المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبو حيان التوحيدي



عماد الزبن
26-06-2005, 14:08
أبو حيان التوحيدي
الشخصية الدينية وأدب التصوف
(الإشارات الإلهية نموذجاً)


بقلم أبي المنذر
عماد أحمد الزين

تقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد رسول الله إلى العالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإنّ، دارس التوحيدي في أي بعدٍ كان، يشعر أنه أمام رجل مظلوم ظالم، حاول أن ينتظم ذاته فزادها شتاتاً، وحاول أن يعزها فزادها ضعةً وخذلاناً، فراح يفتش عن ذاته بعيداً عن دنيا التكثر، بعيداً عن دنيا التعدد، هناك في عالم الروح، حيث الوحدة والعزلة والغربة عن الغربة، يعتكف في محراب ذاته شاكياً باكياً صارخاً مستصرخاً. كل هذا تعيشه وتحسه، وأنت تقرأ كلمات التوحيدي، فيصعب عليك التخلي عن الاستجابة، أو الهروب من التفاعل.
هذه الحالات الوجدانية تفرض نفسها على قارىء التوحيدي، فيرى نفسه منساقاً في تباريحها، منسجماً مع أناتها وعبراتها. وتراك دائماً مضطراً إلى الاستجابة لهذا التلوّن الوجداني، مع ذات اعتقدت ما انتقدت، وتخلت عمّا ألحت عليه.
وتفترض هذه الدراسة أن التوحيدي حرّ في بنائه الثقافي، لا يلتزم طريقة فكرية معينة، ولا تتمدد أدواته الثقافية ليحكم بها على كل شيء ويقرر بها أي شيء.
وحاول الباحث أن يقترب من الإشارات في مناجاتها ومناغاتها، ، فتبايت اللغة في أثناء الدراسة بما يلائم المقام.
وتظل هذه المحاولة متواضعة أمام تراث علم كالتوحيدي، ولكن حسبها أن لامست هذا التراث العظيم لهذه الأمة، علها تستفز إلى استكناه المزيد.
وكتب
عماد الزبن
أبو المنذر


البعد الأخلاقي في شخصية التوحيدي:
كان أبو حيان يسعى إلى الدنيا محاولاً ما يطمح إليه منها، فلم يحصّل منها إلا البؤس والذلة، لقد عظم الناس فأذلوه، وجاد عليهم فحرموه، ورافقته نفس عظيمة، وهمة سقيمة، فعاش في بؤس، ورضي من الغنيمة بالإياب، وتقطعت دونه الأسباب، وغلقت في وجهه الأبواب، الدمع مداده، واليأس رفيقه، رجل «خلقته البأساء، وأنشأه الحقد على الموهوبين من أهل العلم والأدب والجاه، ولن تجده في صميم أدبه إلا رعداً يزمجر كلما مرّ بباله خاطر الغنى والفقر والنعيم والبؤس والنباهة»( )، وكيف يكون حال رجل سليط لسانه على الذين يرجو عندهم تحقيق رغباته؟ هذا أبو حيان، عظيم في بلاد الأنين، يتأوّد مع ريح الشكوى، ويألف صحبة البلوى، ويكسو عرائس أفكاره عبرات ثوبه الرديم. «فإذا اتفق لصاحب هذا المزاج لسان حاد، وحس مرهف، أصاب الناسَ منه شر كثير، وأصابه منهم شر كثير، ثم عرضه لعداوات تزيد من خذلانه، وتضاعف من حرمانه، وتعينه على التشكي والتظلم»( ).
كان أبو حيان مبتلىً بالذم، راغب فيه أبداً، ذمه شيخه السيرافي يوماً، لأنه يأبى إلا الاشتغال بالقدح والذم وثلب الناس، فيجيب أبو حيان: «أدام الله الإمتاع به، شغل كل إنسان بما هو مبتلى به مدفوع إليه»( )، لقد أنتج صراعه مع عصره نفسية منقبضة، تشعره بالحقد الدائم على كل شيء حوله، ويزداد هدير حقده كلما لحّ عليه شعوره بالصغار والهوان، فيدفعه إلى شكل من أشكال الانتقام، إنه كما وصفه ياقوت «سخيف اللسان، قليل الرضى عند الإساءة إليه والإحسان، الذم شانه والثلب دكانه»( )، وكان من مظاهر انتقامه كتاب «مثالب الوزيرين»، الذي اعترف فيه التوحيدي بالجور وعدم الإنصاف، فقال: «فكيف الإنصاف في هذين الرجلين وعلى هذين الحدين، مع سرف الهوى ووقدان الغيظ، وعادة الجور، وداعية الفساد، وصارفة الصلاح»( )، أليس من الجور وتعدي سياج الحق قول أبي حيان في «المثالب»: «وحدثني أبو الغادي الصوفي. قال: كنت عند العميد ببخارى، وقد جرى ذكر ابنه أبي الفضل فقال: كنت أشك في ولادته قبل هذا، والآن فقد تحقق عندي ما كان يريبني منه، فإن الإناء رشاح بما فيه»( )، فما كان إلا أن جعل الرجل يعترف بفحش زوجته، وينكر ولده على الملأ وهو من هو. لقد كان هذا الكتاب سبة في تاريخ التوحيدي، أظهر جانباً من أخلاقه في تلك المرحلة من حياته( ).
واشتهر عن أبي حيان في هذه المرحلة من حياته، قبل نزوعه إلى تصوفه الأخير، الاتهام بالوضع، وهذا أمر يشكل محوراً مهماً في البعد الأخلاقي لشخصيته. وأوضح مثالٍ على ذلك رسالة السقيفة( )، التي اعترف التوحيدي بوضعها، وبين ابن أبي الحديد وضعها فيما ذكره من أدلة في «شرح نهج البلاغة»( ) وحاول الأستاذان، إحسان عباس وعبد الرزاق محيي الدين، ردّ الوضع إلى ما يشبه مجرد صوغ فكرة سابقة بأسلوب أدبي خاص( )، ولكن يشغّب على هذا الطرح اعتراف أبي حيان بالوضع، والاعتراف سيد الأدلة. يقول أبو حيان عن هذه الرسالة: «هذه الرسالة عملتها رداً على الرافضة، وسببه أنهم كانوا يحضرون مجلس بعض الوزراء، وكانوا يغلون في حال علي، فعملت هذه الرسالة»( ).
وربما يكون أبو حيان قد ورث عن الجاحظ أسلوبه في الوضع، وهو الذي ارتضاه التوحيدي أستاذاً وقلّد أساليبه، إلا أنّ الجاحظ كان يصرح بالوضع، والتوحيدي كان وضاعاً ولا يصرح( ).
وبعد؛ فهذه بعض الجوانب التي يمكن الوقوف عليها من أخلاقيات التوحيدي، في مرحلة كان يعصف فيها يأس وإخفاق، وحقد وإحباط، وحزن وحرمان. فصول من العذاب والشقاء ألجأته في آخر تسياره إلى معين التصوف، التصوف الحقيقي الذي يزهده في الخلق، ويعود متصوفاً كما بدأ، ويحط رحاله بعد رحلة مضنية في رحاب العزلة، ويركن إلى التجلي في نفحات الأنس، متخلياً عن دنيا نفرت وشردت بعيداً عن أحلامه.
البناء الفني للرسالة في الإشارات ( قادم إن شاء الله )

عماد الزبن
27-06-2005, 14:00
الإشارات الإلهية
الموضوع
البناء الفني
إشارات التوبة:
ألّف التوحيدي هذا الكتاب( ) ليكون متنفساً لذات معذبة محبطة، وتمرداً على حياة شحيحة يتمدد فيها العراء بمقدار ما يتضاءل الغطاء، كانت هذه الإشارات نفثات النزوع النفسي، ونداءات الطهر القدسي، كانت واحة من الأمان، ينتجع فيها الراحة من الحرمان. ويطلب هدأة روح تتخفف من أوزارها، وتضع أثقالها، بعد طول الطراد والتسيار في عالم من البوار.
إذن سقطت أمثولة الطموح في دنيا المادة، واندكت صُوَى الأمانيّ في غيابة الخذلان، ولم تنفع الدنيا طالبها، ولم يرو السراب وارده، ولم يبق في الأرض أنيس للروح، إلاّ تكن به لا تكن بغيره. وادّكر صاحبنا بعد أمّةٍ روحه، فاتجه إلى تحصيل الأصول بعد أفول الفضول، وبدأ بمناجاة السماء فثَمَّ كنز الروح.
كان التوحيدي فقيراً «وكان فقره حاجة مادية تضن بالضروري من العيش، كان فقر رجل اضطرته الحاجة إلى التفتيش عن البقول في الصحراء، فأصبح فقراً إلى الرحمة، بل إلى المعرفة، بل إلى الوصول الصوفي»( )، لم يستطع صاحبنا التغلب على فقره، فصار من فقراء الصوفية، بل عاد إلى فقراء الصوفية، عاد إلى نشأة تجنّى عليها حين مخر عباب الأطماع( )، وشرد عنها في اصطناع أهل الدنيا ومجاراتهم، كانت نشأته على التصوف حائط الصمود في وجه الذلة والصغار والضَّعة، وما برح صاحبنا يشقه بوتد غليظ، ثم يستطيل بكاؤه وتستطير شكواه، وقد صدق فيه قولهم: قال الحائط للوتد: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني.
نعم لقد صنّف التوحيدي إشاراته في «دور تلا ما يشبه التوبة»( )، ولهذا فهو «يعبر عن فترة إيمان مستسلم حار النبرة صادق الطوية، كانت آخر فترات حياته الروحية»( )، لقد كان محتاجاً إلى التجمّع في ذاته، فقرر أن يسمو بها في وحدتها، وأن ينطوي على لغة، هي أقرب ما تكون من رنات أنات، ونفثات مصدور، لغة إن عرفتها أوشكت أن تكون من المجذوبين إلى حظوظهم( )، إنها لغة الإشارات، لغة المناجاة، لغة توحّد الروح ووحدة المشاهدة.
إنها رموز «تجافت العبارة عنها لأنها استصحبت تركيب الحروف»( )، لغة لطفت عن تحكمات قانون اللغات، لغة تعبّر عن الحقيقة الإلهية بصنوف مختلفة من العبارات، رموز يشير بها أرباب القلوب، ويتناجى بها رافعو أشعار الغيوب( )، وتفصح عن مضمون الوجد، وتعبّر عن حالات اعتلاق النفس بالواحد الفرد.
لقد انتخب صاحبنا هذه اللغة ليجتاز بها عوائق التلهّف إلى علائق التشوّف، أنمى بحرارة صدقه أهلّتها فأبدرت، وذكى بلوعته فروعها فأثمرت، وكانت في نفسه، على غموضها، أوضح من الشمس في رائعة النهار، ترى بها ولا تراها.

الرسالة في الإشارات (البناء والموضوع)
الفواتح:إنّ النبرة الروحية التي تشيع في رسائل الإشارات، وحرارة الشكوى على اختلاف صنوفها، وتباين التجليات، وتذبذب «الأنا» في تباريح الحالات، أمور فرضت نفسها على رسائل صاحبنا، فلم تقم على نسق مطرد في سمتها، وترتيب أجزائها، وغالبها يبدأ بالدعاء مستخدماً صيغة التعظيم في دعاء المولى «اللهمّ»، مما يضفي على النفس جلال الموقف القائم على أعلى نبرات الإخبات والتخشع لعظمة المدعوّ، فإذا انتقل الموقف إلى ما يشبه تشظية الذات بتجريد مدعوّ له، خفّ إيقاع الإخبات في محراب الدعاء ليستحيل إلى ما يشبه مجرد تقدمة لا تقصد لذاتها. استمع إليه الآن ناسكاً معظِّماً مخبتاً فانياً يقول: «اللهمّ إنا قد بذلنا دون طاقتنا في طلب ما عندك، فهب لنا تأييداً منك حتى نستنفذها في حيازة رضاك، فإنك إن وكلتنا إلينا عجزنا، وإن تركتنا علينا تحيّرنا، وإن كنت لنا فيما بينك وبيننا فزنا، وكيف لا نطلب فائتنا منك وأنت المفيت؟ وكيف لا نحاول فائدتنا عندك وأنت المفيد؟ وكيف لا نشهدك في كلنا وبعضنا وأنت المحيط؟»( )، ثم استمع إليه يدعو بلسان جفّ عنه رُضاب قلبه، وخفت فيه هسيس المناجاة: «أتاح الله لك من غيبه ما لا يحلم به أملك، وصرف عنك كل ما يحول بينه وبينك، ولذذك بخطابه إذا ناجاك، ومتعك بنعمته إذا خصك»( ).
وقد يعصف صاحبنا بهذه المساحة الروحية، فيهبط بخطابه إلى مستوى البشر، ويفتتح رسالته بنداء مبهم «يا هذا»( )، أو جليس رفيق أنيس( )، أو أحباب صافاهم على القرب( )، وقد يفتتح رسالته بآية من القرآن تمهد للخطاب وتشعر المخاطب بقيمة مواعظ الخطاب بالنظر إلى مصدرها( )، وقد ينزع صاحبنا في فواتح رسائله إلى التقليدية، فيبدأ بحمد الله ثم يلج في الخطاب( ).
وربما زادت وجيعته واضطربت روحه، فافتتح رسائله باستفهام ليس له حظ من الاستبهام، استفهام ذكي يستدعي إجابة مجازية، تضطرّك إلى الاندماج في معاناته والاندغام في قلقه وأنت تسمعه يقول: «أي رأي لمكذوب، أم أي عيش لمكروب، أم أي قرار لمرعوب، أم أي اطلاع على الغيوب لمن هو محشوّ بالعيوب؟»( ). ويفلح صاحبنا في توظيف فواتح رسائله، ليشعرنا بأعلى درجات التوتر، ويصدمنا بحسرة ترين على قلوبنا، حتى تذوب ذواتنا في استجابتنا لذاته، «واهاً لنفسٍ منيت بهوى شديد، ورميت على مدىً بعيد، وفتتت بقلب عميد»( ).
الخطاب:
لقد اتسعت مساحة الخطاب في رسائل الإشارات، فكانت الأبرز توظيفاً، ولم يعر الخطاب من اعتلاق أغراض تتفرع عنه، من وعظٍ وإرشاد، وتوجيه وشكوى وحسرة وندم( )، وقد عمد التوحيدي إلى نثر لغة الخطاب في أرجاء إشاراته بصورة تساوق تجليات الذات، وتجاري تسيار المناجاة، ولم يقم الخطاب على التواطؤ في أفراد إشاراته، بل تنوعت أساليبه وتباينت مستوياته، وتقررت لغته في فضاء انفعالات النفس التي لا تطرد في مستوى زمني معين، ولعل هذا ما أحوجه إلى تذرية خطابه.
وتنوعت أساليب الخطاب في الإشارات وفقاً للمهمة التي يؤديها، فالتوحيدي يسدي بوساطته نصائحه ومواعظه وإرشاداته، ويوظفه في بسط أفكاره وطرح مضامينه، فيظهر خطابه في النصح المباشر للمخاطب وفي الوعظ الذي ينبي عن صورة خبير مجرب يشد مخاطبه إلى مهايع الحكمة ومنابع المعرفة، ويرشده بمثل قوله: «يا هذا، افحص عن ودائع الحق فيك، وانفض خزائنه قِبَلك، واشهد آلاءه عندك، واطلب مزيده بالشكر على ما نوّلك»( )، ويتحول أسلوب الخطاب عند صاحبنا في بعض المواقف، ويستحيل إلى صورة يثير فيها دافعية مخاطبه، ويشجعه على الخير ويرغبه في خوض غمار تجربة روحية. «فهات الآن من نفسك ما وعدت به من الصدق في التشمير، وقدّم على ذلك الجدّ في ترك التقصير، واعلم واثقاً أنك متى تقدمت ذراعاً، تقدّم مرادك منك باعاً»( ).
ويتجلى الخطاب في مواقف التوتر في صورة التهديد والترهيب والوعيد، وتشعر بالعبوس وأنت تسمعه يهدد مخاطبه، «يا هذا، إلى كم أستميلك إلى حظك، وأتقلب معك إلى مرادك؟ لستُ منك إن لم تعنّي على ذلك، ولستَ مني أن سلكت طرق المهالك... البعد منك البعد! البراءة منك البراءة! الويل لك الويل! الخيبة لك الخيبة! لمثلك سعّرت الجحيم، ولمثلك أعد العذاب الأليم»( )، وقد تهدأ أجواء الوعيد والترهيب، ويستحيل صاحبنا إلى مؤدِّب يقرّع مخاطباً منخدعاً بالدنيا، ولنا أن نتصوّر هذا المخاطب يجلس بين يدي صاحبنا ناكساً رأسه يُقال له: «ويلك! إلى متى تنخدع وعندك أنت خادع؟ وإلى متى تظن أنك رابح وأنت خاسر؟ وإلى متى تدّعي وأنت منفي؟ وإلى متى تحتاج وأنت مكفّي؟»( ).
وتنوعت أيضاً مستويات الخطاب في الإشارات، من التفاعل على مستوى الفرد المتلقي «يا هذا»( ) إلى مستوى الاستغراق «أيها الإنسان»( )، إلى مستوى الفرد المقيد بالوصف. «أيها الجليس المؤانس»( )، إلى مستوى الفرد المثال «يا سيدي»( )، إلى المستوى الجمعي «فيا أحبابي»( )، ويرجع تنوع هذه المستويات إلى حاجات تجلي الذات، فهو يبهم المتلقي غالباً عند تقريعه وتهديده ولومه وعتابه، أو عندما يذكر مثالبه بانكبابه على الدنيا، أو عند نصحه وإرشاده، ويستغرق جنس الخطاب عند ذكر نتائج التجربة الروحية أو تقرير حالاتها، ويصف مخاطبه بوصف يدفعه إلى الاستماع إلى شكواه، ويحمله على الاستجابة، مستوى من الخطاب يشعرك بحاجة صاحبنا إلى من يسمع شكواه ويستجيب لبثه وحزنه.
حتى إذا زمجرت الشكوى، وأعلنت الغربة ثورتها، وتجاوز الألم حدود استجابة المخاطب، وعيل الصبر، لجأ الخطاب إلى المثال الأسمى( )، ولجأت الذات إلى الشيخ السيد تطلب المعونة والقرب والوصال «سيدي انظر إليّ، سيدي أقبل علي، حبيبي ادن مني»( )، وإذا شعر صاحبنا بجمود الوحدة، لجأ إلى الخطاب الجمعي الذي يساعد على استرجاع صحبة الماضي، بما يشبه تيار الوعي «أحبائي على القرب بالتصافي، وعلى البعد بالتوافي»( )، حتى إذا لجّ ألمه في استرجاعه، وألحفت شكواه، وغالبت قواه، بثها بين أيديهم حارة تستنطق ودهم وعونهم «فيا أحبابي ارحموني في أوصابي، ودبروا ما بي»( ).
وبين هذا وذاك تذبذبت لغة الخطاب بين الرقة في معاني الرحمة وخطاب الشيخ السيد، ووصف صحبة الماضي، والشدة في تقريع المخاطب وتهديده وترهيبه. فكانت تتصاعد إلى أعلى درجات التوتر استجابة لانفعال النفس عند المعاني الشديدة، ثم تتهادى وتندلث رقيقة شفافة، تضفي على الموقف ظلالاً وارفة، وحدائق ذات بهجة، فتشعرك بالجلال والتصافي والحب والقرب والوصال.
المناجاة:برزت المناجاة في إشارات التوحيدي بوصفها من الموضوعات الرئيسة، وقامت على الدعاء والحضور والجلال ووحدة المشاهدة، وتفرقت المناجاة في جسم الرسالة، فلم تلتزم موقعاً ثابتاً، فقد تكون في فواتح الرسائل( )، فتبدأ الرسالة بنبرة روحية تشيع جواً من التواصل الحميم، وتشعر بجلال المولى (سبحانه)، حتى إذا انتهى إلى النصح أو الإرشاد أو الشكوى أو البكاء؛ استشعر المتلقي علاقته بالقوي القادر، والمعطي الكريم، واستشعر المتلقي أيضاً استغناء صاحبنا عن أهل الدنيا، واتصال المتلقي بهذا الشعور هدف مراد لصاحبنا بعد سلسلة الإخفاقات في مشوار حياته، وقد تتوسط المناجاة فتنساب ناعمة هادئة بعد ثورة عارمة تتلاطم فيها سَوْرة التقريع وزمجرة التهديد، فتستحيل النبرة بالمناجاة إلى الموادعة والجلال، وتهدأ الثورة وتستسلم الروح، اسمعه يقول: «إلهنا، هذه آمالنا فأعطناها، وهذه أمانينا فبلّغناها، وهذه عطاياك فهنئناها»( ). وهذا بعد قوله: «الويل لك منك، والحسرة لازمة لك بك، أما لك من شراب الدنيا صحو؟»( ). وربما تختفي المناجاة فلا تظهر في خضم التقسيمات الفلسفية للنفس( )، وهذا قليل في رسالة الإشارات.
الخاتمة:يختم التوحيدي رسالته بشبه «لازمة» وهي قوله: يا ذا الجلال والإكرام، فهذه العبارة تشعر بجلال الله العظيم، والنفس البصيرة بهذا المعنى لا ترتبط بغير هذه الذات الجليلة، ولا ترجو الخير من غيرها، والنفس بهذه العلاقة تسمو إلى حياض الجلالة بعد ضعة الدنيا، وبعدها يحق لصاحبنا أن يقول: «واعلم أني مع ذلك كله انتهيت إلى حال لم أشهد فيها إلا النعمة، ولم أحسّ إلا بالكرامة»( ).
وأما الإكرام؛ فلكم نفر من صاحبنا وشرد، ولكم سعى في تطلابه فأعياه الطِّلاب، ولكم تقطعت دونه الأسباب، وها هو ذا يرفل في أثواب الإكرام، وينعم في أعطاف الإنعام، وأين هذا من خلق منعوه الكسرة والحشفة، وحرموه الخرقة والفضلة، وابتذلوه بأعينهم، وآذوه بألسنتهم، وطردوه من أفنيتهم( ). وأما كونها في الختام فإشارة إلى تمني الديمومة، والموت على الإجلال والإكرام.
وربما أنهى رسالته بخاتمة تقليدية، مثل السلام أو «والله المستعان»( )، وبعضها ينتهي بآية منتمية إلى موضوع الرسالة( )، وبعضها ينتهي بأبيات من الشعر تعبر عن الحالة الوجدانية في أثناء الرسالة( )، وبعضها تتمدد فيها حالة التقريع ونبرة التوتر حتى تتصل بالخاتمة( )، وبعضها تختفي منها الخاتمة، فتبدو وكأنها قد بترت وانفصلت عن جسم الرسالة( ).
تجليات الذات( ):
عاش التوحيدي حياة عاصفة، واقتحم أبواب الشقاء بكل ما لديه من قوة، واستنزف ذاته لتحقيق ذاته، فصار يسعى إلى الخذلان، ينوء بحمل ذات معذبة، وعاش في محيط من الإهمال، وتسربل بالحرمان، ولم ينتفع بعبقرية ذابت وسط الأحقاد ، فكان لا بد من براءة الذات وتوبتها، كان لا بد من التخلي عن الاعتداد بدنيا المادة وسراب الزخارف، والالتجاء إلى عالم الروح حيث القيمة والكرامة ومذاق العزة، وعندها تسمع الذات المعذبة اللاجئة شرط التوحد في عالم السموّ: «وامح عن سرك الفكر في كل ما كان أمس»( )، «فإن كنت منا، وفهمت لغتنا، وتصرفت في ديواننا، ونطقت بلساننا، وكتبت بأقلامنا، فلك ما لنا وعليك ما علينا»( ).
وأميل إلى أن الذات هي محور الإشارات، وهي نواة الموقف. وقد تجلت في صور متباينة، لتبث شكواها وتعلن توبتها، وتغسل أوضار ماضيها بعبرتها، وماذا بقي لها وقد فقدت «كل مؤنس وصاحب، ومرفق ومشفق»( )، ماذا بقي لها إلا الغربة والوحدة «وماء الحياة إلى نضوب، ونجم العيش إلى أفول، وظل التلبّث إلى قلوص»( ).
وتتباين صور التجليات بتباين أنماط الخطاب، «فالذات تنشطر ثم تتوحد»( )، لتنتج بهذا التلوّن انفتاحاً «على الأبدية وعلى العلوّ»( )، إنها وحدة الشهود للذات، فالذات هنا الذات منفردة: «يا هذا»، «يا مسكين»، «يا حبيبي»، وربما أبصرها وأبصر شخصها في مرآتها فتوهم التكثر «أحبائي»، «أحبابي»، وتلقي الذات أحمالها من خلال هذا الانشطار والازدواج «الذي هو في حقيقة الأمر ازدواج صوري، لا يخدعنا فيه تغير نظام الخطاب وتحوله إلى حوار بين طرفين»( )، وتتجلى الذات في أكثر صورها في شخص مخاطب متوهم، تجرده الذات وتسكوه أطمار الشكوى، وتنصحه وترشده بتجربة صقلتها البلوى، وتقرعه وتعنفه من جرّا تهاونه وتهافته، إنّ صاحبنا، بهذه التجليات يشكو نفسه من نفسه إلى نفسه.
البناء الفني:
أبو حيان يرسم الكلمات ولا يكتبها، ويستخدم مداداً عجيباً، إنه عصارة العاطفة، فتشعر في رسائل إشاراته بدفء عميق، ويسحرك انسياب الألفاظ التي تميس على جرس موسيقيّ منتظم، إنّه أديب يعرف حدود صنعته، «وقلّ أن تجد بين أدباء العربية من كان يعرف حدود طريقته الفنية كأبي حيّان؛ لأنه كان فناناً»( ).
يهتم التوحيدي في رسائله بالسجع اهتماماً عظيماً، ويشيع في أرجاء رسائله ليحقق «التناغم والتساوق الموسيقي»( )، الذي يزيد من تأثير النبرة الروحية، ويقرر إيقاعها في فضاء الاستجابة النفسية للسّامع. ويتنوّع السجع ليتساوق مع الحاجة الشعورية والحاجة المعنويّة، فهو يستخدم السجع المطرف: «يا منشىء الأخبار، ويا مولج الليل في النهار، ويا مصافي الأخيار»( )، ويستخدم السجع المتوازي: «ولا تزعجنا عن وثير المهاد، ولا تبْلُنا بعواقب العناد»( )، ويستخدم السجع المرصع الذي تتداخل فيه الأسماع، وهذا النوع هو الأكثر إنتاجاً للتناغم الموسيقي، ومثاله قوله: «ظاهري الاستقلال بكل وارد، وإن حنى الظهر، وباطني الاستكمال بكل شارد، وإن خفي على أهل العصر»( ). ويظهر الطباق في الرسالة لاستيعاب الصفات المتضادة: «والزمان على عادته جامع مفرّق»( )، ويتكاثر الازدواج ليساهم في تأليف الإيقاع الموسيقي: «وارق وابق، وجِد وجُد»( )، ويحدث في النفس تفاعلاً من جرّا قِران الجناس.
والجمل في رسائل الإشارات، في غالبها، قصيرة متتابعة، كأنها تتسابق إلى نفس قارئها: «أي بلاء أنت على نفسك؟ وأي خاسر أنت في سعيك؟ تبغي رضاء المخلوق، وتتهاون برضاء الخالق»( ). ويكثر التوحيدي في رسالاته وإشاراته من اشتقاق الكلمات القريبة من الفعل، مما يحدث ضرباً من الغموض يدفع القارىء إلى مزيد تمنع: «وعزّزنا بعزيز عزّك حتى لا نرى عزّ العزيز بغير عزك»( ).
ويستخدم التوحيدي إسلوب التوليد، بحيث يُولّد من كل جملة جملة أخرى. وهكذا تتسلسل جمله بما يشبه المقدمات المنطقية المتلازمة مع نتائجها: «ذلك سرّ لا سبيل إلى السؤال عنه، لأنه جرأة عليه، والجرأة موجبة للمقت، والمقت باب إلى السخط، والسخط جالب للبعاد»( ).
ويكثر التوحيدي من تنويع حروف الجر ممّا يساهم في زيادة مساحة الغموض، ويشعر القارىء بتشعّب العلاقات واشتباكها: «وإذا بِنّا منْك فصلنا بك، وإذا التوينا عليك فقومنا لك»( ).
وتجد الاستفهام المجازي القائم على التقرير أو الإنكار، وهو بهذا يقرر نسقاً من أنساق التخاطب: «أليس من جملة هذه النعم انفتاح باب الشكر على القلب»( )، «كيف يطمع الطامع في رشدك وهذا نظرك لنفسك»( )، ويستخدم النداء أيضاً لتقرير أنساق التخاطب، وتتذبذب نبرة النداء حسب درجات الانفعال في التخاطب.
ويعمد التوحيدي كثيراً إلى عكس الجمل: «دارت اللغات على مراكز المعاني بفوت المدرك، وإدراك الفائت»( )، ويستخدم التوحيدي الطي والنشر المرتب وغير المرتب( ).
وقد يلجأ التوحيدي إلى تقرير الحالات وبث الوجد بوساطة الحوار، وعلى فرض ذاتية الموقف، يكون الحوار قريباً من تيار الوعي حيث تحاور الذات نفسها، وتبث همومها عبر هذا (المونولوج الداخلي) والحوار ينسجم مع تيار الرسالة، ولا يظهر نافراً مطّرحاً في جسمها( ).
وإذا اقترب الكلام من منطقة الجرح في نفس صاحبنا، وفجر فيها بواعث الآلام، تراه يُهرع إلى التكرار، وكأنه يشعر بضيق اللغة أمام مساحة ألمه، ويظهر هذا في وصفه للغربة( ).
ويحاول التوحيدي الفرار من المعاني المجردة في بعض المواضع من خلال التصوير: «إذا اعوججنا فسوّنا، وإذا أصحرنا فآونا»( )، «وإذا حننت إليكم، حننت حنيناً ما ترعرع وليده»( )، وهو بهذا يرمي إلى إنتاج صورة حسية في ذهن القارىء، تحمله على أعلى درجات التفاعل مع الفكرة.
وتظهر في أثناء الرسائل مصطلحات أهل التصوف والفلسفة، التي تشكل أمارات على المقروء الثقافي في البنية الفكرية عند صاحبنا، فهو يورد مصطلح الحال والحقيقة واليقين والوجد والذوق والشهود والانكشاف والفتوة( ).
والملاحظ أن ثمة رسالة في كتاب «الإشارات»، شذت عن هذا النسق العام الذي قدمت له في البناء، وهي الرسالة الأخيرة (54)، فاتخذت طابع الرسالة التعليمية، التي تقوم على الترسل، وذكر التقسيمات، وتحدث فيها عن النفس وضروب قواها من جهة فلسفية.

التضمين في الإشارات ( قادم إن شاء الله تعالى )

جمال حسني الشرباتي
27-06-2005, 16:41
أخي

هلا بينت لم يتهم السلفية رجلك اتهامات شنيعة في عقيدته

عماد الزبن
28-06-2005, 10:11
أخي جمال ، باختصار شديد لأنه منزه من جهة وصوفي من جهة أخرى
وانظر كلام الإمام التاج السبكي في الطبقات عليه ، ومع ذلك فأنا لا أراه يجري على سنن أهل السنة . وفي مكان آخر وتحت عنوان آخر محل إطالة .
ولا زلت بالخير موصولا