المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القلب وخواطره



ماهر محمد بركات
23-07-2005, 00:33
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، القائل في كتابه المبين: { يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء: 88-89] ، والصلاة والسلام على إمام المرسـلين، سيِّدنا محمَّد وعلـى آله وصحبه أجمعين، القائل:
« إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرَّة » (1)، ورضي الله تعالى عن أصحابه الكرام أجمعين، وعلى رأسهم سيِّدنا أبو بكر الصدِّيق الذي قيل فيه: ( ما سبقكـم أبو بكـر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقَر في قلبه )، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين، الذين يقولون: { رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [آل عمران: 8]. وبعد:
القلب في الإنسان كالهدف للرامي، ينـزل عليه من عالم الغيب الخيرُ والشرُّ بشكل مستمر دون انقطاع, فيكون ككرة عليها بقع سوداء متفرقة، إذا تدحرجت تُرى هذه البقع كالحلقة حول الكرة، لعدم وجود وسعة يظهر فيها الانقطاع، وحال القلب في نزول الخير والشر عليه هكذا. الخير يأتي من الله بواسطة الملائكة، والشر يأتي من الشيطان إلى النفس ومن النفس يصل إلى القلب، فحال هذا القلب أمر غامض، وهو دائماً في تقلُّب.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كثيراً ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف: « لا ومقلِّبَ القلوب » (2).

وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول: « يا مُقلِّب القلوب ثبِّتْ قلبي على دينك » فقلت: يا نبي الله! آمنّا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: « نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلِّبها كيف يشاء » (3). معنى ذلك أن قلوب جميع الناس تتقلب.
والقلب في تقلّبه على واحد من ثلاثة أحوال:
الأول: قلب يأخذ صـاحبُه بمجـاهدة النفس ورياضتهـا واجتناب المعاصي وفعل الأوامر، فيحصل له زكاء وتطهير. وهذا القلب لا يحصل إلا لمن وفَّقه الله تعالى أن يحافظ على قلبه بأن لا يدخله سواه عزّ وجل.
هذا القلب تجد منه الملائكة طيباً وجوهراً فيوجهونه إلى الخيرات، فيتفكَّر بما بعد الموت، ويتفكَّر في مخلوقات الله جلَّ جلاله، ويتفكر في الحشر والنشر والجنَّة والنَّار وفي عذاب الله وعقابه وفي نعيمه، فيغلب على قلب هذا الإنسان وعقله وروحه فعلُ أوامر الله سبحانه وتعالى واجتنابُ نواهيه.
والثاني: قلب منكوس، لا يدخل فيه خير ولا يخرج منه شر، فكأنه في بيت بارد جامد، والعالَم تحت الشمس، فهل تصل إليه حرارتها ؟ لا. وبهذا يذهب على العمى.

والثالث: قلب تنوَّر بالإيمان، لكنه أحياناً يكون في يد الملائكة وأحياناً في يد الشياطين، فملَكٌ يجرُّه إلى خـير، وملَك آخر يجرُّه إلى خـير آخر، وشيطانٌ يجرُّه إلى شر، وشيطان آخر يجرُّه إلى شر آخر، وهو متردِّد بين الملائكة والشياطين، يحاول أن يخلص من الشياطين فلا يستطيع.
وثبات القلب عموماً على ما أراد الله من عباده من النوادر. عصمنا الله وإياكم والمؤمنين جميعاً بجاه سيِّد المرسلين عليه الصلاة والسلام.
وقد بيَّن علماؤنا - رضي الله تعالى عنهم - ما يؤاخذ به العبد من وساوس القلوب وهمِّها وخواطرها وقصودها وما يُعفى عنه ولا يؤاخذ به.

فاعلم أن هذا أمرٌ غامض، وقد وردت فيه آيات وأخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع بـينها إلا على سماسرة (4) العلماء بالشرع. فقد روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « عُفِيَ عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسَها (5) ما لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ » (6)،وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: « إنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ لِلْحَفَظَةِ: إذا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلا تَكْتُبُوها فَإنْ عَمِلها فَاكْتُبُوها سَيِّئَةً، وَإذا هَمَّ بِحَسَنَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها فَاكْتُبُوها حَسَنَةً فَإنْ عَمِلَها فَاكْتُبُوها عَشْراً » (7)، وهو دليل على العفو عن عمل القلب وهمِّه بالسيئة. وفي لفظ آخر: « مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ إلَى سَبْعَمائَةِ ضِعْفٍ ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ » ، وفي لفظ آخر: « وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيئَةً فَأنَا أغْفِرُها لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْها »، وكلُّ ذلك يدل على العفو. فأما ما يدل على المؤاخذة فقوله سبحانه: { إنْ تُبْدُوا مَا في أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } [البقرة: 284]، وقوله تعالى: { وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } [الإسراء: 36]، فدلَّ على أن عمـل الفؤاد كعمل السـمع والبصر، فلا يُعفى عنه، وقوله تعالى: { وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } [البقرة: 283]، وقوله تعالى :{ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ باللَّغوِ في أيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } [البقرة: 225].

والحقُّ عندنا في هذه المسألة لا يوقف عليه ما لم تقع الإحاطة بتفصيل أعمـال القلوب من مبدأ ظهـورها إلى أن يظهر العمل على الـجوارح، فنقول:
أوّل ما يرد على القلب الخاطر، كما لو خطر له مثلاً صورة امرأة وأنها وراء ظهره في الطريق، لو التفت إليها لرآها.
والثاني: هيجان الرغبة إلى النظر، وهو حركة الشهوة في الطبع، وهذا يتولد من الخاطر الأول، ونسميه: ميلَ الطبع، ويسمى الأولُ: حديثَ النفس.
والثالث: حُكمُ القلب بأن هذا ينبغي أن يُفعل، أي: ينبغي أن ينظر إليها، فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنيَّة ما لم تندفع الصوارف، فإنه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات، وعدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل، وهو على كل حال حُكمٌ من جهة العقل، ويسمى هذا: اعتقاداً، وهو يتبع الخاطر والميل.
الرابع: تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه، وهذا نسميه: همَّاً بالفعل ونية وقصداً، وهذا الهمُّ قد يكون له مبدأ ضعيف، ولكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر الأول حتى طالت مجاذبته للنفس تأكَّد هذا الهمُّ وصار إرادة مجزومة، فإذا انجزمت الإرادة فربما يندم بعد الجزم فيترك العمل، وربما يغفل بعارض فلا يعمل به ولا يلتفت إليه، وربما يعوقه عائق فيتعذر عليه العمل.
فههنا أربع أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة: الخاطر وهو حديث النفس، ثم الميل، ثم الاعتقاد، ثم الهمُّ.
فنقول: أما الخاطر فلا يؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار، وكذلك الميل وهيجان الشهوة لأنهما لا يدخلان أيضاً تحت الاختيار، وهما المرادان بقوله صلى الله عليه وسلم : « عُفي عن أمتي ما حدَّثت به نفوسها »، فحديث النفس عبارة عن الخواطر التي تهجس في النفس ولا يتبعها عزم على الفعل، فأما الهمُّ والعزم فلا يسمى حديث النفس، بل حديث النفس كما روي عن عثمان بن مظعون حيث قال للنبـي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! نفسي تحدثني أن أطلِّق خولة، قال: « مَهْلاً إنَّ مِنْ سُنَّتِي النِّكَاحَ »، قال: نفسي تحدثني أن أجبَّ نفسي، قال: « مَهْلاً خِصَاءُ أُمَّتِي دُؤُوبُ الصِّيامِ »، قال: نفسي تحدثني أن أترهَّب، قال: « مَهْلاً رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي الجِهَادُ وَالحَجُّ » قال: نفسي تحدثني أن أترك اللحم، قال : « مَهْلاً فإنِّي أُحِبُّهُ وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُهُ وَلَوْ سَأَلْتُ الله لأَطْعَمَنِيهِ » (8)، فهذه الخواطر التي ليس معها عزم على الفعل هي حديث النفس، ولذلك شاور رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن معه عزم وهمٌّ بالفعل.

وأما الثالث: وهو الاعتقاد وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل، فهذا تردد بـين أن يكون اضطراراً أو اختياراً، والأحوال تختلف فيه، فالاختياري منه يؤاخذ به، والاضطراري لا يؤاخذ به.
وأما الرابع: وهو الهمُّ بالفعل؛ فإنه مؤاخذ به، إلا أنه إن لم يفعل نُظِر فإن كان قد تركه خوفاً من الله تعالى وندماً على همِّه كُتبت له حسنة، لأن همَّه سيئةٌ وامتناعَه ومجاهدتَه نفسَه حسنةٌ، والهمُّ على وفق الطبع، مما يدل على تمام الغفلة عن الله تعالى، والامتناعُ بالمجاهدة على خلاف الطبع، يحتاج إلى قوّة عظيمة، فجده في مخالفة الطبع هو العمل لله تعالى، والعمل لله تعالى أشدّ من جدّه في موافقة الشيطان بموافقة الطبع، فكُتِب له حسنة، لأنه رجَّح جدّه في الامتناع وهمّه به على همّه بالفعل، وإن تعوَّق الفعل بعائق أو تركه بعذر لا خوفاً من الله تعالى كتبت عليه سيئة، فإن همَّه فعلٌ من القلب اختياري.
والدليل على هذا التفصيل ما روي في الصحيح مفصَّلاً في لفظ الحديث. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: « قَالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: رَبِّ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ، فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإنْ هُوَ عَمِلَها فَاكْتُبُوها لَهُ بِمِثْلِها، وَإنْ تَرَكَها فَاكْتُبُوها لَهُ حَسَنَةً، إنَّما تَرَكَها مِنْ جَرَّائِي » (9)، وحيث قال: فإن لم يعملها: أراد به تركها لله، فأما إذا عزم على فاحشة فتعذرت عليه بسبب أو غفلة فكيف تُكتب له حسنة؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: « إنَّمَا يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ » (10)، ونحن نعلم أن من عزم ليلاً على أن يصبح ليقتل مسلماً أو يزني بامرأة فمات تلك الليلة مات مُصِرَّاً، ويُحشر على نيته، وقد همَّ بسيئة ولم يعملها.

والدليل القاطع فيه ما روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إذا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهما فَالقَاتِلُ والمَقْتُولُ فِي النّارِ »، فقيل: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: « لأَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ » (11)، وهذا نصٌّ في أنه صار بمجرد الإرادة من أهل النار، مع أنه قُتل مظلوماً، فكيف يُظن أن الله لا يؤاخذ بالنيَّة والهمِّ؟ بل كلُّ همٍّ دخل تحت اختيار العبد فهو مؤاخذ به، إلا أن يكفِّره بحسنة، ونقضُ العزم بالندم حسنةٌ، فلذلك كُتبت له حسنة، فأما فوت المراد بعائق فليس بحسنة. وأما الخواطر وحديث النفس وهيجان الرغبة فكل ذلك لا يدخل تحت اختيار، فالمؤاخذة به تكليفُ ما لا يُطـاق، ولذلك لما نزل قـوله تعالى:
{ وإنْ تُبدُوا ما في أنْفُسِكُم أو تُخفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } [البقرة: 284]، جاء ناس من الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: كُلِّفنا ما لا نطيق، إن أحدنا ليحدِّث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ثم يحاسَب بذلك، فقال: « لَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ كَمَا قَالَتِ اليَهُودُ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنا، قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا » (12)، فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فأنزل الله الفرَج بعد سنة بقوله: { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَهَا } [البقرة: 286]، فظهر به أن كـل ما لا يدخل تحت الوسع من أعمال القلب هو الذي لا يؤاخذ به. فهذا هو كشف الغطاء عن هذا الالتباس. وكلُّ من يظن أن كل ما يجري على القلب يسمى حديث النفس ولم يفرق بـين هذه الأقسام الثلاثة فلا بد وأن يغلط، وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب من الكبر والعجب والرياء والنفاق والحسد وجملة الخبائث من أعمال القلب؟ بل السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً؟ أي ما يدخل تحت الاختيار. فلو وقع البصر بغير اختيار على غير ذي محرم لم يؤاخذ به، فإن أتبعها نظرة ثانية كان مؤاخذاً به لأنه مختار، فكذا خواطر القلب تجري هذا المجرى، بل القلب أولى بمؤاخذته لأنه الأصل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « التَّقْوَى ههُنا وَأَشَارَ إلَى القَلْبِ » (13)، وقال الله تعالى: { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } [الحج: 37]، وقال: « الإثْمُ حَوَّازُ (14) القُلُوبِ » (15)، وقال: « البِرُّ ما اطْمَأَنَّ إلَيْهِ القَلْبُ وَإنْ أَفْتَوْكَ وَأَفْتَوْكَ » (16)، حتى إنا نقول: إذا حكم القلب المفتي بإيجاب شيء وكان مخطئاً فيه صار مثاباً عليه، بل من قد ظن أنه تطهَّر فعليه أن يصلي، فإن صلَّى ثم تذكَّر أنه لم يتوضأ كان له ثواب بفعله، فإن تذكَّر ثم تركه كان معاقباً عليه. ومن وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعصِ بوطئها وإن كانت أجنبـية، فإن ظن أنها أجنبـية ثم وطئها عصى بوطئها وإن كانت زوجته. وكلُّ ذلك نظرٌ إلى القلب دون الجوارح.

فالاهتمام بالقلب ثابت في الآيات القرآنية وفي الأحاديث النبوية . وقوله صلى الله عليه وسلم: « يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك » (17) يدل على أن الله تعالى أطلعه على تقلب القلوب، فطلب من الله الثبات لقلبه وقلوب المؤمنين جميعاً. فلا بدَّ من المجاهدة، لقول الله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت: 69]، لأننا إذا جاهدنا نخلِّص قلوبنا من سيطرة النفس الأمارة، وعندئذ إذا جاء الشيطان بالوساوس والخطرات نرجو الله تعالى أن لا يؤاخذنا بها.

ولأهمية القلب فإن أهل التصوف مذ سيِّدنا أبي بكر وسيِّدنا علي رضي الله عنهما، وأولياء الله الكمَّل أمثال الشيخ عبدالقادر الجيلاني ومعروف الكرخي والإمام أبي الحسن الشاذلي وشاه نقشبندي والإمام الغزالي وبديع الزمان الأستاذ سعيد النُّورْسي وغيرهم إلى آخر الدنيا رضي الله تعالى عنهم جميعاً يشتغلون بإصلاح هذا القلب، حتى يتوجه إلى الله ويُطهَّر ويُزكَّى وتُطبع فيه الأوامر الإلهية، ويسكِّرون أبواب الشياطين، لأن أهل كل المشارب والمسالك يأخذون من القرآن الكريم.
ولفظُ القلب صراحةً وكنايةً جاء في القرآن الكريم (190) مرة، تشمل (قلب – قلبين – قلوب – فؤاد – أفئدة – صدر - صدور). ولكن قَدَر الله جلَّ جلاله وحكمته أن علماء الظاهر يوجِّهون الناس إلى الأحكام الظاهرة، ويبيِّنون لهم أن هذا حلال وهذا حرام، هذا أمرٌ وهذا نهيٌ، وعلماء الباطن يشتغلون بالقلب، لأنه إذا صلح القلب صلح الجسد، كما أنه إذا صلح أمير البلد يصلح البلد كله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا وإنَّ في الجسد مُضغة إذا صلَحت صلح الجسد كلُّه وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » (18). لكن الاشتغال بإصلاح القلب لا يستلزم ترك ظاهر الشريعة، ومن فعل ذلك فهو مقطوع عن الطريقة والشريعة، بل يجب أن يعمل بظاهره بظاهر الشريعة، وبباطنه بما أمره الله تعالى من إصلاح القلب. نرجو الله تعالى أن يجعلنا ممن تمسَّك بأذيال هؤلاء، وأن يرحمنا من فضله وكرمه.

فالطريقة بدون شريعة عاطلة، والشريعة بدون تصوف ليست مقبولة.
ونبين في هذا الكتاب - بعون الله تعالى - آراء المفسرين رحمهم الله باختصار حول أحوال القلب، وما يترتب عليه من الكفر والإيمان وغير ذلك.

وإنني أستعذر من بعض الأحباب القُرَّاء إذا وجدوا فيما أكتب شيئاً من الأخطاء اللغوية، لأنني لا أتفكر في قواعد اللغة العربية، ولا في الأمور المتعلقة بالألفاظ، فنرجو ممن اطَّلع على شيء من ذلك أن يُصلحه بقلم الإصلاح، فالعدم لا يُنْقَد بالنقصان، وإلا يكون تحصيل حاصل، ولله درُّ سيبويه حيث يقول:

لسانٌ فصيحٌ معرِبٌ في كلامـهِ فياليتَهُ في موقف الحشر يَسْلَمُ

وهل ينفعُ الإعرابُ إن لم يكن تُقى؟ وما ضرَّ ذا تقوى لسـانٌ معَجَّم


نرجو الله جلَّ جلاله أن ينفعنا بديننا وإسلامنا واعتقادنا الصحيح، وأن يرحمنا يوم الحشر بفضله وكرمه لا بأعمالنا، وأن يوفِّقنا لأن نُنَـزِّه قلوبنا عن الأخلاق الذميمة والأوصاف الناقصة، ونهيِّئَها لنظر الله تعالى إليها، فالقلب محل نظر الرب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم (19)» (20).
اللهمَّ اجعلنا ممن يأتونك بقلوب سليمة { يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء: 88-89].

وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

(من كتاب تنزيه القلوب لنظر علام الغيوب لسيدي الشيخ أحمد فتح الله الجامي حفظه الله)
[HR]

(1) أخرجه مسلم.
(2) أخرجه البخاري.
(3) أخرجه الترمذي وحسَّنه.
(4) سماسرة العلماء: نقّادهم وأذكياؤهم.
(5) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: ضبَطَ العلماء أنفسها بالنصب والرفع، وهما ظاهران، إلا أن النصب أظهر وأشهر. قال القاضي عياض: أنفسَها بالنصب، ويدلُّ عليه قوله : إن أحدن حدِّث نفسَه. قال الطحاوي: وأهل اللغة يقولون أنفسُها بالرفع، يريدون بغير اختيارها.
قال تعالى: { وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } [ق: 16]. والله أعلم.
(6) أخرجه البخاري ومسلم.
(7) أخرجه البخاري ومسلم.
(8) قال العراقي: رواه الحكيم الترمذي في النوادر من رواية علي بن زيد عن سعيد بن المسيِّب مرسلاً.
(9) أخرجه مسلم، وأحمد في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(10) أخرجه ابن ماجه من حديث جابر رضي الله عنه دون قوله: ( إنما ). وأخرجه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه « إنما يُبعث الناس على نيَّاتهم ».
(11) أخرجه البخاري ومسلم.
(12) أخرجه مسلم.
(13) أخرجه مسلم والترمذي.
(14) حوَّاز: بتشديد الواو والزاي يعني ما يؤثِّر فيها فيحزُّها، أو يحوزها لرقتها وصفائها ولينها ولطفها.
(15) قال العراقي: أخرجه البيهقي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، والعدَني في مسنده موقوفاً عليه.
(16) أخرجه الطبراني وأحمد من حديث وابصة بلفظ: « وإن أفتاك الناس وأفتَوك ».
(17) أخرجه الترمذي وحسَّنه عن أنس رضي الله عنه، والحاكم وصحَّحه عن جابر رضي الله عنه.
(18) أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
(19) ليس معنى هذا الحديث، كما يفهمه بعض الجهَّال أو المتجاهلين، أنَّ من صلحت نيَّته وصفا قلبه لم يضرَّه ترك الواجبات والعبادات العملية. فإنَّ من صلح قلبه وصفت سريرته لايمكن أن يكون مقصِّراً في حقوق الله تعالى. وإنَّما معنى الحديث أنَّ التلبُّس بصور الطاعات والعبادات دون أن يكون لها جذور من صلاح القلب وإخلاصه لايقرِّب العبد إلى الله شيئاً، لأنَّ الله تعالى كما يرى ظاهرَ أعمالك يرى ماقد استقرَّ في أعماق نفسك.[ أبحاث في القمَّة للدكتور محمَّد سعيد رمضان البوطي ].
(20) أخرجه مسلم.

أحمد يوسف أحمد
23-07-2005, 04:46
بارك الله فيك أخي ماهر
وجزاك الله خيرا على هذه الدرر القيمة

وأريد أن تعرّف لي بالشيخ أحمد فتح الله الجامي تعريفا مختصرا،
و بكتابه تنزيه القلوب لنظر علام الغيوب.
حتى يعم النفع والإنتفاع بالصالحين.
وفقك الله يا أخي الفاضل

ماهر محمد بركات
23-07-2005, 12:05
وبارك فيك سيدي أحمد ونفعنا بك

قم بزيارة هذا الموقع وستجد بغيتك ان شاء الله
http://www.shazly.com/arabic/index.htm

أحمد يوسف أحمد
23-07-2005, 23:19
جزاك الله خيرا يا سيدي الفاضل

ماهر محمد بركات
24-07-2005, 01:35
وجزاك خيراً مثله

أمجد الأشعري
25-07-2005, 09:37
جزاك الله خيرا سيدي ماهر على هذا الجهد المبارك
اتحفنا بالمزيد فالقلب مشغول بالدنيا وخواطرها