المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في مبادي اللغة 1



بلال النجار
13-09-2003, 12:15
بسم الله الرحمن الرحيم


قال العلامة عضد الدين الإيجي المتوفى سنة 756 في شرحه على المنتهى الأصولي للإمام ابن الحاجب المالكي المتوفى سنة 646 هـ:

( مسألة لا تثبت اللغة بالقياس)
(اختلف في جواز إثبات اللغة بالقياس، فجوزه القاضي أبو بكر، وابن سريج، وبعض الفقهاء، والأصح منعه. ولا بد من تحرير محل النزاع أولاً ليتوارد النفي والإثبات على محل واحد).

أقول: هذا شروع في بيان المسألة. ولك تلاحظ حسن تناول المصنف والشارح للمسائل. إذ بدأ بالترجمة لها. ثم ثنى بذكر الخلاف فيها مقدماً قول المخالف. ثم ذكر اختياره بلفظ الأصح من حسن أدبه، وسعة علمه وفهمه، واحترامه واعتباره لقول المخالف. ثم قبل أن يشرع في الاستدلال على اختياره، ذكر كلاماً شريفاً، كثيراً ما يهمله المتباحثون، مع عظم أهميته، وهو تحرير محل النزاع. أي تحديد موضوع القضية بالضبط، لأنه ما لم يحصل تصوره تماماً، وتمييزه وتوحيده بين الحاكمين، فلا يؤمن أن تطلق أحكامهم على أكثر من محل، فتظهر خلافات لم يكن لها من داع. وهذا كثيراً ما يقع بين الناس. وهو أشبه بأن يذكر أحد الناس زيداً في مجلس، فتنهال عليه اللعنات من أناس، ويغضب له آخرون يخاصمون الأولين في شرفه وعفته، حتى إذا اشتدت وغى، وتضرمت ناراً تلف الأباعد والأقارب، واتفقوا على حكمين من أهل كلٍ بان أن زيداً الذي ذمه الأولون هو ابن عمرو، وزيداً الذي مدحه الآخرون هو ابن بكر. فارتفع الخلاف.
فتأمل روعة كلام الشارح حيث يقول: ولا بد من تحرير محل النزاع أولاً. أي قبل أن نبادر بالتجويز والمنع. فالعاقل لا يبادر إلى الحكم أي إلى إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه قبل أن يفهم بالضبط مورد هذا النفي وهذا الإثبات. وكل عاقل في مجتمعنا يقاسي من ذلك، ولك أيها القارئ الكريم أن تلاحظ مدى سخف كثير من الناس، حين تطرق قضية ما في المجالس العامة، وبالأخص إذا كانت دينية. فينقلب كل واحد من الحاضرين إماماً، متكلماً، ومفسراً، ومحدثاً، وفقيهاً، ومجتهداً مطلقاً. وإذا سألته أن يصور لك المسألة لم يستطع، فعلى أي شيء حكم هذا وذاك لا أدري. فتدبر هذا الكلام العالي الشريف من الشارح رحمه الله. واعلم أنه لا يعيب أحداً أنه لا يعرف مسألة ما، ولكن يعيبه أن يتكلم فيها دون أن يفهمها، ويعيبه أيضاً أن يعرف أنه يحتاج إلى معرفة مسألة ما، ثم لا يجتهد في تحصيلها.

ثم قال العلامة العضد:
(فنقول: ليس الخلاف فيما ثبت تعميمه بالنقل كالرجل، والضارب، أو بالاستقراء كرفع الفاعل ونصب المفعول).
أقول: أخرج عن محل النزاع شيئين يتوهم أنهما من هذا النوع من القياس، لكنهما ليسا المعنيين بما ترجم له بالقياس في اللغة، وهما النقل والاستقراء. فبأولى خروج ما سمع عينه من العرب أهل اللغة. ومثل على النقل بالرجل، ووجه التمثيل أن العرب تطلق هذا اللفظ على كل ذكر بالغ من البشر، من لدن آدم حتى يوم سمع منهم مثله، وهذا القدر معلوم مقطوع به، فإذا ولد فينا ذكر وصل سن البلوغ فإنا نسميه رجلاً لا عن سماع من أهل اللغة، فإنهم ما عاصروا هذا الوليد ليقال ذلك، بل لأنه مقطوع بأن لفظ رجل تصدق على كل ذكر بالغ، وهذا ذكر بالغ فيكون من أفراده ومصاديقه. وهو وإن لوحظ فيه نوع قياس إلا أنه مقبول لا نزاع فيه. وقيل بل تعميم الرجل في هذا الوليد باعتبار عموم مسمى الرجل بالوضع اللغوي لهذا الوليد، فيكون إطلاقاً حقيقياً أصلياً لا قياسياَ. وأرى معنى رجل كلياً لا عاماً. فتأمل. وسمى هذا نقلاً مع أنه لم ينقل إطلاق لفظ رجل على عين هذا الوليد، ولكنه نقل أن وليدنا من مصاديقه بالوضع. وهذا قياس قطعاً وإن لم يحتج لذكر مقدماته لظهوره وبداهته. ولعلها: هذا ذكر بالغ، وكل ذكر بالغ رجل، فهذا رجل. وسواء سميته قياساً أو لا، فلا ثمرة من هذا الخلاف إذا علمت أن مثل هذا ليس محلاً للنزاع.

ومثل ذلك الضارب وضعوه على من له الضرب، فكل من وجد فيه هذا المعنى سمي ضارباً. قالوا وليس هذا قياساَ.
فأقول: إذا وضع اللفظ على واحد لا لعينه لأجل معنى فيه ثم عدي لغيره بملاحظة قدر مشترك بينهما، وقطعنا بأنه هو المعنى الذي التفت إليه الواضع وعناه حين سماه، كان هذا قياساً. وإن وضع اللفظ على معنى بحيث يجمع كل رجل دفعة كان عاماً، وإن وضع على معنى بحيث يصدق على كثيرين على البدلية كان كلياً. والأخيران معهما قد يصح منع القياس. وقولي إذا وضع على واحد لا لعينه ثم عدي تحرزاً عن وضعه لعينه، لكي لا يمنع واحد هذه التعدية، لأن من يطلق على واحد بعينه لعينه أمراً فإنه يلاحظ مشخصات كثيرة له، وتعدية الاسم لغيره تتطلب وجود مثله. والمثلان المتطابقان لا يوجدان. والحق أنه لا يعقل أن يكون لفظ كالرجل والضارب قد أطلق على واحد بعينه لذاته من حيث هو شخص، بل السائغ الجاري عادة هو إطلاقه أولاً على واحد لا من حيث هو كذلك شخصاً وواحداً ليمنع إطلاقه على غيره قياساً عليه، بل من حيث هو رجل أي متصف بمعنى البشرية وذكورة والبلوغ، ومن حيث هو ضارب أي له الضرب. فبان أن القول بالقياس وعموم الإطلاق وكليته سائغ غير متعارض بالنتيجة. والله تعالى أعلم. ولكنا فرضنا القطع بعلة الإطلاق، وهذا القدر ليس بمتحقق بل العلة مظنونة فيه كما سترى، فساغ الخلاف.

والثاني الذي أخرجه عن محل النزاع هو ما عرف بالاستقراء. ومثل عليه برفع الفاعل، فإنه لا يعقل أن نقلة اللغة قد سمعوا من العرب رفعهم لكل لفظ بعينه ورد فاعلاً، ولكن ما حصل أنهم حين استقروا كلامهم وجدوا أنه ما من اسم معرب ورد فاعلاً إلا وقد رفعوه، فحصل لهم من ذلك قاعدة كلية، يكون كل ما وقع فاعلاً من مصاديقها، مفادها أن كل فاعل فهو مستحق للرفع، فرفعنا لفاعل لم نسمع رفعه منهم تطبيقاً على هذه القاعدة قالوا ليس بقياس. وهو خارج عن محل النزاع. والكلام فيه كسابقه من حيث هل هو قياس أم لا. ولا نختلف على الاسم ما دمنا متفقين على أن هذا المعنى وأمثاله خارج عن محل النزاع. ثم لو نازع واحد بأن الاستقراء قياس، وأن رفع الفاعل تطبيقاً على القاعدة المذكورة قياس، لكان له وجه معتبر. لذلك أشرت في بداية الكلام إلى أن ما سماه العلامتان المصنف والشارح نقلاً واستقراء ومنعا كونهما قياساً، قد يقال إنهما نوعا قياس، ولكنهما غير مختلف في كونهما مقبولين غير ممنوع استعمالهما. فتأمل.
ثم قال العضد رحمه الله تعالى:
(وإنما الخلاف في تسمية مسكوت عنه باسم إلحاقاً لمعنى تدور التسمية به معه وجوداً وعدماً، فيرى أنه ملزوم التسمية. فأينما وجد وجب التسمية به، كتسمية النبيذ خمراً إلحاقاً له بالعقار لمعنى هو التخمير للعقل المشترك بينهما الذي دار معه التسمية، فما لم يوجد في ماء العنب لا يسمى خمراً بل عصيراً، وإذا وجد فيه سمي به، وإذا زال عنه لم يسم خمراً بل خلاً. وكذلك تسمية النباش سارقاً للأخذ بالخفية، واللائط زانياً للإيلاج المحرم)

أقول: بين محل النزاع حصراً في تسمية مسكوت عنه أي ذلك (المعنى) أي المسمى الذي لم ينقل عن أهل اللغة استعمال (الاسم) أي اللفظ محل البحث، فيه إلحاقاً لمعنى أي بسبب ملاحظة معنى في ضمن المسمى، دارت تسمية أهل اللغة له بهذا الاسم محل البحث وجوداً وعدماً. أي أن المستقري للغتهم لاحظ أنه كلما وجد هذا المعنى في شيء سموه بهذا الاسم وكلما لم يوجد لم يسموه به. ثم برز لنا شيء سواء كان جديداً لم يكن في زمانهم، أو أنه كان في زمانهم ولكنهم سكتوا عن تسميته بهذا الاسم، أو سكتوا عن تسميته مطلقاً، فهل يحق لنا أن نسمي كل شيء لاحظنا فيه ذلك المعنى الذي دار مع تسميتهم لشيء غيره بهذا الاسم وجوداً وعدماً بنفس هذا الاسم أم لا؟ أي بحيث يكون ذلك المعنى ملزوم التسمية، والتسمية لازمه، فكلما وجدناه في شيء وجب علينا تسميته به، وكلما عدم وجب علينا منع الاسم عنه.
ومثل عليه بالنبيذ إذا طال نبذه فأسكر سميناه خمراً إلحاقاً له بالمسكرة المصنوعة لتلك الغاية، وإن انتفى عنه وصف الإسكار بأن لم ينبذ طويلاً فلم يتخمر بقي عصيراً ولم يصح تسميته خمراً، أو بأن حوّل بالصناعة إلى ذلك الشيء المخصوص الذي لم يعد فيه ما يخمر العقل سمي خلاً. وكذا مثل عليه بالنباش يسمى سارقاً، واللائط يدعونه زانياً. والمثالان واضحان.

ثم قال: (إلا أن يثبت في شيء من هذه الصور نقل أو استقراء، فيخرج عن محل النزاع، فلا يكون المثال مطابقاً ولا يضر، فإن المثال يراد للتفهيم لا للتحقيق)
أقول: هذا معنى شريف لا بد لطالب العلم من الانتباه له، وهو أن المثال يورد لتفهيم المعنى لا لتحقيقه، والمنازعة في المثال من حيث كونه صحيحاً أوْ لا ليس من دأب العقلاء، إذ المعنى المراد تحقق بالكلام الكلي دون الحاجة إلى التمثيل بجزئيات. وليس معنى هذا أن المثال لا يناقش من هذه الجهة، أي أنه ليس من حق أحد أن يبحث في انطباق الحكم الكلي على ما يورد أمثلة عليه، ولكن التدقيق والمنازعة فيه غير محمودة لكونه أشبه بافتراض تسلم صحته، ليلاحظ فيه ذلك المعنى الكلي المقصود بالذات، فيتعمق فهمه. والمنازعة في غير المقصود بالذات مما يزيد الانتشار ويبعد عن غايات البحث. فتنبه. وهذا ما أشار إليه بقوله: إلا أن يثبت في شيء من هذه الصور نقل أو استقراء فيخرج عن محل النزاع. أي أننا نفترض بحسب ظننا أنه لم يثبت في مثالينا نقل ولا استقراء، فمثلنا بهذه الصور أو الأمثلة، فإن ثبت فيها شيء من ذلك فليعلم أنهما يخرجان عن محل النزاع، ولا يكون التمثيل صحيحاً، ولكن حتى لو ثبت ذلك فمقصود التمثيل من تقريب المعنى الذي نريده وهو القياس في اللغة قد حصل.


ثم قال العلامة العضد رحمه الله شارحاً:
(لنا: أن القياس في اللغة إثبات اللغة بالمحتمل، وهو غير جائز. أما الأولى فلأنه يحتمل التصريح بمنعه، كما يحتمل باعتباره، بدليل منعهم طرد الأدهم والأبلق والقارورة، والأجدل، والأخيل وغيرها مما لا يحصى. فعند السكوت عنهما يبقى على الاحتمال).
أقول: شرع بعد أن حرر محل النزاع بذكر قوله واختياره مقترناً بالدليل. لأن الاختيار لا معنى له دون قرنه بالدليل المرجح لواحد من المحتملات المعتبرات على البقية، وهذا المنهج لا بد لطالب العلم من فهمه وتعوده وتشربه، لأن الاختيار إن لم يكن عن دليل مرجح فلعمري عن أي شيء يكون سوى الهوى والتشهي، وأمثال هؤلاء الأئمة والله ما رأيت واحداً منهم –على الأقل في القدر الذي اطلعت عليه من بحوثهم- يقول بقول هكذا لا عن دليل ولمجرد أنه وافق هواه، بخلاف كثير من الكتاب من أهل البدع، ولك في كتب الفلسفة أمثلة كثيرة، وفي كتب الشيعة أن تحدث ولا حرج، وكتب السلفية تجد هذا الأمر السمة العامة، وعند الكتاب المعاصرين تجد كثيراً منهم لا يفقهون معنى الدليل، فمن مرجح لكونه يتوهم أمراً ما، أو يحس إحساساً باطنياً عميقاً بصحة ما يقول وأمثال ذلك مما لا ينتهض مرجحاً ودليلاً، ولا يبلغ بصاحبه غلبة الظن.

واستدل على بطلان القياس في اللغة على النحو الذي بينه، بأنه لا يفيد القطع بأن اللفظ وضع لذلك المعنى. أي أن غاية ما أفادنا القياس ههنا هو احتمال وضع اللفظ للمعنى لا ثبوت وصحة وضع اللفظ له، وفرق كبير بين الأمرين. ولكن مجرد احتمال وضع اللفظ للمعنى لا يصحح الحكم بالوضع له. والقول به بناء على القياس تحكم، لأن الحكم ليس هو عين نتيجة القياس، كما أن الحكم هو عين المتنازع فيه، وهو ممنوع، والأصل أن القائس مستدل بهذا القياس على إثبات حكمه، فأين نتيجة القياس التي توجب حكمكم.

ولاحظ أن المصنف والشارح ادعيا أمرين. الأول: أن القياس في اللغة إثبات للغة أي للوضع بمجرد الاحتمال، وقد بيناه. والثاني: أن هذا لا يجوز. ثم استدلا على كلا القضيتين. أما القضية الأول: فاستدل عليه بقوله: (فلأنه يحتمل التصريح بمنعه كما يحتمل باعتباره) أي أن المعنى الذي دار معه اللفظ وجوداً وعدماً، يحتمل التصريح من واضع اللغة بمنع اعتباره علة لتعدية إطلاق اللفظ على كل ما وجد هذا المعنى فيه، كما يحتمل التصريح من الواضع باعتباره والتعدية لأجله. واستدل على منع الواضع للقياس بالأدهم، فإنهم مع كون الأدهم دائراً مع السواد وجوداً وعدماً والأبلق دائر مع التخطيط من السواد والبياض كذلك لم يعدوا لفظي الأدهم والأبلق إلى غير الفرس. وكذلك القارورة والأجدل والأخيل دائرة على ما فيه قرار، وقوة، وخيلان. والقارورة المعروفة. والأجدل الصقر، ولم يعدوه إلى كل ما فيه قوة، والأخيل طائر الشقرّاق أو الصُّرَد والخيلان بكسر الخاء وتسكين الياء، جمع خال وهو الشامة، صفة لونه، فإنه منقط كأن على جسمه الخيلان. هذا ما فهمته من مجموع القاموس واللسان. فتأمله، وانظر إطلاق الأخيل على غير الطائر هناك. والحاصل أن الاسم لما لم يطرد إطلاقهم له على كل ما وجد فيه هذا المعنى، امتنع كون ذلك المعنى وحده علة لإطلاق الاسم. وعليه فإن سلم دورانه مع التسمية عدماً فلا يسلم دورانها معه وجوداً، فها قد وجد السواد في الغراب مثلاً ولم يسم بالأدهم.


قال الشارح العلامة عضد الدين:
(وأما الثانية فلأنه بمجرد احتمال وضع اللفظ للمعنى لا يصح الحكم بالوضع، فإنه تحكم باطل. وأيضاً يجب الحكم بوضع اللفظ بغير قياس إذا قام الاحتمال، وهو باطل بالاتفاق).

أقول: واستدل على عدم جواز ذلك بأن مجرد احتمال أن يكون الواضع وضع هذا اللفظ لذلك المعنى لا يثبت هذا الوضع. فيبقى محتملاً للنقيض. فإثبات الوضع بمجرد الاحتمال تحكم، لأنه إثبات للمتنازع فيه بلا مرجح. لأن غاية ما يثبتونه الاحتمال في مقابل احتمال النافي، فلا فضل لقولهم. ثم استدل أيضاً بأنه إذا كان القياس أثبت الاحتمال وقبلتموه دليلاً على الوضع لمجرد ذلك، فعليكم أن تثبتوا الوضع كلما ورد احتمال ولو من غير القياس، ولكن لا نحن ولا أنتم نقول بذلك. فهو باطل بالاتفاق. فهذا اللازم الباطل المبطل لهذا القول، لازم أيضاً لقولكم بالقياس في اللغة، فيكون باطلاً. تأمل.

ثم شرع في سرد حجج المخالف والجواب عنها، فقال:

(قالوا أولاً: دار الاسم مع المعنى وجوداً وعدماً، فدل على أنه المعتبر، لأن الدوران يفيد ظن العلية. الجواب: المعارضة على سبيل القلب بأنه دار أيضاً مع المحل ككونه ماء العنب، ومال الحي، ووطأ في القبل، فدل على أنه معتبر كما ذكرتم. فالمعنى جزء العلة، فلا يستلزم).
أقول: أول حجة للمثبت أنا نلاحظ دوران الاسم مع المعنى وجوداً وعدماً، وقد بينا معناه، فهذا الدوران أفادهم الظن بعلية ذلك المعنى لإطلاق الاسم. وكلامهم جيد إذا أثبتوا أن هذا المعنى علة تامة للإطلاق، ولكن لما لم يكن ذلك بمقدورهم، أجاب على سبيل المعارضة قالباً استدلالهم بهذا الوجه له عليهم: أن الاسم دار أيضاً مع المحل أي الذي قام به المعنى. أي أنكم حين سميتم نباش القبور سارقاً عللتم ذلك باشتراكهما في معنى أخذ المال خفية وجعلتموه علة هذا الإطلاق الدائرة مع الاسم وجوداً وعدماً، فنقول لكم لم لا يكون اسم السارق دائراً مع محل معنى الأخذ خفية أيضاً وهو مال الحي لا الميت، لا مع نفس المعنى فقط، فيكون ما ادعيتموه علة تامة للتعدية جزء العلة لا تمامها. فلا تصح تسميتكم النباش سارقاً.
والكلام فيه كالكلام في النبيذ، فلم لا يكون اسم النبيذ دائراً مع محل معنى التخمير للعقل أيضاً، وهو ماء العنب، لا مع التخمير فقط، فيكون التخمير جزء علة تسميته نبيذاً، وجزؤها الآخر المتمم هو محل هذا المعنى وهو ماء العنب، ودوران كل مع الاسم وجوداً وعدماً، فلا يكون النبيذ خمراً. وفيه نظر. ولو أفهمَ كلامه أن اسم النبيذ لم لا يكون دائراً مع المحل فقط وهو ماء العنب لكان أقوى لئلا يرد أن بعض ما يسمى نبيذ لا يخمر العقل، ولكان محققاً للمعارضة المقصودة. ولعله قصد ذلك وقوله بعد ذلك فالمعنى جزء العلة على التغليب. أو لعلني قصرت في فهمه فيقرب لنا المثال على كلامه من آتاه الله تعالى الفهم وأخرجه عن الوهم.
وكذلك الحال في الزاني قلتم سمي زانياً للإيلاج في موضع محرم، قلنا لم لا يكون هذا المعنى جزء العلة لا تمامها، وكما دار الاسم معه وجوداً وعدماً دار أيضاً مع محل هذا المعنى وهو القبل لا الدبر. فلا يتعدى الزاني للائط بل يقتصر على الوطء المحرم في القبل.
قوله (فالمعنى جزء العلة فلا يستلزم) أي التعدية وتسمية غيره به لكون العلة ليست تامة مستقلة. وفيه بحث للعلامة المحقق سعد الملة والدين أعلى الله درجته. فانظره في حاشيته، وفقك الله لإحكام فهمه.

ثم أورد العلامة عضد الدين ثاني حججهم قال:
(قالوا ثانياً: ثبت القياس شرعاً فيثبت لغة، إذ المعنى الموجب للثبوت فيهما واحد، وهو الاشتراك في معنى يظن اعتباره بالدوران. الجواب: لا نسلم أن المعنى واحد، إذ المعنى في الشرع بالحقيقة هو الإجماع على ثبوته، أو ذلك مع الإجماع، ولم يتحقق ههنا)

أقول: حجتهم ههنا في إثبات القياس في اللغة أنه عين القياس في الشرع من حيث الصورة، على سبيل إلزام النافين بأنكم لم قلتم بهذا الطريق في الشرعيات خاصة دون غيره. أي أن طريق القياس إن كانت صحيحة جازت مطلقاً في الشرعيات وغيرها، والأليق بالنافي منعها مطلقاً في الجميع.
والجواب سلمنا أن القياس في اللغة فيه معنى القياس في الشرعيات، لكن الثاني قام الإجماع على جوازه والاعتداد به، بخلاف الأول فإنه لم يجمع على جوازه.
قوله: (أو ذلك مع الإجماع): أي أن المصحح لاعتبار الشرعي دون غيره هو القدر المشترك بين القياسين مضافاً إليه الإجماع، لا ذلك القدر المشترك فقط، فيكون القدر المشترك بين القياسين جزء المعنى الموجب لاعتبار القياس الشرعي لا كل المعنى. وتحقق جزء المعنى الموجب لاعتباره في القياس اللغوي لا يوجب اعتباره لافتقاره لجزئه الآخر وهو الإجماع.
قلت: والقياس الشرعي معتد به حكماً لله في حق القائس المؤهل ومقلده، صح فأجر بأجرين أو أخطأ فأجر بأجر، فالظن ههنا معتد به وإن لم يصح، فورود احتمال خلافه لا يبطله، بخلاف القياس في اللغة، فإن إطلاق اللفظ لمعنى بالقياس من أين يثبت وضعه له مع ورود احتمال خلافه. فثبت الفرق بين الحالين. لأن الوضع لا يكشف عنه بالعقل، بخلاف الحكم الشرعي فإنه وإن لم يتأد بالمجتهد للحكم المطابق لحكم الله تعالى في الواقعة فإنه إما أن يصوب على قول المصوبة أو يقبل ويعمل به على قولنا. ولا يشترط في الاجتهاد أن يكشف عن الحكم الصحيح في نفس الأمر كما يفعل الإجماع. ثم إن الإجماع صح اعتباره جزء الموجب لاعتبار القياس الشرعي، لأن الإجماع قام حجة في الشرعيات دون غيرها، فلو أجمعت الأمة على أمر في غير شرعي فلا اعتبار بهذا الإجماع إلا من جهة إفادته الاتفاق وارتفاع الخلاف في ذلك الزمان، وعليه فلو وقع إجماع بجواز القياس في اللغة لما منع الخلاف في ذلك، ومن تأمل لعله يجد فوارق أخرى.

ثم أورد العلامة العقد في شرح المصنف إيراد المثبت على التضعيف، قال:
(فإن قيل فبم أوجب الشافعي رحمه الله قطع النباش، وحد النبيذ؟
قلنا: ذلك إما لثبوت تعميم السرقة والخمر بالنقل، وإما لقياسهما على السارق والخمر قياساً شرعياً في الحكم، لا لأنه يسمى سارقاً وخمراً بالقياس في اللغة) اهـ

أقول: أرادوا إلزامه بأن الشافعي اعتبر القياس في اللغة في حده النباش بقع يده كالسارق، فأجابهم بأن الشافعي رضي الله عنه بكل حرف لفظه، وقرأه وردده القراء والمتفقهون وكلما عمل بفقهه العاملون: قاس النباش على السارق قياساً شرعياً فحده، لا أنه سماه سارقاً فلزمه أن يعامله بالأحكام اللازمة للسارق. فهذا قياس شرعي، وليس قياساً في اللغة.

هذا وإن في حواشي السعد والهروي والشريف، أكثر من بحث شريف، لم نتعرض لبعضها بغير الإشارة. وكم أحب أن يرجع لها المهتمون، فيكتب المؤيدون والمعارضون، ونتباحث معاً بما يعمق فهمنا لهذه المسألة، والله ولي التوفيق والإثابة، ولمثل هذا فليعمل العاملون. حتى إذا هدأ البال، وهدأت ساحة السجال، قبضت قبضة من أثرهم تترى، وألقيت مسألة أخرى في هذا المنتدى للبحث. والحمد لله رب العالمين.