المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إلى الشيخ بلال النجّار ، والإخوة الفضلاء ، أرجو الإجابة



المسترشد الروحي
27-09-2003, 13:40
الشيخ بلال النجّار
السلام عليكم ورحمة الله. أما بعد
فأنا أتقدم إليك شيخنا الفاضل بهذا السؤال الذي سبق وأن طرحتُهُ في
منتدى روض الرياحين ولكنه لم يجد تفاعلاً من قبل الأعضاء ربما لتقصيري في الإيضاح ، أو لعدم رفعي له ... إلخ
فأحببتُ أن أعرضهُ عليك لعلي أجد جوابا كافيا شافيا فأتمنى منك قبول
ذلك
ولعل الإخوة الفضلاء يكتبون ما لديهم فعسى الله أن ينفع بهم
ولكم مني جزيل الشكر
نصّ السؤال :
تعلمون أيها الإخوة شروط الاجتهاد المذكورة المبثوثة في خاتمة كتب علماء الأصول _ أعني أصول الفقه _ .
ومن ذلك اشتراطهم العلم بالكتاب والسنة ، والفقه فروعا وأصولا مذاهبه الأربعة والقواعد الفقهية ، والنحو ، والأصول ، والأدب ، والتفسير ، والحديث ، وحالة الرواة، وموضع الإجماع والخلاف .. إلخ ما ذكروه
فما ردّ الإخوة الفضلاء على قول من يقول :
لا يُعوّل على هذه الشروط التي ذكرها الأصوليون لأنها من كلام البشر ؟
ولأنها لم تجتمع في أحد حتى في أبي بكر وعمر ؟
ولأن كتب الأصول ليست وحيا مُنزلا وإنما هي كتب لبشر ؟
أرجو الإجابة بالرد العلمي للأهمية وشكر الله لكم

جلال علي الجهاني
27-09-2003, 18:11
هذا المعترض أحد رجلين:
إما أنه يبحث في الدليل على هذه الشروط، وفي هذه الحالة فإن الجواب أننا نرجع هذه الشروط إلى أدلتها،
فمثلاً حجة الإجماع أفادت اشتراط معرفة أقوال العلماء، فمعرفة أقوال العلماء ومذاهبهم يفيد في معرفة مسائل الاتفاق والاختلاف، فيحرم مخالفة اتفاق العلماء، ويجوز في حالة اختلافهم الاجتهاد في المختلف فيه ..
ودليل الكتاب والسنة أفاد شرط العلم بهما من أجل الاجتهاد، وهكذا ...
وإما أن يكون هذا المعترض مجرد سفيه متطفل على العلم وأهله، وهذا لا جواب معه .. وإنما نسأل الله له الهداية من الضلال، وأن يهبه العقل ..
فإذا كنت أخي المسترشد بحث شروط الاجتهاد فيمكنك الرجوع إلى أي كتاب من كتب الأصول، يدلك عليها ...
والله الموفق للصواب

المسترشد الروحي
27-09-2003, 20:26
الأستاذ جلال. شكر الله لك جوابَك
وغرضي من السؤال الردّ العلميّ على من يتفوّه بهذه العبارة بالتحديد
( إن الشروط لم توجد في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا فلا يجب الالتزام بها ، لأنها من وضع الأصوليين ، وكلام الأصوليين ليس وحياً منزلا يجب العمل به )
أما بالنسبة لشروط الاجتهاد فهي واضحة لي أعرفها بحمد الله وأعرف شرحها
جزاك الله خيرا وكتب لك بكل كلمة أجراً
ولا زلنا في انتظار تعقيباتكم وآرائكم

جلال علي الجهاني
27-09-2003, 23:34
لكن كل ما استند من كلام أحد العلماء إلى دليل شرعي فهو واجب الالتزام ...
وحتى قوله هذا: (إن الشروط لم توجد في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا فلا يجب الالتزام بها ، لأنها من وضع الأصوليين ، وكلام الأصوليين ليس وحياً منزلا يجب العمل به )، ليس من كلام الله تعالى ولا من كلام رسوله، ولا حجة في هذه العبارة ...
ولكن هذا منطق يجب أن لا يلتفت إليه، فنحن نلتزم بالكتاب والسنة وما يبنى عليهما ويستنبط منهما حجة أيضاً، ولازم الاتباع ... أليس كذلك ؟
وأيضاً لا بد من ملاحظة أن من قرر هذه الشروط استند في إقرارها إلى دليل شرعي، وبالتالي ننقل الكلام إلى الأدلة على كل شرط، وهذا أمر متيسر وسهل ...
وفي ظني -والله أعلم- أن مشكلة هذا القائل ليست علمية، بقدر ما هي مشكلة نفسانية، فهو قد عدم ثقته بأهل العلم، وهذا أمر آخر، لا بد من معالجته والنظر في أسبابه وبيانها ... فإن هناك تيارات كثيرة في عصرنا هذا تريد قطع الصلة والثقة بين الأمة المعاصرة وبين أئمتها، وهذا أمر خطير يجب مواجهته وبيانه، والتذكير بقوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، وقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، والكلام في هذا يطول ..
وفقنا الله لطاعته، ونسأله الهداية لسبيل الرشاد، وأن يجنبنا الإصرار والعناد على خطأ أو ضلال ..

بلال النجار
28-09-2003, 13:15
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ المسترشد الروحي وفقه الله تعالى لما يحب ويرضى، وفى وكفى مولاي الشيخ جلال الجهاني وفقه الله تعالى، ولكن لا ضرر في ذكر مزيد من التفاصيل.

في قول القائل: (لا يُعوّل على هذه الشروط التي ذكرها الأصوليون –أي للمجتهدين- لأنها من كلام البشر؟ ولأنها لم تجتمع في أحد حتى في أبي بكر وعمر؟ ولأن كتب الأصول ليست وحيا مُنزلا وإنما هي كتب لبشر؟)
أقول سمعت أمثال هذا الكلام من أكثر من واحد ممن تحدثت معهم. وقبل أن أتكلم في المسألة، أود أن ألفت نظر الإخوة إلى أن هذه الأسئلة وأمثالها كقول البعض إنه يجوز لي أن أفسر القرآن برأيي، لأن المفسرين قرأوه وفهموه فهماً معيناً، ولي أن أقرأه أنا وأفهمه فهماً خاصاً بي، وأكتب ذلك في تفسير أنسبه لنفسي، وهو لم يحصل بعد قدراً كافياً من العلوم يؤهله لذلك. وكذا الحال بالنسبة لمختلف العلوم، والدينية منها خاصة، لأنها أكثر ما يقع فيها الجدل، لأسباب كثيرة. ولا تجد خصماً لدوداً لأهل الحق فيها، وبالذات من ينازعهم في أحقية الاجتهاد وهو غير متأهل له، إلا وهو صاحب هوى، لا يوافق هواه هذا الدين، فيريد أن يحرفه عن فهم الأغلب الأعم، بحيث يتمكن من مخالفته، واضعاً فهمه السقيم بمكانة اعتذار عما يرتكب من حماقات، كأنه يقول إن مخالفتي مبررة، لكوني قد حصلت دليلاً على جواز ارتكاب تلك المخالفات، وهو لا يدري من حمقه ما الدليل. وإنني لا أسمع مثل هذه الدعاوى إلا ممن هو جاهل بالعلوم عامة وبالدينية خاصة. وسأضحكك قليلاً فقد وقع لي منذ مدة كلام مع من يدعي قدرته على تفسير القرآن دون الحاجة إلى الاطلاع على العلوم والتفاسير السابقة، فقلت له ألا تسلم لي أن المفسر لا بد أن يكون عالماً بالنحو العربي لكي يتمكن من تفسير القرآن، قال نعم. قلت وتدعي أنك متمكن من هذا العلم، فقال أنا أتكلم في فلسفة النحو إن أردت. قلت لا حاجة، أريد أن تعرب لي قوله تعالى: (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف) فقال يطول إعرابها دعنا نؤجل الكلام فيها الآن. قلت: لا، أريد أن تختصر لي إعرابها ولو بإشارات فإني بذلك أفهم. فقال فيما قال: اللام حرف جر، وإيلاف اسم فعل مجرور باللام، وهي مضاف وقريش مضاف إليه، وإيلاف الثانية بدل من إيلاف الأولى ومضاف وهم مضاف إليه، ورحلة مفعول به للضمير هم. والله إن هذا هو ما قاله بالحرف. فلما أردت أن أصحح له بعض الأمور، وقلت له ما هكذا يكون الإعراب وإيلاف ليس اسم فعل، ولا يكون المفعول به مفعولاً من الضمير بل من فعل أو عامل عمله ولذلك ضوابط، تعنت وكابر بما يثير العجب، وانتهى الأمر إلى أنه لا يسلم نحونا وقواعدنا بل تبين أنه له نحواً خاصاً به، فقلت أراك تأخذ من نحونا؟ قال الأسماء فقط. قلت الأسماء بما تعنيه وفق اصطلاحنا نحن؟ فانتبه للسؤال، فقال: لا بل آخذ ما أوافق عليه من معاني الاصطلاحات، وأضع للمصطلحات الأخرى التي أعارضها معاني جديدة كما أفهمها أنا. قلت فماذا تعارض من قواعدنا، قال الكثير، قلت فاذكر لي أمراً واحداً تخالفه، فتهرب. فقلت: ها أنت عارضتني في معنى اسم الفعل مثلاً ولنحصر الخلاف فيه تقليلاً للانتشار، فما معناه عندك؟ فتسفسط بما يكفي لينتهي النقاش. ولكني هدأته ثانية، وحاورته بلطف لأبلغ مقصدي، فاستسلم أخيراً بأنه ليس مطلعاً كفاية على علم النحو. فقلت حسناً، ألا ترى أنك قبل أن تعارض النحاة في فهمهم واختياراتهم لا بد وأن تتطلع على مقالاتهم، لأن الحكم على صحة أو خطأ شيء ما فرع عن تصوره، فلم تعارضهم وتخالفهم قبل أن تفهم ما يقولون؟ فعاد إلى تعصبه، وانتهى الحديث كأسوأ ما يمكن أن ينتهي به حديث، لقد كان أشبه بكارثة، بزلزال، بتخبط البغال لا كلام مجالس الرجال، وقد يصل فيه التعنت والتعصب للرأي ولو كان خاطئاً إلى درجة أن الخصم يكون على استعداد أن يكفر ولا يضيره ذلك من شدة عناده ومكابرته. تلك والله هي السفسطة بأم عينها فكيف يناقش من لا يسلم شيئاً على الإطلاق؟ ولا أجد لهذه المواقف تبريراً غير الهوى الذي يعمي صاحبه عن رؤية الحق، أو قل يمنعه من قبول الحق ولو عرفه، لأنه من كبره وغروره لا يحتمل أن يقال له إنه أخطأ. ومثل هذا ما أهون أن يمرق من الدين، لأن الإسلام قائم على الاستسلام والإذعان للحق. ومن لا يذعن للحق فإني والله أخشى على إيمانه واعتقاده.

أما صاحبنا الذي ينكر على الأصوليين وضعهم لشروط معينة لا بد من تحققها في العالم ليكون له الحق في الاجتهاد، بل ويحرم عليه التقليد بحسب التفصيلات المذكورة في كتبهم رحمة الله عليهم، فنسأله ما وجه هذا الاعتراض والإنكار على هذه القواعد، هل يرفضها جميعاً جملة وتفصيلاً أم أن له مآخذ معينة على بعض تلك الشروط. إن كان الثاني فقل له بين لنا ما وجه اعتراضك على تلك الشروط المعينة، وإن كان الأول فيلزم منه أنه لا يسلم أن هنالك شروطاً للمجتهد من أصله، وهذا لا يسلمه له عاقل. لأنه لو صح ذلك، لجاز لكل من هب ودب أن ينظر في الكتاب والسنة ويستنبط عجائب منها الأحكام، ولحدث لنا من المذاهب بعدد النفوس المنسوبة إلى الإسلام، فلا يستقيم الناس على حال. وهذا لا يقول به مسلم.
ثم إن ذلك خلاف ما دلت عليه الأدلة، فأي معنى يبقى لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) إذا كان الاجتهاد جائزاً لكل من هب ودب. إنه لا بد من وجود خصائص وصفات معينة في الإنسان لكي يدخل في أهل الذكر الذين يجب علينا الرجوع إليهم وسؤالهم. وكذا في قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم). إذاً هنالك من يقدر على استنباط الأحكام ومن لا يقدر على ذلك، فعلى الذين لا يقدرون على استنباط الأحكام أن يردوا الحوادث والمنازعات والمسائل التي تحدث لهم إلى القادرين على استنباط أحكام شرعية فيها. وهؤلاء هم المجتهدون الذين ندعيهم. وعليه شرع الأصوليون في البحث في الأوصاف الواجب تحققها في العالم لكي يسمى مجتهداً، فيتميز عند العام والخاص، ليرجع إليه، وترد إليه المسائل. هكذا هي المسألة، وليس الأمر أن علماء الأصول وضعوا تلك الضوابط والشروط لأنهم أرادوا أن يسدوا على الناس باب الاجتهاد أو يضيقوه ويصعبوه.
ثم إنهم لم يأتوا بشيء من ذلك عن هوى في أنفسهم. فكل شرط من هذه الشروط له أصل ومستند. وانظر مثلاً اشتراطهم للعلم بالنحو، فهل يسلم صاحبنا المعترض أنه لا يمكن لجاهل بهذا العلم في زماننا هذا أن يفهم القرآن والسنة أم لا يسلم ذلك؟ لا ريب أن المعاند في ذلك مجرد مكابر، وعليه فقد وجب علم النحو للمجتهد. وخذ مثلاً معرفة الإجماع والخلاف، فإنه لما تقرر في علم الأصول أنه لا يجوز مخالفة الإجماع، فقد انقطع الاجتهاد في الأمور المجمع عليها، فإن لم يعرف المجتهد الإجماع فلا يؤمن أن يجتهد في مسألة وقع الإجماع على حكم فيها، فيفتي بخلاف الإجماع. وكذا يمكنك أن تفكر في كل شرط من الشروط، فتجد له مسوغاً ودليلاً.
ثم إن المعترض إما أنه يرى عدم شرعية هذه الشروط الموجودة في هذا باب الاجتهاد من أصول الفقه أو يعترض على جميع مسائل هذا العلم المنثورة في أبوابه، أعني أنه يرى عدم شرعية هذا العلم؟ الثاني لا يرد في ذهني أن أحداً ينكر أن الأصول علم شرعي، حتى جهلة السلفية يعترفون بهذا العلم. وعليه فيكون الاعتراض على ما جاء في باب من أبوابه بأنه غير موافق للشرع على ما فهمته من الاعتراض، لا معنى له أبداً. لأن جميع هذا العلم واحد من حيث الاستمداد، ومن حيث الطريقة الكلية التي بها توصل لهذه المسائل. فلم يقبل المعترض بعضه ويترك بعضه؟ إن المنكر لبعضه إن سلم مبادي علم الأصول، ووجدنا هذه الأحكام الخاصة بالمجتهد مستقيمة مع تلك المبادئ فلا يعود لإنكاره لمسائل الاجتهاد دون سائر مسائل الأصول أي وجه، لأن سائر مسائله واحدة مأخذاً ومنهجاً واستدلالاً أي من حيث الطريق الكلية الموصلة إليها.

أما قول السفيه: (إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم تتحقق فيهما شرائط الاجتهاد المذكورة في الأصول) فهذا من أقبح ما سمعته في حياتي. فأي شرط من الشروط لم يتحقق في هذين الصحابيين الجليلين. بقي أن يقول هذا الأحمق إن هذه الشروط لم تتحقق في رسول الله صلى الله عليه وسلم، أستغفر الله العظيم. ووالله إني لأعرف أن بعض الجهلة يقولون أمثال الكلام أو ترواد نفوسهم كما سبق أن أشرت إليه في جواب بعض الإخوة في منتدى الكلام- أمثال هذه العبارات، فيتخيلون الصحابة مساكين كرعاة الغنم في أيامنا هذه لا يفقهون هذه العلوم والدقائق، ويتخيلون رسول الله صلى الله عليه وسلم كبعض الشيوخ الذين يعرفونهم. فالذي يعتقد بذلك لا يعرف هذا الدين، ويقدر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته قدرهم لأنه جاهل بأحوالهم. فأي شرط من شروط الاجتهاد لم يتحقق في الشيخين؟
ولا بد أن يلاحظ السائل أن اشتراط علماء الأصول لمعرفة المجتهد بالنحو والأدب – إن كان يظن أن هذه هي الشروط التي لم تتحقق فيهما- مقصوده أن يضمنوا تمكنه من فهم لغة العرب، لأنه لما فشا الجهل باللغة العربية احتاجوا لوضع علوم إذا حصلها المرء جيداً فقد حصل قدراً كافياً يتيح له فهم اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، والتي كان يتحدث بها النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه، والتي هي المعول عليها في فهم الكتاب والسنة إن لم يكن للفظ وضعاً شرعياً خاصاً. والشيخان كانا من أهل اللغة، بل ومن البلغاء الفصحاء كما تشهد خطبهم ومواقعهم، كشأن الإمام علي رضي الله عنه الذي بلاغته أشهر من نار على علم، وكذا حسان بن ثابت، وابن عباس الذي كان يجلس إليه أهل التفسير وأهل الحديث ثم أهل الفقه ثم أهل اللغة والشعر كما يروى عنه. ويبدو أن هذا المعترض نسي أن سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كان رسول الله وكان يوحى إليه، وهذا النبي الكريم هو أكمل ما خلق الله تعالى، وهو أفضل معلم خلقه الله تعالى على وجه الأرض، وهو الذي علم هؤلاء الصحابة العلوم، واجتهد في تفهيمهم هذا الدين مقاصد ودلائل، ألا ترى نفسك تصاحب عالماً سنة أو سنتين فترى أن علومك زادت بشكل ملحوظ، وفكرك انضبط، وأحوالك اختلفت حتى لكأنك ولدت من جديد، وانقلبت رأساً على عقب، فما تقول أيها المسلم، يا من يعرف رسوله صلى الله عليه وسلم بالعين والمنزلة، ويقدره حق قدره، ما تقول فيمن يصاحب هذا الرسول العظيم ثلاثة وعشرين سنة، يتلقف الكلمات من فيه، ويسأله ويتعلم منه، ويحرص على التشبه به في كل فعل يفعله، ويراقبه ولا يغفل عن شيء يقوله أو يفعله قدر جهده، والنبي صلى الله عليه وسلم كان مركز أنظار الصحابة، وكانوا يتسابقون لخدمته وصحبته ومجالسته والسماع منه، ففي ماذا كانوا يتكلمون، وماذا كانوا يتعلمون منه. أليس غريباً أن يقول قائل إن أبا بكر وعمر، لم يكونا على هذا القدر من العلم بالدين؟ أو أن العلماء المتأخرين فهموا الدين بفهمهم الخاص ووضعوا قواعد لا تستقيم مع الشرع، وكأن العلم هبط عليهم من السماء ضربة، ألا يفكر هذا المعترض بشيء اسمه تاريخ العلم، وكيف بدأ هذا الدين، وكيف تتطور حتى أكمله الله تعالى وارتضاه لنا، وحفظه. ما معنى حفظ الله تعالى لهذا الدين إذا كان علماؤه الأمناء عليه، أئمة المسلمين يتلاعبون به ويأتون بالقواعد والضوابط على خلاف الشرع. ألم يلتفت إلى تلاعبهم هذا وافترائهم على الدين رجل رشيد مخلص للدين من يوم دون الأصوليون هذه القواعد في كتبهم إلى اليوم حتى جاء هذا الفصيح اللبيب واكتشف هذه الخيانة للدين ترتكب من أكابر العلماء، ولا من معترض.

أي شرط لم يتحقق في الشيخين الأجلين اللذين هما أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين بشهادة رسول الله، من أين حصلا هذه الأفضلية إن لم يكونا أعلم الناس بالدين وأتقاهم لرب العالمين، ألم يقل الله تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)؟ فمن أعلم من هذين الصحابيين بالقرآن الكريم من حيث أسباب النزول والتفسير واللغة والناسخ والمنسوخ وآيات الأحكام، من أعلم منهما بالحديث، والأحكام الشرعية، واللغة وهما صاحبا النبي الأكرم وملازماه وهو من هو صلى الله عليه وسلم حتى في اللغة العربية إذ يقول أوتيت جوامع الكلم. ولو قرأ هذا الرجل في كتب أصول الفقه لوقف على مناقشات أصولية في غاية الدقة جرت بين الصحابة، مما يدلل على تمكنهم من علم الأصول. إن ما فعله العلماء بعد ذلك هو أنهم جمعوا هذه القواعد وضبطوها، وأصلوها وفرعوا عليها، وألفوا فيها، فلم يأت علم الأصول بما فيه شروط الاجتهاد هكذا دفعة خارّاً من السماء على الإمام الشافعي أو أبي حنيفة كما يظنه البعض، ولا يمكن أن يوجد علم من العلوم بهذه الصورة أبداً. لأن العلوم تراكمية، تتطور وتنضج وتتنقح بكثرة تداولها والنظر والتأليف فيها، وهكذا حتى تتحرر وتنضبط كل مسألة من مسائلها بل وكل جهة من جهات تلك المسائل. ولا يدعي العلماء والمشايخ أن أصول الفقه علم انتهى البحث والنظر في مسائله، فليشمر ذوو الهمم وليطلبوا هذا العلم، وليرينا أفذاذ هذا العصر ماذا بوسعهم أن يفعلوا لزيادة ضبط وتنقيح هذا العلم الجليل، بدل الانتقاد السلبي الدائم، والذي صار لكثرته يبعث على الاشمئزاز والقرف، إن كان لدى أي واحد اعتراض معين على علم من العلوم، فليكتب في ذلك، وليكن جريئاً بما يكفي إن كان مستيقناً مما يقول، وقادراً على الاستدلال على كلامه، أما هذا النهيق الذي نسمعه في كثير من المجالس بلا طائل فقد سئمناه.
والذي أود قوله أن علم الأصول من أجل العلوم، ولم يعد فقط مختصاً في النظر بكلام سيد المرسلين والكتاب العزيز، بل تعداهما ليصبح علماً آلياً في غاية الرصانة لفهم عامة الكلام، ونقد كتب التاريخ واللغة والأدب وحتى العلوم الطبيعية وغيرها من العلوم الحديثة، ولا يعرف ذلك إلا من قرأ في مسائل الأصول وتأملها كفاية. فتدبروا ذلك.

قوله: (ولأن كتب الأصول ليست وحياً مُنزلا وإنما هي كتب لبشر؟)
أقول: وليس أي تفسير من تفاسير القرآن وحياً منزلاً، ولا أي كتاب من كتب الفقه وحياً منزلاً، ولا كلام ابن تيمية شيخ مشايخ السلفية وحياً منزلاً، فهل يستلزم ذلك رده جملة وتفصيلا؟ إننا قد قدمنا ما معناه أن الشرع لم يعتد بفهم كل من هب ودب للكتاب والسنة، وإنما اعتدت بفهم العلماء. وعليه فيتنزل كلام العلماء في حق العوام منزلة قول الله ورسوله في حقهم، ألا ترى العامي إذا استفتى مؤهلاً للفتيا وجب عليه التزام فتياه، ولا يجوز له أن يخالفها لأنه لم تعجبه تلك الفتيا. وهؤلاء العلماء وضعوا كتباً في مختلف العلوم الدينية بناءً على ما فهموه من مجموع هذا الدين، وفهمهم هذا معتد به شرعاً، وعليه فيسقط الاعتراض على كونه ليس بكلام منزل. ألا ترى أن المجتهد قد يحكم في المسألة فيصيب أو يخطئ، وأنه يجوز العمل بحكمه بل يجب أحياناً دون اشتراط معرفة صحة أو خطأ حكمه. فههنا كلام العلماء ليس بمنزل ووجب العمل به، فلم يشترط السائل كون الكلام منزلاً ليعمل به؟

وقد منح الشرع للعلماء هذه السلطة التي هي سلطة الشرع أصلاً وفق ضوابط وقواعد، بحيث يأتمر الناس بأمرهم ويتبعون كلامهم ما داموا ملتزمين بتلك الضوابط والقواعد. ثم إن مصادر التشريع أعم من الوحي المنزل بمعنى نصوص القرآن الكريم، بلا خلاف، فلماذا يشترط في هذه الأحكام أن تكون نصوصاً في الكتاب؟ فهل استقرأ هذا المعترض مصادر التشريع فوجد أن هذه الضوابط والشروط غير مذكورة فيها؟
ألم ينه ابن عباس رجلاً عن الفتيا حين سأله أتعلم الناسخ والمنسوخ من كتاب الله، فأجابه بالنفي. فلم نهاه ابن عباس عن الفتيا، من أي أتى ابن عباس بهذا النهي والقرآن الكريم ليس فيه نص صريح يقول الله تعالى فيه إنه يجب على المفتي معرفة الناسخ والمنسوخ؟

قوله (إن هذه الشروط لم تجتمع في أحد) باطل لا يسلم له أبداً وذلك لأن هذه الشروط اجتمعت في كثير من الأئمة ومن أشهرهم الأئمة الأربعة. والعلماء مجمعون على أنهم مجتهدون، فكيف يقال إنها لم تجتمع في أحد؟ وهنالك عدد لا يستهان به من الصحابة والتابعين وأئمة الدين في مختلف العصور بلغ رتبة الاجتهاد واجتمعت فيه هذه الشروط. ولكن المعترض يبدو أنه على عجلة من أمره، فهو يريد أن يطلب العلم اليوم ثم في خلال سنة أو سنتين يصبح عالماً مجتهداً، ولا يدري المسكين أن العلماء بذلوا الغالي والنفيس ليبلغوا تلك المرتبة العلية، واستغرقهم ذلك أعمارهم، ووقتهم وجهداً عظيماً وصبراً على طلب العلم وجلداً يثير العجب، مما هو مذكور في سيرهم.
وحسبنا ما قلناه، فإن كان له من اعتراض محدد على شروط الاجتهاد، فأتنا به لنتكلم فيه، ولئلا يبقى الكلام هكذا عاماً، لأنه لا يُنكِر علم أصول الفقه أو بعضه مستنداً إلى هذه الحجج إلا تافه جاهل، لا يعرف ما هو الدين. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

المسترشد الروحي
28-09-2003, 20:30
الشيخ الفاضل بلال النجّار
قلتَ فأبدعت ، وشخّصت فأحسنت ، ورردتَ أجدت
فرحم اللهُ أمّاً أنجبتك ، ورضي عنك وعن والديك وعن شيخك سعيداً
وعن مشايخنا ومشايخك جميعاً ... اللهم آمين


لا تعليق على ما تفضّلتَ به ولكني أصارحك الحديث فأقول : كثير ممن
يتفوّه بهذه الشبهة هم ( اللامذهبيون ) وهم طائفة ممن وثقت الأمة
بهم ، فرفعت قدرهم ، وهم قد زعموا أنهم إنما يأخذون من حيثُ أخذ
الأئمة الأربعة وأتباعهم
وأنهم ليسوا إلا رجالاً مثلهم !!!

يلقون مثل هذه الشبهة ليتسنّى لهم ركوب مطية الاجتهاد بعد ذلك

فرحم الله الفقهاء ، ورضي عنهم


ملاحظة : هناك طائفة كبيرة من السلفيين المتمجهدين في الجزيرة وخارجها
ممن تعرفهم لا يعترفون بشيء اسمه ( علم أصول الفقه ) أبداً
ولذلك لا يدرسونه وإن درسوه فعلى استحياء

فمثلاً .. يشرحون كتاباً كالورقات في أربعة أشرطة فقط !!!
وبعضهم لا يقيم لهذا العلم وزنا للسبب الذي ذكرتُهُ في أصل الموضوع
ولهذا لا يتعرضون لهذا العلم أبداً ...

بلال النجار
28-09-2003, 23:41
أخي المسترشد وفقه الله،

ولك مثل ما دعوت لي وزيادة، وأشكر لك ما أفدتنيه من معلومات بشأن السلفية، فإني ما كنت أظن أن بعضهم ستصل به الجرأة أن ينكر علم أصول الفقه. فإن ابن تيمية لم أعلم أنه أنكره. وهم يتبعون سننه حذو القذة بالقذة، ومن قصدتهم في كلامي حين أشرت إلى من يشكك في العلوم الدينية، ويدعي أنه يقدر على وضع مقابلات لها وينتقدها، هم أناس يدعون إلى التجديد في كل العلوم، ويشككون حتى في المنطق، ويتفلتون من كل القيود. وهم لادينيون جملة، يتكلمون في الفلسفة والعلوم الطبيعية ولا يفهمون منها شيئاً، ويشتغلون بالأدب والشعر، وهم بعيدون عن أصالته وحقيقته، مسحورون بإنجازات الغرب في النقد وعلم النفس والاجتماع، فيهم كثير من التناقض والهوى، وهم في الغالب سفسطانية. وقد ابتليت بمعرفة جملة منهم. أعانني الله على إصلاحهم. والله تعالى أعلم.

والسلام عليكم