصور بن عمار والإستماع للقاص به قال أبو الحسين لئلا يلهونه عن الكتاب والسنة لا غير وأنكر الآجري وابن بطة وغيرهما هذا السماع وفي الغنية يكره تحريق الثياب في حق المتواجد عند السماع قال ويجوز سماع القول بالقضيب ويكره الرقص.

أقوال العُلماء في الرقص :
بلغة السالك ج2/ص326
وأما الرقص فاختلف فيه الفقهاء فذهبت طائفة إلى الكراهة وطائفة إلى الإباحة وطائفة إلى التفريق بين أرباب الأحوال وغيرهم فيجوز لأرباب الأحوال ويكره لغيرهم وهذا القول هو المرتضى وعليه أكثر الفقهاء المسوغين لسماع الغناء وهو مذهب السادة الصوفية قال الإمام عز الدين بن عبد السلام من ارتكب أمرا فيه خلاف لا يعزر عليه لقوله عليه الصلاة والسلام ادرءوا الحدود بالشبهات وقال بعثت بالحنيفية السمحة وقال الله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج أي ضيق
سنن البيهقي الكبرى ج10/ص226
باب من رخص في الرقص إذا لم يكن فيه تكسر وتخنث
20816 أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن خشيش المقرئ بالكوفة أنبأ أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة ثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي رضي الله عنه قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وجعفر وزيد فقال لزيد أنت أخونا ومولانا فحجل وقال لجعفر أشبهت خلقي وخلقي فحجل وراء حجل زيد ثم قال لي أنت مني وأنا منك فحجلت وراء حجل جعفر قال الشيخ هانئ بن هانئ ليس بالمعروف جدا وفي هذا إن صح دلالة على جواز الحجل وهو أن يرفع رجلا ويقفز على الأخرى من الفرح فالرقص الذي يكون على مثاله يكون مثله في الجواز والله أعلم

محمد حبيب الفندي
07-08-2005, 02:37
ثم قال التحقيق القاطع للنزاع في أمر الرقص والسماع يستدعي تفصيلا ذكره في عوارف المعارف وإحياء العلوم وخلاصته ما أجاب به العلامة النحرير ابن كمال باشا بقوله ما في التواجد إن حققت من حرج ولا التمايل إن أخلصت من باس فقمت تسعى على رجل وحق لمن دعاه مولاه أن يسعى على الراس الرخصة فيما ذكر من الأوضاع ثم الذكر والسماع للعارفين الصارفين أوقاتهم إلى أحسن الأعمال السالكين المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال فهم لا يستمعون إلا من الإله ولا يتشاقون إلا له إن ذكروه ناحوا وإن شكروه باحوا وإن وجدوه صاحوا وإن شاهدوه استراحوا وإن سرحوا في حضرة قربه ساحوا إذا غلب عليهم الوجد بغلباته وشربوا من موارد إرادته فمنهم من طرقتهم طوارق الهيبة فخر وذاب ومنهم من برقت له بوارق اللطف فتحرك وطاب ومنهم من طلع عليه الحب من فسكر وغاب هذا ما عن لي في الجواب والله تعالى أعلم بالصواب ومن يك وجده وجدا صحيحا فلم يحتج إلى قول المغني له من ذاته طرب قديم وسكر دائم دن (حتشية ابن عابدين ج4 ص 259)

محمد حبيب الفندي
07-08-2005, 02:43
حول التمايل والوجد في حلقات الذكر عند الصوفية
ينكر كثيرون على الصوفية التمايل مع الذكر الى الاسانيد واراء المشايخ
على حلقات باذن الله .
الإمام السيد الكبير أحمد الرفاعي .

قال : القوم سمعوا وطابوا ولكنهم سمعوا أحسن القول فاتبعوه، وسمعوا غير الحسن فاجتنبوه، تحلقوا وفتحوا مجالس الذكر وتواجدوا وطابت نفوسهم وصعدت أرواحهم، لاحت عليهم بوارق الإخلاص حالة ذكرهم وسماعهم، وترى أن أحدهم كالغائب على حال الحاضر، وكالحاضر على حال الغائب، يهتزون و لاتنشغل قلوبهم بسواه يقولون:الله، ولا يعبدون إلا إياه. يقولون: هو، وبه لا بغيره يتباهون، إذا غنّاهم الحادي يسمعون منه التذكار، فتعلوا همتهم في الأذكار.
ولك أن تقول يا أخي: الذكر عبادة، فما الذي أوجب أن يذكر في حلقته كلام العاشقين وأسماء الصالحين؟ ولكن يقال لك: الصلاة أجلُّ العبادات، يتلى فيها كلام الله ، وفيه الوعد والوعيد ويقال في تحية الصلاة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ما أشرك المصلي ولا خرج عن بساط عبادته، ولا عن حد عبوديته، وكذلك الذاكر سمع الحادي يذكر اللقاء، فطاب بطلب لقاء ربه : (من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه) أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. سمع الحادي يذكر الفِراق، فتأهب للموت، وتفرَّغ من حـب الدنيا؛ (حب الدنيا رأس كل خطيئة) أخرجه البيهقي في الحادي والسبعين من الشعب، بإسناد حسن إلى الحسن البصري .
سمع الحادي يذكر الصالحين، فتقرب بحب أحباب الله إلى الله ، هذه من الطرق إلى الله التي هي بعدد أنفاس الخلائق:
غنى بهم حادي الأحبة في الدجى***فأطار منهم أنفساً وقلوبــاً
فأراد مقطوع الجنــاح بثينـة***وهمو أرادوا الواحد المطلوبا
سمّى القوم الهزَّ بالذكر رقصاً !! إذا كان وارد الهزة من الروح، فنسبة الرقص للروح لا للجسم، وإلا فأين الراقصون؟ وأين الذاكرون؟ طلب هؤلاء حق، وطلب هؤلاء ضلال!سارت مشرقة وسرت مغربا.
الراقصون كذّابون، والذاكرون مذكورون، وبين الملعون والمحبوب بوْن عظيم، إذا دخلتم مجالس الذكر فراقبوا المذكور واسمعوا بأذن واعية.
إذا ذكر الحادي أسماء الصالحين، فألزموا أنفسكم اتباعهم، لتكونوا معهم - (المرء مع من أحبّ) رواه البخاري، ورواه مسلم - أوجبوا عليكم التخلق بأخلاقهم، خذوا عنهم الحال، والوجد الحق الوجد الحق: وُجدان الحق. فها هو سيد الطائفة (الإمام السيد الكبير أحمد الرفاعي ) قد بين لنا صدق قصد الذاكرين حينما يهتزون في الذكر، بذلك من كل ما ينسب إليه وإلى أتباعه من الظنون الكاذبة والدعاوي الباطلة.
ناصل باذن الله اراء العلماء الكرام حول التمايل والوجد فى حلقات الذكر:
الإمام بن حجرالعسقلاني رحمه الله تعالى :
سُئل الحافظ بن حجر المحدث الكبير عن رقص الصوفية وهل له أصل وهل رقص أحد بحضرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه؟
قال: نعم، إن جعفر بن أبي طالب رقص بين يدي رسول الله لما قال له: أشبهت خلقي وخلقي وذلك من لذة الخطاب ولم ينكر عليه رسول الله فهو في مصطلح الحديث إقرار، والنبي لا يسكت عن حرام أو مكروه.
وأفتى بجواز الرقص عند سؤال أحد الحاضرين في مجلسه فقال: يجوز الرقص بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدي رسول الله ، وكان رقصهم بالوثبات والوجد وإنشاد الشعر جائز بين يدي النبي ، وأصل هذه الطرائق من الكتاب والسنة الحاثين على كثرة ذكر الله والاجتماع على محبة الله ، أما سب المشايخ وتكفيرهم فكفر شرعاً بلا خلاف (السيف القاطع للسيوطي والإلهامات الإلهية للشيخ محمود أبي الشامات).
الإمام خير الدين الرملي رحمه الله تعالى :
سُئـل العلامة خير الدين الرملي عما اعتـاده الصوفية من حلق الذكر والجهر في المساجد ونشر القصائد وغير ذلك من عوائدهم. فأجاب: إن الأمور بمقاصدها والأعمال بالنيات (حقيقة الصوفية):
الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى :
جاء في الحاوي للفتاوي ما يلي: مسألة: في جماعة صوفية اجتمعوا في مجلس ذكر، ثم إن شخصاً من الجماعة قام في المجلس ذاكرا واستمر على ذلك الوارد الذي حصل له. فهل له ذلك سواء باختيار أم لا؟ وهل لأحد منعه وزجره من ذلك؟.
الجواب: لا إنكار عليه في ذلك، وقد سُئل عن هذا السؤال بعينه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، فأجاب بأنه لا إنكار عليه في ذلك، وليس لمانع التعدي يمنعه ويلزم المتعدي بذلك التعزير، وسُئل عنه العلامة برهان الدين الأنباسي فأجاب بمثل ذلك وزاد أن صاحب الحال مغلوب، والمنكر محروم، ما ذاق لذة التواجد ولا صفا له المشروب.
إلى أن قال في آخر جوابه: وبالجملة فالسلامة في تسليم حال القوم، وأجاب أيضا بمثل ذلك بعض أئمة الحنفية والمـالكية، كلهم كتبوا على هذا السـؤال بالموافـقة من غير مخالفة: أقول: وكيف ينكر الذكر قائما والقيام ذاكراً وقد قال الله : الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم (آل عمران الآية191)وقالت عائشة رضي الله عنها: (كان النبي يذكر الله على كل أحيانه) وإن انضم إلى هذا القيام رقص أو نحوه فلا إنكار عليهم، فذلـــك من لذات الشهود أو المواجيد، وقد ورد في الحديث رقص جعفر بن أبي طالب بين يدي النبي لما قال له: أشبهت خلقي وخلقي وذلك من لذة الخطاب، ولم ينكر عليه النبي ، فكان ذلك أصلاً في رقص الصوفية لما يدركونه من لذات المواجيد.
وقد صح القيام والرقص في مجالس الذكر والسماع عن جماعة من كبار الأئمة منهم شيخ الإسلام العز بن عبد السلام(الحاوي للفتاوي).
ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى:
يقول الإمام بن القيم الجوزية رحمه الله تعالى: وكل حركة في العالم العلوي أو السفلي فأصلها المحبة..فلولا الحب ما دارت الأفلاك وتحركت الكواكب النيرات، ولا هبت الرياح المسخرات، ولا مرت السحب الحاملات، ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات، ولا انصدع عن الحب أنواع النبات، واضطربت أمواج البحار والزاخرات، ولا تحركت المدبرات والمقسمات ولا سبحت بحمد فاطرها الأرضون والسموات وما فيها من المخلوقات(الجواب الكافي لابن القيم الجوزية).
وقال أيضــا: والتكلف والتعامل في أوائل الطــريق والسلوك لابد منه، إذ لا يطالـب صاحبـه بما يطالب به صاحـب الحال ومن تأمله بنية حصول الحقيقة لمن رصد الوجد لا يذم، والتواجد يكون بما يتكلفه العبد من حركات ظاهرة (مدارج الساليكن للإمام بن القيم الجوزية).
الإمام النووي رحمه الله تعالى :
ينص الإمام النووي عمدة المذهب الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه (منهاج الطالبين وعمدة المفتين)، بعد أن ذكر عدداً من المحرمات، نفى منها الرقص فيقول ما نصه: (لا الرقص، إلا أن يكون فيه تكسر كفعل المخنث). فيقول الرملي(الشافعي الصغير فقيه مصر) في كتابه المحتاج في شرح المنهاج: (لا الرقص) فلا يحرم ولا يكره، لأنه مجرد حركات على استقامة واعوجاج، ولإقراره الحبشة في مسجده يوم عيد.ويقول عند قول النووي: (إلا أن يكون فيه تكسّر كفعل المخنث: بكسر النون، وهذا أشهر وهو أفصح، فيحرم على الرجال والنساء، وهو من يتخلق بخلق النساء حركة وهيئة). وقال النووي في الروضة: (والرقص ليس بحرام) نهاية المحتاج في شرح المنهاج للرملي، وتجدر الإشارة إلى خطأ من وقف عند كلمة: تكسر، وأغمض عينيه عما قبلها وبعدها وفسّر فانثناء الركبة، فلو كان انثناء الركبة محرما لذاته لحرم الرَّمَل في الطواف والهرولة في السعي، لأنه يتعذّر على الإنسان المشي بدون ثني ركبة، فكلمة تكسر استعملها الفقهاء لعدم وجود أي دليل يحرم الرقص مطلقا من كتاب الله أو السنة المطهرة وإنما علة التحريم هي التشبه بالمخنثين، والعلة تدور مع المعلول وجوداً أو عدما والفقهاء عرفوا المخنث بأنه من يتخلق بخلق النساء حركة وهيئة. كما ذكره الرملي في نهاية المحتاج.
غير أني لم أجد هذا المعنى المتعسف في أمهات اللغة العربية كلسان لعرب والقاموس المحيط وتاج العروس وغيرها. وجاء في المعجم الوسيط: ويقال فلان فيه تحنث وتكسر.. تفكك، ورأيته متكسرا: فاتراً والقاعدة الأصولية تقول: ذا تعارض معنى شرعي ومعنى لغوي قدم المعنى الشرعي. ولذا فلا يلتفت إلى هذا الادعاء.
الإمام العلامة محمد السفاريني الحنبلي:
نقل إبراهيم بن عبد الله القلانسي أن الإمام أحمد قال عن الصوفية: لا أعلم أقواماً أفضل منهم قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة. قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغش عليه، فقال: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ذكره العلامة الإمام في الفروع(غذاء الألباب لمحمد السفاريني).
الإمام السيد أبو مدين .
يقول رحمه الله تعالى في بعض أبياته:
وقل للذي ينهى عن الـوجـد أهـلـه*** إذالم تذق معنى شراب الهوى دعـنـا
إذا اهتزت الأرواح شوقاًإلى اللقـا*** نعم ترقص الأشباح يا جاهـل دعـنـا
أما تنظر الطير المقفّص يا فتــى *** إذا ذكر الأوطان حنّ إلى المـعــنـى
يفرج بالتغـريـد مـا بـفـوائـده *** فتضطرب الأعضاء في الحس والمعنــى
كذلك أرواح المحـبيـن يـا فـتـى *** تهزها الأشواق للـعـالـم الأسـنــى
أنلزمها بالصـبـر وهـي مـشـوقـة *** وهل يستطيع الصبر من شاهد المعنـى
فيا حادي العشاق قم واشـد قائماً *** وزمزم لنا باسم الحبـيـب وروّحـنـا
الإمام الشيخ السنوسي رحمه الله تعالى:
قال الشيخ السنوسي في نصرة الفقير وغيره: (وقد تواتر النقل عن الصوفية قديماً وحديثاً، شرقاً وغرباً، أنهم كانوا يجتمعون لذكر الله ، ويقومون ويرقصون، ولم يبلغنا عن أحد من العلماء المعتبرين أنه أنكر عليهم. وقد رأيت بفاس بزاوية الصقليين جماعة يذكرون ويرقصون من صلاة العصر يوم الجمعة إلى المغرب، مع توفّر العلماء فلم ينكر أحد عليهم. وقد بلغني أن شيخنا شيخ الجماعة سيدي التاودي بن سودة كان يحضر معهم في بعض الأحيــان(الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية ص (283-282).
الإمام العلامة بن عابدين رحمه الله تعالى :
قال العلامة المرحوم محمد أمين عابدين في حاشيته الشهيرة رد المختار على الدر المختار بعد كلام ما نصه: وخلاصة ما أجاب به العلامة النحرير ابن كمال باشا بقوله:
ما في التواجد إن حققت من حرج*** ولا التمايل إن أخلصت من بأس
فقمت تسعى على رجل وحـــق لمن*** دعاه مولاه أن يسعى على الراس
الرخصة فيما ذكر من الأوضاع، عند الذكر والسماع للعارفين الصارفين أوقاتهم إلى أحسن الأعمال السالكين المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال فهم لا يستمعون إلا من الله ولا يشتاقون إلا له إن ذكروه ناحوا وإن شكروه باحوا وإن وجدوه صاحوا وإن شاهدوه استراحوا وإن سرحوا في حضرة قربه ساحوا إذ غالب عليهم الوجد بغلباته وشربوا من موارد إيراداته فمنهم من طرقته بوارق إلهيه فخر وذاب ومنهم من برقت له بوارق اللطف فتحرك وطاب ومنهم من طلع عليه الحب من مطلع الحب فذكر وغاب. هذا ما عن لي في الجواب والله أعلم بالصواب (حاشيية الدر المختار لابن عابدين ج3 ص259) وميز العلامة بن عابدين في شفاء العليل بين الصوفية السابقين السائرين على قدم الرسول وبين الدخلاء المارقين وندد بالدخلاء على الصوفية واستعرض بدعهم ومنكراتهم فـي الذكر وحذر منهم ومن الاجتماع بهم ثم قال ما نصه: ولا كلام لنا مع الصدق من ساداتنا الصوفية المبرأين من كل خصلة رضية فقد سُئل إمام الطائفتين سيدنا الإمام الجنيد أن أقواماً يتواجدون ويتمايلون فقال: دعوهم مع الله يفرحون.
إلى أن قال: ولا كلام لنا مع من ابتدى بهم وذاق من مشربهم ووجد من نفسه الشوق والهيام في ذات الملك العلام بل كلامنا مع هؤلاء العوام الفسقة اللئام (مجموعة رسائل بن عابدين شفــاء العليل وبل الغليل).
الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى:
قال الشيخ عبد الغني رحمه الله حديث الإمام عليّ صريح بأن الصحابة كانوا يتحركون حركة شديدة في الذكر فثبت مطلقا إباحة الاهتزاز على هذا الأثر بأن الرجل غير مؤاخذ حين يتحرك ويقوم ويقعد على أي نوع كان حيث لم يأت بمعصية ولم يقصدها.
الإمام عبد الحليم محمود شيخ الأزهر رحمه الله تعالى:
لقد كان شاذلي الطريقة ويحضر مجالس الذكر ولما سؤل عن الاهتزاز في الذكر قال (صدق الإمام علي كرم الله وجهه حينما قال واصفا الذاكرين يتمايلون تمايل النخيل في اليوم العاصف الريح). والخلاصة بعد هذه الأدلة القاطعة من كتاب الله وسنة رسوله قولاً وفعلاً وتقريراً وما ورد عن أخبار الصحابة وأعمالهم وأقوال ساداتنا العلماء سلفا وخلفا.
فقد ذكرنا هنا كل ما يشرح الصدر ويثبت الحركة في الذكر كما أن الذكر أمر مطلق على جميع الأحوال قائماً وقاعداً متحركاً وساكناً ماشياً وواقفاً وكان مولانا رسول الله يذكر الله في جميع أحيانه وأحواله، وإذا ادّعى أحد المارقين تحريم الحركة في الذكر أو قال بكراهتها فنحن نطالبه بالدليل لأنه يقيد ما أطلقه الله بغير سند ولا دليل..
ونقول له: إذا أردت أن تحرم أو تكره الحركة في الذكر فأتنا بآية أو بحديث أو بقول لعالم من العلماء الصالحين الذين لا يختلف في قولهم اثنين من المسلمين وتشبه بالصالحين في التحريم والإباحة إن لم تكن مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح.

محمد حبيب الفندي
07-08-2005, 02:48
بيان حكم الضرب على الدف و انه جائز
روى البخاري في صحيحه (1) عن عائشة أنها زَفَت امرأةً إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله (صلّى الله عليه و سلّم): "يا عائشة مما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو".

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه (2): في رواية شُريكٍ، فقال: "فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟ " قلت: تقول ماذا؟ قال "تقول:
أتينـاكـم أتينـاكـم فحيـانـا وحيـاكـم (3)
ولـولا الـذهـب الأحمـر مـا حلـت بـواديكـم
ولـولا الحنطة السمراء ة مـاسمنث عذاريكـم "

وفي سنن ابي داود (4) ان امرأة أتت النبي (صلّى الله عليه و سلّم), فقالت: "يا رسول الله إني نذرت أن اضرب على رأسك بالدفِ، قال: "أوفي بنذرك، قالت: (إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية، قال: "لصنم؟" قالت: لا، قال: "لوثن" قالت: لا، قال: "أوفي بنذرك".

وأما من قال جوازه خاص بالنساء فقوله مردود، لأن إباحته عامة للرجال والنساء، والتخصيص بالنساء لا يشهد له العرف ولا الشرع، لأن أهل اليمن مشهور عندهم أن الرجال يضربون به، وكذلك أهل بر الشام الصوفية، وأهل الذكر ذلك دأبهم.

وروى الترمذي " (5) وابن حبان (6): "أن النبي (صلّى الله عليه و سلّم) لما رجع المدينة من بعض مغازيه جاءته جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله اني نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف، فقال لها: "ان كنت ندرت فأوفي بنذرك".

تنبيه: ليعلم أن الجارية في اللغة: الفتاة حرة كانت أو أمة، وما يظنه بعض الناس من أنه خاص بالإماءِ أو بالبنات اللاتي هن طفلات توهم فاسد وجهل باللغة،

قال الغزالي في احياء علوم الدين (7) ما نصه:

العارض الثاني في الآلة بأن تكون من شعائر أهل الشرب أو المخنثين وهي المزاميز والأوتار وطبل الكوبة فهذه ثلاثة أنواعٍ ممنوعةٌ وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة كالدف وان كان فيه الجلاجل وكالطبل والشاهين. ا. هـ. وسكت مرتضى الزبيدي في شرحه على الإحياء على ذلك.

وفي كتاب كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع لابن حجر الهيتمي (8)، ما نصّه: قال الشيخان (أي الرافعي والنووي رحمهما الله): حيث أبحنا الدف فهو فيما إذا لم يكن فيه جلاجل فإن كانت فيه فالأصح حله أيضا! ا. هـ.

وفي الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي (9) ما نصه: وقد رقص الحبشة في المسجد وهو (صلّى الله عليه و سلّم) ينظرهم ويقرهم على ذلك. وفي الترمذي (10) وسنن ابن ماجه (11) عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي (صلّى الله عليه و سلّم) قال: "أعلنوا هذا النكاح وافعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدف، وفيه إيماء إلى جواز ضرب الدف في المساجد لأجل وقال في كتاب فتح الحواد بشرح الإرشاد (12) ما نصه: "ويباح الدف وإن كان فيه نحو جلاجل، لرجل وامرأة ولو بلا سبب"ا. هـ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري: كتاب النكاح: باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة.
(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري (9/ 225 و 226).
(3) وفي رواية: فحيونا نحييكم.
(4) سنن أبي داود: كتاب الأيمان والنذور: باب ما يؤمر به من وفاء النذر.
(5) جامع الترمذي: كتاب المناقب: باب في مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(6) صحيح ابن حبان: كتاب النذور: باب ذكر الخبر الدال على إباحة قضاء الناذر ندره إذا لم يكن بمحرم عليه، انظر "الإحسان، (6/ 286 و 287).
(7) إتحاف السادة المتقين (6/ 502).
(8) انظر هامش الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي (1/ 81).
(9) الفتاوى الكبرى (4/ 356).
(10) جامع الترمذي: كتاب النكاح: باب ما جاء في إعلان النكاح.
(11) سنن ابن ماجه: كتاب النكاح: باب إعلان النكاح.

محمد حبيب الفندي
07-08-2005, 14:35
سئل الشيخ مصطفى الزرقا :

ما رأيكم في استخدام الدف في الأناشيد عمومًا، ما كان منها مستخدمًا للنساء أو للرجال، سواء كان ذلك مسجَّلاً في شريط كاسيت أو شريط فيديو أو شهودًا في وقته. علمًا بأن معاني تلك القصائد (الأناشيد) هي مما يدعو إليه الدين. وتندب إليه الفضيلة؟
الإجابة لفضيلة الشيخ مصطفى الزرقا -رحمه الله-:
أحسن ما بيَّنه الفقهاء في هذا الموضوع هو رسالة الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي -رحمه الله- المسماة: "إيضاح الدلالات في سماع الآلات" وفيها يفصّل الحكم في الآلات بوجه عام، الدف وغيره، لأنّ الدف لا خصوصية له فهو من جملة الآلات ذات الأصوات المطربة، وإذا كان قد ورد ذكر الدف في بعض الأحاديث النبوية، فلأنه كان إذ ذاك هو الآلة الموسيقية المستعملة، ولا يوجب ذلك تمييزه عن غيره في الحكم.
والذي استقرّ عليه رأي الشيخ العلامة عبد الغني النابلسي في رسالته المذكورة أن سماع الآلات الموسيقية بوجه عام إذا كان غير مصحوب بمنكرات ولا غناء مثير للغرائز، بل يقصد السامع إجماع نفسه من المتاعب وإراحة أعصابه المرهقة دون مداومة عليه تلهية عن واجباته من أعمال وعبادة فلا بأس به.
واتفقوا على إباحة الدف ونحوه من الآلات الفرْعية في الأعراس والأعياد، ووردت في ذلك بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة.
وأضاف صاحب الفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي -حفظه الله-:
بل قد يقال هنا: إن الأحاديث الواردة في ذلك تفيد الاستحباب، لا مجرد الإباحة. والحق أنه لا يوجد نص صحيح الثبوت، صريح الدلالة، يفيد التحريم. والأصل في الطيبات الإباحة. راجع: "نيل الأوطار" وغيره في هذا الباب، وفصل (اللهو والفنون) من كتابي "ملامح المجتمع الإسلامي الذي ننشده".
ويبدو لي أن مثل ذلك يقال في مناسبات الاحتفالات التي تقام في بعض الذكريات أو الأفراح، وتنشد فيها الأناشيد والمدائح النبوية دون حضور شيء من المنكرات فهو مباح أيضًا. والله أعلم..
[تنظر الموسوعة الفقهية الكويتية مادة (استماع: الاستماع لضرب الدف ج4/ص95)، وشجرة المعارف والأحوال للشيخ العلامة العز بن عبد السلام، فصل: في الغناء والدف وسماع ذلك ص375].

محمد حبيب الفندي
09-08-2005, 01:59
ما حكم الشرع الحنيف في استخدام السبحة في الذكر لإحصاء العدد وسواه ..؟

اعلم أن السبحة مشتقة من التسبيح وهو تفعيل من السبح الذى هو المجئ والذهاب لأن لها فى اليد مجئ وذهاب ومأخوذة من قوله تعالى: ﴿إن لك فى النهار سبحا طويلا﴾ وأخرج بن أبى شيبة عن أبى سعيد الخدرى (أنه كان يسبح بالحصى) وأخرج بن أبى شيبة فى المصنف عن مولاه سعد (أن سعدا كان يسبح بالحصى أو النوى) وأخرج الإمام أحمد فى الزهد حدثنا مسكين بن نكير عن ثابت بن عجلان عن القاسم بن عبدالرحمن قال: (كان لأبى الدرداء نوى من نوى العجوة فى كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن حتى ينفذن) وأخرج الإمام أحمد فى الزهد حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد بن زياد عن يونس بن عبيد عن أمه قالت: رأيت أبا صفية - رجل من أصحاب النبى - وكان جارنا يسبح بالحصى. وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد فى زوائد الزهد عن طريق نعيم بن محرز بن هريرة عن جده أبى هريرة (أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلاينام حتى يسبح بهن). فإذا كان هؤلاء استعملوا السبحة فلمَ نحرمها على أنفسنا أليست تذكرنا بتسبيح الله وذكره. ومن الفهم الخاطئ أيضا عند البعض إنكار العد على السبحة ومن يقول أن العد ليس واردا فأين هو من الأركان الأساسية للإسلام أليست مقرونة بعدد؟ ونسوق لهم هذا الحديث فى استعمال العد والعدد ... جاء فى كتاب الأذكار للإمام النووى عن سعد بن أبى وقاص t قال: (كنا عند رسول الله e فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب فى كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فتكتب له ألف حسنة وتحط عنه ألف خطيئة). أخرجه الإمام مسلم.

من كتاب إنتصار أولياء الرحمن الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى



ومما يدل على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى حديث سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله e على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به الحديث، وحديث صفية قالت دخل علي رسول الله e وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بها الحديث. أخرجهما الترمذي فيما بعد. قال الشوكاني في النيل (ص 112 ج 2) هذان الحديثان يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى وكذا بالسبحة لعدم الفارق لتقريره e للمرتين على ذلك وعدم إنكاره، والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز، وقد وردت بذلك آثار، ففي جزء هلال الحفار من طريق معتمر بن سليمان عن أبي صفية مولى النبي e أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار ثم يرفع فإذا صلى أتى به فيسبح حتى يمسى. وأخرجه الإمام أحمد في الزهد. وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلمي أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى. وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عبد الله بن موسى أخبرنا إسماعيل عن جابر عن امرأة خدمته عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيها. وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد عن طريق نعيم بن محرز بن أبى هريرة عن جده أبى هريرة (أنه كان له خيط فيه ألف عقدة فلا ينام حتى يسبح به). وأخرج الإمام أحمد فى الزهد حدثنا مسكين بن نكير عن ثابت بن عجلان عن القاسم بن عبد الرحمن قال: (كان لأبى الدرداء نوى من نوى العجوة فى كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن حتى ينفدن). وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة أنه كان يسبح بالنوى المجموع. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من طريق زينب بنت سليمان بن علي عن أم الحسن بنت جعفر عن أبيها عن جدها عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: "نعم المذكر السبحة". وقد ساق السيوطي آثاراً في الجزء الذي سماه المنحة في السبحة وهو من جملة كتابه المجموع في الفتاوى وقال في آخره ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروها انتهى. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود وسكت عنه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره وأخرجه النسائي والحاكم وصححه. قوله: (وفي الباب عن يسيرة بنت ياسر) أخرج حديثها الترمذي في أحاديث شتى.


أما عن المسبحة والعدد فالأدلة عقلية ونقلية لا سبيل لإنكارها فمن ذلك أن الله تعالت حكمته قيد العبادات فى الأوقات والمقادير، فما من عبادة إلا ولها كم وكيف وميقات، فإذا تحقق هذا فى الأركان والفرائض فما الغريب فى كونه فى النوافل حاصل؟! ومن وجه آخر إذا كان من أسماء الله الحسنى الاسمان الكريمان الحسيب والحصى .. فمن المعروف أن لكل اسم فى الكون تجلى فكيف يكون تجليهما فى أشرف الأعمال على الإطلاق وهو العبادة؟ فلا شك أن يكون الحساب والإحصاء ظاهرين فى كل العبادات الفرضية والنفلية!!! وهكذا صنع الشارع e ... فقد أخرج الترمذى والحاكم والطبرانى عن السيدة صفية رضى الله عنها قالت (دخل عليّ رسول الله e وبين يدى أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال: ما هذا يا بنت حيى قلت: أسبح بهن قال: قد سبحت منذ قمت على رأسك اكثر من هذا .. قلت: علمنى يا رسول الله قال: قولى: سبحان الله عدد ما خلق من شئ). وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلمى أن سيدنا سعد بن أبى وقاص t كان يسبح بالحصى .. وقال ابن سعد فى الطبقات عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن جابر عن امراة حدثته عن فاطمة بنت الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم أنها كانت تسبح بخيط معقود .. وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد فى زوائد الزهد من طريق نعيم بن محرز بن أبى هريرة عن جده أبى هريرة t إنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به ... وقد نقل سيدى فحر الدين الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى فى الانتصار عن الإمام السيوطى: وقد اتخذ السبحة سادات يشار إليهم ويؤخذ عنهم ويعتمد عليهم كأبى هريرة t كان له خيط فيه ألفا عقدة فكان لا ينام حتى يسبح به ثنتى عشرة ألف تسبيحة ؛ قاله عكرمة

محمد حبيب الفندي
09-08-2005, 02:02
هل الإنشاد والمديح من الذكر وهل هو جائز وما فائدته ..؟

أما النشيد على الذكر فهو من باب تشجيع الذاكر على الذكر ليجمع همته ويطرب قلبه ويتعلق بالمذكور فتتحرك الروح فى الجسد فيه ليحصل له الوجل من الله تعالى والخشية منه تبارك وتعالى .. قال عز من قائل ]الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون[ وقوله تعالى ]ياأيها النبى حرض المؤمنين على القتال[ وفى قوله تعالى ]وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا[ وكل ذلك فى معنى التحريض والتشجيع والحث على فعل ما أمر الله تعالى عباده به، وإليك ماروى البخارى وغيره فى السنة المطهرة (أن الأحابيش كانوا يلعبون بالدرك فى مسجد رسول الله e فقال e للسيدة عائشة: تشتهين؟ قالت: نعم، فقامت خلف رسول الله e وجعلت تنظر من على كتفه الشريف وهو يقول: هيه دونكم بنى أرفدة .. فصار يشجعهم حتى قال لها: حسبك؟ قالت: نعم)، وفى قوله e لبنى إسماعيل: (إرموا فإن أباكم كان راميا) تشجيعا لهم، وفى قوله فى حفر الخندق
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغـفر للأنصـار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له:
على الإسلام ما بقينا أبدا نحن الذين بايعـوا محمدا
وفى قوله e لأنجشه سائق الإبل التى تحمل النساء وهو يحدوا عليه وهى تتحرك وتشتد فى سيرها لتحمسها بالنشيد .. (رويدك أنجشه بالقوارير) وهكذا كان النشيد مشجعا فى الجاهلية والإسلام حتى كان أكثره فى الحروب وفى الأفراح وفى الأعياد فهو سنة قديمة وعادة مستقيمة لئلا تفتر الهمم وتضعف عما هى بصدده.

من الأمور الملازمة للذكر فى الحضرات سماع القصائد الموقعة على ألحان، وأغلب الذاكرين على حب السماع سواء فى الحضرة أو فى غيرها، وأنواع السماع عديدة: فمن ذلك ماقال فيه عز وجل: ﴿وإذا سمعوا ماأنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾، هذا السماع لايختلف فيه اثنان من أهل الإيمان، ويحكم لصاحبه بالهداية واللب، وهو سماع ترد حرارته على برد اليقين فتفيض العين بالدمع، لأنه تارة يثير ندماً وتارة يثير حزناً وتارة يثير شوقاً، وقد يختلف إلمام السماع بالقلب فيظهر أثره فى الجسد، ويقشعر منه الجلد، قال تعالى: ﴿تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم﴾، وقد يصل أثره إلى الروح فتموج منه موجاً يضيق عنه نطاق القلب، وهذه كلها أحوال يجدها أربابها من أصحاب الحال.
وروى عن عمر رضى الله عنه كان ربما مر بآية فى ورده فتخنقه العبرة ويسقط ويلزم البيت اليوم واليومين حتى يعاد ويحسب مريضاً، وورد عن رسول الله e: (إذا اقشعر الجلد من خشية الله حرمه الله تعالى على النار) فالسماع يستجلب الرحمة من الله الكريم.
ويمكن أن يكون السماع بقصائد فى ذكر حب رسول الله والتشويق إلى لقائه وذكر العبادات والترغيب فى الخيرات؛ وهذه لا سبيل إلى إنكار سماعها، وخاصة ماكان من ذكر الهجر والوصل والقطيعة والصد مما يشير إلى تلون أحوال المريدين ودخول الآفات على الطالبين؛ فمن سمع ذلك وحدث عنده شوق إلى لقاء ربه، أو ندم على مافات أو تجدد عنده عزم لما هو آت؛ فهذا السماع لا يمكن إنكاره، وقد قيل إن بعض الواجدين يقتات بالسماع ويتقوى به على الطى والوصال، ويثير عنده من الشوق ما يذهب عنه لهب الجوع، فإذا استمع العبد إلى بيت من الشعر وقلبه حاضر فيه كأن يسمع المنشد يقول مثلاً:
أتوب إليك يارحمـن إنى أسأت وقد تضاعفت الذنوب
فأما عن هوى ليلى وحبى زيـارتـها فإنى لا أتــوب
فطاب قلبه لما يجده من قوة عزمه على الثبات فى أمر الحق إلى الممات، يكون فى سماعه هذا ذكر الله تعالى، وقد وردت أخبار كثيرة فى سماع كثير من كبار الصحابة لهذا النوع مثل ابن عباس وعبد الله بن جعفر رضى الله عنهما وغيرهما، حيث يسمعونه بقلب يشاهد معانى تدله على الدليل، وتشهده طرفات الجليل.

محمد حبيب الفندي
09-08-2005, 02:06
ما هو حكم من يأخذ أورادا وأذكارا معينة من شيخه بعدد وصيغ معينة مثل التوحيد مئة مرة أو الاستغفار أو الصلاة على النبي أو اسم من أسماء الله تعالى ؟؟

الورد يحمل في ذاته قيمة جليلة ، والسنة النبوية مليئة بالأحاديث الدالة على فضل الذكر وعظم ثوابه عند الله ، فهو عبادة شرعها الله تعالى ورغـّب فيها رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم كثيرًا . فمن هذه الناحية لا ينكر فضل الورد والأذكار الشرعية التي يستعملها الطالب .
لكن كل ورد له وارد ، أو بعبارة أخرى : كل ذكر له أثر في الروح والباطن ، فالتهليل له فائدة في نفس الذاكر وخاصية تختلف عن الاستغفار والصلاة على النبي والتسبيح مثلاً . فهنا يكون دور للشيخ في اختيار الورد الذي يرى أنه يعود على الذاكر بدواء عيبه وسد نقصه ، فتجده مثلاً يحث المبتدئ على الإكثار من التهليل ليقوى توحيده الشهودي ويستولي سلطان الخوف من الله تعالى على قلبه ، فيحجزه هذا عن الآثام التي اعتادها ؛ ثم قد يأمره بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وءاله وسلم فيقوى في قلبه محبة النبي والسعي للاقتداء به في فعله ونهيه وأمره وءادابه وسننه ، وهكذا .
فالانتقال من ورد إلى ورد ـ إن كان على يد الشيخ الأول أو الثاني ـ لا يكون انتقاصًا للورد الأول أو الشيخ الأول ، إنما سببه تحول المريد من حال إلى حال فيختار له مرشده ما يناسبه في وقته . كالطبيب الذي يعالجك من المرض ، قد لا يلتزم دواء واحدًا في كل فترة العلاج ، إنما يعطيك دواءً يناسبك في ذروة مرضك ، ثم يأمرك بتركه إلى دواء يناسبك في أواسط مرضك ، إلى أن يعافيك الله سبحانه فتستغني عن الطبيب
الأدعية والأوراد فى العبادة ابتداءا سنة إقرارية متى كانت من جنسها والآثار الصحيحة المتواترة فى ذلك كثيرة حيث ابتدأ الصحابة الكثير من الأدعية والعبادات فأقرها النبى e وصارت أمورا تتعبد بها وبمثلها الأمة المحمدية، ومن ذلك لفظ (ربنا ولك الحمد والشكر) عند القيام من الركوع حيث ابتدأه سيدنا أبوبكر الصديق عندما جاء متأخرا إلى الصلاة حتى أدرك النبى e عند الركوع فحمد الله فأوحى للنبى e من ربه أن يقول (سمع الله لمن حمده) فرد عليها بذلك فأقرها النبى e وصارت سنة مؤكدة.
ومن ذلك ما ذكره أيضا مرويا فى صحيح البخارى عن سيدنا رفاعة بن رافع الزرقى t قال: كنا يوما نصلى وراء النبى e فلما رفع رأسه من الركعة قال: (سمع الله لمن حمده) فقال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا مباركا فيه. فلما انصرف قال: من المتكلم قال: أنا .. قال: (رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرون أيهم يكتبها أول) ومنها ما روى فى سنن أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه عن سيدنا بريدة t أن رسول الله e سمع رجلا يقول: (اللهم إنى أسألك بأنى أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) فقال النبى e (لقد سألت الله بالإسم - أو باسمه الأعظم - الذى إذا سئل به أعطى وإذا دعى به أجاب).
ومن هذا الباب جرى فعل ساداتنا ومشايخنا رضى الله عنهم أجمعين حيث اقتبسوا بنور العلم النافع والفهم الثاقب والبصيرة النافذة والهبات النفيسة والفضل الإلهى الواسع والكرم النبوى العالى أنوارا وعلوما أودعوها فى أذكارهم حتى إنهم رزقوا أسرار الحروف وآثارهم فركبوها بما فتح الله عليهم به لينتفع بها من صفت سريرته وأراد ذلك

محمد حبيب الفندي
09-08-2005, 02:09
هل صحيح أ نه يمكن ان تحضر روح النبي صلى الله عليه وسلم أو أرواح الصالحين مجالس الذكر ..؟؟


أنقل لكم جوابا كتبه أحد الإخوة :
إن سبب استبشاع المنكرين لمسألة حضور الأرواح للمجالس هو تأثرهم بما حواليهم من الحياة المادية والدراسة النظامية التي تحمل في طياتها كثيراً من الأفكار العلمانية من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون وصار إيمانهم بما جاء عن الله من أمور الغيب إيمان تقليدياً متلقفاً عن الوالدين غير مؤيد بالبرهان الذي هو علم اليقين فضلاً عن أن يرتقي إلى العيان الذي هو عين اليقين.

ولهذا إذا سألتهم عن أمور هي من الغيبيات التي لا يستطيع العقل إدراكها تجدهم مؤمنين بها ومقرين وإذا سألتهم عن أمور غيبية مثلها أو أبسط منها تجدهم ينكرونها بحجة أنها لا تدخل العقل.

ونحن نقول لهم أن عقلكم الذي ادعيتم أن هذه الأمور لا تدخل فيه من أين لكم به؟ فإن قالوا من عند الله. نقول لهم وهل عقولكم التي من الله هل هي محيطة بقدرة الله؟ وهل أمور الغيب تقاس بالعقل؟ إن الله أعطانا العقل لنستعمله في أمور معينة لا لنستعمله في كل شئ فإن لكل شئ ميزاناً كما قال إمام الإمام الغزالي.

وهناك أطوار فوق العقل إذا أردت أن تقيمها بالعقل تجدها لا تستقيم معك فهناك ميزان للذهب وهناك ميزان للشعر وهناك ميزان صرفي للكلمات وهكذا.

فأنت إذا جئت إلى هؤلاء المنكرين تجدهم مؤمنين بأن النبي صلى الله عليه وسلم أسري بروحه وجسده الشريفين إلى بيت المقدس ومنه إلى السماوات السبع ومنه إلى سدرة المنتهى ومنه إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام ومنه العرش.

كل هذا في بعض ليله مع أن الإسراء بالروح الجسد أصعب من أن تحضر الروح الشريفة إلى مجلس، وهل عدم مشاهدتنا لها دليل على عدم حضورها؟ فإن أرواح الملائكة تحضر كما صح في الأحاديث فلماذا لا نجعل عدم مشاهدتنا دليل على عدم حضورها؟ وقد جاء في الحديث أن الأنبياء والمرسلين كلهم حضروا في بيت المقدس وصلوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فهل حضروا بأرواحهم وأجسادهم؟، أم بأرواحهم فقط؟. الجواب أنهم حضروا بأرواحهم، لأن الأرض لا تنشق عن أحد قبل نبينا صلى الله عليه وسلم.

وجاء في الحديث الذي رواه الطبراني والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيت جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يوم وفاته فقال وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ثم قال لزوجته : يا أسماء هذا جعفر في ملأ من الملائكة قد سلم علي فرددت عليه السلام.
فسيدنا جعفر مات في مؤته ولكن روحه جاءت إلى المدينة وسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجاء في سنن الترمذي عن سلمى البكرية قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟، قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم –تعني في المنام- وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يا رسول الله؟، قال شهدت مقتل الحسين آنفاً.

فالحسين قتل في كربلاء وهذه أم سلمة تخبر أنه شهد مقتل الحسين.

ورد حديث سلام سيدنا جعفر الطيار عليه في نفر من الملائكة قاصدين بيشة وأن الله أبدله جناحين بدل يديه رضوان الله عليه .. رد السلام وقد رأى ما رأى صلى الله عليه وسلم ولم ير من كان معه منه سوى رده السلام .. حتى أخبرهم الخبر .. ثم خرج فقام خطيبا يبلغ الناس ما كان .. صلى الله عليه وسلم

من أشهر الأولياء والعارفين الذين نقل عنهم كثرة اجتماعهم بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدي أبي المواهب الشاذلي رضي الله عنه .. وأقول كثرة الإجتماع به ..

ومنهم أيضا سيدي أبي العباس المرسي ومقامه مشهور بالإسكندرية بمصر الحسين .. قال رضي الله عنه صافحت بكفي هذا كف رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ألف مرة ..

وسيدي ومولاي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه قال .. والله لو غاب عني طرفة عين ما عددت نفسي في الأحياء .. وقال ما عددت نفسي في المسلمين ..

وشوهد الأنبياء والمرسلون جهارا نهارا يقاتلون الكفار مع المسلمين .. وكذا الأولياء والصالحون ..

أنقل لكم من الطبقات للإمام الشعراني .. بعض ما ذكره في ترجمة سيدي أبي المواهب الشاذلي .. مما له تعلق بهذا المقام .. ونقلته كما هو استئناسا بذكره الشريف رضي الله عنه ..

وكان رضي الله عنه كثير الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول: قلت: لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن الناس يكذبونني في صحة رؤيتي لك فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها أو كذبك فيها لا يموت إلا يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً هذا منقول من خط الشيخ أبي المواهب رضي الله تعالى عنه.
وكان رضي الله تعالى عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على سطح الجامع الأزهر عام خمسة وعشرين وثمانمائة فوضع يده على قلبي وقال: يا ولدي الغيبة حرام ألم تسمع قول الله تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضاً " وكان قد جلس عندي جماعة فاغتابوا بعض الناس ثم قال صلى الله عليه وسلم فإن كان ولا بد من سماعك غيبة الناس فاقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين وأهد ثوابها للمغتاب فإن الغيبة والثواب يتوارثان ويتوافقان إن شاء الله تعالى.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لي هات يدك أبايعك فقلت: يا رسول الله لا قدرة لي أخاف أن يقع مني معصية بعد المبايعة فقال: هات يدك فبايعني ولا تضرك الفلتة والزلة إن وقعت وتبت منها وكأنه يشير صلى الله عليه وسلم إلى أن العبد قد يصلح الله تعالى حاله ليسد عنه بها ثلمة تقع في دينه بعجب أو كبر ونحوهما هذا منقول من خطه رضي الله تعالى عنه.
وكان رضي الله تعالى عنه يقول: جاءني جماعة يأخذون عني الطريق فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: الجماعة غير مؤمنين بك إلا واحداً بعض الإيمان فهو يراك بالعين العوراء وسيختم الله له بخاتمة الخير والموت على الإسلام.
وكان رضي الله عنه يقول: ألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم خرقة التصوف.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: قل: عند النوم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم خمساً بسم الله الرحمن الرحيم خمساً ثم قل: اللهم بحق محمد أرني وجه محمد حالا ومآلا فإذا قلتها عند النوم فإني آتي إليك ولا أتخلف عنك أصلا ثم قال: وما أحسنها من رقية ومن معنى لمن آمن به هذا منقول من لفظه رضي الله عنه.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله لا تدعني فقال: لا ندعك حتى ترد علي الكوثر وتشرب منه لأنك تقرأ سورة الكوثر وتصلي علي أما ثواب الصلاة فقد وهبته لك وأما ثواب الكوثر فأبقه لك ثم قال: ولا تدع أن تقول أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه وأسأله التوبة والمغفرة إنه هو التواب الرحيم مهما رأيت عملك أو وقع خلل في كلامك هذا منقول من لفظه رضي الله عنه.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لي: أنت تشفع لمائة ألف قلت: له بم استوجبت ذلك يا رسول الله قال: بإعطائك لي ثواب الصلاة علي.
وكان رضي الله عنه يقول: استعجلت مرة في صلاتي عليه صلى الله عليه وسلم وسلم لأكمل وردي وكان ألفاً فقال لي: صلى الله عليه وسلم أما علمت أن العجلة من الشيطان ثم قال: قل: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد بتمهل وترتيل إلا إذا ضاق الوقت فما عليك إذا عجلت ثم قال: وهذا الذي ذكرته لك على جهة الأفضل وإلا فكيفما صليت فهي صلاة والأحسن أن تبتدئ بالصلاة التامة أول صلاتك ولو مرة واحدة وكذلك في آخرها تختم بها قال لي: صلى الله عليه وسلم والصلاة التامة هي اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته هذا منقول من لفظه رضي الله عنه.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: إن شيخك أبا سعيد الصفوري يصلي علي الصلاة التامة ويكثر منها وقل له إذا ختم الصلاة أن يحمد الله عز وجل.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا كان لك حاجة وأردت قضاءها فانذر لنفيسة الطاهرة ولو فلساً فإن حاجتك تقضي.
وكان رضي الله عنه يقول: خذوا من مال السلطان دون حواشيه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أطلع إلى السلطان جقمق وأسأله من الدنيا شيئاً فطلعت له فأعطاني مائة دينار واعتذر إلي بأن ما عنده غيرها.
وكان رضي الله عنه كثير البكاء والحزن قريب الخشية قل من سمعه يبكي إلا ويبكي معه وكان يقول: رأيت امرأة بمصر تدور على الأبواب وهي تغني في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: هي ولية كبيرة ولكنها تتستر بذكر محبوبها ألا تراها لا تذكر في كلامها إلا جداً.
وكان يقول: وقع بيني وبين شخص من الجامع الأزهر مجادلة في قول: صاحب البردة رحمه الله تعالى: فمبلغ العلم فيه أنه بشروأنه خير خلق الله كلهم وقال لي ليس له دليل على ذلك فقلت له: قد انعقد الإجماع على ذلك فلم يرجع فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر جالساً عند منبر الجامع الأزهر وقال لي: مرحباً بحبيبنا ثم قال: لأصحابه أتدرون ما حدث اليوم قالوا: لا يا رسول الله فقال: إن فلاناً التعيس يعتقد أن الملائكة أفضل مني فقالوا بأجمعهم لا يا رسول الله ما على وجه الأرض أفضل منك فقال لهم: فما بال فلان التعيس الذي لا يعيش وإن عاش عاش ذليلا خمولا مضيقاً عليه خامل الذكر في الدنيا والآخرة يعتقد أن الإجماع لم يقع على تفضيلي أما علم أن مخالفة المعتزلة لأهل السنة لا تقدح في الإجماع.
قال رضي الله عنه ورأيته صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقلت: يا رسول الله قول الأبوصيري فمبلغ العلم فيه أنه بشر معناه منتهى العلم فيك عند من لا علم عنده بحقيقتك أنك بشر وإلا فأنت وراء ذلك كله بالروح القدسي والقالب النبوي قال صلى الله عليه وسلم: صدقت وفهمت مرادك ".
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: ما أحسن مجلسك قد غفر الله لكل من حضره بذكركم لله تعالى عقب فراغ القارئ.
وكان يقول: رأيت مرة كأن حنشاً دخل بين ثيابي فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: الحنش هو صاحبك فلان قد بدا له فيك ورجع يؤذيك ولولا خوفه منك لعمل جهده في إيذائك فكان الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم.
وكان رضي الله عنه يقول: كناني سيدي يحيى بن أبي الوفاء بأبي عابد فرأيت سيدي علياً رضي الله عنه وقال لي: هذه الكنية لا تصلح لك إنما تصلح لأرباب الأثقال وإنما كنيتك أبو حامد قال: ثم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كنيتك عندنا أبو حامد وكذلك في السماء وقد دخلت في دائرة بني الوفاء ومقامك كبير وأنت ولي.
وكان رضي الله عنه يقول: كنت أطلب من شيخي أبي سعيد الصفروي رضي الله عنه أن أقبل قدميه فكان يوعدني بذلك ويقول لي: حتى يجيء الوقت فلما مات سنة إحدى وخمسين وثمانمائة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: اطلب من شيخك وعدته فأخذت قدميه رضي الله عنه بعد وفاته وقبلتهما وقلت له: يا سيدي هذا إنجاز وعدك وحرمتك ميتاً كحرمتك حياً.
وكان يقول: قلت: لسيدي وشيخي أبي سعيد الصفروي رضي الله عنه هل أترك أصحابي وأعتزل عنهم خصوصاً الذين يؤذونني فقال: لا تتركهم وخالطهم بحسن الظاهر وجاملهم وابق على ما أنت عليه ثم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن قول شيخي فقال: هو صحيح وامش على طريق شيخك.
وكان رضي الله عنه يقول: انقطعت عني رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة فحصل لي غم بذلك فتوجهت بقلبي إلى شيخي يشفع في عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضر عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ها أنا فنظرت فلم أره ففلت ما رأيته فقال: عليه الصلاة والسلام سبحان الله غلبت عليه الظلمة وكنت قد اشتغلت بقراءة جماعة في الفقه ووقع بيني وبينهم جدال في إدحاض حجج بعض العلماء فتركت الاشتغال بالفقه فرأيته فقلت: يا رسول الله الفقه من شريعتك فقال: بلى ولكن يحتاج إلى أدب بين الأئمة.
وكان رضي الله عنه يقول: تفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في فمي فقلت: يا رسول الله ما فائدة هذا التفل فقال: لا تتفل بعدها على مريض إلا ويبرأ.

وكان رضي الله عنه يقول: امتنعت عني الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رأيته فقلت: يا رسول الله ما ذنبي فقال: إنك لست بأهل لرؤيتنا لأنك تطلع الناس على أسرارنا وقد كنت قد أخبرت شخصاً من إخواني بشيء من الرؤيا فتبت إلى الله تعالى فرأيته بعد ذلك.
وكان رضي الله عنه يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا لا أجتمع بمن يجلس مجالس الغيبة مع الناس ولا يقوم منها.
وكان يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا محمد ما هذه الغفلة وما هذه الرقدة وما هذا الإعراض مالك تركت تلاوة القرآن وما هذه الوريدات في جانب تلاوة القرآن لا تفعل ذلك أصلاً بل اتل كل يوم ولو حزبين لا أقل من ذلك كل يوم قال: بعض أصحاب الشيخ فما ترك الشيخ تلاوة القرآن من ذلك اليوم وكان يردد بعض الآيات مراراً كثيرة يبكي وتنحدر دموعه على خديه ولحيته ويتأوه حتى لا يقدر أحد أن يتكلم بحضرته لما يرى من وجده وكثرة بكائه.
وكان رضي الله عنه كثيراً ما يسجد بعد السلام من النافلة سجود الشكر بعد ما يدعو.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله قد وهبت لك ثواب صلاتي عليك وثواب كذا وكذا من أعمالي إن كان ذلك ما أردته بقولك للسائل الذي قال لك: " أفأجعل لك ثواب صلاتي كلها فقلت له إذا تكفي همك ويغفر لك ذنبك ". فقال لي: رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ذلك أردت ولكن أبق لنفسك ثواب الكذا والكذا فإني غني عنه.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل فمي وقال: أقبل هذا الفم الذي يصلي على ألفاً بالنهار وألفاً بالليل ثم قال لي وما أحسن " إنا أعطيناك الكوثر " لو كانت وردك بالليل ثم قال لي: ويكون دعاؤك اللهم فرج كرباتنا اللهم أقل عثراتنا اللهم اغفر زلاتنا وتصلي علي وتقول وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وكان يقول: لا يأتي النصر قط إلا بعد حصول الذل قال تعالى: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ".
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله صلاة الله تعالى عشراً على من صلى عليك مرة واحدة هل ذلك لمن كان حاضر القلب ؟ قال : لا بل هو لكل مصل علي غافلاً ويعطيه الله تعالى أمثال الجبال من الملائكة تدعو له وتستغفر له وأما إذا كان حاضر القلب فيها فلا يعلم ذلك إلا الله.
وكان رضي الله عنه يقول: قلت: مرة في مجلس محمد بشر لا كالبشر بل هو ياقوت بين الحجر فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: قد غفر الله لك ولكل من قالها معك وكان رضي الله عنه لم يزل يقولها في كل مجلس إلى أن مات.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لي: كن أصحابك فلانً كذا وفلاناً كذا وكن فلاناً أبا الظهور لأنه يتبع ظهور النساء ببصره ولا عليك منه.
كان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله إني متطفل في علم التصوف فقال: صلى الله عليه وسلم اقرأ كلام القوم فإن المتطفل على هذا العلم هو الولي وأما العالم به فهو النجم الذي لا يدرك هذا منقول من لفظه رضي الله عنه.
وكان يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: عن نفسه لست بميت وإنما موتي عبارة عن تستري عمن لا يفقه عن الله وأما من يفقه عن الله فها أنا أراه ويراني.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن الحديث المشهور " اذكروا الله حتى يقولوا مجنون " وفي صحيح ابن حبان " أكثروا من ذكر الله حتى يقولوا مجنون " فقال: صلى الله عليه وسلم صدق ابن حبان في روايته وصدق راوي اذكروا الله فإني قلتهما معاً مرة قلت هذا ومرة قلت هذا.
وكان رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: لا تخف من الحساد فإنهم إن كادوك فإن الله عز وجل يكيدهم ألم تسمع قول الله عز وجل " إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً فمهل الكافرين أمهلهم رويداً " "
ورأى بعض العارفين رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في مكان فدخل عليه الشيخ أبو المواهب. فقام له صلى الله عليه وسلم فقص ذلك على سيدي أبي المواهب فقال له: يا فلان اكتم ما معك فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو روح الوجود وما قام لأحد إلا قام له الوجود.
وكان رضي الله عنه يقول: من أراد أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم فليكثر من ذكره ليلاً ونهاراً مع محبته في الساعة الأولياء وإلا فباب الرؤيا عنه مسدود لأنهم سادات الناس وربنا يغضب لغضبهم وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ..

أورد فيما يلي بعض الحقائق ..

1- الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت.

2- أرواح المؤمنين تتزاور.

3- أرواح الشهداء تسرح في هذا الكون الفسيح أو في الجنة بالتخصيص ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش.

4- أرواح الشهداء في حواصل طير خضر.

5- تعرض على أرواح المؤمنين ( الأموات ) أعمال أقربائهم فيسرون بها إن كانت خيرا ويحمدون الله على ذلك ويسوءهم الشر ويستغفرون الله لأقربائهم.

6- ورد عن جمع غفير من السلف اجتماعهم بأرواح الصالحين وسؤالهم عن أحوالهم في البرزخ نقل من ذلك ابن القيم في كتابه الروح وتوسع فيه ..

7- في حديث الإسراء مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على سيدنا موسى ورآه قائما في قبره يصلي ثم جمع له الأنبياء فصلى بهم وسيدنا موسى من الأنبياء ثم رآه في السماء السادسة .. فأين كان موسى ؟

8- في رسالة تنوير الحلك نقل الإمام السيوطي الكثير عن السلف والأولياء الصالحين مما ذكروه بخصوص رؤيتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ومناما وما دار بينهم في ذلك.

9- نقل عن كثير من الأعلام الأثبات ممن يحتج به من أئمة المذاهب الأربعة تقريرهم وقوع كرامات الأولياء في حياتهم وبعد مماتهم ومنه اجتماع أتباعهم بهم وذودهم عنهم وفك الأسارى من أيدي الإفرنج والجهاد مع المسلمين ورؤيتهم في الحج والعمرة والزيارة وغير ذلك.

10- تحدث ابن القيم في كتابه الروح عن أرواح الخاصة من المؤمنين وأن أحوالهم في البرزخ تختلف باختلاف درجاتهم ومراتبهم
فما الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

11- نقل عن سيدي بن عطاء الله السكندري قوله في القطب وأنه يملأ الكون حتى قال لو نودي في حجر لأجاب من الحجر فما الظن بقطب دائرة الوجود صلى الله عليه وسلم.

12- في رسالة تنوير الحلك نقل الإمام السيوطي نقلا عن سيدي عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام سلطان العلماء .. تحدث فيه عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة وأن ذلك أصبح بابا ضيقا في زمانهم غير أنهم لا ينكرون ذلك من خلص المؤمنين من الأولياء والصالحين ممن تكفل بحفظهم مولاهم عز وجل.
فيا ترى كيف ستكون هذه الرؤيا في اليقظة ؟ وإن كانت في زمانهم أصبحت بابا ضيقا فهذا مؤداه أنها كانت أوسع من ذلك فيمن سبق ولا شك أنها اليوم أضيق وأندر حدوثا.

13- نقل عن عدد كبير من أولياء هذه الأمة المجمع على ولايتهم حوادث الاجتماع به صلى الله عليه وسلم يقظة ومناما.
فمن هذا الذي يكذب أولياء الله في تحديثهم برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ومناما ؟
من هذا الذي يكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ؟

14- نقل بالأسانيد العالية تقبيل سيدي أحمد الرفاعي ليد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرجت من القبر الشريف ينظر لها الناظرون وتتملى من حسنها العيون صلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله وشي لله يا رفاعي قال رضي الله عنه :

في حالة البعد روحي كنت أرسلها ... تقبل الأرض عني فهي نائبتي

وهذه دولة الأشباح قد حضرت ... فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي

علي محمدالقادري
10-08-2005, 12:12
بارك الله بجهدك أخي الكريم ... لو أنزلت ما كتبت في ملف ورد

محمد حبيب الفندي
18-08-2005, 16:21
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة علي محمدالقادري
بارك الله بجهدك أخي الكريم ... لو أنزلت ما كتبت في ملف ورد




استاذنا الكريم محمد ...

شكرا لك ..

وأسأل الله أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم

محمد حبيب الفندي
27-08-2005, 17:37
هل يجوز الذكر بالإسم المفرد " الله الله " ..؟؟

وهنا أضع جوابا للدكتور محمد بنعيش من كتاب البعد التوحيدي للذكر في الإسلام

(الوسيلة والغاية)


خصوصية الإسم « الله» ومشروعية الذكر به

وكنموذج على هذا المنحى الذي تميل إليه بعض الفئات الإسلامية المعاصرة ذات البعد السياسي أو الحركي كما يسمونه نجد جذوره في الآراء الفقهية لابن تيمية من حيث التعامل مع النوافل وخاصة ذكر الله تعالى يقول في بعضها : « إن الشرع لم يستحب من الذكر إلا ما كان كلاما تاما مفيدا مثل «لا إله إلا الله» ومثل «الله أكبر» ومثل « سبحان الله والحمد لله». ومثل «لا حول ولا قوة إلا بالله» ومثل « تبارك إسم ربك» « تبارك الذي بيده الملك » « سبح لله ما في السموات والأرض» « تبارك الذي نزل الفرقان ».

فأما «الإسم المفرد» مظهرا مثل « الله الله» أو «مضمرا» مثل «هوهو» فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سنة!!! ولا هو مأثور أيضا عن أحد من الأمة، ولا عن أعيان الأمة المقتدى بهم، وإنما لهـج به قوم من ضلال المتأخرين!!!. فأما ذكر «الإسم المفرد» فلم يشرع بحال وليس في الأدلة الشرعية ما يدل على استحبابه وإنما الغرض بيان حكم ذكر الإسم وحده من غير كلام تام، وقد ظهر بالأدلة الشرعية أنه غير مستحب»[ابن تيمية . مجموع فتاوي علم السلوك 10 ص 561
].

بعد هذا يذهب إلى قياس الأدنى وتوظيفه في غير محله، معتبرا أن ذلك يدخل ضمن الأدلة العقلية الذوقية في نظره! إذ يرى « أن الإسم وحده لايعطي إيمانا ولا كفرا ولا هدى ولا ضلالة ولا علما ولا جهلا وقد يذكر الذاكر إسم نبي من الأنبياء أو فرعون من الفراعنة أو صنم من الأصنام، ولايتعلق بمجرد إسم حكم إلا أن يقرن به مايدل على نفي أو إثبات أو حب أو بغض وقد يذكر الموجود والمعدوم»[ابن تيمية المصدر السابق].

وهذا قياس فاسد لايليق بمقام الذكر بل ينافي الذوق والعقل والشرع أولا وأخيرا. لكنه لكي يدعم هذا القياس ينتقل إلى تحكيم اللغة العادية والعامية - أقصد بها عامة العربية- في النص الديني فيقول، «ولهذا اتفق أهل العلم بلغة العرب وسائر اللغات على أن الإسم وحده لا يحسن السكوت عليه ولا هو جملة تامة ولا كلاما مفيدا، ولهذا سمع بعض العرب مؤذنا يقول أشهد أن محمدا رسول الله، (بنصب رسول) فقال فعل ماذا؟! فإنه لما نصب الإسم صار صفة والصفة من تمام الإسم الموصوف. فطلب بصحة طبعه الخبر المفيد، ولكن المؤذن قصد الخبر فلحن.» بل ذهـب الانجراف التضييقي به والتكلف الفتوي إلى أن قال : « ولو كرر الإنسان إسم «الله» ألف ألف مرة لم يصر بذلك مؤمنا ولم يستحق ثواب الله ولا جنته...».

وهذه عثرة من عثرات ابن تيمية في فتاواه إذ لكل جواد كبوة، فالفتوى فيها تضييق لمجال الذكر وبعده التوحيدي. كما أنها تتضمن إقصاء واضحا لروح التعامل مع الدين ألا وهو مبدأ النية في الأعمال. وبالتالي إقصاء لمفهوم الحب الإلهي. ودلائله، لأن القاعدة : « من أحب شيئا أكثر من ذكره» وحيث أن الذاكر ركز على تكرار إسم «الله». فإنه لولا حبه إياه وإيمانه به لما استطاع الاستمرار في ذكره إلى مستوى العدد الذي ذكره ابن تيمية فرضا. مع العلم أن الحكم بالإيمان قد اعتبره الرسول صلى الله عليه وسلم بمجرد الإماءة أو الإشارة للتوحيد بالأصبع أو رفع البصر إلى أعلى مع نفي الجهة والعلو المكاني عن الله تعالى وإنما التعبير عن علو الذات يتم بالإشارة إلى الفوق مجازا.

وبهذا كان حكمه صلى الله عليه وسلم بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء. فقد انكشف به أيضا إذ ظهر أن لاسبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو، فقد كانت خرساء كما حكي. وقد كان يظن بها أنها من عباد الأوثان ومن يعتقد الإله في بيت الأصنام فاستنطقت عن معتقدها فعرفت بالإشارة الى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقده أولئك[الغزالي الاقتصاد في الاعتقاد : مكتبة الجندي ص49].

بالإضافة إلى هذه التجاوزات التي تخبطت فيها فتوى ابن تيمية حول تضييق موضوع ذكر الله تعالى وإقصاء الإسم المفرد «الله» من دائرته يوجد تجاوز صارخ لنصوص شرعية دالة على جواز الذكر بالإسم المفرد «الله» وتكراره دلالة صريحة أعرض لنموذجين منها كلاهما صريح وصحيح ثابت على شرط المحدثين :

روى مسلم عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تقوم الساعة حتى لا يقال الله الله»، وفي رواية أخرى : « لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله». وأخرج الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال : «كان سلمان في عصابة يذكرون الله فمر النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا، فقال ما كنتم تقولون ؟ قلنا نذكر الله الله. قال : إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها، ثم قال : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم».

وهذان الحديثان فيهما الكفاية اللازمة لدحض آراء أصحاب الاتجاه التضييقي في تعاملهم مع النصوص الدينية وإسقاطاتهم اللغوية العفوية على المفاهيم التعبدية وأبعادها التوحيدية.

إذ أنهما يتضمنان الأحكام التالية لا على سبيل الحصر:

أ) مشروعية الذكر بالإسم المفرد «الله» واستحبابه بل ضرورته. وذلك لأن الحديثين جاءا في معرض مدح الذاكرين بهذا الإسم دون أن يضيفوا إليه كلاما يتم معناه حسب زعم ابن تيمية ، بل ورد في كلي الحديثين مكررا للدلالة على أن المقصود منه تكرار اللفظ للعبادة والتقرب إلى الله لا للإجابة عن شرط أو استفهام أو ما إلى ذلك مما يريد أن يعلل وروده ابن تيمية كما في قول الله تعالى : «قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون».

كما أن الحديثين فيهما دلالة على استحباب توظيف هذا الذكر على مستوى فردي أو جماعي في مجالس الذكر وحلقه. كما نصت عليها أحاديث أخرى.

ب) يتضمن الحديثان أفضلية الذاكرين لله بالإسم المفرد. وأنهم ما داموا موجودين على الأرض وخاصة في حديث أنس فإن الإنسانية تكون في أمان واطمئنان من قيام الساعة المباغث.... إذ يكون وجودهم علامة على وجود الصالحين وهذا يتعضد بحديث آخر يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس« أو»شرار الخلق» حسب رواية مسلم.

ج) إن اسم « الله» فيه الدليل والمدلول وهو لايحتاج إلى من يكمله بالفعل أو النعت أو الإضافة، بل هذه المكملات في اللغة المتداولة لا تكمل إلا به، إذ لولاه لما كان فاعل ولا فعل ولا مفعول ولا نعت ولا منعوت ولا مضاف ولا مضاف إليه.

وهو بهذا المعنى التوحيدي الخالص لا يخضع للغة العادية وتراكيبها، لأنه فوق اللـغة واشتقـاقـاتها واشتراكاتها، إذ الأسماء الأخرى قد تعرف اشتراكات لفظية مجازية دون الاشتراك المعنوي والحقيقي بين أسماء الله وبعض أسماء مخلوقاته. ولهذا تحتاج إلى تمييز مجازا أيضا. وإلا فاللفظ يحمل معناه بحسب نية وتوجه قائله.

أما إسم «الله» فهو كما ذهب إليه بعض المفسرين لا يعرف اشتقاقا في اللغة أواشتراكا لفظيا. لهذا فهو غير محتاج إلى من يدل عليه كما أنه لا أحد يسمى باسم الله في هذا الوجود إلا الله سبحانه وتعالى. ولهذا فحينما يذكر إسم الله لايخطر في الذهن أو القلب إلا هو كما أنه ضمنا تعود إليه كل الأسماء والمعاني التوحيدية. إذ التركيز على ذكر هذا الإسم هو في نفــس الــوقت إثبـات للوجـود وللـوحدانية، وللتفـرد ومخالفة الحوادث، وفيه تحقيق للعبودية وإخلاص المحبة له من طـرف الذاكر. فإسم «الله» هو أسمى الكلمات والمعاني وهو الذات التي لا يتسمى أحــد من المخلوقـات باسمها وهو هو « الأول والآخر والظاهر والباطن» لا معبود سواه.

ولهذا المعنى التوحيدي الذي يفيده إسم «الله» عند ذكره فإنه عند التعبير بأفضليته لم يورده الشرع متبوعا بالمفضول. وإنما أورد الاسم مقصد التفضيل وأسند إلـيه اسم التفضيل دون اعتبار المفضول وذلك في قول الشارع : « الله أكبر». فأكبر على صيغة إسم التفضيل. والقاعدة العادية في هذا الباب تقول بأن « إسم التفضيل صفة تؤخذ من الفعل لتدل على أن شيئين اشتركا في صفة وزاد أحدهما على الآخر فيها. وقد يكون التفضيل بين شيئين في صفتين مختلفتين فيراد بالتفضيل حينئذ ان أحد الشيئين قد زاد في صفته على الشيء الآخر في صفته.

وقد يستعمل إسم التفضيل عاريا عن معنى التفضيل لكنه مع ذلك يسند إلى أشخاص يشتركون في مقارنة ما كقـولك « أكرمت القوم أصغرهم وأكبرهم»[مصطفى الغلاييني جامع الدروس العربية المكتبة العصرية للطباعة والنشر ج1 ص201].

وهذه القواعد اللغوية لا تنطبق على قولنا «الله أكبر» إذ التساؤل حول «أكبر ممن؟» في هذا المقام غير وارد لأنه لا مقارنة في هذه الصفة بين الخالق والمخلوق، ولهذا أقصي المخلوق من المقارنة لدفع أي تشبيه أو تقدير أو مقايسة. فالله أكبر لا نهاية لذاته ولا حد لها، ولايشبه ذاته أي مخلوق في أي شيء مهما تسامت أو دقت بنية هذا المخلوق ووظيفته، إذن فالمفضول في هذا التفضيل لا وجود له ولا مكان لاعتباره لعلو مقام التفضيل بحسب علو ذات الفضيل الأفضل، وبهذا المعنى التوحيدي كان ذكر «الله أكبر». كلاما كاملا رغم أنه يتخطى القواعد اللغوية العادية في إسم التفضيل لأنه مرتبط بالإسم الذي هو فوق الاشتقاق وفوق النعت والإضافة. وهذا مما لم ينتبه إليه ابن تيمية رغم أنه استشهد بهذه الكلمة «الله أكبر». للدلالة على رفضه الذكر بالإسم المفرد «الله». إذ أن الكلمة تنقض فتواه في مهدها ومن أساسها كما أنها لم ترد في نهاية سياق أو كلام سابق وإنما التعبير بها يكون ابتداءا لا جوابا ولا بيانا لشرط أو ثنيا أو مبتدإ أو تكميلا لجملة ومعناها.

وإذا كانت هذه المعاني قد فهمناها بحسب معطيات النص وصريح ظاهره و أيضا بحسب ذوقنا العملي ومزاولتنا الشخصية للذكر بالإسم المفرد أو المجرد على يد شيخنا سيدي حمزة القادري بودشيش تلقينا، فإننا قد نجد توافقا بيننا وبين ما ذهب إليه الشيخ محيي الدين بن عربي بسبب وحدة المشرب واتصال السند، وذلك بأسلوبه الفقهي والذوقي الصوفي، نورد بعض مقتطفات أقواله في هذا المقام، خاصة وأن ابن تيمة يعد من أشد المعارضين والمتحاملين عليه لنتبين الفرق بين الأسلوبين علما وذوقا وأخلاقا، حيث يقول في الفتوحات المكية: "كل ذكر مقيد لا ينتج إلا ما تقيد به لا يمكن أن يجني منه ثمرة عامة، فإن حالة الذكر تقيده، وقد عرفنا الله أنه ما يعطيه إلا بحسب حاله في قوله "إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" الحديث، فلهذا رجحت طائفة ذكر لفظة "الله" وحدها أو ضميرها "هو". من غير تقييد، فما قصدوا اللفظة دون استحضار ما يستحقه المسمى، وبهذا المعنى يكون ذكر الحق عبده بإسم عام لجميع الفضائل اللائقة به فتكون في مقابلة ذكر العبد ربه بالاسم "الله"، فالذكر من العبد باستحضار والذكر من الحق بحضور لأنا مشهودون له معلومون، وهو لنا معلوم لا مشهود، فلهذا كان لنا الاستحضار وله الحضور، فالعلماء يستحضرونه في القوة الذاكرة والعامة تستحضره في القوة المتخيلة، ومن عباد الله العلماء بالله من يستحضره في القوتين، يستحضره في القوة الذاكرة عقلا وشرعا وفي القوة المتخيلة شرعا وكشفا، وهذا أتم الذكر لأنه ذكره بكله، ومن ذلك الباب يكون ذكر الله له، ثم إن الله ما وصف بالكثرة شيئا إلا الذكر، وما أمر بالكثرة من شيء إلا من الذكر، قال: «والذاكرين الله كثيـرا والذاكـرات» وقال:

« واذكروا الله ذكرا كثيرا»وما أتى الذكر قط إلا بالإسم "الله" خاصة معرى عن التقييد فقال : "اذكروا الله" وما قال بكذا، وقال: "ولذكر الله أكبر" ولم يقل بكذا، وقال: "اذكروا الله في أيام معدودات" ولم يقل بكذا، وقال: "اذكروا اسم الله عليها" ولم يقل بكذا، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض من يقول الله الله»، فما قيده بأمر زائد على هذا اللفظ لأنه ذكر الخاصة من عباده الذين يحفظ الله بهم عالم الدنيا وكل دار يكونون فيها، فإذا لم يبق في الدنيا منهم أحد لم يبق للدنيا سبب حافظ يحفظها الله من أجله، فتزول وتخرب، وكم من قائل "الله" باق في ذلك الوقت ولكن ما هو ذاكر بالاستحضار الذي ذكرناه، فلهذا يعتبر اللفظ دون الاستحضار: «وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا» لأنهم لم يسمعوا بذكر شركائهم واشمأزت قلوبهم، هذا مع علمهم بأنهم هم الذين وضعوها آلهة، ولهذا قال:" قل سموهم" فإنهم إن سموهم قامت الحجة عليهم فلا يسمى الله إلا الله"[ابن عربي: الفتوحات الملكية ج 2 ص 229].

محمد حبيب الفندي
27-08-2005, 17:38
يقوم الصوفية بالذكر الخفي فيذكرون الله باسم " هو هو " هل يجوز ذلك ..؟؟


2) "هوهو" ذكر الخواص وسبيل إلى الإخلاص:

وحينما نتعقب فتاوى ابن تيمية نجده يوظف نفس الاسلوب الذي أفتى به في الذكر بالاسم المفرد "الله" في اعتراضه على الذكر بالاسم المضمر "هو" نورد بعض أقوالَه مختصرة في هذا المجال، حيث تتبين خطورة هذا المنحى السلبي في نظرنا والذي سلكه ابن تيمية بدون تحفظ يقول: «والذكر بالإسم المضمر ابعد عن السنة وأدخل في البدعة وأقرب إلى إضلال الشيطان، فإن من قال: "ياهو ياهو، أو هوهو، ونحو ذلك لم يكن الضمير عائدا إلا إلى مايصوره قلبه، والقلب قد يهتدي وقد يضل»[مجموع فتاوى ابن تيمية، علم السلوك ج 10].

ويقول بعدما انتهى من اعتراضه على الذكر بالإسم المفرد "الله":«وأبعد من ذلك ذكر "الإسم المضمر". وهو "هو" فإن هذا بنفسه لا يدل على معين وإنما هو بحسب ما يفسره من مذكور أو معلوم، فيبقى معناه بحسب قصد المتكلم ونيته، ولهذا قد يذكر به من يعتقد أن الحق الوجود المطلق، وقد يقول: "لاهو إلا هو" ويسري قلبه في وحدة الوجود، ومذهب فرعون والإسماعلية وزنادقة هؤلاء المتصوفة المتأخرين، بحيث يكون قوله:"هو" كقوله:"وجوده" وقد يعني بقوله:"لاهو إلا هو" أي أنه هو الوجود، أنه ما تم خلق اصلا. وأن الرب والعبد والحق والخلق شيء واحد، كما بينته من مذهب الإتحادية في غير هذا الموضع».[مجموع فتاوى ابن تيمية ج 10 ص ]

ويبدو الخلل واعتلال فتاوي ابن تيمية هاته من الجوانب التالية:

أ- إسقاط مفهوم البدعة على ما له أصل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى،«هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارئ المصور، له الاسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والارض وهو العزيز الحكيم».[سورة الحشر آية 22-24]

إذ "هو" يتكرر في سياق الآية كلها للتاكيد على أنه اسم ضمير يعود على ذات الله وصفاته، وقد جاء في جملة من الآية بضمير وحده غير مقترن باسم الذات أو الصفات. لأن السياق هو الذي يحدد معناه ومقتضاه، وذلك عند قوله تعالى "له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض" الآية.

ثم إن "هو" إسم ضمير يتضمن حرفين من القرآن الكريم يجازى العبد بقرائته على كل حرف بعشر حسنات كما ورد النص النبوي الصحيح بذلك.

ب -الحكم بالظن على ظن الذاكر في قوله "ياهو" أو "هوهو"، والله تعالى يقول: «ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم»، واي إثم أشد على المسلمين من إساءة الظن بمعتقداتهم وبدون قرينة واضحة وبينة؟.

ج- عدم اعتبار القرائن والسياق الذي يأتي فيه الذكر بالإسم المضمر "هو" لأن الذاكر إذا كان يقول : "لا إله إلا الله" ثم يقتصر على قوله "الله الله" وبعد ذلك يقول "هوهو" فبحكم السياق والقرائن ومقتضيات العقل والسلوك يكون الضمير عائدا ضرورة على الله تعالى.

د- القول بأن " القلب قد يهتدي وقد يضل" لا معنى له كذريعة لمنع الذكر بالإسم المضمر، إذ الذين تطمئن قلوبهم بذكر الله تعالى قد يصبح الثبات هو السمة الغالبة على قلوبهم واستقرار عقيدتهم «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة» كما أن اللسان رغم خفته ولحميته قد يصبح رطبا من ذكر الله تعالى مستقرا على ألفاظه، وهو دليل القلب في غالب الأحيان.

هـ- قول ابن تيمية:"فيبقى معناه بحسب قصد المتكلم ونيته" يناقض آخره أوله، لأنه إما أن نسلم للناس في نواياهم بحسب أعمالهم، وإما أن نتعقب أنفاسهم ونسيء الظن بهم ونمنعهم من أعمالهم بحسب سوء ظنوننا بهم،و هذا الأخير هو الغالب على مظاهر فتوى ابن تيمية.

ومن هنا كاعتراض على هذا المسلك نقول بأنه لا يجوز أن نتحكم في النوايا أو أن نمنع الناس من القيام بأعمال غير ممنوعة شرعا عبارة أو نصا باتهام نواياهم ومصادرتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر»أو كما قال، وفي حديث آخر عن جابر قال: «قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ثم قرأ "إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر"[رواه مسلم في كتاب الإيمان

إذن فقصد المتكلم ونيته لا يعلمها إلا الله. فربما يرى شخص على هيئة سجود فيظن به أنه ساجد لله بينما يكون مجرد منبطح أو مستريح أو قد يكون ساجدا لحائط أو شيطان يتخيله، فيكون بحسب منطق ابن تيمية وتداخل النوايا في هذه الحالة من الواجب أن نمنعه من السجود مطلقا لأن شخصا سجد لغير الله من مخلوقاته، وبهذا الأسلوب يكون علينا أن نتعقب كل الساجدين ونفحص أو نشق قلوبهم لنتبين لمن سجدوا هل لله أم لغيره من مخلوقاته، كما أنه بحسب وهم ابن تيمية ينبغي أن نمنع الناس من استلام الحجر الأسود خوفا من أن يصبح معبودا عند بعض المهووسين والمختلين، وكذلك يمنع الطواف حول الكعبة أو التوجه نحوها لهذا الظن المريض أيضا.

ومن هذا المنطق المختل والمهوس كان غلو كثير من المتشددين في غير الدين ومقتضى أحكامه السليمة ممن سلكوا هذا الأسلوب على غير ضوابط شرعية وأخلاقية في هدم الأضرحة والمعالم الدالة على الصالحين والأولياء، بل قد يطال حتى معالم الأنبياء لو وجدوا إلى ذلك سبيلا، وهذا هو عين الابتداع والغلو في غير مصلحة الدين ما أنزل الله به من سلطان.

ومن هذا الفهم الضيق أيضا يكون علينا أن نتعتب ماذا يقصد المقسم بقوله "والذي نفسي بيده" إذ القلب قد يضل وقد يهتدي في باب الضمائر حسب رأي ابن تيمية، ويبقى لدينا التكلف في فهم المفهوم تساؤلا من هو "الذي" وعلى من تعود الهاء كضمير في هذا الخطاب، إذ المسمى ذاتا وصفة غير وارد في السياق، فيبقى فحوى الخطاب بحسب نية قائله، ونحن إذا أسأنا ظننا بقائله فلنمنعه حسبب رأي ابن تيمية من هذا القول، بينما النص النبوي صريح وصحيح في هذا الباب وهو القسم بالضمير "هو" الذي يعود على الإسم الموصول و"الذي" يعود على ذات الله وصفاته من بيده نفوس عباده.

ويكفي الضمير "هو" شرفا على مستوى النحو واللغة والرمز والعدد أنه لا يدل إلا على الواحد وهو غاية الدين وبه يتوحد قلب العبد في تحديد خطابه وقصده:

"هو الله الذي لا إله إلا هو"

وفي هذا السياق وما تضمنه من المعاني أورد مقتطفات للإمام فخر الدين الرازي حول الهوية يقول فيها «اعلم أن لفظ "هو" فيه أسرار عجيبة وأحوال عالية، فبعضها يمكن شرحه وتقريره وبيانه، وبعضها لا يمكن قال مصنف الكتاب: أنا بتوفيق الله كتبت أسرارا لطيفة إلا أني كلما أقابل تلك الكلمات المكتوبة بما أجده في القلب من البهجة والسعادة عند ذكر كلمة "هو" أجد المكتوب بالنسبة إلى تلك الأحوال المشاهدة حقيرا. فعند هذا عرفت أن لهذه الكلمة تأثيرا عجيبا في القلب لا يصل البيان إليه، ولا ينتهي الشرح إليه» ثم بعد هذا يذكر فوائد الذكر بالهوية قد وصلت إلى إحدى عشرة فائدة، نذكر من بينها على سبيل الاختصار والإختيار الفائدة الثالثة والخامسة والحادية عشر.

فيقول في الفائدة الثالثة: "أن العبد متى ذكر الله بشيء من صفاته لم يكن مستغرقا في معرفة الله تعالى، لأنه إذا قال "يارحمان" فحينئذ يتذكر رحمته فيميل طبعه إلى طلبها، فيكون طالبا للحصة، وكذلك إذا قال: "ياكريم، يا محسن، ياغفار، يا وهاب، يا فتاح" وإذا قال "ياملك" فحينئذ يتذكر ملكه وملكوته وما فيه من أقسام النعم فيميل طبعه إليه فيطلب شيئا منها، وقس عليه سائر الاسماء أما إذا قال "ياهو" فإنه يعرف أنه "هو"، وهذا الذكر لا يدل على شيء غيره البتة فحينئذ يحصل في قلبه نور ذكره، ولا يتكدر ذلك النور بالظلمة المتولدة عن ذكر غير الله، وهناك يحصل في قلبه النور التام والكشف الكامل…

والفائدة الخامسة في هذا الذكر: "أن المواظبة على هذا الذكر تفيد الشوق إلى الله تعالى، والشوق إلى الله ألذ المقامات وأكثرها بهجة وسعادة، إنما قلنا أن المواظبة على هذا الذكر تورث الشوق إلى الله، وذلك لأن كلمة "هو" ضمير الغائب، فالعبد إذا ذكر هذه الكلمة علم أنه غائب عن الحق لم يعلم أن هذه الغيبة ليست بسبب المكان والجهة، وإنما كانت بسبب أنه موصوف بنقصانات الحدوث والإمكان، ومعيوب بعيب الكون في إحاطة المكان والزمان، فإذا تنبه العقل لهذه الدقيقة وعلم أن هذه الصفة حاصلة في جميع الممكنات والمحدثات فعند هذا يعلم أن كل المحدثات والإبداعات غائبة عن عتبة علو الحق سبحانه وتعالى، وعرف أن هذه الغيبة إنما حصلت بسبب المفارقة في النقصان والكمال والحاجة والاستغناء.

فعند هذا يعتقد أن الحق موصوف بأنواع من الكمال متعالية عن مشابهة هذه الكمالات ومقدسة عن مناسبة هذه المحدثات، واعتقد أن تصوره غائب عن العقل والفكر والذكر. فصارت تلك الكمالات مشعورا بها من وجه دون وجه، والشعور بها من بعض الوجوه يشوق إلى الشعور بدرجاتها ومراتبها، وإذا كان لا نهاية لتلك المراتب والدرجات فكذلك لا نهاية لمراتب هذا الشوق، وكلما كان وصول العبد إلى مرتبة أعلى مما كان أسهل كان شوقه إلى الترقي عن تلك الدرجة أقوى وأكمل، فثبت أن لفظ "هو" يفيد الشوق إلى الله تعالى، وإنما قلنا إن الشوق إلى الله أعظم المقامات، وذلك لأن الشوق يفيد حصول آلام ولذات متوالية متعاقبة، لأن بقدر ما يصل يلتذ وبقدر ما يمتنع وصوله إليه يتألم. والشعور باللذة حال زوال الألم يوجب مزيد الالتذاذ والابتهاج والسرور، وذلك يدل على أن مقام الشوق إلى الله أعظم المقامات، فثبت أن المواظبة على ذكر كلمة "هو" تورث الشوق إلى الله، وثبت أن الشوق إلى الله أعظم المقامات وأكثرها بهجة وسعادة فيلزم أن يقال: «المواظبة على ذكر هذه الكلمة تفيد أعلى المقامات وأسمى الدرجات».

الفائدة الحادية عشرة: «إن الذكر أشرف المقامات قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى: "إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه". وإذا ثبت هذا فنقول: أفضل الأذكار ذكر الله بالثناء الخالي عن السؤال، قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: العبد فقير محتاج والفقير المحتاج إذا نادى مخدومه بخطاب يناسب الطلب والسؤال كان ذلك محمولا على السؤال، فإذا قال الفقير للغني "يا كريم" كان معناه أكرم، وإذا قال له "يا نفاع" كان معناه طلب النفع، وإذا قال "يارحمان" كان معناه ارحم فكانت هذه الأذكار جارية مجرى السؤال وقد بينا أن الذكر إنما يعظم شرفه إذا كان خاليا عن السؤال والطلب، أما إذا قال "ياهو" كان معناه خاليا عن الإشعار بالسؤال والطلب فوجب ان يكون قولنا "هو" أعظم الأذكار .ويضيف الرازي مبينا خصوصية هذا الذكر بالقول «ومن لطائف هذا الفصل أن الشيخ الغزالي رحمة الله عليه كان يقول: "لا إله إلا الله" توحيد العوام، و "لا إله إلا هو" توحيد الخواص، ولقد استحسنت هذا الكلام وقررته بالقرآن والبرهان.

أما القرآن فإنه تعالى قال: "ولا تدع مع الله إله آخر لا إله إلا هو" ثم قال بعده "كل شيء هالك إلا وجهه" معناه إلا هو. فذكر قوله إلا هو بعد قوله لا إله فدل ذلك على أن غاية التوحيد هي هذه الكلمة.

وأما البرهان فهو أن من الناس من قال: إن تأثير الفاعل ليس في تحقيق الماهية وتكوينها، بل لا تأثير له إلا في إعطاء صفة الوجود لها.

فقلت، فالوجود أيضا ماهية، فوجب أن لا يكون الوجود واقعا بتأثيره، فإن التزموا ذلك وقالوا: الواقع بتأثير الفاعل موصوفية الماهية بالوجود فنقول: تلك الموصوفية إن لم تكن مفهوما مغايرا للماهية والوجود امتنع إسنادها إلى الفاعل، وإن كانت مفهوما مغايرا فذلك المفهوم المغاير لا بد وأن يكون له ماهية، وحينئذ يعود الكلام، فثبت أن القول بأن المؤثر لا تاثير له في الماهيات ينفي التأثير والمؤثر، وينفي الصنع والصانع بالكلية، وذلك باطل، فثبت أن المؤثر يؤثر في الماهيات، فكل ما بالغير فإنه يرتفع بارتفاع الغير، فلولا المؤثر لم تكن تلك الماهية ماهية ولا حقيقة، فبقدرته صارت الماهيات ماهيات وصارت الحقائق حقائق، وقبل تأثير قدرته فلا ماهية ولا وجود ولا حقيقة ولا ثبوت وعند هذا يظهر صدق قولنا "لا هو إلا هو". والله أعلم».[فخر الدين الرازي: التفسير الكبير. ج 1 انظر من ص 146 إلى ص 152]

وفي استعراضنا لهذه التفسيرات المستنيرة بالذكر من طرف بعض الراسخين في علمي الظاهر والباطن من الشريعة الإسلامية، وذلك من خلال أقوالهم عن مشروعية الذكر بالإسم المفرد "الله" أو الإسم المضمر "هو" فإننا نسعى إلى أن نبين بالحجة العلمية الموثقة وعلى مستوى النص التراثي وتفسيراته للنص الديني في عبارته ومعناه ما هو مستوى التمايز والامتياز الذي يحظى به أهل الفكر المستنير بالذكر والذوق وسعة التدقيق على أهل التشديد والتضييق في رياض التحقيق، ويبقى للقارئ وطالب الحقيقة أن يوازن ويقارن بعين الصدق والاستبصار ومن ثم يدرك ما هو الأولى شرعا في الاعتبار.

كما أن هذا الذكر يمتاز بالخصوصية كما عبر عنه كل من الغزالي وابن عربي والرازي وغيرهم من أقطاب العلم والمعرفة في هذه الأمة، ولهذا فهو يحتاج لمريد الذكر به إلى فقه الأذكار وبالتالي فلا بد له من فقيه خبير في ميدانه له الخصوصية في الأسوة الحسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المجال على مستوى الظاهر والباطن واستعداداته لتقبل أنوار الأذكار، وهذا الفقيه هو ما يعبر عنه الصوفية بالشيخ المربي أو الملقن، وهو مصطلح أيضا شرعي وسني نشأة ومعنى، ظهر في صدر الأمة الإسلامية ولقب به من هم في أعلى المستويات رجالها شخصية وعقيدة وسلوكا.

وهذه الخصوصية الفقهية في علم الذكر وأهله سبق وتحدثنا عنها في كتاب "الطريقة القادرية البودشيشية: شيخ ومنهج تربية" فليرجع إليه من يريد زيادة اطلاع.

إن هذا المنحى في التعامل مع العبادات التي تدخل في حكم النوافل وخاصة ذكر الله والدعوات، قد أثر سلبا على أغلب الاتجاهات الإسلامية المتشبثة بالطرح التيمي وهو ما انعكس على سلوكاتها بل على روحانياتها مما أضفى عليها طابعا جافا وتقحلا وجدانيا، بل غياب تواصل معنوي بينها وبين روحانية رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدر الأسوة الحسنة كما سنرى. وذلك لأنها تتعامل مع النصوص الشرعية من وجهة نظر عقدية ضيقة ومن وجهة إطلاع ناقص على النصوص نفسها والمفيدة لطرق التعامل مع ذكر الله تعالى. وهذا في نظرنا من بين أسباب الاختلافات بين الفئات الإسلامية المعاصرة وعدم تناسقها. لأنها تفتقد الوحدة الوجدانية والتعارف الروحي الذي يؤسسه الذكر. وكذلك التمكين العلمي المفيد للوعي العميق بأبعاد الشريعة الإسلامية وروحها.
من كتاب التوحيدي للذكر في الإسلام(الوسيلة والغاية) للدكتور محمد بنعيش

محمد حبيب الفندي
27-08-2005, 17:40
نرى بعض الصوفية عندما يذكرون الله أو يسمعون المدائح والأناشيد تصيبهم أحوال كانما يصعقون أو يغمى عليهم أو يضطربون ويرتجفون ويفقدون أحيانا السيطرة على أنفسهم .. فهل هذا جائز ..؟؟



قال تعالى :"الذين آمنوا وتطمئن قـلوبهـم بذكر اللـه، ألا بذكـر اللــه تطمئن القلــوب، الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب»
فالاطمئنان عند الصنف الأول يحصل بسبب الاكتفاء والثقة التي تكتسبها القلوب عن طريق إشباعها بالغذاء الخاص بها. وذلك لوجود فقر ذاتي لديها إلى الله تعالى. وإنطباع فطري على عقيدة التوحيد كانت قد اكتسبته في عالم الذر، كما نجد تقريرا عنه في قول الله تعالى: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى! شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون»[سورة الاعراف آية 173 - 172
].

وهذه الفطرة لما تعرضت للاغفال المفتعل كما دل عليه النص القرآني بسبب التهميش والصرف الذاتي لها عن تحقيق وظيفتها الأصلية تحت ضغط الشهوات وتمويه الشبهات نتج عنه انحصار واقتصار على مستويات دونية من اللذات الجسدية والنفسية المتمثلة في الأنانية وعزة النفس وما إلى ذلك من الحجب المؤدية إلى الانطوائية والتطلع الدائري التمركزي على نمط دوران الحمار حول الرحى. وهذا ما أدى بالانسانية في أغلب حالاتها إلى نسيان الميثاق الذي أقرت به في عالم الذر عند إشهاد العدالة . مما استوجب وسيلة فعالة للتذكير به ورفع الحجب الحائلة دون ذلك. فكان ذكر الله هو الركن الأساسي المحقق لتلك العودة إلى الفطرة الأصيلة. لأن الذكر هو التذكر ذاته. وهو ضد النسيان. وما عملية تكرار الذكر سوى إعادة التذكر الروحي في عالم الذر الذي يعني العودة إلى الفطرة الأصلية والحفاظ على رسوخها وريادتها لسائر الفطر والغرائز على نحو ما كانت عليه في ذلك العالم التجريدي حيث لا زمان ولا مكان ولا أجرام. وإنما خطاب الله الواحد القهار في إشهاده للأرواح مجردة على توحيده وإقرارها بذلك عقيدة وعبودية لا ركوع فيها ولا سجود وإنما هي خطاب بين إله واحد أحد ليس كمثله شيء ومألوهين مأخوذين في قبضته يتصرف فيهم كيف يشاء، أي أن أول عبادة في الوجود هي ذكر قولي تم مباشرة بين رب العالمين وأرواح عباده. ولهذا الخطاب المباشر الذي تحقق بالذكر المجرد كان جزاء الذاكر أن يقابل بذكر المذكور. -أي يصير الذاكـر مذكـورا- مصداقـا لقـول اللـه تعـالى: «فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولاتكفرون»، وكما في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» الحديث[رواه مسلم في باب الحث على ذكر الله تعالى].

وذكر الله لعباده ينبغي أن يفهم بمعنى الاحاطة والمعية المعنوية وبتعويض الفقر بالغنى، أي غنى النفس بواسطة الامداد الروحي المفيد للاطمئنان « كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك».

وإذا كان المدد عاما فالذاكر له خصوصيته في الاستمداد من العطاء الالهي للنصوص الدالة على ذلك، وللواقع التجريبي الذي يعيشه الذاكرون الله تعالى والمتمثل في الأحوال والمواجيد الطارئة عليهم عند ذكر الله تعالى بالصفة والشروط الواردة في آية الأسوة.

فالاطمئنان هو قمة الأحوال ومنتهاها كما تدل على ذلك عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية. كما أنه يأتي بعد المرور بأحوال ممهدة له كوجل القلوب، وقشعريرة الجلد، والخر بالبكاء، وانشراح الصدر والصعق عند رؤية آية كونية أو سماع آية قرآنية. وكنموذج على هذا التلازم بين الاطمئنان والأحوال وذكر الله تعالى، نجد مثلا قول الله تعالى، « إنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون»[سورة الأنفال آية 2.
].

وقوله تعالى : « الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشعون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله».

وهذه الأحوال الناتجة عن الذكر تعتبر دليلا قويا على أن الذاكر قد وصل إلى مستوى المباشرة الإيمانية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «اللهم ارزقني إيمانا يباشر قلبي» أي أن الإيمان لم يعد يقتصر على مجرد التصور الذهني والاعتقاد القلبي الصامت. وإنما أصبح خطابا نورانيا محركا للقلوب والأجساد. وبالتالي مؤسسا للثقة الكاملة والاطمئنان كنتيجة قطعية دالة على صحة الإيمان ورسوخه في قلب المؤمن.

والحال في مصطلح الصوفية هو « معنى يرد على القلب من غير تعمد منهم ولا اجتلاب ولا اكتساب لهم من طرب أو حزن أو قبض أو شوق أو انزعاج أو هيبة أو احتياج »[أبو القاسم القشيري الرسالة القشيرية دار الكتاب العربي بيروت ص 32 - 34] وقد يراد بالحال الوجد الناتج عن المعنى الوارد على القلب. أي أن الوجد هو ما يجده الذاكر من حلاوة وذوق تلك الأحوال الواردة عليه، ولهذا فالتلازم بين الحال والوجد تلازم ذاتي لايمكن فصلهما عن بعضهما بسهولة. لأنه إذا وجد الحال ترتب عنه وجد. وإذا وجد وجد دل على الحال. إلا أن الحال يختص بالوجد الباطني. والوجد يختص بالحال الظاهري، ولهذا أمكن استدعاء الوجد اختيارا[القشيري الرسالة القشيرية
] للحصول على الحـال الظاهري وهو ما يسمى بالتواجد. وهـو درجة أقل من الوجد الذي له سبب وارد على القلب وهو الحال الباطني. وكلاهما مشروع ومطلوب كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم :

« ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» أو كما قال.

إن هذه الظواهر القلبية الجسدية المترتبة عن ذكر الله تعالى قد كانت تطرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك على أصحابه بصور متفاوتة. ففيما يخص النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كانت تعرض له أحوال ومواجيد على رأسها البكاء. وتصبب العرق في اليوم أو الليلة الباردة خاصة عند نزول الوحي، وتبدل أسارير وجهه من حالة إلى حالة عند ورود بشارة أو نذارة أو غير ذلك مما له علاقة بأحوال القلوب والإيمان والتقوى. حتى أنه كان توصف أسارير وجهه مرة بفلق الصبح ومرة بالبدر في كماله... إلخ.

كما نجد صورا من هذه الأحوال وتفاعل القلوب معها عند ذكر الله أوسماع آية قرآنية عند الصحابة كأبي بكر الذي كان لايستطيع إمامة المسلمين في الصلاة في بعض الأحوال لرقة قلبه وغلبة البكاء عليه حتى كان يسمع له أزيز، ونفس الشيء عن حال عمر ذي الخطين السوداوين من كثرة البكاء بل إنه سقط طريح الفراش لوجد أصابه حتى ظن البعض أنه مريض. وكذلك حال عثمان وعلي رضي الله عنهما. وكنموذج مقرب لمفهوم الحال المؤدي إلى الوجد الذي لايدخل في حكم البكاء فقط نجد هذا الحديث الذي رواه البخاري عن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية:

« أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون، أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون» كاد قلبي أن يطير» رواه الشيخان.

فطيران القلب عند سماع الآية بالنسبة إلى هذا الصحابي لايمكن وصفه إلا بالإيمان المباشر للقلب. ولهذا فكانت هذه الحالة التي طرأت عليه عند سماع الآية الكريمة سببا قويا وجدانيا دعاه إلى التصديق والإيمان بالله وبرسوله، لأنه مبدئيا لايمكن أن يحدث حادث إلا ولحدوثه سبب وهذا الحادث هو طروء الحال على القلب عند سماع الآية. والآية هي كلام الله تعالى. إذن فالمستمع قد باشر كلام الله قلبه، فاهتز عند هذه المباشرة وكاد أن يطير، ولربما تحرك ظاهره لهذا الأثر الباطني ضرورة.

ومن هنا يأتي الحكم العقلي لصياغة هذه البرهنة الوجدانية وهي أنه لو لم يكن للكلام صلة وغذاء للقلب لما تفاعل معه، لكن الكلام باشر القلب وحركه : إذن فالقلب له فقر وإقرار مباشر بالكلام لصلة ما. وهذا له ارتباط بآية الذر وتأسيس الفطرة الأولى عند الإنسان .

وحسب هذا الاستنتاج فكلما ورد الحال على القلب وجدا إلا وكان بالنسبة إلى الذاكر دليلا قويا مباشرا على وجود الله سبحانه وتعالى لأنه يمثل تعاملا وجدانيا مع الله تعالى وتكيفا ذاتيا مع الكلام الذي يكرره ذكرا أو تلاوة.

ولهذا كان الذاكر الواجد لايحتاج إلى الحجج أو البراهين إلا اكتفاء بما باشره قلبه من النص القرآني والحديثي وما أعطاه له الذكر من المواجيد والأحوال التي ترد عليه بحسب استعداد قلبه وقوة توجهه إلى الله تعالى ورجائه وظنه به.

فالوجد أو الحال الذي يعبر عنه الصوفية ليس سوى مباشرة الإيمان للقلب كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، وبما أن المباشرة حاضرة فإن الاستدلال بالوسائط الكونية تبقى بعد ذلك ثانوية مادام الذاكر مطمئنا إلى مذكوره يعيش قربه بقلبه ويتحرك قلبه بل جسده عند ذكره. كما عبر الجنيد عن هذا الايقان الوجداني بالذكر في قوله :

حاضر في الـقلب يـعـمـره لــست أنـسـاه فـأذكــره.

فهـو مـولاي ومعتـمــدي ونـصيـبي مـنـه أوفـــره
[القشيري الرسالة القشيرية ص 139]

ويقول الشبلي :

ذكرتـك لا أني نسيتــك لمحــة وأيسر ما في الذكــر ذكر لســاني

وكدت بلا وجـد أموت من الهـوى وهــام عــلى القــلب بالخفقان.

فلما أراني الوجد أنـك حـاضـري شــهدتك موجـودا بكل مكــان

فخـاطبت موجودا بغـير تكلــم ولاحظــت معلومـا بغير عيــان.


وقال آخر :

ما أن ذكرتك إلا هم يزجرنـي قلبي وسرى وروحي عند ذكراكا

حتى كأن رقيبا منك يهتف بـي إياك ويحك والتذكر إيــاكــا[القشيري الرسالة القشيرية ص 139]

وعند ذكر الأحوال والمواجيد المترتبة عن الذكر وبعدها التوحيدي كمعيار إيماني وأداة استدلالية، يطرح جدل مفتعل من طرف بعض الفئات الإسلامية الفاقدة لهذا النموذج أو العنصر من التفاعل مع النص سماعا أو مع العبادات ممارسة وخاصة ذكر الله تعالى.

ويتلخص هذا الجدل في رفض البعض من المتقدمين وهم قلة والبعض من المتأخرين المعاصرين وهم كثرة لبعض صور الأحوال الطارئة على بعض الذاكرين الله بالأسلوب الشرعي والمؤسس على آية الأسوة.

وهذا الرفض ينصب إما على الصعق أو التأوه أو اضطراب الأعضاء أو الصياح والتلفظ بألفاظ غير مفهومة إلى غير ذلك من الأحوال التي يكثر وجودها بصفة خاصة عند الصوفية المركزيين - أي الذين تجمعهم طريقة ما، إما تحقيقية أو وراثية- وأقصد بالتحقيقية أي المنتمية إلى شيخ محقق حي ومؤهل للتلقين الروحي وصياغة الأوراد، كما أن الوراثية هي عبارة عن طريقة موروثة عن شيخ كان محققا في زمانه. ولم يبق لدى أتباعه سوى المنهج الظاهري، لكنهم يفتقدون الأستاذ المربي الروحي والمؤهل لتلقين الأحوال والوجد الباطني الحقيقي، بحيث يغلب على هؤلاء ظاهرة التواجد دون الوجد والحال.

وهذا الرفض يتأسس لديهم إما على أسلوب الإفراط أو التفريط كما سبق وعبرنا . ففيما يخص أسلوب الإفراط فإن البعض ممن يعتمدونه ربما قد لايستسيغون الأحوال والمواجيد بصورة كلية، وحتى إذا سلموا ببعضها فإنهم يحصرونهافي حال واحد لايكاد يتعداه وهو البكاء، ولكن في حدود تصورهم الذاتي له، لكنهم إذا تطرقوا إلى موضوع الصياح والاضطراب البدني والصعق والعمارة... إلخ، فإنهم إما أن ينسبوها إلى افتعالات ومحاولات ذات خلفية أنانية للتظاهر والرياء وإما أن يسقطوا على أصحابها صفات مرضية هستيرية ذات خلفية عصبية أو نفسية وما إلى ذلك. ولكننا نرى الذاكرين الصوفية في هذه الحالة « ينطقون أو يتلفظون بنظريات ميتافيزيقية وفيزيقية وأخلاقية - حسب تعبير علي سامي النشار- بل « إن كثيرا من أرق الشعر الصوفي قد انطلق من الصوفية وهم في حالة الشطح أو الفناء أو خلع العذار بينما يفترض في أصحاب حالة الصرع عدم القدرة على الانتاج الفني أو الخلقي أو الابداع الروحي أو الجمالي»[علي سامي النشار : نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام دار المعارف مصر ط 7 ج 3 ص 22.].

وهذا الموقف موضوعي بالنظر إلى الآثار الروحية والفكرية والسلوكية التي يؤسسها الذكر كما سبق واستدللنا على ذلك من خلال تفسيرنا لآية الأسوة وشرط تحصيلها. كما أن الاعتراض على الأحوال بمجرد هذه الادعاءات والأقوال الظنية لحد التوهم قد يجعل أصحابه عرضة للاشتباه في إيمانهم والتزامهم بالنصوص الإسلامية. وذلك إما أن المعترضين يطعنون في نجاعة الوسيلة المؤدية إلى تلك الأحوال كأداة إيجابية محضة كما دل عليها النص وإما أنهم ينظرون إلى تلك الوسيلة كما سبق وعبرنا نظرة مادية سطحية لا أثر لها مضبوطا سوى ما تعطيه الرياضات البدنية حسب درجات وظائفها المحدودة بالاعتدال أو الافراط أو التفريط. وهذا التصور يتنافى مع موضوع الذكر وفعاليته إذ لا مجال للقول بالإفراط في الذكر. لأنه أصلا مطلوب بصفة التكثير ولا حد له، مادامت الإرادة صحيحة ومخلصة، بل الإفراط أو التفريط لايكون إلا عند تغييب الذكر عن اللسان والوجدان وهو ما دلت عليه الآية في قول الله تعالى : « واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولاتطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا»[سورة الكهف آية 28].

وهذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة عن موضوع الذكر كما يروى عن ابن عباس في قول الله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا». «إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه. ولم يعذر أحد في تركه إلا مغلوبا على تركه فقال : « اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم» بالليل والنهار في البر والبحر وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة والسر والعلانية وعلى كل حال«[ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 49553].

وعلى هذا فالحال الناتج عن الاكثار من ذكر الله تعالى لايمكن اعتباره حالا مرضيا كيفما كانت أعراضه اللهم إلا ما كان من الذاكر الذي لايلتزم الشروط الواردة في آية الأسوة، وهي إخلاص التوجه إلى الله تعالى وسلامة النية والإرادة قصد الائتساء روحيا وظاهريا برسول الله صلى الله عليه وسلم كنموذج أعلى لاخلاص العبودية لله تعالى. ولتحقيق هذا الائتساء بعناصره الظاهرية والباطنية ينبغي أن يكون تسلسليا وراثيا كما أشرنا إلى ذلك، أي مأخوذا بالسند الروحي المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. مصداقا لقوله : « طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن رأى من رآني وآمن بي وطوبى لمن رأى من رأى من رآني وآمن بي. طوبى لهم وحسن مآب». وكذلك الحديث الذي مر بنا عن أبي سعيد الخدري حول تسلسل الصحبة.

وعند هذا ينبغي التمييز بين الذكر كوسيلة للسلوك إلى الله تعالى بقطع المراحل والعقبات لغاية واحدة وهي معرفة الله تعالى معرفة قرب وحضور واستمداد، وبين الذكر كوسيلة جزائية غايتها جمع الحسنات ومحو السيئات والحفظ من الأذى وتحقيق الأغراض ذات التعلق بالمخلوقات كيفما كان نوعها وإن كان المرجو لتحقيقها هو الله تعالى.

فالذكر المفيد للحال هو المراد منه الغاية الأولى لأنه تعامل مع المذكور كمطلوب لذاته ابتداء وانتهاء «وأن إلى ربك المنتهى».

ولهذا المعنى كان الذكر شرطا لاخلاص العبودية وكان أيضا معيارا للقوة الايمانية لأنه سلوكي وتعبدي جزائي في آن واحد، وسلوكيته تتجلى في الأحوال الباطنية الناتجة عنه وفعاليته في تحصيل القرب من الله تعالى لحد الوجد والصعق والخوف والرجاء والمحبة وما إلى ذلك من الأحوال والمقامات المؤدي إليها ذكر الله تعالى. ولهذه الأحوال كما قلنا كان الذكر وسيلة استدلالية وميزانا روحيا يزن به الذاكر مستوى قربه أو بعده عن الله تعالى بحسب الحال الوارد عليه. ما بين حالة القبض والبسط والرضى والاطمئنان وما إلى ذلك مما اختص بالاصطلاح عليه الصوفية بالدرجة الأولى حتى أن بعضهم عبر من خلال هذا الميزان بقوله « حسنات الأبرار سيئات المقربين». وهذا ما لايدرك معناه إلا أهل الأذواق والمواجيد والأحوال الذين ذاقوا حلاوة العطاء ومرارة السلب، فأدركوا بقلوبهم أن معطيهم وسالبهم واحد فكان تذرعهم إليه روحياب «اللهم احفظنا من السلب بعد العطاء».

محمد حبيب الفندي
27-08-2005, 17:43
الحال بين مشروعية الوسيلة والغاية:
ولكي لا يتشعب بنا الحديث عن الأحوال أكثر مما يقتضيه الاعتراض الافراطي، نعالج مواقف بعض أساليب أصحاب التفريط في نفس الموضوع رغم وجود قواسم مشتركة بين هؤلاء وأولئك في اعتراضاتهم على أحوال الذاكرين ومواجيدهم، ويتلخص اعتراض هؤلاء الأخيرين في الادعاء بأن بعض الأحوال الطارئة على الذاكرين الله تعالى ليست من السنة وأن السلف الصالح لم يحصل لديهم مثلها. ولهذا فإنها تدخل في حكم البدعة، وذلك بدعوى الالتزام بالسلفية والتقيد بظاهر النص وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته.

وهذه كما قلنا كلمات حق أريد بها تضييق مجالاته، غير أن الاعتراض على هذه التضييقات في هذه المرة سيكون بواسطة أبرز رواد هذا الأسلوب والذي سبق واعترضنا عليه في مواقفه من الذكر بالاسم المفرد.

فحينما نطالع فتاوى ابن تيمية حول موضوع الأحوال نجده أكثر موضوعية وانضباطا فتويا مما مضى، وقد أودع فتاواه الخاصة في كتاب علم السلوم وكتاب التصوف (ج10 و11).

فذهب في كتاب السلوك إلى تقسيم موضوعي يحدد من خلاله الذي يسلم له حاله والذي لايسلم له حاله : فالذي يسلم له حاله يشترط أن لايكون سببه بمحرم وأنه مغلوب عليه[ابن تيمية، مجموع فتاوى كتاب علم السلوك ج 10 ص 381
]، وأما الذي لايسلم إليه حاله فمثله أن يعرف منه أنه عاقل يتوله ليسقط عنه اللوم... أو يعرف منه أنه يتواجد ويتساكر في وجده ليظن به خيرا ويرفع عنه الملام فيما يقع من الأمور المنكرة، أو يعرف منه أن الحق قد تبين له وأنه متبع لهواه، أو يعرف منه تجويز الانحراف عن موجب الشريعة المحمدية وأنه قد يتفوه بما يخالفها...»[ابن تيمية، مجموع فتاوى كتاب علم السلوك ج 10 ص 384
].

بل قد ذهب إلى الاعتراض على المعترضين ومحددا موقفه منهم في كتاب التصوف حيث يقول : « المنكرون -أي لأهل الأحوال- لهم مأخذان: منهم من ظن ذلك تكلفا وتصنعا. يذكر عن محمد بن سيرين أنه قال: ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن إلا أن يقرأ على أحدهم وهو على حائط فإن خر فهو صادق.

ومنهم من أنكر ذلك لأنه رآه بدعة مخالفا لما عرف من هدي الصحابة كما نقل عن أسماء وابنها عبد الله.

والذي عليه جمهور العلماء أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوبا عليه لم ينكر عليه وإن كان حال الثابت أكمل منه ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا فقال: قرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشي عليه ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد فما رأيت أعقل منه، ونحو هذا وقد نقل عن الشافعي أنه أصابه ذلك وعلي بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة وبالجملة فهذا كثير ممن لايستراب في صدقه!!!»[ابن تيمية مجموع فتاوى كتاب التصوف ج 11 ص 8 -7].

وهذا النص تضمن اعتراضين في صورتين مختلفتين :

أما الاعتراض الأول فإنه يسلم بوجود الحال لكنه يخضع هذا التسليم إلى التجربة وتحري الصدق فيه. وهذا يعني أن الحال واقع مشاهدكما عبر عنه ابن تيمية في آخر النص بقوله : « وبالجملة فهذا كثير ممن لايستراب في صدقه» أي أصبح متواترا. تواتر أخبار ومعاينة. ولهذا فالواقع لايمكن إقصاؤه إذا ثبت أنه غير متكلف، إذ كيف يمكن رفض العطاس رغم غلبته على العاطس، كما أنه لا يجوز رفض الحال لأنه غلب على صاحبه ولكن يمكن اختباره من حيث أنه صادق أو كاذب في حاله.

إذن فالمسألة تعالج من منظور أخلاقي وليس من حيث هي واقع ومشاهد. كما أنه ينظر إليه من حيث باعثه هل هو مشروع أم ليس بمشروع، فإذا كان الباعث مشروعا فالحال المترتب عنه ينبغي أن يكون مشروعا. لأنه إذا كانت الوسيلة مشروعة وهي ذكر الله تعالى والغاية مشروعة وهي إرادة وجه الله تعالى، فما بين الوسيلة والغاية لايكون إلا مشروعا. لأن الحسن إذا قابله الحسن أو الجميل لايكون إلا حسنا، والنتاج لايكون إلا بحسب أصله ووسيلة سقيه و« البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لايخرج إلا نكدا». فذكر الله إذن هو المصدر في الأحوال، والتكليف يهم النية والأعمال وليس الأحوال إذ الأحوال غير اختيارية وهي تكون وسطا بين النية والعمل.

ولهذا فالغاية تحدد الوسيلة لا أن الغاية تبرر الوسيلة في هذا الميدان. إذ الغاية في ذكر الله تعالى ليست كسائر الغايات وإنما لها خصوصيتها التوحيدية التي لايقبل سواها. فكانت الأحوال بهذا توصيلا بين الموظف للوسيلة وغايته، ودليلا على صحة الإيمان ورسوخه.

وأما الاعتراض الثاني فهو الذي يريد أصحابه أن يضيقوا خناق الأحوال والتحكم في المشاعر. وتقييد الانفعالات، وهذا إسقاط وتحجر لاتقبله سعة الإسلام بل طبيعة القلوب واستعداداتها وتحملاتها المختلفة. كما أن نقل هذا الإنكار عن أسماء وابنها غير محددة صحته أو ظروفه.

* خروج الأحوال عن دائرة التكليف والتقليد:
فالسلفية يمكن أن تنطبق على الأقوال والأفعال وعلى جنس الأحوال كتكاليف ومطالب لأنها قابلة للتقليد والتحديد، أما الأحوال النوعية الخاصة فإنها لاتقبل التقليد، إذ لو قبلت التقليد لكانت مصطنعة ومتكلفة وهذا يدخل في حكم الذي لايسلم له حاله كما يرى ابن تيمية.

نعم ! قد تتحد المشاعر والأذواق كما سبق وعبرنا مرارا لكن التفاعل مع هذه المشاعر ذاتيا هو الذي لايمكن ضبطه وحصره في صورة معينة مقننة كالاقتصار على التسليم بحال البكاء وحده مثلا.

وانفلات الأحوال عن دائرة الحصر السلفي أو التقييد الزماني والمكاني والجماعي بالامكان اعتبار أنه يدخل ضمن الأعراض وحدوثها وتجددها مع الزمن والمكان والحيز وما إلى ذلك، وكذلك من حيث دلالتها على حدوث الجواهر. كما تدل الأحوال على إيمان القلوب، إذ أن الأعراض تتفاوت وتختلف مظاهرها بحسب تعلقها بالأجرام صغرا وكبرا، سرعة وبطء، حركة وسكونا... إلى غير ذلك. ورغم أن الأجسام تتحد كلها في صفة الحدوث، إلا أن الأعراض الدالة عليه تختلف من جرم أو جسم لآخر.

وبحسب هذا القياس يمكن القول بأن أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بالضرورة أن تكون على نفس مستوى أحوال أصحابه وأحوال صحابته ليس بالضرورة أن تكون على نفس المستوى فيما بينهم وأنفسهم أو فيما بينهم وبين التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وذلك لتفاوت استعدادات القلوب وقوة إيمانها زيادة ونقصانا، بل قد يقع التفاوت بين استعداد القلب الواحد من حيث قوة تفاعله أو ضعفه مع الواردات ومعانيها وصياغتها بالأحوال أو المواجيد. إذ رب شخص قرأ آية قرآنية فبكى واعتبر وخشع قلبه في فترة ما لكنه قد قرأ نفس الآية في فترة أخرى فلا يجد ذلك الشعور ولا يحدث لديه خشوع بحال وهذا ملاحظ ومجرب عند الممارسين لتلاوة القرآن الكريم والمواظبين عليها.

ولهذا فليس من السلفية أو الأصولية بمكان أن ندعي إمكانية تقليد أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم تقليدا كليا سواء الباطنية أو الظاهرة لأنه إذا ادعينا ذلك فنكون قد قارنا بين مستوانا الإيماني وبين مستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي بين فرع وهو نحن المسلمين وبين أصل وهو النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتان مابين الأصل والفرع من التفاوت بل لا وجود للفرع إلا بوجود الأصل، بحيث لا مجال للمقارنة هنا، لأنها ستوقعنا في خطأ تقديري وخلل روحي من أبرز مظاهره غياب التسليم المعرفي و التذبذب في الاعتراف بالتفوق الروحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكإلزام بالخلف أو اقتضاء المخالفة يمكن عكس الاعتراض على أصحاب الادعاء في الزامهم أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وإلزامهم كل الأحوال الواردة في القرآن الكريم من بينها اقشعرار الجلد، وصعق موسى، والخر للأذقان بالبكاء. والتي يلاحظ أنهم لايجدون منها لا ظاهرا ولا باطنا إلا ما نذر أو شذو الشاذ لايقاس عليه وخاصة في عصرنا الذي أصبح الحال فيه منكرا بعد ما كان معرفا. ودليلا على قوة الإيمان وصدقه. ولهذا التفاوت الذي يطبع حالة الحال أو الوجد قسناه بالأعراض وتغيراتها مع الزمان والمكان والاستعداد والتحملات. لأنها مثال مناسب للدلالة على أنها لا تخضع للتقنين العيني كما أنها تستند في إثبات جنسها على أصول شرعية تفيد إمكانية ورودها على شتى الهيئات والحركات بحسب استعداد الذاكرين الله تعالى وبحسب استمداداتهم الروحية. وهذا ما لخصه ابن تيمية بصورة موضوعية بقوله : « فهذه الأحوال التي يقترن بها الغشي أو الموت أو الجنون أو السكر أو الفناء حتى لايشعر بنفسه ونحو ذلك، إذا كانت أسبابها مشروعة وصاحبهــا صــادقا عاجــزا عن دفعهـا كان محمودا على ما فعله من الخير وما ناله من الإيمان معذورا فيما عجز عنه وأصابه بغير اختياره. وهم أكمل ممن لم يبلغ منزلتهم لنقص إيمانهم وقسوة قلوبهم ونحو ذلك من الأسباب التي تتضمن ترك ما يحبه الله أو فعل مايكرهه الله، ولكن من لم يزل عقله مع أنه قد حصل له من الإيمان ما حصل لهم أو مثله أو أكمل منه فهو أفضل منهم وهذه حال الصحابة رضي الله عنهم وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه أسرى به إلى السماء وأراه الله ما أراه وأصبح كبائت لم يتغير عليه حاله، فحاله أفضل من حال موسى صلى الله عليه وسلم. الذي خر صعقا لما تجلى ربه للجبل وحال موسى حال جليلة علية فاضلة . لكن حال (سيدنا) محمد صلى الله عليه وسلم أكمل وأعلى وأفضل» فالحال إذن من ثمرة الذكر وهو دليل على كمال الإيمان وقوته. وإذا كان الأمر كذلك فالذكر يبقى معيارا قطعيا للقوة الإيمانية. وميزانا استدلاليا يرتكز عليه علم التوحيد في حججه وبراهينه

محمد حبيب الفندي
27-08-2005, 17:45
الوجد والحال في حقل النشيد والسماع:

* السند الصوفي في السماع نصا وفقها:

وقد يندرج في مجال الحال والوجد كجالب أو مهيء موضوع السماع، وهو تناغم الخطاب لإيصاله إلى السمع على صورة جمالية وذوقية فنية وروحية، وقد يكون قرآنا يتلى أو قصائد ومنظومات شعرية ونثرية لها ابعاد روحية ومعاني توحيدية وخاصة في باب السماع الصوفي، وفيه يقول أبو القاسم القشيري مفسرا قول الله تعالى: «فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» :"اللام في قوله" القول" تقتضي التعميم والاستغراق والدليل عليه أنه مدحهم بإتباع الأحسن. وقال تعالى: "«فهم في روضة يحبرون». جاء في التفسير أنه السماع.

واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة والنغم المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظورا ولم يسمع على مذموم في الشرع ولم يَنْجَر في زمام هواه، ولم ينخرط في ذلك لهوه مباح في الجملة.

ولا خلاف أن الاشعار أنشدت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها. فإذا جاز استماعها بغير الألحان الطيبة، فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان، هذا ظاهر من الأمر، ثم يوجب للمستمع توفر الرغبة على الطاعات وتذكر ما أعد الله تعالى لعباده المتقين من الدرجات ويحمله على متحرز من الزلات ويؤدي إلى قلبه في الحال صفاء الواردات مستحب في الدين ومختار في الشرع، وقد جرى على لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو قريب من الشعر وإن لم يقصد أن يكون شعرا.

أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال: حدثنا الحرث بن ابي أسامة قال حدثنا ابو النضر قال: حدثنا شعبة عن حميد قال، سمعت أنسا يقول: كانت الأنصار يحفرون الخندق فجعلوا يقولون:

نحن اللذين بايعوا محمدا
على الجهاد ما بقينا ابدا


فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة

ليس هذا اللفظ منه صلى الله عليه وسلم على وزن شعر لكنه قريب منه،

وقد سمع السلف والأكابر الأبيات بالألحان فمن قال بإباحته من السلف: مالك ابن أنس، وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء وأما الحداء فإجماع منهم على إجازته"[القشيري، الرسالة القشيرية دار الكتاب العربي، بيروت ص 152]

ويقول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري:

"ونقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحذاء، وفي كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلاف فيه، ومانعه محجوج بالأحاديث الصحيحة، ويلتحق بالحداء هنا الحجيج المشتمل على التشوق إلى الحج بذكر الكعبة وغيرها من المشاهد ونظيره ما يحرض أهل الجهاد على القتال، ومنه غناء المرأة لتسكين الولد في المهد".[ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، شرح صحيح البخاري دار الكتب العلمية بيروت - لبنان - الطبعة الأولى 1410-1989. ج 10ص 659..

وعند قول ابن حجر" وفي كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلاف فيه" كأنه يشير إلى موقف ابن تيمية المتشدد في هذا الباب والمخالف لمذهب السلف بزعم السلفية.

بحيث يرى حسب دعواه أن لا سماع كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مشروعا سوى القرآن الكريم، وبشكل فردي غير جماعي، إذ كما يقول: «كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا رجلا منهم أن يقرأ وهم يستمعون، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى، ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون» وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته، وقال: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير داود» وقال: «مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك، فقال: لو علمت أنك تسمعني لحبرته لك تحبيرا» أي لحسنته لك تحسينا…

ولم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا هذا؛ لا بالحجاز ولا باليمن ولا بالشام ولا بمصر والعراق وخراسان والمغرب، وإنما حدث السماع المبتدع بعد ذلك…"[ابن تيمية: مجموع فتاوى ابن تيمية ج 11 -ص 626-627]

وفي كلام ابن تيمية هذا إسقاط وتكلف وتضييق ومخالفة لمقتضيات ونصوص شرعية والأقوال السابقة لعلماء الأمة السنيين من أهل الفقه والحديث والتصوف والسلوك.

إذ فيما يخص قراءة القرآن جماعة فإن ظاهر الخطاب يفيده كما نجده في قول الله تعالى: «وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا، قل أفأنبئكم بشر من ذلكم، النار وعدها الله الذين كفروا، وبيس المصير[سورة الحج آية 70

كذلك قوله تعالى: «فاقرأوا ما تيسر من القرآن، علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا».[سورة المزمل آية 18

أما في الحديث فنجد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه» وايضا «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعر بين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» الحديث[رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن.]

فالحديثان بعبارتهما ومعانيهما قد يدلان على جواز بل استحباب قراءة القرآن جماعة بالأمر والندب والتقرير النبوي.

إذ في الحديث الأول يكون شرط الاجتماع على القرآن الكريم للتلاوة هو ائتلاف القلوب، وهو يحتمل إما أن يكون معناه الحفظ وإما الانسجام الذي يعطيه الذكر وتعارف الأرواح.

فبحسب المعنى الأول يكون لابد من إتباع صيغة معينة يؤم بها مستظهر لكتاب الله تعالى تسير بحسب قراءته الجماعة في الوقف والإمالة والمد وغيرها مما هو معروف في علم التجويد، وذلك حتى لا يختل نظام القراءة.

وأما الحديث الثاني فالمعنى فيه غالب على اعتبار الصوت الجماعي ونستشفه من قول النبي صلى الله عليه وسلم «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن» وهذه العبارة أكثر دلالة على القراءة الجماعية منها على القراءة الفردية، خاصة وأنهم لم يكونوا كلهم مجودين أو متغنين بالقرآن على نمط أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

ومن هنا فالقول بأن قراءة القرآن جماعة بدعة سلبية يعد مغالاة في غير مصلحة الدين، لأنه لا يميز بين ماهو موحد للأمة وما هو مشتت لها حينما لا تأتلف القلوب على قراءة القرآن.

وعلى فرض أن قراءة القرآن لم تكن جماعية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حسب دعوى ابن تيمية رغم النصوص وظواهرها المفيدة للعكس كما مر بنا، فإن القراءة الجماعية تبقى مشروعة، خاصة وأن القرآن في المرحلة الأولى لم يكن بعد قد جمع في مصحف واحد، لكنه بعدما جمع يكون من الأسهل الاجتماع على قراءته وذلك بعدما رسم بعلامات الوقف وما إلى ذلك مما سهل ضبط القراءة الجماعية وكان من اجتهاد علماء الأمة الذين هم ورثة الأنبياء.

ولا أريد أن اطيل في هذا الباب، إذ يكفيني أن قراءة القرآن جماعة لها بعدها التوحيدي لظواهر الأشخاص وقلوبهم كما نص عليه الحديث النبوي، إذ كان طرحنا لهذا الموضوع في هذا الباب مجرد تنبيه على أن ابن تيمية فتح بابا للذريعة دخله من جاء بعده فشوشوا على المسلمين اجتماعاتهم على ذكر الله وقراءة القرآن واستظهاره بالطريقة الجماعية وفي زمن قل الاهتمام بالكتاتيب القرآنية وقل حفظة القرآن ومعلموه، إذ القراءة الجماعية تكون تذكيرية وتشجيعية، وسماع القرآن يكون موعظة ورحمة سواء كان فرديا أو جماعيا كما تروي السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال: يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا»[

السماع بين المشروعية وتضييق مدعي السلفية:

ونعود إلى موضوع السماع الذي يعتبره ابن تيمية بدعة بأشكاله وأنواعه مع اضطراب فتاويه في هذا الباب وخلطه بين القراءة والسماع لغة واصطلاحا، فنقول: حينما يصرح بأنه «لم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلا هذا» يكون قد تكلف الحصر والاستثناء وضيق مجال السماع بإسقاطاته الذاتية فوقع في مخالفة نصوص شرعية دالة عليه.

ومن هذه النصوص الثابتة والصحيحة:

عن أنس رضي الله عنه قال: «جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ويقولون:

نحن الذين بايعوا محمدا
على الإسلام ما بقينا ابدا


والنبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم ويقول

اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة
فبارك في الأنصار والمهاجرة»


وعن البراء رضي الله عنه قال: « رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، وكان رجلا كثير الشعر وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينـة علينــا
وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأعداء قد بغوا علينا
إذا ارادوا فتنة أبينـا


يرفع بها صوته»

وعن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خبير فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر ابن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ قال وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا

فاغفر فداء لك ما اقتفينا
وثبت الأقدام إن لاقينا

والقيـن سكينـة علينـا
إنا إذا صيح بنا أتينـا.


وبالصياح عولوا علينا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع فقال: يرحمه الله. فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولاأمتعتنا به؟.

فقال: فأتينا خبير فحاصرناهم حتى أصابتنا مخصمة شديدة. ثم إن الله فتحها عليهم… فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر فتناول به يهوديا ليضربه ويرجع ذباب سيفه، فأصاب ركبة عامر فمات منه، فلما قفلوا، قال سلمة: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم شاحبا فقال لي مالك؟ فقلت فدى لك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله، قال، من قاله؟ قلت: قاله فلان وفلان وأسيد بن الحضير الأنصاري،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذب من قاله. إن له لأجرين -وجمع بين أصبعيه- إنه لجاهد مجاهد قل عربي نشأ بها مثله»[.

إذن فالسماع مشروع والمسمع مأجور إذا كان كلامه طيبا ومروّحا عن النفوس لغاية شريفة، وخاصة في زمن كثر فيه اللهو واللغو والجفاف والجفاء والفاحش من الغناء ونزوات الشعراء، مما يستدعي كتعويض وصرف بالمناسب إلى الإكثار من السماع النقي والتغني بالجميل من الشعر الصوفي الناتج عن الذكر وصحة الفكر وسلامة الصدر.

ومن هنا فالوسيلة تحددها الغاية والثمرة، كما تتحدد الأخيرة بها، والناتج ما بين الوسيلة والغاية يكون مشروعا كما سبق وبينا.

وعلى هذا فلا حجة لابن تيمية في أن يمنع استعمال السماع كوسيلة لتقريب معاني الإيمان والتوحيد إلى القلوب والنفوس من أجل إنقاذها وكسب ميلها وحبها للإسلام وأحكامه.

وقد يكون من الخطأ البين الذي لا يقبله الشرع أو العقل وكذا الذوق أن تمنع الوسيلة المشروعة من الاعتماد في الدعوة إذا كانت ستؤدي إلى غاية سليمة وهداية. ومن نموذج هذا الخطأ نجد فتوى ابن تيمية لما سئل «عن جماعة يجتمعون على قصد الكبائر: من القتل وقطع الطريق والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك، ثم إن شيخا من المشايخ المعروفين بالخير واتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك، فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعا يجتمعون فيه بهذه النية، وهو بدف بلا صلاصل، وغناء المغني بشعر مباح بغير شبابة، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي، يتورع عن الشبهات ويؤدي المفروضات ويتجنب المحرمات، فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه لما يترتب عليه من المصالح؟ مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا؟».

فأجاب بإسقاط ومن غير تحفظ أو إدراك للمصلحة وسد للذريعة: «إن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعين على الكبائر، فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعي، يدل على أن الشيخ جاهل بالطرق الشرعية التي بها تتوب العصاة، أو عاجز عنها، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية التي أغناهم الله بها عن الطرق البدعية»].

هكذا إذن يلقي ابن تيمية الكلام على عواهنه يجمع بين التبديع والتجهيل للآخر والتضييق في باب الدعوة وأسلوبها، ولا يراعي النتيجة والغاية بله مشروعية الوسيلة كما سبق وبيناها نصا.

وإذا رجعنا إلى أسلوب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فإننا نجده قد أقر للشعراء شعرهم وللمادحين مدحهم وللمنشدين إنشادهم وحدوهم، بل قدم في الدعوة الوليمة وأسباب الالفة وضرب المثال بالدنيا قبل الآخرة.

ومن هنا يكون ابن تيمية محجوجا كما قال ابن حجر، «وعند التنازع يجب الرد إلى الله والرسول وليس فعل غير الرسول حجة على الإطلاق» على حد تعبير وتعهد ابن تيمية نفسه.

إن السماع الصوفي يعتبر من أجمل ما أنتجته هذه الأمة من فن ونشيد كله ينشد معناه في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كتعبير عن صفاء القلوب وذوقها لحلاوة التوحيد الذي يربطها بعالم الذر والتجريد.

وما أجمله من تحليل وتفسير لعلاقة الوجد أو الحال بالسماع لا يستطيع علماء النفس على اختلاف مدارسهم وتقدمها أن تستنتج مثله مهما غاصوا في بحر ما خفي عن الشعور، هو هذا الذي عبر عنه الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى لما سئل: «ما بال الإنسان يكون هادئا فإذا سمع السماع اضطرب، فقال: إن الله تعالى لما خاطب الذر في الميثاق الأول بقوله: «ألست بربكم؟ قالوا: بلى». استفرغت عذوبة سماع الكلام الأرواح فلما سمعوا السماع حركم ذكر ذلك!!!

للدكتور محمد بنعيش من كتاب البعد التوحيدي للذكر في الإسلام

(الوسيلة والغاية)