المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طريق التصوف، طريق محتف بالمكاره، مليءٌ بالصِّعاب فمسيئ المريدُ الذي يظن أنه سهل بسيط



مرزوق مقبول الهضيباني
27-07-2005, 21:56
بسم الله الرحمن الرحيم
قال سيدي شمس الزمان وخادم الحق الشيخ طارق بن محمد السعدي قدس الله سره العزيز في كتابه "إعلام المؤمنين": "ويتلخص ذلك جميعاً بقولنا: الانضباط الظاهري والباطني بتمام الحكم الشرعي؛ قال الإمام الجنيد :" ما أخذنا التصوفَ مِنَ القِيل والقال، ولكن: عن الجوع، وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمُستحسنات، وكثرة ذكر الله ، وأداء فروضه وواجباته وسُننه، والاتِّباع لجميع ما أمر به، والانتهاء عن جميع ما نهى عنه "اهـ
وقال سيدي الشيخ إبراهيم غنيم :" ( التصوف ): هو الالتزامُ بأحكام الشَّرع، والعملُ بها في عمقها - لا في ظاهرها فقط -، واجتناب العملِ بالحيلة، ورجاءِ شيءٍ من الناس بالعمل "اهـ.
فائدة: ولا شك أن في ذلك من الكلفة والبلاء على النفس ما لا يعلمه إلا الله ، لذلك قال : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا }، { أم حسب الذين آمنوا أن يقولوا آمنا ولمَّا يُفتنون } ..
قال الإمام عفيف الدين عبد الله اليافعي :

فمسيئ هو المريدُ الذي يظن أن الطريق سهل بسيط، بل إن مَن ظن ذلك لا يزال يُقدِّم قدماً ويؤخر أخرى، حتى يُفارق القوم يأساً، أو يوقن الحق في هذا الأمر: أن طريق التصوف، طريق محتف بالمكاره، مليءٌ بالصِّعاب، لا يصلح إلا لمن صحح هِمَّته، وجعل وظائفه همومه، وعلى رأس أولوياته، بحيث يفرغ منها للدنيا - ولو كانت للآخرة -، لا العكس؛ قال سيدنا رسول الله محمد : { أن يكون اللهُ ورسولُه أحب إليه مما سواهما }.
فائدة: ومع بيان هذا الأمر، يظهر: أن الأعمال تزداد بازدياد الدرجات وارتفاع المقامات، فيبطل ما ينسبه بعض المبتدعة إلى الصوفية : أنهم ينتهون إلى رفع التكلييف!! كيف! ومدار العبادة على الأعمال الظاهرة والباطنة؟!
قال تاج الإسلام الإمام الكلاباذي (380 هـ):" أجمع الصوفية: أن جميع ما فَرَض اللهُ تعالى على العباد في كتابه، وأوجبه رسول الله : فرضٌ واجِبٌ، وحتم لازمٌ على العُقلاء البالغين، لا يجوز التخلف عنه، ولا يسع التفريط فيه بوجه من الوجوه لأحدٍ من الناس: مِنْ صِدِّيقٍ ووليٍّ وعارِفٍ، وإن بلغَ أعلى المراتب، وأعلى الدَّرجات، وأشرف المقامات، وأرفع المنازل "اهـ[ التعرف: 58 – 59 ].
تنبيه: وهذه العبارة قد يطلقها القوم ويريدون رفع الكلفة ( أي: المشقة ) في الأعمال، كما قال سيدنا رسول الله محمد : { أرحنا بها يا بلال }، فيختلط على الجاهل بأحوالهم وأقوا لهم الأمر، ويظن بهم الظنون!!
وحول المعنى الباطل - وهو الذي يُروجه المبتدعة لهذه العبارة؛ فِتْنَةً للناس -، يقول الإمام الجنيد - وقد سُئل عن مقالة لبعض المبتدعة الذين يزعمون ذلك فعلاً -:" إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال!! وهو عندي عظيم، والذي يسرق ويزني أحسن حالاً من الذي يقول هذا؛ فإن العارفين بالله تعالى: أخذوا الأعمال عن الله تعالى، وإليه رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عام لم أنقص من أعمال البِرِّ ذرَّة، إلا أن يُحال بي دونها، وإنه لأوكد في معرفتي، وأقوى في حالي "اهـ
وبهذا يتبين بطلان شبهة العصمة في مباشرة المحرمات، التي ينسبها المبتدعة إلى الصوفية .
قال الإمام الكلاباذي :" أجمع الصوفية: أنه لا مقام للعبد تسقط معه آداب الشريعة: من إباحة ما حظر الله، أو تحليل ما حرَّم الله، أو تحريم ما أحل اللهُ، أو سقوط فرض من غير عُذر ولا عِلَّة: ( والعُذر والعِلة: ما أجمع عليه المسلمون، وجاءت به أحكام الشريعة ). ومَن كان أصفى سِرّاً، وأعلى رُتبةً، وأشرفَ مقاماً: فإنه أشد اجتهاداً، وأخلص عملاً، وأكثر توقياً "اهـ[ التعرف: 59 ].
قال الإمام إبراهيم النَّصْرَاباذِيُّ (367 هـ):" ما دامت الأشباح باقية، فإن الأمر والنهي باقٍ، والتحليل والتحريم مخاطبون به، ولن يجترئ على الشبهات إلا مَن تعرَّض للحُرُمات "اهـ
وسئل الإمام أبو علي الروذباري (322 هـ) عمَّن يسمع الملاهي، ويقول: هي لي حلال؛ لأني قد وصلت إلى درجة لا يؤثِّر فيَّ اختلاف الأحوال؟! فقال:" نعم!! قد وصّلَ لَعَمْري: ولكن إلى سَقَر "اهـ"http://www.alhaqonline.net/library/books/