المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قلَّ الصديقُ



سعيد فودة
26-06-2005, 05:01
قال الضحاك بن ناجم الأنصاري:
[قلَّ الصديق وإن أصبحت تعرف لي مكانه، فأبِنْ لي أين أقصده]
[كم قد عرفت صديقا بعد معرفتي إياه صرتُ فرارا منه أجحده]
أقول: ندرة الأصدقاء الأوفياء صارت معلومة لدى كل الناس، حتى صار العلم بذلك كالعلم بالضروري من الدين. فعلى الكيس الحرص والحذر. ويشير الشاعر إلى تقلب الأصدقاء وانقلابهم إلى أعداء بطريقة مستنكرة مستشبعة
قال:
[كفرتُ بالودِّ منه حين أوحشني وكنتُ وجْدا به في الناس أعبُدُهُ]
أقول:
إن الإنسان إذا انقلب عليه أصدقاؤه، صار حال الانقلاب يشك في صداقتهم السابقة، خاصة إذا لم يصدر منه ما يستلزم هذا الانقلاب والظلم
قال:
[وكلما زاد قلبي في تلهُّبه غيظا عليه أتاه الوُدُّ يُبْرِدُهُ]
[كم قد رددتُ عن لساني مثالبه وفي الفؤاد له هَجْوٌ أُرَدِّدُهُ]
[لولا الحفاظ وأنِّي لا أُضيِّعه أصبحتَ ترحم بي مَنْ أنت تحسُدهُ]

أقول:
هذا يدل على أن الشاعر كان صادقا في مودته لصديقه الغادر الخائن، ولذلك كان كلما رأى منه شيئا يغيظه، أعرض عن هذا الشعور انجرافا مع وده له، الذي يطغى على قلبه، وليس هذا ضعفا منه، بل مشاعر عالية قلما يفهمها الغادرون الخونة، ولولا أن الشاعر لا يريد تضييع ما مضى بينهما لأذاقه من انتقامه وغضبه ما يستلزم استجرار الرحمة منه عليه حتى ممن كان يحسده على مودته وصداقته له.
وهذا يدل على عمق مشاعر الشاعر، وصدقه، وقوته وأنه لم يفعل ذلك من ضعف وخوار همة.
قال:
[دع العدوَّ وكن ما عشتَ ذا حذرٍ من الصديق الذي زورٌ تودُّدُهُ]
أقول: العدو الذي عداوته ظاهرة من السهل أن تتقي أذاه، وتعاقبه على ما جناه، لأنك لا تحمل له ودا، ولا يربطك به تاريخ وزمان، أما الصديق الذي كنت توده بصدق وهو يتظاهر بالمودة وهو كاذب، فأذاه عظيم ظاهرا وباطنا، فاحذر من هؤلاء الأصدقاء ، ولتحاول التمييز بين الصادق والكاذب.
قال:
[وليس فَتْكَةُ مَنْ بالذمِّ تقصدهُ كفَتْكَةٍ من حميم أنت تحمَدُه]أقول:
هذا بيتٌ عظيم المعنى ولا يعرف قيمته إلا من جرب هذه الحالة الهائلة، فالعدو الظاهر لا يتأثر به الإنسان نفسيا، ولا تهتز له روح الشريف، أما الأذى الصادر من شخص كان يبدي لك المودة وهو خائن، وكنتَ أنت تحمده على ما يظهره لك من مودة ظاهرة، فهذا العذاب الأكيد الذي يزعزع حياة الشريف، ولا ينجو من حياة الشك وفقدان الثقة بالناس بعد ذلك إلا رجل عالي الهمة حفيظ النفس بعيد النظر.
ثم تأمل بعد ذلك في هذه الأبيات
[ولا يغرَّنَّك ثغرٌ لاح من ضَحِكٍ بياضُهُ، فبياض المكر أسودُهُ]
[يا آمِري بجميلٍ كيف يثمر ما زرعتُ من حسنٍ والقبح يحصدُهُ؟]
[زدني نفاقا فإني زائدٌ ملقا ومطفئٌ جمْرَ ما بالمكرِ توقدُهُ]
ملَقا: أي توددا، مَلِقته ملَقا ومَلِقتُ له أيضا توددته من باب تعب. وتملقت له كذلك. ورجل ملِقٌ : يعطي بلسانه ما ليس في قلبه.
ثم احكم حكمَك.

عماد الزبن
26-06-2005, 15:16
فؤادي فر من جسدي إليكم
فجئت اليوم أطلبه لديكم
فضموا الجسم أو ردوا فؤادي
فما في رده حرج عليكم

لؤي الخليلي الحنفي
26-06-2005, 18:54
سيدي الشيخ سعيد حفظكم الله :
لعلي فهمت مقصودكم ، ولعل من الخسارة اضاعة الأوقات في التفكير بأمثال من لا يستحق ذكره .

ولعل في ما كتبه الشيخ علي الطنطاوي في كتابه صور وخواطر تحت عنوان : طبقات الأصدقاء ، بيان وكشف لحالهم ، وأن كان قد التقط معظمه من رسالة الصداقة والصديق لابي حيان التوحيدي .

و إن من أجمل ما كتب في الصداقة والصديق على الأقل على حد علمي ما كتبه وجمعه ابو حيان التوحيدي في رسالته الصداقة والصديق / دار الفكر ط2/ 1996 ، ومما جاء فيه :

في حق الصديق :
قال علي بن ابي طالب كرم الله وجهه : قليل للصديق الوقوف على قبره .

وقال أحدهم :
أخوك أخوك من تدنو وترجو *** مودته وإن دعي استجابا

وقال محمد بن علي بن الحسين الباقر : أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ حاجته من الدراهم والدنانير ، قالوا : لا ، قال : فلستم إذا إخوان .

وقيل لابن المقفع : الصديق أحب اليك أم القريب . قال : القريب أيضا يجب أن يكون صديقا .

وقال آخر :
بيني وبين لئام الناس معتبة *** ماتنقضي وكرام الناس إخواني
إذا لقيت لئيم القوم عنفنــي *** وإن لقيت كريم القوم حيانــــــي

وقال آخر :
ولقد طويتكم على علاتكم *** وعرفت ما فيكم من الأدغال

وقال أعرابي لصديق له :
كن ببعضك لي حتى أكون بكلي لك .

وقال آخر :
فلا تقطع أخاك من أجل ذنب *** فإن الذنب يغفره الكريم

وقال آخر :
فما منك الصديق ولست منه *** إذا لم يعنـــه ما عناك

وقيل لفيلسوف : من أطول الناس سفرا ؟ قال : من سافر في طلب صديق .

وقد أنشد ابن سعدان يوما وقد أنكر شيئا في بعض الندماء :
عدو راح في ثوب الصديق ** شريك في الصبوح وفي الغبوق
له وجهان : ظاهره ابن عم ** وباطنه ابن زانية عتيـــــــــــق
يسرك ظاهرا ويسوء سرا ** كذاك تكون أبناء الطريــــــــــق

وقيل في ازورار الصديق :
إذا رأيت ازورارا من أخي ثقة ** ضاقت عليّ برحب الأرض أوطاني
فإن صددت بوجهي كي أكافئه ** فالعين غضبى وقلبيس غير غضبان

وقال آخر :
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ** له عن عدو في ثياب صديق

وقيل :
تغير لي فيمن تغير حــــــارث ** وكم من فتى قد غيرته الحوادث
أحارث إن شوركت فيك فطالما ** عتبنا وما بيني وبينك ثالـــــث

وقيل في غدر الإخوان :

وصاحب كان لي وكنت له ** أشفق من والد على ولــــــد
كنا كساق يمشي بها قـدم** أو كذراع نيطت الى عضــــد
وكان لي مؤنسا وكنت له ** ليست بنا وحشة الى أحـــد
حتى إذا استرفدت يدي يده ** كنت كمسترفد يد الأســـد

وقيل :
لعمرك ما أبقى لي الدهر من أخ ** حفيّ ولا ذي خلة أواصله
ولا من خليل ليس فيه غوائل ** وشر الاخلاء الكثير غوائله

وقيل في قلة الثقات :
إذا شئت أن تلقى خليلا مصافيا ** لقيت ، وإخوان الثقات قليل

وقيل في الغدر :

خليل نأى عني الزمان بــــوده ** فأعرض واستولى على أمره الغدر
فألبسته الثوب الذي اختار لبسه ** وأحسن من ودّ يضيق به الصدر
وأفضل من أمر يريبك تركــــه ** وأجمل من مال يرم به الفقر
فإن عاش فالأيام بيني وبينه ** وإن مات لم أجزع لمن ضمه القبر
إذا امرؤ جارت عليك ظنونه ** وسامك ما فيه المذلة والصغر
فكله الى حكم الحوادث إنه ** كفى منصفا ممن تظلمك الدهر

عماد الزبن
27-06-2005, 13:08
وما رأيك يا شيخنا الحبيب بقول الشاعر :

ج
جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بريقي
وما مدحي لها شكراولكن عرفت بها عدوي من صديقي
وما رأيك بقوله :
متى يصل العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحور من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد إذا جلس الأكابر في الزوايا
إذا استوت الأسافل والأعالي فقد طابت منادمة المنايا