المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عن الامام الرازى



محمد عوض عبد الله
02-08-2005, 21:37
هذا بحث للشيخ محمد بكر إسماعيل عن تفسير الفخر الرازي، أرجو أن تكون فيه فائدة:
التدبر الأمثل في كتاب الله: وقفة مع الفخر الرازي في تفسيره

* الرازي دائرة معارف لا نظير لها في عصره, ويظهر في كل علم يعلمه وكأنه لا يعرف غيره
* تفسير *مفاتيح الغيب* موسوعة جمعت في طياتها ما اكتسبه الرازي من علوم شرعية ولغوية وفلسفية ورياضية
بقلم الدكتور / محمد بر إسماعيل
أستاذ التفسير وعلوم القرآن جامعة الأزهر
إذا أراد المسلم أن تكون له ملكة قوية في تدبر معاني القرآن, وفقه مقاصده ومراميه, فليستعن علي ذلك بالله أولا وذلك بلزوم طاعته, والمداومة علي ترتيل آياته.
فإذا فتح الله له فيه فتح ا, فلا ينبغي أن يجود به علي أحد قبل أن يطمئن إلي صحته بالرجوع إلي كتب أشهر المفسرين, وأوثقها عند الباحثين في علوم الدين والدنيا, فإنه بذلك يضيف إلي عقله عقول قوم لهم في التفسير والتأويل باع طويل: كالإمام ابن جرير الطبري الذي سبق أن تكلمت عنه في المقال السابق, فإنه كان *رضي الله عنه* دائرة معارف, ليس لها في عصره نظير, فقد كان *رحمه الله* كالقارئ الذي لا يعرف إلا القرآن, وكالمحدث الذي لا يعرف إلا الحديث, وكالفقيه الذي لا يعرف إلا الفقه, وكالنحوي الذي لا يعرف إلا النحو, وكالمؤرخ الذي لا يعرف إلا التاريخ.
وكان تفسيره موسوعة لم يعرف الناس لها مثيلا ..

وبحر ا زخارا يغترف الباحثون منه علي اختلاف تخصصاتهم, ودرجاتهم في الثقافة والفهم.

ويضاهيه في ذلك الإمام أبو عبد الله, محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي, التميمي, البكري, الطبرستاني, الرازي, الملقب بفخر الدين, المولود سنة 544ه, المتوفي سنة 606ه.

كان *رحمه الله* إمام عصره في التفسير واللغة وأصول الفقه وعلم الكلام, وغير ذلك من العلوم الدينية والدنيوية.

وله مصنفات كثيرة من أهمها: تفسيره المسمي ؛بمفاتيح الغيب« يقع في ثماني مجلدات كبار, مطبوع, يتداوله أهل العلم, ويعتمدون عليه في كثير من المسائل التي تتعلق بمعاني القرآن, وأصول الفقه, وفنون البلاغة والمنطق, وغيرها.

ومنهج الإمام الرازي في التفسير منهج يغبط عليه, قل من سلكه من المفسرين, فكان تفسيره فريد ا في طريقته المثلي عرض ا وتحليلا وتعليلا وتحقيقا وتنقيحا... إلي غير ذلك من طرائق البيان لمباني القرآن ومعانيه ومراميه.

1 فهو يفسر القرآن بالقرآن فيورد الآيات المتشابهة والمتماثلة في اللفظ, ويحمل بعضها علي بعض في أسلوب رائع, ودقة تامة.
وهو يعتمد في ترجيح بعض الأقوال وتصحيحها وتقويتها علي هذه الطريقة, وأنعم بها إذ ليس هناك أبلغ من ذلك في إحقاق الحق, وإبطال الباطل, وترجيح ما هو راجح.

وقد كان *رضي الله عنه* يستدل بوجوه القراءات الصحيحة علي ما يريد تصحيحه أو ترجيحه, ولا يستشهد بالقراءات الشاذة إلا نادرا لتصحيح معني لغوي أو ترجيحه, فقد كان في كثير من الأحيان يرد ما و جه من طعن نحو القراءة المتواترة, ويبين صحة القراءة من حيث اللغة, ثم يبين أن مرد القراءة إلي السماع لا إلي الأقيسة.

2 وكان الإمام الرازي يفسر القرآن في الكثير من المواضع بالسنة اعتمادا علي ماهو مذكور في كتب التفسير التي سبقته لأنه كما يقول بعض المحققين كان قليل الخبرة بالرواية عن أهلها, فهو إن كان قد أحسن في تفسير القرآن بالقرآن, وحمل بعض الآيات علي بعض لبيان المعاني الدقيقة, لم يكن في نظري موفقا كل التوفيق في الرجوع إلي ما صح من السنة في تفسير القرآن, وقد تساهل الرازي في إيراد الأحاديث الضعيفة, بل والموضوعة في تفسيره.

فهو يذكر مثلا عند الكلام علي النكت المستخرجة من البسلمة حديثا نسبه إلي النبي *صلي الله عليه وسلم* وهو قوله: ؛من رفع قرطاسا من الأرض فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالا له تعالي, كتب عند الله من الصديقين وخفف عن والديه وإن كانا مشركين«.

وهذا الحديث ضعيف كما قال الخطيب البغدادي, والحافظ السيوطي وغيرهما.

واستشهد بحديث: ؛علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل« في سورة الواقعة عند قوله تعالي: ثلة من الأولين وقليل من الآخرين , مع أن الحديث موضوع, كما قال السخاوي في المقاصد الحسنة, وعلي القاري في كتابيه: المصنوع في معرفة الحديث الموضوع, والأسرار المرفوعة.

3 ولا يغفل الإمام الرازي النقل عن الصحابة, لكن من غير إسناد, ولا ي عني بتصحيحها في كثير من المواضع, وينقل أحيانا أقوالا كثيرة متفقة في الجملة علي أمر واحد توكيدا لقول قاله هو, أو قاله غيره.

4 وينقل كذلك من أقوال التابعين ما يؤيد به قولا له أو لغيره من غير سند, كما فعل في نقله عن الصحابة, وربما فعل ذلك اختصار ا.

5 وينقل الرازي في تفسيره عن أهل الكتاب ما يدعو إلي العظة والاعتبار من غير إسراف اعتماد ا علي قوله *صلي الله عليه وسلم* كما في حديث البخاري: ؛حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج«.

6 وللإمام الرازي باع طويل في استخراج اللطائف القرآنية ذات الدلالة علي إعجازه البياني والتشريعي والعلمي والغيبي, ولعله سمي تفسيره ؛مفاتيح الغيب« للدلالة علي ذلك.

ومن طالع كتابه يروقه ما فيه من تلك اللطائف التي اعتمد في استخراجها من ثنايا الآيات علي وفق لغة العرب, وعاداتهم, وطبائعهم, وقد أعانه علي ذلك كثرة العلوم التي حصلها, بالإضافة إلي رجاحة العقل, وسلامة الذوق, وحسن التدبر في الآيات الكونية من خلال النظر الدؤوب في الآيات القرآنية.

فالقرآن هو الكون المسطور المنبئ عن الكون المستور, فالنظر في القرآن يهدي إلي النظر في الكون, والنظر في الكون يهدي إلي النظر في القرآن كما هو معلوم عند الخاصة من أهل العلم.
7 ويهتم الإمام الرازي في تفسيره بذكر المناسبات بين الآيات والسور, ويعتبر ذلك فن ا بديع ا يكشف عن جانب مشرق من جوانب الإعجاز البياني ليعلم من يطالع تفسيره أنه يريد من وراء ذلك أن يعلم المشتغلون بمناحي الإعجاز القرآني أن القرآن كله من أوله إلي آخره كسورة واحدة ذات مدلول واحد, وهو ما أفصح عنه قوله تعالي: وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين علي قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين *الشعراء: 192 196*.

8 ثم إن الفخر الرازي لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا ويذكر مذاهب الفقهاء فيها, مع ترويجه لمذهب الشافعي الذي يقلده بالأدلة والبراهين كذلك نجده يستطرد لذكر المسائل الأصولية, والمسائل النحوية, والبلاغية, وإن كان لا يتوسع في ذلك توسعه في مسائل العلوم الكونية والرياضية.

ولا يخفي علي الباحثين أن هذا التفسير موسوعة جمعت في طياتها ما اكتسبه الإمام الرازي من علوم شرعية ولغوية وفلسفية ورياضية, وكأنه أراد أن يقول كل شيء تعل مه من هنا وهناك حتي يبرئ نفسه من إثم كتمان العلم عن طالبيه, ولهذا نجده قد حشد في كتابه من البحوث التي كان التفسير في غني عنها, لكن لا بأس من ذلك علي الجملة.

وعليك أيها القارئ أن تقرأ من هذا الكتاب ما ينفعك في دينك ودنياك, وتتخطي ما ليس لك به حاجة, فغيرك ممن يحتاج إليه أولي بقراءته, فإنك لو قرأت في هذا التفسير, فسوف تنشأ في ذهنك ملكة التدبر في الكتاب والسنة معا, فتستطيع بهذه الملكة أن تغوص في المعاني أكثر وأكثر حتي تكتشف منها ما لم يكتشفه الرازي وأمثاله بعون الله وتوفيقه.
فالقرآن الكريم كتاب لا تبلي جدته, ولا تنتهي عجائبه, ولا تنقضي لطائفه

يقول الله *عز وجل*: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب *ص: 29*.
وقد أشرت في أول هذا المقال إلي ضرورة النظر في كتب التفسير قبل الإدلاء بأي سانحة ترد علي خاطر المتدبر في هذا الكتاب العزيز فربما تكون هذه السانحة مبنية علي تفكير خاطئ, أو تكون قد نشأت عن قصور في الفهم, أو عن نقص في العلم, وما إلي ذلك.
والمفسرون أنفسهم يرجعون إلي أقوال من سبقهم من الصحابة والتابعين, ثم يتدبرون في القرآن بعقولهم كما أمرهم ربهم مستعينين بالله في فهم كتابه, والعمل بما فيه علي النحو الذي يحبه ربنا ويرضاه.
واعلم إن لم تكن تعلم أن الناظر في القرآن يجد أنه قد اشتمل علي الإيجاز والإطناب, وعلي الإجمال والتبيين, وعلي الإطلاق والتقييد, وعلي العموم والخصوص, وما أوجز في مكان قد يبسط في مكان آخر, وما أ ج مل في موضع قد يبين في موضع آخر, وما جاء مطلق ا في ناحية قد يلحقه التقييد في ناحية أخري, وما كان عام ا في آية قد يدخله التخصيص في آية أخري.

لهذا كان لا بد لمن يتعرض لتفسير كتاب الله تعالي أن ينظر في القرآن أولا , فيجمع ما تكرر منه في موضوع واحد, ويقابل الآيات بعضها ببعض ليستعين بما جاء مسهبا علي معرفة ما جاء موجزا, وبما جاء مبين ا علي فهم ما جاء مجملا , وليحمل المطلق علي المقيد, والعام علي الخاص, وبهذا يكون قد فسر القرآن بالقرآن, وفهم مراد الله بما جاء عن الله, وهذه مرحلة لا يجوز لأحد مهما كان أن يعرض عنها, ويتخطاها إلي مرحلة أخري, فهي أول المراحل في التفسير علي الإطلاق, ويليها النظر في السنة, فإنها بيان للقرآن, مع استصحاب لغة العرب, وما يقتضيه المقام من العلوم الدنيوية, ومع المزيد والمزيد من التدبر والتعقل, والقياس الصحيح للأشباه والنظائر, والتمسك بروح الدين ومقاصده العامة.
وبعد, فإن علم التفسير من أجل العلوم قدرا, وأرفعها منزلة,وأجمعها لخيري الدنيا والآخرة, بل هو المهيمن علي سائر العلوم من قريب ومن بعيد.
فلا يستغني عنه باحث في أي علم من علوم الدين والدنيا