المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإرادة الكونية والشرعية



saadmohammed
03-09-2003, 22:29
ما الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية؟
أرجو من مشايخنا الكرام تفصيل هذه المسألة
بارك الله فيكم

سعيد فودة
04-09-2003, 10:09
الأخ الفاضل،
هذا المصطلح ليس متعارفا عليه عند أهل السنة، وإن استعمله بعض المتأخرين، وهم قليلون.
ولكن ابن تيمية استخدم هذا المصطلح لهدف في نفسه.
والحق أنه لا يوجد هناك نوعان للإرادة، الأولى شرعية والثانية كونية.
فوصف الإرادة بأنها شرعية يستلزم أن يكون قسيمها غير شرعية، أو ربما يوحي بذلك.
وعلى كل حال فإن ابن تيمية لأنه أدخل مفهوم الرضا في مفهوم الإرادة وكذلك أدخل فيها مفهوم الأمر والمحبة، لزم أن يوجد عنده نوعان من الإرادة أو قسمان، والفرق بين الواحدة والأخرى أن الشرعية يمكن أن يتخلف وقوع المراد فيها، والأخرى وهي الكونية لا يتخلف.
وهذا الكلام باطل.
وقد قال الشيعة أيضا بقسمة الإرادة إلى هذين النوعين متوسلين بهذه القسمة لإثبات عصمة الأئمة عندهم، وما قالوه باطل.
وقد رددت على هذه القسمة في شرح الطحاوية وفي كتاب مباحث في علم الكلام (درر الفرائد). وفي شرحي على الطوالع.
والحق أن الإرادة إذا تعلقت بأمر فلا بد من وقوعه ووجوده، فلا يتخلف مطلقا متعلق الإرادة عن تعلقها به. وكان يلزمهم أن يقولوا إذا أرادوا أن يقولوا : الإرادة إما إرادة تكوين أو إرادة تشريع، ليقابلوا بين الأمر والخلق الوارد في القرآن كما في سورة الأنفال. وغيرها.
ولكنهم حتى في تقسيمهم بعيدون عن القرآن. أقصد في هذا الشيعة والمجسمة، فهم يخترعون الأقسام ليثبتوا بها ما يريدون من مذاهبهم الباطلة. لا غير.
وانظر إذا أحببت مراد المجسمة في هذين القسمين في شرح الطحاوية لابن أبي العز وفي شرح الواسطية لابن عثيمين. وعند الشيعة في كتاب الإلهيات لجعفر السبحاني، وفي بعض تفاسيرهم.
وأرجو أن أتمكن من نقل ما ذكرته حول هذا الموضوع هنا لاحقا.
والله الموفق.

سعيد فودة
11-09-2003, 12:23
سأنقل إليك الآن بعض ما ذكرته عن مسألة الإرادة كما تم تفريغه من الأشرطة في شرحي على العقيدة الطحاوية، وهو الشرح المختصر لي على هذه العقيدة المباركة.
راجيا من الله تعالى أن يكون فيه فائدة
قلت في شرح الطحاوية:
ولا يكون إلا ما يريد: هذه العبارة أدق العبارات الموجودة في هذا المتن، وكثير من الناس يمرون عليها دون أن يعرفوا عظم معناها.
هذا الأسلوب (لا يكون إلا) أسلوب حصر.
(يكون) هنا من (كان) التامة، وهي تفيد معنى الوجود والحصول والتحقق.
والمعنى: لا يوجد إلا ما يريده الله. كل ما هو كائن وموجود وواقع في الوجود فهو بإرادة الله قد وقع.
والباء إما سببية أو للملابسة: إرادة الله سبب وجود الموجودات، هذا يستلزم أن كل ما أراد الله عدم وجوده فإنه لا يمكن أن يوجد.
يعبر العلماء عن هذا المعنى: يستحيل تخلّف إرادة الله سبحانه. بمجرد تعلق إرادة الله بشيء يستحيل أن يتخلف وجوداً.
هذا ما يسمى بمفهوم الإرادة عند علماء أهل السنة.
ما هي الإرادة؟
الإرادة عبارة عن صفة يتصف الله بها. بتوسط هذه الصفة يتم تخصيص الموجودات أو الممكنات بما يجوز عليها من الصفات.
من قال: ممكن أن تتعلق إرادة الله بشيء ثم لا يحصل هذا الشيء، فهو لا يفهم عن أي شيء يتكلم، وهو بهذا يخالف عقيدة أهل السنة.
لم أجد لأحد من أهل السنة خلافاً في هذا المعنى.
ولكن أثناء قراءتي لبعض الكتب وجدت بعض الناس يقولون: الإرادة نوعان: نوع هو ما ذكرناه ويسمونه إرادة تكوينية، ويقولون إنها لا تتخلف، والنوع الثاني يسمونه الإرادة الشرعية، وكان الأصح أن يقولوا: الإرادة التشريعية.
ابن أبي العز الحنفي شرح قول الإمام الطحاوي: "ولا يكون إلا ما يريد"، قال: "والمحققون من أهل السنة يقولون" معنى هذا أن الإمام الطحاوي ليس من المحققين لأنه يعترض على الطحاوي.
"والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خَلْقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى".
كيف يُتعقل وكيف يُتصور أن الإرادة التي هي صفة يتصف الله بها لها نوعان، ومعروف أن النوعين يختلف أحدهما عن الآخر.
أنا لا أريد أن أدقق في العبارات تدقيقاً كبيراً، ولكن أكتفي بالإشارات:
ما معنى "متضمنة"؟
أي تحتوي على المحبة والرضى.
معنى هذا أن النوع الأول لا يحتوي على المحبة والرضى.
ويعني أيضاً أن النوع الثاني بالإضافة إلى احتوائه على المحبة والرضى يحتوي على معنى آخر هو عين المعنى المحتوي في الأول.
ويصبح حاصل الإرادة الشرعية الأمرية إرادة مركبة ليست إرادة واحدة، بل إرادة من معنيين: التكوين والمحبة، ومجموع هذين الأمرين سموها الإرادة الشرعية الأمرية.
الأصح أن يسموها التكوينية لأنه بها يتم التكوين، وكذلك الشرعية الأصح أن يقال تشريعية؛ لأنها ليست وصفاً للإرادة، أي إرادة لإيجاد التشريع؛ لأن شرعية يلزم منها أن هناك إرادة غير شرعية.
ثم قال ابن أبي العز الحنفي: "والكونية: هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات"، بالنسبة للإرادة الكونية لا خلاف عليها وقد ورد في 140موضعاً في القرآن مشتقات الإرادة.
حسب قولهم إن 140موضعاً تدل على الإرادة من الموضع الأول التي لا تتخلف فيه الإرادة، وهم بهذا يتفقون مع أهل السنة.
ولكن، ما هي النصوص التي استنبطوا منها المعنى الثاني للإرادة (الشرعية) ؟
سنورد النصوص التي فهم منها ابن أبي العز هذا النوع من الإرادة:
الآيات التي يستشهدون بها حوالي خمس آيات، ق
ال ابن أبي العز: "وأما الإرادة الشرعية الأمرية، فكقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرة: ]، (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم) [ ]، (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً يريد الله أن يخفف عنكم وخُلق الإنسان ضعيفاً) [ ]، (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) [ ]، (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) [ ]".
ما ذكره من آيات حول الإرادة التكوينية لا خلاف بيننا وبينهم عليها.
قبل أن نناقش استدلالهم بهذه الآيات سأقرأ لكم نصاً قاله أحد مختصري العقيدة الطحاوية اسمه عبد المنعم مصطفى حليمة أبو بصير: تكلم عن الإرادة الشرعية فقال: "وإرادة دينية أمرية شرعية . . . هذا النوع من الإرادة قضت حكمة الله أن تتخلف أحياناً ولكن بإذنه وعلمه وإرادته".
الإنسان السوي الفطرة إذا قرأ هذا الكلام لأول وهلة يستنكره.
كيف تكون صفة لله اسمها الإرادة تتخلف؟
أليس هذا نفس مفهوم المعتزلة وهو أن ليس كل ما أراده الله يقع ؟
ألا يخالف هذا مفهوم أهل السنة ؟
ألا يخالف كلام الطحاوي نفسه : ولا يكون إلا ما يريد ؟؟؟
نناقش الآن استدلالهم بتلك الآيات:
(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر):
هذا السياق سياق تشريع الصيام وغير ذلك.
أليس في أحكام الصيام تخفيفات.
هل أراد الله لهم نفس الإفطار أم تشريع الإفطار، فاليسر الذي أراده الله هو التشريع نفسه.
فحاصل الآية: إن الله يريد بكم التشريعات اليسيرة وليست الصعبة.
الله حين أراد أن يشرّع لنا تشريعاً يسيراً هل لم يقع تشريعه هذا أم وقع؟
توهم ابن أبي العز أن المقصود باليسر هنا هو فعل الإنسان لليسر وهو أن يفطر الإنسان، فلا مجال للقول بأن هناك تشريعات تخلّفت عن إرادة الله، الذي قد لا يقع هو التزام الناس بما أمرهم الله سبحانه وليس التزام الناس بما أراده الله، الذي أراده الله إنزال الشريعة، وكل ما أراد الله إنزاله نزل، ولكن قد يتخلف الناس عن التزام هذه الشرائع.
الآية الثانية:
(يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم)
أين المفعول به؟
على قول الكوفيين: (ليبين) اللام بمعنى (أنْ): يريد الله أن يبين ..
فالمصدر المؤول مفعول: يريد الله بيانَ..
بناء على هذا القول لم يتخلف مراد الله.
البصريون قالوا: اللام ما دامت في أصل اللغة للجرّ فلا تأتي للنصب، فهي لبيان الغاية، والمفعول محذوف: يريد الله هذه التشريعات ليبين لكم ..
والبيان وقع ولم يتخلف.
(ويتوب عليكم) معطوف على (يبين لكم)، أي: ويريد الله ليتوب عليكم .
فهل التوبة وقعت أم لم تقع؟
التوبة في أصل اللغة معناها العودة، قال الفيروزآبادي: تاب إلى الله توباً ومتاباً وتابة وتتوبة: رجع عن المعصية، وهو تائب وتواب، وتاب الله عليه: وفقه للتوبة أو رجع به من التشديد إلى التخفيف، أو رجع عليه بفضله وقبوله.
حرف الجر الذي عُدّي به الفعل (تاب) هو (على): رجع على فلان بالفضل، والفضل إما بمعنى القبول أو التشريع.
فهل الفضل بهذا المعنى تخلّف؟
لم يتخلف مطلقاً.
الآية الثالثة:
(والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً):
نفس معنى الآية السابقة: يرجع عليكم بالفضل أو بقبول أوبتكم ورجعتكم إذا تبتم فالله يريد القبول.
ألم يثبت في الشرع بأن من تاب توبة نصوحاً فالله يقبلها؟
بلى.
يمكن أن يكون معنى هذه الآية أن يكون هذا القسم من الآية خطاب للطائعين لأن ليس جميع الناس يتوبون، حتى لا يقول قائل هناك كفار لا يتوبون. وبقية الآية: (ويريد الذين يتبعون الشهوات) مقابل للقسم الأول الذين لا يتبعون الشهوات.
الآية الرابعة:
(ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج أي في التشريع. (ما يريد)، أي: دائماً لا يريد، ما زال التشريع موجوداً.
ثم قال: (ولكن يريد ليطهركم)، أي: يريد بإنزاله هذا التشريع لأن يطهركم.
هل المراد التطهير أم التشريع؟
المراد التشريع، والله يطهركم بالتزام هذا التشريع، وهذا لم يتخلف. والتطهير يكون بشرط الالتزام بالشريعة، فإن لم تحصل الطهارة لبعض الناس ، فهذا لعدم التزامهم.
هذا نفس نمط الآية الأخيرة التي احتج بها الشيعة على الأئمة، وقد وقعوا في نفس الإشكال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)
فهم الشيعة هذه الآية بأن قوله: (إنما يريد) إرادة تكوينية، والإرادة التكوينية لا تتخلف، والإرادة تعلقت بالتطهير فلا بد أن يكون التطهير واقعاً، إذن مَن تطهّر لا بد أن يكون معصوماً، إذن أهل البيت معصومين؛ لأن التطهير واقع عليهم.
ولكن هذا الاستنتاج خطأ؛ لأن سياق الآية: يريد الله بالتزامكم هذه التشريعات الخاصة بنساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهله، هذه لا تحسبوها أنها تعسير عليكم ولكنها لتطهيركم، أهل النبي يجب أن يكونوا بمحل لا تطالهم فيه أي شبهة، فلا تنالهم ألسنة الناس بسوء، هذا ليس لمجرد المشقة، ولكن لإبعادهم عن مواطن الشبهات.
فحصول التطهير متعلق بإرادتهم هم، إذا التزموا حصلت الطهارة، فليس كل آل البيت حصلت فيه الطهارة، فبعض آل البيت غير مطهر لالتباسه بما نهى الله عنه.
هذه خلاصة الأدلة التي تعلقوا بها للتفريق بين الإرادة التشريعية والتكوينية.
والحاصل أن الإرادة التشريعية هي إرادة تكوين الشريعة؛ لأن الله أراد إنزال الشريعة وهذه الإرادة حصلت لم تتخلف، فإرادة الله واحدة لا تتنوع. وتفريقهم بين الإرادتين لا وجه له.
راجيا من الإخوة الكرام معذرتي إن وجدت بعض الاخطاء المطبعية، فالوقت عندي يضيق جدا ن مراجعته.
والله الموفق

saadmohammed
17-09-2003, 18:10
]بارك الله فيكم ياشيخنا ونفع الله بكم.
ولي بعض الاسئلة:
1- ذكرتم أن (الإرادة عبارة عن صفة يتصف الله بها بتوسط هذه الصفة يتم تخصيص الموجودات أو الممكنات بما يجوز عليها من الصفات) أرجو توضيح هذا التعريف بذكر بعض الامثلة فلم أفهم هذا التعريف؟ وهل لهذا التعريف علاقة بنظرية الكسب؟
2- يقول الله تعالي { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} فما معنى الإرادة هنا؟ وهل أراد الله الكفر ؟ وإذا لم يرده كيف وقع؟
3- يقول الله تعالى { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} يذكر المفسرون في هذه الآية أن عمر ابن الخطاب كان يطوف بالبيت ويبكي اللهم إن كنت كتبت على شقوة أو ذنبا فامحه فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك ام الكتاب فاجعله سعادة ومغفرة فهل الله عز وجل يكتب الشقاوة أو السعادة مسبقا ثم يمحها؟ فما هو دور الإرادة هنا ودور الإنسان؟
وكذلك الآيات الكريمة مثل { يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء}
يبدو أن مثل هذه الاشكاليات هي التي جعلت بعض أهل العلم يقسمون الارادة إلى قسمين كمحاولة للتوفيق بين النصوص.
وأتأسف على التأخير وبارك الله فيكم

سعيد فودة
20-09-2003, 10:42
الجواب:
إن الأساس الذي يمكن بناء عليه أن نبين الجواب على هذه الأسئلة وعلى ما يشابهها في هذه المسألة، هو فهم الفرق بين الإرادة والمحبة والهوى.
فأما المحبة والهوى فهما شوق عاطفي نفسي لا يتوقف على الإرادة، فأنت قد تحب من لا تريد محبته، وقد لا تستطيع محبة من تريد محبته، فإن المحبة تابعة لطبيعة النفس وهذه ليست تابعة لإرادة الإنسان بل تابعة لخلق الله تعالى.
وأما الإرادة فيجب أن نعلم أن الإرادة إنما هي مجرد صفة بها يمكن ترجيح أمر على أمر من الممكنات.
فمثلا شرب الكأس ممكن، وعدم شربة ممكن، وسكبه على الأرض ممكن، وكسر الكأس ممكن، فكيف ترجح أنت فعلا من هذه الأفعال، أليس بإرادتك، إنك من حيث أنت فاعل تفعل بإرادتك، فإرادتك ترجح لك جهة من جهات الفعل تتوجه أنت إليها فتكسبها، أو تفعلها.
ولماذا قد يخالف الإنسان شهوته ورغبته فيفعل بعض الأفعال التي لا تتماشى مع محبته، إنه يفعلها لأنه يرجح فعله على عدم فعله لها لأمر آخر، كأن يرجح قيامه من النوم وقت صلاة الصبح في يوم مطير على دوام نومه، لأنه يعتقد بوجوب ذلك عليه، ولزوم طاعة الله تعالى في ذلك، وإن خالف شهوته.
وهو يترك النظر إلى النساء الجميلات ولا يتعلق بهن التزاما بالأحكام الشرعية النازلة من عند الله تعالى، وذلك مخالفة لطبيعته وشهوته. وهكذا.
فالفرق بين الهوى والشهوة والمحبة وبين الإرادة واضح إذن.
فأنت تقول أنا أحب ـ وتريد معنى غير المعنى المفهوم من قولك أنا أريد.
فالإرادة أصلا غير المحبة.
نعم نحن نعرف في اللغة العربية مفهوم الاستعارة والمجاز، واستعمال لفظ محل لفظ لاستجلاب لازمة أو هيئة من هيئات معناه، فيمكن في بعض العبارات استعمال لفظ المحبة مكان الإرادة، أو العكس، ولكن كلامنا على أصل المعنى لا على المجاز.
والإرادة يرتبط دائما مع تنفيذها مع القدرة، فمهما قال واحد أنا أريد شيئا ما فإنه إذا كان قادرا عليه ولم يمنعه مانع، فهذا الشيء لا بد أن يفعله، إذا تحققت الإرادة فعلا فيه، ولكن الواحد قد يقول أن أريد فعلا ما، ولم يتحقق في نفسه إلا مجرد توجه ساذج إلى هذا الفعل، ولم يكتمل إلى الإرادة، فهذا لا عبرة به.
ولذلك فإننا نجد في القرآن الكريم آيات بينات كقوله تعالى (إن الله يحكم ما يريد)، وقوله تعالى (إن ربك فعال لما يريد) وقوله تعالى (إن الله يفعل ما يريد)، وقوله تعالى(ذو العرش المجيد، فعال لما يريد).
ففي هذه الآيات جميعا دلالة واضحة على أن إرادة الله تعالى لا تتخلف، بمعنى أن ما يريد الله تعالى وقوعه يقع فعلا، ولا يمكن أن يقال إن الله تعالى أراد أمرا معينا ولم يقع ولم يوجد هذا الأمر.
فالتلازم بين الإرادة والفعل محتم، غير منفصل مطلقا. ولو تأملت آيات القرآن جميعها لوجدت صدق ما قلته لك هنا.
ولذلك فإننا نقول إن الإرادة هي صفة لله تعالى بها يتم ترجيح أمر ممكن على أمر ممكن آخر.
فإن الإرادة تتعلق كما تعلم بالممكنات العقلية ولا يشذ عنها شيء مطلقا، فكل ما هو واقع وموجود فهو واقع بإرادة الله تعالى.
وأما معنى الإرادة في الآية التي سألت أيها الأخ عنها وهي قوله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا)، فهو معنى الإرادة السابق لا خلاف ولا فرق، فمن أراد الله تعالى هدايته فهو من علم أنه سوف يريد الاهتداء، فذلك الإنسان ييسر له مقدمات الإيمان ويوجدها له في نفسه ومن حوله، ومن أراد الله تعالى ضلاله، فهو من علم أنه سوف يكون من الكافرين به، فذك يمهد له من المقدمات ومن الأسباب العادية ما يؤدي به إلى ما اختاره. فهو نفس المعنى السابق.
والله تعالى خالق كل شيء، فهو الذي خلق سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام وخلق إبليس لعنه الله، وهو خالق الخير والشر، وهو خالق الكفر والإيمان، (الله خالق كل شيء).
وعندما نقول الله خالق كل شيء، فإننا لا بد قائلون بأن الله تعالى أراد كل ما خلقه، ولو لم يرده لم يقع في الوجود قطعا.
ولكن كون الله تعالى خالقا للكفر والإيمان في الكافر والمؤمن، لا يستلزم أنه أحب الكفر، لأن المحبة عندنا في حق الله تعالى هي أمره تعالى الشيء، فما أمر به فقد أحبه، ولم يأمر الله تعالى بالكفر، فلا يقال إنه أحب الكفر.
وكذلك في كل أمر آخر في هذا الوجود.
وأما قوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)، فأنا أنقل لك كلام المفسر الكبير ابن عطية من تفسيره المحرر الوجيز، ففيه الكفاية إن شاء الله تعالى.
قال في تفسير هذه الآية من سورة الرعد آية 39:
وقوله تعالى (لكل أجل كتاب) لفظ عام في جميع الأشياء التي لها آجال، وذلك أنه ليس كائن فيها إلا وله أجل في بدئه وفي خاتمته وكل أجل مكتوب محصور فأخبر الله تعالى عن كَتْبِهِ الآجال التي للإشياء عامة.
ثم قال:
وقوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت) قرأن نافع وبن عامر وحمزة والكسائي (ويثَبِّت) بتشديد الباء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بخفيفها.
وقد تخبط الناس في معنى هذه الألفاظ، والذي يتلخص من مسلكها أن الأشياء التي قدرها الله تعالى في الأزل وعلمها بحال ما لا يصح فيها محو ولا تبديل، وهي التي كتبت في أم الكتاب، وسبق بها القضاء.
وهذا مروي عن ابن عباس وغيره، من أهل العلم.
وأما الأشياء التي أخبر الله تعالى أنه يبدل فيها وينقل كغفر الذنوب بعد تقريرها وكنسخ آية به تلاوتها واستقرار حكمها ففيها يقع المحو والتثبيت فيما يقيده الحفظة ونحو ذلك،
وأما إذا رُدَّ الأمر إلى القضاء والقدر فقد محا الله ما محا ، وثبَّت ما ثبَّت، وجاءت العبارة مستقبلة لمحي الحوادث وهذه الأمور فيما يستأنف من الزمان، فينتظر البشر ما يمحو أو ما يثبت وبحسب ذلك خوفهم ورجاؤهم ودعاؤهم.
وقالت فرقة منهم الحسن: في في آجال بني آدم وذلك أن الله تعالى في ليلة القدر .
وقيل ليلة نصف شعبان يكتب آجال الموتى فيُمحى ناس من ديوان الأحياء ويثبَتون في ديةان الموتى ، وقال قيس بن عُباد: العاشر من رجب هو يوم يمحو الله ما يشاء ويثبت.
قال القاضي أبو محد (ابن عطية) رحمه الله:
وهذا التخصيص في الآجال وغيرها لا معنى له، وإنما يحسن من الأقوال هنا ما كان عاما في جميع الأشياء.
فمن ذلك أن يكون معنى الآية إن الله تعالى يغير الأمور عن أحوالها أعني ما من شأنه أن يُغَيَّر على ما قدمناه، فيمحو من تلك الحالة ويثبته في تلك التي نقله إليها، ورُوي عن عمر وابن مسعود أنهما كانا يقولان في دعائهما :"اللهم إن كنت كتبتنا في ديوان الشقاوة فامحنا وأثبتنا في ديوان السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت"، وهذا دعاء في غفران الذنوب وعلى جهة الجزع منهما، أي: اللهم إن كنا شقينا بمعصيتك وكتبت علينا ذنوب وشقاوة بها فامحها عنا بالمغفرة والطاعة،
وفي لفظ عمر رضي الله عنه في بعض الروايات بعض من هذا، ولم يكن دعاؤهما البتَّة في تبديل سابق القضاء، ولا يُتَاَوَّل عليهما ذلك.
ثم قال:
وحكى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: يمحو الله ما يشاء ويثبت من أمور عباده إلا السعادة والشقاوة والآجال فإنه لا محو فيها.
قال القاضي أبو محمد (ابن عطية) رحمه الله:
وهذا نحو ما أصَّلناه أولا في الآية.
وحكي عن فرقة أنها قالت: يمحو الله ما يشاء ويثبت من كتاب حاشى أم الكتاب الذي عنده لا يغير منه شيئا، وقالت فرقة معناه يمحو كل ما يشاء ويثبت كل ما أراد، ونحو هذه الأقوال التي هي سهلة المعارضة.
وأسند الطبري عن إبراهيم النَّخَعي أن كعبا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال وما هي. قال قوله تعالى( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).
وذكر أبو المعالي في التلخيص أن عليا رضي الله عنه هو الذي قال هذه المقالة المذكورة عن كعب، وذلك عندي لا يصح عن عليّ."اهـ
وأقول: ولا تسلك لكعب إن كان قالها.
وما ذكره ابن عطية رضي الله عنه، كاف في هذا الباب.
ويظهر من كلامه رضي الله عنه أن المحو والإثبات إنما هو بحسب ما يخافه الإنسان وتخوفه.
يعني: أن الواحد من الناس قد يقه في قلبه أنه قد كتب عند الله تعالى معذبا، فيدعو الله تعالى أنه إن كان كذلك أن يمحوه ويكتبه منعما، فإنما الدعاء بذلك بحسب ما يقع في وهم الإنسان، وأما ما في علم الله تعالى فلا تغير.
وأما المحو المذكور في الآية، فأقرب المعاني فيها هو نفس الفعل الذي يفعله الله تعالى والأمور التي يغيرها بحسب ما علمه وأثبته منذ الأزل.
فهي بالنسبة لنا تظهر متغيرة متبدلة.
وأما في علم الله تعالى، فتغيرها ثابت على ما هو عليه عنده.
يعني لو كان زيد مثلا في خلال حياته مؤمنا، وبقي عشر سنوات كذلك، ثم كفر بعد ذلك، فهذا بحسب علمنا تغير، وأما بحسب علم الله تعالى فلا تغير أصلا، لأنه جل شأنه علم أن زيدا سيبقى مؤمنا مدة عشر سنوات، ثم على رأس هذه العشرة سوف يكفر، فثبت عنده كفره في زمان كفره، وثبت عنده إيمانه في زمان إيمانه. فالتغير إنما هو بحسب علمنا لا علمه جل شأنه.
وهكذا يقال في المحو والإثبات ودعاء بعض الصحابة كما نبه عليه ابن عطية.
ولا علاقة لهذا بتقسيم الإرادة إلى قسمين كما يظهر وإنما اعتمد من قال بها على آيات أخرى تلك التي أشرنا إليها في شرح الطحاوية، وللأسباب التي ذكرناها، خلا من قال بها من بعض أهل السنة، فإنهم ربما تلقفوها من غيرهم ولم يحققوا معناها ومبناها.
والله أعلم.
والله الموفق.